كتاب صلاة الجماعة
هِيَ فِي الْفَرَائِضِ -غَيْرَ الْجُمُعَةِ- سُنَّة مُؤَكَّدَة، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايةٍ لِلرِّجَالِ
(كتاب صلاة الجماعة)
الأصل في مشروعيتها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، فأمر بها في الخوف، ففي الأمن أولى.
(هي في الفرائض -غيرَ الجمعة- سنةٌ مؤكدة) لقوله عليه السلام: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ (1) بِسَبع وَعِشْرِينَ دَرَجَة" متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (2).
وذلك يدل على الندبية؛ لأن تفضيل الفعل على الترك يشعر بجواز الترك، وجمع بين الروايتين من وجهين: أحدهما: أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده، والثاني: أن الأولى في الصلاة الجهرية، والثانية في السرية؛ لأن السرية تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإمام والتأمين لتأمينه.
وخرج بـ (الفرائض): النوافلُ؛ فإن الجماعة تسن في بعضها في دون بعض على ما مر في
باب
ه، وبـ (غير الجمعة): الجمعةُ؛ فإنها فرض عين فيها.
(وقيل: فرضُ كفايةٍ) لحديث: "مَا مِنْ ثَلَاثة فِي قَرْية، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصلَاةُ .. إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ؛ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ" رواه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم 3.
(للرجال) فالنساء ليست في حقهن فرض كفاية، بل هي سنة في حقهن، والخنثى في هذا كالمرأة، ويستثنى من إطلاقه الفرائض المنذورة؛ فإنه لا يشرع فيها12
الجزء: 1 - الصفحة: 321
فَتَجبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ .. قُوتلُوا، وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّساءِ تأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: عَيْنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ
الجماعة؛ كما صرح به الرافعي في (الأذان) 4.
(فتجب بحيث يظهر الشعارُ في القرية) فيكفي في القرية الصغيرة إقامتها في موضع، وفي الكبيرة في مَحالّ، ولا تسقط بفعلها في البيوت في الأصحِّ، ولو أقامها طائفة يسيرة من أهل البلد وأظهروها في كل البلد، ولم يحضرها جمهور المقيمين بالبلد .. حصلت الجماعة، وأقل جماعة يسقط بها الفرض عن الباقين .. اثنان، وقيل: ثلاثة 5.
(فإن امتنعوا كلهم .. قوتلوا) لتركهم المفروض، والمقاتل لهم الإمام أو نائبه دون الآحاد، وإذا قلنا: إنها سنة .. لم يقاتلوا على الأصحِّ.
(ولا يتأكد الندب للنساء تأكدَه للرجال في الأصح) لأن الجماعة لا تتأتى غالبًا إلا بالخروج إلى المساجد، وقد تكون فيه مشقة عليهن ومفسدة لهن، وعلى هذا: فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال، والثاني: يتأكد لهن أيضًا؛ لعموم الأدلة السابقة.
(قلت: الأصح المنصوص) في "الأم" 6 (أنها فرضُ كفاية) لما سلف، وحمل دليل السنية على ما إذا كان هناك عذر من مرض ونحوه.
(وقيل: عينٍ، والله أعلم) لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتمامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" متفق عليه 7.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين المقيم والمسافر، وهو المنصوص في "الأم" 8
الجزء: 1 - الصفحة: 322
وَفِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ، وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ
ما حكاه السبكي وغيره، لكن جزم في "التحقيق" تبعًا للإمام بعدم فرضيتها في حق المسافر 9.
نعم؛ يستثنى من إطلاقه الخلاف مسائل: منها: العبيد، فليست فرضًا في حقهم قطعًا، وكذا المقضية، والعراة، وهل الأفضل في حق العراة الجماعة أو الانفراد؟ رجح الرافعي الجماعة 10، ورجح المصنف: أن الجماعة وتركها سيان، ثم قال: (فلو كانوا عُمْيًا أو في ظلمة .. استحب لهم الجماعة قطعًا) 11.
(وفي المسجد لغير المرأة أفضلُ) لقوله صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" متفق عليه 12.
ولأن المسجد مشتمل على الشرف وكثرة الجماعة.
نعم؛ صلاته في بيته جماعة أفضل من صلاته في المسجد منفردًا.
وقضية إطلاقه: أن المسجد أفضل وإن كانت الجماعة في خارجه أكثر، وبه صرح الماوردي 13، وقال القاضي أبو الطيب: إذا كانت جماعة المنزل أكثر .. فهو أفضل، وقال الأَذْرَعي: إن ظاهر النص يشير إليه، وله شواهد من السنة وكلام الأصحاب.
أما المرأة: فجماعتها في بيتها أفضل؛ لقوله عليه السلام: "لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْر لَهُنَّ" رواه أبو داوود وصححه الحاكم 14.
وما كان من بيتها أستر .. فهو أفضل أيضًا، فإن حضرت المسجد .. كُره لمشتهاة ولشابة، لا لغيرهما عند أمن الفتنة، وإذا استأذنت وليًا أو زوجًا .. كُره إذنه حيث يُكره لها، وإلا .. نُدب، وإذا أرادته .. كُره الطيب وفاخر الثياب.
(وما كثر جمعه أفضل) لقوله عليه السلام: "صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكِى منْ
الجزء: 1 - الصفحة: 323
إِلَّا لِبدْعَةِ إِمَامِهِ أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغَيْبَتِهِ. وَإِدْرَاكُ تَكْبيرَةِ الإِحْرَامِ فَضيلَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ، وَقِيلَ: بِإِدْراكِ بَعْضِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ. وَالصحِيحُ: إِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
صلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ .. فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى" رواه أبو داوود وصححه ابن حبان 15.
(إلّا لبدعةِ إمامِه) كالمعتزلي وغيره، وهكذا كل من لا يعتقد بعض الأركان" قال أبو إسحاق: بل الانفراد أفضل.
(أو تَعطُّل مسجدٍ قريبٍ لغببته) أي: تعطله عن الجماعة؛ لكونه إمامًا، أو لأن الناس يحضرون بحضوره، فقليل الجمع فيه أولى؛ لما فيه من هجرانه.
(وإدراكُ تكبيرة الإحرام فضيلةٌ) لورود الحث على ذلك عن السلف، وفيه حديث ضعيف في "الترمذي" 16.
(وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه) مع حضوره أيضًا تكبيرة الإمام من غير وسوسة ظاهرة؛ كما قاله في "شرحِ المهذب" 17، فإن أخر .. لم يدركها؛ لقوله عليه السلام: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ .. فَكَبِّرُوا" متفق عليه 18، والفاء للتعقيب.
(وقيل: بإدراك بعض القيام) لأنه محل التكبيرة الأولى، (وقيل: بأول ركوعٍ) لأن حكمه حكمُ قيامها؛ بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام، والوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام، . فأما من حضره .. فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة، حكاه في "زيادة الروضة" عن "البسيط" وأقرَّه 19
(والصحيح: إدراك الجماعة) في غير الجمعة (ما لم يسلم) الإمام وإن لم يجلس
الجزء: 1 - الصفحة: 324
وَلْيُخَفِّفِ الإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى بتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ. وَيُكْرَهُ: التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ، وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوع أَوِ التَّشَهُّدَ الأَخِيرِ بِدَاخِلٍ .. لَمْ يُكْرَهِ انْتِظَارُهُ فِي الأَظْهَرِ إِنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ، وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ
معه؛ لأنه قد أدرك معه ما يعتد له به، وهو النية وتكبيرة الإحرام، فحصلت له به الجماعة؛ كما لو أدرك ركعة، والثاني: لا يدرك إلا بركعة؛ لأن ما دونها لا يُحسب من صلاته، ورُدَّ بما سبق.
(وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات) لقوله عليه السلام: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ .. فَلْيُخَفِّفْ" متفق عليه 20.
(إلّا أن يرضى بتطويله) جميع المقتدين وهم (محصورون) فلا يخفف، بل يستحب التطويل؛ لانتفاء علة التخفيف، وحكى ابن كَجٍّ وغيره وجهًا: أن التخفيف أفضل مطلقًا حتى للمنفرد.
(ويكره التطويل ليلحق آخرون) للإضرار بالحاضرين، ولتقصير المتأخرين.
(ولو أحسَّ في الركوع أو التشهد الأخيرِ بداخلٍ .. لم يكره انتظارُه في الأظهر) لأنه يدرك الركعة إن كان في الركوع، ويدرك فضيلة الجماعة إن كان في التشهد، ويستثنى الركوع الثاني من الكسوف، فلا انتظار فيه؛ إذ لا تحصل بإدراكه الركعةُ على الأصحِّ، والثاني: يكره؛ لما فيه من التطويل على الحاضرين، وكلام الرافعي في "الشرح" يقتضي ترجيحه، واختاره السبكي؛ لأن فيه تشريكًا في العبادة، واقتضى كلام "المهمات": أن الأكثرين عليه 21.
(إن لم يبالغ فيه) فإن بالغ -بأن طول تطويلًا لو وُزِّع على جميع الصلاة .. لظهر له أثر محسوس في الكل- .. كره، فلو ظهر في الركوع خاصة ولم يظهر في الجميع .. فهو موضع القولين (ولم يَفْرُق بين الداخلِين) بل يقصد به التقرب إلى الله تعالى، لا التودد إلى الداخل، وحيث انتظر لا بقصد القربة .. بطلت صلاته بالاتفاق؛ كما
الجزء: 1 - الصفحة: 325
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا. وَيُسَنُّ لِلْمُصلِّي وَحْدَهُ -وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الأَصَحِّ-: إِعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا،
نقله في "الكفاية"؛ للتشريك 22.
وأشار بقوله: (بداخل) إلى أنه إذا كان خارج المسجد .. لا ينتظر قطعًا، وهو كذلك، قال المحب الطبري: وعلته التطويل، قال: لكنه مُنتقَض بالخارج القريب؛ لصغر المسجد، والداخل البعيد؛ لسعته، والوجه: مراعاة هذا التفصيل.
انتهى.
(قلت: المذهب: استحباب انتظاره، والله أعلم) ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين 23؛ لأنه تحصيل مصلحة للغير بلا مضرة، فكان مستحبًا؛ كرفع الصوت بالأذان، وتكبيرة الإحرام.
(ولا ينتظر في غيرهما) أي: في غير الركوع والتشهد الأخير؛ لفقدان المعنى المذكور، قال في "شرح المهذب": بل يكره، قال: وإذا انتظر وطول .. لا تبطل انتهى 24.
ومحله: في غير الاعتدال والجلوس بين السجدتين؛ لقصرهما؛ كما تقرر في موضعه.
(ويسن للمصلي وحده -وكذا جماعةً في الأصح-: إعادتها مع جماعة يُدركها) لعموم قوله عليه السلام للرجلين الذين لم يصليا معه صلاةَ الصبح، وقالا: إنهما صلياها في رَحلهما: "إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ .. فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" رواه أبو داوود، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم 25، والثاني: لا تسن فيما إذا صلى جماعة؛ لحصول فضيلة الجماعة، فلا معنى للإعادة، بخلاف المنفرد.
وقوله: (مع جماعة) يُفهم: أنه لا يستحب إعادتها مع منفرد، وليس كذلك،
الجزء: 1 - الصفحة: 326
وَفَرْضُهُ الأُولَى فِي الْجَدِيدِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ. وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا -وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّة- إِلأَ لِعُذْرٍ عَامٍّ؛ كَمَطَرٍ
بل هو مستحب جزمًا ولو كان صلى أولًا في جماعة؛ لتحصل له فضيلة الجماعة.
ويستثنى: صلاة الجنازة؛ فإنه لا تسن إعادتها على الصحيح؛ كما سيأتي، وكذلك الجمعة لا تجوز إعادتها؛ لأن الجمعة لا تقام بعد أخرى، ومحل استحباب الإعادة: إذا كان الوقت باقيًا، فأما بعد فواته .. فلا قطعًا، قاله صاحب "المعين".
قال صاحب "المذاكرة": ويلزم عليه: أنه لا تسن إعادة المغرب؛ تفريعًا على الجديد، وهو ضيق وقتها، وإطلاق المصنف يشمل وقت الكراهة، وهو الأصحُّ، وأطلق المصنف الإعادة ومراده: المعنى اللغوي، وهو الأداء، لا المصطلح عليه في الأصول 26.
(وفرضه الأُولى في الجديد) للحديث المار، ولسقوط الخطاب بها، والقديم: أنه إحداهما لا بعينها، والله تعالى يحتسب ما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب أكملهما.
(والأصح) على الجديد (أنه ينوي بالثانية الفرضَ) لأنه إنما أعادها؛ لينال ثوابَ الجماعة في فرض وقته، وإنما ينال ذلك إذا نوى الفرض، والثاني: لا ينوي الفرض بل ينوي الظهر أو العصر مثلًا؛ لأن الأمر بنية الفرضية مع اعتقاد وقوع خلافه مُحالٌ، وهذا هو الراجح؛ كما قاله في "الروضة" و"شرح المهذب" 27.
(ولا رخصةَ في تركها) يعني: الجماعة (وإن قلنا: سنةٌ) لتأكدها (إلّا لعذر) لقوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ .. فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ" رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم 28.
(عام؛ كمطر) تحصل بالخروج معه مشقة؛ كما قيده الرافعي في الكلام على
الجزء: 1 - الصفحة: 327
أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِالَّليْلِ، وَكَذَا وَحَلٌ شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ خَاصٍّ؛ كَمَرَضٍ، وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ، وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلَازَمَةِ غَرِيمِ مُعْسِرٍ،
المرض 29، وكثلج يَبُلُّ الثوبَ؛ لحديث ابن عباس فيه في "الصحيحين" 30.
(أو ريحٍ عاصفٍ بالليل) لما فيه من المشقة، والعاصفة هي الشديدة، (وكذا وَحَلٌ شديدٌ على الصحيح) ليلًا ونهارًا؛ لأنه أشق من المطر، والثاني: أنه ليس بعذر؛ لإمكان الاعتداد له بالنعال المطبقة ونحوها، والتقييد بالشديد وقع في "الكتاب" و"الروضة" و"أصليهما" 31، وأطلق في "شرح المهذب" و"التحقيق" الوَحَلَ، ولم يقيده بالشديد 32، قال الأَذْرَعي: وهو الوجه.
(أو خاصٍّ؛ كمرض) لأنه عليه الصلاة والسلام لما مرض .. ترك الصلاة بالناس أيامًا كثيرة 33.
ولا يشترط بلوغ المرض حدًا يُسقط القيام في الفرض، بل يشترط أن تحصل له مشقة؛ كمشقة الماشي في المطر.
(وحرٍّ وبردٍ شديدين) لأن المشقة فيهما كالمشقة في المطر والوَحَل بل أزيد، وعدّ في "الروضة" و"أصلها" هذين من الأعذار العامة 34، وهو أَوْجَهُ.
(وجوعٍ وعطشٍ ظاهرين، ومدافعةِ حدثٍ) لما مر في آخر (شروط الصلاة).
(وخوفِ ظالمٍ على نفسٍ أو مالٍ) له أو لمن يلزمه الذب عنه؛ دفعًا للضرر.
(وملازمةِ غريمِ معسرٍ) هو بإضافة (غريم) إلى (معسر) أي: ملازمة غريمه له وهو معسر، ومحل هذا: إذا عَسُرَ عليه إثباتُ إعساره، وإلا .. لم يعذر؛ كما قاله في "البسيط".
الجزء: 1 - الصفحة: 328
وَعُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تغيَّبَ أَيَّاما، وَعُرْيٍ، وَتأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ،
(وعقوبةٍ يُرجى تركُها إن تغيّب أيامًا) يَسكن فيها غيضُ المستحق؛ كالقصاص وحدّ القذف وغيرهما مما يقبل العفو، بخلاف ما لا يقبله؛ كحدّ الزنا والسرقة.
(وعُرْيٍ) وإن وجد ما يستر عورته؛ لأن عليه مشقة في مشيه بغير ثوب يليق به، كذا علله في "شرح المهذب" 35، ويؤخذ منه: أن ما لا يليق به -كالقَبَاء في حق الفقيه- كالمعدوم، قال شيخنا: وبه صرح بعضهم 36.
(وتأهبٍ لسفرٍ مع رُفقةٍ تَرحل) للمشقة في التخلف عنهم للجماعة.
(وأكلِ ذي ريحٍ كريهٍ) إذا لم تمكن إزالته بعلاج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ .. فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" رواه مسلم 37.
وروى الطبراني في أصغر معاجمه: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْخُضْرَاوَاتِ: الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالْفُجْلِ ... " الحديث 38.
واحترز بالكريه: عما إذا طُبخت هذه الأشياء .. فإنه لا يعذر بأكلها؛ كما صرح به في "المحرّر" 39، وقد يؤخذ من كلام المصنف: سقوط الجماعة بالبَخَر والصُّنان المستحكم بطريق الأولى، وفي البرص والجذام -عافانا الله منه- نظر، قال الإسنوي: (والظاهر: عدم السقوط) 40.
ودخول المسجد للذي أكل ما سبق مكروه، كذا جزم به في "الروضة" آخر 41
الجزء: 1 - الصفحة: 329
وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ أَوْ مَرِيضٍ بلَا مُتَعَهِّدٍ أَوْ يَأْنسُ بهِ.
فصلٌ [في صفات الأئمة]
لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهُ،
(شروط الصلاة)، وظاهر الحديث: يقتضي التحريم، وبه صرح ابن المنذر في "الإقناع" 42.
والمعذور بأكل هذه الأشياء للتداوي يعذر في الحضور؛ كما صرح به ابن حبان في "صحيحه" 43.
(وحضورِ قريبٍ مُحتضَرٍ) سواء كان له متعهد أم لا؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما ترك الجمعة، وحضر عند قريبه سعيد بن زيد أحدِ العشرة لمّا أخبر أن الموت قد نزل به 44.
والمعنى فيه: ما في ذهابه إلى الجماعة من شغل القلب السالب للخشوع، وفي معنى القريب: الزوجة والمملوك والصهر والصديق.
(أو مريضٍ بلا مُتعهِّدٍ) ولو أجنبيًّا وخيف هلاكه إن غيب عنه، أو ضرر ظاهر عليه على الأصحِّ " لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة.
(أو يَأنَسُ به) هذه العبارة تقتضي: أن الأنس عذر في القريب والأجنبي، والذي في "المحرّر" وغيره: تخصيص ذلك بالقريب ونحوه 45، فلو قال: (وحضور قريب ونحوه محتضر أو كان يأنس به أو مريض بلا متعهد) .. لا تضح واستقام.
(فصل: لا يصح اقتداؤه بمن يَعلم بطلان صلاتِه) كمن علم بحدثه أو كفره، لأنه لا صلاة له فكيف يقتدى به؟ (أو يعتقده) أي: بطلان الصلاة من حيث الاجتهاد في غير اختلاف المذاهب في
الجزء: 1 - الصفحة: 330
كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ إِنَاءَيْنِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَاهِرُ .. فالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إِنَاءُ الإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إِنَاءِ غَيْرِهِ .. اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا، فَلَوِ اشْتبَهَ خَمْسَة فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ، فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، وَأَمَّ كُلٌّ فِي صَلَاةٍ .. فَفِي الأَصَحِّ: يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ إِلَّا إِمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ. وَلَوِ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوِ افْتَصَدَ .. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ؛ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي
الفروع (كمجتهدَيْن اختلفا في القبلة أو إناءين) لأن كلًّا منهما يعتقد بطلان صلاة الآخر.
(فإن تعدد الطاهر) كأن كانت الأواني ثلاثة مثلًا والطاهر منها اثنان، وظن طهارة إنائه، ولم يغلب على ظنه شيء في الآخرين.
( .. فالأصح: الصحة) أي: صحة اقتدائه بالآخر؛ لأن الأصل عدم وصول النجس إلى الإناء (ما لم يتعين إناءُ الإمام للنجاسة) فيصح في مثالنا اقتداءُ الأول بالثاني دون الثالث؛ لتعين النجس فيه، والثاني: أنه ليس له الاقتداء بواحد من صاحبيه؛ لأنه متردد في أن المستعمل للنجاسة هذا أم ذاك.
(فإن ظن طهارة) إنائه و (إناءِ غيرِه .. اقتدى به قطعًا) لانتفاء المحذور، ولو ظن نجاسة إناء غيره .. امتنع اقتداؤه به قطعًا.
(فلو اشتبه خمسةٌ فيها نَجِسٌ على خمسة، فظن كلٌّ طهارةَ إناءٍ فتوضأ به) ولم يظن شيئًا من أحوال الأربعة، (وأمَّ كلٌّ في صلاةٍ) من الخمس بالباقين وبدؤوا بالصبح ( .. ففي) الوجه (الأصح) السابق في المسألة قبلها (يعيدون العشاءَ) لأن بزعمهم تعينت النجاسة في حق إمامها.
(إلّا إمامَها فيعيد المغربَ) لأنه صح له الصبح والظهر والعصر؛ لاقتدائه فيهن خلف من لم تنحصر النجاسة فيه، وهو متطهر بزعمه في العشاء، فتعين عنده النجاسة في حق إمام المغرب.
وضابط ذلك: أن كل واحد يعيد ما كان مأمومًا فيه آخرًا، وعلى الوجه الثاني في المسألة قبلها: يعيد كل منهم الأربع التي كان مأمومًا فيها.
(ولو اقتدى شافعيٌّ بحنفيٍّ مَسَّ فرجَه أو افتصد .. فالأصح: الصحةُ في الفصد دون المسِّ؛ اعتبارًا بنية المقتدي) لأنه محدث عنده بالمس دون الفصد، والثاني:
الجزء: 1 - الصفحة: 331
وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ، وَلَا بِمَنْ تلزَمُهُ إِعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الْجَدِيدِ -وَهُوَ: مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تشدِيدَةٍ مِنَ (الْفَاتِحَةِ)، وَمِنْهُ: أَرَتُّ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ،
العكس؛ اعتبارًا بنية المقتدى به، لأنه يرى أنه متلاعب في الفصد ونحوه، فلا تقع منه نية صحيحة، بخلاف المس، فإنه يرى صحتها وخطؤه غير مقطوع به، ولعل الحق ما ذهب إليه، وفي اقتداء الشافعي بالمخالف له في الفروع وجوه: أصحها: إن لم يعلم أنه ترك واجبًا في اعتقاد المأموم .. صح، وإلا .. فلا.
وقال الأَوْدَني والحَليمي: إن اقتدى بولي الأمر أو نائبه .. صح مع تركه الواجبات عندنا؛ لما في المفارقة من الفتنة، وإلا .. لم يصح، واستحسنه الرافعي 46.
(ولا تصح قدوةٌ بمقتدٍ) في حال قدوته، لأنه تابع لغيره، وهذا إجماع، (ولا بمن تلزمه إعادةٌ، كمقيم تيمم) لأن صلاته غير مجزئة، لوجوب إعادتها، وشمل إطلاقه ما لو اقتدى به مثله، وهو الأصحُّ في "الروضة" 47.
(ولا قارئَ بأمي في الجديد) إذ رتبة الإمام تَحمُّل القراءة، بدليل المسبوق فإذا لم يحسن القراءة .. لم يصلح للتحمل، والقديم: منعه في الجهرية خاصة؛ بناء على أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم في الجهرية دون السرية، والصحيح: طرد الخلاف مطلقًا، سواء علم بحاله في الابتداء أو جهله.
نعم؛ يستثنى من محل الخلاف: المقصر بترك التعلم؛ فلا تصح القدوة به قطعًا؛ لأنه تلزمه الإعادة.
(وهو) أي: الأمي (مَنْ يُخلُّ بحرفٍ أو تشديدةٍ من الفاتحة) أي: عجزًا، ونبه بذلك على من لا يحسنها بطريق الأولى.
(ومنه) أي: من الأمي (أرتُّ) بـ (التاء) المثناة فوق المشددة (يُدغِم في غير موضعِه) أي: في غير موضع الإدغام.
الجزء: 1 - الصفحة: 332
وَأَلْثَغُ يُبْدِلُ حَرْفًا- وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ. وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَام، وَالْفَأْفَاءِ، وَاللَّاحِنِ، فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنَىً كـ (أَنْعَمْتُ) بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ .. أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلّمُ، فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ، أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ تَعَلُّمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي (الْفَاتِحَةِ) .. فَكَأُمِّيٍّ، وَإِلَّا .. فَتَصِحّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ. وَلَا تَصِحّ قُدْوَةُ رَجُلٍ وَلَا خُنْثَى بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى
(وأَلثَغ يبدل حرفًا) بحرف؛ كـ (سين) بـ (ثاء)، و (راء) بـ (غين)، كالمثتقيم، وغيغ المغضوب.
(وتصح بمثله) أي: فيصح اقتداء الأمي بأمي مثله، والأرت بأرت مثله، والألثغ بألثغ مثله؛ لاستوائهما في النقصان.
(وتُكره بالتمتام) وهو الذي يكرر (التاء)، (والفأفاء) وهو الذي يكرر (الفاء) لحصول زيادة في الصلاة ليست منها، (واللاحنِ) الذي لا يغير لحنه المعنى؛ كرفع (هاء) ﴿لله﴾.
(فإن) لحن لحنًا (غَيَّرَ معنىً؛ كـ"أنعمت" بضمٍّ أو كسرٍ .. أبطل صلاةَ مَنْ أمكنه التعلمُ) لأنه ليس بقرآن.
(فإن عجز لسانُه، أو لم يَمْضِ زمنُ إمكانِ تعلمِه، فإن كان في "الفاتحة" .. فكأميٍّ) وقد مرّ حكمه، ومضي زمن إمكان التعلم مُعتبَر -كما قاله البغوي وغيره- من إسلام الكافر، والمسلم الأصلي يعتبر من التمييز فيما يظهر، قاله الإسنوي 48.
(وإلّا) أي: وإن كان في غير الفاتحة ( .. فتصحّ صلاتُه والقدوةُ به) لأن ترك السورة جائز فلا يمنع الاقتداء.
(ولا تصحّ قدوةُ رجلٍ) ولو صبيًا (ولا خنثى) مشكل (بامرأةٍ) لاحتمال ذكورته، وفي الخبر: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ أمْرَأَةً" 49، (ولا خنثى) أي لا تصح قدوةُ رجل بخنثى؛ لاحتمال أنوثة الخنثى، ولا خنثى بخنثى؛ لاحتمال ذكورة المأموم وأنوثة الإمام.
الجزء: 1 - الصفحة: 333
وَتَصِحُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ وَبِمَاسِحِ الْخُفِّ، وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ، وَلِلْكَامِلِ بِالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَالأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ، وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ. وَلَوْ بَانَ إِمَامُهُ أمْرَأَة، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، قِيلَ: أَوْ مُخْفِيًا
(وتصح للمتوضئِ بالمتيمم) الذي لا يجب عليه القضاء؛ لأنه قد أتى عن طهارته ببدل (وبماسحِ الخفّ) لأنها مغنية عن القضاء.
(وللقائم بالقاعد) لأنه صلى الله عليه وسلم صلّى قاعدًا، والناس وراءه قيام، قبل موته بيوم 50، (والمضطجعِ) أي: ويصح أيضًا اقتداء القائم بالمضطجع ولو كان موميًا؛ كما صرح به المتولّي؛ قياسًا على القائم بالقاعد.
(وللكاملِ) وهو البالغ الحرّ (بالصبي) المميز؛ لأن عمرو بن سَلِمة كان يؤم قومه على عهده صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع، رواه البخاري 51، (والعبدِ) لأن عائشة رضي الله عنها كان يؤمها عبدها، رواه البخاري أيضًا 52.
(والأعمى والبصيرُ سواءٌ على النص) لأن الأعمى أخشع، والبصير عن النجاسات أحفظ، وقيل: إن الأعمى أولى؛ مراعاةً للمعنى الأول، وقيل: البصير أولى؛ للمعنى الثاني.
(والأصح: صحةُ قدوةِ السليم بالسلِس، والطاهرِ 53 بالمستحاضة غيرِ المتحيرة) ونحوهما؛ كمن به جرحٌ سائل؛ قياسًا على المستجمر، وعلى من على ثوبه نجاسةٌ معفوّ عنها، والثاني: المنع؛ لحملهما النجاسة، وإنما صححنا صلاتهما للضرورة، ولا ضرورة إلى الاقتداء بهما، أما المتحيرة: فلا يصح الاقتداء بها ولو كان المقتدي بها مثلها على الأصحِّ في "الروضة" في (كتاب الحيض) 54
(ولو بان إمامه امرأة، أو كافرًا معلنًا) كذمي، (قيل: أو مُخفيًا) كزنديق
الجزء: 1 - الصفحة: 334
وَجَبَتِ الإِعَادَةُ، لَا جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأُمِّيُّ كَالْمَرْأَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اقْتَدَى بِخُنْثَى فَبَانَ رَجُلًا .. لَمْ يَسْقُطِ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. وَالْعَدْلُ أَوْلَى مِنَ الْفَاسِقِ
( .. وجبت الإعادة) لأن على الأنوثة والكافر المعلن أمارةً؛ مِن لبس المرأة وصوتها وصورتها، والكافر يمتاز بالغيار ونحوه، فهو مقصر بترك البحث، بخلاف مخفي الكفر؛ فإنه لا اطلاع عليه، ووجه وجوب الإعادة فيه: عدم أهليته للإمامة.
(لا جنبًا، وذا نجاسةٍ خفيةٍ) إذ لا أمارة عليهما فلا تقصير من المقتدي بهما، وهذا في غير الجمعة، أما فيها: فسيأتي الكلام فيها في بابهما.
وقضية كلامه: وجوب الإعادة في الظاهرة قال الإسنوي: لكن الصحيح المشهور -كما اقتضاه كلام "الروضة" و"شرح المهذب"-: هو القطع بعدم الوجوب، وقد صرح به في "التحقيق" 55.
(قلت: الأصح المنصوص وقول الجمهور: أن مُخْفِيَ الكفر هنا كمعلنه، والله أعلم) بناء على أن العلة الصحيحة عدم أهليته للإمامة، بخلاف المؤمن المحدث؛ فإنه من أهلها في الجملة، قال في "الروضة": ومع ذلك فالأقوى دليلًا: أن القضاء لا يجب 56.
(والأمي كالمرأة في الأصح) فيعيد إذا بان أميًا، والجامع: النقص، والثاني: أنه كالجنب، وفرق الأول؛ بأن فقدان القراءة نقص، بخلاف الجنابة.
(ولو اقتدى بخنثى) في ظنه (فبان رجلًا .. لم يَسقط القضاءُ في الأظهر) لتردد المأموم في صحة صلاته فلا تكون النيةُ جازمةً، والثاني: يسقط اعتبارًا بما في نفس الأمر.
(والعدل أولى) بالإمامة (من الفاسق) وإن اختص الفاسق بزيادة فقهٍ وسائر الصفات؛ لأنه لا يوثق به في محافظة الشروط.
الجزء: 1 - الصفحة: 335
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الأَفْقَهَ أَوْلَى مِنَ الأَقْرَأ وَالأَوْرَعِ
(والأصح: أن الأفقه) وإن لم يحفظ قرآنًا غيرَ الفاتحة (أولى من الأقرأ) وإن حفظ جميع القرآن وهو قليلُ الفقه؛ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أهمُّ؛ لكون الواجب من القرآن محصورًا، والحوادثُ في الصلاة لا تنحصر، والثاني: أنهما سواء؛ لتقابل الفضيلتين، والثالث: أن الأقرأ أولى؛ لحديث: "إِذَا كَانُوا ثَلَاثةً .. فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ" رواه مسلم 57.
وأجاب عنه الشافعي: بأن الصدر الأول كانوا يتفهمون معنى الآية، ويتفقهون فيها قبل حفظها 58، فلا يوجد منهم قارئ إلا وهو فقيهٌ، وحينئذٍ فالحديث يدلّ على تقديم قارئ فقيهٍ على فقيه ليس بقارئ، ولا نزاع في ذلك.
ويستثنى: ما إذا اجتمع عبد فقيه وحرٌّ غير فقيه، فإن الأصحَّ في "شرح المهذب": أنهما سواء 59، لكن صحح فيه وفي "الروضة" في (صلاة الجنازة) تقديم الحرّ 60، ولا يظهر فرق بين البابين، ويستثثى أيضًا الصبي، فإن البالغ أولى منه وإن كان الصبي أفقهَ.
(والأورع) أي: والأصحُّ: أن الأفقه أولى من الأورع؛ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أهمّ كما مرّ، والثاني: عكسه، إذ مقصود الصلاة هو الخشوع، والخضوع، والتدبر، ورجاء إجابة الدعاء، والأورع أقرب إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وكذا يقدم الأقرأ على الأورع؛ كما في "الروضة" عن الجمهور 61.
والورع: هو مجتنب الشهوات المشتهر بالعبادة، كما قاله في "التحقيق" و"شرح المهذب" 62.
الجزء: 1 - الصفحة: 336
وَيُقَدَّمُ الأَفْقَهُ وَالأَقْرَأُ عَلَى الأَسَنِّ النَّسِيبِ، وَالْجَدِيدُ: تَقْدِيمُ الأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا .. فَنَظَافَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَحُسْنُ الصَّوْتِ، وَطِيبُ الصَّنْعَةِ وَنَحْوُهَا
(ويُقدَّم الأفقهُ والأقرأ على الأسن النسيبِ) 63 لأن الفقه والقراءة مختصان بالصلاة؛ لأن القراءة من شروطها، والفقهَ لمعرفة أحكامها، وباقي الصفات لا تختص بالصلاة، والعبرة بسنّ مضى في الإسلام، فيقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم اليوم أو أمس.
(والجديد: تقديم الأسن على النسيب) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ .. فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" متفق عليه 64، والقديم: عكسه؛ للحديث المرسل: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا" 65.
وقيس على قريش: كل نسب فيه شرف، وكل ما يعتبر في كفاءة النكاح يعتبر ههنا، وأهمل الهجرة تبعًا لطائفة، لانقطاعها اليوم، وهي معتبرة، ويقدم بها على السن والنسب على الأصحِّ في "التحقيق"، والمختار في "شرح المهذب" 66.
(فإن استويا) في الصفات المعتبرة في التقديم (. .فنظافة الثوب والبدن) عن الأوساخ.
(وحُسْنُ الصوت، وطيبُ الصَّنعةِ ونحوُها) من الفضائل؛ لأنها تفضي إلى استمالة القلوب وكثرة الجمع، فيقدم بالنظافة، ثم بحسن الصوت، ثم بحسن الصورة؛ كما حكاه الرافعي عن "التتمة" وأقره 67، وجزم به، في "الشرح الصغير"، واختار في "شرح المهذب" تقديم أحسنهم ذكرًا، ثم صوتًا، ثم هيئة 68، فإذا استويا في جميع الصفات المعتبرة .. أقرع، والمراد بطيب الصنعة: الكسب الفاضل.
الجزء: 1 - الصفحة: 337
وَمُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ بِمِلْكٍ وَنَحْوِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا .. فَلَهُ التقدِيمُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ السَّاكِنِ، لَا مُكَاتبَهِ فِي مِلْكِهِ. وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُكْرِي، وَالْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَالْوَالِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْلَى مِنَ الأَفْقَهِ وَالْمَالِكِ.
(ومستحق المنفعة بملك) للعين (ونحوِه) كإجارة ووقف ووصية (أولى) إذا كان أهلًا للإمامة وإن كان غيرهُ أكملَ منه؛ لحديث: "وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ" رواه مسلم 69.
(فإن لم يكن أهلًا) لإمامة الحاضرين؛ كامرأة أو خنثى، أو للصلاة مطلقًا؛ كالكافر ( .. فله التقديم) استحبابًا؛ كما نقله في "شرح مسلم"؛ لأنه تصرف في ملكه 70.
(ويُقدَّم على عبده الساكنِ) لأن العبد والدار له (لا مكاتبِه في ملكه) أي: ملك المكاتب؛ لأنه مالك ساكن في ملكه.
(والأصح: تقديم المكتري على المكري) لأنه المستحق للمنفعة، والثاني: يقدم المكري؛ لأنه المالك للرقبة، وملك الرقبة أقوى من ملك المنفعة.
(والمعيرِ على المستعير) لملكه الرقبة واستحقاقه الرجوع في المنفعة، والثاني: المستعير؛ لأن السكن له في الحال.
(والوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك) لحديث: "وَلَا يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ".
ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى، ثم الأعلى فالأعلى، وباني المسجد ليس أحقَّ بالإمامة والتأذين فيه، بل هو وغيره سواء، خلافًا لأبي حنيفة.
الجزء: 1 - الصفحة: 338
فصلٌ [في بعض شروط القدوة ومكروهاتها وكثير من آدابها]
لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ، فَإِنْ تقدَّمَ .. بَطَلَتْ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا تَضُرُّ مُسَاوَاتُهُ، وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا، وَالاعْتِبَارُ بَالْعَقِبِ. وَيَسْتَدِيرُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الإِمَامِ فِي الأَصَحِّ،
(فصل: لا يتقدم على إمامِه في الموقف، فإن تقدم .. بطلتْ في الجديد) لأن المخالفة في الأفعال مبطلةٌ على ما سيأتي، وهذه المخالفة أفحشُ، والقديم: لا تبطل مع الكراهة؛ لأنها مخالفة في الموقف فلم تؤثر؛ كالوقوف على اليسار.
(ولا تَضرُّ مساواتُه) لعدم المخالفة، نعم؛ تكره؛ كما قاله في "شرح المهذب" 71.
(ويندب تخلفه قليلًا) خوفًا من التقدم، واستعمالًا للأدب (والاعتبار بالعقب) في التقدم والمساواة؛ لأن المأموم قد يكون أطول فيقدم رأسه عند السجود، وكذلك القدم والأصابع قد تكون أطولَ أيضًا؛ فلذلك وقع الاعتبار بالعقب.
هذا إذا صلّى قائمًا؛ فإن صلّى قاعدًا .. فالاعتبار بمحلّ القعود -وهو الألية- أو نائمًا .. فالاعتبار بالجنب، ذكره البغوي في "فتاويه".
(ويستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة) كذا فعله ابن الزبير، وأجمع عليه مَنْ في عصره ومَنْ بعده، قالا: (والمستحب: أن الإمام يقف خلف المقام ويقف الناس مستديرين بالكعبة) 72.
(ولا يضر كونُه أقربَ إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح) لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام ممّا يشقّ، ولا تظهر به مخالفة منكرة، بخلاف جهته، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، وقطع به الجمهور 73، والثاني: يضر؛ كما لو كان في جهته.
الجزء: 1 - الصفحة: 339
وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي الْكَعْبَةِ وَاخْتَلَفَتْ جِهَتَاهُمَا. وَيَقِفُ الذَّكَرُ عَنْ يَمِينهِ، فَإِنْ حَضرَ آخَرُ .. أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ، أَوْ يَتَأَخَّرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَوْ حَضرَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ .. صَفَّا خَلْفَهُ، وَكَذَا امْرَأَةٌ أَوْ نِسْوَةٌ. وَيَقِفُ خَلْفَهُ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ النِّسَاءُ
(وكذا لو وقفا في الكعبة، واختلفت جهتاهما) بأن كان وجهه إلى وجهه، أو ظهرُه إلى ظهره؛ قياسًا لداخل الكعبة على خارجها؛ فإنهم إذا استداروا .. يواجه المأموم إمامه.
(ويَقِفُ الذكرُ عن يمينه) بالغًا كان أو صبيًا؛ لما في "الصحيحين": (أن ابن عباس وقف عن يساره صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه) 74؛ ولهذا قال في "شرح المهذب": ويسن للإمام تحويله 75.
(فإن حضر آخرُ .. أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمامُ، أو يتأخران وهو أفضل) للاتباع 76، ولأنه متبوع فلا ينتقل من مكانه، هذا إذا أمكن كلّ منهما؛ فإن لم يمكن إلا أحدهما؛ لضيق إحدى الجهتين .. تعين، وهذا كلّه في القيام؛ فإن لحق الثاني في التشهد أو السجود .. فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا، ونبه بقوله: (ثم يتقدم ... ) إلى آخره على أن التقدم والتأخر إنما يكون بعد إحرام الثاني.
(ولو حضر رجلان أو رجل وصبي .. صفَّا خلفَه) للاتباع 77، نعم؛ لو كانوا عراةً بُصَراء في ضوء .. وقف الإمام وسطَهم فصلّوا صفًّا.
(وكذا امرأةٌ أو نسوةٌ) فإن الواحدة تقف خلف الإمام، وكذا النسوة؛ لما في "الصحيحين" عن أنس: (أنه عليه الصلاة والسلام صلّى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا) 78.
(ويقف خلفه الرجالُ، ثم الصبيان، ثم النساء) لحديث: "لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو
الجزء: 1 - الصفحة: 340
وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنَّ. وَيُكْرَهُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِ فَرْدًا، بَلْ يَدْخُلُ الصَّفَّ إِنْ وَجَدَ سَعَةً، وَإِلَّا .. فَلْيَجُرَّ شَخْصًا بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَلْيُسَاعِدْهُ الْمَجْرُورُ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بانْتِقَالَاتِ الإِمَامِ، بِأَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْضَ صَفٍّ، أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا. وَإِذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ .. صَحَّ الاقْتِدَاءُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ
الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا" رواه مسلم 79.
وأولو الأحلام والنهى: البالغون العقلاء، قال الدارمي في "الاستذكار": (هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل .. قدموا عليهم).
وسكت المصنف عن الخناثى، وموقفهم بين صفي الصبيان والنساء.
(وتَقِفُ إمامتُهن وَسْطَهن) لثبوت ذلك عن فعل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما؛ كما رواه الشافعي، والبيهقي بإسنادين حسنين 80.
(ويكره وقوف المأمومِ فردًا) للنهي عنه 81، (بل يدخل الصفَّ إن وجد سعةً) ولو كانت السعة في صف متقدم .. خرق الكاملَ؛ لتقصيرهم، (وإلّا) أي: وإن لم يجد سعة ( .. فليَجُرَّ شخصًا بعد الإحرام، وليساعده المجرور) لأن في ذلك إعانةً على الخير؛ لتحصل له فضيلةُ الصف، وليخرج من الخلاف.
وقوله: (بعد الإحرام) يفهم: أنه لا يجوز الجذب قبله، وبه صرح ابن الرفعة 82؛ لئلا يخرجه من الصفّ إلا إلى صفّ 83، ونصّ في "البويطي": على أنه يقف منفردًا ولا يجذب أحدًا.
(ويشترط علمه) أي: المأموم (بانتقالات الإمام؛ بأن يراه أو بعض صف، أو يسمعه أو مُبلِّغًا) لأنه لو لم يعلم بها .. لكانت صلاتُه متوقفةً على صلاة مَنْ لا يتمكل من متابعته.
(وإذا جمعهما مسجد .. صح الاقتداءُ وإن بعدت المسافةُ، وحالت أبنيةٌ)
الجزء: 1 - الصفحة: 341
وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ .. شُرِطَ أَلَّا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِ مِئَةِ ذِرَاعٍ تقرِيبًا، وَقِيلَ: تَحْدِيدًا. فَإِنْ تَلَاحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفانِ .. اعْتُبِرَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الأَخِيرِ وَالأَوَّل. وَسَوَاءٌ الْفَضَاءُ الْمَمْلُوكُ وَالْوَقْفُ وَالْمُبَعَّضُ. وَلَا يَضُرُّ الشَّارِعُ الْمَطْرُوقُ وَالنَّهَرُ الْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفَّةٍ أَوْ بَيْتٍ .. فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ بِنَاءُ
بالإجماع، ورحبة المسجد منه على المذهب، والمساجد المتلاصقة المتنافذة كمسجد؛ كما صوبه في "الروضة" 84.
(ولو كانا بفضاء .. شُرط ألّا يزيد ما بينهما على ثلاث مئةِ ذراعٍ) لقرب ذلك وبعد ما وراءه في العادة (تقريبًا) لعدم ورود ضابطٍ من الشارع.
(وقيل: تحديدًا) قال الماوردي: (وهو غلط)، وقال الإمام: (كيف يطمع الفقيه بالتحديد، ونحن في إثبات التقريب على عُلالة؟ ! ) 85.
(فإن تلاحق شخصان أو صفّان .. اعتُبرت المسافةُ) المذكورة (بين الأخير والأول) لا بين الأخير والإمام؛ لأن الأول والحالةُ هذه إمامُ الأخير.
(وسواء) فيما ذكرناه (الفضاء المملوكُ والوقف والْمُبَعَّض) الذي بعضه ملك وبعضه وقف، وسواء المسقف والمحوط وغيره.
(ولا يضر الشارع المطروقُ والنهرُ المحوج إلى سباحة على الصحيح) لأن ذلك ليس بحائل؛ كما لو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر، والثاني: يضرّ، أما في الشارع .. فلأنه قد ينتهي الأمر فيه إلى حالة يعسر فيها الاطلاع على أحوال الإمام بسبب كثرة الزِّحام، وأما في النهر .. فقياسًا على حيلولة الحائط، والمراد بكونه مطروقًا: كثرة طروقه، وإلا .. فكل شارع مطروق، فما لا يكثر طروقه .. لا يضر قطعًا؛ كما دلّ عليه كلام الإمام 86.
(فإن كانا في بناءين كصحن وصفة أو بيت .. فطريقان: أصحهما: إن كان بناء
الجزء: 1 - الصفحة: 342
الْمَأْمُومِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا .. وَجَبَ اتِّصَالُ صَفٍّ مِنْ أَحَدِ الْبنَاءَيْنِ بِالآخَرِ، وَلَا تَضُرُّ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ وَاقِفًا فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ الإِمَامِ .. فَالصَّحِيحُ: صِحَّةُ الْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا الْقُرْبُ كَالْفَضَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَافِذٌ. فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ لَا الرُّؤْيَةَ .. فَوَجْهَانِ،
المأموم يمينًا أو شمالًا .. وجب اتصال صفٍّ من أحد البناءين بالآخر) لأن اختلاف الأبنية توجب الافتراقَ، فاشترط الاتصال؛ ليحصل الربط بالاجتماع.
(ولا تضر فُرجةٌ لا تسع واقفًا في الأصح) وكذا عَتبَةٌ يتعذر الوقوف عليها؛ لأنه يعدّ في العرف صفًا واحدًا، والثاني: يضر؛ لعدم الاتصال الحقيقي.
(وإن كان خلف بناء الإمام .. فالصحيح: صحة القدوة بشرط ألّا يكون بين الصفين أكثرُ من ثلاثة أذرعٍ) تقريبا، لأن بهذا يحصل الاتصال عرفًا، والثاني: لا تصح؛ لأن اختلاف البناء يوجب الافتراقَ، ولم ينجبر ذلك بالاتصال المحسوس بتواصل المناكب.
(والطريق الثاني: لا يشترط إلّا القربُ؛ كالفضاء) للقياس الذي أشار إليه (إن لم يكن حائلٌ) أصلًا، (أو حال باب نافذ) بشرط أن يقف مقابله صفّ أو رجل، وإلّا .. لم يصح.
وقوله: (حال باب نافذ) متعقب؛ لأن النافذ ليس بحائل، وصوابه كما في "المحرّر": (أو كان باب نافذ) 87.
(فإن حال ما يمنع المرورَ لا الرؤيةَ) كالشباك ( .. فوجهان) أصحهما في "شرح المهذب" و"أصل الروضة" و"التصحيح": البطلان؛ لوجود الحائل 88، وهذا أول موضعين في الكتاب بلا تصحيح، والآخر في قوله في (النفقات): (والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه؟ وجهان) 89، ولا ثالث لهما إلا ما كان مفرعًا على ضعيف، كالأقوال المفرعة على استعمال البينتين المتعارضتين: هل يقرع أم
الجزء: 1 - الصفحة: 343
أَوْ جِدَار .. بَطَلَتْ بِاتِّفاقِ الطَّرِيقَيْنِ. قُلْتُ: الطرِيقُ الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ فِي بِنَاءٍ آخَرَ .. صَحَّ اقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلْوٍ وَإِمَامُهُ فِي سُفْلٍ أَوْ عَكْسِهِ .. شُرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ .. فَالشَّرْطُ التفارُبُ مُعْتبَرًا مِنْ آخِرِ الْمَسْجدِ، وَقِيلَ: آخِرِ صَفٍّ، وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ .. مَنَعَ، وَكَذَا الْبَابُ الْمَرْدُودُ وَالشُّبَّاكُ فِي الأَصحِّ
يوقف أم يقسم؟ أقوال لا ترجيح فيها.
(أو جدارٌ .. بطلت باتفاق الطريقين) لمنعه الاستطراق والمشاهدة، (قلت: الطريق الثاني أصح، والله أعلم) تبع في ذلك معظم العراقيين، والأولى طريقة المراوزة، قال الرافعي: (وهي أولى) 90.
(وإذا صح اقتداؤه في بناءٍ آخر) غير بناء الإمام إما بشرط الاتصال على الطريقة الأولى، أو دونه على الثانية ( .. صح اقتداء من خلفه وإن حال جدارٌ بينه وبين الإمام) بأن يقف رجل بحذاء الباب النافذ واتصل به صف، وخرجوا عن محاذاة الإمام، لأن من حصل به الاتصال بالنسبة إليهم كالإمام، فيشترط حينئذ أن يتقدم إحرامه عليهم.
(ولو وقف في عُلْوٍ، وإمامه في سُفل، أو عكسه .. شُرط مُحاذاةُ بعضِ بدنه بعضَ بدنه) بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى مع تقدير اعتدال قامة الأسفل، حتى لو كان قصيرًا، لكنه لو كان معتدلًا لحصلت المحاذاة .. صح الاقتداء.
(ولو وقف في موات وإمامُه في مسجد، فإن لم يَحُلْ شيءٌ .. فالشرط: التقارب) كالفضاء، (مُعتبَرًا من آخر المسجد) لأن المسجد كلّه شيء واحد، (وقيل) من (آخر صفٍّ) فيه، لأنه المتبوع، فإن لم يكن فيه إلا الإمام .. فمن موقفه.
(وإن حال جدارٌ أو بابٌ مغلقٌ .. مَنعَ) لعدم الاتصال، (وكذا الباب المردودُ، والشباكُ في الأصح) لحصول الحائل من وجه، إذ الباب المردود مانعٌ من المشاهدة، والمُشبَّك مانع من الاستطراق، والثاني: لا يمنع، لحصول الاتصال من وجه، وهو الاستطراق في الصورة الأولى، والمشاهدة في الثانية.
الجزء: 1 - الصفحة: 344
قُلْتُ: يُكْرَهُ ارْتفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إِمَامِهِ، وَعَكْسُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ .. فَيُسْتَحَبُّ، وَلَا يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِقَامَةِ، وَلَا يَبْتَدِئُ نَفْلًا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ .. أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في بعض شروط القدوة أيضًا]
شَرْطُ الْقُدْوَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَأْمُومُ مَعَ التكْبِيرِ الاقْتِدَاءَ
(قلت: يُكره ارتفاعُ المأموم على إمامه، وعكسه) أما الثاني .. فللنهي عنه؛ كما أخرجه أبو داوود والحاكم 91، وأما الأول .. فقياسًا على الثاني من باب أولى.
(إلّا لحاجة .. فيستحب) المراد: حاجة الصلاة؛ كتعليم الإمام المأمومين؛ للاتباع؛ كما ثبت في "الصحيحين" 92، أو تبليغ المؤذن ونحوه عند الحاجة إليه.
(ولا يقوم حتى يفرغ المؤذنُ من الإقامة) ولو كان شيخًا؛ لأنه ما لم يفرغ منها .. لم يحضر وقت الدخول، وهو قبل التمام مشغولٌ بالإجابة.
(ولا يبتدئ نفلًا بعد شروعه فيها) لما في "صحيح مسلم": "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ .. فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ" 93، وفي معنى الشروع قربُ إقامتها.
(فإن كان فيه .. أَتَمَّه إن لم يخش فَوْتَ الجماعة، والله أعلم) لما في ذلك من إحراز الفضيلتين وعدم إبطال العبادة، فإن خشي فواتها .. اقتصر على ما أمكن من النافلة؛ ليدرك فضيلة الجماعة؛ فإنها صفة فرض، أو فرض على رأي، فكانت أولى من النفل، وظاهر كلامه: أنه متى أمكنه إدراكُ تكبيرة قبل سلام الإمام .. أتمّ النافلة، وبه صرح في "شرح المهذب" تبعًا للشيخ أبي حامد وآخرين 94.
(فصل: شرط القدوة: أن ينويَ المأمومُ مع التكبير الاقتداءَ) بالإمام الحاضر
الجزء: 1 - الصفحة: 345
أَوِ الْجَمَاعَةَ -وَالْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ- فَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ النِّيَّةَ وَتَابَعَ فِي الأَفْعَالِ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَجِبُ تعْيِينُ الإِمَامِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
(أو الجماعةَ) أو الائتمام به؛ لأن التبعية عمل فافتقرت إلى النية؛ للحديث الصحيح 95.
واعتبر اقترانها بالتكبير؛ كسائر ما يجب له التعرضُ من صفات الصلاة، وهذا في غير من أحرم منفردًا ثم نوى متابعةَ الإمام في خلال صلاته .. فإنه جائز كما سيأتي.
(والجمعةُ كغيرها على الصحيح) في وجوب النية المذكورة؛ لأنه فيها مقتد بالإمام، لكنه إن لم ينو .. لم تنعقد، بخلاف غيرها؛ فإنها تنعقد فرادى، والثاني: لا؛ لأنها لا تصح إلا جماعة، فكان التصريح بنية الجمعة مغنيًا عن التصريح بنية الجماعة.
(فلو ترك هذه النيةَ وتابع في الأفعال .. بطلت صلاتُه على الصحيح) لأنه ربط صلاته بمن ليس بإمام، فأشبه الارتباط بغير المصلي، والثاني: لا؛ لأنه أتى بواجبات الصلاة وليس فيه إلا أنه قارب فعله من فعل غيره.
نعم؛ هو منفرد.
وخرج بقوله: (تابع) ما لو وقعت المتابعة اتفاقًا لا قصدًا .. فإنه لا يضر جزمًا.
ومحل الخلاف: إذا انتظر أفعاله وطال انتظاره، فإن انتظره يسيرًا .. لم تبطل قطعًا.
(ولا يجب تعيينُ الإمام) باسمه؛ كزيد وعمرو، بل يكفي نية الاقتداء بالإمام الحاضر؛ لأن مقصود الجماعة لا يختلف.
(فإن عيّنه وأخطأ) بأن نوى الاقتداء بزيد فبان عمرًا ( .. بطلت صلاته) لاقتدائه بمن ليس في صلاة، نعم؛ إن كان معه إشارة؛ كزيد هذا، أو الحاضر، أو المصلي فبان عمرًا .. فالأرجح في "زيادة الروضة": الصحة 96.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
وَلَا يُشْتَرَطُ لِلإِمَامِ نِيَّةُ الإِمَامَةِ، وَتُسْتَحَبّ، فَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ تَابِعِهِ .. لَمْ يَضُرَّ. وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمُؤَدِّي بِالْقَاضِي، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَفِي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ، وَبِالْعُكُوسِ، وَكَذَا الظُّهْرُ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ، وَلَا تَضُرُّ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي الْقُنُوتِ وَالْجُلُوسِ الأَخِيرِ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَهُ فِرَاقُهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِمَا
(ولا يشترط للإمام نيةُ الإمامة) لاستقلاله، بخلاف المأموم .. فإنه تابع، ومحله: في غير الجمعة، أما الجمعة: فيلزمه فيها أن ينوي الإمامة على الأصحِّ.
(وتُستحب) له خروجًا من خلاف من أوجبها، ولينال فضيلة الجماعة، وقيل: تحصل له فضيلة الجماعة وإن لم ينو؛ لتأدي الشعار به، والأصحُّ: المنع؛ لعدم النية، وقال العجلي: إذا نواها في أثناء الصلاة .. نال ثواب الإمامة من حين النية.
ثم في وقت نية الإمامة وجهان: أحدهما: مع تكبيرة الإحرام، فتكون مع نية الصلاة، قاله الشيخ أبو محمد في "التبصرة"، والثاني: بعد أن يقتدى به؛ لأنه لا يصير إمامًا إلا بذلك، قاله في "البيان" 97، قال الأَذْرَعي: والأول: هو الوجه، وعليه العمل، وأما الثاني .. فغريب.
(فلو أخطأ في تعيين تابعه) بأن نوى الإمامة بزيد فبان عمرًا ( .. لم يضر) لأن غلطه في النية لا يزيد على تركها، ولو تركها .. لم يقدح.
(وتصح قدوةُ المؤدي بالقاضي، والمفترضِ بالمتنفل، وفي الظهر بالعصر، وبالعكوس) أي: بعكس كل واحد مما سبق؛ نظرًا لاتفاق الفعل في الصلاتين، ولا يضر مخالفة النية، ونقل الماوردي إجماع الصحابة على صحة الفرض خلف النفل 98.
(وكذا الظهرُ بالصبح والمغربِ، وهو كالمسبوق) فإذا سلم .. قام وأتم صلاته.
(ولا تضر متابعةُ الإمام في القنوت والجلوسِ الأخير في المغرب) كالمسبوق، (وله فراقه إذا اشتغل بهما) قال في "شرح المهذب": والانتظار أفضل 99.
الجزء: 1 - الصفحة: 347
وَتَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ: إِنْ شَاءَ .. فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ .. انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. قُلْتُ: انْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ .. قَنَتَ، وَإِلَّا .. تَرَكَهُ، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ
(وتجوز الصبحُ خلف الظهر في الأظهر) كعكسه، والثاني: لا؛ لأنه يحتاج إلى الخروج من صلاة الإمام 100.
(فإذا قام للثالثة: إن شاء .. فارقه وسلم) لأن صلاته قد تمت، وهي مفارقة بعذر.
(وإن شاء .. انتظره ليسلم معه) لغرض أداء السلام مع الجماعة، (قلت: انتظاره أفضل، والله أعلم) لما ذكرناه.
(وإن أمكنه القنوت في الثانية) بأن وقف الإمام يسيرًا ( .. قَنَتَ) تحصيلًا لسنة ليس فيها مخالفةُ الإمام، (وإلّا .. تركه) خوفًا من التخلف، وقضيته: أنه لا يسجد لترك القنوت، قال الإسنوي: والقياس خلافه.
(وله فراقُه لِيَقْنُتَ) تحصيلًا للسنة، وهو كقطع القدوة بعذر، فتركه أفضل، فإن لم ينو المفارقة، وهوى إمامه إلى السجود وقنت هو .. بطلت صلاته؛ للمخالفة؛ كما لو ترك التشهد فقعد هو لأجله، قاله القفال في "فتاويه"، ونقله الأَذْرَعي عن كثيرين، لكن في "الشرح" و"الروضة" بعد هذا بقليل: أنه لا بأس بتخلفه للقنوت إذا لحقه في السجدة الأولى.
انتهى 101.
وما ذكره القفال من القياس على التشهد الأول .. فيه نظر؛ لوضوح الفرق، وهو: أنهما اشتركا في الرفع من الركوع، فلم ينفرد المأموم به، بخلاف الجلوس للتشهد.
نعم؛ يشكل على الفرق ما إذا جلس الإمام للاستراحة في ظنه، ثم قام .. فإن قضية الفرق الجواز، وقد لا يجوزونه.
الجزء: 1 - الصفحة: 348
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا؛ كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
فصلٌ [في متابعة الإمام]
تَجِبُ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ ابْتِدَائِهِ، وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ، فَإِنْ قَارَنَهُ .. لَمْ يَضُرَّ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ
(فإن اختلف فعلُهما؛ كمكتوبة وكسوفٍ أو جنازةٍ .. لم يصح) الاقتداء (على الصحيح) لتعذر المتابعة مع المخالفة في الأفعال، والثاني: يصح؛ لإمكانها في البعض، ويراعي ترتيبَ نفسه ولا يتابعه.
(فصل: تَجب متابعةُ الإمام في أفعال الصلاةِ؛ بأن يتأخر ابتداءُ فعله عن ابتدائه، ويتقدم على فراغه منه) ففي "الصحيح": "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ .. فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ .. فَأرْكَعُوا" 102.
واحترز بالأفعال: عن الأقوال؛ كالتشهد والقراءة؛ فإنه يجوز فيهما التقدم والتأخر، وما ذكره من تفسير المتابعة .. يناقضه قوله بعد: (فإن قارنه .. لم يضر)، وجمع بين كلاميه: بأن المراد: تفسيرُ المتابعة الكاملة لا الواجبة، وفيه نظر.
(فإن قارنه .. لم يضر) لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها.
نعم؛ هي مكروهة ومُفوِّتة لفضيلة الجماعة أيضًا.
(إلّا تكبيرةَ الإحرام) فإنه تضرّ مقارنةُ المأموم الإمامَ فيها، للحديث السالف، بل لا بدّ من تأخر جميعها عن تكبيرة الإمام جميعها، فإن قارنه فيها أو في شيء منها، أو شك في المقارنة، أو ظن أنه تأخر، ثم بان خلافه .. لم تنعقد صلاته، واستثناء التكبير من الأفعال استثناء منقطع؛ فإنه ركن قولي.
وقوله: (قارنه) هو الصواب، بخلاف قول "المحرّر": (ساوقه) 103؛ لأن المساوقة مجيءُ واحدٍ بعد واحد لا معًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 349
وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ؛ بِأَنْ فَرَغَ الإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ .. لَمْ تبطُلْ فِي الأَصَحِّ، أَوْ بِرُكْنَيْنِ؛ بِأَنْ فَرَغَ مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْر .. بَطَلَتْ. وإِنْ كَانَ بِأَنْ أَسْرَعَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ) .. فَقِيلَ: يَتْبَعُهُ وَتسقُطُ الْبَقِيَّةُ، وَالصَّحِيحُ: يُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْئَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصودَةٍ -وَهِيَ الطَّوِيلَةُ-
(وإن تخلّف بركن) بلا عذر، (بأن فرغ الإمام منه وهو فيما قبله .. لم تَبطُل في الأصح) لأنه تخلف يسير، والثاني: تبطل؛ لما فيه من المخالفة، وأفهم قوله: (بأن فرغ ... ) إلى آخره: أنه لو ركع الإمام وأدركه المأموم فيه .. أنه لا يكون مُتخلِّفًا بركن، فلا تبطل الصلاة قطعًا، وهو كذلك، فلو اعتدل الإمامُ والمأمومُ بعدُ في القيام .. لم تبطل على الأصحِّ في "زوائد الروضة" 104.
(أو بركنين؛ بأن فرغ منهما وهو فيما قبلهما) بأن سجد الإمام والمأمومُ بعدُ في القيام، وكذا لو هوى الإمام للسجود على المذهب في "التحقيق" 105.
(فإن لم يكن عذرٌ) كأن تخلف لقراءة السورة ( .. بطلت) طويلًا كان الركن أو قصيرًا؛ لكثرة المخالفة.
(وإن كان) عذر (بأن أسرع) الإمام (قراءتَه وركع قبل إتمام المأموم الفاتحة .. فقيل: يَتبعه وتسقط البقيةُ) فعلى هذا: لو اشتغل بإتمامها .. كان متخلفًا بغير عذر.
(والصحيح: يُتمُّها ويسعى خلفه) على ترتيب نفسه (ما لم يُسبَق بأكثر من ثلاثة أركانٍ مقصودةٍ، وهي الطويلة) لأن ترك الفاتحة إنما اغتفرناه للمأموم في الركعة الأولى؛ لتفاوت الناس في الحضور غالبًا والإحرام، بخلاف الإسراع في القراءة؛ فإن الناس غالبًا لا يختلفون فيه.
واحترز بـ (الطويلة) عن الاعتدال والجلوس بين السجدتين؛ فإنهما قصيران، وكونُ الركن القصير غيرَ مقصود تبع فيه "المحرّر"، وهو قول البغوي، وجزم به الرافعي في "الشرحين"، والمصنف في "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب"
الجزء: 1 - الصفحة: 350
فإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ .. فَقِيلَ: يُفَارِقُهُ، وَالأَصَحُّ: يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ (الْفَاتِحَةَ) لِشُغْلِهِ بِدُعَاءِ الافْتِتَاحِ .. فَمَعْذُورٌ. هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُوَافِقِ، فَأمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ .. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ .. تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ، وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَإِلَّا .. لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ.
في الكلام على الاعتدال، وقال السبكي: إنه الحق 106.
لكن في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" عن الأكثرين: أن الأركان كلها مقصودة وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و"التحقيق " هنا 107.
(فإن سُبِقَ بأكثر) من ثلاثة أركان مقصودة ( .. فقيل: يفارقه) لتعذر الموافقة، (والأصح: يَتبعه فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام) كالمسبوق
(ولو لم يُتم الفاتحةَ لشغله بدعاء الافتتاح .. فمعذور) كبطيء القراءة، (هذا كلّه في) المأموم (الموافق) وهو من أحرم مع إمامه.
(فأمّا مسبوقٌ ركع الإمام في فاتحته .. فالأصح: أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ .. تَرك قراءتَه وركع، وهو مُدرِك للركعة) لأنه لم يدرك إلا ذلك القدرَ، فلا تلزمه زيادة عليه؛ كما إذا لم يدرك شيئًا من القيام.
(وإلّا) أي: وإن اشتغل بهما أو بأحدهما ( .. لزمه قراءةٌ بقدره) لتقصيره بالعدول عن الفريضة إلى غيرها، والثاني: يركع معه مطلقًا؛ للمتابعة، ويسقط عنه ما بقي من (الفاتحة) لحديث: "فَإِذَا رَكَعَ .. فَارْكَعُوا" 108، قال الأَذْرَعي: ورجحه جماعة، وهو المختار، ولم يذكر المعظمُ غيرَه وما بعده، والثالث: يتم الفاتحة
الجزء: 1 - الصفحة: 351
وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ بسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، بَلْ بِـ (الْفَاتِحَةِ) إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا. وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ تَرَكَ (الْفَاتِحَةَ) أَوْ شَكَّ .. لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ وَقَدْ رَكَعَ الإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ .. قَرَأَهَا وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بعُذْرٍ، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بِالتَّحَرُّمِ .. لَمْ تنعَقِدْ، أوْ بِـ (الْفَاتِحَةِ) أَوِ التّشهُّدِ .. لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِعَادَتُهُ. وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ - كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ - إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ .. بَطَلَتْ،
مطلقًا؛ لأنه أدرك القيام الذي هو محلها فلزمته.
فإن قلنا: عليه إتمام الفاتحة، فتخلف ليقرأ .. كان تخلُّفًا بعذر، فإن لى يتمها وركع مع الإمام .. بطلت صلاته، وإن قلنا: يركع فاشتغل بإتمامها .. كان متخلفًا بلا عذر، فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة، ثم لحقه في الاعتدال .. لم يكن مدركًا للركعة، والأصحُّ: أنه لا تبطل صلاته إذا قلنا: التخلف بركن لا يبطل؛ كما في غير المسبوق، والثاني: تبطل؛ لأنه ترك متابعة الإمام فيما فاتته به ركعة، فكان كالتخلف بركعة.
(ولا يشتغل المسبوق بسنةٍ بعد التحرُّم، بل بالفاتحة) ويخففها؛ حذرًا من فواتها (إلّا أن يَعلم إدراكها) أي: يظن ذلك؛ لعادة الإمام، فيأتي بالمسنون؛ ليحوز فضله.
(ولو علم المأمومُ في ركوعه أنه ترك الفاتحةَ أو شك .. لم يَعُدْ إليها) لفوات محلّ القراءة (بل يصلي ركعةً بعد سلام الإمام) تداركًا؛ كالمسبوق.
(فلو علم) تركها (أو شك) فيه (وقد ركع الإمام ولم يركع هو .. قرأها) لبقاء محلها (وهو متخلف بعذر) فيأتي فيه ما مرّ، (وقيل: يَركع ويَتدارك بعد سلام الإمام) ما فاته؛ لأجل المتابعة.
(ولو سبق إمامَه بالتحرم .. لم تنعقد) لتلاعبه، وهذا يُفهَم من منع المقارنة، (أو بالفاتحة أو التشهد .. لم يضره ويجزئه) لأنه لا تظهر به المخالفة، (وقيل: تجب إعادتُه) لأن فعلَه مترتبٌ على فعل الإمام، فلا يعتد بما يأتي به قبله، وسواء أعاده مع قراءة الإمام أو بعدها، وهو الأولى إن تمكن.
(ولو تقدم بفعل؛ كركوع وسجود إن كان بركنين .. بطلت) إذا كان عامدًا عالمًا
الجزء: 1 - الصفحة: 352
وَإِلَّا .. فَلَا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ.
فَصْلٌ [في زوال القدوة وإيجادها]
خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ .. انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا الْمَأْمُومُ .. جَازَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِعُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ،
بالتحريم؛ لفحش المخالفة، فإن كان ساهيا أو جاهلًا .. لم تبطل، لكن لا يعتد له بتلك الركعة، بل يتداركها بعد سلام الإمام.
(وإلّا) أي: وإن كان بدون ركنين ( .. فلا) تبطل؛ لقلة المخا لفة، ويحرم فعلُ ذلك وإن لم تبطل الصلاة؛ كما صرح به في "شرح المهذب" وغيره 109.
ثم إن تعمد [السبق بدون ركن] 110 .. فيسن أن يعود على الأصحِّ، وإن سها؛ بأن ظنّ إمامَه سجد فسجد فبان خلافه .. تخير بين العود والدوام على الأصحِّ.
(وقيل: تبطل بركن) عند التعمد؛ لمناقضته الاقتداء، بخلاف التخلف.
(فصل: خرج الإمام من صلاته) 111 بحدث أو غيره (انقطعت القدوةُ) لزوال الرابطة.
(فإن لم يخرج وقطعها المأموم .. جاز) مع الكراهة؛ لأن ما لا يتعين فعله .. لا يلزم بالشروع، وفي الصحيح: (أن معاذًا صلى بأصحابه فطول عليهم، فقطع رجلٌ صلاتَه من خلفه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يأمره بالإعادة) 112.
(وفي قول: لا يجوز إلا بعذر يرخص في ترك الجماعة) لأن فيه إبطالًا للجماعة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وفي الحديث: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" 113.
الجزء: 1 - الصفحة: 353
وَمِنَ الْعُذْرِ: تَطْوِيلُ الإِمَامِ أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مُنفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ يَتبعُهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا، فَإِنْ فَرَغَ الإِمَامُ أَوَّلًا .. فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أَوْ هُوَ؛ فَإِنْ شَاءَ .. فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ .. انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ .. فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ،
وأما في العذر .. فجائز قطعًا؛ لأن الفرقة الأولى فارقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة ذات الرقاع بعد ما صلّى بهم ركعةً 114.
(ومن العذر: تطويل الإمام) إذا كان المأموم لا يصبر على التطويل؛ لضعف أو شغل، (أو تركه سنةً مقصودةً كتشهد) وقنوت، ليأتي بتلك السنة، ومن العذر: ما إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة؛ كما قاله القفال في "فتاويه"، وهذا يوجب المفارقةَ إذا كانت النجاسةُ لا يُعفى عنها، فلو استمرّ .. بطلت صلاته.
(ولو أحرم منفردًا، ثم نوى القدوة في خلال صلاته .. جاز في الأظهر) مع الكراهة؛ كما يجوز أن يصلي منفردًا ثم يقتدي به جماعةٌ، والثاني: لا يجوز، وتبطل به الصلاة؛ للحديث المار: "فَإِذَا كَبَّرَ .. فَكَبِّرُوا" 115، وهذا كبّر قبله.
(وإن كان في ركعةٍ أخرى) أي: فإنه يجوز أيضًا (ثم يَتْبَعه قائمًا كان أو قاعدًا) أي: إذا اختلفا في الركعة .. قام في موضع قيام الإمام، وقعد في موضع قعوده وجوبًا؛ للمتابعة.
(فإن فرغ الإمام أولًا .. فهو كمسبوق) فيقوم ويُتمّ صلاتَه، (أو هو؛ فإن شاء .. فارقه وسلم، وإن شاء .. انتظره ليسلم معه) وطول الدعاء؛ لأن المفارقة بالعذر والانتظارَ به جائزان، ولم يذكروا الأفضلَ منهما، وقياس ما تقدم: تفضيلُ الانتظار، لكن حكى ابن يونس هنا وجهًا: أنه يسلم ولا ينتظر، وهو يقدح في القياس.
(وما أدركه المسبوق .. فأول صلاته) لحديث: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ .. فَصَلُّوا، وَمَا فَاتكُمْ .. فَأَتِمُّوا" 116، وإتمام الشيء لا يكون إلّا بعد أوله، ورواية القضاء المراد
الجزء: 1 - الصفحة: 354
فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ الْمَغْرِبِ .. تشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا .. أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتفَاعِ الإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ الإِجْزَاءِ .. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَته فِي الأَظْهَرِ. ويُكَبِّرُ لِلإِحْرَامِ ثُمَّ لِلرُّكُوعِ،
بها: الأداء 117؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.
(فيعيد في الباقي القنوتَ) لأن محلَّه اَخرُ الصلاة، وفي تعبيره بالإعادة: إشعارٌ بأنه يستحب أن يقنت معه، وهو المشهور.
(ولو أدرك ركعةً من المغرب .. تشهد في ثانيته) لأنه محلُّ التشهد الأول، وهذا إجماع منا ومن المخالف، وهو حجة لنا على أن ما يدركه أولُّ صلاته.
(وإن أدركه راكعًا .. أدرك الركعةَ) لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ .. فَقَدْ أَدْرَكَهَا " رواه الدارقطني، وصححه ابن حبان في غير "صحيحه" 118.
(قلت: بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، والله أعلم) لأن الركوع بدون الطمأنينة لا يعتد به، فانتفاؤها كانتفائه، ويشترط أيضًا: أن يكون ذلك الركوع محسوبًا للإمام لا ركوعَ خامسةٍ، ولا ركوعَ إمامٍ تبين حدثُه، والمعتبر في صلاة الكسوف: إدراك الركوع الأول دون الثاني؛ كما ذكره المصنف في بابه 119.
(ولو شك في إدراك حدّ الإجزاء .. لم تُحسَب ركعتُه في الأظهر) لأن الأصل عدمُ إدراكه إياه، والثاني: تحسب؛ لأن الأصل عدمُ الانتقال منه.
(ويكبر) المسبوق المدرك في الركوع (للإحرام) قائمًا (ثم للركوع) لأنه يحسب له، فندب التكبير له.
الجزء: 1 - الصفحة: 355
فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ .. لَمْ تنعَقِدْ، وَقِيلَ: تنعَقِدُ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا .. لَمْ تنعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ .. انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبيحَاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ .. لَمْ يُكَبِّرْ لِلاِنْتِقَالِ إِلَيْهَا. وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ .. قَامَ الْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ.
(فإن نواهما بتكبيرة .. لم تنعقد) كالتحرم بفريضة ونافلة، (وقيل: تنعقد نفلًا) كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاةَ وصدقة التطوع.
(وإن لم ينو بها شيئًا .. لم تنعقد على الصحيح) المنصوص؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها للافتتاح، وقرينةَ الهُوي تصرفها إليه، فإذا تعارضت القرينتان .. فلا بد من قصدٍ صارف، والثاني: تنعقد نافلة؛ لأن الظاهر: ألّا يقصد الهُوي ما لم يتحرم.
(ولو أدركه في اعتداله فما بعده .. انتقل معه مكبرًا) وإن لم يكن محسوبًا له؛ موافقةً للإمام.
(والأصح: أنه يوافقه في التشهد والتسبيحات) استحبابًا؛ موافقةً للإمام، والثاني: لا يستحب ذلك؛ لأنه ليس موضعَه في حقه، وقيل: يجب موافقته في التشهد الأخير، وبه جزم الماوردي في (صفة الصلاة) لأنه بالإحرام لزمه اتباعُه 120.
(وأنّ من أدركه في سجدةٍ .. لم يكبر للانتقال إليها) لأنها غير محسوبة له، ولا موافقةَ للإمام في الانتقال إليها، بخلاف الركوع.
نعم؛ يكبر بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام من السجود أو غيره؛ موافقةً للإمام، والثاني: يكبر؛ كالركوع، وقد تقدم الفرق.
(وإذا سلم الإمام .. قام المسبوق مكبرًا إن كان موضعَ جلوسه) بأن أدركه في ثالثة الرباعية أو ثانية المغرب؛ لأنه يكبر له المنفرد وغيرُه بلا خلاف.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن موضع جلوسه؛ بأن أدركه في الأخيرة، أو ثانيةِ رباعيةٍ ( .. فلا) يكبر (في الأصح) لأنه ليس موضع تكبيره، وليس فيه موافقةٌ للإمام، والثاني: يكبر؛ كي لا يخلو الانتقال عن ذكر.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
باب صلاة المسافر
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، لَا فَائِته الْحَضَرِ. وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ .. فَالأَظْهَرُ: قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ
(باب صلاة المسافر)
المراد بذلك: ما يشرع في صلاة المسافر من التخفيف بالقصر والجمع، وبدأ بالقصر؛ لأنه المهم منهما.
والأصل في القصر قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية، والضرب: السفر، فأباحه الله في السفر بشرط الخوف من الكفار، وثبت بالسنة جوازه عند الأمن من حديث عمر وغيره 121.
والحكمة فيه: حصول المشقة للمسافر غالبًا.
(إنما تُقصَر رباعيةٌ) فالصبح والمغرب لا يقصران إجماعًا، كذا قالاه 122، لكن حكى العبادي في "طبقاته " عن محمد بن نصر المروزي: أنه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة، قال ابن الملقن وغيره: وفيه حديث ابن عباس في "مسلم" 123.
(مؤداةٌ في السفر الطويل المباحِ) هذه سيأتي شرحها بعد (لا فائتةُ الْحَضرِ) إذا قضاها في السفر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، لكن فيه وجه حكاه الماوردي وغيره 124.
(ولو قضى فائتةَ السفر .. فالأظهر: قصرُه في السفر دون الحضر) نظرًا إلى وجود السبب، والثاني: تقصر فيهما؛ لأنه إنما يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء، والثالث: يتم فيهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 357
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ .. فَأَوَّلُ سَفَرِهِ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ .. اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ .. فَأَوَّلُهُ: مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ، لَا الْخَرَابِ وَالْبَسَاتِينِ،
(ومن سافر من بلدة .. فأول سفره: مُجاوزة سورها) الخاص بها؛ لأن ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة.
(فإن كان وراءه عمارةٌ .. اشترط مُجاوزتُها في الأصح) لأنها من مواضع الإقامة التابعة للبلد.
(قلت: الأصح: لا يشترط، والله أعلم) لأن ذلك لا يعد من البلد، ألا ترى أنه يقال: مسكن فلان خارج البلد؟ وقد وافق المصنف الرافعي في (الصوم) على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر .. فإنه يفطر، وإلا .. فلا، فيحتاج إلى الفرق 125.
(فإن لم يكن سورٌ .. فأوله: مُجاوزة العُمران) ليفارق محلّ الإقامة (لا الخرابِ) لأنه ليس موضع إقامة، قال الإسنوي: وهذا إذا اتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر، فإن كانت بقايا الحيطان باقية ولم يهجروه بالتحويط .. فالأكثرون على ما دل عليه كلام "الشرح" و"الروضة": أنه لا بدّ من مجاوزته، وصرح بتصحيحه في "شرح المهذب"، والخلاف حيث لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كان .. فهو من البلد، فيجب مجاوزة منتهى العمارة 126.
(والبساتين) ولو كانت متصلةً بالبلد مُحوَّطةً؛ لأنها ليست للسكنى والإقامة.
نعم؛ لو كان فيها دور أو قصور تسُكنَ في بعض الفصول .. فالمجزوم به في "الروضة" و"أصلها": أنه لا بدّ من مجاوزتها، وخالف في "شرح المهذب" فقال: (لم يتعرض الجمهور لذلك، والظاهر: أنه لا يشترط؛ لأنها ليست من البلد، فلا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول (127.
الجزء: 1 - الصفحة: 358
وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ. وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخِيَامِ: مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ. وَإِذَا رَجَعَ .. انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً. وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ .. انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولهِ،
قال في "المهمات": والفتوى به 128، فعلى هذا: كلام "الكتاب" جار على إطلاقه، ولا تشترط مجاوزة المزارع أيضًا، قاله في "المحرّر" 129، وأهمله المصنف؛ لأخذه من البساتين بطريق الأولى، (والقريةُ كبلدة) في جميع ما ذكرناه.
(وأول سفر ساكن الخيام: مُجاوزة الْحِلَّةِ) لأنها كدور البلد ولا بد من مجاوزة مرافقها؛ كمَطرَح رَماد، وملعب صبيان، والنادي، والعَطَن، فلو كانت بواد وسافر في عرضه .. فلا بد من مجاوزة عرضه، كذا نص عليه الشافعي 130، وحُمل على الغالب فلو أَفْرطَت سَعتُه .. لم يشترط ذلك.
وأصل الحِلّة: الحي النازلون، وطلق أيضًا على ما يقيمون فيه، وضابط الحِلّة: أن يكونوا بحيث يجتمعون للسَّمَر في ناد واحد ويستعير بعضُهم من بعض.
(وإذا رجع) المسافر إلى وطنه، أو إلى غيره بنية الإقامة، وكان رجوعه من مسافة القصر ( .. انتهى سفره ببلوغه ما شُرط مجاوزتُه ابتداءً) من سور ونحوه على ما مرّ، فينقطع الترخُّص بوصوله إليه.
(ولو نوى) المستقلّ بنفسه (إقامةَ أربعةِ أيامٍ بموضع) صالح للإقامة، وكذا غير صالح؛ كنحو مَفازة على الأصح ( .. انقطع سفرُه بوصوله) سواء كان مَقصِدَه أو في طريقه؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والعازم على المُقام غير ضارب في الأرض، فلو نوى دون أربعة أيام .. لم يؤثر؛ لما في الصحيح: "يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا" 131، مع تحريم الإقامة بمكة مع الكفار، فدل على أن الثلاثة ليست إقامة.
الجزء: 1 - الصفحة: 359
وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصلَتْ حَاجَة يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ .. قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا،
وإنما قيدتُ كلامه بـ (المستقل) ليخرج التابع؛ كما لو نواها العبدُ أو الزوجة أو الجيش، ولم ينوها السيدُ ولا الزوج ولا الأمير .. فأقوى الوجهين في "زوائد الروضة": أن لهم القصرَ؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم 132، ومحل تأثير النية: إذا نوى وهو ماكث، فلو نوى وهو سائر .. لم يؤثر قطعًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب"، لكن في "التهذيب" للبغوي خلافُه 133.
(ولا يُحسب منها يوما دخولِه وخروجِه على الصحيح) لأنه عليه السلام أقام بمكة في حجة الوداع ئلاثة أيام غير يومي دخوله وخروجه إلى منى، وهو يقصر الصلاة 134، والثاني: أنهما يحسبان بالتلفيق، فلو دخل زوالَ السبت ليخرج زوالَ الأربعاء .. أتم، أو قبله .. قصر؛ كما يحسب في مدة مسح الخف يوم الحدث ويوم النزع.
والفرق على الأول: أن المسافر لا يستوعب النهار بالسير، وإنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، بخلاف اللبس؛ فإنه مستوعب للمدة، ولأنه مشغول في يوم الدخول بأُهْبة النزول، وفي يوم الارتحال بأُهْبة الانتقال، وهما من أشغال السفر المنافيان لراحة الحضر.
(ولو أقام ببلدٍ بنية أن يرحل إذا حصلت حاجةٌ يتوقعها كلَّ وقت .. قَصَرَ ثمانيةَ عشرَ يومًا) لأنه عليه الصلاة والسلام لمّا فتح مكة .. أقام يقصر على حرب هوازن ئمانية عشر يومًا، رواه أبو داوود ولم يضعفه 135، وقيل: يقصر تسعة عشر يومًا، واختاره
الجزء: 1 - الصفحة: 360
وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ: أَبَدًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ، لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً .. فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
ابن الصلاح والسبكي؛ لما في "البخاري" عن ابن عباس: (أنه عليه الصلاة والسلام قَصَرَ تسعة عشر يومًا)، قال البيهقي: وهو أصحُّ الروايات 136.
(وقيل: أربعةً) غير يومي الدخول والخروج؛ لأن الترخص إذا امتنع بنية إقامتها .. فبإقامتها أولى، وحكياه في "الشرح" و"الروضة" قولًا 137، (وفي قول: أبدًا) وحكى الترمذي الإجماع عليه 138؛ لأن الظاهر: أنه لو زادت الحاجة .. لدام عليه الصلاة والسلام على القصر، بل روى أبو داوود: (أنه عليه الصلاة والسلام أقام بتبوكَ عشرين يومًا يقصر الصلاة) وصححه ابن حبان 139.
ويروى: (أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام بأَذْرَبِيجانَ ستة أشهر يَقصُر) 140.
(وقيل: ) هذا (الخلاف في خائف القتال، لا التاجرِ ونحوِه) أي: فيُقطَع فيهما بالمنع فيما زاد على أربعة أيام؛ إذ الأصل الإتمام، والوارد إنما كان في القتال، والمقاتلُ أحوج إلى الترخّص، وأجاب الأول بأن القتال ليس هو المُرخِّص، وإنما المُرخِّص وصف السفر، وهو وغيره فيه سواء.
(ولو علم بقاءَها مدةً طويلةً) بأن كان يعلم أنه لا يتنجز شغلُه إلّا في خمسة أيام مثلًا ( .. فلا قصر على المذهب) لأنه ساكن بعيد عن هيئة المسافرين، ووجه القصر: القياس على عدم انعقاد الجمعة به.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين المحارب وغيره، وليس كذلك، فالمعروف في غير المحارب الجزمُ بالمنع، وحكاية الخلاف فيه غلط؛ كما قاله في "الروضة" 141.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
فَصْلٌ [في شروط القصر وتوابعها]
طَوِيلُ السَّفَرِ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً. قُلْتُ: وَهِيَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ،
(فصل: طويل السفر: ثمانيةٌ وأربعون ميلًا هاشميةً) وفاقًا لابن عمر وابن عباس 142، قال الليث: وهو الذي عليه عمل الناس، وروى الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ؛ لَا تقصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ وَإِلَى الطَائِفِ" 143.
والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ثلاثة أقدام.
وقوله: (هاشمية) نسبة إلى بني هاشم؛ فإنهم وضعوها حين أفضت إليهم الخلافة.
واحترز بها: عن الأموية؛ فإنها أكبر من الهاشمية، كلّ خمسة منها ستة من تلك، وبها قدر الشافعي في القديم فقال: أربعون ميلًا يريد أموية.
واستحب الشافعي: ألا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه به 144، والمعتبر: بلوغ الذهاب هذه المسافة لا بانضمام الإياب إليه، وهذه المسافة تحديد على الأصحِّ.
(قلت: وهي مرحلتان بسيرِ الأثقال) ودبيب الأقدام؛ لأن ذلك مقدارُ المسافة التي نقلت عن ابن عباس وابن عمر، (والبحر كالبر) في اعتبار المسافة،
الجزء: 1 - الصفحة: 362
فَلَوْ قَطَعَ الأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ .. قَصَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ، وَلَا طَالِبِ غرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ. وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الَطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ .. قَصَرَ، وَإِلَّا .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ تبَعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ .. فَلَا قَصْرَ،
(فلو قَطع الأميالَ فيه في ساعة) لسرعة السير بالهواء ( .. قصر، والله أعلم) لأنها مسافةٌ صالحة للقصر، فلا يؤثر قطعها في زمن يسير؛ كما لو قطعها في البرّ على فرس جواد في بعض يوم، وإذا شك في المسافة .. اجتهد.
(ويشترط قصدُ موضعٍ معينٍ أولًا، فلا قصرَ للهائم وإن طال تردُّده) لفوات الشرط؛ لأن كون السفر طويلًا لا بد منه، وهذ لا يدري أن سفره طويل أم لا.
نعم؛ الأسير إذا لم يعلم أين يذهبون به .. فإنه يقصر إذا سار معهم مرحلتين، حكاه في "الروضة" عن النص 145.
(ولا طالبِ غريمٍ وآبقٍ يَرجع متى وجده ولا يَعلم موضعَه) وإن طال سفره؛ لما ذكرناه، نعم؛ لو علم أنه لا يلقاه إلا فوق مسافة القصر .. فإنه يَقصُر.
(ولو كان لمقصده) بكسر الصاد (طريقان: طويلٌ وقصيرٌ، فسلك الطويلَ لغرضٍ؛ كسهولة أو أمن .. قصر) لوجود الشرط، وهو السفر الطويل.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن له غرض سوى القصر ( .. فلا) يَقصُر (في الأظهر) لأنه طَوّل الطريق على نفسه من غير غرض، فصار كما لو سلك الطريقَ القصير، وكان يذهب يمينًا وشمالًا حتى قطعها في مرحلتين، والثاني: يَقصُر؛ لأنه سفر مباح فأشبه سائر الأسفار، ونظير الخلاف: ما إذا سلك الجنب في خروجه من المسجد الطريقَ الأبعدَ من غير غرض، والأصحُّ في "الروضة": أنه لا كراهة 146.
(ولو تبع العبدُ أو الزوجةُ أو الجنديُّ مالك أمرِه في السفر ولا يَعرف) كلّ واحد منهم (مَقصِدَه .. فلا قصر) لأن الشرط لم يتحقق، وهذا قبل بلوغهم مسافةَ القصر؛
الجزء: 1 - الصفحة: 363
فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ .. قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا. وَلو قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا .. انْقَطَعَ، فَإِنْ سَارَ .. فَسَفَرٌ جَدِيدٌ. وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ، وَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصيَةً .. فَلَا تَرَخُّصَ فِي الأَصَحِّ،
فإن بلغوها .. قال في "شرح المهذب": فيتعين الجواز؛ كما إذا سار الكفارُ بأسير؛ فإن الشافعي نص فيه على هذا التفصيل، قال الإسنوي: وما ذكره بحثًا قد صرح به المتولّي 147.
(فلو نووا مسافةَ القصر) وحدَهم دون متبوعهم ( .. قصر الجنديُّ دونهما) لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، بخلافهما، كذا قاله الرافعي 148، وهو ينافي قول المصنف: (مالك أمره).
قال السبكي: والذي يقتضيه الفقه: أن يقال: إن الجندي إن خرج مع الأمير في سفر يجب طاعته فيه؛ كالخروج للقتال ونحوه .. فحكمه حكمُ العبد والزوجة، وإلا .. فهو مستقلّ ورفيق لا تابع.
واحترز بقوله: (ولا يعرف مَقصِده) عما إذا عرف .. فإنهم يترخصون.
(ولو قصد سفرًا طويلًا فسار ثم ثوى رجوعًا .. انقطع) 149 سفره بالنية، فلا يقصر ما دام في المنزل، (فإن سار .. فسفرٌ جديدٌ) فلا يترخص إلا أن يقصد مرحلتين.
(ولا يترخص العاصي بسفره؛ كآبق وناشزةٍ) لأن مشروعية الترخص للإعانة، والعاصي لا يعان، وألحق بسفر المعصية إتعاب نفسه ودابته بالركض من غير غرض؛ فإن ذلك لا يحلّ، حكياه عن الصيدلاني وأقراه 150.
واحترز بقوله: (بسفره) عن العاصي في سفره، وهو الذي سافر سفرًا مباحًا، ولكن يرتكب المعاصي في طريقه .. فإنه يترخص؛ لأن السبب مباح.
(ولو أنشأ مباحًا ثم جعله معصية .. فلا ترخص في الأصح) كما لو أنشأ السفر بهذه النية، والثاني: يترخص؛ نظرًا للابتداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ .. فَمَنْشَأُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ. وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً .. لَزِمَهُ الإِتْمَامُ. وَلَوْ رَعَفَ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا .. أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ، وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ. وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا .. أَتَمَّ. وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ .. أَتَمَّ، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ .. قَصَرَ،
ومحل الخلاف: ما إذا استمر قصد المعصية؛ فإن تاب .. قصر جزمًا؛ كما نبه عليه الرافعي في (باب اللقطة) 151.
(ولو أنشأه عاصيًا) به (ثم تاب .. فمَنشأ السفر من حين التوبة) فإن كان منه إلى مَقصِده مسافة القصر .. ترخص، وإلا .. فلا.
(ولو اقتدى بمُتِمٍّ لحظةً .. لزمه الإتمام) لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (إنه سنة أبي القاسم) أَخرجه الإمام أحمد، وأصله في "مسلم" 152.
وقوله: (بمتم) يشمل المسافر إذا نوى الإتمام والمقيم ولو كان يصلي الصبح والجمعة.
(ولو رَعَفَ الإمامُ المسافرُ واستخلف مُتِمًّا .. أتم المقتدون) لاقتدائهم بمتم.
نعم؛ لو نووا فراقه حين أحسُّوا برعافه قبل تمام استخلافه .. قصروا.
(وكذا لو عاد الإمامُ واقتدى به) يلزمه الإتمام؛ لاقتدائه بمتم في جزء من صلاته.
(ولو لزم الإتمام مقتديًا ففسدت صلاتُه أو صلاة إمامه، أو بان إمامه محدثًا .. أَتَمَّ) لأنها صلاةٌ وجب عليه إتمامها، فلم يجز له قصرها؛ كما لو فاتته في الحضر ثم سافر.
(ولو اقتدى بمن ظنَّه مسافرًا فبان مقيمًا، أو بمن جهل سفرَه .. أتم (ولو بان مسافرًا؛ لتقصيره، فإن شعار المسافر بَيِّن.
(ولو عَلِمه مسافرًا وشكّ في نيته .. قَصَرَ) لأن الظاهر من حال المسافر القصرُ، وليس للنية شعارٌ تُعرف به، فهو غير مقصر في الابتداء، والظن في هذا كالعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 365
وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: (إِنْ قَصَرَ .. قَصَرْتُ، وَإِلَّا .. أَتْمَصْتُ) .. قَصَرَ فِي الأَصَحِّ. ويُشْتَرَطُ لِلْقَصرِ نِيَّتُهُ فِي الإِحْرَامِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ ترَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصرُ أَمْ يُتِمُّ، أَوْ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ: هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ؟ .. أَتَمَّ. وَلَوْ قَامَ ألْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بلَا مُوجِبٍ لِلإِتْمَامٍ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا .. عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ .. عَادَ ثُمَّ نهَضَ مُتِمًّا
(ولو شك فيها) أي: في نية إمامه (فقال: إن قَصَرَ .. قصرتُ، وإلّا .. أتممتُ .. قصر في الأصح) إن قصر الإمام؛ لأنه نوى ما في نفس الأمر، فهو تصريح بالمقتضى، والثاني: لا يقصر؛ للتردد في النية.
(ويُشترط للقصر نيتُه) لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينو القصرَ .. انعقد إحرامه على الأصل (في الإحرام) كسائر النيات.
(والتحرز عن مُنافيها) أي: عما ينافي نيةَ القصر (دوامًا) بألا يجزم بالإتمام، أو يتردد فيه.
(ولو أحرم قاصرًا ثم تردد في أنه يَقصُر أم يُتِمُّ 153، أو في أنه نوى القصرَ) أو لا، (أو قام إمامُه لثالثةٍ فشكَّ: هل هو مُتِمّ أم ساهٍ؟ .. أتمَّ) أما في الأولى .. فلفوات جزم النية، وأما في الثانية .. فلأن الأصل عدم النية، وأما في الثالثة .. فلأن الإتمام لازم على أحد الاحتمالين فيلزمه؛ كما إذا شك في نية نفسه.
وقوله: (أو في أنه نوى القصر) تركيب غير مستقيم؛ لأنه جعله قسمًا مما لو أحرم قاصرًا، وهو لا يصح؛ لتدافعه، فلو قال: (أو شك في أنه نوى القصر) .. لاستقام؛ لأنه حينئذ يصير عطفًا على (أحرم).
(ولو قام القاصرُ لثالثةٍ عمدًا بلا موجبٍ للإتمام .. بطلت صلاته) كما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغيير النية، فإن حدث ما يوجب الإتمامَ .. لم تبطل؛ لأنه فعل ما يجب عليه، (وإن كان سهوًا .. عاد وسجد له وسلّم) كغيره مما يبطل عمده.
(فإن أراد) وهو قائم (أن يتم .. عاد ثم نهض مُتمًّا) لأن نهوضه إلى الركعة الثالثة
الجزء: 1 - الصفحة: 366
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَلَوْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهَا، أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ .. أَتَمَّ. وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ.
واجب، ونهوضه كان لاغيًا لسهوه.
(ويشترط كونُه مسافرًا في جميع صلاته، فلو نوى الإقامةَ فيها، أو بلغت سفينتُه دار إقامته .. أَتَمَّ) لزوال سبب الرخصة؛ كما لو كان يصلي قاعدًا لمرض فزال المرض .. يجب عليه أن يقوم.
ويشترط لصحة القصر أيضًا: العلم بجوازه، فلو جهل جوازه فقصر .. لم تصح صلاته؛ لأنه متلاعب، وفيه احتمال للإمام 154.
(والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ) سفره (ثلاثَ مراحلَ) للخروج من خلاف من يوجب القصر، ويستثنى: مُديم السفر في البرّ والبحر بأهله؛ كالمَلَّاح والمُكاري؛ للخروج من خلاف أحمد، والثاني: الإتمام أفضل؛ لأنه أكثر عملًا.
وقيل: هما سواء؛ لتعارض الأدلة، فإن لم يبلغ ثلاث مراحل .. فالإتمام أفضل؛ لأن أبا حنيفة يمنع القصر في هذه الحالة، بل نقل الماوردي عن الشافعي: أن القصر في هذه الحالة مكروه 155.
(والصوم أفضل من الفطر إن لم يتضرر به) لما فيه من تبرئة الذمة، وعدم إخلاء الوقت من العبادة، فإن تضرر به تضررًا لا يفضي إلى التلف .. فالفطر أفضل؛ لحديث: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي المسَّفَرِ " متفق عليه 156، فإن أفضى إلى تلف نفس أو عضو أو منفعة .. حرم الصوم؛ كما قاله الغزالي في "المستصفى" 157.
الجزء: 1 - الصفحة: 367
فَصْلٌ [في الجمع ببن الصلاتين]
يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا -وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ- فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا الْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ. فَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الأُولَى .. فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، وَإِلَّا .. فَعَكْسُهُ. وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثةٌ: الْبُدَاءَةُ بِالأُولَى، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا .. فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ
(فصل: يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديمًا وتأخيرًا -والمغربِ والعشاءِ كذلك- في السفر الطويل) المباح؛ للاتباع، أما جمع التأخير: فثابت في الصحيح 158، وأما جمع التقديم: فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان والبيهقي 159.
والتعبير بالجواز يُؤْذن بأن تركه أفضل وهو كذلك؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة، ويستثنى الحاج بعرفة وبمزدلفة؛ فإنه سنة؛ للاتباع 160، ويستثنى من الجواز: المتحيرة فليس لها أن تجمع تقديمًا، وخرج بما ذكره الصبحُ فلا تُجمَع مع غيرها، وكذ (لا يجمع بين العصر والمغرب وهو إجماع.
(وكذا القصيرُ في قول) كالتنفل على الراحلة، ووجه مقابله: القياس على القصر.
(فإن كان سائرًا وقتَ الأولى .. فتأخيرها أفضلُ، وإلّا .. فعكسه) للاتباع 161، ولأنه أرفق بالمسافر.
(وشروط التقديم ثلاثة: البُداءةُ بالأولى) لأن الوقت للأولى والثانيةُ تبع لها، والتابع لا يتقدم على متبوعه، (فلو صلاهما فبان فسادها) أي: الأولى ( .. فسدت الثانيةُ) لفوات الشرط.
الجزء: 1 - الصفحة: 368
وَنيَّةُ الْجَمْعِ، وَمَحَلُّهَا: أَوَّلُ الأُولَى، وَتَجُوزُ فِي أَثنائِهَا فِي الأَظْهَرِ. وَالْمُوَالَاةُ؛ بِأَلَّا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْل، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ .. وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ. وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ. وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُولَى .. بَطَلَتَا
(ونية الجمع) ليتميز التقديم المشروع عن غيره، (ومحلُّها: أول الأولى) كسائر النيات (وتجوز في أثنائها في الأظهر) أما المنع .. فقياسًا على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر، وأما الجواز .. فلأن الجمع هو ضم الثانية إلى الأولى، فإذا وجدت في هذه الحالة .. لم يوجد الجمع بدون النية، بخلاف نية القصر؛ فإنها لو تأخرت .. لتأدى بعض الصلاة على التمام، وحينئذ يمتنع القصر.
وقوله: (في أثنائها) قد يوهم: أنه لا يجوز مع التحلل منها، وهو وجه، والمرجح: الجواز.
وقيل: يجوز بعد التحلل من الأولى وقبل الإحرام بالثانية، قال في "شرح المهذب": (وهو قوي) 162.
(والموالاة؛ بألّا يطول بينهما فصلٌ) لأنها تابعة والتابع لا يفصل عن متبوعه، ولأنه المأثور؛ ولهذا تُركت الرواتبُ بينهما.
(فإن طال ولو بعذر) كالجنون والإغماء والسهو ( .. وجب تأخيرُ الثانية إلى وقتها) لزوال موجب التقديم وهو الجمع، (ولا يضر فصل يسير) للأمر بالإقامة بينهما 163.
(ويُعرف طُوله بالعرف) إذ لم يرد فيه ضابط، وقيل: إن اليسير بقدر الإقامة.
(وللمتيمم الجمع على الصحيح) كالمتوضئ.
(ولا يضر تخللُ طلبٍ خفيفٍ) لأنه من مصلحة الصلاة، فأشبه الإقامة، والثاني: لا؛ للفصل بالطلب.
(ولو جَمع ثم عَلم تركَ ركنٍ من الأولى .. بطلتا) الأولى؛ لترك بعض أركانها،
الجزء: 1 - الصفحة: 369
وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ .. تَدَارَكَ، وَإِلَّا .. فَبَاطِلَةٌ وَلَا جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ .. أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيهِمَا. وَإِذَا أَخَّرَ الأُولَى .. لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَنيَّةُ الْجَمْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بنِيَّةِ الْجَمْع، وَإِلَّا .. فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءً
وتعذر التدارك؛ لطول الفصل، والثانية؛ لفقدان شرط صحتها، وهو: تقديم الأولى، والأولى باطلة، (ويعيدهما جامعًا) إن شاء عند اتساع الوقت؛ لأنه لم يصل.
(أو من الثانية، فإن لم يطل .. تدارك) ومضت الصلاتان على الصحة، (وإلّا .. فباطلة ولا جَمْعَ) لعدم الموالاة؛ لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها.
(ولو جهل) كون الركن المتروك من أيهما ( .. أعادهما لوقتيْهما) لاحتمال الترك من الأولى، ولا يجوز الجمع؛ لاحتمال تركه من الثانية، وقد فاتت الموالاة.
(وإذا أخر الأولى .. لم يجب الترتيبُ والموالاةُ ونية الجمع) عند الشروع في الصلاة (على الصحيح) أما عدم الترتيب .. فلأن الوقت للثانية، فلا تجعل تابعة، وأما الموالاة .. فلأن الأولى بخروج وقتها الأصلي قد أشبهت الفائتةَ، بدليل عدم الأذان لها وإن لم تكن فائتة، وينبني على عدم وجوب الموالاة عدم وجوب نية الجمع، ووجه مقابل الصحيح: القياس على جمع التقديم، ووقع في "المحرّر" الجزم بوجوب نية الجمع، وتبعه في "الحاوي الصغير"، قال في "الدقائق": (ولم يقل به أحد، بل في المسألة وجهان، الصحيح: أن الثلاث سنة، والثاني: أن كلها واجبة) 164.
(ويجب كون التأخير بنية الجمع، وإلّا .. فيعصي وتكون قضاءً) لأن التأخير لغير الجمع قد يكون معصية، وله مباح، فلا بد من نية مميزة بينهما، ويشترط: أن ينوي وقد بقي من وقت الأولى ما يسعها فأكثر؛ فإن بقي ما لا يسعها ... عصى، كذا جزم
الجزء: 1 - الصفحة: 370
وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، فَصَارَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُقِيمًا .. بَطَلَ الْجَمْعُ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا .. لَا يَبْطُلُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَأْخِيرًا، فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا .. لَمْ يُؤَثِّرْ، وَقَبْلَهُ .. يَجْعَلُ الأُولَى قَضَاءً. وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ تَقْدِيمًا،
به المصنف في شرحي "المهذب" و"مسلم" 165، وظاهر ما في "الشرح" و"الروضة": أنه إن نوى وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة .. كفى، أو دونها .. فلا، وصححه ابن الرفعة 166.
(ولو جمع تقديمًا، فصار بين الصلاتين) أو في الأولى (مقيمًا) بنية الإقامة، أو بلوغ السفينة مَقصِده ( .. بطل الجمع) لزوال سببه، فيؤخر الثانية إلى وقتها، ولا تتأثر الأولى بذلك.
(وفي الثاثية وبعدها .. لا يبطل في الأصح) اكتفاء باقتران العذر بأولها إذا أقام في أثنائها؛ صيانةً لها عن البطلان بعد الانعقاد، والثاني: تبطل؛ كما يمتنع القصر بالإقامة في أثنائها.
وفرق الأول؛ بأن القصر ينافي الإقامة، بخلاف الجمع، وأما إذا أقام بعدها .. فالخلاف مرتب، وأولى بالصحة؛ لتمام رخصة الجمع؛ كالإقامة بعد القصر.
(أو تأخيرًا، فأقام بعدَ فراغهما .. لم يؤثر) بالاتفاق (وقبله) أي: قبل فراغهما ( .. يَجعل الأولى قضاءً) لأن الأولى تبع للثانية عند التأخير، فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها، وهذا إذا كانت الإقامة في أثناء الأولى، فإن كانت في أثناء الثانية .. ففي "شرح المهذب": ينبغي أن تكون الأولى أداء قطعًا 167.
(ويجوز الجمع بالمطر) في الحضر (تقديمًا) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس: (أنه صلى الله عليه وسلم صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهرَ والعصر والمغربَ والعشاء) 168، وفي رواية لهما: (سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا) 169، وفي رواية لمسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 371
وَالْجَدِيدُ: مَنْعُهُ تَأْخِيرًا. وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ: وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلَامِ الأُولَى. وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا. وَالأَظْهَرُ: تَخْصيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ.
أيضًا: (من غير خوف ولا سفر) 170.
قال مالك: أُرَاهُ بالمطر، لكن في رواية لمسلم أيضًا: (من غير خوف ولا مطر) 171.
قال البيهقي: والأولى رواية الجمهور 172، فإن صحت .. فالمراد: لا مطرٍ كثيرٍ أو مستدامٍ، ولا فرق بين كثير المطر وقليله إذا بلّ الثوب.
(والجديد: منعُه تأخيرًا) لأن المطر قد ينقطع، فيؤدي إلى الجمع من غير وجود عذر، والقديم: الجواز، كالسفر.
(وشرط التقديم: وجوده) أي: المطر (أولَهما) أي: أول الصلاتين، لتحقق الجمع مع العذر.
(والأصح: اشتراطُه عند سلام الأولى) لتحقق اتصال آخرِ الأولى بأول الثانية في حال العذر، والثاني: لا يشترط؛ كما في الركوع والسجود.
(والثلج والبَرَدُ كمطر إن ذابا) وبلّا الثوب؛ لتضمنهما القدر المبيح من المطر.
(والأظهر: تَخصيص الرخصة بالمصلي جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ يتأذى بالمطر في طريقه) لأن الجمع جُوِّز للمشقة وتحصيل الجماعة، وهذا المعنى مفقود في ضد هؤلاء، والثاني: يجوز مطلقًا، لأنه عليه السلام كان يجمع في المسجد وبيوت أزواجه بقربه.
وأجاب الأول: بأن بيوت أزواجه مختلفة، منها: ما هو بجنب المسجد، ومنها: ما هو بخلافه، فلعله حين جمع لم يكن بالبيت الملاصق.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
بابٌ صلاة الجمعة إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْمُكَاتَبِ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ .. صَحَّتْ جُمُعَتُهُ
﴿باب صلاة الجمعة﴾
هي بإسكان الميم، وضمها، وفتحها، وحكي كسرها أيضًا، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، وقيل: لما جمع فيها من الخير 173.
(إنما تتعين على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض، ونحوِه) من الأعذار؛ لحديث: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ آمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ" رواه أَبو داوود، وغيره 174.
فلا جمعة على صبي، ومجنون، وعبد، وا مرأة، ومريض؛ للحديث المذكور، ولا على مسافر سفرًا مباحًا ولو قصيرًا؛ لاشتغاله به.
(ولا جمعة على معذور بمرخِّص في ترك الجماعة) مما يمكن مجيئه في الجمعة؛ فإن الريح بالليل لا يمكن عدّها.
(والمكاتَب) لأنه عبد ما بقي عليه درهمٌ، (وكذا مَن بعضه رقيق على الصحيح) لعدم كماله واستقلاله، والثاني: إن كان بينهما مُهايأة، ووقعت الجمعة في نوبته .. لزمته؛ لفراغه حينئذٍ.
(ومن صحت ظُهره) ممن لا تلزمه الجمعة؛ كالصبي، والعبد ( .. صحت جمعته) بالإجماع.
الجزء: 1 - الصفحة: 373
وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ، إِلَّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ. وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، وَالأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا. وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ .. لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا .. فَلَا.
(وله أن ينصرف من الجامع) قبل التحرم، لقيام المانع (إلا المريضَ، ونحوه) ممن ألحق به (فيحرم انصرافُه إن دخل الوقت) لزوال المشقة بالحضور.
(إلا أن يزيد ضررُه بانتظاره) هذا الاستثناء للإمام، ومن تبعه 175، قال الرافعي: في "الشرح": ولا يبعد أن ينزل عليه إطلاقهم 176، وجزم به في "الكتاب" تبعًا لـ" أصله" 177، لكنه لم يستوفه، بل فاته أن يستثني ما إذا أقيمت الصلاة .. فإنه لا يجوز له الانصراف؛ كما قاله الإمام 178، والأعمى الفاقد للقائد إذا حضر .. تلزمه بلا خلاف؛ كما قاله في "شرخ المهذب" 179.
(وتلزم الشيخَ الهرِمَ والزَّمِنَ إن وجدا مركبًا) ولو بإعارة أو إجارة، ولو كان آدميًّا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 180، (ولم يَشُقَّ الركوبُ) كمشقة المشي في الوَحَل؛ لانتفاء الضرر، (والأعمى يَجد قائدًا) ولو بأجرة مثل يجدها، فإن لم يجدها .. لم تلزمه؛ لما فيه من التعرض للضرر، وعن القاضي الحسين: أنه إن كان يحسن المشي بالعصا .. لزمه ذلك، وهو ظاهر.
(وأهل القرية إن كلان فيهم جمعٌ تصح به الجمعةُ، أو بلغهم صوتٌ عالٍ في هدو من طرفٍ يليهم لبلد الجمعة .. لزمتْهم، وإلّا .. فلا) لحديث: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" رواه أبو داوود 181.
الجزء: 1 - الصفحة: 374
وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ. وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنْ كَانَ سَفَرًا مُبَاحًا، فَإِنْ كَانَ طَاعَةً .. جَازَ.
والمعتبر: سماع من أصغى إليه، ولم يكن أصمّ، ولا جاوز سمعُه حدَّ العادة، فإذا سمع ذلك بعضُ أهل القرية .. وجب على أهلها.
ويعتبر أيضًا: كون النداء بمستو من الأرض، فلو ارتفعت قرية فسمعت، ولو ساوت لم تسمع أو عكسه .. فالأصحُّ في "الروضة" و"أصلها"، و"شرح المهذب": لزوم الثانية دون الأولى؛ اعتبارًا بالاستواء، لا بنفس السماع، لكن صحح في "الشرح الصغير" عكسه، وكلام "الكتاب" يقتضيه 182.
ولو وافق العيد يوم الجمعة فحضر أهل القرية الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، ولو رجعوا إلى أهلهم فاتتهم الجمعة .. فلهم الرجوع وترك الجمعة على الأصحِّ، فتستثنى هذه الصورة من إطلاقه.
(ويحرم على من لزمتْه السفرُ بعد الزوال) لتفويته الفرض بعد وجوبه 183 (إلا أن تُمكنه الجمعةُ في طريقه) لحصول المقصود، (أو يتضرر بتخلفه عن الرُّفقة) لحصول الضرر.
(وقبل الزوال كبَعْدِه) فإن أمكنه الجمعة في طريقه، أو تضرر بتخلفه عن الرفقة .. جاز، وإلا .. فلا (في الجديد) لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، ولهذا يجب السعي على بعيد الدار قبل الزوال، والقديم - ونص عليه في رواية حرملة، وهو من الجديد -: أنه يجوز، لأنه لم يدخل وقت الوجوب، وهو الزوال؛ كما إذا باع النصاب قبل تمام الحول (إن كان سفرًا مباحًا) أي: القولان في المباح.
(فإن كان طاعةً .. جاز) قطعًا، مستحبة كانت أو واجبة؛ لحديث فيه في
الجزء: 1 - الصفحة: 375
قُلْتُ: الأَصحُّ: أَنَّ الطَاعَةَ كَالْمُبَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ .. تُسَنُّ الْجَمَاعَهُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ. وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ: تَعْجِيلُهَا. وَلِصِحَّتِهَا -مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا- شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا تُقْضَى جُمُعَةً،
"الترمذي"، لكنه ضعيف 184، (قلت: الأصح: أن الطاعة كالمباح، والله أعلم) فيجري فيه القولان؛ لعدم صحة نص في التفرقة، أما بعد الزوال: فيمتنع فيهما وإن كان كلام "المحرر" يوهم إجراءَ الخلاف فيه 185.
(ومن لا جمعة عليهم .. تُسن الجماعةُ في ظهرهم في الأصح) لعموم الأدلة الطالبة للجماعة، والثاني: لا؛ لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة، والخلاف في المعذورين في البلد، فإن كانوا في غيره .. استحبت الجماعة في ظهرهم إجماعًا؛ كما في "شرح المهذب" 186.
(ويُخفونها إن خفي عذرُهم) دفعًا لتهمة الرغبة عن الجمعة، أما إذا كان ظاهرًا .. فلا تهمة، وقيل: يستحب الإخفاء مطلقًا.
(ويندب لمن أمكن زوالُ عذره) كالعبد يرجو العتق، والمريض يتوقع الخفة (تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة) وذلك برفع الإمام من الركوع الثاني؛ لأنه قد يزول عذره، ويتمكن من فرض أهل الكمال، (ولغيره كالمرأة والزَّمِن: تعجيلُها) محافظة على فضيلة أول الوقت.
(ولصحتها مع شرطِ غيرِها) من سائر الصلوات (شروطٌ: أحدها: وقتُ الظهر) للاتباع 187، ولأنهما فرضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما؛ كصلاة الحضر، وصلاة السفر، (فلا تُقضى جمعةً) بل ظهرًا بالإجماع.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا .. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا .. وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، وَفِي قَوْلٍ: اسْتِئْنَافًا. وَالْمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً. الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ،
(فلو ضاق عنها) بأن لم يبق من الوقت ما يسع أركانَ الخطبتين والركعتين ( .. صلَّوا ظهرًا) كما لو فات شرط القصر .. لزم الإتمام.
(ولو خرج) الوقت (وهم فيها .. وجب الظهرُ) وفاتت الجمعة، لأنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، ففاتت بفواته؛ كالحج، (بناءً) أي: تنقلب الجمعة ظهرًا، ويبنون على ما مضى وجوبا، لأنهما صلاتا وقت واحد، فجارينا أطولَهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السفر، (وفي قول: استئنافًا) أي: تبطل الجمعة، ويستأنفون الظهر، والقولان مبنيان على أن الجمعة ظهرٌ مقصورة، أم صلاة على حِيالها؟ قاله الرافعي 188، وقضية البناء: تصحيح الثاني، فإن الأصحَّ في "زيادة الروضة": أنها صلاة بحِيالها، ومع هذا صُحِّح قول البناء 189.
(والمسبوق كغيره) إذا خرج الوقت بعد قيامه إلى الثانية، فيتمها ظهرًا على الأصحِّ، قال الإسنوي: وعلى هذا: فالقياس: أنه يجب عليه أن يفارق الإمام في التشهد، ويقتصر على الفرائض، إذا لم يمكنه إدراكُ الجمعة إلَّا بذلك.
(وقيل: يُتمها جمعةً) لأنه تابع لجمعة القوم، وهي صحيحة، بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام.
(الثاني: أن تقام في خطةِ أبنيةِ أوطانِ المجمِّعين) للاتباع 190، ويستثنى من اشتراط الأبنية: ما إذا انهدمت قرية فأقام أهلها لعمارتها .. فإنه تلزمهم إقامةُ الجمعة فيها، بخلاف ما إذا أقاموا لعمارة أرض فَيْحَاءَ، نصَّ عليه 191، والفرق: الاستصحاب في الموضعين.
الجزء: 1 - الصفحة: 377
وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَدًا .. فَلَا جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ. الثَّالِثُ: أَلَّا يَسْبقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ: لَا تستَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا .. كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ قُرىً فاتَّصَلَتْ .. تَعَدَّدَتِ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا
(ولو لازم أهلُ الخيام الصحراءَ أبدًا .. فلا جمعة) عليهم (في الأظهر) لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة، وما كانوا يصلونها، وما أمرهم الشارع بها، وهذا؛ لأنهم على هيئة المستوفزين، نعم؛ يلزم من سمع النداء منهم، والثاني: تجب عليهم، ويقيمونها في موضعهم؛ لأن الصحراء وطنُهم، هذا إذا لازموا موضعًا واحدًا صيفًا وشتاء، أما لو كانوا ينتقلون من موضع إلى موضع بسبب المرعى، أو يُصَيِّفون في ناحية، ويَشْتُون في أخرى .. فلا تلزمهم، ولا تصحّ منهم قطعًا.
(الثالث: ألّا يسبقَها، ولا يقارنَها جمعةٌ في بلدتها) وإن عظمت؛ لأنها لم تفعل في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد، وحكمته: ظهور شعار الاجتماع، واتفاق كلمة الإسلام.
(إلّا إذا كبرتْ، وعَسُرَ اجتماعُهم في مكان) فتجوز الزيادة بقدر الحاجة؛ لأن الشافعي دخل بغداد وهم يقيمونها في موضعين، فلم ينكره، فقال الجمهور: هذا سببه.
(وقيل: لا تُستثنى هذه الصورةُ) وإنما لم ينكره الشافعي؛ لأن المسألة اجتهادية، وليس للمجتهد الإنكارُ على المجتهدين، وقال السبكي: إن عدم الاستثناء هو الصحيح مذهبًا ودليلًا، وهو قول أكثر العلماء، ولا يُحفَظ عن صحابي ولا تابعي تجويزُه، ولم يزل الناس على ذلك إلى أن أحدث المهدي ببغداد جامعًا آخر، وبسط ذلك.
(وقيل: إن حال نهرٌ عظيم بين شِقَّيها .. كانا كبلدين) لأنه يَجعل الشقين كبلدين، فلا يقام في كل شق أكثر من جمعة، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك، (وقيل: إن كانت قرىً فاتصلتْ .. تعددت الجمعةُ بعددها) أجرى عليها الحكمَ الأول، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ .. فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ .. فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالْمُعْتبَرُ: سَبْقُ التَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ. فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شُكَّ .. اسْتُؤْيفَتِ الْجُمُعَةُ. وَإِنْ سَتقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ، أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ .. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي قَوْلٍ: جُمُعَةً. الرَّابعُ: الْجَمَاعَةُ، وَشَرْطُهَا: كَغَيْرِهَا،
(فلو سبقها جمعةٌ) حيث لا يجوز التعدد ( .. فالصحيحة السابقة) لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة؛ لما مرّ من أنه لا يزيد على واحدة، (وفي قول: إن كان السلطانُ مع الثانية .. فهي الصحيحةُ) مخافة من التفويت على الجم الغفير؛ لأنهم يحضرون بحضوره، قال ابن الأستاذ: وسواء كان إمامًا، أو مأمومًا، قال الجيلي: والمراد بالسلطان: الإمام الأعظم، أو خليفته في الإمامة، أو الراتب من جهته، وقال السبكي: يظهر أن كلَّ خطيب ولّاه السلطان هو كالسلطان في ذلك، وأنه مراد الأصحاب.
انتهى، وفيه نظر.
(والمعتبر: سَبْق التحرم) بتمام التكبير، وهو الراء وإن سبق الآخر له بالهمزة؛ لأن به الانعقادَ، وقيل: العبرة بأول التكبير، (وقيل: التحلل) وهو السلام؛ للأمن معه من عروض فساد الصلاة، فكان اعتباره أولى من اعتبار ما قبله، (وقيل: بأول الخطبة) بناء على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.
(فلو وقعتا معًا أو شك) في سبق إحداهما ( .. استؤنفت الجمعة) إن اتسع الوقت؛ لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة.
(وإن سبقت إحداهما ولم تتعين، أو تعينت، ونُسيتْ .. صلَّوا ظهرًا) لتيقن وقوع جمعة صحيحة في نفس الأمر، ولا يمكن إقامة جمعة بعدها، والطائفة التي صحت لها الجمعةُ غيرُ معلومة، والأصل: بقاء الفرض في حق كل طائفة، فوجب عليهما الظهر، (وفي قول: جمعةً) لأن المفعولتين غير مجزئتين، فصار وجودهما كعدمهما 192.
(الرابع: الجماعة) بإجماع من يعتدّ به.
(وشرطها: كغيرها) من الجماعات، إلّا في نية الإمامة، فتجب هنا على
الجزء: 1 - الصفحة: 379
وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا مُسْتَوْطِنًا لَا يَظْعَنُ شتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا لِحَاجَةٍ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى، وَأَنَّ الإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ
الأصحِّ؛ لتحصل له الجماعة.
(وأن تقام بأربعين) لأنه أقلُّ عددٍ ثبت فيه التوقيف 193، وتستثنى صلاة الخوف في صلاة ذات الرقاع؛ فإنه يشترط في انعقاد الجمعة: أن يزيدوا على الأربعين؛ ليحرم الإمام بأربعين، ويقف الزائد في وجه العدو، ولا يشترط بلوغهم أربعين على الصحيح؛ لأنهم تبع للأولين.
(مكلَّفًا حرًّا ذكرًا) لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم، فلا تنعقد بهم، بخلاف المريض؛ فإنها إنما لم تجب عليه؛ رفقًا به لا لنقصه.
(مستوطنًا لا يَظعَن شتاءً، ولا صيفًا إلّا لحاجة) فلا تقام بمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة قصيرة، أو طويلة؛ كفقيه وتاجر على الأصحِّ (لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم الجمعة في حجة الوداع، وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، مع عزمه على الإقامة أيامًا) 194، وقوله: (لا يظعن ... ) إلى آخره هو بيان لقوله: (مستوطنًا)، وقد بين ذلك في "المحرر" 195.
(والصحيح: انعقادُها بالمرضى) لأنهم كاملون، والثاني: لا؛ كالمسافرين، وهو قول لا وجه؛ كما حكياه في "الشرح" و"الروضة" 196.
(وأن الإمام لا يشترط كونُه فوق أربعين) لإطلاق الأخبار، والثاني: يشترط؛ لما روي أنه عليه السلام جمع بالمدينة، ولم يجمع بأقل من أربعين 197، قال الرافعي: (وهذا يُشعر بزيادته على الأربعين) 198.
الجزء: 1 - الصفحة: 380
وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ .. لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ الْبنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولهِ .. وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنِ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ .. بَطَلَتْ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ. وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ
(ولو انفضَّ الأربعون، أو بعضُهم في الخطبة .. لم يُحسب المفعولُ) من واجباتها (في غيبتهم) قطعًا؛ إذ سماعها واجب، والمراد بالأربعين: العدد المعتبر، وهو تسعة وثلاثون على الأصحِّ، فلو كان مع الإمام الكامل أربعون، فانفض واحد منهم .. لم يضرّ.
(ويجوز البناءُ على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل) لأن الفصل اليسير لا يعد قاطعًا للموالاة، ويُعرف الطول، والقصر بالعرف؛ كما قاله في "شرح المهذب" 199.
(وكذا بناءُ الصلاة على الخطبة إن انفضُّوا بينهما) فإنه يجوز أيضًا إذا عادوا قريبًا؛ لما ذكرناه.
(فإن عادوا) في المسألتين (بعد طوله .. وجب الاستئنافُ في الأظهر) سواء كان بعذر أم لا؛ لأنه لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأئمة من بعده إلّا متواليًا، والثاني: لا يجب؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات.
(وإن انفضوا في الصلاة .. بطلت) الجمعة، ويُتمّونها ظهرًا؛ لأن العدد شرط في الابتداء، فيكون شرطًا في سائر الأجزاء؛ كالوقت.
(وفي قول: لا إن بقي اثنان) مع الإمام ليكونوا جمعًا، نظرًا إلى الابتداء فقط، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
(وتصح) الجمعة (خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره) لأن الجمعة تصح من الثلاثة، والعدد قد وجد بصفة الكمال، والاقتداءُ في صلاة بمن
الجزء: 1 - الصفحة: 381
وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا .. صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيرِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعًا .. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَته عَلَى الصَّحِيحِ. الْخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى،
لا تجب عليه تلك الصلاة .. جائز، والثاني: لا تصح؛ لأن الإمام ركن في صحة هذه الصلاة، فاشترط فيه الكمال كالأربعين بل أولى، فإن لم يتم العدد إلا به .. فلا تصح جزمًا.
(ولو بان الإمام جنبًا، أو محدثًا .. صحت جمعتُهم في الأظهر إن تم العدد بغيره) كما في سائر الصلوات، والثاني: لا تصح؛ لأن الجماعة شرط في الجمعة، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، فإذا بان الإمام محدثًا .. بَانَ ألّا جمعة له ولا جماعة، بخلاف غيرها، وحقيقة الخلاف راجعة إلى أن الجماعة وفضلَها يحصلان خلف المحدث أم لا؟ والمذهب: الحصول.
(وإلّا .. فلا) أي: وإن لم يتمّ العدد بغيره .. لم تصح جمعتهم قطعًا؛ لأن الكمال شرط في الأربعين كما سبق.
(ومن لحق الإمامَ المحدثَ راكعًا .. لم تُحسب ركعتُه على الصحيح) لأنها غير محسوبة للإمام، فلم يمكن أن يتحمل عن الغير، والثاني: تحسب؛ كما لو أدرك معه كل الركعة.
وفرق الأولُ بأنه إذا أدركه راكعًا .. لم يأت بالقراءة، والإمام لا يتحمل عن المأموم إذا كان محدثا، بخلاف ما إذا قرأ بنفسه.
(الخامس: خطبتان) للاتباع 200 (قبل الصلاة) بالإجماع، إلّا من شذّ.
(وأركانهما خمسة: حمد الله تعالى) لما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله تعالى، ويثني عليه) 201.
الجزء: 1 - الصفحة: 382
وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ،
(والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) للاتباع 202، [و] لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى .. فافتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان والصلاة.
(ولفظهما) أي: لفظ الحمد والصلاة (مُتعيِّن) لأنه الذي مضى عليه الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، فلا يجزئ الشكر والثناء.
وقضية كلام الغزالي: تعين لفظ (الله) تعالى، فلا يجزئ (الحمد للرحمن)، قال الرافعي: ولم أره مسطورًا، ولا يبعد؛ ككلمة التكبير 203، وجزم به في "شرح المهذب" 204.
ولا يتعين لفظ (رسول الله)، فلو قال: (على النبي)، أو (على محمد) .. كفى.
قال الغزي: ولا يكفي (صلى الله عليه وسلم)، وبه صرح في "الأنوار"، فقال في الكلام على التشهد: ولا بدّ من إظهار اسمه؛ كما في الخطبة، فلو قال: (وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم؛ صلّ عليه) .. لم يكف.
انتهى 205، ويؤيده تصريحهم في التشهد بأن أقلّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم .. (اللهم؛ صلّ على محمد).
الجزء: 1 - الصفحة: 383
وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثة أَرْكَان فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الأُولَى، وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ، وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ،
(والوصية بالتقوى) والطاعة؛ للاتباع 206، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذيرُ.
(ولا يتعين لفظها) أي: لفظ الوصية (على الصحيح) لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله، فيكفي ما دل على الموعظة، والثاني: يتعين؛ كالحمد والصلاة.
(وهذه الثلاثة أركانٌ في الخطبتين) لأن كلّ خطبة منفصلةٌ عن الأخرى.
(والرابع: قراءة آية) للاتباع 207 (في إحداهما) لا بعينها؛ إذ المنقول القراءة في الخطبة بلا تعيين، فدلّ على إجزائها في إحداهما، (وقيل: في الأولى) مقابلة للدعاء في الثانية، (وقيل: فيهما) لأنها ركن فأشبهت الثلاثة الأول، (وقيل: لا تجب) لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله ورسوله الوعظُ، وإذا قلنا بالوجوب .. قال الإمام: فلا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة، ولا شك أنه لا يكفي ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، وإن كانت آية؛ لأنها غيرُ مفهمة، وأقراه 208، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه 209.
(والخامس: ما يقع عليه اسمُ دعاء للمؤمنين) لنقل الخلف له عن السلف، قال الأَذْرَعي: ولا أعلم على ركنيته دليلًا، (في الثانية) لأن حالة الاختتام به أليق، وقد يفهم: أنه لا يجب للمؤمنات، وظاهر نص "المختصر" يفهم إيجابه 210، وجرى عليه كثيرون، وصرح به في "الانتصار"، وقال السبكي: إن الوجوب غريب، ولم
الجزء: 1 - الصفحة: 384
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ
أر من صرح به، ولا بخلافه، (وقيل: لا جب) لأنه لا يجب في غير الخطبة، فكذا فيها، وهو قول، لا وجه.
(ويُشترط كونُها عربيةً) للاتباع، فإن لم يكن فيهم من يُحسن العربيةَ .. خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، فإن مضت مدةُ إمكانِ التعلم، ولم يتعلم واحد منهم .. عصوا، ولا جمعة لهم.
(مرتبةَ الأركانِ الثلاثةِ الأُولى) 211 فيبدأ بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية؛ لأنه الذي جرى عليه الناس، وهذا هو المصحح في "الشرح الصغير".
(وبعد الزوال) لأنه لو جاز تقديمها على الزوال .. لفعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ تخفيفًا على المبكرين، وإيقاعًا للصلاة في أول الوقت.
(والقيامُ فيهما إن قَدَرَ، والجلوسُ بينهما) للاتباع 212، وتشترط الطمأنينة في الجلوس.
(وإسماع أربعين كاملين) للأركان فقط؛ لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلا بالإبلاع، فلو خطب سرًّا، أو رفع صوته، ولكن لم يَسمعوا لبعدهم عنه .. لم يصح، وكذا لو كانوا صمًّا على الصحيح.
وقوله: (أربعين كاملين) فيه تساهل؛ فالواجب إسماع تسعة وثلاثين؛ لأن الأصحَّ: أن الإمام من الأربعين.
(والجديد: أنه لا يحرم عليهم الكلام، ويسن الإنصات) لما في الصحيح: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن الدعاء بسبب الجدب، والمطر، وأقره 213، والقديم، ونص "الإملاء" من الجديد: أنه يحرم لغير ضرورة، ويجب
الجزء: 1 - الصفحة: 385
قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بشَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَالسَّتْرِ. وَتسُنُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ مُرْتَفِع، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَعِدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ، ثَمَّ يُؤَذَّنُ،
الإنصات؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في الخطبة 214، ولحديث: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ .. فَقَدْ لَغَوْتَ" متفق عليه 215.
(قلت: الأصح: أن ترتيب الأركان ليس بشرطٍ، والله أعلم)، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم" و"المبسوط" 216، لأن المقصود الوعظ، وهو حاصل، ولم يرد نصّ في اشتراط الترتيب.
(والأظهر: اشتراط الموالاة) للاتباع، ولها أثر ظاهر في استمالة القلوب، والثاني: لا؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات، وهذه المسألة مكررة قد سبقت في الكلام على الانفضاض.
(وطهارةِ الحدث والخبثِ، والسترِ) لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يصلي عقب الخطبة، فلزم أن يكون متطهرًا مستترًا، والثاني: لا؛ كالاستقبال، واشتراط الستر من زيادات "المنهاج" على "أصله".
(وتُسن على مِنبرٍ) للاتباع 217، (أو مُرتفعٍ) إن لم يكن هناك منبر؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
(ويُسلِّم على من عند المنبر، وأن يُقبل عليهم إذا صَعِدَ، ويُسلِّم عليهم) للاتباع 218.
(ويجلسَ، ثم يُؤذَّنُ) في حال جلوسه؛ للاتباع أيضًا 219.
الجزء: 1 - الصفحة: 386
وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً مَفْهُومَةً قَصِيرَةً، وَلَا يَلْتَفْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ.
وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا نَحْوَ (سُورَةِ الإِخْلَاصِ)، وَإِذَا فَرَغَ .. شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ، وَبَادَرَ الإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ، وَيَقْرَأُ فِي الأُولَى (الْجُمُعَةَ)، وَفِي الثَّانِيَةِ (الْمُنَافِقِينَ) جَهْرًا.
فَصْلٌ [في الأغسال المستحبة في الجمعة وغيرها]
يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا،
(وأن تكون بليغةً) أي: فصيحة؛ لأن ذلك أوقع في القلوب من الكلام المبتذل؛ وهو ما كثر استعماله وأُلِفَ، (مفهومةً) لأن الغريب الذي لا يفهم لا يؤثر، (قصيرةً) لقوله عليه السلام: "فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ " رواه مسلم 220.
(ولا يَلتفت يمينًا وشمالًا في شيء منها) لأنه بدعة.
(وأن يعتمد على سيف أو عصًا ونحوِه) 221 كالقوس؛ للاتباع 222، والحكمة فيه: الإشارة إلى أن هذا الدين قد قام بالسلاح، ويَقبض ذلك بيده اليسرى.
(ويكونُ جلوسُه بينهما نحوَ "سورة الإخلاص") استحبابًا، وقيل: إيجابًا.
(وإذا فَرَغَ .. شرع المؤذنُ في الإقامة، وبادر الإمامُ ليبلغ المحرابَ مع فراغه) من الإقامة؛ تحقيقًا للموالاة، وتخفيفًا على الحاضرين.
(ويقرأُ في الأولى "الجمعةَ"، وفي الثانية "المنافقين") للاتباع 223، (جهرًا) بالإجماع، وهذا من زيادات "الكتاب" بلا تمييز.
(فصل: يسن الغسل لحاضرها) 224 أي: لمن يحضرها؛ لحديث: "مَنْ أَتَى
الجزء: 1 - الصفحة: 387
وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ، وَوَقْتُهُ: مِنَ الْفَجْرِ، وَتقرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ .. تَيَمَّمَ فِي الأَصَحِّ. وَمِنَ الْمَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ،
الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .. فَلْيَغْتَسِلْ" رواه ابن حبان 225، وهو أمرُ ندبٍ؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .. فَبِهَا وَنعْصَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ .. فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ"، حسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي 226.
(وقيل: لكل أحد) وإن لم يحضر؛ كالعيد.
(ووقته من الفجر) الصادق؛ لأن الأخبار علقته باليوم؛ كحديث: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى .. فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" 227، (وتقريبه من ذهابه أفضل) لزيادة غرض التنظيف.
(فإن عجز) عن الماء؛ بأن توضأ ثم عدمه، أوكان جريحًا في غير أعضاء الوضوء ( .. تيمم في الأصح) كسائر الأغسال المسنونة، والثاني: لا؛ لأن المقصود منه التنظيف، والتيمم لا يفيده، وهو احتمال للإمام 228.
(ومن المسنون: غسل العيد والكسوف والاستسقاء) لاجتماع الناس لها؛ كالجمعة، (ولغاسل الميت) لما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا .. فَلْيَغْتَسِلْ"، وصححه ابن حبان، وابن السكن 229، وقال الماوردي: = رفعه: "مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلِ أَنْ يَثْنِي رجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَاب، وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتينِ سَبْعًا .. غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بعَدَدِ مَنْ آمَنَ بالله وَرَسُولِهِ".
وروى ابن السني [ص 181 - 182] من حديث عائشة رضي الله عنها رفَعته: "مَنْ قَرَأَ بَعْدَ صلَاةِ يَوْم الْجُمُعَةِ قُلْ هُوَ الله أَحْدٌ، وَالْمُعَوِّذَتينِ سَبع مَرَّاتٍ .. أَعَاذَهُ الله بهَا مِنَ السُّوءِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى".
اهـ هامش (أ).
الجزء: 1 - الصفحة: 388
وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا، وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ. وَآكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمُعَةِ، وَعَكَسَهُ: الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ
خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مئةً وعشرين طريقًا 230.
(والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا) لثبوته في الإغماء 231، والجنونُ من باب أولى؛ إذ يقال: قلّ من جنّ إلّا وأنزل، وإنما لم يجب وإن كان الجنون مظنة الإنزال؛ كما وجب الوضوء من النوم، لكونه مظنة الحدث .. لأن حدث النائم ليس له أمارة ولا علامة، بخلاف الجنابة، فإن لها أمارةً، وهي وجود المني في الثوب أو البدن، فإذا لم توجد .. لم يجب.
(والكافر إذا أسلم) أي: بعد الإسلام؛ لأمره عليه السلام قيس بن عاصم به، صححه ابن حبان وغيره 232، وإنما لم يجب؛ لأن خلقًا أسلموا ولم يأمرهم صلى الله عليه وسلم به.
نعم؛ إن عرض له ما يوجب الغسل؛ من جنابة أو حيض .. لزمه الغسل على الأصح ولو اغتسل في الكفر.
(وأغسال الحج) لما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
ونقل عن صاحب "الفروع": أنه ينوي بهذه الأغسال أسبابها إلا الاغتسال من الجنون والإغماء، فإنه ينوي الجنابة، وفيه نظر.
(وآكدها: غسل غاسل الميت) للتردد في وجوبه.
(ثم الجمعة، وعكسه القديم، قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح، والله أعلم)، قوله: (وليس للجديد حديث صحيح): فيه نظر، لما قدمناه قريبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا مَاشِيًا بسَكِينَةٍ، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَة أَوْ ذِكْرٍ، وَلَا يَتَخَطَّى، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٌ، وَإِزَالَةُ الظُّفرِ وَالرِّيحِ
(والتبكير إليها) لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى .. فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" الحديث متفق عليه 233.
ويستثنى: الإمام؛ فيحضر وقت الصلاة، قاله الماوردي 234.
(ماشيًا بسكينة) إن لم يضق الوقت؛ لحديث: "إِذَا أَتيتُمُ الصَّلَاةَ .. فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تسعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ" رواه مسلم 235.
(وأن يشتغل في طريقه وحضوره) الجامع (بقراءة أو ذكر) لحديث: "وَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبسُهُ" متفق عليه 236، وروى مسلم: "فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ" 237، وفي التنزيل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
(ولا يتخطى) للنهي عنه 238، نعم؛ للإمام التخطي في مضيه إلى المنبر والمحراب إذا لم يجد طريقًا سواه، وكذا لغير الإمام إذا وجد بين يديه فرجةً لا يصل إليها إلا بالتخطي، كذا أطلقاه 239، وهو مُقيَّد بما إذا كان التخطي بصفّ أو صفين، فإن زاد .. فالكراهة باقية، قاله الشيخ أبو حامد وغيره، ونص عليه في "الأم" 240.
(وأن يتزين بأحسن ثيابه، وطيب، وإزالة الظفر) الطويل؛ لورود الحث على ذلك 241، (والريح) الكريهة؛ لئلا يؤذي الناس.
الجزء: 1 - الصفحة: 390
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، وَيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ التَّشَاغُلُ بِالْبَيع وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ،
(قلت: وأن يقرأ الكهف يومها وليلتها) لحديث: "مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .. أَضَاءَ لَهُ مِنَ النورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ" صححه الحاكم 242، وروى الدارمي: "مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ .. أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَهَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" 243.
(ويكثر من الدعاء) رجاءَ أن يصادف ساعة الإجابة، قال في "الروضة": والصواب في ساعة الإجابة: ما ثبت في "صحيح مسلم": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمَامُ إِلَى أَنْ تقضَى الصَّلَاةُ" 244.
(والصلاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم) لحديث: "أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً .. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا" رواه البيهقي بإسناد جيد 245.
(ويحرم على ذي الجمعة) أي: من تلزمه (التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وقيس على البيع غيره.
وقد يفهم: أنه لو كان أحدُ المتبايعين لا تلزمه .. لا يحرم عليه، وليس كذلك؛ = خزيمة (1762)، وأبو داوود (343)، وأحمد (3/ 81) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، والتطيب عند البخاري برقم (880)، ومسلم برقم (846) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأما إزالة الظفر .. فأخرجه البزار (8291)، والطبراني في "الأوسط" (846)، والبيهقي في "الشعب" (2508) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعقد ابن أبي شيبة في "مصنفه" بابًا في تنقية الأظفار وغيرها يوم الجمعة، ثم أورد فيه آثارًا (5615 - 5619)، وانظر أحاديث الباب عند أبي الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه" (ص 278 - 279).
الجزء: 1 - الصفحة: 391
فَإِنْ بَاعَ .. صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في بيان ما يحصل به إدراك الجمعة]
مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ .. أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ رَكْعَةً،
كما جزما به 246؛ لإعانته على معصية.
وأشارب (التشاغل): إلى جوازه في الطريق وفي المسجد، وهو ما نقله في "الروضة" عن المتولي وقال: إنه ظاهر 247.
وخرج بقوله: (بين يدي الخطيب): الأذان الأول؛ لأنه لم يكن في عهده عليه السلام.
(فإن باع .. صح) لأن النهي لأمر خارج عن العقد، فلم يمنع الصحةَ؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، (ويكره قبل الأذان بعد الزوال، والله أعلم) لدخول وقت الصلاة، فالتشاغل عنه كالإعراض 248.
(فصل: من أدرك ركوع الثانية) المحسوب للإمام، لا كالمحدث كما سلف ( .. أدرك الجمعه فيصلي بعد سلام الإمام ركعة) يجهر فيها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه 249، وفي رواية: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً
الجزء: 1 - الصفحة: 392
وِإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ .. فَاتَتْهُ فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِهِ ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ. وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ .. جَازَ الاسْتِخْلَافُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إِلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ،
منَ الْجُمُعَةِ .. فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى" رواه الحاكم، وقال: إسناده على شرطهما 250.
(وإن أدركه بعده .. فاتته) لمفهوم الحديث المذكور، (فيتم بعد سلامه ظهرًا أربعًا) لفوات الجمعة، (والأصح: أنه) أي: هذا المُدرِك بعد ركوع الثانية (ينوي في اقتدائه الجمعة) موافقة للإمام، ولأن اليأس لا يحصل إلا بالسلام؛ إذ قد يتذكر الإمام ترك ركن فيأتي بركعة فيدرك الجمعة، والئاني: ينوي الظهر؛ لأنها التي تحصل له.
(وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها بحدث أو غيره) كرُّعاف، أو بلا سبب أيضًا ( .. جاز الاستخلاف في الأظهر) لأنها صلاة بإمامين على التعاقب فيجوز؛ كما أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصلي بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنبه، فاقتدى به أبو بكر رضي الله عنه والناس، متفق عليه 251، وقد استَخلف عمرُ رضي الله عنه حين طُعن، رواه البيهقي 252، والثاني: المنع؛ لأنها صلاة واحدة، فلا تجوز بإمامين؛ كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة.
ويجوز الاستخلاف للإمام والمأمومين، واستخلافهم أولى من استخلافه، ولو لى يستخلف في الجمعة .. وجب على القوم في الأولى دون الثانية.
(ولا يستخلف للجمعة إلا مقتديًا به قبل حدثه) لأنه لا تُبتدأ جمعةٌ بعد انعقاد جمعة، ويخالف المأموم؛ فإنه تابع، أما في غير الجمعة .. فيجوز على الأصحِّ بشرط: ألا يخالف إمامَه في ترتيب الصلاة؛ بأن يكون في الأولى مطلقًا، أو في الثالثة من الرباعية، فإن استخلفه في الثانية، أو في الرابعة من الرباعية، أو في الثالثة من المغرب .. لم يجز؛ لأنه يحتاج إلى القيام وعليهم القعود، فيختلف الترتيب بينهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الأُولَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا، ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الأُولَى .. تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلَّا .. فَتَتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً .. تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا، وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ
(ولا يشترط كونه حضر الخطبة ولا) أن يكون أدرك (الركعة الأولى في الأصح فيهما) أما في الأولى .. فلأنه بالاقتداء صار في حكم من حضرها وسمعها، ولهذا تصح جمعته، كما تصح جمعة الحاضرين السامعين، ووجه مقابله: القياس على ما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها ليصلي بهم؛ فإنه لا يجوز، وأما الثانية .. فلأن الخليفة الذي كان مقتديًا بالإمام بمثابة الإمام، ووجه مقابله: أنه غير مدرك للجمعة، والمذكور في "الروضة" وغيرها نقل الخلاف في الثانية قولين 253.
(ثم إن كان أدرك الأولى .. تمت جمعتهم) أي: جمعة الخليفة والمأمومين، سواء أحدث الإمام في الأولى أو الثانية؛ لأنه لما أحرم .. صار باستخلافه قائما مقامه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن أدركها ( .. فتتم لهم دونه في الأصح) لأنهم أدركوا مع الإمام ركعة، بخلاف الخليفة؛ فإنه لم يدركها معه، فيتمها ظهرًا، والثاني: تتم له جمعة أيضًا؛ لأنه صلى ركعة من الجمعة في جماعة، فأشبه المسبوق.
وفرق الأول: بأن المأموم يمكن جعله تبعًا للإمام، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعًا للمأمومين.
(ويراعي المسبوقُ نظمَ المستخلِف) أي: يراعي الخليفة إذا كان مسبوقًا نظمَ صلاة المستخلِف له؛ لأنه التزم ذلك بالاقتداء.
(فإذا صلى ركعة .. تشهد وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا) ويقوم إلى ركعة أخرى حيث أتمها جمعة، وإلى ثلاث حيث أتمها ظهرًا، قال في "شرح المهذب": (والأفضل: انتظاره) 254.
(ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح) لأن غرض الاستخلاف: جعل
الجزء: 1 - الصفحة: 394
وَمَنْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ .. فَعَلَ، وَإِلَّا .. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلَا يُومِئُ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ .. سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ .. قَرَأَ، أَوْ رَاكِعٌ .. فَالأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ .. وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ .. فَاتَتِ الْجُمُعَةُ
الخليفة كالأول وإدامة الجماعة، والثاني: يلزمهم، لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
(ومن زُحِمَ عن السجود فأمكنه على إنسان) أو بهيمة أو غيرها ( .. فعل) وجوبًا؛ لإمكانه، وروى البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إذا اشتد الزحام .. فليسجد أحدكم على ظهر أخيه) 255، ولا يعرف له مخالف.
ولا بدَّ من رعاية هيئة الساجدين؛ بأن ترتفع أسافله على أعاليه، وإلا .. فلا يفعله.
(وإلا) أي: وإن لم يمكنه ذلك ( .. فالصحيح: أنه ينتظر) زوال الزحام، (ولا يومئ به) لقدرته على إتمامه وندور هذا العذر وعدم دوامه، والثاني: يومئ ول أقصى ما يمكنه؛ كالمريض؛ لمكان العذر، والثالث: يتخير بينهما.
(ثم إن تمكن قبل ركوع إمامه) في الثانية ( .. سجد) تداركًا له عند زوال العذر.
(فإن رفع والإمام قائم .. قرأ) الفاتحة؛ جريًا على متابعته، فإن لم يتمها حتى ركع الإمام .. فله حكم المسبوق في الأصحِّ، ولا يضر التخلف الماضي؛ لأنه تخلف بعذر، (أو راكع .. فالأصح: يركع وهو كمسبوق) لأنه لم يدرك محلّ القراءة، فسقطت عنه، والثاني: تلزمه القراءة ويسعى وراء الإمام، وهو متخلف بعذر؛ لأنه مؤتم بالإمام في حال قراءته، فلزمته، بخلاف المسبوق.
(فإن كان إمامه فرغ من الركوع ولم يسلم .. وافقه فيما هو فيه، ثم صلى ركعة بعده) 256 لفواتها؛ كالمسبوق، (وإن كان سلم .. فاتت الجمعة) لأنه لم يدرك معه ركعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 395
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ .. فَفِي قَوْلٍ: يَرْعَى نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، فَرَكْعَته مُلَفَّقَة مِنْ رُكُوعِ الأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَيُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ .. لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا .. حُسِبَ،
(وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) في الثانية ( .. ففي قول: يرعى نظم نفسه) لحديث: "إِذَا سَجَدَ .. فَاسْجُدُوا" 257، وقد سجد إمامه في الأولى، فيسجد هو أيضًا؛ امتثالًا للأمر، ولئلا يتوالى ركوعان.
(والأظهر: أنه يركع معه) لظاهر: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ .. فَارْكَعُوا" 258، ولأن متابعة الإمام آكد، ولهذا يتبعه المسبوق، ويترك القراءة والقيام.
(ويُحسب ركوعُه الأول في الأصح) لأنه أتى به في وقته، وإنما أتى بالثاني لموافقة الإمام، والثاني: يحسب الثاني؛ لتعقبه السجود.
(فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود التانية، ويدرك بها الجمعة في الأصح) لإطلاق قوله عليه السلام: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ .. فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى" 259، ولأن التلفيق لازم قطعًا؛ بدليل تكبيرة الإحرام، والثاني: لا؛ لنقصانها بالتلفيق.
(فلو سجد على ترتيب نفسه) عامدًا (عالمًا بأن واجبه المتابعة) تفريعًا على الأظهر ( .. بطلت صلاته) لتلاعبه، حيث سجد في موضع الركوع، وعليه التحرم بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع.
(وإن نسي أو جَهل .. لم يحسب سجوده الأول) لأنه أتى به في غير محله، ولا تبطل به الصلاة؛ للعذر.
(فإذا سجد ثانيًا .. حُسِبَ) أي: فإذا فرغ من هاتين السجدتين اللتين لم نحسبهما
الجزء: 1 - الصفحة: 396
وَالأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ، وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُّجُودِ نَاسِيًا حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ .. رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
له، واستمر على ترتيب صلاة نفسه فقام وركع، فماذا انتهى إلى السجود الثاني .. حسبناه له، وأتممنا به ركعته؛ لدخول وقته، وألغينا ما قبله.
وما ذكره من حسبان السجود الثاني حتى تحصل له الركعة .. تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: إنه المنقول، ونقله في "الشرحين" عن الصَّيْدَلاني والإمام والغزالي، ثم استشكله وقال: إن المفهوم من كلام الأكثرين: أنه لا يعتد له بشيء مما يأتي به على غير المتابعة، وإذا سلم الإمام .. سجد سجدتين، لتمام الركعة، ولا يكون مدركًا للجمعة، وجرى في "الروضة" على أن ذلك مفهوم كلام الأكثرين، ونقل في "شرح المهذب" عن الجمهور: أنهم قطعوا بعدم الحسبان 260.
(والأصح: إدراك الجمعة بهذه الركعة إذا كملت السجدتان قبل سلام الإمام) لما مرّ في الركعة الملفقة، والثاني: لا؛ لأن الملفقة فيها نقصان، وهذه فيها نقصانان؛ نقصان بالتلفيق، ونقصان بالقدوة الحكمية؛ فإنه لم يتابع الإمام في معظم ركعته متابعة حسية، بل سجد متخلفًا عنه.
(ولو تخلف بالسجود ناسيًا حتى ركع الإمام للثانية .. ركع معه على المذهب) أي: إذا نسي السجود في غير الزحام، فلم يسجد حتى ركع الإمام في الثانية .. ففيه طريقان: أظهرهما في "الشرح الصغير" و"المحرر": فيه قولا المزحوم للعذر 261، فيركع معه على الأظهر، ويراعي ترتيب نفسه على الآخر، والطريق الثاني: الجزم بالمتابعة، ورجحها الروياني 262.
الجزء: 1 - الصفحة: 397
بابُ صلاة الخوف هِيَ أَنْوَاعٌ: الأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ وَيُصَلِّي بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ .. سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتيهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُوا .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ، وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا، وَحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ .. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صَلَاهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ،
﴿باب صلاة الخوف﴾
أي: كيفية الصلاة المفروضة إذا فعلت في حال الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ... الآية، وفعلها الصحابة رضي الله عنهم بعده في مواطن 263.
(هي أنواع) تبلغ ستة عشر نوعًا، اختار الشافعي منها ما ذكره المصنف.
(الأول: يكون العدو في القبلة) وفي المسلمين كثرة بحيث تقاوم كلّ فرقة العدوّ، ولا ساتر بينهم وبين العدو (فيرتب الإمام القوم صفين ويصلي بهم، فإذا سجد .. سجد معه صفّ سجدتيه وحرس صفّ، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقوه، وسجد معه في الثانية من حرس أولًا، وحرس الآخرون، فإذا جلس .. سجد من حرس وتشهد بالصفين وسلم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان) هذه الكيفية رواها مسلم من حديث جابر، لكن فيه أن الذي سجد معه أولًا هو الصف الأول 264، ونص في "المختصر": على أنه الثاني 265.
فمنهم: من أخذ بظاهر النص، ومنهم: من رده، وقال: إن مذهبه ما ثبت في الحديث، قال في "الروضة": والصحيح: جواز الأمرين، وهو مراد الشافعي، وقد فهم من كلامه: أنه لا حراسة في الركوع، وهو الصحيح 266.
الجزء: 1 - الصفحة: 398
وَلَوْ حَرَسَ فِيهمَا فِرْقَتَا صَفٍّ .. جَازَ، وَكَذَا فِرْقَةٌ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا، فَيُصَلِّي مَرَّتينِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ. [الثَّالِثُ]: أَوْ تَقِفُ فِرْقَةٍ فِي وَجْهِهِ وَيُصَلِّي بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ .. فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ .. قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيتهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ،
(ولو حرس فيهما) أي: في الركعتين (فِرْقتا صفٍّ) على التناوب؛ فرقة في الأولى، وفرقة في الثانية ( .. جاز) قطعًا؛ لحصول المقصود، وهو الحراسة (وكذا فرقة) تحرس فيهما (في الأصح) لأنه قد لا يتأهل للحراسة إلا معينون، والثاني: لا يجوز؛ لأن التخلف يتضاعف حينئذ، ويزيد على ما ورد به الخبر.
(الثاني: يكون) العدو (في غيرها) أو فيها وبين المسلمين وبينه حائل يمنع من رؤيته لو أراد أن يهجم عليهم (فيصلي مرتين كل مرة بفرقة، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل) هذه الكيفية في "الصحيحين" 267.
ويشترط: أن تكون في المسلمين كثرة، وفي العدو قلة، بحيث تقاوم كلّ فرقة العدوَّ، وأن يخافوا هجومَ العدو عليهم في الصلاة.
([الثالث]: أو تقف فرقة في وجهه، ويصلي بفرقة ركعة، فإذا قام للثانية .. فارقته وأتمت وذهبت إلى وجهه، وجاء الواقفون فاقتدوا به، فصلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد .. قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلّم بهم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع) وهذه الكيفية في "الصحيحين" أيضًا 268.
(والأصح: أنها أفضل من بطن نخل) لأنها أعدل بين الطائفتين، وهي صحيحة بالإجماع، وتلك فيها خلافُ المفترضِ خلف المتنفل، ووجه مقابله: حصول فضيلة الجماعة على التمام لكلّ طائفة 269.
الجزء: 1 - الصفحة: 399
وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ وَيَتَشَهَّدُ، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ. فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا .. فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَنْتَظِرُ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثالِثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ رُبَاعِيَّةً .. فَبكُلٍّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقةٍ رَكْعَةٍ
(ويقرأ الإمام في انتظاره) الفرقة (الثانية ويتشهد) لأن السكوت مُخالِف لهيئة الصلاة، وليس القيام موضعَ ذكر، نعم؛ يطيل القراءة بعد لحوقهم بقدر (الفاتحة)، وسورة قصيرة (وفي قول: يؤخر لتلحقه) ليسوي بين الفرقتين في القراءة، وعلى هذا يشتغل بالذكر.
(فإن صلى مغربًا فبفرقة ركعتين، وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه في الأظهر) لأن السابقة أحقّ بالتفضيل، ولأن في عكسه تكليفَ الثانية تشهدًا زائدًا، والثاني: العكس أولى جبرًا للثانية عن فضيلة التحرم، ويروى أن عليًّا رضي الله عنه صلّى ليلة الهَرِير بالناس هكذا 270.
(وينتظر) أي: تفريعًا على الأظهر الفرقة الثانية (في تشهده، أو قيام الثالثة) لحصول المقصود بكل منهما.
(وهو) أي: انتظاره في قيام الثالثة (أفضل في الأصح) لبنائه على التطويل، وبناء التشهد الأول على التخفيف، والثاني: أن الانتظار في التشهد أولى؛ ليدركوا معه الركعة من أولها، وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ فإن الخلاف قولان، كما في "الروضة" وغيرها 271.
(أو رباعية فبكلٍّ ركعتين) لأن فيه تحصيلًا للمقصود مع المساواة بين المأمومين، وهذا إذا قضى في السفر رباعية فاتته في الحضر، أو وقع الخوف في الحضر، أو فيما دون ثلاثة أيام؛ لأن الإتمام أفضل، وإلا .. فالقصر أفضل لا سيما أنه أليق بحالة الخوف.
(فلو صلى بكل فرقة ركعة) أي: إذا فرّقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة،
الجزء: 1 - الصفحة: 400
صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقةٍ مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لا ثانِيَةُ الأُولَى. وَسَهْوُهُ فِي الأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الأَوَّلِينَ. وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ
وانتظر فراغها ومجيء من بعدها ( .. صحت صلاة الجميع في الأظهر) لأنه قد يحتاج إليه بأن يكون العدو ست مئة، والمسلمون أربع مئة، فيحتاج إلى وقوف ثلاثة أرباع الجند في وجه العدو، ومقابل الأظهر: أربعة أقوال: أحدها: صحة صلاة الإمام، والطائفة الرابعة فقط، والثاني: بطلان صلاة الإمام، وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية، والفرق في حق الثالثة والرابعة بين أن يعلموا بطلان صلاة الإمام أم لا، والثالث: صحة صلاة الثالثة لا محالة، والباقي كالقول الثاني، والرابع: بطلان صلاة الجميع.
(وسهو كل فرقة) أي: إذا فرّقهم فرقتين، كما صرح به في "المحرر" 272 (محمول في أُولاهم) لأنهم فيها مقتدون حسًّا وحكمًا، (وكذا ثانية الثانية في الأصح) لأن حكم القدوة مستمرّ في حقّهم، والثاني: لا؛ لأنهم منفردون بها حسًّا (لا ثانية الأولى) لانفرادهم حسًّا وحكمًا.
(وسهوه) أي: الإمام (في الأولى يلحق الجميع) فيسجد المفارقون عند تمام صلاتهم وإن كان سهوه قبل اقتداء الفرقة الثانية؛ للنقصان الحاصل في صلاته، (وفي الثانية لا يلحق الأولين) لمفارقتهم قبل السهو، بخلاف الثانية.
(ويسن حمل السلاح في هذه الأنواع) من صلاة الخوف احتياطًا (وفي قول: يجب) لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وحمل الأولُ الآية على الندب؛ إذ لو وجب .. لكان تركه مفسدًا كغيره مما يجب في الصلاة، ولا تفسد به قطعًا، والخلاف مخصوص بطهارة السلاح، وعدم منعه صحة الصلاة؛ كالبيضة المانعة من السجود، وألّا يؤذي غيره، فإن آذى؛ كالرمح وسط الصف .. كره حمله، وأن يكون الخطر بتركه محتملًا، فإن كان ظاهرًا .. وجب الحمل قطعًا؛ لئلا يكون مستسلمًا للكفار، ووضع السلاح بين يديه - إذا سهل تناوله - كالحمل له.
الجزء: 1 - الصفحة: 401
الرَّابعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، ويُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، وَكَذَا الأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، لَا صِيَاحٌ، وَيُلْقِي السِّلَاحَ إِذَا دَمِيَ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَمْسَكَهُ، وَلَا قَضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوع أَوْ سُجُودٍ .. أَوْمَأَ،
(الرابع: أن يلتحم القتال) ولم يمكن تركه (أو يشتد الخوف) وإن لم يلتحم القتال؛ بأن لم يأمنوا أن يركبوهم لو انقسموا فرقتين (فيصلي كيف أمكن راكبًا وماشيًا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
(ويعذر في ترك القبلة) لما مرّ في بابه (وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح) كالضربات المتوالية؛ قياسًا على ما ورد، وهو المشي وترك الاستقبال، والثاني: لا يعذر؛ لأن النصّ ورد في هذين فيبقى ما عداهما على الأصل.
(لا صياح) فإنه لا يعذر فيه؛ لعدم الحاجة إليه، لأن الساكت أهيب.
(ويلقي السلاح إذا دمي) بما لا يعفى عنه إن استغنى عنه، تصحيحًا لصلاته، وفي معنى إلقائه: جعلُه في قِرابه تحت ركابه.
(فإن عجز) بأن احتاج إلى إمساكه (أمسكه) للحاجة (ولا قضاء في الأظهر) لأنه عذر يعمّ في حقّ المقاتل، فأشبه المستحاضة، والثاني: يقضي؛ لندور العذر.
وما رجحه تبع فيه "المحرر" فإنه قال: إنه الأقيس، وهو ما جزما به في "الشرحين" و"الروضة" في (باب شروط الصلاة) 273، لكن نقلا في "الشرح" و"الروضة" هنا عن الإمام عن الأصحاب وجوب القضاء، وأنه ليس فيه إلّا بحث للإمام، وقال في "شرح المهذب": ظاهر كلام الأصحاب: القطع بالوجوب، قال في "المهمات": وقد نص عليه في "البويطي"، وحكاه ابن الرفعة عن "تعليق" القاضي حسين، وحينئذ فتكون الفتوى عليه 274.
(فإن عجز عن ركوع أو سجود .. أومأ) بهما للضرورة، وثبت ذلك في "صحيح
الجزء: 1 - الصفحة: 402
وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ. وَلَهُ ذَا النَّوْعُ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ، وَسَيْلٍ، وَسَبُعٍ، وَغَرِيمٍ عِنْدَ الإِعْسَارٍ وَخَوْفِ حَبْسِهِ، وَالأَصَحُّ: مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا فَبَانَ .. قَضَوْا فِي الأَظْهَرِ.
مسلم" عن ابن عمر رضي الله عنهما 275، (والسجود أخفض) من الركوع؛ ليحصل التمييز بينهما (وله ذا النوع) أي: صلاة شدة الخوف (في كل قتال وهزيمة مباحين) لأن المنع منه فيه ضرر، ويحرم في القتال المحرم بالإجماع، [والمراد بالمباح هنا: ما لا إثم فيه] 276 ولو كان واجبًا؛ كقتال البغاة.
(وهرب من حريق، وسيل، وسبع) ونحوه؛ لوجود الخوف (وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه) دفعًا لضرر الحبس، وهذا حيث لا بينة له، ولا يصدق فيه، وإذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال .. فلا إعادة على الأظهر.
(والأصح منعه لمحرم خاف فوت الحج) لو صلى العشاء متمكنًا لضيق وقت الوقوف؛ لأنه لا يخاف فوات شيء حاصل، بل يروم تحصيل ما ليس بحاصل، فأشبه خوف فوات العدوّ عند انهزامهم، والثاني: يجوز له ذلك؛ لأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أيامًا في حقّ المعسر، وعلى الأول: رجح الرافعي أنه يصلّي مطمئنًا، ويفوت الحج؛ لعظم حرمة الصلاة 277.
وقال المصنف: الصواب: أنه يؤخر الصلاة، ويقضي، ويحصل الوقوف؛ لأن أمر الحج خطر، وقد جوّزوا تأخير الصلاة لأمور لا تقارب المشقةُ فيها هذه المشقة؛ كالتأخير للجمع 278.
(ولو صلوا) صلاة شدّة الخوف (لسواد ظنوه عدوًا فبان) الحال بخلافه ( .. قضوا في الأظهر) لعدم الخوف في نفس الأمر؛ كما لو أخطأ في الطهارة، والثاني: لا؛ اعتبارًا بالظاهر، ويجري الخلاف فيما لو رأوا عدوًا فخافوهم فصلَّوها، ثم بان
الجزء: 1 - الصفحة: 403
فصلٌ [فيما يجوز لبسه وما لا يجوز]
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، وَأَنَّ لِلْوَليِّ إِلْبَاسَهُ الصَّبِيَّ.
أنه كان بينهم خندق، وخصص في "المعين" الخلاف في الصورتين بما إذا كان العدوّ زائدًا على الضعف حتى يجوز لهم الهرب، وإلا .. فتجب الإعادة قطعًا.
(فصل: يحرم على الرجل استعمال الحرير بفرش وغيره) من وجوه الاستعمال إلا ما يأتي استثناؤه؛ لقول حذيفة: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير، والديباج، وأن نجلس عليه) رواه البخاري 279، والخنثى كالرجل، وفيه احتمال، والقَزُّ كالحرير على الأصحِّ.
(ويحل للمرأة لبسه) بالإجماع.
(والأصح: تحريم افتراشها) للسرف والخيلاء، بخلاف اللبس؛ فإنه زينة؛ كالتحلّي، والثاني: يحل؛ لعموم قوله عليه السلام: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا" صححه الترمذي 280.
ولا يسلم قائله أن إباحته لمجرد التزين للزوج؛ إذ لو كان كذلك .. لاختص بالمزوجة ونحوها دون الخلية، وأجمعوا على أنه لا يختص.
(وأن للولي إلباسه الصبي) لأنه لائق بحاله؛ إذ ليس له شهامة يناقضها، والثاني: المنع؛ لعموم الحديث المارّ، فيجب على الولي منعه منه؛ كغيره من المحرمات، ورجحه ابن الصلاح، وقيل: يختصّ الجواز بما دون سبع سنين كي لا يعتاده، ورجحه الرافعي في "الشرحين" 281.
الجزء: 1 - الصفحة: 404
قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ، أَوْ فَجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحِكَّةٍ وَدَفْعِ الْقَمْلِ، وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إِبْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الإِبْرِيسَمِ، وَيَحِلّ عَكْسُهُ،
ويستثنى من الخلاف يوما العيد؛ فيجوز فيهما إلباسه الحرير والحلي قطعًا؛ لأنه يوم زينة، كذا نقله في "شرح المهذب" في (باب صلاة العيدين) عن الشافعي والأصحاب 282.
(قلت: الأصح: حلّ افتراشها، وبه قطع العراقيون وغيرهم، والله أعلم) لما مرّ.
(ويحل للرجل لبسه للضرورة كحرٍّ وبرد مهلكين، أو فجأة حرب ولم يجد غيره) للضرورة، وفي معنى خوف الهلاك: الخوف على العضو والمنفعة، وكذا الخوف من المرض الشديد؛ كما قاله الإسنوي وغيره 283.
(وللحاجة كجرب وحكة ودفع القمل) لأنه عليه السلام (أرخص لعبد الرحمن بن عوف، وللزبير في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما) متفق عليه 284.
وفي "الصحيحين" أيضًا: (أنه أرخص لهما فيه في غزاة؛ بسبب القمل) 285.
والمعنى فيه: أن الحرير لا يقمل، وقضية كلامه: أن الحكة غير الجرب، والذي في "الصحاح" و"تهذيب اللغات": أن الحكة هي الجرب 286.
(وللقتال كديباج لا يقوم غيره مقامه) في دفع السلاح؛ لأن حاجة دفع الأبطال عند قصد القتال لا تتقاعد عن الحاجة إلى دفع القمل والحكة؛ فإن وجد غيره مما يقوم مقامه .. فالأصحُّ: التحريم؛ لعدم الضرورة.
(ويحرم المركب من إبريسم وغيره إن زاد وزن الإبريسم، ويحلّ عكسه) تغليبًا
الجزء: 1 - الصفحة: 405
وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنحْوِهَا، لَا جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ إِلَّا لِضَرُورَة كَفَجْأَةِ قِتَالٍ،
لجانب الأكثر (وكذا إن استويا في الأصح) لأنه لا يسمّى ثوبَ حرير، والأصل في المنافع الإباحة، والثاني: يحرم؛ تغليبًا للتحريم.
(ويحلّ ما طرز أو طرف بحرير قدر العادة) لحديث ابن عباس: (إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب الْمُصْمَت من الحرير، وأما العلَم وسدى الثوب .. فلا بأس) رواه أبو داوود بإسناد صحيح 287.
والمصمت بضم الميم: الخالص، والعلم بفتح العين واللام: هو الطراز.
قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن الطراز المركب على الثوب، والمنسوج معه، والمعمول عليه .. سواء في الحكم، والمُطَّرف: المسجف.
وفي "صحيح مسلم": (أنه عليه الصلاة والسلام كان له جبة مكفوفة الفرجين بالديباج) 288، وفي "النسائي" بسند صحيح: (الفرجين والكمين والجيب) 289.
ويشترط: ألا يزيد الطراز على أربعة أصابع، فإن جاوزها .. حرم.
وخرج بالحرير: الذهب؛ فلا يجوز التطريز والتطريف به مطلقًا.
(ولبس الثوب النجس) أي: المتنجس (في غير الصلاة ونحوها) لأن تكليف إدامة طهارته يشقّ خصوصًا للفقير وبالليل، نعم؛ يكره.
(لا جلد كلب وخنزير) وفرعهما، وفرع أحدهما؛ لأن الخنزير لا ينتفع به في حياته، وكذلك الكلب، إلا في الاصطياد ونحوه، فبعد الموت أولى ألّا ينتفع بهما.
(إلا لضرورة؛ كفجأة قتال) أو خاف على نفسه من حرّ أو برد، ولم يجد غيره؛ فإنه يجوز كما يجوز أكل الميتة عند الاضطرار.
الجزء: 1 - الصفحة: 406
وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتةِ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الاسْتِصْبَاحُ بالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وكذا جلد الميتة) في حال الاختيار (في الأصح) مثار الخلاف: أن تحريم جلد الكلب والخنزير .. لنجاسة العين، أو لما خصّا به من التغليظ، فيحرم على الأول، لا على الثاني.
(ويحل الاستصباح بالدهن النجس على المشهور) مع الكراهة، سواء تنجس بعارض، أو كان نجس العين؛ كوَدَك الميتة؛ لأنه عليه السلام سئل عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فقال: "اسْتَصْبحُوا بِهِ"، أو قال: "انْتَفِعُوا بِهِ" رواه الطحاوي في "بيان المشكل"، وقال: إنَ رجاله ثقات 290، والثاني: لا يجوز؛ لاحتمال أن يصيب ثوبه أو بدنه شيء من دخان النجاسة.
الجزء: 1 - الصفحة: 407
بابُ صلاة العيدين هِيَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَتُشرَعُ جَمَاعَةً، وَلِلْمُنْفَرِدِ والْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ. وَوَقْتُهَا: بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تأخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ. وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهَا، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الافْتِتَاحِ، ثمَّ سَبع تَكْبِيرَاتٍ
﴿باب صلاة العيدين﴾
العيد: مشتق من العود، وهو التكرار؛ لتكرره في كلّ عام.
(هي سنة) لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)﴾ قيل: المراد بالصلاة: صلاة عيد النحر، وبالنحر: الأضحية، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وإنما لم تجب؛ لحديث الأعرابي الصحيح: (هل عليّ غيرها؟ أي: غير الخمس، قال: "لَا، إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ") 291.
(وقيل: فرض كفاية) لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة؛ كردّ السلام، ويستثنى: الحاج بمنى، فلا يستحبّ له صلاة العيد؛ كما في "شرح المهذب" في (الأضحية) عن العبدري، وحكاه الماوردي في (الحج) عن النص 292.
(وتشرع جماعة) وهو أفضل بالإجماع (وللمنفرد والعبد والمرأة والمسافر) كسائر النوافل.
(ووقتها بين طلوع الشمس وزوالها) لأن مبنى الصلاة التي تشرع فيها الجماعة على عدم الاشتراك في الأوقات، وهذه الصلاة منسوبة إلى اليوم، واليوم يدخل بطلوع الفجر، وليس فيه وقت خال عن صلاة تشرع لها الجماعة إلا ما ذكرناه، (ويسن تأخيرها لترتفع كرمح) ليخرج وقت الكراهة.
(وهي ركعتان) بالإجماع (يحرم بها) بنية صلاة عيد الفطر أو الأضحى (ثم يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات (ثم سبع تكبيرات) غير تكبيرة الإحرام؛ للاتباع،
الجزء: 1 - الصفحة: 408
يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ، وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيع، وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا، وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ .. فَاتَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ
كما رواه الدارقطني، وصححه البخاري 293.
(يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد) 294 رواه البيهقي عن ابن مسعود قولًا وفعلًا 295، (ويحسن) كما ذكره الجمهور أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) لأنه لائق بالحال، وهي الباقيات الصالحات في قول ابن عباس وجماعة 296.
(ثم يتعوذ) لأنه لاستفتاح القراءة، فليكن بعد التكبيرات وقبل القراءة (ويقرأ) (الفاتحة) كغيرها من الصلوات، (ويكبر في الثانية خمسًا قبل القراءة) 297 للاتباع أيضًا.
(ويرفع يديه في الجميع) أي: في جميع التكبيرات قياسًا على غيره من تكبيرات الصلاة، ويستحب أن يضع يمناه على يسراه بين كلّ تكبيرتين على الأصحِّ.
(ولسن) أي: التكبيرات الزائدة (فرضًا ولا بعضًا) فلا سجود لتركهن، بل هنّ من الهيئات؛ كالتعوذ، ودعاء الاستفتاح.
(ولو نسيها وشرع في القراءة .. فاتت) لفوات وقتها؛ لأن محلّها قبل القراءة، فلو عاد .. لم تبطل صلاته، (وفي القديم: يكبر ما لم يركع) لبقاء محلّه، وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 409
وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأُولَى (ق)، وَفِي الثَّانِيَةِ (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا جَهْرًا، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ، أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ، وَفِي الأَضحَى الأُضْحِيَةَ، يَفْتَتِحُ الأَولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبع وِلَاءً
القيام، فعلى هذا: لو تذكره في أثناء (الفاتحة) .. قطعها وكبر ثم استأنف القراءة، أو بعد فراغها .. كبر، وندب إعادة (الفاتحة)، وقيل: يجب.
ولو تذكره في الركوع أو بعده .. مضى في صلاته ولم يكبر، فإن عاد إلى القيام ليكبر .. بطلت صلاته، كذا قالاه، قال ابن الملقن: (ولعله في العالم، أما الجاهل .. فيعذر) 298.
(ويقرأ بعد "الفاتحة" في الأولى "ق"، وفي الثانية "اقتربت" بكمالهما) تأسيًا؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" 299، وفيه: (أنه عليه الصلاة والسلام قرأ بـ "سبح"، و"الغاشية") 300، قال في "الروضة": وكلاهما سنة 301، (جهرًا) بالإجماع.
(ويسن بعدها خطبتان) أما كون الخطبة بعدها .. فللاتباع 302، وأما تكرار الخطبة .. فبالقياس على الجمعة.
(أركانهما كهي في الجمعة) كما تقدم في بابه، وخرج بتعبيره بالأركان: القيام؛ فإنه لا يجب على القادر هنا على الأصحِّ.
(ويعلمهم في الفطر الفطرةَ، وفي الأضحى الأضحيةَ) أي: يذكر من أحكامهما ما تعمّ الحاجة إليه؛ لأنه لائق بالحال.
(يفتتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع ولاء) لقول بعض التابعين: إنه من السنة 303.
الجزء: 1 - الصفحة: 410
ويُنْدَبُ: الْغُسْلُ، وَيَدْخُلُ وَقْته بِنِصفِ اللَّيْلِ -وَفِي قَوْلٍ: بِالْفَجْرِ- وَالطِّيبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ -وَقِيلَ: بِالصحْرَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلى بِالضَّعَفَةِ- وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ ويَرْجِعُ فِي أُخْرَى،
قال المصنف: وهي مقدمة للخطبة، لا منها، نص عليه 304.
(ويندب الغسل) قياسًا على الجمعة (ويدخل وقته بنصف الليل) كأذان الصبح، والمعنى فيه: أن أهل السواد يبكرون من قراهم 305، ويحتاجون لتقديمه، (وفي قول: بالفجر) كالجمعة، والفرق على الأول: تأخير الصلاة هناك، وتقديمها ههنا.
(والطيب والتزين كالجمعة) لأنه يوم زينة، وسواء حضر الصلاة أم لم يحضر.
نعم؛ المرأة إذا خرجت للصلاة .. فإنها تتنظف بالماء فقط من غير طيب ولا زينة.
(وفعلها بالمسجد أفضل) لشرفه (وقيل: بالصحراء) تأسيًا به عليه السلام، وأجاب الأول: بأنه عليه السلام إنما خرج إلى الصحراء؛ لضيق مسجده.
(إلا لعذر) كضيق المسجد على الوجه الأول، وكالوَحَل على الوجه الثاني؛ لأنه عليه السلام صلّى بهم في المسجد يوم عيد لأجل المطر، رواه أبو داوود 306.
نعم؛ المسجد الحرام فعلها فيه أفضل قطعًا؛ لفضل البقعة، ومشاهدة الكعبة، وألحق الصَيْدَلاني وغيره به بيت المقدس.
(ويستخلف من يصلي بالضعفة) إذا خرج إلى الصحراء؛ لأن عليًّا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري في ذلك، رواه الشافعي بإسناد صحيح 307.
(ويذهب في طريق ويرجع في أخرى) للاتباع، كما رواه البخاري 308.
واختلف في سببه على أقوال: أصحها عند الشيخين: أنه كان يذهب في أطول
الجزء: 1 - الصفحة: 411
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صلَاتِهِ وَيُعَجِّلُ فِي الأَضْحَى. قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُمْسِكُ فِي الأَضْحَى،
الطريقين، ويرجع في أقصرهما؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع 309.
ويقال: إنه ما مرّ من طريق .. إلا وتفوح منه رائحة المسك، وقيل: ليتبرك به أهل الطريقين، وقيل: لتشهد له البقاع؛ فقد روي: "من مشى في حرٍّ أو برد .. شهدت له البقاع يوم القيامة" 310.
قال الماوردي: وفي معنى شهادة البقاع: تأويلان: الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، الثاني: أن الشاهد أهلها، كقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 311.
قال ابن أبي جمرة في "إقليد التقليد": هذا الحديث هو معنى قول يعقوب صلى الله عليه وسلم لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.
(ويبكر الناس) بعد صلاة الصبح؛ كما نصّ عليه؛ ليحصل لهم القرب من الإمام، وفضيلة انتظار الصلاة 312.
(ويحضر الإمام وقت صلاته) لأنه عليه السلام كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، متفق عليه 313.
(ويعجل) الإمام الخروج (في الأضحى) بحيث يصليها في أول الوقت؛ ليتسع الوقت للتضحية والتفرقة، بخلاف الفطر فإنه يؤخر فيه؛ توسيعًا لوقت الاستحباب في زكاة الفطر؛ فإن المستحبّ إخراجُها قبل الصلاة.
(قلت: ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى) للاتباع 314.
الجزء: 1 - الصفحة: 412
وَيَذْهَبُ مَاشيًا بسَكِينَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَام، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في التكبير المرسل والمقيد]
يُنْدَبُ التكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْس لَيْلَتَيِ الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَوتِ،
والمعنى فيه: امتياز اليوم عما قبله، والسنة: أن يأكل تمرًا وترًا؛ للاتباع، كما ثبت في "الصحيح" 315.
قال الداوودي 316: وإنما استحب الفطر على التمر؛ لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: هي الشجرة الطيبة.
(ويذهب ماشيًا بسكينة) كالجمعة (ولا يكره النفل قبلها لغير الإمام، والله أعلم) لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، ويستثنى: وقت النهي، فيحرم، أما الإمام .. فيكره له التنفل قبلها وبعدها؛ لأنه عليه السلام صلّى عقب الحضور، وخطب عقب الصلاة 317.
(فصل: يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل، والطرق، والمساجد، والأسواق برفع الصوت) أما في عيد الفطر .. فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، قال الشافعي: سمعت من أرضاه من العلماء بالقرآن يقول: المراد بـ (العدة): عدة الصوم، وبـ (التكبير) عند الإكمال 318.
وأما عيد الأضحى .. فبالقياس عليه، وهذا النوع هو التكبير المرسل والمطلق.
ويستثنى من رفع الصوت: المرأةُ، وكذا الخنثى فيما يظهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
وَالأَظْهَرُ: إِدامَته حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى، بَلْ يُلَبِّي. وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ التّشرِيقِ، وَغَيْرُهُ كَهُوَ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التّشرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا
(والأظهر: إدامته حتى يحرم الإمام بصلاه العيد) لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية، والتكبير أولى ما يشتغل به؛ فإنه ذكر الله تعالى وشعار اليوم، والثاني: يمتد إلى حضور الإمام إلى الصلاة؛ لاشتغالهم بالتأهب حينئذ.
(ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي) لأن التلبية شعاره.
(ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح) لأنه لم ينقل، والثاني: يسن؛ كالأضحى، وصححه المصنف في "الأذكار" 319؛ فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح، وهذا هو التكبير المقيد.
(ويكبر الحاج من ظهر النحر) إذ شعاره التلبية، وقطعها بأول حصاة، والظهر أول فريضة تلقاه بعد انقطاع التلبية.
(ويختم بصبح آخر التشريق) لأنها آخر صلاة يصلّونها بمنى؛ لأنه يستحب ألّا يصلّوا الظهر بمنى؛ بل يؤخرونها حتى ينفروا، فيصلّوها بالمُحصَّب.
(وغيره) أي: غير الحاج (كهو في الأظهر) تبعًا لهم، وروي ذلك عن عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم 320.
(وفي قول: من مغرب ليلة النحر) قياسًا على عيد الفطر إذا استحببنا فيه التكبير، ويختم أيضًا بصبح آخر التشريق، (وفي قول: من صبح عرفة، ويختم بعصر آخر التشريق، والعمل على هذا) في الأمصار، واختاره المصنف في "تصحيح التنبيه" و"شرح المهذب"، وقال في "الأذكار": إنه الأصح، وفي "الروضة": إنه الأظهر عند المحققين 321، وقد صحّ ذلك من فعل عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن
الجزء: 1 - الصفحة: 414
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأيَّامِ لِلْفَائِتة وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَصِيغَته الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ)، ويسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ: (كَبيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ قَبْل الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ .. أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ. وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ .. لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ .. أَفْطَرْنَا وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ،
عباس رضي الله عنهم، ورواه الحاكم من فعله صلّى الله عليه وسلّم، لكن إسناده ضعيف 322.
(والأظهر: أنه يكبر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والنافلة) المطلقة؛ لأنه شعار الوقت، والثاني: عقب الفرائض خاصة؛ كالأذان، والمنذورةُ كالنافلة، قاله الإمام 323.
(وصيغته المحبوبة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) ثلاثًا (لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) كذا نقله الرافعي عن صاحب "الشامل"، ونص عليه الشافعي في "البويطي" 324.
(ويستحب: أن يزيد كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) لأنه مناسب، وتأسيًا به صلّى الله عليه وسلّم حيث قاله على الصفا 325.
(ولو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال) بزمن يسع الاجتماعَ والصلاة (برؤية الهلال الليلة الماضية .. أفطرنا وصلّينا العيد) لبقاء الوقت (وإن شهدوا بعد الغروب .. لم تقبل الشهادة) لأن شوالًا قد دخل يقينًا، وصوم ثلاثين قد تمّ، فلا فائدة في شهادتهم إلّا المنع من صلاة العيد، فلا تقبل، وتصلَّى من الغد أداء.
(أو بين الزوال والغروب .. أفطرنا) وجوبا (وفاتت الصلاة) لخروج وقتها بالزوال.
الجزء: 1 - الصفحة: 415
وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلَّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً.
(ويشرع قضاؤها متى شاء في الأظهر) كسائر الرواتب، والأصحُّ: أن القضاء في باقي اليوم أولى، وفي قول: أنه لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا؛ بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده من الأيام.
(وقيل: في قول: تصلى من الغد أداء) لعظم حرمتها، والأصحُّ: أن العبرة في الشهادة بالتعديل لا بوقتها؛ لأنه وقت جواز الحكم بها، فعلى هذا: لو شهد شاهدان بعد الزوال ولكن عدلوا بعد الغروب .. يصلّون من الغد أداء.
الجزء: 1 - الصفحة: 416
باب صلاة الكسوفين
هِيَ سُنَّةٌ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ
(باب صلاة الكسوفين)
هو من كسفت حالُه؛ أي: تغيرت، والأشهر في السنة الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، وقال الجوهري: إنه الأفصح 326.
(هي سنة) لقوله عليه السلام: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ .. فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله تَعَالَى حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" رواه مسلم 327.
(فيحرم بنية صلاة الكسوف) هذه المسألة مكررة؛ لأنه قد مرّ في (باب صفة الصلاة) أن ذات السبب لا بدّ من تعيينها، ولهذا أهمل النية في العيد والاستسقاء.
(ويقرأ "الفاتحة" ويركع، ثم يرفع، ثم يقرأ "الفاتحة"، ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) هذه الكيفية متفق عليها من رواية ابن عمر 328، إلا أنهما لم يصرّحا بقراءة (الفاتحة) في كلّ ركعة، والشافعي أوجبها في كلّ قيام؛ كالركعة الكاملة 329.
الجزء: 1 - الصفحة: 417
وَلَا تَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ. وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) (الْبقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابع مِئَةٍ تقرِيبًا، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنَ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ،
[وقضية كلام المصنف: أنه لا تتأتى السنةُ بأقل من ذلك، ويؤيده قوله بعدُ: (ولا نقصه للانجلاء في الأصحِّ)، وجرى عليه في "شرح المهذب" في أول كلام النية 330، [و] ذكر في آخر الباب من "شرحه" لـ "المهذب" ما يخالفه ويقتضي أنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها .. صحّت وكان تاركًا للأفضل، وقال في "المهمات": إن ما ذكره آخرًا ذهول، وإن الصحيح: ما اقتضاه المصنف] 331.
(ولا تجوز زيادة ركوع ثالث) فأكثر (لتمادي الكسوف، ولا نقصه) أي: الركوع الثاني (للانجلاء في الأصح) كسائر الصلوات، لا يُزاد على أركانها، ولا يُنقص منها، والثاني: نعم؛ أما الزيادة .. فلأنه عليه السلام صلّى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات رواه مسلم 332، ولا محمل لذلك إلا التمادي، وأما النقص للانجلاء .. فقياسًا على الزيادة للتمادي؛ نظرًا إلى المعنى.
(والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد "الفاتحة") وسوابقها من استفتاح وتعوذ ("البقرة") إن أحسنها، أو قدرها إن لم يحسنها.
(وفي الثاني: كمئتي آية منها، وفي الثالث: مئة وخمسين، والرابع: مئة تقريبًا) كذا نص عليه في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 333.
(ويسبح في الركوع الأول قدر مئة من "البقرة"، وفي الثاني: ثمانين، والثالث: سبعين) بتقديم (السين).
الجزء: 1 - الصفحة: 418
وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيبًا، وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثبتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، وَنَصَّ فِي "الْبُوَيْطِيِّ": أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ، ثمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ
(والرابع: خمسين تقريبًا) كذا نص عليه أيضًا في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 334 ونص في موضع آخر منه: أنه يسبح في كل ركعة بقدر قراءته، قال ابن الأستاذ: وتكون الآيات مقتصدة، وقاله الإسنوي بحثًا، وجزم به الأذرعي.
(ولا يطول السجدات في الأصح) كما لا يزيد في التشهد، (قلت: الصحيح 335: تطويلها ثبت في "الصحيحين" 336، ونص في "البويطي"-: أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها، والله أعلم) قال في "الروضة": وإذا قلنا بإطالته .. فالمختار فيها: ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني، ثم ذكر نص "البويطي" كما سبق 337، والبغويّ في "التعليق" نَزَّل رواية "البويطي" على ما قاله في "التهذيب" 338.
(وتسن جماعة) للاتباع كما في "الصحيحين" 339، وتجوز فرادى؛ كسائر السنن.
(ويجهر بقراءة كسوف القمر) لأنها صلاة ليل (لا الشمس) بل يسرّ؛ للاتباع كما صححه الترمذي وغيره 340.
(ثم يخطب الإمام) للاتباع، متفق عليه 341، فالمنفرد لا يخطب (خطبتين
الجزء: 1 - الصفحة: 419
بأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ .. أدرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَتفوتُ صلَاةُ الشَّمْسِ بِالانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، وَالْقَمَرِ بِالانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ،
بأركانهما) وشرائطهما (في الجمعة) قياسًا على الجمعة، والخطبتان سنة، لا شرط لصحة الصلاة، وتجزئ واحدة، كما حكاه في "الكفاية" عن النص 342، قال الغزي: ويستثنى القيام؛ فإنه لا يجب هنا.
(ويحث على التوبة والخير) وينصّ على الإعتاق والصدقة؛ لثبوتهما في الصحيح 343.
(ومن أدرك الإمام في ركوع أول) من الركعة الأولى، أو من الثانية ( .. أدرك الركعة) كما في سائر الصلوات.
(أو في ثان، أو قيام ثان .. فلا في الأظهر) لأن الأصل هو الركوع الأول، والثاني في حكم التابع، وإطلاقه يفهم: أن مقابل الأظهر: إدراك الركعة بكمالها، وليس كذلك، وعبارة "الروضة": حكى صاحب "التقريب" قولًا أنه بإدراك الثاني يدرك القومة التي قبله، فعلى هذا: إن أدرك الثاني من الأولى .. قام بعد سلام الإمام، وقرأ وركع واعتدل وجلس، وتشهد، وسلّم، ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا حصّل القيام الذي قبله .. كان السجود بعده محسوبًا لا محالة.
انتهى 344.
(وتفوت صلاة الشمس بالانجلاء) أي: بانجلاء جميعها؛ لأن المقصود بالصلاة قد حصل، (وبغروبها كاسفة) لأن الانتفاع بها يبطل بغروبها؛ نيّرة كانت أو منكسفة.
(والقمر بالانجلاء) لحصول المقصود (وطلوع الشمس) لعدم الانتفاع بضوئه (لا الفجر في الجديد) لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت؛ لذهاب الليل وهو سلطانه.
الجزء: 1 - الصفحة: 420
وَلَا بِغُرُوبِهِ خَاسِفًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ .. قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلَّا .. فَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلّي الْجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ .. قُدِّمَتِ الْجِنَازَةُ.
قال الرافعي: وخَصّص ابن كج الخلافَ بما إذا غاب خاسفًا بين الفجر والشمس؛ فإن لم يغب، وبقي خاسفًا .. صلّى قطعًا، وأقرّه، زاد في "الروضة": صرح الدارمي وغيره بجريان القولين في الحالين، وقال في "شرح المهذب": إنه مقتضى إطلاق الجمهور 345.
(ولا بغروبه خاسفًا) لبقاء محلّ سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا، ولا تفوت الخطبة بكلّ حال، كما صرح به في "شرح مسلم" 346.
(ولو اجتمع كسوف وجمعة، أو فرض آخر .. قدم الفرض إن خيف فوته) اهتماما به؛ لتحتمه، وعلى هذا: فيخطب للجمعة ثم يصليها، ثم يصلي الكسوف ثم يخطب له (وإلا) أي: وإن لم يخف فوت الفرض، ( .. فالأظهر: تقديم الكسوف) لخوف فوته بالانجلاء، فعلى هذا: يقرأ في كلّ قيام بـ (الفاتحة)، و (قل هو الله أحد)، وما أشبهها، نص عليه في "الأم" 347، والثاني: يقدم الفرض؛ لوجوبه.
(ثم يخطب للجمعة متعرضًا للكسوف) كما أنه عليه الصلاة والسلام استسقى في خطبة الجمعة 348.
(ثم يصلي الجمعة) ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويشترط أن يقصد بالخطبتين الجمعة فقط، ولا يجوز أن يقصد بهما الجمعة والكسوف؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف؛ فإنه يقصدهما بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.
(ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة .. قدمت الجنازة) خوفًا من تغير الميت، وكذا لو اجتمعت الجنازة مع فرض آخر ولو جمعة، بشرط اتساع وقت الفرض؛ فإن ضاق وقته .. قدّم الفرض، ولا يتبع الإمام الجنازة، بل يشتغل ببقية الصلوات.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
باب صلاة الاستسقاء
هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِنْ لَمْ يُسْقَوْا. فَإِنْ تأهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا .. اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ
(باب صلاة الاستسقاء)
الاستسقاء: طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة، وهو أنواع: أدناها: مجرد الدعاء، وأوسطها: الدعاء خلف الصلاة، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك، وأفضلها: الاستسقاء بركعتين وخطبتين كما سيأتي.
(هي سنة) للاتباع 349، غير واجبة؛ لقصة الأعرابي 350 (عند الحاجة) إما لانقطاع المطر، أو لقلته؛ بحيث لا يكون كافيًا، فلو انقطع الماء ولم تمسّ الحاجة إليه .. لم تشرع.
(وتعاد ثانيًا وثالثًا) وأكثر؛ كما في "شرح المهذب" تبعًا للماوردي وغيره 351.
قال أصبغُ: استسقي للنيل بمصر خمسةً وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وغيرهما (إن لم يسقوا) لوجود سببه؛ فإن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء.
(فإن تأهبوا للصلاة، فَسُقُوا قبلها .. اجتمعوا للشكر) على تعجيل ما عزموا على سؤاله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (والدعاء) بطلب الزيادة إن لم يتضرروا بكثرة المطر (ويصلون) صلاة الاستسقاء المعروفة (على الصحيح) شكرًا أيضًا؛ كما يجتمعون للدعاء ونحوه، والثاني: لا يصلون، لأنها لم تفعل إلا عند الحاجة 352، وصححه ابن الصلاح 353، وقطع الأكثرون بالأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 422
وَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، وَالتَّوْبَةِ وَالتقرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوجُوه الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّع، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ،
(ويأمرهم الإمام) ندبًا (بصيام ثلاثة أيام أولًا) أي: قبل ميعاد الخروج، ويصوم معهم؛ لأن الصوم مُعِين على رياضة النفس وخشوع القلب، وإذا أمرهم الإمام بذلك .. وجب عليهم الصوم؛ كما قاله المصنف في "فتاويه"؛ امتثالًا لأمره 354، وحكى ابن التِّلِمْساني خلافًا في أن فرض الكفاية هل يتعين على من يُعيّنه الإمام أم لا؟ وبناء عليه: مطالبته بالكفارة والنذر.
(والتوبة والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر، والخروج من المظالم) لأن ذلك أرجى للإجابة، وقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور، والخروج من المظالم من جملة التوبة، ونصّ عليها؛ لعظم شأنها.
(ويخرجون إلى الصحراء) للاتباع 355، واستثنى صاحب "الخصال" ما إذا كانوا بمكة أو بيت المقدس، قال الأَذْرَعي: وهو صحيح، وعليه عمل السلف والخلف؛ لفضل البقعة وسعتها المفرطة.
(في الرابع صيامًا) لأن الصائم لا تردّ دعوته، كما صححه ابن حبان 356 (في ثياب بذلة وتخشع) تأسيًا به صلى الله عليه وسلم؛ كما صححه الترمذي 357.
ولأنه أليق بحال السائل، ويتنظفون بالسواك، وقطع الروائح الكريهة، ويغتسلون، ولا يتطيبون.
والبذلة بكسر الباء وإسكان الذال المعجمة: ثياب المهنة، والتخشع: التذلل.
(ويخرجون الصبيان والشيوخ) والعجائز؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة
الجزء: 1 - الصفحة: 423
وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذمَّةِ الْحُضُورَ، وَلَا يَخْتَلِطُونَ بِنَا. وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، لكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا)، وَلَا يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ، لكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى بَدَل التكبِيرِ،
(وكذا البهائم في الأصح) ندبًا؛ لأن الجدب قد أصابها، والثاني: يكره؛ لأن فيه إتعابها، واشتغال الناس بها وبأصواتها، والثالث: لا يستحب ولا يكره؛ لأنه لم ينقل.
(ولا يمنع أهل الذمة الحضور) لأنهم يسترزقون، وفضل الله تعالى واسع يَعُمّ البَرّ والفاجر، والمسلم والكافر.
(ولا يختلطون بنا) في مصلانا؛ لأنهم أعداء الله تعالى، وقد يحلّ بهم غضب وعذاب بسبب كفرهم الذي يتقربون به في اعتقادهم، وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
(وهي: ركعتان كالعيد) في التكبيرات وغيرها مما مرّ؛ للاتباع 358 (لكن قيل: يقرأ في الثانية "إنا أرسلنا نوحًا") عوضًا عن (اقتربت)؛ لاشتمالها على الاستغفار ونزول المطر اللائقين بالحال، وذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ... ﴾ الآية، وفي الأولى (ق)، والأصحُّ: أنه يقرأ في الأولى: (ق)، وفي الثانية: (اقتربت) بكمالهما جهرًا؛ كما في العيد.
(ولا يختص بوقت العيد في الأصح) بل يجوز فعلها متى شاء ولو في وقت الكراهة على الأصح؛ لأنها ذات سبب فدارت مع السبب كصلاة الكسوف، والثاني: يختص؛ لأنه عليه السلام كان يصلي الكسوف ركعتين؛ كما يصلي في العيد، وإنما يصلي في العيد في وقت خاص.
(ويخطب كالعيد) في الأركان والشرائط؛ للاتباع 359 (لكن يستغفر الله تعالى بدل التكبير) فيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، في الأولى: تسعًا، وفي الثانية: سبعًا؛ لأنه تعالى وعدنا بإرسال المطر عنده، وقيل: يكبر كالعيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 424
وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى: (اللَّهُمَّ؛ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا غَدَقًا، مُجَلِّلًا سَحًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ، اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا). وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ،
(ويدعو في الخطبة الأولى: اللهم؛ اسقنا غيثًا) أي: مطرًا (مغيثًا) أي: منقذًا من الشدة (هنيئًا) أي: لا ضرر فيه (مريئًا) أي: محمود العاقبة (مريعًا) أي: يأتي بالرَّيْع، وهو الزيادة والنماء، مأخوذ من المَراعة وهو الخِصْب (غدقًا) أي: كثير الماء والخير (مجللًا) أي: ساترًا للأفق (سحًّا) أي: شديدًا واقعًا على الأرض (طبقًا) أي: يُطبق البلاد فيصير كالطبق لها (دائمًا) أي: إلى انقضاء الحاجة؛ فإن دوامه عذاب.
(اللهم؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي: من الآيسين، (اللهم؛ إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا) هذا الدعاء رواه الشافعي في "المختصر" عن ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قاله، وزاد بعد قوله: (من القانطين): (اللهم؛ إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء 360 والجَهْد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم، أَنبت لنا الزرع، وأَدِرَّ لنا الضَّرْع، واسقنا من بركات السماء، وأَنبت لنا من بركات الأرض، اللهم، ارفع عنا الجَهْد والجوع والعُرْي، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرُك، اللهم، إنا نستغفرك ... ) الآية 361.
(ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية) وهو نحو ثلثها؛ كما قاله في
الجزء: 1 - الصفحة: 425
وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ، وَيُنَكِّسُهُ -عَلَى الْجَدِيدِ- فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ،
"الدقائق" 362، وكلامه قد يوهم بقاء الاستقبال إلى فراغ الخطبة، والمجزوم به في "الشرح" و"الروضة": أنه إذا فرغ من الدعاء الآتي ذكرُه .. استقبل الناس وأتى بباقي الخطبة، وقال: (أستغفر الله لي ولكم) 363.
(ويبالغ في الدعاء سرًّا وجهرًا) لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وإذا أسرّ .. دعا الناس، وإذا جهر .. أمنوا، ويرفعون أيديهم في الدعاء جاعلين ظهور أكفهم إلى السماء، ثبت ذلك في "صحيح مسلم" 364، وهكذا السنة لكل من دعا لرفع بلاء: أن يجعل ظهر كفه إلى السماء، وإذا سأل شيئًا .. عكس ذلك.
(ويحول رداءه عند استقباله، فيجعل يمينه يساره وعكسه) للاتباع؛ كما رواه أبو داوود 365، والمعنى في ذلك: التفاؤل بتحويل الحال من الغلاء إلى الرخاء، قال العجلي: ويكره تركه.
(وينكسه -على الجديد- فيجعل أعلاه أسفله وعكسه) لأنه عليه السلام استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه .. قلبها، صححه ابن حبان والحاكم 366، وجه الدلالة: أنه همّ به فمنعه مانع من فعله، والقديم: لا يستحب؛ لأنه لم يفعله.
ومحل الخلاف: في الرداء المربع، أما المدور .. فلا يستحب التنكيس، بل يقتصر على التحويل قطعا، ومتى جعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على
الجزء: 1 - الصفحة: 426
ويحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: وَيترَكُ مُحَوَّلًا حَتى يُنْزَعَ الثِّيَابُ، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاسْتِسْقَاءَ .. فَعَلَهُ النَّاسُ، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ .. جَازَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ، وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ،
عاتقه الأيسر، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيسرِ على عاتقه الأيمن .. فقد حصل التحويل والتنكيس جميعًا.
(ويحول الناس مثله) للاتباع؛ كما رواه الإمام أحمد 367.
ولو قال: (ويفعل الناس)، بدل (يحول) كـ "المحرر" .. لكان أعم؛ لشموله التنكيس 368.
(قلت: ويترك محوّلًا حتى ينزع الثياب) لأنه لم ينقل أنه عليه السلام غير رداءه بعد ذلك 369.
(ولو ترك الإمام الاستسقاء .. فعله الناس) كسائر السنن، ولأنهم محتاجون كما يحتاج الإمام، بل أشد 370.
(ولو خطب قبل الصلاة .. جاز) لما في "سنن أبي داوود": (أنه عليه السلام خطب ثم صلّى) 371، والأفضل: أن يخطب بعد الصلاة؛ لأنه الأكثر من فعله عليه السلام.
(ويسن أن يبرز) أي: يظهر (لأول مطر السنة، ويكشف غير عورته؛ ليصيبه) للاتباع، كما رواه مسلم 372.
(وأن يغتسل أو يتوضأ في السيل) لأنه روي: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سال الوادي .. قال: "اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ الله طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ مِنْهُ وَنَحْمَدَ الله عَلَيْهِ" 373.
الجزء: 1 - الصفحة: 427
وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ، وَيَقُولَ عِنْدَ الْمَطَرِ: (اللَّهُمَّ؛ صَيِّبًا نَافِعًا)، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ، وَبَعْدَهُ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ)، وَيُكْرَهُ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا)، وَسَبُّ الرِّيحِ،
(ويسبح عند الرعد والبرق) أما الرعد .. فصح في "الموطأ": أن عبد الله بن الزبير كان إذا سمع الرعد .. ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته 374، وأما التسبيح عند البرق .. فلم يذكروا له مستندًا.
(ولا يتبع بصره البرق) لأن الشافعي روى عن عروة بن الزبير النهي عنه 375.
(ويقول عند المطر: اللهم؛ صيبًا نافعًا) للاتباع، كما رواه البخاري 376.
والصيب بتشديد الياء: هو المطر؛ كما في "البخاري" عن ابن عباس 377.
(ويدعو بما شاء) لأن الدعاء مستجاب عند نزول الغيث؛ كما رواه البيهقي 378.
(وبعده: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويكره: مطرنا بنوء كذا) لما في "الصحيحين": حكاية عن الله تعالى: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته .. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا .. فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب) 379.
ومحل الكراهة: إذا اعتقد أن النوء وقت يوقع الله فيه المطر من غير أثر وإنما الفعل لله تعالى؛ فإن اعتقد أن النوء هو الفاعل حقيقة، وليس لله فيه صنع .. فهو كافر، وعليه يحمل الحديث.
(وسب الريح) للنهي عنه، صححه ابن حبان 380.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ .. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى رَفْعَهُ: (اللَّهُمَّ؛ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)، وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ولو تضرروا بكثرة المطر .. فالسنة: أن يسألوا الله تعالى رفعه) فيقولوا: (اللهم؛ حوالينا ولا علينا) للاتباع متفق عليه 381 (ولا يصلّى لذلك، والله أعلم) لأنه لم يؤثر غير الدعاء 382.
الجزء: 1 - الصفحة: 429
بابٌ [في حكم تارك الصلاة]
إِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا وجُوبَهَا .. كَفَرَ، أَوْ كَسَلًا .. قُتِلَ حَدًّا،
(باب)
أي: هذا (باب تارك الصلاة).
(إن ترك الصلاة) أي: إحدى الخمس (جاحدًا وجوبها .. كفر) بالإجماع؛ كما نقله الماوردي 383.
وخرج بالجحود: من قرب عهدُه بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة، ومن بلغ مجنونًا ثم أفاق؛ فإنهم لا يكفرون، بل يُرشَدون؛ لأن من لا يعرف الوجوب لا يُسمّى جاحدًا له.
وكان الأولى حذف الترك؛ فإن الجحود كاف في الكفر، سواء قال: أنا أصلّي أم لا.
(أو كسلًا .. قتل) لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فدلّ على أنّ القتل لا يرتفع إلا بالإيمان والصلاة والزكاة، وفي "الصحيحين": "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الإسْلَامِ" 384.
نعم؛ فاقد الطهورين إذا ترك الصلاة متعمدًا .. لا يُقتَل؛ لأنه مُختلَف فيه، وكذا لو مسّ الذكر أو لمس امرأة أجنبية وهو معتقد مذهبنا، وصلّى متعمدًا، وكذا لو توضأ ولم ينو، قاله القفال في "فتاويه".
(حدًّا) لا كفرًا؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ .. كَانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ .. فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ؛ إِنْ
الجزء: 1 - الصفحة: 431
والصحِيحُ: قَتْلُهُ بِصَلَاةٍ فَقَطْ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ. وَيُسْتَتَابُ ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ -وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ- وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ويدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ.
شاءَ .. عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ .. أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان 385، فلو كفر بذلك .. لاستحال دخوله الجنة.
قال الخفاف في "الخصال": وكلّ من ترك ركنًا من العبادات .. لم يجز قتله إلا تارك الصلاة، قال: وقد زعم بعض أصحابنا أن من ترك شيئًا من الصلاة أو الزكاة .. وجب قتله، قال: وليس بشيء.
(والصحيح: قتله بصلاة فقط) لمفهوم الحديث المار (بشرط إخراجها عن وقت الضرورة) أي: الوقت الذي تُجمَع تلك الصلاةُ فيه؛ فإذا ترك الظهر .. لم يقتل حتى تغرب الشمس، وإذا ترك المغرب .. لم يقتل حتى يطلع الفجر؛ لأن الوقتين كالوقت الواحد في حقّ أرباب الأعذار، وقد يكون له عذر في زعمه، فصار شبهة في تأخير القتل إليه، والثاني: لا يعتبر وقت الضرورة، والثالث: إنما يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الرابعة؛ لأن الثلاث أقلّ الجمع، فاغتفرناها؛ لاحتمال عذر، بخلاف الأربعة.
(ويستتاب) لأن المرتد يستتاب، فهذا أولى منه، وهي مستحبة في الحال على الأصحِّ في "التحقيق" 386.
(ثم تضرب عنقه) إذا لم يتب؛ كالمرتد (وقيل: ينخس بحديدة حتى يصلي أو يموت) إذ القصد حملهُ على الصلاة، لا قتله.
(ويغسل ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين، ولا يطمس قبره) كسائر أصحاب الكبائر من المسلمين.
الجزء: 1 - الصفحة: 432
كتاب الجنائِز لِيُكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَالْمَرِيضُ آكَدُ. ويضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
﴿كتاب الجنائز﴾
الجنائز بفتح الجيم لا غير: جمع جنازة بالفتح والكسر، وقيل: بالفتح: اسم للميت، وبالكسر: اسم للنعش حال كون الميت فيه، وقيل: عكسه.
واشتقاقها من جَنَزَ: إذا ستر، وكان من حقّ هذا الباب أن يذكر بين (الوصايا) و (الفرائض)، وإنما ذكر هنا؛ لأن أهمّ ما يفعل بالميت الصلاة، فذكر في العبادات.
(ليكثر ذكر الموت) ندبًا؛ لقوله عليه السلام: "أَكْثِرُوا مِنْ ذِكر هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" 387 يعني: الموت، ولأنه أزجر له عن المعاصي، وأحضّ على فعل الطاعات.
(ويستعد بالتوبة وردِّ المظالم) لأنه قد يأتيه بغتة، وقضيته: أن هذا مستحب؛ لأنه عطفه على مستحب، وهو ما نقله ابن الملقن عن تصريح صاحب "البيان" وأقره 388، لكن الإسنوي وغيره قالوا: إن ذلك حتم، وهو واضح؛ لأن التوبة مما تجب منه واجبةٌ على الفور، وكذلك ردّ المظالم الممكن ردّها، وعطف (رد المظالم) على (التوبة) من عطف الخاص على العام، (والمريض آكد) بذلك؛ لخطره.
(ويضجع المحتضر) وهو من حضره الموت ولم يمت (لجنبه الأيمن إلى القبلة على الصحيح) كما يوضع في اللحد؛ لأنه أبلغ في الاستقبال، والثاني: يلقى على
الجزء: 1 - الصفحة: 433
فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانٍ وَنَحْوهِ .. أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ بِلَا إِلْحَاحٍ، ويُقْرَأُ عِنْدَهُ (يس)، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
قفاه، ورجلاه إلى القبلة، قال في "شرح المهذب": وعليه العمل، ويرفع رأسه قليلًا؛ ليصير وجهه إلى القبلة 389.
(فإن تعذر لضيق مكان ونحوه .. ألقي على قفاه ووجهُهُ وأخمصاه إلى القبلة) لأنه الممكن، (ويلقن) المحتضر (الشهادة) لظاهر قوله عليه السلام: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلهَ إلَّا الله" رواه مسلم 390.
وتعبيره (بالشهادة) يشعر: بأنه لا يلقن: (محمد رسول الله)، وهو ما نقله في "زيادة الروضة" عن الجمهور 391، وقيل: يلقن الشهادتين، واستحسن بعضهم: أن يلقن الشهادتين أولًا، ثم يقتصر بعد ذلك على: لا إله إلا الله.
(بلا إلحاح) لئلا يضجر (ويقرأ عنده "يس") للأمر به؛ كما أخرجه أبو داوود، وصححه ابن حبان 392، وقيل: يقرأ (سورة الرعد) 393.
(وليحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى) ففي "الصحيحين": (أنا عند ظنِّ عبدي
الجزء: 1 - الصفحة: 434
فَإِذَا مَاتَ .. غُمِّضَ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَوضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وَوضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوهِ، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، وَوجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ،
بي) 394، فيظن أن الله يرحمه ويغفر له، ويرجو ذلك.
(فإذا مات .. غُمِّض) ندبًا؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 395، ولئلا يقبح منظره ويساء به الظن، (وشدّ لحياه بعصابة) عريضة، ويربطها فوق رأسه؛ صيانة لفمه عن الهوام.
(ولينت مفاصلُه) بردّ الساعد إلى العضد ومدّه، وردّ الساق إلى الفخذ، والفخذ إلى البطن، ومدّهما وتليين أصابعه؛ ليكون الغسل أسهل، فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيه حرارة، فإن لينت المفاصل في تلك الحالة .. لانت، وإلّا .. لم يمكن تليينها بعد ذلك.
(وستر جميع بدنه بثوب) احترامًا له، وقد سُجّي صلّى الله عليه وسلّم حين مات، بثوبِ حِبَرَةٍ، متفق عليه 396، وهذا في غير المحرم، أما هو .. فيستر منه ما يجب تكفينه، (خفيف) لئلا يتسارع إليه الفساد.
(ووضع على بطنه شيء ثقيل) من سيف أو مرآة ونحوهما، فإن لم يكن .. فطين رطب؛ لئلا ينتفخ، قال في "الذخائر": وقدّره بعضهم بعشرين درهمًا.
(ووضع على سرير ونحوه) لئلا تصيبه نداوة الأرض، ولا يوضع على فراش؛ لئلا يَحمى فيتغير.
(ونزعت ثيابه) التي مات فيها؛ لئلا يَحمى الجسد فيتغير، وقيدها في "الوسيط" بـ (المدفئة) 397، (ووجه إلى القبلة كمحتضر) لأنها أشرف الجهات.
(ويتولى ذلك) أي: جميع ما تقدم (أرفق محارمه) لوفور شفقته.
الجزء: 1 - الصفحة: 435
وَيُبَادَرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تيُقِّنَ مَوْتُهُ. وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ .. فُرُوض كِفَايَةٍ. وَأَقَلُّ الْغُسْلِ: تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كَافِرٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: وجُوبُ غَسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَكْمَلُ: وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ عَلَى لَوْحٍ، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ
(ويبادر بغسله إذا تيقن موته) لقوله عليه السلام: "لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ" 398، فإن شك في موته أخّر وجوبًا إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره.
(وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. فروض كفاية) بالإجماع، هذا إذا كان الميت مسلمًا حلالًا، فإن كان كافرًا أو محرمًا .. فيأتي ذكره.
(وأقل الغسل تعميم بدنه) بالماء كغسل الحي من الجنابة (بعد إزالة النجس) إن كان عليه؛ لما سبق في غسل الجنابة، وما ذكره هنا مخالف لما صححه في (باب الغسل) من الاكتفاء بالغسلة الواحدة للحدث والنجس، وقد قدمنا ما فيه.
(ولا تجب نية الغاسل في الأصح، فيكفي غرقه أو غسل كافر) إذ المقصود من هذا الغسل النظافة، وهي حاصلة وإن لم ينو، والثاني: يجب؛ كغسل الجنابة.
(قلت: الأصح المنصوص 399: وجوب غسل الغريق، والله أعلم) لأنا مأمورون بغسله، فلا يسقط عنا إلا بفعله.
(والأكمل: وضعه بموضع خال مستور) لا يدخله غير الغاسل ومن يعينه ووليه؛ لأن الحي يحرص على ذلك، وقد يكون فيه ما لا يحب أن يطلع عليه غيره (على لوح) لئلا يصيبه الرشاش.
(ويغسل في قميص) لأنه عليه السلام غسل فيه، كما صححه الحاكم 400، ولأنه أستر له، فإن اتسع كمّ القميص .. أدخل يده منه، وإلا .. فتق رؤوس الدخاريص
الجزء: 1 - الصفحة: 436
بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَيُجْلِسُهُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ ويغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْءَتَيْهِ، ثمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذَىً، وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتة بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ
وأدخل يده منها، (بماء بارد) لأنه يشد البدن، والمسخن يرخيه، إلا أن يحتاج إلى المسخن؛ لكثرة وسخ، أو شدة برد.
(ويجلسه) الغاسل (على المغتسل) 401 برفق (مائلًا إلى ورائه) لئلا يحبس اعتداله ما قد يخرج منه (ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه) لئلا يتمايل رأسه.
(ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى) لئلا يسقط (ويمر يساره على بطنه إمرارًا بليغًا) في التكرار، لا في شدة الإجهاد، بحيث لا يؤدي إلى هتك الميت؛ لأن احترامه واجب، قاله الماوردي 402 (ليخرج ما فيه) من الفضلات؛ خشيةً من خروجه بعد الغسل.
(ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوءتيه) كما يستنجي الحي بعد قضاء حاجته (ثم يلف أخرى) بعد إلقاء الأولى، (ويدخل إصبعه فمه ويمرها على أسنانه) بماء، وهو كالسواك في حق الحي، (ويزيل ما في منخريه من أذى) بإدخال طرف إصبعه في أنفه بشيء من الماء (ويوضِّئه كالحي) بمضمضة واستنشاق وتثليث؛ لحديث أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نغسل ابنته فقال: "اغْسِلْنَهَا ثلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوضُوءِ مِنْهَا" 403.
(ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه) كالخطمي؛ للحديث المذكور
الجزء: 1 - الصفحة: 437
ويسَرِّحُهُمَا بِمِشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتف إِلَيْهِ. وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظهْرَ إِلَى الْقَدَم، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الأَيْسَرَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ. وَتستَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ ثمَّ يُصَبّ مَاءٌ قَرَاحٌ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلُ كَافُورٍ
(ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق) ليقل الانتتاف، أو لا ينتف شيء (ويرد المنتتف إليه) ويضعه في كفنه، ويدفن معه؛ إكرامًا له.
(ويغسل شقه الأيمن) المقبل من عنقه إلى آخره (ثم الأيسر) كذلك؛ لحديث أم عطية المارّ.
(ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا، والظهر إلى القدم، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك) أما البُداءة بالأيمن .. فلحديث أم عطية المار، وأما الشقين اللذين يليان الوجه .. فلشرفهما.
(فهذه غسلة، وتستحب ثانية .. وثالثة) كغسل الجنابة؛ فإن لم ينق .. زاد، وسنّ الإيتار، (وأن يستعان في الأولى بسدر أو خطمي، ثم يصب ماء قراح) أي: خالص (من فرقه إلى قدمه بعد زوال السدر).
اعلم: أن في كلام المصنف تقديمًا وتأخيرًا، وكان ينبغي أن يقول: ثم يصبّ ماء قَراح من فَرْقه إلى قدمه بعد زوال السدر، فهذه غسلة، ويستحب ثانية وثالثة كذلك؛ لأنه يندب غسله بماء وسدر لإزالة الوسخ، ثم بالماء القَراح، ثم يفعل كذلك؛ أي: بالمختلط، ثم بالقَراح ثانية وثالثة، ولا يسقط الفرض بالغسلة المتغيرة بالسدر على الصحيح، ولا بالغسلة المزيلة للسدر في الأصحِّ؛ لأن الماء إذا أصاب المحل .. اختلط بما عليه من السدر وتغيّر به، فعلى هذا: لا يحسبان من الفرض، بل يفعله بعد ذلك بالماء الخالص ثلاث مرات: الأولى: لأداء الفرض، والثانية والثالثة: طلبا للتثليث، وحينئذ فيكون المجموع تسع غسلات.
(وأن يجعل في كل غسلة) من الثلاث التي بالماء الخالص (قليل كافور) لأنه يقوي البدن، وينفر الهوام من رائحته، والأخيرة آكد؛ لحديث أم عطية
الجزء: 1 - الصفحة: 438
وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ .. وَجَبَ إِزَالَته فَقَطْ، وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الوضُوءِ. ويغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَته، وَهِيَ زَوْجَهَا،
المار 404، وإنما قيد بالقليل؛ لئلّا يغير الماء فتزول طهوريتُه.
(ولو خرج بعده) أي: بعد الغسل (نجس) من الفرج وغيره ( .. وجب إزالته فقط) لأن الفرض قد سقط بما وجد، والتنظيف يحصل بإزالة ما حدث، (وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج) لأنه ينقض الطهر، وطهر الميت غسل جميعه، (وقيل: الوضوء) كالحي، فلو خرج من غير الفرج .. لم يجب غير إزالته قطعًا، وأطلق الجمهور الخلاف، ومحله: قبل التكفين، أما بعده .. فتكفي إزالة النجس قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" و"زيادة الروضة" 405.
(ويغسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة) إلحاقًا لكل جنس بجنسه (ويغسل أمته) ولو مدبرة ومكاتبة وأم ولد كالزوجة وأولى؛ لملكه الرقبة والبُضْع جميعًا.
نعم؛ إن كانت مزوجة أو معتدة .. لم يغسلها 406، قال في "زيادة الروضة": والمستبرأة كالمعتدة 407، وفيه بحث 408.
(وزوجته) لأن عليًّا غسل فاطمة رضي الله عنهما 409 (وهي زوجها) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 410.
نعم؛ الرجعية لا يغسلها ولا تغسله، وقد يفهم: أن الأمة لا تغسل السيد، وهو كذلك؛ لأنها تنتقل إلى الورثة.
الجزء: 1 - الصفحة: 439
وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلَا مَسَّ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ .. يُمِّمَ فِي الأَصحِّ. وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ: أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَبِهَا: قَرَابَاتُهَا، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصحِّ،
(ويلفان) أي: السيد وأحد الزوجين (خرقة) ندبًا (ولا مسّ) حفظًا للطهارة؛ فإن خالف .. قال القاضي: صح غسله وإن نقضنا طهر الممسوس، وأقرّاه 411.
(فإن لم يحضر إلا أجنبي) والميت امرأة (أو أجنبية) والميت رجلًا ( .. يمّم) الميت (في الأصح) تنزيلًا لفقد الغاسل منزلة فقد الماء؛ لما في الغسل من النظر المحرم، وهذا إذا كان الميت كبيرًا واضحًا، فإن كان صغيرًا لا يشتهى مثله .. غسله الفريقان، وكذا الخنثى على المعتمد في "شرح المهذب" 412، والثاني: يغسل في ثيابه بلف خرقة على اليد، وغضّ الطرف ما أمكن، فإن اضطر إلى النظر .. عُذِرَ؛ للضرورة، وحكاه الماوردي عن النص، كما نقله في "الروضة" 413.
(وأولى الرجال به) أي: بغسل الرجل (أولاهم بالصلاة) عليه؛ كما سيأتي بيانه، وهل تقدم الزوجة عليهم؛ قال في "زيادة الروضة": (فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم، والثاني: يقدم الرجال الأقارب، ثم الزوجة، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء المحارم، والثالث: تقدم الزوجة على الجميع) انتهى 414.
وذكر القاضي والبغوي: أن الخال هنا أولى من ابن العم؛ لمحرميته 415، ولا مدخل لتقديم الوالي هنا وإن قيل به في الصلاة.
(وبها) أي: الأولى بغسل المرأة (قراباتها) من النساء؛ لأنهن أشفق من غيرهن (ويقدمن على زوج في الأصح) لأن الإناث بالإناث أليق، والثاني: يقدم هو؛ لزيادة ما ينظره.
الجزء: 1 - الصفحة: 440
وَأَوْلَاهُنَّ: ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، ثمَّ الأَجْنَبيَّةُ، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ. قُلْتُ: إلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَالَلّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُقَرَّبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ، وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: كَرَاهَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(وأولاهن ذات محرمية) وهي كلّ امرأة لو كانت رجلًا .. لم يحلّ له نكاحُها بسبب القرابة؛ لأنهن أشدّ في الشفقة، وإن استوت اثنتان في المحرمية .. فالتي في محلّ العصوبة أولى؛ كالعمة مع الخالة.
(ثم الأجنبية) لأنها أوسع نظرًا من الرجل، ويقدم عليها ذات الولاء، كما نص عليه، وجزم به في "شرح المهذب" 416.
(ثم رجال القرابة؛ كترتيب صلاتهم) لأنهم أشفق عليها، (قلت: إلا ابن العم ونحوه) وهو كلّ قريب ليس بمحرم (فكالأجنبي، والله أعلم) أي: لا حقّ له في الغسل؛ لأنه لا يحلّ له النظر إليها، ولا الخلوة بها.
(ويقدم عليهم) أي: على رجال القرابة (الزوج في الأصح) لأنه ينظر إلى ما لا ينظرون إليه، والثاني: يقدمون عليه؛ لانتهاء النكاح بالموت، وسبب المحرمية يدوم، وجميع ما تقدم مشروط بالإسلام، وألّا يكون قاتلًا.
(ولا يقرب المحرم طيبًا) ولا يطرح الكافور في ماءِ غَسله (ولا يؤخذ شعره وظفره) لأنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا؛ كما ثبت في "الصحيحين" 417.
(وتطيب المعتدة) المحِدَّة (في الأصح) لزوال المعنى، وهو التفجع على الزوج، وميلها إلى الأزواج أو ميلهم إليها، والثاني: لا؛ كالمحرمة.
(والجديد: أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه) لأنه لم يرد فيه نهي.
(قلت: الأظهر: كراهته، والله أعلم) لأنه لم يثبت فيه شيء، فهو محدث،
الجزء: 1 - الصفحة: 441
فصل [في تكفين الميت]
يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ، وَلَا تنفَّذُ وَصِيته بإسْقَاطِهِ. وَالأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ: ثَلَاثة،
وصح النهي عن محدثات الأمور، وكما أنه لا يختن على الأصحِّ.
وهذا القول ليس بقديم كما يقتضيه كلامه، بل جديد نص عليه في "الأم" و"المختصر" كما ذكره في "شرح المهذب" 418.
(فصل: يكفن بما له لبسه حيًّا) فيجوز تكفين المرأة بالحرير مع الكراهة، بخلاف الرجل والخنثى.
(وأقله: ثوب) واحد في حق الرجل والمرأة 419؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، ويكفي ساتر العورة فقط على الأصح في "زيادة الروضة" و"شرح المهذب" 420، وقيل: لابدَّ من ثوب يعمّ البدن، وصححه جمع، منهم: المصنف في "الإيضاح" 421.
(ولا تنفذ وصيته بإسقاطه) أي: بإسقاط الثوب الواجب؛ لأنه حقّ لله تعالى، بخلاف الثاني والثالث.
(والأفضل: للرجل) ولو صبيًا (ثلاثة) لأنه عليه السلام كفن فيها، متفق عليه 422.
نعم؛ إن كفن من بيت المال، أو من مال المسلمين عند فقده .. لم يزد على واحد
الجزء: 1 - الصفحة: 442
وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ، وَلَهَا: خَمْسَةٌ. وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بثَلَاثَةٍ .. فَهِيَ لَفَائِفُ. وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ .. زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ. وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ .. فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ،
في الأصحِّ، قال ابن الصلاح: وكذا من الوقف على الأكفان.
(ويجوز رابع وخامس) بلا كراهة؛ لأن ابن عمر كفن ابنًا له في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف، رواه البيهقي 423، وتكره الزيادة على الخمسة، قال في "شرح المهذب": ولا يبعد التحريم؛ لأنه إضاعة مال، إلّا أنه لم يقل به أحد.
انتهى 424، وقد جزم ابن يونس في "شرح التنبيه" بالتحريم.
(ولها خمسة) أي: والأفضل للمرأة: خمسة؛ رعاية لزيادة الستر في حقهما، ولأنه عليه الصلاة والسلام أعطى في كفن ابنته الحَقْو -وهو الإزار- ثم الدِّرْع، ثم الخمار، ثم المِلحفة، ثم أدرجت بعدُ في الثوب الآخر.
رواه أبو داوود ولم يضعفه 425، والخنثى كالمرأة.
(ومن كفن منهما بثلاثة .. فهي لفائف) أي: ليس فيها قميص ولا عمامة للرجل، ولا إزار ولا خمار للمرأة؛ لأنه عليه السلام كُفن في ثلاثة أثواب يمانية بِيض ليس فيها قميص، ولا عمامة، متفق عليه 426.
وتكون الثلاثة متساوية طولًا وعرضًا، يأخذ كلّ لِفافة جميع بدن المرأة، وكذا الرجل على الأصحِّ.
(وإن كفن في خمسة .. زيد قميص وعمامة تحتهن) اقتداء بفعل ابن عمر رضي الله عنهما.
(وإن كفنت في خمسة .. فإزار، وخمار، وقميص، ولفافتان) اقتداء بفعله عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 443
وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ. وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ. وَمَحَلُّهُ: أَصْلُ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ تكُنْ .. فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَته من مِنْ قَرِيبٍ وَسَيدٍ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ. وَتبسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا، وَكَذَا الثَّالِثَةُ، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوط.
الصلاة والسلام بابنته أم كلثوم؛ كما سلف 427.
(وفي قول: ثلاث لفائف، وإزار، وخمار) أي: واللِّفافة الثالثة بدل القميص؛ لأن الخمسة لها؛ كالثلاثة للرجل، والقميص لم يكن في كفنه صلّى الله عليه وسلّم.
(ويسن الأبيض) لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" صححه الترمذي 428، فلو كانت كلّها حِبَرة .. لم يكره.
(ومحله أصل التركة) بالإجماع، وكذلك سائر مؤن تجهيزه، إلا أن يتعلق حقّ الغير بعين التركة؛ كما ذكره في الفرائض 429.
(فإن لم تكن) تركة ( .. فعلى من عليه نفقته؛ من قريب وسيد) اعتبارًا بحال الحياة (وكذا الزوج في الأصح) لأنها في نفقته في الحياة، فلزمه مؤنتها بعد الموت؛ كالسيد مع العبد، والثاني: لا تجب عليه، لزوال التمكين المقابل للنفقة.
وظاهر كلامه: أنه إنما يجب على الزوج إذا لم تكن للمرأة تركة، وليس كذلك، بل الأصح في "الروضة" و"أصلها": وجوبه عليه مطلقًا؛ فإن لم يكن له مال .. ففي مالها 430، وفي حكم الزوجة خادمها؛ كما ذكره الرافعي في (النفقات) 431.
(وتبسط أحسن اللفائف وأوسعها، والثانية فوقها، وكذا الثالثة) لأن المبسوطة أولًا هي التي تظهر، فناسب أن تكون أحسن؛ إذ الحي يقصد ذلك.
(ويذرّ على كل واحدة حنوط) لأنه يدفع سرعة بَلاء الكفن، ويَقيه من بلل يصيبه.
الجزء: 1 - الصفحة: 444
ويوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُور، وَتشُدُّ أَلْيَاهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ، وَتُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَتشُدُّ، فَإِذَا وضِعَ فِي قَبْرِهِ .. نُزِعَ الشِّدَادُ. وَلَا يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلَا يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ. وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ،
(ويوضع الميت فوقها مستلقيًا وعليه حنوط وكافور) لأنه يقويه ويَصلُبه، ويذهب عنه الهوام والرائحةَ الكريهة.
وكان الأولى حذف قوله: (وكافور) لدخوله في الحنوط؛ إذ الحنوط يشتمل على الكافور والصَّنْدَل الأحمر وذَرِيرة القَصَب؛ كما قاله الأزهري 432.
(وتشد ألياه) بأن يشق رأس خرقة ويجعل وسطها عند أليتيه وعانته، ويشدها عليه فوق السرة بأن يرد ما يلي ظهره إلى سرته، وذلك بعد دسّ قطنٍ عليه حنوطٌ في أليتيه حتى يتصل بالحلقة؛ إحكامًا لمنع الخارج.
(ويجعل على منافذ بدنه) كالعين والأذن والمَنْخِر والمخرج (قطن) حَليجٌ عليه حنوط؛ دفعًا للهوام، ويجعل الطيب على مساجده، وهي: الجبهة، والأنف، والركبتان، وباطن الكفين، والقدمين؛ إكرامًا لها.
(وتلف عليه اللفائف) بأن يثنى الطرفُ الأيسر ثم الأيمن؛ كما يَفعل الحي بالقَباء، (وتشد) منعًا لانتشارها بحركته عند الحمل.
(فإذا وضع في قبره .. نزع الشداد) لزوال المقتضى؛ لأنه يكره أن يكون عليه في القبر شيء معقود.
(ولا يلبس المحرم الذكر مخيطًا، ولا يستر رأسه، ولا وجه المحرمة) لما سبق في فصل الغسل.
(وحمل الجنازة بين العمودين أفضل من التربيع في الأصح) لفعل الصحابة ذلك، منهم: سعد بن أبي وقاص لمّا حمل عبد الرحمن بن عوف، رواه الشافعي في "الأم" بإسناد صحيح 433، والثاني: التربيع أفضل؛ لأنه أصون للميت، والثالث:
الجزء: 1 - الصفحة: 445
وَهُوَ: أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتينِ رَجُلَانِ، وَالتَّرْبِيعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ.
وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، وَيُسْرَعُ بِهَا إِنْ لَمْ يُخَفْ تغيُّرُهُ.
فصلٌ [في الصلاة على الميت]
لِصَلَاتِهِ أَرْكَان: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ،
إنهما سواء؛ لحصول المقصود بكل كيفية، وهذا إذا أراد الاقتصار على كيفية.
والأفضل: أن يجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا، وتارة كذا؛ كما نقلاه عن بعضهم وأقراه، ونقله في "شرح المهذب" عن نص "الأم" وعن جماعات، وفي "الكفاية" عن الماوردي: أن الأفضل: الجمع؛ بأن يحمله خمسة: في جوانب النعش أربعة، وواحد بين العمودين؛ لكنه لا يضع شيئًا منها على عاتقه 434.
(وهو) أي: الحمل بين العمودين (أن يضع الخشبتين المقدمتين على عاتقيه، ورأسُه بينهما، ويحمل المؤخرتين رجلان، والتربيع: أن يتقدم رجلان، ويتأخر آخران، والمشي أمامها بقربها أفضل) للاتباع فيهما، والقرب من زيادات "الكتاب" على أصله، ونبه عليه في "الدقائق" 435. وضابطه: أن يكون بحيث لو التفت .. لرآها.
(ويسرع بها) استحبابًا؛ للأمر به، متفق عليه 436، والإسراع: هو فوق المشي المعتاد، ودون الخبب، فإن خيف عليه تغير أو انفجار أو انتفاخ .. زيد في الإسراع 437 (إن لم يُخف تغيره) بالإسراع، فإن خيف .. تُؤُنِّيَ به.
(فصل: لصلاته) أي: الميت (أركان: أحدها: النية) للحديث المشهور 438،
الجزء: 1 - الصفحة: 446
وَوَقْتُهَا كَغَيْرِهَا، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: تشتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ .. بَطَلَتْ. وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى .. نَوَاهُمْ. الثَّانِي: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، فَإِنْ خَمَّسَ .. لَمْ تبطُلْ فِي الأَصَحِّ
(ووقتها كغيرها) أي: عند التكبير؛ كما مرّ في موضعه.
(وتكفي نية الفرض) من غير تعرض إلى كونها فرضَ كفاية؛ كما تكفي النية في إحدى الخمس من غير تقييد بنية فرض العين، (وقيل: تشترط نية فرض كفاية) ليتميز عن فرض العين.
(ولا يجب تعيين الميت) باسمه؛ كزيد وعمرو، ولا معرفته، بل لو نوى الصلاة على هذا الميت أو على من صلّى عليه الإمام .. كفى، واستثنى ابن عجيل اليمني الغائبَ، فقال: إنه لا بد في الصلاة عليه من تعيينه بالقلب، وعُزي إلى "البسيط" أيضًا.
(فإن عين) الميت (وأخطأ) بأن نوى الصلاة على زيد، فبان عمرًا ( .. بطلت) لأن الذي نواه لم يقع، وهذا إذا لم يشر إلى المعين، فإن أشار .. صحّ على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 439 تغليبًا للإشارة.
(وإن حضر موتى .. نواهم) بصلاة واحدة؛ لما سيأتي، وسواء عرف عددهم أم لا.
(الثاني: أربع تكبيرات) منها تكبيرة الإحرام بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 440.
(فإن خمّس) عامدًا ( .. لم تبطل في الأصح) لثبوتها في "صحيح مسلم" 441، والثاني: تبطل؛ كزيادة ركعة في سائر الصلوات.
وأجرى الجيلي الخلاف فيما لو كبر سبعًا أو تسعًا، وصحح الصحة، أما إذا كان ساهيًا .. فلا تبطل جزمًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 447
وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ .. لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصحِّ، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. الثَّالِثُ: السَّلَامُ كَغَيْرِهَا. الرَّابعُ: قِرَاءَةُ (الْفَاتِحَةِ) بَعْدَ الأَولَى. قُلْتُ: تُجْزِئُ (الْفَاتِحَةُ) بَعْدَ غَيْرِ الأَولَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسُ: الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(ولو خمس إمامه) عامدًا، وقلنا: لا تبطل ( .. لم يتابعه في الأصح، بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه) لأن هذه الزيادة غير مطلوبة، والثاني: يتابعه؛ لتأكد المتابعة، فإن قلنا: الخامسةُ مبطلةٌ .. فارقه جزمًا.
(الثالث: السلام كغيرها) من الصلوات في تعدده وكيفيته، وغير ذلك؛ مما سبق بيانه.
(الرابع: قراءة "الفاتحة") للحديث المارّ في (باب الصلاة) 442، (بعد) التكبيرة (الأولى) لما في "النسائي" عن أبي أمامة بن سهل الأنصاري قال: (السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بـ "أم القرآن") (443.
(قلت: تجزئ "الفاتحة" بعد غير الأولى، والله أعلم) وهو ما حكاه الروياني وغيره عن النص؛ كما ذكره الرافعي 444، وقضية إطلاقه: إجزاؤها بعد الثالثة والرابعة، وكذا في "شرح المهذب" 445.
لكن جزم في "التبيان" بتعين الأولى لقراءتها 446، قال الأَذْرَعي 447: وبه صرح البَنْدَنِيجي، والقاضي الحسين، وهو ظاهر كلام الأكثرين، وظاهر أكثر نصوص الشافعي، وهو المختار.
وقضية كلام المصنف قد يقتضي: أنه لا تستحب قراءة السورة، وهو الأصحُّ.
(الخامس: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) لأنه من السنة؛ كما رواه
الجزء: 1 - الصفحة: 448
بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصحِيحُ: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الآلِ لَا تَجِبُ. السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ. السَّابعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التكْبِيرَاتِ،
الحاكم وصححه 448، (بعد الثانية) أي: عقبها؛ كما قاله في "شرح المهذب" 449، قال الإسنوي: والتخصيص بالثانية يحتاج إلى دليل لا سيما إذا جوزنا تأخير (الفاتحة) عن الأولى.
(والصحيح: أن الصلاة على الآل لا تجب) ونقل في "شرح المهذب" عن الجمهور القطع به 450؛ كغيرها وأولى؛ لبنائها على التخفيف.
ويندب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقب الصلاة على الأصحِّ، وفي استحباب الحمد قبل الصلاة وجهان: أصحهما في "شرح المهذب" وهو الأرجح في "زيادة الروضة": نعم، والثاني: لا، وهو مقتضى كلام الأكثرين؛ كما نقله الرافعي 451.
قال في "زيادة الروضة": ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة، لكنه أولى 452.
(السادس: الدعاء للميت) بخصوصه؛ لأنه المقصود الأعظم من الصلاة، وما قبله مقدمة له، والواجب منه: ما ينطلق عليه الاسم، وأما الأكمل .. فسيأتي ذكره، وقيل: لا يجب تخصيص الميت به، بل يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ويندرج فيهم، (بعد الثالثة) أي: عقبها قبل الرابعة، قال في "شرح المهذب": وليس لتخصيصه بها دليل واضح 453.
(السابع: القيام على المذهب إن قدر) كسائر الفرائض، وقيل: يجوز القعود؛ كما يجمع بين جنائز بتيمم، وقد مرّ الفرق هناك، وقيل: إن تعينت عليه .. وجب القيام، وإلّا .. فلا.
(ويسن رفع يديه في التكبيرات) حذو منكبيه؛ اتباعًا لابن عمر؛ كما رواه
الجزء: 1 - الصفحة: 449
وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا، وَالأَصَحُّ: نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الافْتِتَاحِ، وَيَقُولُ فِي الثالِثَةِ: (اللَّهُمَّ؛ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ ... ) إِلَى آخِرِهِ، وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا
الشافعي 454، ويضع يديه على صدره بعد كل تكبيرة؛ كما في غيرها.
(وإسرار القراءة) لقول أبي أمامة بن سهل: (السنة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بـ "أم القرآن" مُخافتةً) رواه النسائي 455، (وقيل: يجهر ليلًا) لأنها صلاة ليل.
(والأصح: ندب التعوذ) لأنه من سنن القراءة؛ كالتأمين، ولأنه قصير (دون الافتتاح) لطوله، والثاني: يستحبان؛ كالتأمين، والثالث: لا يستحبان؛ لطولهما، بخلاف التأمين.
(ويقول في الثالثة: "اللهم؛ هذا عبدك وابن عبدك ... إلى آخره) 456 أي: وهو: (خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، اللهم؛ إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم؛ إن كان محسنًا .. فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا .. فتجاوز عنه، ولقّه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين).
كذا ذكره في "المحرر" تبعًا للشافعي في "المختصر" 457، قال البيهقي: وقد التقطه الشافعي من مجموع الآثار الواردة، واستحسنه 458.
(ويقدم عليه) ندبًا ("اللهم؛ اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا
الجزء: 1 - الصفحة: 450
وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنثانَا، اللهُمَّ؛ مَنْ أَحْيَيْتهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ)، وَيَقُولُ في الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: (اللهُمَّ؛ اجْعَلْهُ فَرَطًا لأَبَوَيْهِ وَسَلَفًا وَذُخْرًا، وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرِغِ الصَبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا)، وَفِي الرَّابِعَةِ: (اللهُمَّ؛ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تفتِنَّا بَعْدَهُ). وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلَا عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَى .. بَطلَتْ صَلَاتُهُ. ويُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ في غَيْرِهَا،
وكبيرنا، وذكرثا وأنثانا، اللهم؛ من أحييته منا .. فأحيه على الإِسلام، ومن توفيته منا .. فتوفه على الإيمان") رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم 459.
(ويقول في الطفل مع هذا الثاني: "اللهم؛ اجعله فرطًا لأبويه وسلفًا وذخرًا وعظة واعتبارًا وشفيعًا، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما") لأن ذلك مناسب للحال زاد في "الروضة" تبعًا لـ"أصلها": ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره 460.
(وفي الرابعة: "اللهم؛ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده") للاتباع 461.
وزاد جماعة منهم الشيخ في "التنبيه": (واغفر لنا وله)، قال المصنف: وتطويله فيها مستحب ثابت في الحديث الصحيح 462.
(ولو تخلف المقتدي بلا عذر فلم يكبر حتى كبر إمامه أخرى .. بطلت صلاته) لأن المتابعة لا تظهر في هذه الصلاة إلا بالتكبيرات، فيكون التخلف بها فاحشًا؛ كالتخلف بالركعة.
(ويكبر المسبوق ويقرأ "الفاتحة" وإن كان الإِمام في غيرها) لأن ما أدركه هو أول
الجزء: 1 - الصفحة: 451
فَلَوْ كَبَّرَ الإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ في (الْفَاتِحَةِ) .. كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ في (الْفَاتِحَةِ) .. تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ في الأَصَحِّ. وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ .. تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا تشتَرَطُ الأَذْكَارُ. وَتشتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ لَا الْجَمَاعَةِ، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ اثنانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثة، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ
صلاته، فيراعي ترتيبها.
(فلو كبر الإِمام أخرى قبل شروعه في "الفاتحة" .. كبر معه وسقطت القراءة) كما لو ركع الإِمام عقب إحرام المسبوق .. فإنه يركع معه.
(وإن كبرها وهو في "الفاتحة" .. تركها وتابعه في الأصح) الخلاف كالخلاف فيما إذا ركع الإِمام والمسبوق في أثناء (الفاتحة)، وقد تقدم بيانه في بابه.
(وإذا سلم الإِمام .. تدارك المسبوق باقي التكبيرات) كما يأتي في غيرها من الصلوات بباقي الركعات (بأذكارها) الواجبة وجوبا؛ كما يأتي في الركعات بالقراءة وغيرها؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "وَمَا فَاتَكُمْ .. فَأقْضُوا" 463.
(وفي قول: لا تشترط الأذكار) لأن الجنازة ترفع بعد سلام الإِمام، فليس الوقت وقتَ تطويل.
(وتشترط شروط الصلاة) كالطهارة ونحوها؛ كغيرها من الصلوات (لا الجماعة) كالمكتوبة، نعم؛ هي مستحبة (ويسقط فرضها بواحد) ولو صبيا على الصحيح؛ لأن الجماعة لا تشترط فيها، فكذا العدد، (وقيل: يجب اثنان) بناء على أن أقلّ الجمع اثنان.
(وقيل: ثلاثة) لقوله عليه السلام: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ" 464، وأقل الجمع ثلاثة.
(وقيل: أربعة) قاله الشيخ أبو علي؛ بناء على معتقده في حمل الجنازة: أنه لا يجوز النقصان فيه عن أربعة؛ لأن ما دونه إزراء بالميت، فالصلاة أولى؛ لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 452
وَلَا تَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَال في الأَصَحِّ. وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ. وَيَجبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ، وَتَصِح بَعْدَهُ، وَالأَصَحُّ: تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ
مقصودها أهم، وعلى كل وجه: فلا تشترط الجماعة، فيصلون فرادى إن شاؤوا؛ لأنهم صَلَّوْا عليه صلى الله عليه وسلم فرادى 465.
(ولا تسقط بالنساء وهناك رجال في الأصح) لأن فيه استهانة بالميت، ولأن أهلية الرجال للعبادة أكمل، فيكون دعاؤهم أقرب، والثاني: تسقط؛ لصحة صلاتهن وجماعتهن؛ فإن لم يكن هناك رجل .. وجبت عليهن ويصلين منفردات ويسقط الفرض بهن، قال في "العدة": وظاهر المذهب: أنه لا تستحب لهن الجماعة، وقيل: تستحب في جنازة المرأة، والخنثى كالمرأة.
(ويصلى على الغائب عن البلد) وإن قربت المسافة أو لم يكن في جهة القبلة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر الناس وهو في المدينة بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه هو، وأصحابه، متفق عليه 466.
فإن كان في البلد وهو غائب عن موضع الصلاة .. فالأصحُّ: المنع؛ لتيسر الحضور، ولعدم النقل، قال الأَذْرَعي: ولو قيل: يجوز للمعذور بمرض أو زمانة أو حبس دون غيره .. لم يبعد.
(ويجب تقديمها) أي: الصلاة (على الدفن) لأنه المنقول (وتصح بعده) للاتباع 467.
(والأصح: تخصيص الصحة بمن كان من أهل فرضها وقت الموت) لأن غيره متطوع، وهذه الصلاة لا يتطوع بها، والثاني: بمن كان من أهل الصلاة وقت الموت، فيدخل المميز، وجزم بترجيحه في "الشرح الصغير".
الجزء: 1 - الصفحة: 453
وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالٍ.
فرعٌ [في بيان الأولى بالصلاة]
الْجَدِيدُ: أَنَّ الْوَليَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي، فَيُقَدَّمُ الأَبُ، ثُمَّ الْجَدّ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الابْنُ ثُمَّ أبْنُهُ، ثمَّ الأَخُ -وَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الأَخِ لِأبَوَيْنٍ عَلَى الأَخِ لِأبٍ- ثُمَّ ابْنُ الأَخِ لِأبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأبٍ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الإِرْثِ، ثُمَّ ذوُو الأَرْحَامِ
(ولا يصلى على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال) وكذا غيره من الأنبياء؛ لحديث: "لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" 468.
(فرع: الجديد: أن الولي أولى بإمامتها من الوالي) لأن الصلاة من قضاء حقّ الميت، فالقريب أولى؛ كولاية النكاح، والقديم: الوالي أولى، ثم إمام المسجد، ثم الولي؛ كسائر الصلوات.
قال صاحب "المعين": ومحل الخلاف: ما إذا لم يخف الفتنة من الوالي، وإلا .. قدم قطعًا؛ كما أفهمه كلام "البيان" 469.
والمراد بـ (الولي): القريبُ، ولو غاب الولي الأقرب .. قدم الولي الأبعد، سواء كانت الغيبة قريبة أم بعيدة، قاله البغوي.
(فيقدم الأب ثم الجد) للأب (وإن علا) لزيادة الشفقة (ثم الابن، ثم ابنه) وإن سفل (ثم الأخ) تقديمًا للأشفق فالأشفق.
(والأظهر: تقديم الأخ لأبوين على الأخ لأب) لزيادة القرب والشفقة، والأصحّ: القطع به، والثاني: أنهما سواء؛ لأن الأمومة لا مدخل لها في إمامة الرجال، فلم يبق إلا قرابة الأب وهما فيها سواء.
(ثم ابن الأخ لأبوين، ثم لأب، ثم العصبة على ترتيب الإرث، ثم ذوو الأرحام) أي: يقدمون على الأجانب؛ لأن المقصود الدعاء، ومن اختص بمزيد شفقة .. كان
الجزء: 1 - الصفحة: 454
وَلَوِ اجْتَمَعَا في دَرَجَةٍ .. فَالأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَّصِّ. وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ. وَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِهَا. وَتَجُوزُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةٌ. وَتَحْرُمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ
دعاؤه أقربَ إلى الإجابة، فيقدم أب الأم، ثم الأخ للأم، ثم الخال، ثم العم للأم.
(ولو اجتمعا في درجة) كالابنين وكلّ منهما أهلٌ للإمامة ( .. فالأسن العدل أولى) من الأفقه ونحوه (على النص) وفي قول مخرج: أن الأفقه والأقرأ مقدمان عليه؛ كغيرها من الصلوات، والأصحُّ: تقرير النصين، والفرق: أن الغرض من صلاة الجنازة: الدعاء، ودعاء الأسن أقرب إلى الإجابة؛ فإن استويا في السنن المعتبر .. قدم أحقهم بالإمامة في سائر الصلوات على ما سبق تفصيله في بابه، فإن استويا في الصفات كلّها وتنازعا .. أقرع، قاله في "شرح المهذب" 470.
(ويقدم الحر البعيد على العبد القريب) كأخ هو عبد، وعمّ حرّ؛ لأن الإمامة ولاية، والحرّ أكمل فهو بها أليق.
(ويقف عند رأس الرجل وعجزها) للاتباع؛ كما حسنه الترمذي 471، والمعنى: محاولة سترها عن الناس، والخنثى كالمرأة.
(وتجوز على الجنائز صلاة) واحدة؛ إذ مقصودها الدعاء، وجمعهم فيه ممكن، وإفراد كلّ بصلاة أفضل، إذا لم يُخف تغير بالتأخير، وإلا .. فالجمع أفضل.
(وتحرم على الكافر) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
(ولا يجب غسله) لأنه كرامة وليس هو من أهلها، نعم؛ يجوز، فقد أمر عليه السلام عليًّا بغسل والده 472.
(والأصح: وجوب تكفين الذمي ودفنه) من بيت المال إذا لم يكن له مال ولا من تلزمه نفقته، فإن فقد .. فعلى المسلمين وفاء بذمته كإطعامه وكسوته حيًّا إذا عجز،
الجزء: 1 - الصفحة: 455
وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ .. صلِّيَ عَلَيْهِ. وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكَى .. كَكَبِيرٍ،
والثاني: لا؛ لانتهاء الذمة بالموت.
وخرج بـ (الذمي): الحربي، فلا يجب، بل يجوز إغراء الكلاب عليه، والمرتد كالحربي.
(ولو وُجِد عضوُ مسلم علم موته .. صُلي عليه) وإن قلَّ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم صلوا بمكة على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد؛ فإن طائرًا ألقاها إليهم أيام وقعة الجمل، وعرفوا أنها يده بخاتمه 473، فإن علم حياته أو شكّ فيها .. لم يصلّ عليه.
وخرج بـ (العضو): الشعر والظفر ونحوهما، وهو ما نقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين، كذا نقله الإسنوي، وابن الملقن 474.
والذي في "شرح المهذب" عن الجمهور أنه يُصلّى عليها, لكن في "الشرحين" و"الروضة": أن أقرب الوجهين إلى إطلاق الأكثرين: أنها كالعضو، إلا الشعرة الواحدة؛ فإن صاحب "العدة" نقل أنه لا يصلّى عليها في ظاهر المذهب؛ إذ لا حرمة لها 475، قال الإسنوي: ومقتضى هذا التعليل: أنها لا تغسل، ولا تكفن، ولا تدفن.
انتهى.
ولعل مراده: أن ذلك لا يجب؛ فإن في "الشرح" و"الروضة": أن ما ينفصل من الحي من ظفر وشعر وغيرهما .. يستحب له دفنه، وكذلك يواري دم القصد والحجامة.
انتهى 476.
وإذا ندب في الحي .. فالميت من باب أولى، وينوي بالصلاة جملة الميت.
(والسقط إن استهل) أي: صرخ (أو بكى .. ككبير) لتيقن موته بعد حياته،
الجزء: 1 - الصفحة: 456
وَإِلَّا: فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ كَاخْتِلَاجٍ .. صُلِّيَ عَلَيْهِ في الأَظْهَرِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .. لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَهَا في الأَظْهَرِ. وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ مَاتَ في قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ،
وفي الحديث: "إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ .. وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ" صححه ابن حبان والحاكم 477.
(وإلا) أي: وإن لم يستهلّ أو لم يبك (فإن ظهرت أمارة الحياة؛ كاختلاج .. صلي عليه في الأظهر) لظهور الأمارة الدالة على الحياة، والثاني: لا؛ للشك فيها، ويغسل على المذهب.
(وإن لم تظهر) أمارة الحياة (ولم يبلغ أربعة أشهر .. لم يصل عليه) لعدم الأمارة، وكذا لا يغسل على المذهب.
(وكذا إن بلغها في الأظهر) لعدم تيقن حياته، والثاني: نعم؛ لبلوغه أوان النفخ؛ كما ثبت في الصحيح 478، ويغسل على المذهب، وحكم تكفينه: حكم غسله إن ظهر فيه خلقة آدمي، وإن لم تظهر .. فتكفي فيه المواراة كيف كانت.
(ولا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه) لأنه حي بنصّ القرآن، ولم يغسل عليه السلام قتلى أحد ولم يصلّ عليهم؛ كما رواه البخاري 479.
والمراد بترك الغسل والصلاة: أنهما يحرمان، وقيل: لا تحرم الصلاة، بل تجوز ولا تجب.
(وهو من مات في قتال الكفار بسببه) كما لو قتله مشرك، أو أصابه سلاح مؤمن خطأ، أو سقط عن فرسه، وكذا لو انكشف الحرب عن قتيل وليس عليه أثر؛ لأن الظاهر: أن موته بسبب القتال.
(فإن مات بعد انقضائه) وقطع بموته من تلك الجراحة، وبقي فيه بعد انقضاء
الجزء: 1 - الصفحة: 457
أَوْ في قِتَال الْبُغَاةِ .. فَغَيْرُ شَهِيدٍ, في الأَظْهَرِ، وَكَذَا في الْقِتَال لَا بِسَبَبهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوِ اسْتشهِدَ جُنُبٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَأَنَّهُ تزالُ نَجَاسَتُهُ غَيْر الدَّمِ ...
الحرب حياة مستقرة، (أو في قتال البغاة .. فغير شهيد في الأظهر) أما في الأولى .. فلأنه عاش بعد انقضاء الحرب، فأشبه ما لو مات بسبب آخر، وأما في الثانية .. فلأنه قتيل مسلم، فأشبه المقتول في غير القتال، والثاني: أنه شهيد فيهما؛ أما في الأولى .. فلأنه مات بجرح وُجد فيه، فأشبه ما لو مات قبل انقضائه، وأما في الثانية .. فكالمقتول في معترك الكفار، أما إذا انقضت الحرب وليس فيه إلا حركة مذبوح .. فشهيد قطعًا، وإن انقضت وهو متوقع البقاء .. فغير شهيد قطعًا، ولو كان المقتول من أهل البغي .. فغير شهيد قطعًا.
(وكذا في القتال لا بسببه على المذهب) كما إذا مات بمرض، أو فجأة، أو قتل مسلم؛ لأن الأصل: وجوب الغسل والصلاة عليه، خالفناه فيما إذا مات بسبب من أسباب القتل؛ تعظيمًا لأمر القتال وترغيبا للناس فيه، فبقي ما عداه على الأصل، وقيل: إنه شهيد؛ لأنه مات في معترك الكفار.
(ولو استشهد جنبٌ .. فالأصح: أنه لا يغسل) عن الجنابة؛ لأنها طهارة حدث، فسقط حكمها بالشهادة؛ كغسل الميت، والثاني: يجب غسله؛ لأن الشهادة إنما تؤثر في غسلٍ وجب بالموت، وهذا وجب قبله، وروى ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما": أن حنظلة قُتل بأحد جنبًا، ولم يغسله النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال: "رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تغسِلُهُ" 480.
وأجيب: بأنه لو وجب .. لم يسقط إلا بفعلنا, ولَمَا اكتفي بغسل الملائكة، ولا خلاف أنه لا يغسل بنية غسل الميت، وإنما النزاع في غسل الجنابة.
(وأنه تزال نجاسته غيرَ الدم) الذي هو من أثر الشهادة؛ لأن الذي نبقيه إنما هو أثر العبادة، وهذه ليست من أثرها، والثاني: لا تزال؛ للنهي عن غسله مطلقًا، والثالث: إن أدى غسلها إلى إزالة أثر الشهادة .. لم تغسل، وإلا .. غسلت.
الجزء: 1 - الصفحة: 458
ويُكَفَّنُ في ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبهُ سَابِغًا .. تُمِّمَ.
فصلٌ [في دفن الميت]
أَقَلُّ الْقَبْرِ: حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ. ويُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ ويُعَمَّقَ قَامَةً وَبَسْطَةً
(ويكفن في ثيابه الملطخة بالدم) استحبابًا؛ للاتباع؛ كما رواه أبو داوود عن جابر رضي الله عنه 481.
فلو أراد الوارث أن يأخذها، ويكفنه من عنده .. جاز، وتنزع الجلود، والخفاف، وثياب الحرب؛ كالدرع.
(فإن لم يكن ثوبه سابغًا .. تُمِّم) أي: كُمِّل؛ كما فعل بمُصعب بن عمير 482.
(فصل: أقل القبر: حفرة تمنع الرائحة والسبع) عن نبشه، لئلا تنتهك حرمته بانتشار رائحته 483 واستقذار جيفته، وأكل السباع له 484. (ويندب أن يوسع ويعمق) للأمر به، كما صححه الحاكم 485، (قامة وبسطة) لأن عمر رضي الله عنه أوصى بذلك ولم ينكره أحد 486. والمراد: قامة رجل معتدل يقوم ويبسط يده مرتفعة، وذلك ثلاثة أذرع ونصف؛
الجزء: 1 - الصفحة: 459
وَاللُّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ صَلُبَتِ الأَرْضُ، وَيُوضَعَ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَيُسَلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ، وَيُدْخِلَهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ، وَأَوْلَاهُمُ: الأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً فَأَوْلَاهُمُ الزَّوْجُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
كما صححه الرافعي، وصوب في "الروضة" أنه أربعة أذرع ونصف، ونقله عن الجمهور 487.
(واللحد أفضل من الشق إن صلبت الأرض) لحديث: "اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا"، رواه الترمذي وغيره 488، واللحد: هو أن يُحفَر في أسفل حائط القبر من القبلة قدرُ ما يوضع فيه الميت ويستره، والشق: أن يحفر قعر القبر كالنهر، ويبنى جانباه بلبن أو غيره، خلا ما مسته النار، ويوضع فيه ويُسقَف، فإن كانت الأرض رخوة .. تعين الشق.
(ويوضع رأسه عند رجل القبر، ويسل من قبل رأسه برفق) للاتباع 489، والمراد برجل القبر: مؤخره.
(ويدخله القبر الرجال) وإن كان الميت امرأة؛ لأنه يحتاج إلى قوة وهم أحرى بذلك.
(وأولاهم: الأحق بالصلاة) عليه 490، للمعنى السابق، والمراد بالأولوية: من حيث الدرجات، لا الصفات اللاحقة، فالأفقه هنا مقدم على الأسن، بخلاف الصلاة.
قاله في "شرح المهذب" 491.
والمراد بـ (الأفقه) هنا: الأعلم بإدخال القبر، لا أعلمهم بأحكام الشرع.
(قلت: إلا أن تكون امرأةً مزوجة، فأولاهم الزوج، والله أعلم) لأنه ينظر إلى ما لا ينظر إليه غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 460
وَيَكُونُونَ وِتْرًا، ويُوضَعُ في اللَّحْدِ عَلَى يَمِينهِ لِلْقِبْلَةِ وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إِلَى جِدَارِهِ، وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ بِلَبِنٍ، وَيَحْثُو مَنْ دَنَا ثَلَاثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ، ثُمَّ يُهَالُ بِالْمَسَاحِي، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْرًا فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ
(ويكونون وترًا) أي: يكون عدد الدافنين وترًا، فإن كفى واحد، وإلا .. فثلاثة، أو خمسة على حسب الحاجة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام دفنه علي والعباس والفضل، رواه ابن حبان في "صحيحه" 492.
(ويوضع في اللحد) أو الشق (على يمينه للقبلة) لنقل الخلف ذلك عن السلف.
(ويسند وجهه إلى جداره) أي: جدار القبر، وكذا رجلاه، ويُجعل في باقي بدنه بعضُ التجافي، فيكون قريبًا من هيئة الركوع؛ ليمنعه ذلك من الانكباب، (وظهره بلبنة ونحوها) ليمنعه من الاستلقاء، وهذا كلّه مستحب، إلا توجيهه إلى القبلة؛ فإنه واجب.
(ويسد فتح اللحد بلبن) لأن به يتم الدفن، (ويحثو من دنا ثلاث حثيات تراب) بيديه جميعًا؛ للاتباع؛ كما رواه ابن ماجه 493.
وقوله: (من دنا) يخرج من بَعُد، لكن عبارة "الكفاية": (يستحب ذلك لكل من حضر الدفن) 494.
(ثم يهال) أي: يصبّ (بالمساحي) لأنه أسرع إلى تكميل الدفن، (ويرفع القبر شبرًا فقط) ليعرف فيحترم ويزار.
نعم؛ من مات من المسلمين ببلاد الكفار لا يرفع قبره، بل يخفى؛ لئلا يتعرض له الكفار إذا رجع المسلمون، قاله المتولي وأقراه 495.
(والصحيح: أن تسطيحه أولى من تسنيمه) أصل الخلاف: اختلاف الرواية في قبره عليه السلام وقبر صاحبيه في أنها مسطحة أو مسنمة، وجمع البيهقي بين الروايتين
الجزء: 1 - الصفحة: 461
وَلَا يُدْفَنُ اثنانِ في قَبْرٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا ...
بأنها كانت مسطحة، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد -وقيل: في زمن عمر بن عبد العزيز- وأصلح .. جعلت مسنمة 496.
(ولا يدفن اثنان في قبر) لأنه عليه السلام كان يدفن كلّ ميت في قبر، ولم يبين المصنف أن فعل ذلك حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، وقضية ما في "الشرح" و"الروضة": أنه خلاف الأولى، لكن في "شرح المهذب": أنه لا يجوز، ورجح السبكي ما في "الشرح" و"الروضة"، وقال: لا دليل على التحريم، هذا كله في الابتداء، أما في الدوام؛ كإدخال ميت على ميت .. فلا يجوز بحال حتى يَبلى الأول لحما وعظما، نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب 497.
(إلا لضرورة) بأن أكثر الموتى في وباء أو هدم أو غيرهما وعسر إفراد كل ميت بقبر، فيدفن الاثنان والثلاثة في قبر؛ لأنه عليه السلام كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: "أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ" فإذا أشير إلى أحدهما .. قدمه في اللحد 498.
ولا يجمع بين الرجال والنساء إلا لتأكد الضرورة.
نعم؛ لو كان بينهما زوجية أو محرمية .. فلا منع؛ كحال الحياة، كذا ذكره صاحب "التعجيز" في "شرحه"، ونقله عن ابن الصباغ وغيره، قال في "المهمات": (وهو متجه، بل في "حلية" الروياني ما حاصله: الجواز مطلقًا)، لكن جزم في "شرح المهذب" بالتحريم، قال: حتى في الأم مع ولدها، وإذا دفن اثنان في قبر .. جعل بينهما حاجز من تراب 499.
(فيقدم أفضلهما) إلى جدار القبر؛ للحديث المار؛ فيقدم الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة، لكن يقدم الأب على الابن وإن كان الابن أفضل؛ لحرمة الأبوة، وكذا الأم مع البنت.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
وَلَا يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَا يُوطَأُ، وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ حَيًّا. وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَبَعْدَهُ ثَلَاثةَ أَيَّام. وَيُعَزَّى الْمُسْلِمُ بِالْمُسْلِمِ: (أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ)، وَبِالْكَافِرِ: (أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ وَصَبَّرَكَ)، وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ: (غَفَرَ اللهُ لِمَيتِكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ).
(ولا يجلس على القبر) ولا يتكئ عليه ولا يستند إليه (ولا يوطأ) لصحة النهي عن ذلك 500.
نعم؛ يستثنى ما إذا دعت ضرورة إلى الوطئ؛ كأن كان لا يصل إلى قبر ميته إلا به.
(ويقرب زائره كقربه منه حيًّا) احترامًا له.
(والتعزية سنة) للحث عليها 501 (قبل دفنه) لأنه وقت شدة الحزن (وبعده ثلاثة أيام) لأن الحزن فيها موجود غالبًا، وبعدها يسكن قلب المصاب غالبًا، فتكره التعزية حينئذ؛ لأنها تجديد للحزن، وابتداؤها من الدفن، وقيل: من الموت.
نعم؛ لو كان المعزى غائبًا أو المعزي .. فالأصحُّ: امتدادها إلى قدومه، قال المحب الطبري: والظاهر: امتدادها ثلاثًا بعد الحضور.
(ويُعزّى المسلم بالمسلم: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك") هذا هو المشهور، وقيل: يقدم الدعاء للميت أولًا؛ لأنه أحوج إليه.
(و) يعزى المسلم (بالكافر: "أعظم الله أجرك، وصبّرك") لأنه لائق بالحال، ولا يقول: (وغفر لميتك) لأن الاستغفار للكافر حرام.
(و) يعزى (الكافر) الذمي (بالمسلم: "غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك") لما ذكرناه.
ولا يقال: (أعظم الله أجرك) إذ لا أجر له، ولم يذكر تعزيةَ الكافر بالكافر؛ لأنها غير مستحبة، بل هي جائزة، كما اقتضاه كلام "الروضة" و"أصلها".
وقضية كلام "التنبيه" وغيره: استحبابها، قالوا: وصيغتها: (أخلف الله
الجزء: 1 - الصفحة: 463
وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ، وَالنَّوْحُ، وَالْجَزَعُ بِضَرْبِ صَدْرهِ وَنَحْوِهِ. قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ: يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَوَصِيتِهِ. وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ
عليك، ولا نقص عددك) لأن ذلك ينفع المسلمين في الدنيا بكثرة الجزية، وفي الآخرة بالفداء من النار، كما ورد في الحديث 502.
(ويجوز البكاء عليه) أي: على الميت (قبل الموت) بالإجماع (وبعده) للاتباع 503، لكن قبله أولى، وقال ابن الصباغ: بعده مكروه، وقال الشيخ أبو حامد: ممنوع.
(ويحرم الندب بتعديد شمائله) مع البكاء؛ كقولهم: واكهفاه، واجبلاه، وإدخال (الباء) على التعديد ليس بجيد؛ لأن الندب هو تعديد الشمائل نفسُه، ولهذا عبرا في "الشرحين" و"الروضة" بقولهما: والندب هو تعديد الشمائل 504.
(والنوح) وهو: رفع الصوت بالندب (والجزع بضرب صدره ونحوه) كشق الجيب، ونشر الشعر، وتسويد الوجه؛ للنهي عن جميع ذلك 505.
(قلت: هذه مسائل منثورة: يبادر بقضاء دين الميت) مسارعة إلى فكاك نفسه، وقد صحح ابن حبان وغيره: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُتَعَلِّقَة بِدَيْنهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" 506.
(ووصيته) مسارعة إلى وصول الثواب له، والبرّ للموصى له.
(ويكره تمني الموت لضر نزل به) في بدنه، أو ضيق دنياه؛ لصحة النهي عنه 507،
الجزء: 1 - الصفحة: 464
لَا لِفِتْنَةِ دِينٍ. وَيُسَنُّ التَّدَاوِي، وَيُكْرَهُ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لِأهْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ تَقْبِيلُ وَجْهِهِ
(لا لفتنة دين) أي: فلا يكره حينئذ؛ كما في "الأذكار"، و"شرح المهذب"، وفي "فتاوي المصنف" غير المشهورة: أنه يستحب تمني الموت حينئذ، ونقله عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز 508، قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن تمنيه بالشهادة في سبيل الله من القرب؛ كما صح عن عمر وغيره، ونقل عن معاذ: أنه تمناه في طاعون عَمَواس 509.
(ويسن التداوي) لحديث: "تَدَاوَوْا فَإِنَّ الله لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ له دَوَاءً" صححه ابن حبان والحاكم 510.
قال في "شرح المهذب": (فإن تركه توكلًا .. فهو فضيلة) 511، ونقل القاضي عياض الإجماع على عدم وجوبه، لكن حكى المتولي وجهًا بأنه إذا كان به جرح يخاف منه التلف .. وجب عليه التداوي.
(ويكره إكراهه) أي: المريض (عليه) أي: على استعمال الدواء؛ للنهي عنه 512.
(ويجوز لأهل الميت ونحوهم) كأصدقائه (تقبيل وجهه) لأنه عليه السلام قبّل عثمانَ بن مظعون بعد موته، وقبّل الصديقُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أيضًا 513،
الجزء: 1 - الصفحة: 465
وَلَا بَأْسَ بِالإِعْلَامِ بِمَوْتهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، بِخِلَافِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إِلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ. وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ .. يُمِّمَ، وَيُغَسلُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْمَيِّتَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِذَا مَاتَا .. غُسِّلَا غُسْلا فَقَطْ. وَلْيَكُنِ الْغَاسِلُ أَمِينًا، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا .. ذَكَرَ، أَوْ
وقال الروياني: إنه يستحب، وقيل: يستحب للقريب دون غيره، قال السبكي: وينبغي أن يندب لأهله ونحوهم، ويجوز لغيرهم، وفي زوائد "الروضة" في أوائل النكاح: ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح 514، فقيده بالصالح.
(ولا بأس بالإعلام بموته للصلاة) عليه (وغيرها) كالمُحالَلَة والدعاء 515، بل في "شرح المهذب": أنه يستحب ذلك بالنداء ونحوه؛ لأنه عليه السلام نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلّى فصلّى 516.
(بخلاف نعي الجاهلية) وهو: النداء بذكر مفاخره ومآثره؛ فإنه يكره؛ للنهي عنه 517.
(ولا ينظر الغاسل من بدنه إلا قدر الحاجة من غير العورة) لأنه قد يكون فيه شيء يكره طلوع الناس عليه، وربما رأى سوادا ونحوه فيظنه عذابًا فيسيء به ظنًّا، فإن نظر .. كان مكروهًا، أما العورة .. فنظرها حرام.
(ومن تعذر غسله) لفقد الماء، أو احتراق، أو لَذْع، ولو غسل .. لتهرّى، أو خيف على الغاسل ولم يمكنه التحفظ ( .. يمم) قياسًا على الجنابة.
(ويغسل الجنب والحائض الميت بلا كراهة) لأنهما طاهران؛ كغيرهما (وإذا ماتا .. غسّلا غسلًا فقط) لأن الغسل الذي كان عليهما قد انقطع بالموت، (وليكن الغاسل أمينًا) لأن غيره لا يوثق به في تكميل الغسل وغيره من المشروع، وكذا مُعِين الغاسل.
(فإن رأى خيرًا .. ذكره) ليكون أدعى إلى كثرة المصلين عليه، والدعاء له، (أو
الجزء: 1 - الصفحة: 466
غَيْرَهُ .. حَرُمَ ذِكْرُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ. وَلَوْ تنَازَعَ أَخَوَانِ أَوْ زَوْجَتَانِ .. أُقْرِعَ، وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ. ويُكْرَهُ الْكَفَنُ الْمُعَصْفَرُ، وَالْمُغَالَاةُ فِيهِ، وَالْمَغْسُولُ أَوْلَى مِنَ الْجَدِيدِ.
غيره .. حرم ذكره) لأنه غيبة، وقد ثبت الأمر بالكف عن مساوئ الموتى 518.
(إلا لمصلحة) بأن كان مبتدعًا يتظاهر ببدعته؛ فإن الغاسل يذكر ذلك؛ زجرًا للناس عنها، قال في "شرح المهذب": وينبغي اطراده في المتجاهر بالفسق والظلم 519، قال الأذرعي: والوجه: أنه إن رأى أمارة خير من مبتدع .. أن يكتمها؛ لئلا يغوى بها، بل لا يبعد إيجاب الكتمان لا سيما في المظهر والداعي إليها؛ لئلا يحمل الناس على الإغواء بها، ويستحب: كتمانها من المجاهر بالفسق والظلم؛ لئلا يغتر بذكرها أمثاله.
انتهى.
وحينئذ ينبغي أن يكون قول المصنف: (إلا لمصلحة) عائدًا للأمرين.
(ولو تنازع أخوان أو زوجتان) في الغسل ولا مرجح بينهما ( .. أقرع) قطعًا؛ للنزاع، (والكافر أحق بقريبه الكافر) في تجهيزه؛ لأنه وليّه.
(ويكره الكفن المعصفر) للمرأة، أما الرجل .. فيحرم عليه كحياته، كذا قاله المنكت وابن الملقن وغيرهما، وهو [معترض] 520، فإن المذهب: أنه يجوز للرجل لبس المعصفر دون المزعفر، وحينئذ يجوز تكفين الرجل في المعصفر ولكن مع الكراهة 521.
(والمغالاة فيه) للنهي عنه؛ كما رواه أبو داوود 522، (والمغسول أولى من الجديد) لأن الصديق رضي الله عنه أوصى أن يكفن في ثوبه الخلق وزيادة ثوبين، وقال: (الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للصديد) رواه البخاري 523.
الجزء: 1 - الصفحة: 467
وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ في تَكْفِينهِ بِأَثْوَابٍ. وَالْحَنُوطُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِب. وَلَا يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ إِلَّا الرِّجَال وَإِنْ كَانَتْ أُنْثى، وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، وَهَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا. وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ. وَلَا يُكْرَهُ الركُوبُ في الرُّجُوعِ مِنْهَا. وَلَا بَأْسَ بِاتِّبَاعِ الْمُسْلِمِ جِنَازَةَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ اللَّغْطُ في الْجِنَازَةِ
(والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب) لأنه ذكر، فأشبه البالغ.
(والحنوط مستحب) وليس بواجب؛ كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوتُه، (وقيل: واجب) لأنه المنقول من عهده عليه السلام وإلى زماننا.
(ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثى) لضعف النساء عن العمل.
(ويحرم حملها على هيئة مزرية) كحملها في قُفَّة ونحوها، (وهيئة يخاف منها سقوطها) لأنه تعريض لإهانته.
(ويندب للمرأة ما يسترها؛ كتابوت) ويقال له: المِكَبَّة، وهو: ما يوضع على سرير المرأة ويُغطَّى بثوب؛ ليسترها، وأول من فُعل له ذلك زينبُ زوجة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانت قد رأته بالحبشة لَمَّا هاجرت، وأوصت به 524.
(ولا يكره الركوب في الرجوع منها) لفعله له عليه السلام؛ كما رواه مسلم 525.
وقضيته: أنه يكره في الذهاب معها، وهو كذلك إلا لمعذور؛ لبعد القبر، أو ضعف.
(ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر) لأمره عليه السلام عليًّا أن يواري أبا طالب؛ كما رواه أبو داوود 526، ولا يكره، خلافًا للروياني 527، ولا يحرم زيارة قبره على الأصحِّ في "شرح المهذب" 528.
(ويكره اللغط) وهو رفع الأصوات (في الجنازة) لكراهة الصحابة له؛ كما رواه البيهقي 529، ولا يرفع صوته بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكر في الموت
الجزء: 1 - الصفحة: 468
وَإِتْبَاعُهَا بِنَارٍ. وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكُفَّارٍ .. وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ، فَإِنْ شَاءَ .. صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ بِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الأَفْضَلُ وَالْمَنْصُوصُ، أَوْ عَلَى واحدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِيًا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيَقُولُ: (اللهُمَّ؛ اغْفِرْ لَهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا). وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ: تقدُّمُ غُسْلِهِ -وَتكرَهُ قَبْلَ تَكْفِينهِ-
وما يتعلق به، وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وغيره .. فحرام يجب إنكاره، قاله في "شرح المهذب" 530.
(وإتْباعُها بنار) بنحو مِجْمَرة فيها بَخُور بالإجماع؛ كما ذكره ابن المنذر؛ لما فيه من التفاؤل القبيح 531.
(ولو اختلط مسلمون) أو مسلم (بكفار .. وجب غسل الجميع والصلاة) لأن غسل المسلم واجب، وهو لا يتحقق إلا بذلك.
(فإن شاء .. صلّى على الجميع) صلاة واحدة (بقصد المسلمين، وهو الأفضل والمنصوص) لأنه ليس فيها صلاة على كافر حقيقة، والنية جازمة، (أو على واحد فواحد ناويًا الصلاة عليه إن كان مسلمًا، ويقول: "اللهم؛ اغفر له إن كان مسلمًا") ويعذر في تردد النية؛ للضرورة؛ كمن نسي صلاةً من الخمس، ويدفنون بين مقابر المسلمين والكفار.
ولو اختلط الشهداء بغيرهم من المسلمين .. تخير بين الجمع والإفراد، وإذا صلّى على واحد .. لم يقل: "اللهم؛ اغفر له إن كان غير شهيد"، بل يطلق، قاله البُلْقِيني، وهو ظاهر.
(ويشترط لصحة الصلاة: تقدم غسله) أو تيممه بشرطه؛ لأنه المنقول، ولأنه كالإمام.
(وتكره قبل تكفينه) كذا قاله في "زيادة الروضة" 532، واستشكل؛ لأن المَعنيين
الجزء: 1 - الصفحة: 469
فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ .. لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. ويُشْتَرَطُ أَلَّا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَا الْقَبْرِ عَلَى الْمَذْهَب فِيهِمَا. وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ في الْمَسْجِدِ، وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفهِمْ ثَلَاثة فَأَكْثَرَ. وَإِذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ .. صلَّى، ...
السابقين موجودان فيه، فالقول بأن الغسل شرط دون التكفين .. يحتاج إلى دليل.
(فلو مات بهدم ونحوه وتعذر إخراجه وغسله .. لم يصل عليه) لفوات الشرط.
(ويشترط ألا يتقدم على الجنازة الحاضرة، ولا القبر على المذهب فيهما) لما جرى عليه الأولون؛ كما في الإِمام، والثاني: يجوز المتقدم عليها؛ لأن الميت ليس بإمام متبوع حتى يتعين تقديمه.
واحترز بـ (الحاضرة): عن الغائبة التي هي وراء المصلّي؛ فإنه يجوز.
(وتجوز الصلاة عليه في المسجد) لأنه عليه السلام صلّى على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد؛ كما رواه مسلم 533.
بل الصلاة عليه في المسجد أفضل؛ كما قاله في "زيادة الروضة"، قال: وحديث: "مَنْ صلَّى عَلَى جِنَازَةٍ في الْمَسْجِدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ" .. ضعيفٌ 534.
نعم؛ إن خيف منه تلويث المسجد .. فلا يجوز.
(ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر) لحديث: "مَنْ صلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثة صُفُوفٍ .. فَقَدْ أَوْجَبَ" أي: حصلت له المغفرةُ، صححه الحاكم، وفي رواية: "فَقَدْ غُفِرَ لَهُ" 535.
(وإذا صُلّي عليه فحضر من لم يصلّ .. صلّى) لأنه عليه السلام صلّى على قبور جماعة، ومعلوم أنهم إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم 536.
الجزء: 1 - الصفحة: 470
وَمَنْ صَلَّى .. لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ. وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ في الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. وَلَوْ نَوَى الإِمَامُ صَلَاةَ غَائِبٍ، وَالْمَأْمُومُ صَلَاةَ حَاضِرٍ، أَوْ عَكَسَ .. جَازَ. وَالدَّفْنُ في الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا
(ومن صلّى .. لا يعيد على الصحيح) أي: لا تستحب له الإعادة وإن صلّى منفردًا؛ لأن صلاة الجنازة لا يتنفل بها، والثاني: تستحب الإعادة؛ كغيرها، والثالث: إن صلّى منفردًا ثم وجد جماعةً .. استحبت الإعادة معهم؛ لحيازة فضيلتها، وإلا .. فلا، وقيل: تحرم الإعادة، وإذا قلنا بالصحيح فأعادها .. صحت نفلًا على الصحيح في "شرح المهذب" 537، وقيل: فرضًا.
وفائدة الخلاف: جواز الخروج منها، وفيه احتمال لوالد الروياني 538.
(ولا تؤخر لزيادة مصلين) للأمر بإسراع الجنازة 539.
نعم؛ لا بأس بانتظار وليها إن لم يُخش تغيرُها.
(وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة) لحديث: "الصَّلَاةُ وَاجِبَة عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ" رواه البيهقي، وقال: هو أصحُّ ما في الباب، إلا أن فيه إرسالًا 540، والمرسل حجة إذا اعتضد بأحد أمور؛ منها: قول أكثر أهل العلم، وهو موجود هنا.
(ولو نوى الإِمام صلاة غائب والمأموم صلاة حاضر، أو عكس .. جاز) لأن اختلاف نيتهما لا يضر؛ كما لو صلى الظهر وراء مصلّي العصر.
(والدفن في المقبرة أفضل) لكثرة الدعاء له بتكرر الزائرين والمارّين، وفي "فتاوى القفال": إن الدفن في البيت مكروه.
(ويكره المبيت بها) لما فيها من الوحشة.
الجزء: 1 - الصفحة: 471
وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). وَلَا يُفْرَشُ تَحْته شَيْءٌ وَلَا مِخَدَّةٌ. وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ في تَابُوب إِلَّا في أَرْضٍ نَدِيَّةٍ أَوْ رِخْوَةٍ. وَيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، وَغَيْرُهُمَا أَفْضلُ
(ويندب ستر القبر بثوب) عند إدخال الميت؛ لأنه أستر، لما عساه أن ينكشف مما كان يُحبّ سترَه، (وإن كان الميت رجلًا) 541 لما ذكرناه، (وأن يقول) الذي يُدخله القبر: ("باسم الله، وعلى ملة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم") للاتباع؛ كما صححه ابن حبان والحاكم 542.
(ولا يفرش تحته شيء ولا مخدة) بل يكره؛ لأن فيه إضاعةَ مال.
(ويكره دفنه في تابوت) بالإجماع؛ لأنه بدعة (إلا في أرض ندية أو رخوة) فلا يكره، وتنفذ وصيته به في هذه الحالة؛ للمصلحة، ويكون التابوت من رأس المال، كذا جزما به 543.
وفي "فتاوى القفال": أنه إذا أوصى بأن تجعل على رأسه عمامة، ويجعل في تابوت، ويوضع تحت رأسه فراش ووسادة .. أن كلّ ذلك يعتبر من الثلث.
(ويجوز الدفن ليلًا) لأن عائشة وفاطمة والخلفاء الراشدين ما عدا عليّا رضي الله عنهم دفنوا ليلًا، وقد فعله عليه السلام؛ كما صححه الحاكم 544.
(ووقتَ كراهة الصلاة إذا لم يتحره) لأن له سببًا متقدمًا أو مقارنًا، وهو الموت، وحديث عقبة بن عامر في النهي عن ذلك محمول على التحري في تلك الأوقات 545، وهو أن يقصد التأخير لها مع التمكن منه قبلها أو بعدها، (وغيرهما أفضل) أي:
الجزء: 1 - الصفحة: 472
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ بُنِيَ في مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ .. هُدِمَ. ويُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصَىً، وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَر أَوْ خَشَبَةٌ، وَجَمْعُ الأَقَارِبِ في مَوْضِعٍ،
الدفن في غير هذين الوقتين أفضلُ، بشرط: ألا يخاف من تأخيره بالليل إلى النهار ومن وقت الكراهة إلى غيرها تغيرا.
(ويكره تجصيص القبر) أي: تبييضه (والبناء) عليه (والكتابة عليه) للنهي عن ذلك، ولا بأس بتطيين القبر، نص عليه 546.
(ولو بني في مقبرة مسبلة .. هدم) 547 لما فيه من التضييق على الناس، قال الشافعي: وإن كان البناء في ملكه، فإن لم يكن محظورًا .. لم يكن مختارًا.
وبناء القبور بالآجرّ ونحوه مكروه أيضًا؛ كما اقتضاه كلام الحضرمي شارح "التنبيه".
(ويندب أن يرش القبر بماء) للاتباع 548؛ حفظا للتراب أن ينهار، وتفاؤلًا بتبريد المضجع.
وخرج بالماء: ماء الورد فإنه يكره؛ لأنه إضاعة مال، ويكره أيضًا: أن يطلى بالخَلوق.
(ويوضع عليه حصىً، وعند رأسه حجر أو خشبة) للاتباع 549.
(وجمع الأقارب في موضع) لأنه أسهل على الزائر.
الجزء: 1 - الصفحة: 473
وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ، وَقِيلَ: تُباحُ، ويُسَلِّمُ الزائِرُ وَيَقْرَأُ وَيَدْعُو. وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ -وَقِيلَ: يُكْرَهُ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ.
(وزيارة القبور للرجال) بالإجماع، كما نقله في "شرح المهذب" 550، ويستحب الوضوء لزيارة القبور، كما قاله القاضي الحسين في "شرح الفروع"، (وتكره للنساء) لأنها مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلوب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب.
ويستثنى: زيارة قبره صلّى الله عليه وسلّم على ما دلّ عليه كلامهم في الحج حيث قالوا: يستحب لكل من حج: أن يزور قبره صلى الله عليه وسلم، وألحق الدَّمَنْهُوري به قبور الأنبياء، والشهداء، والصالحين.
(وقيل: تحرم) لحديث: "لَعَنَ الله زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" صححه الترمذي 551، (وقيل: تباح) إذا لم يخش محذورًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مرّ بامرأة عند قبر تبكي على صبي، فقال لها: "اِتَّقِي الله وَاصْبِرِي" 552، فلو كانت الزيارة حراما .. لنهاها عنها.
(ويسلّم الزائر) للاتباع 553، (ويقرأ ويدعو) له عقب القراءة، رجاءَ الإجابة، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة.
(ويحرم نقل الميت) قبل دفنه من بلد (إلى بلد آخر) لأن فيه تأخير دفنه، وتعريضًا لهتك حرمته، ولو أوصى بنقله .. لم تنفذ وصيته، (وقيل: يكره) إذ لم يرد على تحريمه دليل.
(إلا أن يكون بقرب مكة أوالمدينة أو بيت المقدس) أي: فإنه ينقل إليها؛ لفضلها (نصّ عليه) وهذا ظاهر إن لم يوجب النقلُ تغيرًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 474
وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنَّقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ دُفِنَ بلَا غُسْلٍ، أَوْ في أَرْضٍ أَوْ ثَوبٍ مَغْصُوبَيْنِ، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مالٌ، أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، لَا لِلَتكفِينِ في الأَصَحِّ
ولو كان بقرب قرية أهلها صالحون .. فلا يبعد أن يلتحق بالأماكن الثلاثة، قاله المحب الطبري، وقال أيضًا: إنه لو أوصى بنقله من بلد موته إلى الأماكن الثلاثة .. لزم تنفيذُ وصيته، وعزاه إلى بعض أصحابنا باليمن، قال الأَذْرَعي: وليكن الفرض عند القرب وأمن التغير، لا مطلقًا.
(ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام) لأن فيه هتكًا لحرمة الميت (إلا لضرورة بأن دفن بلا غسل) ولا تيمم بشرطه؛ لأنه واجب فاستدرك عند فوته، ومحله: ما لم يتغير، قال الماوردي: بالنتن، وقال القاضي أبو الطيب: بالتقطع.
(أو في أرض أو ثوب مغصوبين) ليصل المستحق إلى حقه، والكفن الحرير كالمغصوب، قال في "زيادة الروضة": وفيه نظر، وينبغي القطع فيه بعدم النبش 554.
(أو وقع فيه) أي: في القبر (مال) وإن قلّ؛ لأن تركه إضاعةُ مالك، (أو دفن لغير القبلة) استدراكا للواجب؛ إذ التوجيه للقبلة واجب على الأصحِّ، ومحله: ما لم يتغير، فإن تغير .. لم ينبش.
(لا للتكفين في الأصح) لأن غرض التكفين الستر، وقد حصل بالتراب مع ما في النبش من الهتك، والثاني: ينبش؛ كالغسل بجامع الوجوب.
وينبش أيضًا في صور: منها: أن يبتلع في حياته مالًا لغيره، ثم مات، وطلب صاحبه الرد .. شقّ جوفه ورد، قال في "العدة": إلا أن يضمن الورثةُ مثلَه أو قيمته، فلا ينبش على الأصحِّ، قاله في "أصل الروضة"، وقال في "شرح المهذب": ما في "العدة" غريب، والمشهور: إطلاق الشق من غير تفصيل، ولو بلع مالك نفسه ومات .. لم يخرج على الأصح في "زيادة الروضة" 555، ومنها: لو دفنت المرأة وفي بطنها جنين ترجى حياتُه .. نبشت وشقّ جوفها، ومنها: لو قال: إن ولدت ذكرًا .. فأنت طالق طلقة، أو أنثى .. فطلقتين، فولدت ميتا ودفن وجهل حاله، فالأصحُّ من
الجزء: 1 - الصفحة: 475
وَيُسَنُّ أَنْ تَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تهيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ في الأَكْلِ، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
"زوائد الروضة" في الطلاق: نبشه 556، ومنها: أن يلحقه سيل أو نداوة، فينبش لينقل على الأصحِّ في "شرح المهذب" 557.
(ويسن أن تقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت) 558 لأنه عليه السلام كان إذا فرغِ من دفن الميت .. وقف عليه وقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآن يُسْأَل" رواه أبو داوود، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد 559.
ويستحب تلقين الميت عند دفنه، لحديث ورد فيه 560، قال في "الروضة": والحديث وإن كان ضعيفًا لكنه اعتضد بشواهد من الأحاديث "الصحيحة" ولم يزل أهل الشام على العمل به من العصر الأول، وفيهم من يقتدى به، ولا يلقن الطفل ونحوه 561.
(ولجيران أهله) ولأقاربه الأباعد (تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم) لقوله عليه السلام لَمَّا جاء قتل جعفر: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ" صححه الحاكم 562، ولو كان الميت في بلد آخر .. فالمخاطَب جيرانُ أهله؛ كما دلّ عليه كلامه.
(ويلح عليهم في الأكل) استحبابًا؛ لأنه ربما تركوه استحياء، أو لفرط الجزع.
(ويحرم تهيئته للنائحات، والله أعلم) لأنه إعانة على معصية، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا، وجمع الناس عليه .. فهو بدعة غير مستحبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 476