كتابُ اللُّقَطة
يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ - وَقِيلَ: يَجِبُ - وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاتِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ
(كتاب اللُّقَطة)
هي بضم اللام وفتح القاف على المشهور، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات: لُقَاطة، ولُقْطة بضم اللام وسكون القاف، ولُقَطة بضم اللام وفتح القاف ولقط بفتح اللام وسكون القاف 1.
قال الأزهري: وهي مختصة بغير الحيوان من الأموال، والحيوان يُسمَّى ضالة 2.
وهي مجمع على جوازها في الجملة.
(يستحب الالتقاط لواثق بأمانة نفسه) لما فيه من البرَّ، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وفي مسلم: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" 3.
(وقيل: يجب) لأن حرمة مال المسلم كدمه، فيجب صونه، وعلى هذا: لو تركه حتى تلفت العين .. أثم ولا ضمانَ، نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الأئمة 4.
(ولا يستحب لغير واثق) قطعًا؛ خشيةَ التضييع، أو الخيانة، (ويجوز في الأصحِّ) لأن خيانته لم تتحقق، وعليه الاحتراز، والثاني: المنع؛ خشيةَ استهلاكها.
(ويكره لفاسق) كيلا تدعوَه نفسه إلى الخيانة، وهي كراهة تنزيه؛ كما عزاه الرافعي لإطلاق الجمهور، وزعم أن الغزالي تفرّد بالتحريم، واعترض: بأنه ظاهر
الجزء: 2 - الصفحة: 491
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الالْتِقَاطِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلَامِ.
كلام كثير من العراقيين، وبه جزم الشيخ نصر المقدسي، وابن يونس 5.
(والمذهب: أنه لا يجب الإشهاد على الالتقاط) كالوديعة، والثاني: يجب؛ لحديث عِياض بن حِمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً .. فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوِي عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ" رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه ابن حبان 6.
والأول: حمله على الاستحباب.
والطريق الثاني: القطع بالأول.
وفي كيفية الإشهاد وجهان: أصحهما في "زيادة الروضة": أنه يشهد على أصلها، ويذكر بعض صفاتها ولا يستوعبها.
وفائدة الإشهاد: أنه ربما طَمِعَ فيها بعد ذلك، فإذا أشهد .. لم يقدر على ذلك، وأيضًا قد يموت قبل مجيء صاحبها فيأخذها الوارث، فإذا أشهد .. أمن.
(وأنه يصحُّ التقاط الفاسق) كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على أن المغلَّب في اللقطة الاكتسابُ فيصحُّ، أو الولايةُ والأمانةُ فلا يصحُّ.
قال الأَذْرَعي: والمراد بالفاسق: الذي لا يوجب فسفُه حَجْرًا عليه في ماله.
انتهى، وفيه نظر.
(والصبيِّ) لما ذكرناه في الفاسق، والمجنونُ في ذلك كالصبي، نصّ عليه، وجرى عليه العراقيون وغيرهم، وكذا السفيه.
(والذميِّ في دار الإسلام) ترجيحًا لمعنى الاكتساب، والثاني: لا؛ كما أنه لا يحيي فيها مواتًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 492
ثُمَّ الأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ، وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ رَقِيبٌ. وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ
والطريق الثاني: القطع بالأول، قال الرافعي: وربما شرط في التجويز: كونه عدلًا في دينه 7.
(ثم الأظهر: أنه ينزع من الفاسق، ويوضع عند عدل) لأن مال ولده لا يقر في يده، فكيف مال الأجانب؟ ! والثاني: لا؛ لحقّ المتملّك، والأصحُّ على هذا: أنه يضم إليه مشرف.
ومحلُّ الخلاف: إذا لم تكن العين معرّضةً للضَّياع، فإن كان ممن لا تؤمن غائلته وذهابه بالعين .. انتزعت منه قطعًا، قاله في "البسيط".
(وأنه لا يعتمد تعريفه، بل يضم إليه رقيب) عدل؛ خشيةً من التفريط في التعريف، والثاني: يعتمد؛ لأنه الملتقط.
وإذا تم التعريف .. فللملتقط التملك، قال الماوردي: ويشهد عليه الحاكم بغُرْمِها إذا جاء صاحبها 8، فإن لم يتملكها .. كانت في يد الأمين، قال الماوردي: ولو كان الملتقط أمينًا، لكنه ضعيف لا يقدر على القيام بها .. لم تنزع منه، وعضّده الحاكم بأمين 9.
والذميّ في ذلك كالفاسق؛ كما قاله البغوي، وأقراه 10.
(ويَنزع الولي لقطة الصبي) والمجنون والسفيه وجوبًا؛ لحقه وحقِّ المالك، وتكون يدُه نائبةً عنه كما نابت في ماله، ويستقل بذلك اتفاقًا، لكن عبارة الشافعي: ضمها القاضي إلى وليّه، وفعل فيها ما يفعله الملتقط 11، وأوّلت بما إذا رفعت إليه، وقال ابن الرفعة: إنه الأحوط، ولو قيل باشتراطه .. لم يبعد؛ لظاهر النصّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 493
وَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ الاقْتِرَاضُ لَهُ، وَيَضْمَنُ الْوَليُّ إِنْ قَصرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ. وَالأَظْهَرُ: بُطْلَانُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ .. كَانَ الْتِقَاطًا.
(ويعرِّف) الولي، ولا يعطى مؤنة التعريف من مال الصبي، بل يراجع الحاكم ليبيع جزءًا من اللقطة.
وأفهم: أنه لا يصحُّ تعريف الصبي، وهو المذهب، وقال الدارمي: يصحُّ إذا كان معه الولي.
(ويتملكها للصبي) ونحوه (إن رأى ذلك؛ حيث يجوز الاقتراض له) لأن تملك اللقطة كالاستقراض، فإن لم ير التملك .. حفظه أمانةً أو دفعه إلى القاضي.
(ويَضمن الولي إن قصر في انتزاعه حتى تلف في يد الصبي) ونحوه؛ لتقصيره؛ كما لو احتطب فتركه حتى تلف أو أتلف.
وأشار بقوله: (قصّر) إلى أنه إذا لم يشعر بها وأتلفها الصبي .. فإن الصبي يضمنها، لا إن تلفت في يده في الأصحِّ.
(والأظهر: بطلان التقاط العبد) إذا لم يأذن له السيد فيه ولم ينهه عنه؛ لأن اللقطة أمانة وولاية ابتداءً، وتمليك انتهاءً، وليس هو أهلًا لذلك، والثاني: يصحُّ؛ كاحتطابه واحتشاشه.
فإن أذن له فيه .. فالأقوى في "الشرح الصغير" صحته قطعًا، وإن نهاه عنه .. فأقوى الطريقين في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا يصحُّ قطعًا 12.
ويستثنى من إطلاق المصنف: التقاطُ العبد نُثَارَ الوليمة؛ فإنه يصحُّ ويملكه سيده، ذكره في "الروضة" آخرَ (الوليمة) 13.
(ولا يُعَتدّ بتعريفه) إذا أبطلنا التقاطه؛ لأنه غير ملتقِط، وهي مضمونة عليه، فإن صححناه .. صحَّ ولو بغير إذن السيد في الأصحِّ؛ لأن له قولًا صحيحًا.
(فلو أخذه سيده منه .. كان التقاطًا) من السيد، فيعرّف ويتملك، ويسقط
الجزء: 2 - الصفحة: 494
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَب كِتَابَةً صَحِيحَةً وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَهِيَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً .. فَلِصَاحِبِ الَنَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ
الضمان عن العبد على الأصحِّ؛ لأن يد العبد إذا لم تكن يدَ التقاط .. كان الحاصلُ في يده ضائعًا بعدُ، والأجنبيُّ في هذا كالسيد؛ كما نقله الرافعي عن أكثر الأصحاب 14.
ولو لم يأخذه السيد منه، بل أقره بيده واستحفظه ليعرّفَه؛ فإن كان أمينًا .. جاز ولا ضمانَ في الأصحِّ، وإلا .. فهو متعد بذلك.
(قلت: المذهب: صحة التقاط المكاتب كتابةً صحيحةً) كالحر؛ لأنه يملك ما بيده ويتصرّف فيه، وله ذمة صحيحة يمكن مطالبته متى شاء المالك، مع أن اللقطة اكتساب يستعين بها على أداء النجوم.
وفي قول: أنه لا يصحُّ التقاطه؛ لأنه يحتاج إلى الحفظ حولًا وإلى التعريف، وذلك تبرّع ناجز، والملك موهوم، وقيل: يصحُّ، وقيل: لا قطعًا، بخلاف القنّ؛ فإن السيد ينزعه منه، ولا ولاية للسيد على مال المكاتب مع نقصانه.
واحترز بالصحيحة: عن الفاسدة؛ فإنه كالقن.
وقيل: تطرد الطرق.
(ومَنْ بعضعه حر) أي: المذهب: صحة التقاطه؛ لأنه كالحر في الملك والتصرف في الذمة، وقيل: على القولين في القنّ، وقيل: يصحُّ في قدر الحرية قطعًا، وفي الباقي الطريقان.
(وهي له ولسيده) بحسب الحرية والرق؛ كحرين التقطا مالًا، فيعرف هو والسيد ويتملكانها.
(فإن كانت مهايأة) بالهمز، وهي: المناوبة ( .. فلصاحب النوبة في الأظهر) بناءً على دخول الكسب النادر في المهايأة، والثاني: بناءً على عدم دخوله فيها.
فعلى الأظهر: من وقعت في نوبته .. عرّفها وتملّكَها.
(وكذا حكمُ سائر النادر من الأكساب) كالهبة، والوصية، والصدقة، والرِّكاز،
الجزء: 2 - الصفحة: 495
وَالْمُؤَنِ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في بيان لقط الحيوان وغيره وتعريفها]
الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ، أَوْ بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ وَظَبْيٍ، أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ؛ إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ .. فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ،
(و) النادرِ من (المؤن) كأجرة الطبيب والحجّام، ففي دخولها في المهايأة القولان، والأظهر: نعم.
(إلا أرشَ الجناية، والله أعلم) فإنه لا يدخل، فلو جنى المبعض في نوبة أحدهما .. لم يختص بوجوب الأرش؛ لأن الأرش يتعلق بالرقبة، وهي مشتركة، ونقل الإمام في (باب صدقة الفطر): اتفاقَ العلماء عليه 15.
(فصل: الحيوان المملوك المُمْتَنِع من صغار السباع) كالذئب والنمر والفهد؛ كما ذكره الجرجاني وغيره (بقوةٍ؛ كبعير وفرس) وبقر وبغل وحمار، (أو بعَدْو؛ كأرنب وظبي، أو طيرانٍ؛ كحمام: إن وُجِد بمفازة .. فللقاضي) أو منصوبه (التقاطهُ للحفظ) لأن له ولايةً على مال الغائبين، وكان لعمر رضي الله عنه حظيرة يحفظ فيها الضوال، رواه مالك 16.
وتعبيره بـ (المملوك): يخرج الكلب المقتنى، والصحيح: جواز التقاطه، ويعرف كونه مملوكًا: بآثار الملك؛ من كونه موسومًا، أو مُقَرَّصًا ونحوه.
والمفازة: هي المهلكة، قيل: سمّيت به على القَلْبِ؛ تفاؤلًا، وأنكره ابن القطاع وقال: إنما سمّيت به من فاز: إذا هلك، فعلى هذا: هي مفعلة من الهلاك.
(وكذا لغيره) من الآحاد (في الأصحِّ) المنصوص؛ صيانةً لها عن الخونة، والثاني: لا؛ إذ لا ولاية للآحاد على مال الغير.
الجزء: 2 - الصفحة: 496
وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ، وَإِنْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ .. فَالأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ. وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمَفَازَةِ.
وجعل الماوردي محلَّ الخلاف: إذا لم يَعرِف مالكَه، فإن عرفه .. كان له أخذه قطعًا ليرده عليه، ويكون أمانة في يده، نقله عنه في "الكفاية" وأقره 17.
ومحلُّه أيضًا: في زمن الأمن، أما زمنُ النهب .. فيجوز التقاطها قطعًا.
(ويحرم التقاطه للتملك) لقوله صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل: "مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا" 18، وقيس الباقي عليها بجامع إمكان عيشه في البر بلا راعٍ.
والمعنى فيه: أن من أضلّ شيئًا .. طلبه حيث ضيّعه، فلو أخذه للتملك .. ضَمِنه، ولا يبرأ بردّه إلى موضعه، فإن دفعه إلى القاضي .. برئ على الأصحِّ في "الشرح" و "الروضة" 19.
ويستثنى من إطلاقه: زمن النهب والفساد، فيجوز أخذها للتملّك قطعًا في الصحراء وغيرها، قاله المتولي، وأقراه 20.
(وإن وُجد بقرية) أو بموضع قريب منها أو ببلد ( .. فالأصحُّ: جواز التقاطه للتملّك) لأنها في العمارة تضيع بأخذ الخونة، بخلاف المفازة؛ فإن طُروقها لا يعمّ، والثاني: المنع؛ كالمفازة؛ لإطلاق الحديث.
وللأول أن يقول: سياقه يقتضي: المفازة؛ بدليل: "دَعْهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ" 21.
(وما لا يمتنع منها) أي: من صغار السباع (كشاة)، وعجل، وفصيل، وكسير الإبل والخيل ( .. يجوز التقاطه للتملك في القرية والمفازة) سواء القاضي وغيره؛ صونًا لها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الشاة: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 497
وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَةٍ؛ فَإِنْ شَاءَ .. عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ، أَوْ أَكَلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ .. فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الأُولَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ فِي الأَصَحِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لَا يُمَيزُ،
(ويتخير آخذه من مفازة، فإن شاء .. عرَّفه وتملّكه، أو باعه) بإذن الحاكم إن أمكن استئذانه على الأصحِّ (وحفظ ثمنه وعرَّفها ثم تملّكه، أو أكله وغرم قيمته إن ظهو مالكه) أما في الأولى .. فبالقياس على غيرها، وأما الثانية .. فلأنه إذا جاز الأكل .. فالبيع أولى، وأما الثالثة .. فبالإجماع؛ كما حكاه ابن عبد البر 23.
وقوله: (عرَّفها) يعني: عرف اللقطة، ولم يقل: (عرفه) لئلا يتوهم عوده إلى الثمن، وقوله: (ثم تملّكه) أي: الثمنَ، وقوله: (أو أكله) يعني: الشيءَ الملتقَطَ.
وظاهر كلامه: استواء الخصال الثلاث، لكن الخصلة الأولى أولى من الثانية، والثانية أولى من الثالثة.
(فإن أخذ من العُمران .. فله الخصلتان الأوليان، لا الثالثةُ في الأصحِّ) لسهولة البيع، بخلاف الصحراء، ولمشقة نقلها إلى العمران، والثاني: له الأكل أيضًا؛ كما في الصحراء.
وهذا في المأكول، أما الجحش الصغير ونحوه مما لا يؤكل .. فكالمأكول في الإمساك والبيع، ولا يجوز تملكه في الحال في الأصحّ، بل يعرّفه سنة كغيره.
وحكايةُ الخلاف وجهين تبَع فيه "المحرر"، والذي في "الشرح" و"الروضة" قولان 24.
(ويجوز أن يلتقط عبدًا لا يميّز) كسائر الأموال، فإن ميّز والوقتُ آمنٌ .. فلا يجوز التقاطه؛ لأنه يستدل على سيده، وإن كان زمنَ نهب .. جاز.
والأمةُ في ذلك كالعبد، إلا أن الأمة لا تُلتَقط للتملك إلا إذا كانت لا يحل له وطؤها؛ كالمجوسيّة والمَحْرَم، فإن حلّت .. امتنع على الأظهر، كما أنه لا يجوز له تملُّكُها بالقرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 498
وَيَلْتَقِطَ غَيْرَ الْحَيَوَانِ؛ فَإِنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ؛ كَهَرِيسَةٍ؛ فَإِنْ شَاءَ .. بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ .. تَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ .. وَجَبَ الْبَيع. وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلَاجٍ كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ؛ فَإنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ .. بِيعَ، أَوْ فِي تجْفِيفِهِ وَتبَرَّعَ بِهِ الْوَاجدُ .. جَفَّفَهُ، وَإِلَّا .. بِيعَ بَعْضُهُ لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي. وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ أَبَدًا .. فَهِيَ أَمَانَةٌ،
(ويلتقطَ غير الحيوان) من الجمادات؛ كالنقود وغيرها؛ لئلا يضيع بتركه (فإن كان يَسرُع فساده؛ كهريسة؛ فإن شاء .. باعه) بإذن الحاكم؛ كما مر (وعرّفه ليتملك ثمنه، وإن شاء .. تملّكه في الحال وأكله) لأنه مُعرَّض للهلاك، فيتخير فيه؛ كالشاة، ولا يجيء الإمساك هنا؛ لتعذره.
(وقيل: إن وجده في عمران .. وجب البيع) لتيسره، والأصحُّ: المنع؛ كما لو وجده في الصحراء.
(وإن أمكن بقاؤه بعلاج؛ كرطب يتجفّف؛ فإن كانت الغِبطة في بيعه .. بيع) جميعُه بإذن الحاكم (أو في تجفيفه وتَبرّع به الواجد .. جففه، وإلا .. بيع بعضُه لتجفيف الباقي) طلبًا للأحظ، ويُخالِف الحيوانَ حيث يباع جميعه؛ لأن نفقته تتكرر فتستوعبه.
وقوله: (الواجد): ليس بقيد، بل غيره في معناه.
والمراد بالبعض: ما يساوي مؤنة التجفيف.
ولا يشترط كون الملتَقَط مملوكًا، فلو التقط كلبًا .. اختص بالانتفاع به بعد التعريف، وكذا الخمر المحترمة.
ويشترط في اللقطة شروطٌ أخرُ: أن يكون شيئًا ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة، ونحوهما؛ ليخرج ما إذا ألقت الريح ثوبًا في حِجْره، وأن يوجد في موات أو شارع أو مسجد؛ ليخرج ما إذا وجد في أرض مملوكة؛ فإنها للمالك، وهكذا إلى أن تنتهي إلى المحيي، فإن لم يدَّعه .. فحينئذ تكون لقطة، وأن يكون في دار الإسلام أو دار الحرب وفيها مسلمون، أما إذا لم يكن فيها مسلم .. فما يوجد فيها غنيمةٌ، خمسها لأهل الخمس، والباقي للواجد.
(ومن أخذ لقطة للحفظ أبدًا) وهو أهل للالتقاط ( .. فهي أمانة) أبدًا، وكذا
الجزء: 2 - الصفحة: 499
فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي .. لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُوجِب الأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً .. لَمْ يَصرْ ضَامِنًا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ أَخَذَ بِقَصْدِ خِيَانَةٍ .. فَضامِنٌ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
درُّها ونسلها؛ لأنه يحفظها لمالكها، فأشبه المودَع.
(فإن دفعها إلى القاضي .. لزمه القَبول) لأنه ينقلها من أمانة إلى أمانةٍ أوثقَ منها، بخلاف الوديعة من غير ضرورة لا يلزمه القَبول على الأصحِّ؛ لأنه قادر على الردِّ إلى المالك.
(ولم يوجب الأكثرون التعريفَ والحالةُ هذه) لأن الشرع إنما أوجبه لِما جعل له التملك بعده، وصحح الإمام والغزالي وغيرهما وجوبه 25؛ لئلا يفوت الحقُّ بالكتمان، وقال في "الروضة": إنه الأقوى والمختار، وفي "شرح مسلم": إنه الأصحُّ 26، قال السبكي: ولك أن تقول: الكتمان إنما يكون إذا طلب فكتم، وبدونه لا يكون كتمانًا.
(فلو قصد بعد ذلك) أي: بعد أخذها للحفظ (خيانةً .. لم يصر ضامنًا في الأصحِّ) بمجرد القصد؛ كالمودَع، فإن انضم إلى القصد استعمالٌ أو نقلٌ من مكان إلى مكان .. صار ضامنًا؛ كالوديعة، والثاني: يصير ضامنًا؛ إذ سبب أمانته مجرد نيته، وإلا .. فأخْذُ مال الغير بغير إذنه ورضاه مقتضٍ للضمان، بخلاف المودَع؛ فإنه مسلَّط مؤتمن من جهة المالك.
(وإن أخذ بقصد خيانة .. فضامن) عملًا بقصده المقارنِ لفعله، (وليس له بعده أن يُعرّف ويتملكَ على المذهب) نظرًا للابتداء؛ كالغاصب 27، قال في "أصل الروضة": وهذا ما قطع به الجمهور 28.
والطريق الثاني: فيه وجهان، وعليهما اقتصر الرافعي في "الشرح الصغير"؛
الجزء: 2 - الصفحة: 500
وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ .. فَأَمَانَةٌ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ فِي الأَصَحِّ. وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا وَعِفَاصهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ يُعَرِّفُهَا
أحدُهما: هذا، والثاني: أن له التملّكَ؛ لوجود صورة الالتقاط والتعريف.
(وإن أخذ ليُعرّف ويتملكَ) بعد التعريف ( .. فأمانة مدةَ التعريف) كالمودع، (وكذا بعدها ما لم يختر التملّكَ في الأصحِّ) كما قبلَ: مدة التعريف، هذا ما ذكره الأصحاب، وقال الإمام والغزالي: تصير مضمونة عليه إذا كان عزمُ التملّك مطردًا وإن لم تجر حقيقته 29؛ لأنه صار ممسكًا لنفسه؛ كالمستام.
وما تقدم مبنيّ على أنها لا تملك بمضي السنة، فإن قيل به فتلفت .. تلفت من ضمانه لا محالةَ.
(ويَعرِف) هو بفتح الياء من المعرفة، وهو العلم، وذلك عَقِبَ الأخذ، قاله المتولي وغيره (جِنسَها) أَذَهَبٌ هي أم غيرُه، ونوعَها؛ أهروية أم مروية (وصفَتها) صحيحة أم مكسّرة، ورقة الثوب وصفاقَته (وقَدْرَها) بعدٍّ أو كيل أو وزن، أو ذَرْع (وعفاصَها) وهو: الوعاء من جلد وغيره (ووكاءها) وهو: ما تشدّ به من خيط أو غيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا" 30.
وقيس الباقي عليه؛ ليعرف ما يتميّزُ به ويعرف صدق واصفها، ولئلا تختلط بماله.
ومعرفة هذه الأمور مستحبة لا واجبةٌ على الصحيح، ويستحبُّ تقييدها بالكتابة؛ خوفَ النسيان.
(ثم يُعرّفها) بضم الياء، وهذا التعريف واجب إن قصد التمليك قطعًا، وإلا .. فعلى ما سبق.
وله تعريفها بنفسه وبمأذونه، لكن لا يسلمها له إلا بإذن الحاكم.
ويشترط: أن يكون المعرِّف مأمونًا غيرَ معروف بالخلاعة والمجون.
وقوله: (ثم يُعرّفها): قد يُفهم: أنه لا يجب المبادرة إلى التعريف عَقِبَ
الجزء: 2 - الصفحة: 501
فِي الأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا سَنَةً عَلَى الْعَادَةِ؛ يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتمَرِّقَةٌ فِي الأَصحِّ.
الالتقاط، وهو الأصحّ في "أصل الروضة" 31، بل المعتبر: تعريف سنة متى كان.
(في الأسواق وأبواب المساجد) عند خروج الناس منها؛ لأنه أقرب إلى وجود صاحبها.
وقد يفهم: أنه لا يجوز تعريفها داخل المساجد، وبه صرح القاضي الحسين والماوردي، وحكى فيه الاتفاق، لكن استثنى الماوردي المسجد الحرام؛ فإنه يجوز فيه التعريف على الأصحِّ؛ اعتبارًا بالعرف وأنه مَجمَع الناس، لكن في "شرح المهذب" في (باب الغسل) ذكر: أن تعريفها في المسجد مكروه 32، فاقتضى الجواز.
(ونحوِها) من المجامع والمحافل؛ لما ذكرناه من كونه أقربَ إلى وجود صاحبها.
(سنةً) لحديث زيد بن خالد في ذلك، والمعنى فيه: أن السنة لا تتأخر فيها القوافل، وتمضي فيها الفصول الأربعة.
ولو وجد اثنان لقطة .. هل يعرفانها سنةً؛ أحدُهما نصفَها والآخرُ نصفَها، أو يُعرِّف كلٌّ منهما سنةً؛ لأنه في النصف كلقطة كاملة؟ فيه احتمالان لابن الرفعة، قال: والأشبه: الثاني، وقال السبكي: إن الأشبه: الأول؛ لأن قسمتها تكون عند التملك لا قبله، فتكون في يدهما، ويعرفانها سنة.
(على العادة) فلا يشترط استيعاب السنة كلِّها، ولا يعرف ليلًا ولا وقتَ الهواجر (يعرف أولًا كلَّ يوم طرفَي النهار، ثم كلَّ يوم مرة، تم كلَّ أسبوع) مرةً أو مرتين، (ثم في كلِّ شهر) مرةً بحيث إنه لا ينسى أنه تكرار لما مضى، وإنما جعل التعريفُ في الأزمنة الأُوَلِ أكثرَ؛ لأن تَطلّبَ المالك فيها أكثر.
(ولا تكفي سنة متفوقة في الأصحِّ) بأن يعرف شهرًا ويتركَ شهرًا؛ كما صوّرها
الجزء: 2 - الصفحة: 502
قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا وَلَا تلزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ،
بعضهم، أو اثني عشر شهرًا من اثنتي عشرة سنةً؛ كما صورها آخرون؛ لأن المفهوم من السنة في الخبر: التوالي 33؛ كما لو حلف لا يكلم زيدًا سنة، ولأن القصد بلوغ الخبر إلى المالك، وبالتفريق يختل هذا القصد.
وعبارة "المحرر": (الأحسن)، ولم يصرح في "الشرحين" بترجيح، بل نقل هذا عن الإمام ومقابلَه عن العراقيين 34.
(قلت: الأصحُّ: تكفي، والله أعلم) لإطلاق الخبر، وكما لو نذر صوم سنة؛ فإنه يجوز تفريقها، ولا بدَّ على هذا: أن يبيّن في التعريف زمان الوِجدان حتى يكون ذلك في مقابلة ما جرى من التأخير، ذكره الإمام، قال: وتساهل بعض الأصحاب فجعل ذكر التاريخ مستحبًا 35 هذا كلُّه في الموجود في دار الإسلام.
أما الموجود في دار الحرب؛ فإن أمكن كونه لمسلم .. وجب تعريفه، ثم بعده هو غنيمة وقيل: هو للواجد، وأما صفة التعريف .. فقال الشيخ أبو حامد: يُعرّف يومًا أو يومين، ويَقرُب منه قول الإمام: يكفي بلوغ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار، وفي "المهذب" و"التهذيب": يعرف سنة، ذكره الشيخان كلَّه في (باب السير) 36.
(ويذكر بعض أوصافها) في التعريف؛ لأنه أقرب إلى الظَّفَر بالمالك، وهذا مستحب لا شرط في الأصحِّ.
واحترز بقوله: (بعض أوصافها) عن كلِّها؛ فإنه لا يستوعبها ولا يبالغ فيها؛ لئلا يعتمدها الكاذب، فإن فعل .. ضمن على الأصحِّ من "زوائد الروضة" 37.
(ولا تلزمه مؤنة التعريف إن أخذ لحفظ) وقلنا: يجب التعريف؛ إذ الحظّ لمالكها
الجزء: 2 - الصفحة: 503
بَلْ يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَقْتَرِضُ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ .. لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ .. فَعَلَى الْمَالِكِ. وَالأَصحُّ: أَنَّ الْحَقِيرَ لَا يُعَرَّفُ سَنَةً، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا
فقط، (بل يرتّبها القاضي من بيت المال) قرضًا؛ كما قاله ابن الرفعة، فظاهرُ كلام المصنف: خلافه، (أو يقترضُ على المالك)، أو يأمر الملتقط به ليرجع، كما في هرب الجمال، وإذا قلنا: لا يجب التعريف والحالة هذه؛ فإن عرّف .. فهو متبرع.
(وإن أخذ للتملك .. لزمته) لأن الحظ له، (وقيل: إن لم يتملك .. فعلى المالك) لعود الفائدة إليه، ولو قصد الأمانة أوّلًا ثم قصد التملك .. ففيه الوجهان؛ نظرًا إلى منتهى الأمر ومستَقَرّه.
وظاهر كلامه تبعًا لـ "أصله" 38 أنه إذا تملك ثم ظهر المالك ورجع فيها .. لم يجئ هذا الوجه، وتعبير "الشرحين" و"الروضة": بـ (ظهور المالك) 39: يشمل ظهوره بعد التملك، قال السبكي: وهو أحسن؛ فإنه متى ظهر قبل التملك أو بعده .. رجع بها على هذا الوجه، قال: فلو قال "المنهاج": (وقيل: إن ظهر المالك فعليه) .. لكان أخلص 40.
(والأصحُّ: أن الحقير لا يُعرَّف سنة) لأن فاقده لا يدوم على طلبه سنةً، بخلاف الخطير، والثاني: يعرف سنة كالخطير؛ لإطلاق الحديث 41، واختاره السبكي وقال: إنه المشهور في المذهب، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب المنصوص وقول الجمهور.
(بل) الأصحُّ: تعريفه (زمنًا يُظَن أن فاقده يعرض عنه غالبًا) ويختلف ذلك باختلاف المال، قال الروياني: فدانقُ الفضة يُعرَّف في الحال، ودانق الذهب يُعرَّف يومًا أو يومين أو ثلاثة.
الجزء: 2 - الصفحة: 504
فصلٌ [في تملك اللقطة وغرمها وما يتبعها]
إِذَا عَرَّفَ سَنَةً .. لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظٍ كَتَمَلَّكْتُ، وَقِيلَ: تَكْفِي النّيَّةُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ.
وتعبيره يقتضي: أن التعريف في زمن إعراض الفاقد، وليس كذلك، وإنما هو في زمن فقد الإعراض، فإذا جاء زمن الإعراض .. انتهى التعريف.
وعبارة "الشرحين" و"الروضة": مدةً يُظَن في مثلها طلبُ فاقده له، فإذا غلب على الظن إعراضه .. سقط 42، فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (إلى زمن يظن أن فاقده يعرض عنه)، فيجعل ذلك الزمن غايةً ليترك التعريف، لا ظرفًا للتعريف.
ومقابل الأصحِّ: يكفي مرة؛ لأنه يخرج بها عن حدِّ الكتمان، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: لا يجب تعريف القليل أصلًا.
وكلُّ هذا إذا لم يبلغ في القلة إلى حدٍّ لا يتمول، فإن بلغ ذلك؛ كحبة بُرّ وزبينة .. لم يجب تعريفه، ويستبدّ به واجده.
نعم؛ هل يزول ملك صاحبه عنه إذا وقع منه؟ فيه وجهان في "الوافي".
والأصحُّ في ضابط الحقير: أنه لا يتقدر، بل ما غلب على الظن أن صاحبه لا يكثر أسفه عليه ولا يطول طلبه له غالبًا.
(فصل: إذا عَرّف سنة) أو دونها في الحقير (لم يملكها حتى يختاره بلفظ؛ كـ"تملكت") ونحوه؛ لأنه تمليك مال ببدل، فافتقر إلى ذلك؛ كالشفيع، (وقيل: تكفي النية) أي: تجديدُ قصد التملك؛ إذ اللفظ إنما يعتبر حيث يكون إيجابٌ، (وقيل: يملك بمضي السنة) بعد التعريف؛ لما في "مسلم": "فَإِنْ جَاءَ صاحِبُهَا .. فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، وَإِلَّا .. فَهِيَ لَكَ" 43.
الجزء: 2 - الصفحة: 505
فَإِنْ تَمَلَّكَ فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَيْنِهَا .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا .. أُجِيبَ الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ تَلِفَتْ .. غَرِمَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلُّكِ، وإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ .. فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الأَرْشِ فِي الأَصَحِّ. وإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ وَلَمْ يَصِفْهَا وَلَا بَيِّنَةَ .. لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ،
ومحلُّ هذا الوجه: إذا قصد بالأخذ في الابتداء التملك بعد المدة، فإن قصد الحفظ واستمر حتى انقضت المدة .. لم يملك به قطعًا؛ كما صرح به صاحب "التقريب" والماوردي وغيرهما 44، قال الإمام: ولو أطلق الالتقاط .. احتمل أن يملك إن غلّبنا الكسب 45.
(فإن تملك فظهر المالك واتفقا على رد عينها .. فذاك) إذ الحقُّ لا يعدوهما، (وإن أرادها المالك وأراد الملتقط العدول إلى بدلها .. أجيب المالك في الأصحّ) كالقرض، وفي "الصحيحين": "فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ .. فَأَدِّهَا إِلَيْه" 46، والثاني: يجاب الملتقط؛ لأنه ملكها؛ كما قيل به في القرض.
(فإن تلفت .. غرم مثلَها) 47 إن كانت مثلية (أو قيمتَها) إن كانت متقومة؛ لأنه تملُّك يتعلق به العوض، فأشبه البيع (يومَ التملك) لأنه وقت دخولها في ضمانه.
(وإن نقصت بعيب) طرأ بعد التملك ( .. فله أخذها مع الأرش في الأصحِّ) للأصل المقرر: أن ما ضُمِن كلُّه بالتلف .. ضُمِن بعضُه عند النقص، والثاني: يقنع بها بلا أرش؛ لأن النقصان حصل في ملكه، فلا يضمنه.
(وإذا ادعاها رجل ولم يصفها ولا بينةَ) يثبت بها المال ولو شاهدًا ويمينًا ( .. لم تُدفَع إليه) لحديث: "لَوْ أعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ... " الحديث 48.
نعم؛ لو علم الملتقِط أنها له .. لزمه الدفع إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 506
وإِنْ وَصَفَهَا وَظَنَّ صِدْقَهُ .. جَازَ الدَّفْعُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيَّنَةً بِهَا .. حُوِّلَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ .. فَلِصاحِبِ الْبيِّنَةِ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ وَالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيحِ،
(وإن وصفها وظن صدقه .. جاز الدفع) عملًا بظنه.
هذا إذا كان الواصف واحدًا، فإن وصفها جماعة .. قال أبو الطيب: أجمعنا على أنها لا تسلم لهم.
(ولا يجب على المذهب) لأنه مدعٍ فيحتاج إلى بينة، كغيره، وقيل: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجب؛ لأن إقامة البينة عليها قد تعسر.
واحترز بقوله: (فظن صدقه) عما إذا لم يغلب على الظن صدقه؛ فإنه لا يجب الدفع اتفاقًا، وكذا لا يجوز على المشهور.
(فإن دفع) بالوصف (فأقام آخرُ بها بينة .. حولت إليه) لأن البينة حجة توجب الدفع، فقدمت على الوصف المجرد، (فإن تلفت عنده .. فلصاحب البينة تضمين الملتقط) لأنه سلّم ما لم يكن له تسليمُه، هذا إذا دفعه بنفسه، فإن ألزمه به حاكم يراه .. فلا ضمانَ عليه؛ لعدم تقصيره، (والمدفوعِ إليه) لأنه أخذ ما لم يكن له أخذهُ، (والقرارُ عليه) أي: على المدفوع إليه؛ لتلفه في يده.
نعم؛ لو كان الملتقط قد أَقَرّ للواصف بالملك ثم غرم .. لم يرجع على المدفوع إليه؛ لأنه يزعم أن المدعي ظلمه، فلا يظلم الغير، وتوقف فيه ابن أبي الدم.
(قلت: لا تحل لقطة الحرم للتملك على الصحيح) بل للحفظ أبدًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا تلتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا" متفق عليه 49.
وفي رواية للبخاري: "لَا تَحِلُّ لُقَطَته إِلَّا لِمُنْشِدٍ" 50، قال الشافعي: أي:
الجزء: 2 - الصفحة: 507
وَيَجِبُ تَعْرِيفهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
لمعرِّف، ولم يوقت في التعريف سنة كغيرها، فدلَّ على أنه أراد التعريف على الدوام، وإلا .. فلا فائدة في التخصيص، وقد أخرج عليه الصلاة والسلام هذا الكلام في سياق تفضيل الحرم، وبذلك يحصل التمييز بينه وبين سائر البلاد.
والمعنى فيه: أن حرم مكة -شرفها الله تعالى- مثابةٌ للناس يعودون إليه مرةً بعد أخرى، فربما يعود من أضلها أو يبعث في طلبها؛ فكأنه جعل ماله بها محفوظًا عليه؛ كما غلظ الدية فيها.
والثاني: تحلُّ؛ لأنها نوع كسب، فاستوى فيه الحلُّ والحرم؛ كغيرها.
والمراد بالخبر: أنه لا بدَّ من التعريف، كسائر البلاد؛ لئلا يُتَوّهم الاكتفاء بتعريفها في الموسم فقط؛ لكثرة الناس وبعد العود في طلبها من الآفاق.
وعلى الأول: ففي لقطة عرفة ومسجد إبراهيم عليه السلام وجهان في "الحاوي"، أحدهما: أنها كلقطة الحرم؛ لأنها مجمع الحاج، والثاني -وصححه في "الانتصار"-: أنها ليست كلقطة الحرم؛ لأن ذلك من خصائص الحرم 51.
(ويجب تعريفها قطعًا، والله أعلم) ولا يجيء فيها الوجه المارُّ فيمن التقط للحفظ؛ للحديث 52، ونقل في "الروضة" عن الأصحاب: أنه يلزمه الإقامة للتعريف أو دفعها للحاكم 53.
الجزء: 2 - الصفحة: 508
كتابُ اللَّقيط الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الالْتِقَاطِ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ
﴿كتاب اللقيط﴾
هو اسم للطفل الذي يوجد مطروحًا في شارع ونحوه وليس ثَمّ من يدّعيه.
ولقيط: بمعنى ملقوط فعيل بمعنى مفعول؛ كجريح، وقتيل.
واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
وقد كان معروفًا في الأمم الماضية، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
(التقاط المنبوذ) أي: المطروحِ (فرض كلفاية) صيانةً للنفس المحترمة عن الهلاك، قال بعضهم: ومن تركه .. فهو داخل في قتل النفس.
وكلامه قد يفهم: اختصاصه بغير المميز وأن المميز لا يُلتَقط؛ فإن المنبوذ هو الذي نُبذ دون التمييز، لكن قال الرافعي: الأوفق لكلام الأصحاب: أنه يلتقط؛ لحاجتهَ إلى التعهد والتربية 54، قال السبكي: والبالغ المجنون في ذلك كالصبي.
(ويجب الإشهاد عليه في الأصحِّ) لئلا يضيع نسبه، والثاني: لا بل يستحب؛ اعتمادًا على الأمانة؛ كاللقطة.
وفرق الأول: بأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ولا تعريفَ في اللقيط.
والثالث: إن كان الملتقط ظاهرَ العدالة .. لم يجب، وإلا .. وجب.
ومحلُّ الخلاف: إذا قلنا: لا يجب الإشهاد على اللقطة، وإلا .. وجب هنا قطعًا، قاله صاحب "المعين".
(وإنما تثبت ولاية الالتقاط لمكلف حر مسلم عدل رشيد) لأنها ولاية تثبت على
الجزء: 2 - الصفحة: 509
فَلَوِ الْتَقَطَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .. انْتُزِعَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَهُ فَأَقَرَّهُ عِنْدَهُ أَوِ الْتَقَطَ بإِذْنِهِ .. فَالسَّيِّدُ الْمُلْتَقِطُ. وَلَوِ الْتَقَطَ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ كَافِرٌ مُسْلِمًا .. انْتُزِعَ. وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى أَخْذِهِ .. جَعَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ
الغير بالاختيار، فاعتبر فيها الأوصاف المذكورة؛ كولاية القضاء.
وخرج بالمكلف: الصبي والمجنون، وبالحرِّ وما بعده: أضدادُهما، وكأن لفظ العدالة يغني عن التكليف.
وقد أنكر على المصنف: اشتراطه الرشدَ بعد العدالة، وهل ثَم عدل وليس برشيد؟ !
وأجيب: بأنه يتصور بالمبذر؛ فإنه ليس بمؤتمن شرعًا وإن كان عدلًا.
(فلو التقط عبد بغير إذن سيده .. انتزع منه) 55 لأن ذلك تبرّع، وليس هو من أهله، (فإن علمه فأقره عنده أو التقط بإذنه .. فالسيد الملتقط) وهو نائبه في الأخذ والتربية؛ إذ يده كيده، وسواء في ذلك القن، والمدبر، والمعلق عتقه، وأم الولد، وكذا المكاتب على المشهور، والمبعّضُ إذا أخذ في نوبته .. ففي استحقاقه كفالتَه وجهان، قال الأَذْرَعي: أصحهما: المنع.
(ولو التقط صبي أو فاسق أو محجور عليه) بسفه (أو كافر مسلمًا .. انتُزع) لعدم أهلية الصبي والمحجور عليه، وتهمةِ الفاسق، وعدمِ ولاية الكافر على المسلم.
وخرج بالمسلم: المحكوم بكفره، فله التقاطه ولا ينزع منه؛ لأنه أهل لحضانته إذا كان عدلًا في دينه.
وقضيته: جواز التقاط اليهودي للنصراني وعكسِه وإن قلنا: لا يتوارثان، كما يلتقط المسلمُ الكافرَ وإن لم يرثه، قال ابن الرفعة: ولم أره منقولًا، قال الزركشي: ويشبه أنه إذا خالفه في الدين .. لا يقر بيده إذا منعنا من تهوّد النصراني وعكسِه، وهو المذهب.
(ولو ازدحم اثنان على أخذه) فقال كلُّ واحد: أنا آخذه ( .. جعله الحاكم عند
الجزء: 2 - الصفحة: 510
مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ فَالْتَقَطَهُ .. مُنِعَ الآخَرُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِ، وَإِنِ الْتَقَطَاهُ مَعًا وَهُمَا أَهْلٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، وَعَدْلٌ عَلَى مَسْتُورٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا .. أُقْرِعَ.
من يراه منهما، أو من غيرهما) لأنه لا حقَّ لهما قبل الأخذ فيفعل الأحظ له.
(وإن سبق واحد فالتقطه .. منع الآخر من مزاحمته) عملًا بالسبق.
واحترز بقوله: (فالتقطه): عما لو سبقه إلى الوقوف على رأسه ولم يأخذه؛ فإنه لا حقَّ له في الأصحِّ.
(وإن التقطاه معًا وهما أهل) للحضانة ( .. فالأصحُّ: أنه يقدم غني على فقير) لأنه أرفق بالطفل، فربما يواسيه بماله، وقطع به جماعة، والثاني: يستويان، لأن نفقة اللقيط لا تجب على ملتقطه، فلا فرق بين الغني والفقير، ولا عبرةَ بتفاوتهما في الغنى على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 56.
(وعدل على مستور) احتياطًا للقيط، والثاني: هما سواء؛ لأن المستور لا يسلم مزية الآخر، ويقول: لا أترك حقي بأن لم تعرفوا حالي.
(فإن استويا) في الصفات المعتبرة وتشاحّا ( .. أقرع) على النصِّ 57؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، وتركه في يدهما مشق، والمهايأة تضر الطفل؛ لتبدّل الأيدي عليه.
وقد كانت القرعة في الكفالة في شرع مَنْ قبلَنا في قصة مريم، قال الله تعالى ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اقترعت الأحبار على كفالتها بإلقاء أقلامهم، ولم يرد في شرعنا ما يخالفه.
ومن الصفات المقدِّمة: أن يكون محل إقامة أحدهما أرفقَ بالطفل من محلّ الآخر، ويتساوى المسلم والذمي في اللقيط المحكوم بكفره على الأصحِّ.
والمراد بالحضانة هنا: حفظه وحفظ ماله وتربيته، لا الأعمالُ المتقدمة في الإجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 511
وَإِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ .. فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَأَنَّ لِلْغَرِيبِ إِذَا الْتَقَطَ بِبَلَدٍ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِبَادِيَةٍ .. فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَدَوِيٌّ بِبَلَدٍ .. فَكَالْحَضَرِيِّ، أَوْ بِبَادِيَةٍ .. أُقِرَّ بِيَدِهِ،
(إذا وجد بلدي لقيطًا ببلد .. فليس له نقلُه إلى بادية) لخشونة عيشها، وتفويته العلمَ والصنعة، وقيل: لضياع النسب؛ فإن ظهور نسبه في موضع التقاطه أغلب، فلو قَرُبت البادية من البلد بحيث يحصل ما يراد منها؛ فإن عللنا بخشونة العيش .. لم يمنع، وإن عللنا بضياع النسب؛ فإن كان أهل البلد يخالطون أهلَ ذلك الموضع .. لم يمنع، وإلا .. منع، وحينئذ، فيجب استثناء هذه الصورة من إطلاق المصنف، وكذا ليس له نقله من مدينة إلى قرية ولا من قرية إلى بادية.
(والأصحُّ: أن له) أي: الملتقطِ (نقلَه إلى بلد آخرَ) بناءً على العلة الصحيحة، وهي مراعاة المعيشة، والثاني: يمتنع، بناءً على الثانية؛ كما لو نقله إلى بادية.
ومحلُّ الجواز: عند أمن الطريق وتواصل الأخبار، وإلا .. لم يجز قطعًا.
(وأن للغريب إذا التَقَطَ ببلد أن ينقله إلى بلده) للمعنى الأول، والثاني: لا؛ للمعنى الثاني.
والخلاف في غريب عُرِفت أمانته، أما من جهل حاله .. لم يقر بيده قطعًا، ولا حاجة لذكره هذه المسألةَ؛ لدخولها في المسألة قبلها، وحيث منعناه .. نزعنا اللقيط من يده، قال الأَذْرَعي: كذا أطلقوه؛ اكتفاءً بظاهر حاله وأنه مسافر لا إقامة له، فلو التزم الإقامة ووثق به .. فالوجه: عدم نزعه.
(وإن وجده) البلدي (ببادية .. فله نقله إلى بلد) وإلى قرية، لأنه أرفق به، وقيل: وجهان، بناءً على المعنيين.
(وإن وجده بدوي ببلد .. فكالحضري) فإن أراد المقام به .. أقر في يده، وإن أراد نقله إلى بادية أو إلى بلد آخر .. فعلى ما تقدّم في البلدي، (أو ببادية .. أُقر بيده) 58 لأنها في حقِّه كبلدة أو قرية، هذا إذا كان من أهل حلة مقيمين بموضع
الجزء: 2 - الصفحة: 512
وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِلنُّجْعَةِ .. لَمْ يُقَرَّ. وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ، أَوِ الْخَاصِّ؛ وَهُوَ: مَا اخْتَصَّ بِهِ؛ كَثيَابٍ مَلْفُوفَةٍ عَلَيْهِ وَمَفْرُوشَةٍ تَحْتَهُ وَمَا فِي جَيْبِهِ مِنْ دَرَاهِمَ وَغَيْرِهَا وَمَهْدِهِ وَدَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ. وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ .. فَهِيَ لَهُ.
راتب، وقيده الإمام: بما إذا تواصلت أخبار الحلتين 59، فإن لم تتواصل .. فوجهان؛ كالبلدين.
(وقيل: إن كانوا ينتقلون للنُّجْعة)، وهي الانتقال في طلب المرعى وغيره ( .. لم يقر) لأن فيه تضييعًا لنسبه، والأصحُّ: أنه يقر؛ لأن أطراف البادية كمحالّ البلدة الواسعة.
(ونفقتُه في ماله) كغيره (العامِّ؛ كوقف على اللقطاء) والوصية لهم، (أو الخاصِّ، وهو ما اختص به؛ كثياب ملفوفة عليه) وملبوسة له (ومفروشة تحته)، وما هو مغطىً به، ودابة عِنانُها بيده، (وما في جيبه من دراهم وغيرها ومهده، ودنانير منثورة فوقه وتحته) لأن له يدًا واختصاصًا؛ كالبالغ، والأصل: الحرية ما لم يعرف غيرها 60.
(وإن وجد في دار) لا يعرف لها مستحق وليس فيها غيره ( .. فهي له) لليد ولا مزاحم.
وفي معنى الدار: الحانوت والخيمة، وفي البستان وجهان طردهما صاحب "المستظهري" في الضَّيعة 61، واستبعده في "زيادة الروضة" وقال: ينبغي القطع بأنه لا يحكم له بها 62.
فلو كان معه في الدار غيره .. هل يمنع من ثبوت يده على شيء منها أو يشتركان فيها؟ لم يتعرضوا له، قال الزركشي: والظاهر: الثاني، وقال الأَذْرَعي: لا شكّ أنا لو وجدنا بها منبوذَين .. كانت لهما باليد.
الجزء: 2 - الصفحة: 513
وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ وَكَذَا ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِقُرْبِهِ فِي الأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
(وليس له مال مدفون تحته) لأنه لا يقصد بالدفن الضم إلى الطفل.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يكون معه رُقْعة مكتوب فيها: أن تحته دفينًا له أو لا، وهو كذلك، كما لو رأينا رقعة مع البالغ؛ فإنه لا يحكم له به، وصحح الغزالي: أنه له؛ لقرينة المكتوب 63.
(وكذا ثياب وأمتعة موضوعة بقربه في الأصحِّ) -أي: حيث يضع الكبير متاعه في العادة- كالبعيدة، ويفارق البالغ؛ لأن له رعايةً، والثاني: أنها له، لأن مثل هذا يثبت اليد والاختصاص في حقِّ البالغ، ألا ترى أن الأمتعة الموضوعة في السوق بقرب الشخص تجعل له.
وعكس الماوردي ذلك؛ فحكم بأن ما يقرب البالغَ ليس له، بخلاف الصبي؛ لأن الكبير يمكنه إمساك ما يقربه، فإذا لم يفعل .. ارتفعت يده عنه، بخلاف الصبي، فجاز أن ينسب إلى ملكه وأنه حكم ما في يده 64.
قال المصنف في "نكته": ومحلُّ الخلاف في المال: إذا لم يكن في دار، فإن كان في دار .. حكمنا له بها، فهو له، ونقله الأَذْرَعي عن تصريح الدارمي.
(فإن لم يُعرف له مال) خاصّ ولا عامّ ( .. فالأظهر: أنه ينفق عليه من بيت المال) مجّانًا من سهم المصالح؛ لأن عمر استشار الصحابة في ذلك، فأجمعوا على أنها في بيت المال 65، وسواء المحكوم بإسلامه وكفره على الأصحِّ؛ إذ لا وجه لتضييعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 514
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِكِفَايَتِهِ قَرْضًا، وَفِي قَوْلٍ: نَفَقَةً. وَلِلْمُلْتَقِطِ الاسْتِقْلَالُ بِحِفْظِ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي قَطْعًا
والقول الثاني: يستقرض له الإمام من بيت المال أو من آحاد الناس، فإن تعذّر .. جمع الأغنياء وعدّ نفسه منهم وقسّطها عليهم؛ لأن مال بيت المال يصرف إلى ما لا وجه له سواه، واللقيط يجوز أن يكون رقيقًا، فنفقته على سيده، أو حرًّا له مال أو قريب، فنفقته في ماله أو على قريبه.
(فإن لم يكن) في بيت المال شيء، أو كان ثَمّ ما هو أهم منه؛ كسد ثغر يعظم ضرره لو ترِك ( .. قام المسلمون بكفايته) إذ لا يحلّ تضييعه (قرضًا) كما يُبذَل الطعام للمضطر بالعوض، فإن بان رقيقًا .. رجعوا على سيده، أو حرًّا وله مال أو قريب .. فالرجوع عليه، فإن لم يكن له قريب ولا مال ولا كسب .. قضى الإمام حقّهم من بيت المال من سهم الفقراء والمساكين والغارمين كما يراه، كذا قاله الرافعي، قال في "زيادة الروضة": اعتباره القريبَ غريبٌ قلَّ من ذكره، وهو ضعيف؛ فإن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان 66.
قال الأَذْرَعي: وهذا الاعتراض ضعيف جدًّا، والرجوع على القريب الموسر بالقرض صحيح؛ فإنه في نفس الأمر اقتراض عليه وإنفاق عنه؛ كما في حقِّ السيد، فلا سقوط.
وممن صرح بالرجوع أصحاب "الحاوي" و"البحر" و"المهذب" و"البيان" 67، وعزي للقاضي الحسين، ولا أحسب فيه خلافًا.
(وفي قول: نفقةً) لأنه محتاج عاجز؛ كالمجنون والصغير والزمِن.
(وللملتقطِ الاستقلال بحفظ ماله في الأصحِّ) لأنه مستقل بحفظ المالك، فمالُه أولى، والثاني: لا بدّ من إذن القاضي؛ لعدم ولايته عليه.
(ولا ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي قطعًا) لأن ولاية المال لا تثبت للقريب غير الأب، والجد، فالأجنبي أولى، فإن أنفق بغير إذنه .. ضمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 515
فصلٌ [في الحكم بإسلام اللقيط]
إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الإِسْلَامِ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَوْ بدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَّارٍ صُلْحًا أَو بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ .. حُكِمَ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ. وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَّارٍ .. فَكَافرٌ إِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ،
وما ادعاه من القطع أشار إليه في "المحرر" تبعًا للإمام، لكن حكى الرافعي فيه خلافًا في (الدعاوى) في (مسألة الظفر) واستغربه، وصرح الماوردي بحكايته هنا 68. والصورة: حيث أمكنه مراجعة الحاكم، وإلا .. أنفق بنفسه بشرط الإشهاد.
(فصل: إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة، أو بدار فتحوها) أي: المسلمون (وأقروها بيد كفار صلحًا أو بعد ملكها بجزية وفيها مسلم) يمكن أن يولد له ذلك اللقيط ( .. حكم بإسلام اللقيط) تغليبًا للدار والإسلام، وفي "مسند الإمام أحمد": "الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى" 69.
وقوله: (وفيها أهل ذمة): ليس بقيد، لكنه يفهم منه الحكم بإسلامه إذا لم يكن فيها من بابٍ أولى، ولو قال: (ولو كان فيها أهل ذمة) .. لكان أوضح.
واحترز بقوله: (وفيها مسلم): عما إذا لم يكن فيها مسلم؛ فإنه كافر على الأصحِّ.
(وإن وجد بدار كفار .. فكافر إن لم يسكنها مسلم) إذ لا مسلم يحتمل إلحاقه به.
الجزء: 2 - الصفحة: 516
وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ .. فَمُسْلِمٌ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةً بِنَسَبهِ .. لَحِقَهُ وَتبَعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى المدَّعْوَى .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِيَ الْكُفْرِ، وَيُحْكَمُ بإِسْلَامِ الصبِيِّ بِجِهَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ: إِحْدَاهُمَا: الْوِلَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ .. فَهُوَ مُسْلِمٌ،
واحترز بقوله: (يسكنها): عن المجتاز؛ فلا أثر له، وقال الفُوراني: إذا اجتاز بها مسلم .. فهو مسلم، فإن أنكره .. قبل في نسبه دون إسلامه.
(وإن سكنها مسلم؛ كأسير وتاجر .. فمسلم في الأصحِّ) تغليبًا للإسلام، والثاني: كافر؛ تغليبًا للدار.
قال الإمام: ويشبه أن يكون الخلاف فيمن ينتشر إلا أنه ممنوع من الخروج من البلدة، أما المحبوس في مطمورة .. فيتجه أنه لا أثر له؛ كما لا أثر للمجتاز 70.
وتعبيره بالسكنى هنا ولم يعتبر السكنى فيما سبق، بل كونه فيها .. ظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون المسلم ساكنًا مستوطنًا، أو مقيمًا لم يرد الاستيطان، أو مجتازًا، قال شيخنا: وهو الظاهر؛ تغليبًا لحرمة دار الإسلام.
(ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينةً بنسبه .. لحقه وتبعه في الكفر) وارتفع ما ظنناه من إسلامه، لأن الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة.
(وإن اقتصر على الدعوى) أي: استلحقه من غير بينة ( .. فالمذهب: أنه لا يتبعه في الكفر) ونسبه ثابت اتفاقًا؛ لأنا قد حكمنا بإسلامه، فلا يغير بمجرد دعوى كافر.
والطريق الثاني فيه: قولان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يتبعه فيه؛ تبعًا لنسبه.
(ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أُخريين لا تفرضان في لقيط) وإنما ذُكرتا في (باب اللقيط) استطرادًا.
(إحداهما: الولادة، فإذا كان أحد أبويه مسلمًا وقتَ العُلوق .. فهو مسلم) بالإجماع؛ لأنه جزء من مسلم، وتغليب الإسلام واجب، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ
الجزء: 2 - الصفحة: 517
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌّ، وَلَوْ عَلِقَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا .. حُكِمَ بِإَسْلَامِه،
بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ}، ولا يضر ما يطرأ بعد العلوق منهما من ردة، (فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد) لأنه كان مسلمًا ظاهرًا وباطنًا.
(ولو عَلِق بين كافرين ثم أسلم أحدهما) قبل بلوغه ( .. حكم بإسلامه) في الحال؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ 71، ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى.
ومن بلغ مجنونًا كالطفل في التبعية، وكذا من جُنّ بعد بلوغه على الأصحِّ.
وذكر ابن حزم الظاهري: أن ولد الكافرة الحربية والذمية من زنا أو إكراه .. مسلم ولا بدّ؛ لأنه وُلِد على الإسلام وليس له أبوان يخرجانه منه 72، ولم يذكر في ذلك خلافًا عن أحد.
وكلام المصنف قد يوهم قصره على الأبوين، وليس كذلك، بل إسلام أحد الأجداد والجدات كذلك، سواء الوارث وغيره؛ كأب الأم إن لم يكن الأب حيًّا، وكذا إن كان على الأقرب في "الرافعي" والأصحِّ في "الروضة"، وقال الشيخ أبو حامد: إنه الأشبه؛ لأن سبب التبعية القرابة، ولا يختلف بحياة الأب وموته كسقوط القصاص، وحد القذف 73، ورجح ابن الرفعة والسبكي مقابله، وهو ما نقله القاضي الحسين عن المذهب وجزم به الحَليمي وغيره، وقال القاضي تقي الدين بن رَزِين: إنه الحق وإنّ كلام الرافعي خارج عن المذهب؛ لأن الجد لا ولاية له في حياة الأب 74.
الجزء: 2 - الصفحة: 518
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا .. فَمُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِر أَصْلِيٌّ. الثَّانِيَةُ: إِذَا سَبَى مُسْلِمٌ طِفْلًا .. تبَعَ السَّابِيَ فِي الإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ،
وهذا كله في ولد موجود قبل إسلام الجد، وكذا فيما انعقد بعد إسلامه؛ كما قاله القاضي الحسين، أما إذا مات الجد والأب حي ثم حدث له بعد ذلك ولد .. قال السبكي: لم أر في المسألة نقلًا، وقد يقال: بعدم الاستتباع؛ لأن الاستتباع يليق بالحي لا بالميت، وقد يقال: بالاستتباع، وتمكين من يحتمل إسلامه من الكفر صعب.
(فإن بلغ ووصف كفرًا .. فمرتد) لسبق الحكم بإسلامه، فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد، (وفي قول: كافر أصلي) لأنه كان محكومًا بكفره أوّلًا وأزيل ذلك بالتبعية، فإذا استقل .. انقطعت التبعية، ووجب اعتباره بنفسه.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يصدر منه بعد البلوغ وصفُ الإسلام، فإن وصفه ثم وصف الكفر .. فمرتد قطعًا.
(الثانية: إذا سبى مسلم طفلًا) أو مجنونًا ( .. تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه أحد أبويه) لأنه صار تحت ولايته؛ كالأبوين، وسواء كان السابي بالغًا أم لا، عاقلًا أو مجنونًا؛ كما نقلاه في (باب قسم الغنيمة) عن البغوي، وجزم به القاضي في "فتاويه" 75.
واحترز بقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): عما إذا كان أحدهما معه؛ فإنه لا يحكم بإسلامه قطعًا؛ فإن تبعيتهما أقوى من تبعية السابي، وصرح به في "المحرر" 76، وعن المزني: أنه مسلم وإن سبي مع الأبوين.
وعلى الأصحِّ: لو مات أبواه بعد سبيه معهما .. استقر كفره ولم نحكم بإسلامه؛ لأن التبعية إنما تثبت في ابتداء السبي.
ومعنى كونه معه أحدُ أبويه: أن يكونا في جيش واحد وغنيمة واحدة، ولا يشترط كونهما في ملك رجل واحد، فإن كانا في عسكرين .. تبع السابي.
الجزء: 2 - الصفحة: 519
وَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ .. لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتِقْلَالًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وقوله: (إن لم يكن معه أحد أبويه): قد يقتضي: أن الأجداد ليسوا كذلك، لكن صرح ابن الرفعة بإلحاق الجد بالأب إذا قلنا: يتبعه في الإسلام 77.
(ولو سباه ذمي .. لم يحكم بإسلامه في الأصحِّ) لأن كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده الإسلام، فغيره أولى، والثاني: يحكم بإسلامه تبعًا للدار.
وعلى الأول: لو سبي أبواه ثم أسلما .. لم يصر مسلمًا بإسلامهما، قاله الحليمي 78.
وينتظم منه لغز فيقال: طفل محكوم بكفره أسلم أبواه ولم يتبعهما في الإسلام.
(ولا يصحُّ إسلام صبي مميز استقلالًا على الصحيح) لأنه غير مكلف، فأشبه غير المميز والمجنون، والثاني: أنه يصحُّ إسلامه، حتى يرثُ من قريبه المسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا عليًّا إلى الإسلام قبل بلوغه فأجابه 79.
وأجاب الأول عن قصة إسلام علي رضي الله عنه: بأن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة؛ كما قاله البيهقي في "المعرفة" 80، وقد روى القاضي أبو الطيب عن الإمام أحمد أن عليًّا كان بالغًا.
والثالث: أنه موقوف، فإن بلغ واستمر على كلمة الإسلام تبينَّا كونه مسلمًا من يومئذ، وإن وصف الكفر .. تبينَّا أنه كان لغوًا، وقد يعبر عن هذا بصحة إسلامه ظاهرًا لا باطنًا، والرابع: أنه لا يصحُّ ظاهرًا ويصحُّ باطنًا إذا أضمره.
وعلى الأول: الأصحِّ: يحال بينه وبين أبويه الكافرين؛ استحبابًا، وقيل: وجوبًا؛ لئلا يفتناه، فإن بلغ ووصف الكفر .. هدد وطولب بالإسلام، فإن أصر .. ردَّ إليهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 520
فصلٌ [في بيان حرية اللقيط ورقه واستلحاقه وتوابع ذلك]
إِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ .. فَهُوَ حُرٌّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ أَحَدٌ بيِّنَةً بِرِقِّهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ .. قُبِلَ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارُهُ بِحُرِّيَّةٍ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَلَّا يَسْبقَ تَصَرُّف يَقْتَضي نُفُوذُهُ حُرِّيَّةً كَبَيعٍ وَنكَاحٍ، بَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي أَصْلِ الرِّقِّ وَأَحْكَامِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا الْمَاضِيَةِ الْمُضِرَّةِ بِغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ،
(فصل: إذا لم يقر اللقيط برق .. فهو حر) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 81؛ لأن الغالب في الناس الحرية، (إلا أن يقيم أحد بينة برقه) فيعمل بها؛ كما سيأتي.
(وإن أقر به) أي: بالرقّ (لشخص فصدقه .. قبل إن لم يَسبق إقراره بحرية) كسائر الأقارير، وفي قول: لا يقبل؛ للحكم بحريته بالدار، فلو كذبه .. لم يثبت الرقُّ، ولو صدقه بعد ذلك؛ فإن سبق إقراره بالحرية بعد البلوغ .. لم يقبل إقراره بعده على الأصحِّ؛ لأنه بالإقرار الأول التزم أحكام الأحرار، فلم يملك إسقاطها.
(والمذهب: أنه لا يشترط) في صحة إقراره بالرقِّ (ألا يسبق تصرف يقتضي نفوذه حريه؛ كبيع ونكاح، بل يقبل إقراره في أصل الرق وأحكامه المستقبلة) فيما له وعليه، أما فيما عليه .. فلأنه أقرّ بحقٍّ عليه فيؤاخذ به؛ كسائر الأقارير، وأما فيما له .. فقياسًا على إقرار المرأة بالنكاح؛ فإنه يصحُّ على الجديد وإن تَضَمَّن ثبوت حقٍّ لها.
وأشار بالتعبير بـ (المذهب): إلى طريقين: أحدهما: القطع بثبوت أحكام الأرقاء في المستقبل، وثانيهما: فيه قولان؛ ثانيهما: أنه يبقى على أحكام الحرية مطلقًا.
(لا الماضيةِ المضرة بغيره في الأظهر) كما لا يقبل الإقرار على الغير بدين ونحوه، والثاني: يقبل؛ لأن الإقرار لا يتجزأ، ويصير إقراره كقيام البينة.
ولو قامت بينة برقه .. قبلت مطلقًا، أما المضرة به .. فتقبل قطعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 521
فَلَوْ لَزِمَهُ دَينٌ فَأَقَرَّ بِرِقٍّ وَفِي يَدِهِ مَالٌ .. قُضِيَ مِنْهُ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيْسَ فِي يَدِهِ بِلَا بيِّنَةٍ .. لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ رَأَيْنَا صَغِيرًا مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الْتِقَاطٍ .. حُكِمَ لَهُ بِالرِّقِّ، فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: (أَنَا حُرٌّ) .. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الأَصَحِّ إلَّا بِبيِّنَةٍ. وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ .. عُمِلَ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تتعَرَّض الْبيِّنَةُ
(فلو لزمه دين فأقر برق وفي يده مال .. قضي منه) ولا يجعل للمقر له بالرقِّ إلا ما فضل عن الدين، فإن بقي من الدين شيء .. اتبع به إذا عتق، وهذا تفريع على عدم القبول فيما يضر غيره، أما إذا قبلناه مطلقًا .. فالمال لمن أقر له بالرقِّ والدينُ في ذمته.
(ولو ادعى رقه من ليس في يده بلا بينة .. لم يقبل) إذ الظاهر الحرية، فلا تترك إلا بحجة، بخلاف النسب؛ فإن قبوله مصلحة للصبي وثبوت حقٍّ له.
(وكذا إن ادعاه الملتقط في الأظهر) لأن الأصل الحريةُ، فلا يزال بمجرد الدعوى، والثاني: يقبل؛ كما لو التقط مالًا وادّعاه ولا منازعَ له.
وفرق الأول: بأن المال مملوك وليس في دعواه تغييرُ صفة له، واللقيط حرٌّ ظاهرًا وفي دعواه تغيير صفته.
(ولو رأينا صغيرًا مميزًا أو غيره في يد من يسترقه) أي: يدعي رقَّه، (ولم يعرف استنادها إلى التقاط .. حكم له بالرق) على الأصحِّ؛ عملًا باليد والتصرف، وقيل: لا؛ كاللقيط، فعلى الأول: لا يؤثر تكذيب المميز على الأصحِّ.
نعم؛ يحلف المدعي وجوبًا، وقيل: ندبًا.
(فإن بلغ وقال: "أنا حر" .. لم يقبل قوله في الأصحِّ إلا ببينة) لأنا قد حكمنا برقه في صغره فلا نرفعه إلا بحجة، لكن له تحليف السيد؛ كما نقلاه عن البغوي وأقراه، وقاله الماوردي أيضًا 82، والثاني: يقبل؛ لأنه الآن من أهل القول، ولا نظر إلى ما حكمنا به من قبلُ.
(ومن أقام بينة برقه .. عُمل بها) لظهور فائدتها، (ويشترط أن تتعوض البينة
الجزء: 2 - الصفحة: 522
لِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ الْمِلْكِ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ .. لَحِقَهُ وَصَارَ أَوْلَى بِتَرْبِيَتِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ .. لَحِقَهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَلْحَقْهَا فِي الأَصَحِّ،
لسبب الملك) من إرث وشراء وغيرهما؛ لئلا يعتمد ظاهر يده وتكون عن التقاط، (وفي قول: يكفي مطلق الملك) كسائر الأموال.
(ولو استلحق اللقيطَ حرٌّ مسلم) ذكر ( .. لحقه) أي: بالشروط السابقة في الإقرار؛ لأنه أقر له بحقٍّ لا ضرر فيه على غيره، فأشبه ما لو أقر له بمال، وحكى الإمام فيه الإجماع 83.
وقوله: (مسلم): لا مفهوم له، فإن للكافر استلحاقَه، ولا يتبعه في كفره؛ كما سبق.
(وصار أولى بتربيته) من اللاقط؛ لأن كفالة الأجنبي للضياع، وقد زالت بوجود الأب.
(وإن استلحقه عبد .. لحقه) لأنه كالحرِّ في أمر النسب؛ لإمكان حصوله منه بنكاح أو وطء شبهة، لكن لا يسلم اللقيط إليه، لأنه لا يتفرغ، ولا نفقة عليه؛ إذ لا مال، فيقر بيد الملتقط وينفق عليه من بيت المال، (وفي قول: يشترط تصديق سيده) لما فيه من قطع الإرث المتوهم على تقدير عتقه.
وأجاب الأول: بأنه لا عبرة بهذا؛ لأن من استلحق ابنًا وكان له أخ .. يقبل استلحاقه.
(وإن استلحقته امرأة .. لم يلحقها في الأصحِّ) لإمكان إقامة البينة بالولادة من طريق المشاهدة، بخلاف الرجل، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 84، والثاني: يلحقه؛ لأنها أحد الأبوين، فصارت كالرجل، والثالث: يلحق بالخليّة دون المزوَّجة؛ لتعذر الإلحاق بها دونه، وإذا لحقها ولها زوج .. لم يلحقه على المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 523
أَوِ اثنانِ .. لَمْ يُقَدَّمْ مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا .. أُمِرَ بِالانْتِسَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ .. سَقَطَتَا في الأَظْهَرِ
(أو) استلحقه (اثنان .. لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد) لأن كلَّ واحد منهما لو انفرد .. كان أهلًا، فأشبه المسلمَين أو الحرَّين.
وكان الأحسن أن يقول: (كافر) لئلا يوهم قصر الحكم على الذمي.
(فإن لم تكن) لواحد منهما (بينة) أو كان لكلِّ واحد منهما بينة ( .. عرض على القائف فيلحق من ألحقه به) لأن لها أثرًا في الأنساب عند الاشتباه؛ كما سيأتي بيانه، حيث ذكره المصنف في آخر (الدعوى والبينات) إن شاء الله تعالى، فإن كان لأحدهما بينة .. قضى بها.
(فإن لم يكن قائف) في البلد أو دون مسافة القصر؛ كما نقله الرافعي في (العدد) عن الروياني وأقره، وسبقه إليه الماوردي 85، وفسره الفوراني بألا يوجد في الدنيا 86، (أو) وجد ولكن (تحيّر، أو نفاه عنهما، أو ألحقه بهما .. أمر بالانتساب بعد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما) بحكم الجبلة لا بمجرد التشهي؛ لأن طباع الولد تميل إلى والده وتَجذِبُه.
وقوله: (بعد بلوغه): هو الصحيح، وقيل: بعد تمييزه ولا يعتبر البلوغ؛ كالحضانة، وهو ظاهر إطلاق "المحرر"، وهو من زيادة الكتاب على "المحرر"، وكذا قوله: (أو ألحقه بهما) 87.
(ولو أقاما بينتين متعارضتين .. سقطتا في الأظهر) لما سيأتي في (باب الدعوى والبينات).
الجزء: 2 - الصفحة: 524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتعبيره بـ (الأظهر): لا يستقيم؛ فإن مقابل التساقط في غير هذا الباب: تستعملان، وفيه أقوال الوقف، القسمة، القرعة، ولا مجيء للأولين هنا قطعًا، ولا للثالث على الأصحِّ؛ لأن القائف أولى من القرعة.
وعبارة "الروضة": (أقام كلُّ واحد بينة بنسبه وتعارضتا، ففي التعارض في الأموال قولان؛ أظهرهما: التساقط، فعلى هذا: تسقطان أيضًا هنا على الصحيح، ويرجع إلى قول القائف، وقيل: لا تسقطان وترجح إحداهما بقول القائف، ولا يختلف المقصود على الوجهين) 88.
الجزء: 2 - الصفحة: 525
كتابُ الجعالة هِيَ كَقَوْلهِ: (مَنْ رَدَّ آبِقِي .. فَلَهُ كَذَا)، وَيُشْتَرَطُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِعِوَضٍ مُلْتَزَمٍ،
﴿كتاب الجعالة﴾
هي مثلثة الجيم؛ كما قاله ابن مالك في "مثلثته"، واقتصر المصنف في "تحريره" و"تهذيبه" على الكسر 89، وهي ما يجعل للإنسان على شيء يفعله.
والأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وكان حمل البعير معلومًا عندهم؛ كالوَسْق، وقد ورد في شرعنا تقريره، وهو حديث رُقية اللديغ على قطيع من الغنم، متفق عليه 90، ولأن الحاجة تدعو إليها في ردّ ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه ولا يجد من يتطوع بردِّه، ولا تصحُّ الإجارة على ردِّه؛ للجهالة بمكانه، فجاز بالجعالة؛ كالإجارة والقِراض.
(هي كقوله) أي: قولِ مطلق التصرف: ("من رد آبقي) أو دابتي الضالةَ ( .. فله كذا") وإن لم يكن فيه خطاب لمعيّن؛ للآية، واحتمل إبهام العامل؛ لأنه ربما لا يهتدي إلى تعيين الراغب في العمل، وإذا صحَّ مع إبهام العامل .. صحَّ مع تعيينه من بابٍ أولى؛ كقوله: (إن رددت عبدي .. فلك كذا)، و (إن رد زيد آبقي .. فله كذا) فإنه يستحقُّ الجعل بردِّه قطعًا.
ويشترط في المجعول له: أهلية العمل فقط؛ كما جزم به الرافعي، حتى يشملُ الصبي والعبد، وبه صرح الماوردي هنا، لكنه خالفه في (السير) فقال: لا يستحقّ الصبي إذا ردَّه، وكذا العبد بغير إذن السيد 91.
(ويشترط: صيغة تدل على العمل بعوض) معلوم مقصود (مُلتزَم) لأنها معاوضة، فافتقرت إلى صيغة تدلُّ على المطلوب وقدر المبذول.
الجزء: 2 - الصفحة: 527
فَلَوْ عَمِلَ بِلَا إِذْنٍ أَوْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فَعَمِلَ غَيْرُهُ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ: (مَنْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ .. فَلَهُ كَذَا) .. اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ قَالَ: (قَالَ زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي .. فَلَهُ كَذَا) -وَكَانَ كَاذِبًا- .. لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى زَيْدٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَامِلِ وَإِنْ عَيَّنَهُ. وَتَصحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَكَذَا مَعْلُومٌ فِي الأَصَحِّ.
(فلو عمل بلا إذن أو أذن لشخص فعمل غيره .. فلا شيء له)، أما الأول .. فلأنه لم يلتزم له المالك عوضًا، فيقع عمله تبرعًا، وسواء عُرِف بردِّ الضوال أم لا، وأما الثاني .. فلأنه لم يلتزم لغير المعين شيئًا.
نعم؛ لو ردَّه عبده .. استحق؛ لأن يد عبده كيده.
(ولو قال أجنبي: "من ردَّ عبدَ زيد .. فله كذا" .. استحقه الرادُّ على الأجنبي) لأنه الجاعل.
(وإن قال: "قال زيد: من ردَّ عبدي .. فله كذا" -وكان كاذبًا- .. لم يستحق عليه) أي: على الفضولي؛ لعدم التزامه، (ولا على زيد) إن كذبه؛ لأنه لم يلتزم له شيئًا، فإن صدقه .. استحقَّ عليه، قاله البغوي، قال الرافعي: وكأنّ هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد خبرُه، وإلا .. فهو كما لو ردّ غيرَ عالم بإذنه والتزامه 92.
(ولا يشترط قبول العامل) لفظًا (وإن عينه) لما فيه من التضييق، بل يكفى الإتيان بالعمل.
(وتصحُّ على عمل مجهول) لأن الجهالة في العمل إذا احتملت في القِراض توصلًا إلى الربح ولا ضرورة .. فهنا أولى.
وأطلق الشيخان صحتها على المجهول، وخصّه ابن الرفعة تبعًا للقاضي حسين: بما إذا لم يمكن الضبط 93، فإن سهل .. تعين، ففي بناء حائط: يذكر موضعه وطوله وسمكه وارتفاعه وما يبنى به، وفي الخياطة: يعتبر وصف الثوب والخياطة، وفي "شرح التعجيز" لمصنفه نحوه.
(وكذا معلوم) كالخياطة والبناء ونحوهما (في الأصحِّ) لأنه إذا جاز مع
الجزء: 2 - الصفحة: 528
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجُعْلِ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَالَ: (مَنْ رَدَّهُ .. فَلَهُ ثَوْبٌ أَوْ أُرْضِيهِ) .. فَسَدَ الْعَقْدُ وَلِلرَّادِّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ
الجهالة .. فمع العلم أولى، والثاني: المنع؛ للاستغناء بالإجارة.
ويشترط في العمل: كونه فيه كلفة، غير واجب عليه، ولا توقيت فيه.
فخرج بالقيد الأول: ما لو قال: (من ردَّ مالي .. فله كذا)، فرده من كان في يده، فإن كان في ردِّه كلفة؛ كالآبق .. استحقَّ الجعل، وإن لم يكن؛ كالدراهم والدنانير .. فلا؛ لأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بالعوض.
وبالقيد الثاني: ما لو قال: (من دلني على مالي .. فله كذا)، فدلَّه مَنِ المالُ في يده .. لم يستحق شيئًا؛ لأن ذلك واجب عليه شرعًا، فلا يأخذ عليه عوضًا، وإن كان في يد غيره فدلَّه عليه .. استحقَّ، لأن الغالب أنه تلحقه مشقة بالبحث عنه.
وبالقيد الثالث: ما لو قال: (من ردَّ آبقي إلى شهر .. فله كذا) فإنه لا يصحُّ؛ كما نقلاه عن القاضي أبي الطيب وأقراه 94.
(ويشترط) لصحة العقد (كون الجُعل معلومًا) لأنه عقد جُوّز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض، بخلاف العمل.
(فلو قال: "من رده .. فله ثوب أو أُرضيه") ونحوه ( .. فسد العقد) لجهالة العوض، (وللراد أجرة مثله) كما في الإجارة الفاسدة، ويستثنى مسألتان:
الأولى: مسألة العلج؛ وهي ما لو قال الإمام: (من دلَّني على قلعة كذا .. فله منها جارية) فإنه يصحُّ، وسيأتي في (السير).
الثانية: ما إذا قال: (حُجّ عني وأعطيك نفقتك) فإنه جائز على ما ذكراه في (كتاب الحج)، لكن نصَّ الشافعي في "الأم" على البطلان 95.
ومنع بعضهم استثناء الثانية وإن قلنا بالجواز، لأن هذا إرزاق لا جعالة، وإنما يكون جعالة إذا جعله عوضًا فقال: (حُجّ عني بنفقتك)، وقد صرح الماوردي في
الجزء: 2 - الصفحة: 529
فَلَوْ قَالَ: (مِنْ بَلَدِ كَذَا) فَرَدَّهُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ .. فَلَهُ قِسْطُهُ مِنَ الْجُعْلِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثنانِ فِي رَدِّهِ .. اشْتَرَكَا فِي الْجُعْلِ. وَلَوِ الْتَزَمَ جُعْلًا لِمُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَلِ؛ إِنْ قَصَدَ إِعَانتَهُ .. فَلَهُ كُلُّ الْجُعْلِ،
(كتاب الحج) في هذه الصيغة: بأنها جعالة فاسدة؛ لجهالة العوض 96.
(فلو قال: "مِن بلد كذا" فرده من أقرب منه .. فله قسطه من الجُعل) 97 إذا صححنا الجعالة على العمل المعلوم، وهو الأصحُّ؛ لأنه جعل كلَّ الجعل في مقابلة العمل، فبعضه في مقابلة البعض، فإن رده من نصف الطريق .. استحق نصف الجعل؛ كذا أطلقوه، ويجب فرضه فيما إذا تساوت الطريق في السهولة والحُزُونة؛ كما أشار إليه ابن الرفعة 98، أما لو تفاوتت؛ بأن كانت أجرةُ النصف في المسافة ضعفَ أجرة النصف الآخر .. فيقابله ثلثا الجعل.
ولو ردَّه من أبعد منه .. لم يستحق زيادة؛ لعدم الالتزام.
(ولو اشترك اثنان في رده .. اشتركا في الجُعل) لحصول الردِّ منهما، ويقسم بالسوية وإن تفاوت عملهما؛ لأن العمل لا ينضبط حتى يقعَ التوزيع عليه، ولو قال: (أيُّ رجل ردَّ عبدي .. فله درهم)، فردَّه رجلان .. فالظاهر: الاشتراك.
(ولو التزم جُعلًا لمعين) كقوله: (إن رددت آبقي .. فلك دينار)، (فشاركه غيره في العمل؛ إن قصد إعانته) مجّانًا أو بعوض منه ( .. فله كلُّ الجُعل) أي: لذلك المعين؛ لأن ردَّ الغير بقصد الإعانة له واقع عنه، ومقصود المالك ردُّ العبد بأي وجه أمكن، فلا يحمل لفظه على قصر العمل على المخاطب، ولا شيء لذلك الغير على المعين إلا أن يَلتزم له أجرَه ويستعينَ به.
واستنبط السبكي من هذا: جواز الاستنابة في الإمامة ونحوِها بشرط: أن يستنيب مثله أو خيرًا منه، ويستحقّ كلّ المعلوم، قال: وإن أفتى ابن عبد السلام والنووي بعدم استحقاق واحد منهما، أما النائب .. فلعدم ولايته إلا أن يأذن له الناظر في
الجزء: 2 - الصفحة: 530
وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ .. فَلِلأَوَّلِ قِسْطُهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ،
المباشرة، ولأنه لم ينصبه الواقف، وأما المستنيب .. فلأنه لم يأت بالشرط.
قال الزركشي: ومدركهما في ذلك: أن الريع ليس من (باب الإجارة) ولا (الجعالة) لأن شرطهما: أن يقع العمل منهما للمستأجر والجاعل، والعملُ هنا لا يمكن وقوعه للجاعل، فلم يبق إلا الإباحة بشرط الحضور، ولم يوجد، فلا يصحُّ إلحاقه بهذه المسألة.
(وإن قصد العمل للمالك .. فللأول قسطه، ولا شيء للمشارك بحال) لأن المالك لم يلتزم له شيئًا.
(ولكلٍّ منهما) أي: من المالك والعامل (الفسخ قبل تمام العمل) لأنه عقد جائز من الطرفين، أما من جهة الجاعل .. فمن حيث إنها تعليق استحقاق بشرط، فأشبهت الوصية، وأما من جهة العامل .. فلأن العمل فيها مجهول، وما كان كذلك لا يتصف باللزوم؛ كالقِراض.
وإنما يتصور الفسخ ابتداءً في العامل المعين، أما غير المعين .. فلا يتصور الفسخ منه إلا بعد الشروع في العمل.
واحترز بقوله: (قبل تمام العمل) عما بعده؛ فإنه لا أثر للفسخ؛ لأن الجعل قد لزم واستقر.
(فإن فُسخ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع .. فلا شيء له) أما في الأولى .. فلأنه لم يعمل شيئًا، وسواء فيه فسخه وفسخ المالك، وأما في الثانية .. فلأن الجعل يستحق بتمام العمل، وهو فوّت عمله باختياره ولم يحصل غرض المالك.
ويستثنى: ما إذا زاد الجاعل في العمل ففسخ العامل لأجل ذلك؛ فإنه يستحق أجرة المثل؛ لأن الجاعل ألجأه إلى ذلك، قاله الرافعي في آخر (المسابقة)، قال في "المهمات": وقياسه: أن يكون كذلك إذا نقص من الجعل 99.
الجزء: 2 - الصفحة: 531
وَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ بَعْدَ الشُّرُوعِ .. فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الأَصَحِّ. وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ فِي الْجُعْلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَفَائِدَتُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ: وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَلَوْ مَاتَ الآبِقُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ هَرَبَ .. فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، وَإِذَا رَدَّهُ .. فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْجُعْلِ. وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ إِذَا أَنْكَرَ شَرْطَ الْجُعْلِ أَوْ سَعْيَهُ فِي رَدِّهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ .. تَحَالَفَا.
(وإن فسخ المالك بعد الشروع .. فعليه أجرة المثل في الأصحِّ) لئلا يحبط سعيه بفسخ غيره، والثاني: لا شيء للعامل؛ كما لو فسخ العامل بنفسه؛ لأنه عقد جائز من الطرفين.
(وللمالك أن يزيد وينقص في الجُعل قبل الفراغ) سواء قبل الشروع أم بعده؛ لأن ذلك يجوز في البيع في زمن الخيار، فجوازه فيما العقدُ فيه جائزٌ أولى.
فإذا قال: (من ردَّه .. فله عشرة)، ثم قال قبل الشروع: (من ردَّه .. فله خمسة) .. الاعتبار بالأخير، وكذا يجوز تغيير جنسه.
(وفائدته بعد الشروع: وجوب أجرة المثل) لأن النداء الأخير فسخُ الأول، والفسخ في أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل.
(ولو مات الآبق في بعض الطريق) ولو بباب دار المالك قبل أن يسلمه إليه (أو هرب .. فلا شيء للعامل) لأنه لم يردَّه، والاستحقاق معلق بالردِّ وهو المقصود، ويخالف موت الأجير في الحجِّ في أثناء العمل؛ فإنه يستحق قسط ما عمل في الأصحِّ، لأن القصد بالحجِّ الثواب، وقد حصل للمحجوج عنه الثواب بالبعض، والقصد هنا الردُّ، ولم يوجد.
(وإذا رده .. فليس له حبسه لقبض الجُعل) لأن الاستحقاق بالتسليم، ولا حبس قبل الاستحقاق.
(ويصدق المالك إذا أنكر شرط الجُعل أو سعيَه في رده) لأن الأصل عدمُ الشرط والردِّ.
(فإن اختلفا في قدر الجُعل .. تحالفا) وللعامل أجرة المثل؛ كما في القراض والإجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 532
كتابُ الفرائض يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيْتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ،
﴿كتاب الفرائض﴾
الفرائض: جمع فريضة مشتقة من الفرض وهو التقدير، وأصل الفرض: الحزُّ والقطع، ومنه فُرْضَةُ القوس، وهي الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرض الخياط الثوب؛ أي: قطعه، ولما كان علم الفرائض مشتملًا على السهام المقدرة، والمقادير المقسطة سمي بذلك.
وأصل الباب: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ إلى آخر السورة.
واشتهرت الأخبار بالحث على تعليمها وتعلمها؛ منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ؛ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي" رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي وقال: تفرد به حفص بن عمر، وليس بالقوي 100.
وفي معنى كونه نصفَ العلم أقوال: أحسنها: أنه باعتبار الحال، فإن حال الناس اثنان: إما حياة أو وفاة، فالفرائض تتعلق بحال الوفاة، وسائر العلوم تتعلق بحال الحياة، فيكون لفظ النصف عبارةً عن الواحد من القسمين وإن لم يتساويا، قال الشاعر: [من الطويل]
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ صَانِعُ
(يُبْدَأُ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه) بالمعروف؛ لأنه محتاج إليها، وإنما يدفع إلى الوارث ما يستغني عنه المُورِّث، قال الأستاذ أبو منصور: ومؤنة التجهيز على حسب العرف في يساره وإعساره، ولا اعتبار بلباسه في حياته إسرافًا أو تقتيرًا وفي "التلقين" لابن سراقة نحوُه، ويبدأ أيضًا بمؤنة تجهيز من عليه مؤنته؛ كما نقله في
الجزء: 2 - الصفحة: 533
تُمَّ يقضى دُيُونه، ثُمَّ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ. قُلْتُ: فَإِنْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌّ كَالزَّكَاةِ وَالْجَانِي وَالْمَرْهُونِ وَالْمَبِيعِ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا .. قُدِّمَ عَلَى مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
"الروضة" في (باب الفلس) عن نصِّ الشافعي واتفاق الأصحاب 101.
(ثم تقضى ديونه) لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ويبدأ بدين الله تعالى؛ كالزكاة والكفارة والحجِّ، ويقدم على دين الآدمي على الأصحِّ، (ثم وصاياه من ثلث الباقي) للآية المذكورة.
وأتى المصنف بـ (ثم) لينبه على أن الدَّين مُقدَّم على الوصية، وحكى القرطبي الإجماع عليه 102، وانفرد أبو ثور، فقدم الوصية؛ لظاهر الآية، وإنما قدمت الوصية في الآية؛ لأنها لما أشبهت الميراث في كونها بلا عوض .. كان في إخراجها مشقة على الوارث، فقدمت حثًّا على إخراجها.
(ثم يقسم الباقي بين الورثة) على ما سيأتي تفصيله.
(قلت: فإن تعلق بعين التركة حق؛ كالزكاة والجاني والمرهون والمبيع إذا مات المشتري مفلسًا .. قُدِّم على مؤنة تجهيزه، والله أعلم) تقديمًا لحقِّ صاحب التعلّق على حقِّه؛ كما في حال الحياة لا يقال: لا حاجة إلى استثناء مسألة الزكاة؛ لأن الأصحَّ تعلقُها بالمال تعلق شركة، فقدر الزكاة ليس تركة؛ لأنا نقول: وإن كان التعلق تعلق شركة .. فلم يخرج عن التركة خروجًا كلِّيًا؛ بدليل أن المالك له دفع الزكاة من غيره بغير رضى المستحقين.
وأتى المصنف بـ (كاف) التشبيه؛ لينبه على عدم الحصر فيما ذكر، ووصلها بعض الفضلاء إلى عشر صور، ونظمها في بيتين فقال:
يُقَدَّمُ فِي الْمِيرَاثِ نَذْرٌ وَمَسْكَنٌ ... زَكَاةٌ وَمَرْهُونٌ مَبيعٌ لِمُفْلِسِ
وَجَانٍ قِرَاضٌ ثُمَّ قَرْضُ كِتَابَةٍ ... وَرَدٌّ بِعَيْبٍ فَاحْفَظ الْعِلْمَ تَرْأَسِ
وقد زدت على ذلك أربع عشرة مسألة ذكرتهُا في كتابي "المواهب السنية في شرح
الجزء: 2 - الصفحة: 534
وَأَسْبَابُ الإِرْثِ أَرْبَعَةٌ: قَرَابَةٌ، وَنكَاحٌ، وَوَلَاءٌ؛ فَيَرِثُ الْمُعْتِقُ الْعَتِيقَ وَلَا عَكْسَ، وَالرَّابِعُ: الإِسْلَامُ؛ فَتُصْرَفُ التَّرِكَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ إِرْثًا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِث بِالأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ
الأشنهيَّة"، وأوضحت فيه المسائلَ المذكورة في البيتين فلتطلب منه.
(وأسباب الإرث أربعة: قرابة، ونكاح، ووَلاء) أما القرابة والنكاح .. فللآية، وأما الولاء .. فلحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" صححه ابن حبان والحاكم 103.
شبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء.
(فيرث المعتق العتيق) للحديث المذكور، وهو إجماع (ولا عكس) أي: لا يرث العتيق المعتق بالإجماع إلا من قد شذ.
(والرابع: الإسلام؛ فتصرف التركة) أي: تركة المسلم (لبيت المال إرثًا) للمسلمين (إذا لم يكن وارث بالأسباب الثلاتة) المتقدمة، أو كان ولم يستغرق .. فالباقي لبيت المال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَرِثُهُ" صححه ابن حبان والحاكم 104.
وهو صلى الله عليه وسلم لا يرث لنفسه، وإنما يصرف ذلك في مصالح المسلمين، فهم الوارثون، هذا هو المشهور، وفي قول: أنه يصرف إلى بيت المال على وجه المصلحة لا على وجه الإرث؛ كالمال الضائع؛ لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بَعُدَ.
وأجيب: بأنه لا يلزم من وجود ابن عم بعيد أن يكون وارثًا؛ لاحتمال ألا يكون مسلمًا.
وقضية كلام الشيخين وغيرهما: استواء جميع المسلمين في ذلك 105، وذكر ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 535
وَالْمُجْمَعُ عَلَى إِرْثِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَ: الابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأَبُ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَالأَخُ وابْنُهُ إلَّا مِنَ الأُمِّ، وَالْعَمُّ إلَّا لِلأُمِّ، وَكَذَا ابْنُهُ، وَالزَّوْجُ، وَالْمُعْتِقُ. وَمِنَ النِّسَاءِ سَبعٌ: الْبنْتُ، وَبِنْتُ الابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالأُمُّ وَالْجَدَّةُ وَالأخْتُ وَالزَّوْجَةُ وَالْمُعْتِقَةُ
الرفعة أنه يختص به أهلُ بلده، ولا يجوز نقله عنهم إذا منعنا نقلَ الزكاة والوصية، وذكر من نصه في "الأم" ما يعضده، ويدلُّ له ما في "سنن أبي داوود" و"الترمذي": (أن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرَّ من عَذق نخلةٍ فمات، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هَلْ لَهُ مِنْ نَسَبِ أَوْ رَحِمٍ؟ " قالوا: لا، قال: "أَعْطُوا مِيرَاثَهُ بَعْضَ أَهْلِ قَرْيَتِهِ") 106.
(والمجمع على إرثهم من الرجال عشرة: الابن وابنه وإن سفل، والأب وأبوه وإن علا والاخ) مطلقًا (وابنه إلا من الأم، والعمُّ إلا للأم، وكذا ابنه) أي: ابن العم للأبوين أو للأب، لا للأم.
(والزوج، والمعتق) هذا منه مغن عن التوجيه، حيث نقل الإجماع فيه، ويدخل في العم عمُّ الميت وعمُّ أبيه وعمُّ جده وإن علا، ويدخل أبناؤهم في قوله: (وكذا ابنه).
ولو قال: (من الذكور بدل الرجال) .. لكان أولى، لكن المراد: الجنس، وكذا في النساء، فيشمل الأطفال من الذكور والإناث.
واعلم: أن الفقهاء شبهوا عمود النسب بالشيء المتدلي من علو، فأصل كلِّ إنسان أعلى منه، وفرعه أسفل منه، وكان مقتضى تشبيهه بالشجرة أن يكون أصلُه أسفل منه، وفرعه أعلى؛ كما في الشجرة، فيقال: في أصله وإن سفل، وفي فرعه وإن علا.
(ومن النساء سبع: ) مجمع على إرثهن (البنت، وبنت الابن وإن سفل، والأمُّ والجدة) من الجهتين المُدْلية بوارث؛ لتَخْرُجَ أمُّ أبي الأم (والأخت) مطلقًا (والزوجة والمعتقة) قوله: (وبنت الابن وإن سفل) كذا حكي عن خط المصنف، ويقع في
الجزء: 2 - الصفحة: 536
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ الرِّجَالِ .. وَرِثَ الأَبُ وَالابْنُ والزَّوْجُ فَقَطْ، أَوِ النِّسَاءِ .. فَالْبنْتُ وَبِنْتُ الابْنِ والأُمُّ والأُخْتُ لِلأَبَوَيْنِ والزَّوْجَةُ، أَوِ الَّذِينَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ .. فالأَبَوَانِ وَالابْنُ والْبِنْتُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ. وَلَوْ فُقِدُوا كُلُّهُمْ .. فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ ذَوُو الأَرْحَامِ،
بعض النسخ: وإن سفلت، وليس بجيد؛ لدخول بنت بنت الابن، وليست بوارثة.
والأفصحُ أن يقال في المرأة: زوج، والزوجة لغة مرجوحة، قال المصنف: واستعمالها في باب الفرائض متعين؛ ليحصل الفرق بين الزوجين 107.
(ولو اجتمع كلُّ الرجالِ) 108 ولا يكون إلا والميت أنثى ( .. ورث الأب والابن والزوج فقط) لأنهم لا يحجبون، بخلاف البقية، وتصحُّ من اثني عشر؛ لأن فيها ربعًا وسدسًا؛ للأب السدس، وللزوج الربع، والباقي للابن.
(أو النساء .. فالبنت وبنت الابن والأم والأخت للأبوين والزوجة) لما ذكرناه، وتصحُّ من أربعة وعشرين، لأن فيها سدسًا وثمنًا، للأم السدس، وللزوجة الثمن، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللأخت الباقي، وهو سهم.
(أو الذين يمكن اجتماعهم من الصنفين .. فالأبوان والابن والبنت وأحد الزوجين) لحجبهم من عداهم ويكون الميت فيها رجلًا أو امرأة؛ فعلى تقدير كونه رجلًا: فأصلها من أربعة وعشرين، وتصحُّ من اثنين وسبعين، وعلى تقدير كونه امرأة: أصلها من اثني عشر، وتصحُّ من ستة وثلاثين.
(ولو فقدوا كلُّهم .. فأصل المذهب: أنه لا يُوَرَّثُ ذوو الأرحام) لأنه صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء مستخيرًا لله تعالى في العمة والخالة، فأنزل الله تعالى: "لَا مِيرَاثَ لَهُمَا" صححه الحاكم 109.
وحديث: "إِنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِث" 110 فيه إشارة
الجزء: 2 - الصفحة: 537
وَلَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْفَرْضِ، بَلِ الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ: إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ بِالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْفَرْضِ
إلى من ذكره الله في كتابه هو الوارث وليس هؤلاء منهم، وقال المزني وابن سريج بتوريثهم، قال ابن الرفعة: ومحلُّ الخلاف: عند صلاح بيت المال، لا عند فساد 111.
(ولا يُرَدُّ على أهل الفرض) ليس هذا متعلقًا بما قبله؛ إذ الصورة فَقْدُ الكلِّ، بل هو استئناف لفقد البعض، فإذا وجد ذو فرض لا يستوعب المال؛ كالبنتين والأختين .. أخذتا فرضهما، ولا يردُّ عليهما الباقي؛ لأن الله تعالى جعل للأخ الكلَّ حيث جعل للأخت النصف، وفي الردِّ يرفع الفرق.
(بل المال لبيت المال) سواء انتظم أمره بإمام عادل يصرفه في جهته أو لم ينتظم، لأن الإرث للمسلمين، والإمام ناظر ومستوف لهم، والمسلمون لم يعدموا، وإنما عدم المستوفي لهم، فلم يوجب ذلك سقوط حقِّهم.
(وأفتى المتأخرون: إذا لم ينتظم أمر بيت المال) بأن لم يكن إمام، أو كان جائرًا، ولم يجتمع فيه شروط الإمامة (بالردِّ على أهل الفرض) لأن المال مصروف إليهم، أو إلى بيت المال بالاتفاق، فإذا تعذرت إحدى الجهتين .. تعينت الأخرى، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأصحُّ أو الصحيح عند محققي أصحابنا؛ منهم ابن سراقة من كبار أصحابنا ومتقدميهم، ثم صاحب "الحاوي"، والقاضي الحسين، والمتولي، والخَبْري، وآخرون 112.
وتخصيصه بفتوى المتأخرين لا وجه له، فقد قال ابن سراقة -وهو قبل الأربع مئة-: هو قول شيوخنا 113، وعليه الفتوى اليوم في الأمصار 114.
الجزء: 2 - الصفحة: 538
غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ مَا فَضَلَ عَنْ فُرُوضِهِمْ بالنِّسْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا .. صُرِفَ إِلَى ذَوِي الأَرْحَامِ،
(غيرِ الزوجين) لأن علة الردِّ القرابة، وهي مفقودة فيهما.
وهذا من زياداته على "المحرر" ولا بدَّ منه إذا لم يكونا من ذوي الأرحام، فلو كان مع الزوجية رحم؛ كبنت الخالة وبنت العم .. وجب عند القائلين بالردِّ عليها، والصرف حينئذ من جهة الرحم لا الزوجية.
(ما فَضَل عن فروضهم بالنسبة) أي: بنسبة فروضهم، فإن كان صنفًا واحدًا؛ كالبنت والأخت .. أخذ الفرض والباقي بالردِّ، أو جماعةً من صنف؛ كالبنات .. فالباقي بينهم بالسوية، أو صنفين فأكثر .. ردَّ الباقي عليهم بقدر سهامهم.
مثاله: زوج وبنت وأم، هي من اثني عشر؛ سدسها اثنان فرض الأم، ونصفها ستة فرض البنت، وربعها ثلاثة فرض الزوج، يبقى سهم يردُّ على الأم والبنت؛ ثلاثة أرباعه للبنت، والربع للأم، ولو لم يكن إلا الأم والبنت .. فالباقي بينهم أرباعًا، فاجعل المسألة من أربعة؛ للأم سهم بالفرض والردِّ، وثلاثة للبنت.
(فإن لم يكونوا) أي: أصحاب الفروض ( .. صُرف إلى ذوي الأرحام) إرثًا على الصحيح في "زيادة الروضة" 115، لحديث: "الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ" رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم 116.
وإنما قدم الردّ عليهم؛ لأن القرابة المفيدة لاستحقاق الفرض أقوى، قال الخفاف والقاضي: والتوريث بالرحم توريث بالعصوبة؛ بدليل أنه يراعى فيه القرب، ويفضل فيه الذكر على الأنثى ويحوز المنفرد منهم جميع المال، وهذه علامات الإرث بالتعصيب، وفي كيفية توريثهم مذهبان: أحدهما: مذهب أهل التنزيل؛ أي: ينزل = القدر .. صرفه إليهم، وإلا .. فيصرفه بعض الثقات إلى وجه المصالح، وإن كان هناك بيت مال على الوجه المشروع .. حمل إليه، وهو جمع بين الطرفين.
الجزء: 2 - الصفحة: 539
وَهُمْ: مَنْ سِوَى الْمَذْكُورِينَ مِنَ الأَقَارِبِ، وَهُمْ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ: أَبُو الأُمِّ، وَكُلُّ جَدٍّ وَجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ، وَأَوْلَادُ الأَخَوَاتِ، وَبَنُو الإِخْوَةِ لِلأُمِّ، وَالْعَمُّ لِلأُمِّ، وَبَنَاتُ الأَعْمَامِ، والْعَمَّاتُ، وَالأَخْوَالُ، والْخَالَاتُ، والْمُدْلُونَ بِهِمْ.
فصلٌ [في بيان الفروض التي في القرآن الكريم وذويها]
الْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى سِتَّةٌ:
كلُّ منهم منزلة من يدلي به، وصححه في "زيادة الروضة" 117، والثاني: مذهب أهل القرابة: وهو توريث الأقرب فالأقرب إلى الميت؛ كالعصبات.
مثاله: بنت بنت وبنت بنت ابن، فعلى الأول: المال بينهما أرباعًا بالفرض والردِّ؛ كما يكون بين البنت وبنت الابن، وعلى الثاني: الكلُّ لبنت البنت؛ لقربها.
(وهم: من سوى المذكورين من الأقارب) وإن شئت قلت: كلُّ قريب ليس بذي فرض ولا عصبة.
(وهم عشر أصناف: أبو الأم، وكلُّ جدٍّ وجدة ساقطَين) هذا كلُّه صنف، (وأولاد البنات) ذكورهم وإناثهم، ولم يذكر أولاد بنات الابن؛ لأن لفظ البنات شامل لهم، (وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات) ذكورهم وإناثهم، (وبنو الإخوة للأم) وكان الأولى أن يقول: وأولاد الإخوة للأم؛ فإن ذكورهم وإناثهم سواء.
(والعم للأم، وبنات الأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، والمدلون بهم) وهذا الأخير معطوف على (عشرة)، لا أنه منهم.
(فصل: الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة) وهي النصف، ونصفه، ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما، ونصف نصفهما، وإن شئت اختصرت فقلت: الربع، والثلث، وضعْفُ كلٍّ، ونصف كل.
وأشار بقوله: (في كتاب الله تعالى) إلى أن المراد: الحصر بالنسبة لما في
الجزء: 2 - الصفحة: 540
النِّصفُ: فَرْضُ خَمْسَةٍ: زَوجٌ لَمْ تُخَلِّفْ زَوْجَتُهُ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ، وَبِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ أَوْ أُخْتٌ لأَبَوَيْنِ أَوْ لأَبٍ مُنْفرِدَاتٌ. وَالرُّبُعُ: فَرْضُ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَزَوْجَةٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا
القرآن، وإلا .. فمطلق الفروض تزيد على ستةٍ؛ كثلث ما يبقى في مسائل الجدِّ والإخوة إذا كان معه ذو فرض، والأم في مسألتي زوج أو زوجة وأبوين.
ومعنى كونها مقدَّرة: أنه لا يزاد عليها، وقد ينقص عنها بسبب العول، والمراد: أن هذه المقدرات منصوصة في القرآن، لا أن كلَّ وارث لشيء منها منصوص عليه في كتاب الله تعالى؛ لما سيأتي أن بعض من يرثها إنما هو بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس؛ كالسدس لبنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الشقيقة، ونحو ذلك.
(النصف: فرض خمسة: زوج لم تُخلِّف زوجته ولدًا ولا ولد ابن) وإن سَفُلَ، ذكرًا أو أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ وألحق به ولد الابن بالإجماع.
واحترز بقوله: (ولد ابن) عن ولد البنت، فلا اعتبار به وإن ورَّثنا ذوي الأرحام.
وبدأ المصنف وغيره بذكر النصف، قال السبكي: لكونه مفردًا، قال: وكنت أود لو بدؤوا بالثلثين؛ لأن الله تعالى بدأ به حتى رأيت أبا النَّجا والحسين بن محمد بن عبد الواحد الوني شيخ الخَبْري بدأ به، فأعجبني ذلك.
(وبنت) لقوله تعالي: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (أو بنت ابن) وإن سفل بالإجماع (أو أخت لأبوين أو لأب) لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (منفردات) عن جنس البنوة والأخوة؛ إذ لو كان مع البنت أو بنت الابن أو الأخت أخ في درجتها .. عصبها وأعطيت نصفَ ما حصل لأخيها، ولو كان مع البنت أو بنت الابن أو الأخت أخرى مثلها .. اشتركتا في الثلثين.
(والربع: فرض زوج لزوجته ولد أو ولد ابن) منه أو من غيره؛ لقوله تعالي: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ وولد الابن كالابن؛ كما سلف، وأَخرج بولد الابن ولدَ البنت.
(وزوجة ليس لزوجها واحد منهما) لقوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ
الجزء: 2 - الصفحة: 541
وَالثُّمُنُ: فَرْضُهَا مَعَ أَحَدِهِمَا. وَالثُّلُثَانِ: فَرْضُ بنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَبِنْتَيِ ابْنٍ فَأَكْثَرَ، وَأُخْتَيْنِ فَأَكْثَرَ لأَبَوَيْنِ أَوْ لأَبٍ. وَالثُّلُثُ: فَرْضُ أُمٍّ لَيْسَ لِمَيِّتِهَا وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَلَا اثنانِ مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ،
يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} والمراد بالزوجة: الجنس، ولو قال: (فأكثر) .. لكان أحسن.
(والثمن: فرضها مع أحدهما) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾.
(والثلثان: فرض بنتين فصاعدًا) بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البرِّ إلا رواية عن ابن عباس أن للبنتين النصف، ولما زاد عليهما الثلثان لظاهر الآية، قال ابن عبد البر: ولم تصحَّ عنه، وقد صحَّ عنه موافقة الناس 118.
وقال الشريف الأرموي في "شرحه" لفرائض "الوسيط": صحَّ عن ابن عباس رجوعه عن ذلك؛ فارتفع الخلاف، وصار إجماعًا؛ لأن الإجماع بعد الاختلاف حجة على الصحيح.
(وبنتي ابن فأكثر) إذا لم يكن بنت صلب بالإجماع.
(وأختين فأكثر لأبوين أو لأب) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فدلت الآية على أن للابنتين الثلثين، وأجمعوا على أنه إذا كنَّ أكثر من اثنتين .. كان لهنَّ ذلك، والآية نزلت في قصة جابر، وكان له أخوات 119، فدلَّ على أن المراد من الآية: اثنتان فصاعدًا.
(والثلث: فرض أُمٍّ ليس لميتها ولد ولا ولدُ ابن ولا اثنان من الإخوة والأخوات) سواء كانا من أبوين أو من أحدهما، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وولد الابن غير مذكور في الآية، ولكنه قائم مقامه؛ كما تقدم.
وكان ينبغي أن يقول: (ولا زوج أو زوجة وأب) ليخرج فرضها معهما؛ فإنه أنقص من الثلث.
الجزء: 2 - الصفحة: 542
وَفَرْضُ اثنيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ، وَقَدْ يُفْرَضُ لِلْجَدِّ مَعَ الإِخْوَةِ. وَالسُّدُسُ: فَرْضُ سَبْعَةٍ: أَبٌ وَجَدٌّ لِمَيتِهِمَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَأُمٌّ لِمَيتِهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ أَوِ اثنانِ مِنَ الإِخْوَةِ والأَخَوَاتِ،
(وفرض اثنين فأكثر من ولد الأم) لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وأجمعوا على أن المراد بها: أولاد الأم، وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود (وله أخ أو أخت من أم)، وحكاه الزمخشري عن أُبيّ أيضًا 120، قال القاضي الحسين: وهذا مما نسخ تلاوته، وبقي حكمُهُ، قال الماوردي والرافعي في (كتاب السرقة): القراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل 121، ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، وخالف المصنف في "شرح مسلم" فقال: مذهبنا: أن القراءة الشاذة لا يكون لها حكم الخبر 122.
(وقد يُفرَض للجد مع الإخوة) فيما إذا نقص عنه بالمقاسمة؛ كجد وثلاثة إخوة.
(والسدس: فرض سبعة: أب وجد لميتهما ولد، أو ولد ابن) ذكرًا كان أو أنثى؛ للنص والإجماع.
(وأم لميتها ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة والأخوات) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وإنما اكتفى بالأخوين مع أن الآية وردت بصيغة الجمع، لأن الجمع قد يعبر به عن الاثنين، قال الزمخشري: لفظ (الإخوة) هنا يتناول الأخوين؛ لأن المقصود: الجمعية المطلقة من غير كمية 123، وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على حجبها عن الثلث بالأخوين قبل إظهار ابن عباس رضي الله عنهما الخلاف، كما أشار إليه عثمان رضي الله عنه بقوله لابن عباس: (حجبها قومك يا غلام) 124.
الجزء: 2 - الصفحة: 543
وَجَدَّةٌ، وَلِبِنْتِ ابْنٍ مَعَ بِنْتِ صُلْبٍ، وَلأُخْتٍ أَوْ أَخَواتٍ لأَبٍ مَعَ أُخْتٍ لأَبَوَيْنِ، وَلِوَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الأُمِّ.
فصلٌ [في الحجب]
الأَبُ وَالابْنُ وَالزَّوْج لَا يَحْجُبُهُمْ أَحَدٌ
وإذا اجتمع مع الأم الولد، وولد الابن، واثنان من الإخوة، أو الأخوات .. فالظاهر - كما قاله صاحب "المطلب" -: أن الذي ردها من الثلث إلى السدس الولد؛ لقوته.
(وجدةٌ) لأنه صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، صححه الترمذي وابن حبان 125، فإن اجتمع جدتان فأكثر .. اشتركن فيه؛ كما سيأتي.
(ولبنت ابن مع بنت صلب) بالإجماع، لقضائه صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كما قاله ابن مسعود رادًّا على أبي موسى حيث أسقطها مع البنت والأخت، رواه البخاري 126.
وكان ينبغي أن يقول: (ولبنتِ ابنٍ فأكثر).
(ولأخت أو أخوات لأب مع أخت لأبوين) كما في البنات وبنات الابن.
(ولواحدٍ من ولد الأم) ذكرًا كان أو أنثى، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الآية.
(فصل: الأب والابن والزوج لا يحجبهم أحدٌ) حجب حرمان، لأن كلًّا منهم يدلي بنفسه إلى الميت، وليس فرعًا لغيره.
واحترز بالوصف الثاني: عن المعتق؛ فإنه يدلي بنفسه ويحجب؛ لأنه فرع
الجزء: 2 - الصفحة: 544
وَابْنُ الابْنِ لَا يَحْجُبُهُ إلَّا الابْنُ أَوِ ابْنُ ابْنٍ أَقْرَبُ مِنْهُ. وَالْجَدُّ لَا يَحْجُبُهُ إلَّا مُتَوَسِّط بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ. وَالأخ لِأبَوَيْنِ .. يَحْجُبُهُ الأَبُ، وَالابْنُ، وَابْنُ الابْنِ، وَلأَبٍ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَأَخ لِأبَوَيْنِ، وَلِأمٍّ .. يَحْجُبُهُ أَبٌ، وَجَدٌّ، وَوَلدٌ، وَوَلَدُ ابْنٍ
لغيره، وهو النسب؛ لأنه مشبه به، والأصل مقدم على الفرع.
(وابن الابن لا يحجبه إلا الابن) سواء كان أباه أو عمه؛ لإدلائه به أو لأنه عصبة أقرب منه، (أو ابن ابن أقربُ منه) كابن ابن، وابن ابن ابن، ومن هنا يعلم أن قوله أولًا: (ابن الابن) مراده: وإن سفل؛ حتى ينتظم مع هذا.
(والجد) أبو الأب وإن علا (لا يحجبه إلا متوسط بينه وبين الميت) بالإجماع؛ لأن من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده إلا أولاد الأم.
(والأخ لأبوين .. يحجبه، الأب، والابن، وابن الابن) وإن سفل؛ بالإجماع (ولأب .. يحجبه هؤلاء) لأنهم إذا حجبوا الشقيق .. فهو أولى، (وأخ لأبوين) لقوته بزيادة القرب.
وأورد على حصره: ما إذا كان معه بنت وأخت شقيقة؛ فإن للبنت النصف، وللأخت الباقي، ولا شيء له، ولا يصحُّ أن يجاب: بأنه ذكره آخر الفصل في قوله: (وكلُّ عصبة يحجبه أصحاب فروض مستغرقة) لأنه في هذه الصورة لم يحجب بأصحاب فروض مستغرقة؛ لأن الأخت مع البنت عصبة.
(و) الأخ (لأم يحجبه أب وجدٌّ وولد) ذكرًا، أو أنثى (وولد ابن) ولو أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، والمراد: من الأم، كما سبق.
والكلالة: اسم لما عدا الولد والوالد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة، فقال: "أَمَا سَمِعْتَ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، وَالْكَلَالَةُ: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا" رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي هريرة، ثم قال: صحيح على شرط مسلم 127، فدلَّ على أنهم إنما يرثون عند عدمهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 545
وَابْنُ الأَخِ لأَبَوَيْنِ .. يَحْجُبُهُ سِتَةٌ: أَبٌ، وَجَدٌّ، وَابْن وَابْنُهُ، وَأَخٌ لِأبَوَيْنِ وَلأَبٍ، وَلأبٍ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَابْنُ أَخٍ لِأبَوَيْنِ. وَالْعَمُّ لأَبَوَيْنِ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ، وَابْنُ أَخٍ لأَبٍ، وَلأَبٍ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَعَمٌّ لأَبَوَيْنِ. وَابْنُ عَمٍّ لأَبَوَيْنِ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَعَمٌّ لأَبٍ، وَلأَبٍ .. يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَابْنُ عَمٍّ لأَبَوَيْنِ. وَالْمُعْتِقُ .. يَحْجُبُهُ عَصَبَةُ النَّسَبِ. وَالْبنْتُ وَالأُمُّ وَالزَّوْجَةُ لَا يُحْجَبْنَ. وَبِنْتُ الابْنِ .. يَحْجُبُهَا ابْن أَوْ بِنْتَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا. وَالْجَدَّةُ لِأمٍّ .. لَا يَحْجُبُهَا إِلَّا الأُمُّ، وَلِلأَبِ
(وابن الاخ لأبوين يحجبه ستة: أب) لأنه يحجب أباه فهو أولى (وجدٌّ) وإن علا؛ لأنه في درجة أبيه فحجبه كأبيه (وابن وابنه) لأنهما يحجبان أباه؛ فهو أولى (وأخ لأبوين) لأنه إن كان أباه .. فهو يدلي به، وإن كان عمه .. فهو أقرب منه (ولأب) لكونه أقرب منه (و) ابن الأخ (لأب يحجبه هؤلاء) لما سبق (وابنُ أخ لأبوين) لقوته.
(والعم لأبوين .. يحجبه هؤلاء) لأنهم أقرب منه (وابن أخ لأب) لقرب درجته (و) العم (لأب يحجبه هؤلاء) لما سبق (وعم لأبوين) لقوته.
وأورد على المصنف: أن العم يطلق على عم الميت وعم أبيه وعم جده، وابن عم الميت يقدم على عم أبيه، وابن عم أبيه يقدم على عم جده؛ لقوة جهته؛ كما يقدم ابن الأب، وهو الأخ على ابن الجد، وهو العم.
(وابن عم لأبوين .. يحجبه هؤلاء) لما سبق (وعم لأب) لأنه في درجة أبيه، فقُدِّم عليه؛ لزيادة قربه (و) ابن عم (لأب .. يحجبه هؤلاء وابن عم لأبوين) لقربه.
(والمعتق .. يحجبه عصبة النسب) بالإجماع؛ لأن النسب أقوى من الولاء؛ لأنه تتعلق به أحكام لا تتعلق بالولاء؛ كالمحرمية، ووجوب النفقة، وسقوط القصاص والشهادة ونحوها.
(والبنت والأم والزوجة لا يحجبن) بالإجماع؛ لما تقدم في الأب والابن والزوج.
(وبنت الابن .. يحجبها ابن) لأنه أبوها أو عمها، وهو بمنزلة أبيها.
(أو بنتان) لأن الثلثين فرض البنات، ولم يبق منه شيء (إذا لم يكن معها من يُعصِّبها) كأخ لها أو ابن ابن وإن سفل؛ كما سيأتي، وهذا قيدٌ في الأخيرة فقط.
(والجدة لأم .. لا يحجبها إلا الأم) لأنه ليس بينها وبين الميت سواها (وللأب ..
الجزء: 2 - الصفحة: 546
يَحْجُبُهَا الأَبُ أَوِ الأُمُّ. وَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْهَا، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ كَأُمِّ أُمٍّ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جهَةِ الأَبِ كَأُمِّ أُمِّ أَبٍ. وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الأَبِ لَا تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الأُمِّ فِي الأظْهَرِ
يحجبها الأب) لأنها تدلي به، قال الخفاف في "الخصال": ولا ترث الجدة وابنها حيٌّ من ابن ابنها إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون جدة من وجهين، فتكون أمَّ أم أم، وهي أم أم أب فيموت ابن ابنتها، ويخلف ولدًا، ويموت ذلك الولد، وأبوه باق فترث من جهة ابن ابنتها دون ابنها، كذا نقله عنه ابن الملقن والزركشي، وأقراه 128، والظاهر: أن المثال غير مستقيم، وصوابه: أن يقول: فتكون أمَّ أم أم، وهي أم أبي أب فيموت ابن ابن ابنها، وجده باقٍ، فليتأمل.
(أو الأم) أي: الأم تحجب الجدة للأب أيضًا بالإجماع.
(والقربى من كُلِّ جهة تحجب البُعدى منها) كأم أب، وأم أم أب، وأم أم، وأم أم أم؛ فلا ترث البعدى مع وجود القربى.
نعم؛ لو كانت البعدى جدة من جهة أخرى .. فلا تحجب؛ مثاله: لزينب بنتان حفصة وعمرة، ولحفصة ابنٌ، ولعمرة بنتُ بنت، فنكح الابن بنت بنت خالته فأتت بولد ومات، فلا تسقط عمرة التي هي أم أم أمه أمها زينب؛ لأنها أم أم أبيه، كذا جزم به الرافعي 129، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: ليس لنا جدة ترث مع بنتها الوارثة إلا هذه.
(والقربى من جهة الأم؛ كأم أم تحجب البعدى من جهة الأب؛ كأم أم أب) لأن لها قوتين قربها بدرجة، وكون الأم هي الأصل، والجدات كالفرع لها.
(والقربى من جهة الأب) كأم الأب (لا تحجب البعدى من جهة الأم) كأم أم الأم (في الأظهر) بل يشتركان في السدس؛ لأن الأب لا يحجبها، فالجدة التي تدلي به أولى ألا تحجبها، والثاني: تحجبها؛ للقرب؛ كما لو كانت القربى من جهة الأم.
وفرق الأول: بقوة قرابة الأم، وكذلك تحجب الأم جميع الجدات من الجهتين، بخلاف الأب.
الجزء: 2 - الصفحة: 547
وَالأُخْتُ مِنَ الْجِهَاتِ كَالأَخِ.
وَالأَخَوَاتُ الْخُلَّصُ لأَبٍ يَحْجُبُهُنَّ أَيْضًا أُخْتَانِ لأَبَوَيْنِ.
وَالْمُعْتِقَةُ كَالْمُعْتِقِ.
وَكُلُّ عَصَبَةٍ يَحْجُبُهُ أَصْحَابُ فرُوضٍ مُسْتَغْرِقَةٍ.
فصلٌ [في بيان إرث الأولاد وأولادهم انفرادًا واجتماعًا]
الابْنُ يَسْتَغْرِقُ الْمَالَ، وَكَذَا الْبَنُونَ، وَلِلْبِنْتِ النِّصفُ، وَلِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ بَنُونَ وَبَنَاتٌ .. فَالْمَالُ لَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ.
(والأخت من الجهات كالأخ) فكما أن الشقيق يحجبه الأب، والابن، وابن الابن، فكذا الشقيقة، والاخ للأب يحجبه هؤلاء، وأخ لأبوين؛ فكذا الأخت لأب، والأخ لأم يحجبه أب وجد، وولد وولد ابن؛ فكذا الأخت لأم.
ويستثنى من إلحاقها بأخيها: أن الشقيقة لا تحجب بفروض مستغرقة حيث فرض لها، وكذا الأخت للأب.
(والأخوات الخُلَّص لأب يحجبهن أيضًا أختان لأبوين) كما في بنات الابن مع البنات، ووجهه: أن فرض الجنس الواحد من الإناث لا يزيد على الثلثين.
واحترز بـ (الخُلَّص): عما لو كان معهن أخ لهن؛ فإنه يعصبهن ولا يحجبن؛ كما سيأتي.
(والمعتقة كالمعتق) في حجبها بعصبات النسب.
(وكلُّ عصبة بحجبه أصحاب فروض مستغرقة) كما إذا كان زوجٌ وأمٌ وولدا أم وعمٌّ، فلا شيء للعم؛ لأن أصحاب الفروض استغرقوا المال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ .. فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" متفق عليه 130.
(فصل) في ميراث الأولاد (الابن) المنفرد (يستغرق المالَ، وكذا البنون) بالإجماع (وللبنت النصف، وللبنتين فصاعدًا الثلثان) لما سبق.
(ولو اجتمع بنون وبنات .. فالمال لهم للذكر مثل حظِّ الأنثيين) للآية والإجماع،
الجزء: 2 - الصفحة: 548
وَأَوْلَادُ الابْنِ إِذَا انْفَرَدُوا كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ. فَلَوِ اجْتَمَعِ الصِّنْفَانِ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ .. حَجَبَ أَوْلَادَ الابْنِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَان لِلصُّلْبِ بِنْتٌ .. فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الابْنِ الذُّكُورِ أَوِ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أُنْثَى أَوْ إِنَاث .. فَلَهَا أَوْ لَهُنَّ السُّدُسُ. وَإِنْ كَانَ لِلصُّلْبِ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا .. أَخَذَتَا الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الابْنِ الذُّكُورِ أَوِ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، وَلَا شَيْءَ لِلإِنَاثِ الْخُلَّصِ
وإنما فُضِّل الذكر على الأنثى؛ لأنه مختص بالنصرة، والجهاد، وتحمل العقل.
وإنما جعل لها نصف ما للذكر؛ لأنها كذلك في الشهادة، والذكر له حاجتان؛ حاجة لنفسه، وحاجة لزوجته، وللأنثى حاجة واحدة لنفسها، بل هي غالبًا تستغني بالتزويج عن الإنفاق من مالها.
(وأولاد الابن) وإن سفلوا (إذا انفردوا كأولاد الصلب) فيما ذكر بالإجماع؛ لتنزيلهم منزلتهم 131.
(فلو اجتمع الصنفان) أي: أولاد الصلب وأولاد الابن؛ (فإن كان من ولد الصلب ذكر .. حجب أولادَ الابن) بالإجماع (وإلا) أي: وإن لم يكن ذكر؛ (فإن كان للصلب بنت .. فلها النصف، والباقي لولد الابن الذكور أو الذكورِ والإناث) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ قياسا على أولاد الصلب.
(فإن لم يكن إلا أنثى أو إناث .. فلها أو لهن السدس) تكملة الثلثين، أما في الواحدة .. فلأنه صلى الله عليه وسلم قضى به، رواه مسلم عن ابن مسعود 132.
وأما في الزائد على الواحدة .. فلأن البنات ليس لهن أكثر من الثلثين؛ فالبنت وبنات الابن أولى بذلك، وترجحت بنت الصلب على بنات الابن بقربها، فيشتركن في السدس؛ كالجدات الوارثات.
(وإن كان للصلب بنتان فصاعدًا .. أخذتا الثلثين) لما سبق (والباقي لولد الابن الذكورِ أو الذكور والإناث) للذكر مثل حظ الأنثيين.
(ولا شيء للإناث الخُلَّص) بالإجماع؛ لأنهن إنما يأخذن الثلثين عند عدم
الجزء: 2 - الصفحة: 549
إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ فَيُعَصِّبُهُنَّ. وَأَوْلَادُ ابْنِ الابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الابْنِ كأوْلَادِ الابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَنَازِلِ. وَإِنَّمَا يُعَصِّبُ الذَّكَرُ النَّازِلُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ، وَيُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثَيْنِ.
البنات، أو ما بقي منه مع الواحدة من البنات، ولذلك سمي ذلك السدس تكملة الثلثين (إلا أن يكون أسفلَ منهن ذكر فيعصبهن) لأنه لا يمكن إسقاطه؛ لأنه عصبة ذكر، ولا إسقاط من فوقه وإفراده بالميراث مع بُعْده، ولو كان في درجتهن .. لم يفرد مع قربه.
وأفهم تعصيبه لهن إذا كان في درجتهن من باب أولى، وقد يكون في هذه الحالة أخاهن أو أخا بعضهن، ويسمى: الأخ المبارك وقد يكون ابن عمهن.
(وأولاد ابن الابن مع أولاد الابن؛ كأولاد الابن مع أولاد الصلب) في جميع ما تقدم (وكذا سائر المنازل) يعني: في كلِّ درجة نازلة مع درجة عالية؛ فإذا خلف بنت ابن، وبنت ابن ابن؛ فللعليا النصف، وللسفلى السدس.
ولو خلف بنتي ابن، وبنت ابن ابن؛ فلبنتي الابن الثلثان، وليس للسفلى شيء إلا أن يكون في درجتها أو أسفل منها ذكرٌ يعصبها.
(وإنما يُعصِّب الذكر النازل مَنْ في درجته) كأخته وبنت عمه، فيعصبها مطلقًا، سواء فضل لها شيء من الثلثين أم لا.
واحترز بـ (من في درجته): عمن هي أسفل منه؛ فإنه يسقطها.
(ويُعصِّب من فوقه إن لم يكن لها شيء من الثلثين) كبنتي صلب، وبنت ابن، وابن ابن ابن؛ فإن كان لها شيء من الثلثين .. فلا يعصبها؛ كبنت، وبنت ابن، وابن ابن ابن، بل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي له؛ لأن لها فرضًا استغنت به عن تعصيبه.
ولو كان في هذا المثال بنتُ ابنِ ابنٍ أيضًا .. كان الباقي بينها وبين ابن ابن الابن أثلاثًا، وبنت الابن غير محرومة؛ لأنها أخذت تكملة الثلثين.
قال الفرضيون: وليس في الفرائض من يعُصِّب أخته، وعمته، وعمة أبيه، وجدِّه، وبناتَ أعمامه، وبنات أعمام أبيه، وجده إلا المنسفل من أولاد الابن.
الجزء: 2 - الصفحة: 550
فصلٌ [في كيفية إرث الأصول]
الأَبُ يَرِثُ بِفَرْضٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ أَوِ ابْنُ ابْنٍ، وَبِتَعْصِيبٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابن، وَبِهِمَا إِذَا كَانَ بِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابنٍ؛ لَهُ السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِمَا بِالْعُصُوبَةِ. وَلِلأُمِّ الثُّلُثُ أَوِ السُّدُسُ فِي الْحَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْفُرُوضِ، وَلَهَا فِي مَسْأَلتَيْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ
(فصل: الأب يرث بفرض) فقط، وهو السدس (إذا كان معه ابن) بنص القرآن (أو ابن ابن) بالقياس على الابن (وبتعصيب) فقط (إذا لم يكن ولد ولا ولد ابن) سواء كان وحده، أو معه صاحب فرض؛ كزوجة أو أم أو جدة، فله الباقي بعد الفرض بالعصوبة؛ لأن الله تعالى فرض له في حال وجود الولد خاصةً، ومفهومه: أنه لا يفرض له فيما عداه، وولد الولد ملحق بالولد إجماعًا.
(وبهما إذا كان بنت أو بنت ابن؛ له السدس فرضًا) 133 لأن لفظ الولد في الآية يشمل الذكر والأنثى، (والباقي بعد فرضهما بالعصوبة) لحديث: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ .. فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" متفق عليه 134. وحكى المَحاملي فيه: الإجماع.
و(أولى) في الحديث بمعنى: أقرب، ولا يمكن بمعنى: أحق؛ لما يلزم عليه من الإبهام والجهالة، فلا يبقى للكلام معنى.
وقوله: (أو بنت ابن) كذا هو في كتب الشيخين 135، ولو عطف بالواو .. لصحَّ؛ فإنه لو كان معه بنت، وبنت ابن، أو بنتان فأكثر، أو بنتا ابن فأكثر .. فالحكم كذلك، وهذه كلُّها ترد على تصوير المصنف.
(وللأم الثلث أو السدس في الحالين السابقين في الفروض) لما تقدم.
(ولها في مسألتي زوج، أو زوجة وأبوين .. ثلث ما بقي بعد الزوج أو الزوجة)
الجزء: 2 - الصفحة: 551
وَالْجَدُّ كَالأَبِ إِلَّا أَنَّ الأَبَ يُسْقِطُ الإِخْوَةَ وَالأَخَوَاتِ وَالْجَدَّ يُقَاسِمُهُمْ إِنْ كَانُوا لأَبَوَيْنِ أَوْ لأَبٍ، وَالأَبَ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ وَلَا يُسْقِطُهَا الْجَدُّ،
ففي الأولى: للزوج النصف، يبقى سهم، على ثلاثة لا يصحُّ ولا يُوافِق، فضرب اثنين في ثلاثة يبلغ ستة؛ للزوج ثلاثة، وللأم ثلث ما بقي وهو سهم، والباقي وهو سهمان للأب.
والمسألة الثانية من أربعة: للزوجة الربع سهم، وللأم ثلث ما بقي وهو سهم، والباقي وهو سهمان للأب، هذا هو المذهب الذي عليه الجمهور.
ووجَّهوه: بأنه شارك الأبوين ذو فرض، فكان للأم ثلث ما فضل عن الفرض؛ كما لو شاركهما بنت، وبأن الله تعالى جعل المال بين الأبوين إذا لم يكن زوج ولا زوجة أثلاثًا؛ للأم الثلث، وللأب الثلثان، فحصل للأب مِثْلَا ما للأم؛ فإذا كان معها زوج أو زوجة .. أخذ فرضه، والباقي بينهما أثلائًا.
وإنما قالوا: ثلث ما يبقى، ولم يقولوا: سدس المال في الأولى، وربعه في الثانية؛ محافظة على الأدب في موافقة القرآن.
(والجد كالأب) في جميع ما تقدم، وقضيته: أن يجمع بين الفرض والتعصيب، وهو أصحُّ الوجهين وأشهرهما في "زيادة الروضة" 136، والثاني: لا، بل يأخذ الباقي بعد فرض مَنْ تقدم بالتعصيب فقط، وقال المتولي: إنه المذهب.
وزعم الرافعي وغيره: أن الخلاف لفظي 137، والمأخوذ لا يختلف، واعترض: بظهور فائدته في صورتين: إحداهما: في حساب المسألة وأصلها، والثانية: فيما لو أوصى بجزء مما يبقى بعد الفرض.
(إلا أن الأب يُسقط الإخوة والأخوات، والجد يقاسمهم إن كانوا لأبوين أو لأب) كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(والأب يُسقط أُمَّ نفسه) لإدلائها به (ولا يسقطها الجد) أي: لا يسقط الجد أُمَّ الأب؛ لأنها لا تدلي به.
الجزء: 2 - الصفحة: 552
وَالأَبَ فِي زَوْجٍ أَوْ زَوْجة وَأَبَوَيْنِ يَرُدُّ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلَى ثلُثِ الْبَاقِي، وَلَا يَرُدُّهَا الْجَدُّ. وَللْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَكَذَا الْجَدَّاتُ، وَترِثُ مِنْهُنَّ أُمُّ الأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ خُلَّصٍ، وَأُمُّ الأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا أُمُّ أَبِ الأَبِ وَأُمُّ الأَجْدَادِ فَوْقَهُ وَأُمَّهَاتُهُن عَلَى الْمَشْهُورِ.
(والأبَ في زوج أو زوجة وأبوين يردُّ الأم من الثلث إلى ثلث الباقي ولا يردها الجد) بل تأخذ الثلث كاملًا؛ لأن الجد لا يساويها في الدرجة، فلا يلزم تفضيله عليها بخلاف الأب.
ويرد على حصره الاستثناء فيما ذكره: أن الأب لا يرث معه إلا جدة واحدة، ويرث مع الجد جدتان، وأبو الجد ومن فوقه؛ كالجد في ذلك كلِّه إلا أن كلَّ واحد يحجب أمَّ نفسه ولا يحجبها من فوقه، وكلما علا الجد درجة .. زاد معه جدة وارثة.
(وللجدة السدس) لما مرَّ (وكذا الجدات) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، رواه الحاكم من حديث عبادة، وقال: صحيح على شرط الشيخين 138، وفي "مراسيل أبي داوود": أنه عليه السلام أعطاه لثلاث جدات 139.
(وترث منهن أم الأم وأمهاتها المدليات بإناثٍ خُلَّص) كأم أم الأم وإن علت بالاتفاق (وأم الأب وأمهاتها كذلك) لما روي عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه قال: (أتت الجدتان إلى أبي بكر رضي الله عنه فأعطى أم الأم الميراث دون أم الأب، فقال رجل من الأنصار: أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، ومنعت التي لو ماتت ورثها؛ فجعل أبو بكر رضي الله عنه السدس بينهما) رواه الدارقطني في "سننه" بسند صحيح 140.
(وكذا أم أب الأب وأم الأجداد فوقه، وأمهاتهن على المشهور) لأنهن جدات يدلين بوارث، فيرثن؛ كأم الأب، والثاني: لا يرثن؛ لإدلائهن بجد، فأشبهن أم أب الأم.
الجزء: 2 - الصفحة: 553
وَضَابِطُهُ: كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِمَحْضِ إِنَاثٍ أَوْ ذُكُورٍ أَوْ إِنَاثٍ إِلَى ذُكُورٍ .. تَرِثُ، وَمَنْ أَدْلَتْ بذَكَرٍ بَيْنَ أُنثيَيْن .. فَلَا.
فصلٌ [في إرث الحواشي]
الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ لأَبَوَيْنِ إِنِ انْفَرَدُوا
(وضابطه) أي: ضابط الجدات الوارثات (كلُّ جدة أدلت) أي: وصلت (بمحض إناثٍ) كأم أم الأم (أو ذكور) كأم أب الأب (أو إناث إلى ذكور .. ترث) كأم أم الأب.
(ومن أدلت بذكر بين أنثيين) كأم أبي الأم ( .. فلا) ترث؛ كما لا يرث ذلك الذكر، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 141.
واعلم: أنه إذا اجتمع جدات .. فالوارث منهن من قبل الأم واحدة أبدًا، وإنما يقع التعداد في التي من قبل الأب، ويتعدد ذلك بتعدد الدرجة، ففي الدرجة الأولى: واحدة، وهي أم الأب، وفي الثانية: جدتان، وهي أم أم الأب، وأم أب الأب، وفي الثالثة: ثلاث، وفي الرابعة: أربع، وفي الخامسة: خمس؛ فتكون الوارثات في الدرجة الخامسة ست جدات؛ واحدة من قبل الأم، وخمس من قبل الأب، فإذا سئلت عن عدد من الجدات الوارثات .. فاجعل درجتهن بعدد المسؤول عنه، ومَحِّض نسبة الأولى إلى الميت أمهاتٍ، ثم أَبْدِل من آخر نسبة الثانية أمًّا بأب، وفي آخر نسبة الثالثة أمين بأبوين، وهكذا تنُقص من الأمهات وتزيد في الآباء حتى تتمحض نسبة الأخيرة أبًا.
فإذا سئلت عن خمس جدات وارثات .. فاجعل درجتهن خمسة الأولى: مدلية بالأمومة، وهي أم أم أم أم أم، الثانية: أم أم أم أم أب، الثالثة: أم أم أم أبي أب، الرابعة: أم أم أبي أبي أب، الخامسة: أم أبي أبي أبي أب.
(فصل: الإخوة والأخوات لأبوين إن انفردوا) عن الإخوة والأخوات للأب
الجزء: 2 - الصفحة: 554
وَرِثُوا كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَكَذَا إِنْ كَانُوا لأَبٍ إلَّا فِي الْمُشَرَّكَةِ، وَهِيَ زَوْج وَأُمّ وَوَلَدَا أُمٍّ وَأَخٌ لأَبَوَيْنِ، فَيُشَارِكُ الأخ وَلَدَيِ الأُمِّ فِي الثّلُثِ. وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الأَخِ أَخٌ لِأبٍ .. سَقَطَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ .. فَكَاجْتِمَاعِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ ابْنِهِ
( .. ورثوا كأولاد الصلب) للذكر جميع المال، وللأنثى النصف، وللاثنتين فصاعدًا الثلثان، وللذكر مثل حظ الأنثيين عند اجتماع الصنفين؛ كما تقدم.
(وكذا إن كانوا لأب) وانفردوا عن الأشقاء بالإجماع (إلا في المشركة) بفتح الراء المشددة، وقيل: بكسرها، (وهي: زوجٌ وأم) أو جدة (وولدا أم) فصاعدًا (وأخ لأبوين؛ فيشارك الأخ) الشقيق (ولدي الأم في الثلث) بأخوة الأم؛ لاشتراكهم في القرابة التي ورثوا بها الفرض، فأشبه ما لو كان أولاد الأم بعضهم ابن عم .. فإنه يشارك بقرابة الأم وإن سقطت عصوبته.
وتُسمَّى هذه بـ (الحِمَاريّة) لأنها وقعت في زمن سيدنا عمر رضي الله عنه؛ فحرم الأشقاء، فقالوا: هَبْ أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟ فشرَّك بينهم 142، وإذا شركنا بين أولاد الأم وأولاد الأبوين .. تقاسموا بالسوية ذكورهم كإناثهم.
(ولو كان بدل الأخ) لأبوين (أخٌ لأب .. سقط) بالإجماع؛ لأنه ليس له قرابة أُمٍّ يشارك بها، ولو كان بدله أخت لأب .. فرض لها النصف وعالت، فلو كان معها أو معهن أخ .. سقط وأسقطهن، وهذا هو الأخ المشؤوم.
(ولو اجتمع الصنفان) أي: الأشقاء والإخوة لأب ( .. فكاجتماع أولاد الصلب وأولادِ ابنه) من غير فرق، فإن كان ولد الأبوين ذكرًا .. فأولاد الأب يسقطون به بالإجماع؛ لتميز ولد الأبوين بقرابة الأم؛ كما امتاز ابن الصلب بقرب الدرجة.
أو أنثى .. فلها النصف، والباقي لأولاد الأب إن كانوا ذكورًا، فإن كانوا ذكورًا وإناثًا .. فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن تمحضوا إناثًا أو أنثى فقط .. فلهن أو لها السدس تكملة الثلثين، وإن كان من ولد الأبوين اثنتان فأكثر .. أخذتا الثلثين، ولا شيء للإناث الخُلَّص من أولاد الأب.
الجزء: 2 - الصفحة: 555
إلَّا أَنَّ بَنَاتِ الابْنِ يُعَصَبُهُنَّ مَنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ أَوْ أَسْفَلَ، وَالأُخْتُ لَا يُعَصِّبُهَا إلَّا أَخُوهَا. وَلِلْوَاحِدِ مِنَ الإِخْوَةِ أَوِ الأَخَوَاتِ لِأمٍّ: السُّدُسُ، وَلِلاثنيْنِ فَصَاعِدًا: الثُّلُثُ؛ سَوَاءٌ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ. وَالأَخَوَاتُ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الابْنِ عَصَبَة كَالإِخْوَةِ؛ فَتُسْقِطُ أُخْتٌ لِأبَوَيْنِ مَعَ الْبنْتِ الأَخَوَاتِ لِأب. وَبَنُو الإِخْوَةِ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ كُلٌّ مِنْهُمْ كَأَبِيهِ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، لكَنْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ الأُمَّ إِلَى السُّدُسِ،
(إلا أن بنات الابن يُعصِّبهن من في درجتهن أو أسفل) كما سبق (والأخت لا يُعصِّبها إلا أخوها) لا أولاد الأخ ولا أولاد بني العم، فإذا خلف أختين لأبوين، وأختًا لأب، وابن أخ لأب ... فللأختين الثلثان، والباقي لابن الأخ، ولا يُعصِّب الأخت لأب.
والفرق بينه وبين ابن الابن حيث يُعصِّب عمته: أن ابن ابن الأب يُعصِّب أخته؛ فعصب عمته، وابن الأخ لا يُعصِّب أخته؛ لأنها لا ترث فلا يُعصِّب عمته، وأيضًا ابن الابن يُسمَّى ابنًا حقيقة أو مجازًا، وابن الأخ لا يُسمَّى أخًا.
(وللواحد من الإخوة أو الأخوات لأم: السدس، وللاثنين فصاعدًا: الثلث) لما قدمناه (سواء ذكورهم وإناثهم) بالإجماع؛ لأنهم يرثون بالرحم فاستووا؛ كالأبوين مع الولد، فإنهما يشتركان في الثلث، بخلاف الإخوة لأبوين أو لأب؛ فإنهم يرثون بالتعصيب فأخذ الذكر مثل حظ الأنثيين.
(والأخوات لأبوين أو لأب مع البنات وبناتِ الابن عصبةٌ؛ كالإخوة) بالإجماع.
والمراد بـ (البنات) و (الأخوات): الجنس لا الجمع؛ فإن الأخت الواحدة مع البنت الواحدة عصبةٌ؛ كما أشار إليه المصنف بالمثال.
(فتسقط أخت لأبوين مع البنت الأخوات لأب) وكذا الإخوة له؛ كما يسقط الأخ الشقيق الأخ لأب.
(وبنو الإخوة لأبوين، أو لأب كلٌّ منهم كأبيه اجتماعًا وانفرادًا) فيستغرق الواحد منهم المال عند انفراده، ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفروض، وعند الاجتماع يسقط ابن الأخ للأب؛ كما يسقط الأخ للأب مع الشقيق.
(لكن يخالفونهم في أنهم لا يردون الأم إلى السدس) لأن الله تعالى أعطاها الثلث
الجزء: 2 - الصفحة: 556
وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْجَدِّ، وَلَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَيَسْقُطُونَ فِي الْمُشَرَّكَةِ. وَالْعَمّ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ كَأخٍ مِنَ الْجِهَتَيْنِ اجْتِمَاعا وَانْفِرَادًا، وَكَذَا قِيَاسُ بَنِي الْعَمِّ وَسَائِرِ عَصَبَةِ النَّسَبِ.
حيث لا إخوة، وهذا الاسم لا يصدق على بنيهم بحال، بخلاف ولد الولد فإنه يُسمَّى ولدًا حقيقة أو مجازًا.
(ولا يرثون مع الجد) بل يسقطون به؛ لأن الجدَّ كالأخ؛ بدليل تقاسمهما إذا اجتمعا، وإذا كان كالأخ .. فلا يرث ابن الأخ معه؛ لأنه أقرب منه، (ولا يُعصِّبون أخواتهم) لأنهن من ذوات الأرحام، (ويسقطون في المُشَرَّكة) لأن مأخذ التشريك قرابة الأم، وابن ولد الأم لا ميراث له.
وهذه المخالفة مختصة ببني الإخوة لأبوين؛ كما صرح به في "المحرر" 143، فأما الإخوة للأب وبنوهم .. فكلهم ساقطون؛ لعدم إدلائهم بالأم.
واقتصر المصنف على هذه الصور، وزاد في "الروضة" ثلاث صور أخر: الأولى: الإخوة لأبوين يحجبون الإخوة لأب، وبنوهم لا يحجبونهم، الثانية: الأخ للأب يحجب ابن الأخ الشقيق، وابنه لا يحجبه، الثالثة: بنو الإخوة لا يرثون مع الأخوات إذا كُنَّ عصبات مع البنات 144.
(والعم لأبوين أو لأب كأخ من الجهتين اجتماعًا وانفرادًا) فمن انفرد منهما أخذ جميع المال، والباقي بعد الفرض، وإن اجتمعا .. سقط العم للأب؛ كأخ من أب مع الأخ للأبوين.
(وكذا قياس بني العم) من الأبوين أو من الأب عند عدم العم؛ كبني الإخوة عند عدم الإخوة، (وسائرِ عصبة النسب) أي: كلُّ ابنٍ من العصبة كأبيه، وإلا .. فليس بعد بني الأعمام من عصبات النسب أحد.
قال السبكي: وقد يورد عليه بنو الأخوات اللواتي هُنَّ عصبة مع البنات وليس
الجزء: 2 - الصفحة: 557
وَالْعَصَبَةُ: مَنْ لَيْسَ لَهُ سَهْم مُقَدَّرٌ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ،
بنوهُنَّ مثلهن وهُنَّ من عصبة النسب، وأجاب عنه المنكت: بأن الكلام في العصبة بنفسه 145.
قال شيخي ووالدي أمتع الله بحياته: وأصل الإيراد ممنوع 146؛ لأن الكلام في أن الولد يقوم مقام أبيه، ولا يخفى أن ما نحن فيه ليس كذلك.
(والعصبة: من ليس له سهم مقدر من المجمع على توريثهم) هذا بيان لحدِّ العصبة، وأخرج بالقيد الأول: أصحاب الفروض، وبالثاني: ذوي الأرحام؛ فإن من ورثهم لا يسميهم عصبة وإن لم يكن له سهم مقدر، ولا يجيء هذا التعريف على مذهب أهل التنزيل، وهو المصحح في "الروضة" 147؛ فإنهم ينزلون كلًّا منهم منزلة من يدلي به، وهم ينقسمون إلى ذوي فرض وعصبات، كذا قاله ابن الملقن وغيره 148، وفيه نظر؛ فإنه إذا نزلناه منزلة من يدلي به وكان من يدلي به عصبة .. لا يُسمَّى عصبة.
وأورد على هذا التعريف: الأخوات مع البنات؛ فإن لهنَّ فرضًا مقدرًا، وقد يكنَّ عصبة، وأجيب: بأن التعريف للعصبة بنفسه لا لمطلق العصبة؛ بدليل: أنه عقبه بقوله: (فيرث المال) وهذا مختص بالعصبة بنفسه، أما غيره .. فليس له حال يستغرق فيها المال.
واعترض: بأن كلًّا من الأب والجد عصبة بنفسه، ومع ذلك له سهم مقدر؛ فينبغي أن يؤول كلامه على من ليس له سهم مقدر حال تعصيبه من جهة التعصيب؛ ليدخل من ذكرناه؛ فإنَّ له في حالة أخرى سهمًا مقدرًا.
ويدخل أيضًا: ابن العم إذا كان أخًا لأم أو زوجًا؛ لأن الفرض لابن العم ليس من جهة التعصيب، بل من جهة الزوجية أو أخوّة الأم.
الجزء: 2 - الصفحة: 558
فَيَرثُ الْمَالَ أَوْ مَا فَضَلَ بَعْدَ الْفُرُوض.
فصلٌ [في الإرث بالولاء]
مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ بِنَسَبٍ وَلَهُ مُعْتِقٌ .. فَمَالُهُ أَوِ الْفَاضِلُ عَنِ الْفُرُوضِ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَلِعَصَبَتِهِ بِنَسَبٍ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ لَا لِبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ،
(فيرث المالَ أو ما فضل بعد الفروض) هذا بيان لحكم العصبة؛ ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ .. فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" متفق عليه 149. والجمع بين رجل ذكر تأكيد؛ لأن الرجل قد يطلق لا في مقابلة الأنثى فأريد تحقيق أنه ليس بأنثى، وهذا في العصبة بنفسه؛ أما العصبة بغيره؛ كالبنات مع إخوتهن ومع غيره؛ كالأخوات لغير الأم مع البنات .. فليس لهُنَّ حال يستغرقن فيه المال.
(فصل: من لا عصبة له بنسب وله معتقٌ .. فماله أو الفاضل عن الفروض له، رجلًا كان) المعتق، (أو امرأة) لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 150، ولأن الإنعام بالإعتاق موجود من الرجل والمرأة، فاستويا في الإرث، وحكى ابن المنذر وابن اللبان فيه الإجماع 151، وإنما تأخر الولاء عن النسب؛ لقوته كما تقدم عند قوله: (والمعتق يحجبه عصبة النسب)، ويُرشد إليه حديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" 152 شبهه به، والمشبه دون المشبه به.
(فإن لم يكن) المعتق موجودًا ( .. فلعصبته) أي: لعصبة المعتق (بنسب المتعصبين بأنفسهم لا لبنته وأخته) فإن البنت عصبة بغيرها، والأخت عصبة مع غيرها، قال ابن المنذر: وهو قول عامة العلماء 153.
الجزء: 2 - الصفحة: 559
وَتَرْتيبُهُمْ كَتَرْتيبهِمْ فِي النَّسَب، لكِنِ الأَظْهَرُ: أَنَّ أَخَا الْمُعْتِقِ وَابْنَ أَخِيهِ يُقَدَّمَانِ عَلَى جَدِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ .. فَلِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ ثُمَّ عَصَبَته كَذَلِكَ. وَلَا تَرِثُ امْرَأَة بِوَلَاءٍ إِلَّا مُعْتَقَهَا
والمعنى فيه كما قاله ابن سريج: أن الولاء أضعف من النسب المتراخي، وإذا تراخى .. ورث الذكور دون الإناث كبني الأخ وبني العم دون أخواتهم، فإذا لم ترث بنت الأخ وبنت العم .. فبنت المعتق أولى ألا ترث؛ لأنها أبعد منهما.
(وترتيبهم) هنا (كترتيبهم في النسب) فيقدم الابن ثم ابنه وإن سفل، ثم أبوه (لكن الأظهر: أن أخا المعتِق) لأبوين أو لأب، (وابن أخيه) لهما (يقدَّمان على جده) أما في الأولى .. فلأن الأخ ابن أبي المعتق، والجد أبو أبيه، والبنوة أقوى في العصوبة، وإنما تركنا هذا القياس في النسب؛ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الأخ لا يُسقط الجد، ولا إجماع في الولاء فصرنا إليه، والثاني: أنهما يستويان، والأصحُّ على هذا: أنه يقاسمه أبدًا؛ إذ لا يتصور الفرض في باب الولاء.
وأما الثانية .. فالخلاف فيها مبني على الأولى؛ فإن قلنا بأن الأخ مقدم على الجد .. فابنه أيضًا كذلك؛ لقوة البنوة؛ كما يقدم ابن الابن وإن سفل على الأب، وإن قلنا بالتسوية .. فالجد أولى من ابن الأخ على الأصحِّ؛ لقرب درجته.
واقتصر المصنف على استثناء هاتين الصورتين، وزاد في "الروضة" و"أصلها" ثالثة، وهي: إذا كان للمعتق ابنا عم أحدهما أخ لأم .. فالأظهر: تقديمه على ابن العم الذي ليس بأخ، بخلاف النسب 154: فإنهما سواء بعد إخراج الفرض.
والفرق: أن الأخ للأم في النسب يرث فأعطي فرضه، واستويا في الباقي بالعصوبة، وفي الولاء لا يرث بالفرض، فرجح من يدلي بقرابة الأم.
(فإن لم يكن له عصبة .. فلمعتِق المعثِق ثم عصبته) أي: عصبة معتِق المعتِق (كذلك) على الترتيب المذكور في عصبات المعتق، ثم لمعتِق معتِق المعتِق، ثم لعصبته، وعلى هذا القياس.
(ولا ترث امرأة بولاء إلا معتَقها) أي: بفتح التاء؛ لإطلاق الحديث المار:
الجزء: 2 - الصفحة: 560
أَوْ مُنْتَمِيًا إِلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ.
فصلٌ [في حكم الجد مع الإخوة]
اجْتَمَعَ جَدٌّ وَإِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ .. فَلَهُ الأَكْثَرُ مِنْ ثلُثِ الْمَالِ وَمُقَاسَمَتِهِمْ؛ كَأَخٍ، فَإِنْ أخَذَ الثُّلُثَ .. فالْبَاقِي لَهُمْ،
"إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 155، (أو منتميًا إليه بنسب أو ولاء) كما لو كان المعتق رجلًا.
والمراد بالنسب: ولده وإن سفل، وبالولاء: عتيقه.
(فصل: اجتمع جدٌّ وإخوة وأخوات لأبوين أو لأب؛ فإن لم يكن معهم ذو فرض .. فله الأكثر من ثلث المال ومقاسمتِهم؛ كأخ) ولا يسقط الجد بالإخوة بإجماع الصحابة وإن كان ابن حزم حكى سقوطه بهم عن طائفة 156، وهو شاذ؛ لأن الجدَّ لا يسقط بالابن فبالأخ أولى.
وجه المقاسمة: أنه في رتبة الإخوة، ووجه الثلث: أن الجد والأم إذا اجتمعا .. أخذ الجد مِثْلَي ما أخذته الأم؛ لأنها تأخذ الثلث، وهو يأخذ الثلثين، والإخوة لا ينقصوا الأم من السدس، فوجب ألا ينقصوا الجد من ضعف السدس.
وإنما أعطي أكثر الأمرين؛ لأنه اجتمع فيه جهة الفرض والتعصيب، فأعطيناه خيرهما.
وفهم من قوله: (كأخ) أنه يأخذ مع الأخوات مثل حظ الأنثيين 157.
(فإن أخذ الثلث .. فالباقي لهم) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ كما لو لم يكن معهم جد، وقد تستوي القسمة والثلث، والضابط: أن الإخوة والأخوات إن كانوا مثْلَيه .. فالقسمة والثلث سِيَّان؛ كجد وأخوين، وإن كانوا دون مثليه؛ كجد وأخ وأخت ..
الجزء: 2 - الصفحة: 561
وَإِنْ كَانَ .. فَلَهُ الأَكْثَرُ مِنْ سُدُسِ التَّرِكَةِ وَثُلُثِ الْبَاقِي وَالْمُقَاسَمَةِ. وَقَدْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ - كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجٍ - فَيُفْرَضُ لَهُ سُدُسٌ وَيُزَادُ فِي الْعَوْلِ. وَقَدْ يَبْقَى دُونَ سُدُسٍ - كَبنْتَيْنِ وَزَوْجٍ - فيُفْرَضُ لَهُ وَتُعَالُ. وَقَدْ يَبْقَى سُدُسٌ كَبنْتَيْنِ وَأُمٍّ - فَيَفُوزُ بِهِ الْجَدُّ. وَتَسقُطُ الإِخْوَة فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ
فالقسمة خيرٌ له، وإن كانوا فوق مثليه، كجد وثلاث إخوة .. فالثلث خيرٌ له من المقاسمة.
(وإن كان) معهم ذو فرض ( .. فله الأكثر من سدس التركة وثلث الباقي والمقاسمةِ) أما السدس .. فلأنه لا ينقص عنه مع الأولاد؛ فمع الإخوة أولى، وأما ثلث الباقي .. فلأنه لو لم يكن صاحب فرض .. لأخذ ثلث جميع المال، فإذا خرج قدر الفرض مستحقًّا .. أخذ الثلث الباقي، وكأن الفرضَ تَلِفَ من المال، وأما المقاسمة .. فلما سبق من تنزيله منزلة أخ.
وأصحاب الفروض الوارثون مع الجد والإخوة ستة: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والزوج، والزوجة؛ فسدس جميع المال خير له في زوجة، وابنتين، وجد، وأخ.
وثلث الباقي خير له في جدة، وجد، وخمس إخوة؛ أصلها من ثمانية عشر، للجدة ثلاثة، وللجد خمسة، والباقي للإخوة لكلِّ أخ سهمان.
والمقاسمة خيرٌ له في جدة، وجد، وأخ؛ أصلها من ستة، وتصحُّ من اثني عشر.
(وقد لا يبقى شيء) بعد أصحاب الفروض (كبنتين وأم وزوج؛ فيفرض له سدس، ويزاد في العول) فإنها من اثني عشر، وعالت إلى ثلاثة عشر، وفرض له السدس فزاد العول إلى خمسة عشر.
(وقد يبقى دون سدس -كبنتين وزوج- فيفرض له وتُعال) فالمسألة من اثني عشر؛ للبنتين الثلثان، وللزوج الربع، يبقى نصف سدس؛ فتعول إلى ثلاثة عشر.
(وقد يبقى سدس -كبنتين وأم- فيفوز به الجد) لأن أصلها من ستة؛ للبنتين الثلثان، وللأم السدس، وللجد السدس.
(وتسقط الإخوة) والأخوات (في هذه الأحوال) لأنهم عصبة، وقد استغرق المالَ أهلُ الفرض.
الجزء: 2 - الصفحة: 562
وَلَوْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأبَوَيْنِ وَلأبٍ .. فَحُكْمُ الْجَدِّ مَا سَبَقَ وَيُعَدُّ أَوْلَادُ الأَبَوَيْنِ عَلَيْهِ أَوْلَادَ الأَبِ فِي الْقِسْمَةِ. فَإِذَا أَخَذَ حِصَّتَهُ؛ فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ .. فَالْبَاقِي لَهُمْ وَيَسْقُطُ أَوْلَادُ الأَبِ، وإلَّا .. فَتأْخُذُ الْوَاحِدَةُ إِلَى النِّصْفِ، وَالثِّنْتَانِ فَصَاعِدًا إِلَى الثُّلُثَيْنِ.
(ولو كان مع الجد إخوة وأخوات لأبوين ولأب .. فحكم الجد ما سبق) من خير الأمرين إذا لم يكن معه صاحب فرض، وخير الأمور الثلاثة إن كان؛ كما لو لم يكن معه إلا أحد الصنفين.
وقوله: (ولأب) هو معطوف بـ (الواو)، بخلاف المذكور أول الفصل، فإنه معطوف بـ (أو) لأن ذاك فيما إذا كان معه أحدهما، والكلام هنا فيما إذا كانا معه.
(ويُعد أولاد الأبوين عليه أولادَ الأب في القسمة) أي: يدخلونهم في العدد على الجد إذا كانت المقاسمة خيرًا له.
(فإذا أخذ حصته؛ فإن كان في أولاد الأبوين ذكر) واحد فأكثر معه أنثى فأكثر أو وحده ( .. فالباقي لهم) للذكر مثل حظ الأنثيين (ويسقط أولاد الأب) مثاله: جد، وشقيق، وأخ لأب؛ هي من ثلاثة، للجد سهم، والباقي للشقيق؛ لأن الاخ لأبوين، يقول للجد: أنا وأخي من الأب بالإضافة إليك سواء، وأنا الذي أحجبه فأزاحمك به وآخذ حصته، وهذا كما أن الإخوة يردون الأم من الثلث إلى السدس، والأب يحجبهم ويأخذ ما نقَّصوا من الأم.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيهم ذكر، بل تمحضوا إناثًا، ( .. فتأخذ الواحدة إلى النصف) أي: يكمل على حصتها إلى تمام النصف، مثاله: جد، وشقيقة، وأخ لأب؛ هي من خمسة، وتصحُّ من عشرة؛ للجد أربعة، وللشقيقة خمسة، يفضل واحد للأخ من الأب.
(والثنتان فصاعدًا إلى الثلثين) مثاله: جد، وشقيقتان، وأخ لأب؛ هي: من ستة، للجد سهمان، والباقي للشقيقتين، ولا شيء للأخ للأب، فلو كان جد، وشقيقتان، وأخت لأب .. كانت من خمسة؛ للجد سهمان، والباقي للشقيقتين، وهو دون الثلثين، فلا تزادان عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 563
وَلَا يَفْضُلُ عَنِ الثُّلُثَيْنِ شَيْءٌ، وَقَدْ يَفْضُلُ عَنِ النِّصْفِ فَيَكُونُ لِأوْلَادِ الأَبِ. وَالْجَدُّ مَعَ أَخَوَاتٍ كَأَخٍ؛ فَلَا يُفْرَضُ لَهُنَّ مَعَهُ إلَّا فِي الأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْج وَأُمٌّ وَجَدٌ وَأُخْتٌ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ؛ لِلزَّوْجِ نِصْفٌ، ولِلأُمِّ ثلُثٌ، ولِلْجَدِّ سُدُسٌ، وَلِلأُخْتِ نِصْفٌ، فَتَعُولُ ثُمَّ يَقْتَسِمُ الْجَدُّ وَالأُخْتُ نَصِيبَهُمَا أَثْلَاثًا، لَهُ الثُّلُثَانِ
وهذا يدل على أن ذلك بالتعصيب، وإلا لزيدتا وأعيلت، ومثله: ما لو نقص ما بقي للشقيقة عن النصف؛ كجد، وأم، وزوجة، وشقيقة، وأخ لأب؛ فتقتصر الشقيقة على ما فضل لها، ولا تزاد عليه.
فقوله: (فتأخذ الواحدة إلى النصف) أي: إن وجدته، وكذا الثلثان في الثنتين، وإلا .. لورد ذلك على إطلاقه.
(ولا يفضل عن الثلثين شيء) فإذا مات عن أختين شقيقتين، وأخ لأب، وجد؛ فللجد الثلث، والباقي وهو الثلثان للشقيقتين، وهو تمام فرضهما.
(وقد يفضل عن النصف فيكون لأولاد الأب) كما سبق في جد، وشقيقة، وأخ لأب، والحاصل: أن أولاد الأب لا يأخذون شيئًا إلا أن يكون ولد الأبوين أنثى واحدة.
(والجد مع أخوات كأخ؛ فلا يفرض لهنَّ معه) كما لا يفرض لهنَّ مع الأخ؛ لوجود من يجعلها عصبة، ولا تعال المسألة بسببهن وإن كان قد يفرض للجد وتعال المسألة بسببه كما سبق؛ لأنه صاحب فرض بالجدودة فيرجع إليه للضرورة.
(إلا في الأكدرية، وهي: زوج، وأم، وجد، وأخت لأبوين أو لأب؛ للزوج نصف، وللأم ثلث) 158 لعدم من يحجبها عنه (وللجد سدس) كذلك أيضًا (وللأخت نصف) لعدم من يُسقطها ومن يُعصِّبها؛ فإن الجد لو عصبها .. نقص حقه؛ فتعين الفرض لها (فتعول) بنصيب الأخت، وهو النصف إلى تسعة فإن أصلها من ستة.
(ثم يقتسم الجد والأخت نصيبهما أثلاثًا، له الثلثان) ونصيبهما أربعة، وهي لا تنقسم على ثلاثة، فاضرب ثلاثة في تسعة تبلغ سبعة وعشرين؛ للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة، وإنما يقسم الثلثان بينهما؛ لأنه لا سبيل
الجزء: 2 - الصفحة: 564
فصلٌ [في موانع الإرث]
لَا يَتَوَارَثُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ. وَلَا يَرِثُ مُرْتدٌّ وَلَا يُورَثُ
إلى تفضيلها على الجد، كما في سائر صور الجد والإخوة؛ ففرض لها بالرحم، وقسم بينهما بالتعصيب؛ رعايةً للجانبين.
وفي تسمية هذه أكدرية سبعة أقوال 159: من أحسنها: أنها كدرت على زيد مذهبه؛ لأنه لا يفرض للأخت مع الجد، ولا يعيل مسائل الجد، وهنا فرض وأعال، وأيضًا: فإنه جمع سهام الفرض فقسمها على التعصيب، فكدرت مذهبه من هذه الأوجه الثلاثة، وقيل: إن رجلًا يقال له أكدر ألقاها على ابن مسعود؛ فسميت باسم السائل، وقيل: إن الميتة في هذه الصورة كان اسمها أكدرة؛ فسميت بها.
(فصل) في موانع الميراث (لا يتوارث مسلم وكافر) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" متفق عليه 160.
ولا فرق بين النسب والولاء في ذلك، وعن الإمام أحمد أن اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء، ونقله القاضي عبد الوهاب المالكي عن الشافعي، وغلط في ذلك، وكأنه توهم ذلك من قول الشافعي: أن الولاء ثابت بين المسلم والكافر، ومعناه: أن الولاء ثابت للكافر كالقرابة؛ فإن أسلم قبل موت المسلم .. ورث به، وإن مات قبل أن يسلم .. لم يرثه.
(ولا يرث مرتد) بحال؛ إذ لا سبيل إلى توريثه من مثله؛ لأنه غير مبقىً، ولا من مسلم؛ للخبر المتقدم، ولا من كافر أصلي؛ للمنافاة بينهما؛ لأنه لا يقر على دينه، وذاك يقر، (ولا يورث) بل ماله فيء لبيت المال، وسواء في عدم التوريث منه ما اكتسبه في الإسلام، أو في الردة، ارتد في الصحة أو في المرض وقصد منع وارثه، والدليل عليه فيما إذا ارتد في الصحة وفيما اكتسبه في الإسلام: الإجماع، وفي
الجزء: 2 - الصفحة: 565
وَيَرِثُ الْكَافِرُ الْكَافِرَ وإنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، لكِنِ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ حَرْبِيٍّ وَذِمَيٍّ. وَلَا يَرِثُ مَنْ فيهِ رِقٌّ
الباقي: القياس عليهما، وللإمام احتمال في توريث المرتد من مثله 161، والزنديق كالمرتد.
(ويرث الكافر الكافر وإن اختلفت مِلَّتهما) كاليهودي والنصراني والمجوسي والوثني؛ لأن جميع ملل الكفر في البطلان كالملة الواحدة، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، وقيل: لا ترث ملة منهم ملة أخرى؛ بناءً على أن الكفر مللٌ مختلفة.
ولا فرق في توارث بعضهم من بعض بين أن يكونا حربيين أو غير حربيين، ولا بين أن يكون الحربيان متفقي الدار أو مختلفَيْها، وذلك بأن يختلف الملوك، ويرى بعضهم قتل بعض؛ كالروم والهند، كذا في "الروضة" و"أصلها" 162، لكن في "شرح مسلم" نقل عن الأصحاب: أن الحربيين في بلدين متحاربين لا يتوارثان 163، ونقله السبكي عن مسودة "شرح التنبيه" للمصنف، قال في "المهمات": وهو وهم 164، وإنما هو مذهب أبي حنيفة.
(لكن المشهور: أنه لا توارث بين حربي وذمي) لانقطاع الموالاة بينهما، والثاني: يتوارثان؛ لشمول الكفر.
والمعاهد والمستأمن كالذمي، وقيل: كالحربي.
(ولا يرث من فيه رقٌّ) لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فإن (اللام) فيه للتمليك، والعبد لا يملك، وإن قيل: يملك .. فهو ملك ضعيف، ولأنه لو ورث .. لكان الملك للسيد، وهو أجنبي من الميت.
وفي المبعض وجهٌ ضعيف: أنه يرث بقدر ما فيه من الحرية، والصحيح: المنع؛
الجزء: 2 - الصفحة: 566
-وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يُورَثُ- وَلَا قَاتِلٌ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُضْمَنْ .. وَرِثَ. وَلَوْ مَاتَ مُتَوَارِثَانِ بِغَرَقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ فِي غُرْبَةٍ مَعًا، أَوْ جُهِلَ أَسْبقُهُمَا .. لَمْ يَتَوَارَثَا وَمَالُ كُلٍّ لِبَاقِي وَرَثَتِهِ
لأنه ناقص بالرق في النكاح والطلاق والولاية؛ فلم يرث؛ كالقن.
(والجديد: أن من بعضه حر يورث) ما ملكه ببعضه الحر؛ لأنه تام الملك؛ كالحر، فترثه زوجته وقريبه أو معتقه.
وفي القدر الموروث وجهان: أصحهما: جميع ما ملكه ببعضه الحر، والثاني: يقدر ما فيه من الحرية، وباقيه لمالك بعضه.
والقديم: أنه لا يورث كما لا يرث؛ كالمرتد فما تركه يكون لمالك باقيه، ولم يذكر المصنف كون الرقيق لا يورث؛ استغناءً بما اقتضاه كلامه في المبعض، وقد صرح به في "المحرر" 165.
(ولا قاتل) من مقتوله؛ لأحاديث واردة في الباب كلُّها متكلم فيها 166، والمعنى فيه: أنا لو ورثناه .. لم نأمن ذاعر من مستعجل الإرث أن يقتل مُورِّثه؛ فاقتضت المصلحة حرمانه، ولأن القتل قطع الموالاة، وهي سبب الإرث، وسواء أكان القتل عمدًا أو خطأ، وسواء قصدت مصلحته؛ كضرب الأب والمعلم للتأديب، وبطء جرحه، وسقيه دواء إذا مات به الصبي أو غيره، أو لم يقصد، وسواء فيه المكره والمختار على المذهب.
(وقيل: إن لم يُضمَن) كقتله قصاصًا أو حدًّا ( .. ورث) لأنه قتل بحق.
وقوله: (يضمن) هو بضم أوله؛ ليدخل فيه القاتل خطأ، فإن العاقلة تضمنه.
وقد يفهم كلام المصنف: أنه يرث المقتول من قاتله ولا خلاف فيه، وصورته: بأن يجرح مُورِّثَه، ثم يموت قبل المجروح، ثم يموت المجروح من تلك الجراحة.
(ولو مات متوارثان بغرق أو هدم أو في غربة معًا، أو جُهل أسبقهما .. لم يتوارثا، ومالُ كلٍّ لباتي ورثته) لأن الله تعالى إنما ورَّث الأحياء من الأموات، وهنا
الجزء: 2 - الصفحة: 567
وَمَنْ أُسِرَ، أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ .. ترُكَ مَالُهُ حَتَّى تقومَ بيِّنَةٌ بِمَوْتهِ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا، فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتهِ،
لا نعلم حياته عند موت صاحبه، فلم يرثه؛ كالجنين إذا خرج ميتًا، ولأنا إن ورثنا أحدهما فقط .. فهو تحكُّمٌ، وإن ورثنا كلًّا من صاحبه .. تيقنا الخطأ؛ لأنهما إن ماتا معًا .. ففيه توريث ميت من ميت، أو متعاقبين .. ففيه توريث من تقدم ممن تأخر، وحينئذ فيقدر في حقِّ كلِّ ميت أنه لم يخلف الآخر.
ودخل في قوله: (جهل أسبقهما) صورتان: ما إذا لم يعلم هل وقعا معًا أو بالتلاحق، أو علم التلاحق ولكن جهل السابق؛ فالحاصل: ثلاث صور لا يورث فيها: هاتان، وما إذا ماتا معًا، وخرجت صورتان: ما لو علم السابق واستمر، وهو واضح، أو علم ثم نسي .. فإنه يوقف الميراث إلى الصلح؛ لأن التذكر غير مأيوس منه.
وحاصل ما ذكره المصنف من الموانع: أربعة، وأهمل الدور الحكمي، وهو: أن يلزم مِنْ توريثه عدمُ توريثه؛ كما لو أقرَّ الأخ بابنٍ لأخيه الميت .. فإنه يثبت نسبه ولا يرث، وقد ذكره في (الإقرار) 167.
ولو أعتق المريض أمة تخرج من ثلثه، وتزوجها ثم مات .. فالأصحُّ: صحة النكاح، ولا ترث؛ لأن إرثها يؤدي إلى نفيه؛ فإن عتقها في المرض وصية لها، والوصية لا تصح للوارث، فلو ورثناها .. لبطل عتقها.
(ومن أسر، أو فقد وانقطع خبرُه .. ترك ماله حتى تقوم بيِّنةٌ بموته، أو تمضي مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها، فيجتهد القاضي ويحكم بموته) لأن الأصل بقاءُ الحياة، فلا يورث إلا بيقين، أما عند البينة .. فظاهر، وأما عند مضي المدة مع الحكم .. فلتنزيله منزلة قيام البينة.
وأفهم كلامه: أمرين: أحدهما: أن هذه المدة لا تتقدر، وهو الصحيح، وقيل: تتقدر بسبعين سنة، وقيل: بمئة وعشرين سنة؛ فإنه العمر الطبيعي عند
الجزء: 2 - الصفحة: 568
ثُمَّ يُعْطِي مَالَهُ مَنْ يَرِثه وَقْتَ الْحُكْمِ. وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَرِثه الْمَفْقُودُ .. وَقَفْنَا حِصَّتَهُ وَعَمِلْنَا فِي الْحَاضِرِينَ بِالأَسْوَأ
الأطباء، حكاه صاحب "البيان" 168، ثانيهما: اعتبار حكم الحاكم، ولا يكفي مضي المدة، وأشار الرافعي إلى اختلاف عبارة الأصحاب فيه، وقال في "الشرح الصغير": الظاهر اعتباره.
(ثم يعطي ماله من يرثه وقت الحكم) بموته؛ فإنه فائدة الحكم.
وقوله: (وقت الحكم) كذا جزما به 169، وفي "البسيط" قبيل الحكم، قال السبكي: ويشبه ألا يكون اختلافًا، فإن الحكم إظهار فيقدر موته قبيله بأدنى زمان، وقوله: (من مات قبل الحكم بلحظة .. لم يرثه) لا ينافي ما قلناه؛ فإنه وإن لم يفصل بينهما زمان .. فكموتهما معًا، قال: وهذا إذا أطلق الحكم، أما إذا مضت مدة زائدة على ما يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها، وحكم بموته من تلك المدة السابقة .. فينبغي -تفريعًا على رأي من يحكم بموته- أن يصحَّ، ويعطي لمن كان وارثه في ذلك الوقت وإن كان سابقًا عَلى الحكم، قال: ولعله مرادهم وإن لم يصرحوا به.
(ولو مات من يَرثه المفقودُ) قبل الحكم بموته ( .. وقفنا حصته) حتى يتبين أنه كان عند الموت حيًّا أو ميتًا.
وتعبيره بالحصة صحيح إن كان له وارثٌ غيره، وإلا .. وقفنا الكلّ، وعلى هذا: فلا يستقيم قوله أولًا: (يرثه)، بل الصواب: يرث منه.
(وعملنا في الحاضرين بالأسوأ) فمن يسقط بالمفقود لا يعطى شيئًا حتى يتبين حاله، ومن ينقص حقه بحياته يقدر في حقه حياته؛ مثاله: زوج مفقود، وأختان لأب، وعم حاضرون؛ فتعطى الأختان أربعة من سبعة، ويوقف الباقي حتى يتبين حالى، ومن ينقص حقه بموته يقدر في حقه موته؛ كأخ لأب مفقود، وشقيق، وجد حاضرين؛ فيقدر في حق الجد حيًّا، وفي حق الأخ ميتًا، ومن لا يختلف نصيبه بحياته وموته .. يعطى نصيبه؛ كابن مفقود، وبنت، وزوج حاضرين؛ للزوج الربع بكلِّ حال.
الجزء: 2 - الصفحة: 569
وَلَوْ خَلَّفَ حَمْلًا يَرِثُ أَوْ قَدْ يَرِثُ .. عُمِلَ بِالأَحْوَطِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ .. وَرِثَ، وَإِلَّا .. فَلَا. بَيَانُهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَى الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ مَنْ قَدْ يَحْجُبُهُ .. وُقِفَ الْمَالُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا يَحْجُبُهُ وَلَهُ مُقَدَّرٌ .. أُعْطِيَهُ عَائِلًا إِنْ أَمْكَنَ عَوْلٌ كَزَوْجَةٍ حَامِلٍ وَأَبَوَيْنِ؛ لَهَا ثُمُنٌ وَلَهُمَا سُدُسَانِ عَائِلَاتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَدَّرٌ كَأَوْلَادٍ .. لَمْ يُعْطَوْا. وَقِيلَ: أَكْثَرُ الْحَمْلِ أَرْبَعَةٌ فَيُعْطَوْنَ الْيَقِينَ
(ولو خلف حملًا يرث) مطلقًا لو كان منفصلًا (أو قد يرث) بتقدير الذكورة؛ كحمل امرأة الأخ، والجد، أو بتقدير الأنوثة؛ كمن ماتت عن زوج، وأخت لأبوين، وحمل من الأب، فإن كان الحمل ذكرًا .. لا يرث شيئًا؛ لاستغراق أهل الفرض المال، وإن كان أنثى .. فلها السدس ( .. عُمل بالأحوط في حقه وحق غيره) كما سيأتي (فإن انفصل) كلُّه (حيًّا لوقت يعلم وجوده عند الموت) أي: موت مورثه ( .. ورث) لثبوت نسبه.
(وإلا) أي: وإن انفصل ميتًا أو انفصل بعضه حيًّا، ثم مات قبل انفصاله، أو انفصل حيًّا لوقت لا يعلم وجوده عند الموت ( .. فلا) يرث؛ لأنه في الصورة الأولى والثانية كالعدم، وفي الثالثة منتف نسبه عن الميت.
(بيانه: إن لم يكن وارث سوى الحمل، أو كان من قد يحجبه .. وُقف المال) إلى انفصاله.
(وإن كان من لا يحجبه وله مقدر .. أُعطيه عائلًا إن أمكن عولٌ؛ كزوجة حامل وأبوين؛ لها ثمنٌ، ولهما سدسان عائلات) لاحتمال أن الحمل بنتان فيدفع إلى الزوجة ثلاثة من سبعة وعشرين، وللأبوين ثمانية منها، ويوقف الثلثان عالين.
وقوله: (عائلات) هو بالمثناة فوق؛ يعني: الثمنَ والسدسين.
(وإن لم يكن له مقدر؛ كأولاد .. لم يعطوا) في الحال شيئًا؛ بناءً على أن الحمل لا يتقدر بعدد، وهو الصحيح؛ لعدم انضباطه؛ لأنه قد وجد خمسة في بطن، وسبعة في بطن، واثنا عشر في بطن، وأربعون في بطن.
(وقيل: أكثر الحمل أربعة) جزم به جماعة، وقال الشيخ أبو محمد: إنه المذهب (فيعطون اليقين) أي: فيوقف ميراث أربعة ويقسم الباقي؛ مثاله: خلَّف
الجزء: 2 - الصفحة: 570
وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إِرْثُهُ كَوَلَدِ أُمٍّ وَمُعْتِقٍ .. فَذَاكَ، وَإِلَّا .. فَيُعْمَلُ بِالْيَقِينِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ حَتَّى يَبِينَ
ابنًا، وزوجة حاملًا؛ فلها الثمن، ولا يدفع للابن شيء على الأول، وعلى الثاني: يدفع إليه خمس الباقي.
(والخنثى المشكل إن لم يختلف إرثه) بالذكورة والأنوثة (كولد أُمٍّ ومعتق .. فذاك) أي: فيدفع إليه نصيبه، ولا إشكال.
واعلم: أن الخنثى ضربان، أحدهما: ألا يكون له فرج رجل ولا فرج امرأة، بل يكون له ثقبة يبول منها لا تشبه فرج واحد منهما، الثاني: أن يكون له فرج رجل وفرج امرأة، مأخوذ من قولهم: يخنَّث الطعامُ: إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه المقصود وشارك طعم غيره، سمي الخنثى بذلك؛ لاشتراك الشبهين فيه.
(وإلا) أي: وإن اختلف إرثه ( .. فيعمل باليقين في حقه وحق غيره، ويوقف المشكوك فيه حتى يَبين) حاله؛ لوجوب العمل باليقين وترك المشكوك فيه؛ مثاله كما ذكره في "المحرر": ولد خنثى وأخ؛ يصرف إلى الولد النصف، ويوقف الباقي.
ولد خنثى وبنت وعم؛ للبنت وللخنثى الثلثان بالسوية، ويوقف الباقي بين الخنثى، والعم.
زوج، وأب، وولد خنثى؛ للزوج الربع، وللأب السدس، وللولد النصف، ويوقف الباقي بينه وبين الأب 170.
ولو مات الخنثى في مدة التوقف .. فالأظهر: أنه لا بد من الاصطلاح، وفي قول: يُردُّ إلى ورثة الميت الأول، ولو اصطلح الذين وقف المال بينهم على تساوٍ أو تفاوت .. جاز إذا لم يكن فيهم محجور عليه، قال الإمام: ولا بدَّ أن يجري بينهم تواهب، وإلا .. لبقي المال على صورة التوقف، وهذا التواهب لا يكون إلا عن جهالة، لكنها تحتمل للضرورة 171.
الجزء: 2 - الصفحة: 571
وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ كَزَوْجٍ هُوَ مُعْتِقٌ أَوِ ابْنُ عَمٍّ .. وَرِثَ بِهِمَا. قُلْتُ: فَلَوْ وُجِدَ فِي نِكَاحِ الْمَجُوس أَوِ الشُّبْهَةِ بِنْتٌ هِيَ أُخْتٌ .. وَرِثت بِالْبُنُوَّةِ، وَقِيلَ: بِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ عُصُوبَةٍ وَزَادَ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةٍ أُخْرَى كابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأمٍّ .. فَلَهُ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا،
(ومن اجتمع فيه جهتا فرض وتعصيب؛ كزوج هو معتق أو ابن عم .. ورث بهما) فيأخذ النصف بالزوجية، والآخر بالولاء أو ببنوة العم؛ لأنه وارث بسببين مختلفين؛ فأشبه ما لو كانت القرابتان في شخصين.
(قلت: فلو وجد في نكاح المجوس أو الشبهة بنتٌ هي أخت) لأب؛ بأن وطئ بنته فأولدها بنتًا ثم ماتت العليا، فقد خلَّفت أختًا من أب وبنتًا ( .. ورثت بالبنوة) فقط؛ لأنهما قرابتان يورث بكلٍّ منهما عند الانفراد، فيورث بأقواهما، ولم يورث بهما؛ كالأخت للأبوين لا ترث بالقرابتين معًا، فلا ترث النصف بأختية الأب، والسدس بأختية الأم إجماعًا.
(وقيل: بهما، والله أعلم) فترث النصف بالبنوة، والباقي بالأخوة؛ لأنهما سببان يورث بكلٍّ منهما عند الانفراد، فإذا اجتمعا .. لم يسقط أحدهما الآخر؛ كابن عم هو أخ لأم، قال ابن الملقن: وهذه الزيادة تدخل في قوله بعد: (ومن اجتمع فيه جهتا فرض ... ) إلى آخره؛ لأن المذكور هناك قاعدة عامة، وهذه من بعض أمثلتها.
نعم؛ أفاد وجهًا ليس في "المحرر" بقوله: (وقيل: بهما).
انتهى 172.
وهو مردود؛ فإن الزيادة من قاعدة اجتماع الفرض والتعصيب، والمذكور آخرًا من قاعدة اجتماع الفرضين، ولا يلزم من انتفاء التوريث بجهتي الفرض انتفاؤه بجهتي فرض وتعصيب، ولهذا مثَّل هنا ببنت هي أخت.
(ولو اشترك اثنان في جهة عصوبة وزاد أحدهما بقرابة أخرى؛ كابني عمٍّ أحدهما أخ لأم .. فله السدس) فرضًا (والباقي بينهما) بالعصوبة؛ لما مرَّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 572
فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ .. فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهِ الأَخُ. وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ .. وَرِثَ بأَقْوَاهُمَا فَقَطْ. وَالْقُوَّةُ بِأَنْ تَحْجُبَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، أَوْ لَا تَحْجُبَ، أَوْ تكُونَ أَقَلَّ حَجْبًا: فَالأُولَى: كَبنْتٍ هِيَ أُخْتٌ لِأمٍّ؛ بِأَنْ يَطَأَ مَجُوسِيٌّ، أَوْ مُسْلِمٌ بِشُبْهَةٍ أُمَّهُ فَتَلِدَ بِنْتًا. وَالثَّانِي: كَأُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأبٍ؛ بِأَنْ يَطَأَ بِنْتَهُ فَتَلِدَ بِنْتًا. وَالثَّالِثُ: كَأُمِّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ؛ بأَنْ يَطَأَ هَذِهِ الْبنْتَ الثَّانِيَةَ فَتَلِدَ وَلَدًا .. فَالأَولَى أُمُّ أُمِّهِ وَأُخْتُهُ
(فلو كان معهما بنتٌ .. فلها النصف والباقي بينهما) بالسوية 173؛ لأن أخوة الأم تسقط بالبنت، (وقيل: يختص به الاخ) لأن البنت منعت من الأخذ بقرابة الأم، وإذا لم يأخذ بها .. ترجحت عصوبته؛ كأخ لأبوين مع أخ لأب.
وصورة ابني عم أحدهما أخ لأم: أن يتعاقب أخوان على امرأة، وتلد لكلِّ واحد منهما ابنا ولأحدهما ابن من غيرها؛ فابناه ابنا عم الآخر، وأحدهما أخوه لأمه.
(ومن اجتمع فيه جهتا فرض .. ورث بأقواهما فقط) لما سبق (والقوة بأن تحجب إحداهما الأخرى) حجب حرمان أو نقصان، (أو لا تحجب) أصلًا، والأخرى قد تحجب، (أو تكون أقل حجبًا) أي: تحجب كلّ واحدة لكن حجب أحدهما أقل؛ فهذه ثلاث صور.
(فالأولى 174: كبنت هي أخت لأم؛ بأن يطأ مجوسي، أو مسلم بشبهة أمه فتلد بنتًا) فالأخوة للأم ساقطة بالبنتية، ولا تكون هذه الصورة إلا والميت رجل.
(والثاني: كأم هي أخت لأب؛ بأن يطأ بنته فتلد بنتًا) فترث بالأمومة؛ لأنها لا تحجب حجب حرمان أصلًا، والأخت تحجب.
(والثالث: كأم أم هي أخت؛ بأن يطأ هذه البنت الثانية فتلد ولدًا؛ فالأولى أمُّ أمِّه وأخته) أي: أم أم الولد وأخته لأبيه فترث بالجدودة؛ لأنها أقلُّ حجبًا؛ إذ لا يحجبها إلا الأم، وأما الأخت .. فيحجبها جماعة كما مرَّ، ولا يرثون بالزوجية قطعًا؛
الجزء: 2 - الصفحة: 573
فصلٌ [في أصول المسائل وما يعول منها]
إِنْ كَانَتِ الْوَرَثة عَصَبَاتٍ .. قُسِّمَ الْمَالُ بِالسَّوِيَّةِ إِنْ تَمَحَّضُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا. وَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ .. قُدِّرَ كُلُّ ذَكَرٍ أُنْثَيَيْنِ، وَعَدَدُ رُؤُوسِ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِمْ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُو فَرْضٍ أَوْ ذوَا فَرْضَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ .. فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ؛
لبطلانها، كذا قاله الشيخان هنا 175، لكنهما حكيا عن البغوي في (كتاب النكاح): أن منهم من بنى التوارث على الخلاف في صحة أنكحتهم 176.
(فصل: إن كانت الورثة عصبات .. قُسِّم المال بالسوية إن تمحَّضوا ذكورًا) كبنين أو إخوة، أو أعمام، أو بنيهم، سواء النسب والولاء، (أو إناثًا) كأربع نسوة أعتقن عبدًا بينهن بالسوية، وهذا لا يتصور إلا في الولاء؛ فإن تفاوت الملك .. تفاوت الإرث.
(وإن اجتمع الصنفان .. قُدِّر كلُّ ذكر أنثيين) ولا يقدر للأنثى نصف نصيب؛ لئلا ينطق بالكسر، واتفقوا على عدم النطق به.
(وعدد رؤوس المقسومِ عليهم أصلُ المسألة) فإذا خلَّف ابنين وبنتين .. فأصل المسألة من ستة، وهكذا.
(وإن كان فيهم) أي: في الورثة (ذو فرض، أو ذوا فرضين متماثلين .. فالمسألة) أصلها (من مخرج ذلك الكسر) مثال الأول: بنت، وعم؛ المسألة من اثنين، ومثال الثاني: أم، وأخ لأم، وأخ لأب؛ هي من ستة، وكذا الحكم فيما إذا لم يكن فيهم عصبة؛ كزوج، وأخت لأبوين، أو لأب؛ هي من اثنين أيضًا.
وهذه المسألة تُسمَّى النصفية؛ إذ ليس لنا شخصان يرثان المال مناصفة فرضًا سواهما، وتُسمَّى اليتيمة؛ إذ ليس لها نظير.
وقوله: (متماثلين) أي: إما فرضًا؛ كزوج، وأخت، أو مخرجًا؛ كشقيقتين، وأخوين لأم.
الجزء: 2 - الصفحة: 574
فَمَخْرَجُ النِّصْفِ: اثْنَانِ، وَالثُّلُثِ: ثَلَاثَةُ، وَالرُّبُعِ: أَرْبَعَةٌ، وَالسُّدُسِ: سِتَّةٌ، وَالثُّمُنِ: ثَمَانِيَةٌ. وَإِنْ كَانَ فَرْضَانِ مُخْتَلِفَا الْمَخْرَجِ؛ فَإِنْ تَدَاخَلَ مَخْرَجَاهُمَا .. فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُهُمَا كَسُدُسٍ وَثُلُثٍ، وَإِنْ تَوَافَقَا .. ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الآخَرِ وَالْحَاصِلُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ كَسُدُسٍ وَثُمُنٍ فَالأَصْلُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ تَبَايَنَا .. ضُرِبَ كُلٌّ فِي كُلٍّ وَالْحَاصِلُ الأَصْلُ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، الأَصْلُ اثْنَا عَشَرَ
واعلم: أن المخرج هو أقل عدد يصحُّ منه الكسر، وهو أصل المسألة.
والكسر: هو الجزء وهو ما دون الواحد.
(فمخرج النصف: اثثان، والثلث: ثلاثة، والربع: أربعة، والسدس: ستة، والثمن: ثمانية) لأن أقلَّ ما له نصف اثنان، وأقلَّ ما له ثلث ثلاثة، وأقلَّ ما له ربع أربعة، وأقلَّ ما له سدس ستة، وأقلَّ ما له ثمن ثمانية، وكلُّها مشتقة من أسماء العدد لفظًا ومعنىً إلا النصف، فلم يشتق من اسم العدد، ولو اشتق منه .. لقيل: ثنُي بضم أوله، وإنما اشتق من التناصف؛ يعني: أن المقتسمين قد تناصفا واقتسما بالسوية.
وسكوته عن الثلثين يفهم أنه ليس جزءًا برأسه، وهو كذلك، وإنما هو تضعيف الثلث.
(وإن كان فرضان مختلفا المخرج؛ فإن تداخل مخرجاهما .. فأصل المسألة أكثرهما؛ كسدس وثلث) كأم، وأخ لأم، وعم؛ هي من ستة، للأم الثلث، وهو من ثلاثة، وللاخ السدس، وهو من ستة، والثلاثة داخلة في الستة؛ لأن المتداخلين كلُّ عددين مختلفين أقلهما جزء من الأكثر لا يزيد على نصفه؛ كالثلاثة من الستة ومن التسعة، والأربعة من الثمانية.
(وإن توافقا) بجزء من الأجزاء ( .. ضرب وفق أحدهما في الآخر، والحاصل أصل المسألة؛ كسدس وثمن؛ فالأصل: أربعة وعشرون) كما إذا خلَّف أُمًّا، وزوجة، وابنًا؛ فالسدس والثمن متوافقان بالأنصاف، فاضرب نصف أحدهما في الآخر يبلغ أربعة وعشرين.
(وإن تباينا .. ضرب كلٌّ في كلٍّ، والحاصل الأصل؛ كثلث وربع، الأصل: اثنا عشر) كأم، وزوجة، وأخ؛ فالثلث والربع متباينان، فاضرب مجموع أحدهما في الآخر يبلغ اثني عشر.
الجزء: 2 - الصفحة: 575
فَالأُصُولُ سَبْعَةٌ: اثْنَانِ وَثَلَاثةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالَّذِي يَعُولُ مِنْهَا: السِّتَّةُ إِلَى سَبْعَةٍ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ،
(فالأصول) أي: المخارج (سبعة: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية، واثنا عشر، وأربعة وعشرون) لأن الفروض المذكورة في القرآن لا يخرج حسابها إلا من هذه السبعة، وهذا ما عليه قدماء الأصحاب، وزاد المتأخرون أصلين آخرين في مسائل الجد والإخوة حيث كان ثلث الباقي بعد الفروض خيرًا له؛ أحدهما: ثمانية عشر؛ كجد، وأم، وإخوة، والثاني: ستة وثلاثون؛ كجد، وأم، وزوجة، وإخوة.
أصل الأولى: من ثمانية عشر؛ لأنه أقلُّ عدد يكون له سدس، وثلث ما بقي، وأصل الثانية: من ستة وثلاثين، واختار في "الروضة" طريق المتأخرين؛ لأنه أخصر، ولأن ثلث ما تبقى فرض مضموم إلى السدس والربع؛ فلتكن الفريضة من مخرجها 177.
(والذي يعول منها) أي: من هذه الأصول ثلاثة؛ وهي: ستة، واثنا عشر، وأربعة وعشرون؛ لإمكان اجتماع فروض تزيد عليها، بخلاف الباقي.
(الستة إلى سبعة؛ كزوج وأختين) شقيقتين، أو لأب؛ فتعول بمثل سدسها.
وهذه الصورة أول فريضة عالت في الإسلام 178؛ لأنها وقعت في زمن عمر رضي الله عنه فجمع لها الصحابة، وقال لهم: فرض الله تعالى للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج .. لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين .. لم يبق للزوج حقه، فأشار عليه العباس رضي الله عنه بالعول، وقال: أرأيت لو مات رجل وترك ستة دراهم، ولرجل عليه ثلاثة، ولآخر أربعة أليس يجعل المال سبعة أجزاء؟ قال: نعم؛ فقال العباس: هو ذاك، فأجمع الصحابة عليه، وكان ابن عباس صغيرًا فلما كبر أظهر الخلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 576
وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ كَهُمْ وَأُمٍّ، وَإِلَى تِسْعَةٍ كَهُمْ وَأَخٍ لِأمٍّ، وَإِلَى عَشَرَةٍ كَهُمْ وَآخَرَ لأُمٍّ. وَالاثْنَا عَشَرَ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ، وَإِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَأَخٍ لأُمٍّ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَآخَرَ لأُمٍّ. وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ كَبِنْتَيْنِ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ
والعول: عبارة عن رفع الحساب، ومعناه: أنا نرفع سهام المسألة عن سهام ذوي الفروض؛ ليدخل النقص على كلٍّ بقدر فرضه.
(وإلى ثمانية؛ كهم وأم) فتعول بمثل ثلثها، وإدخال الكاف على الضمير لغة قليلة.
(وإلى تسعة؛ كهم وأخ لأم) فيزاد عليها سهم واحد لولد الأم فتعول بمثل نصفها.
(وإلى عشره؛ كهم وآخر لأم) فتعول بمثل ثلثيها، وتُسمَّى هذه: أم الفُروخ، لكثرة سهامها العالية فيها، والشُّريحية؛ لأن شُريحًا قَضى فيها بذلك؛ فتلخص أن الستة تعول أربع مرات، ثم إنها متى عالت إلى أكثر من سبعة لا يكون الميت إلا امرأة؛ لأنها لا تعول إلى ذلك إلا بزوج.
(والاثنا عشر إلى ثلاثة عشر؛ كزوجة وأم وأختين) لغير أمٍّ، فتعول بنصف سدسها.
(وإلى خمسة عشر؛ كهم وأخ لأم) فتعول بربعها، فيزاد على ما سبق سهمان للأخ للأم.
(وسبعة عشر؛ كهم وآخر لأم) فتعول بربعها، وسدسها، ويزاد على ما مرَّ سهمان للأخ الآخر، وهذه الثلاث مراتب لا يتصور إلا والميت رجل، كما أفهمه تمثيل المصنف 179.
(والأربعة والعشرون إلى سبعة وعشرين) فقط (كبنتين وأبوين وزوجة) فتعول بمثل ثمنها، وهو نصيب الزوجة، وتسمى هذه: المنبرية؛ لأن عليًّا رضي الله عنه سئل عنها على المنبر، فقال ارتجالًا: صار ثمنها تسعا" 180، ومضى في خطبته، وذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 577
وَإِذَا تَمَاثَلَ الْعَدَدَانِ .. فَذَاكَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا وَفَنِيَ الأَكْثَرُ بِالأَقَلِّ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ .. فَمُتَدَاخِلَانِ كَثَلَاثَةٍ مَعَ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا عَدَدٌ ثَالِثٌ .. فَمُتَوَافِقَانِ بِجُزئِهِ كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا وَاحِدٌ .. تَبَايَنَا كَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ
لأن ثلاثة من سبعة وعشرين تسع في الحقيقة، ولا يكون هذا العول إلا والميت رجل بل لا تكون المسألة من أربعة وعشرين إلا وهو رجل.
(وإذا تماثل العددان .. فذاك) أي: فأمره واضح؛ كثلاثة وثلاثة، فتسقط أحدهما وتكتفي بالآخر.
(وإن اختلفا وفَنِيَ الأكثر بالأقل مرتين فأكثر .. فمتداخلان؛ كثلاثة مع ستة أو تسعة) أو خمسة وعشرة؛ فإن الستة تفنى بإسقاط الثلاثة مرتين، والتسعة بإسقاط الثلاثة منها ثلاث مرات؛ لأنها ثلثها، والعشرة تفنى بإسقاط الخمسة مرتين؛ لأنها نصفها.
(وإن لم يفنهما إلا عدد ثالث) أي: وإن اختلفا، ولم يفن أقلهما أكثرهما، ولكن يفنيهما عدد ثالث ( .. فمتوافقان بجزئه؛ كأربعة وستة بالنصف) لأنك إذا سلطَّت الأربعة على الستة .. يبقى منها اثنان، سَلِّطْهما على الأربعة مرتين تفنى بهما؛ فقد حصل الإفناء باثنين، وهو عدد غير الستة والأربعة، فهما متوافقان بجزء ذلك العدد وهو النصف.
وحكم المتوافق: أنك تضرب وفق أحد العددين في كامل الآخر، فإن أفنى عددين أكثر من عدد واحد .. فهما متوافقان بأجزاء ما في ذلك العدد من الآحاد؛ كالاثني عشر والثمانية عشر، تفنيهما الستة والثلاثة والاثنان، فهما متوافقان بالأسداس، والأثلاث، والأنصاف، والعمل والاعتبار في مثل ذلك بالجزء الأقلِّ؛ فيعتبر في هذا المثال السدس.
(وإن لم يفنهما إلا واحد .. تباينا؛ كثلاثةٍ وأربعةٍ) لأنك إذا أسقطت الثلاثة من الأربعة .. بقي واحد، فإذا سلطته على الثلاثة .. فنيت به، وسُمِّيا بالمتباينين؛ لأن فناءهما بمُباينهما، وهو الواحد، وإنما قلنا إن الواحد مباين لهما؛ لأنهما عددان والواحد ليس بعدد، والمنفي ضد المثبت ومباين له، بخلاف ما إذا أفناهما عدد
الجزء: 2 - الصفحة: 578
وَالْمُتَدَاخِلَانِ مُتَوَافِقَانِ، وَلَا عَكْسَ.
فَرْعٌ [في تصحيح المسائل]
إِذَا عَرَفْتَ أَصْلَهَا وَانْقَسَمَتِ السِّهَامُ عَلَيْهِمْ .. فَذَاكَ. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفٍ .. قُوبِلَتْ بِعَدَدِهِ؛ فَإِنْ تَبَايَنَا .. ضُرِبَ عَدَدُهُ فِي الْمَسْألةِ بِعَوْلِهَا إِنْ عَالَتْ،
ثالث؛ فإن التوافق حاصل في العددية.
وحكم المتباين: أنك تضرب أحد العددين في الآخر؛ فانحصر حينئذ نسبة كلِّ عددين أحدهما إلى الآخر في هذه الأربعة: التماثل، والتداخل، والتوافق، والتباين.
(والمتداخلان متوافقان) بأجزاء ما في العدد الأقلِّ؛ كالخمسة مع العشرة بينهما موافقة بالأخماس مع التداخل.
(ولا عكس) لأنه يكون التوافق ولا تداخل؛ كالستة مع الثمانية؛ لأن شرط التداخل ألا يزيد على نصفه.
(فرع) في تصحيح المسائل (إذا عرفت أصلها) أي: أصل المسألة (وانقسمت السهام عليهم) أي: على المستحقين ( .. فذاك) أي: فلا حاجة إلى ضرب؛ كزوج وثلاث بنين؛ هي من أربعة تنقسم عليهم، وكزوج وأختين لغير أم؛ هي من ستة، وتعول إلى سبعة؛ للزوج ثلاثة، ولكلِّ أخت اثنان.
(وإن انكسرت على صنف .. قوبلت بعدده) أي: قوبلت سهامه بعدد رؤوسه (فإن تباينا) أي: السهام والرؤوس ( .. ضرب عدده في المسألة بعولها إن عالت) فما اجتمع صحت منه المسألة؛ مثاله: زوجة وأخوان؛ هي من أربعة، للزوجة الربع سهم، وللأخوين ثلاثة أسهم منكسرة عليهما، فاضرب عددهما في المسألة وهي أربعة تكن ثمانية ومنها تصحُّ.
ومثاله بالعول: زوج وخمس أخوات، أصلها من ستة وتعول إلى سبعة، ونصيب الأخوات أربعة، وهي لا تصحُّ عليهن ولا توافق، فاضرب خمسة في سبعة تبلغ خمسة وثلاثين، ومنها تصحُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 579
وَإِنْ تَوَافَقَا .. ضُرِبَ وَفْقُ عَدَدِهِ فِيهَا. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفَيْنِ .. قُوبِلَتْ سِهَامُ كُلِّ صِنْفٍ بِعَدَدِهِ؛ فَإِنْ تَوَافَقَا .. رُدَّ الصِّنْفُ إِلَى وَفْقِهِ، وَإِلَّا .. تُرِكَ، ثُمَّ إِنْ تَمَاثَلَ عَدَدُ الرُّؤُوسِ .. ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلةِ بِعَوْلِهَا، وَإِنْ تَدَاخَلَا .. ضُرِبَ أَكْثَرُهُمَا، وَإِنْ تَوَافَقَا .. ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الآخَرِ ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ تَبَايَنَا .. ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ
(وإن توافقا .. ضُربَ وفق عدده) أي: الصنف (فيها) 181 أي: في أصل المسألة بعولها إن عالت؛ كأم وأربعة أعمام وهي من ثلاثة، للأم سهم، وللأعمام سهمان، لا تصحُّ عليهم ولكن توافق بالنصف، فاضرب اثنين في ثلاثة بستة ومنها تصحُّ.
واعلم: أن الضرب عند الحُسَّاب تضعيف أحد العددين بقدر ما في الآخر من الآحاد، والواحد ليس بعدد وإنما هو مبدؤه.
(وإن انكسرت على صنفين .. قوبلت سهام كلِّ صنف بعدده) أي: بعدد الصنف الذي انكسر عليهم، (فإن توافقا .. رُدَّ الصنف إلى وفقه) أي: رد رؤوس كلِّ صنف إلى جزء الوفق.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بين كلِّ صنف منهما وسهامه موافقة ( .. ترك) عدد كلِّ فريق بحاله، فإن كان الوفق في أحد الصنفين .. رددت رؤوسه إلى جزء الوفق، وتركت رؤوس الآخر بحالها؛ فهذه ثلاثة أحوال؛ لأنه إما أن يكون بين عدد كلِّ فريق وسهامه موافقة بجزءٍ أم لا، أو بين أحدهما دون الآخر، وفي كلٍّ منها أربعُ مسائل؛ لأن عدد الفريقين فيها إما أن يكونا متماثلين أو متداخلين أو متوافقين أو متباينين؛ كما سيذكره المصنف، وفيه اثنا عشر مسألة سنذكر أمثلتها.
(ثم إن تماثل عدد الرؤوس) في هذه الأحوال ( .. ضرب أحدهما في أصل المسألة بعولها) إن عالت (وإن تداخلا .. ضرب أكثرهما) في أصل المسألة بعولها.
(وإن توافقا .. ضرب وفق أحدهما في الآخر، ثم الحاصل في المسألة) بعولها (وإن تباينا .. ضرب أحدهما في الآخر) ويُسمَّى الحاصل من ضرب وفق أحدهما أو كله في الآخر: جزء السهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 580
ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي الْمَسْأَلةِ، فَمَا بَلَغَ .. صَحَّتْ مِنْهُ
(ثم) اضرب (الحاصل) وهو جزء السهم (في) أصل (المسألة) بعولها (فما بلغ .. صحت منه) أمثلة الحالة الأولى: وهي ما إذا كان بين عدد كل فريق وسهامِه موافقةٌ بجزء، وفيها أربع مسائل: أم، وستة إخوة لأم، واثنا عشر أختًا لأب؛ أصلها من ستة، وتعول إلى سبعة، للإخوة سهمان يُوافِقان عددَهم بالنصف، فتردُّ عددَهم إلى ثلاثة، وللأخوات أربعة توافق عددهم بالربع، فترد عددهم إلى ثلاثة؛ فتماثل العددان المردودان، فاضرب ثلاثة في سبعة تبلغ أحدًا وعشرين ومنها تصحُّ.
أم، وثمانية إخوة لأم، وثمان أخوات لأب؛ ترجع عددَ الإخوة إلى أربعة، والأخوات إلى اثنين، وتضرب أربعةً في سبعة تبلغ ثمانية وعشرين ومنها تصحُّ.
أم، واثنا عشر أخًا لأم، وستة عشر أختًا لأب؛ ترجع الإخوةَ إلى ستة، والأخوات إلى أربعة، وهما متوافقان، وتضرب اثنين في ستة باثني عشر ثم تضرب اثني عشر في سبعة تبلغ أربعة وثمانين، ومنها تصحُّ.
أم، وستة إخوة لأم، وثمان أخوات لأب؛ ترجع الإخوةَ إلى ثلاثة، والأخوات إلى اثنين، وهما متباينان، تضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اضرب ستة في سبعة تبلغ اثنين وأربعين.
أمثلة الحالة الثانية: وهي ألا يكون بين فريق وسهامِه موافقةٌ بجزء؛ ثلاث بنات، وثلاثة إخوة لأب، تصحُّ من تسعة.
ثلاث بنات، وستة إخوة، تصحُّ من ثمانية عشر.
تسع بنات، وستة إخوة، تصحُّ من أربعة وخمسين.
ثلاث بنات، وأخوان لأب، تصحُّ من ثمانية عشر.
أمثلة الحالة الثالثة: وهي ما إذا كان بين سهام أحد الفريقين ورؤوسِهم موافقةٌ دون الآخر؛ ست بنات، وثلاثة إخوة لأب، تصحُّ من تسعة.
أربع بنات، وأربع إخوة لأب، ترجع عدد البنات إلى اثنين فيتداخل العددان، فتضرب أربعة في ثلاثة تبلغ اثني عشر، ومنها تصحُّ.
ثمان بنات، وستة إخوة لأب، ترجع عددهن إلى أربعة، ويتوافق العددان
الجزء: 2 - الصفحة: 581
وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا: الانْكِسَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ وَأَرْبَعَةٍ، وَلَا يَزِيدُ الْكَسْرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ نَصِيبِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَبْلَغ الْمَسْأَلَةِ .. فَاضْرِبْ نَصِيبَهُ مِنْ أَصلِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ضَرَبْتَهُ فِيهَا، فَمَا بَلَغَ .. فَهُوَ نَصِيبُهُ، ثُمَّ تَقْسِمُهُ عَلَى عَدَدِ الصِّنْفِ
بالنصف، فتضرب أربعة في ثلاثة تبلغ اثني عشر، تضربها في ثلاثة تبلغ ستة وثلاثين، ومنها تصحُّ.
أربع بنات، وثلاثة إخوة لأب، ترجع عددهن إلى اثنين، ويتباين العددان، فتضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم تضرب ستة في ثلاثة تبلغ ثمانية عشر، ومنها تصحُّ.
(ويقاس على هذا: الانكسار على ثلاثة أصناف وأربعة) فينظر أولًا في سهام كلِّ صنف وعددِ رؤوسهم، فحيث وجدنا الموافقة رددنا الرؤوس إلى جزء الوفق، وحيث لم نجدها بقيناه بحاله، ثم يجيء في عدد الأصناف الأحوالُ السابقة في النظر إلى التماثل، والتداخل، والتوافق، والتباين.
(ولا يزيد الكسر على ذلك) أي: على أربعة أصناف؛ لأن الوارثين في الفريضة الواحدة لا يزيدون على خمسة أصناف؛ كما تقدم عند اجتماع كلِّ الورثة، ولا بدَّ من صحة نصيب أحد الأصناف عليه؛ لأن أحد الأصناف الخمسة أحد الزوجين والأبوان، والواحد يصحُّ نصيبه عليه فلزم الحصر، كذا أطلقوه، ومحلُّه: في غير الولاء أما الولاء .. فيمكن فيه الزيادة على أربعة.
(فإذا أردت) بعد فراغك من تصحيح المسألة (معرفة نصبب كلِّ صنف من مبلغ المسألة .. فاضرب نصيبه من أصل المسألة فيما ضربته فيها، فما بلغ .. فهو نصيبه ثم تقسمه على عدد الصنف) مثاله كما في "المحرر": جدتان، وثلاث أخوات لأب، وعم، هي من ستة، وتبلغ بالضرب ستة وثلاثين؛ للجدتين من أصل المسألة سهم مضروب فيما ضربناه في المسألة يكون ستة، وللأخوات أربعة مضروبة في ستة تبلغ أربعة وعشرين، والباقي -وهو ستة- للعم 182.
الجزء: 2 - الصفحة: 582
فَرْعٌ [في المناسخات]
مَاتَ عَنْ وَرَثَةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَرِثِ الثَّانِيَ غَيْرُ الْبَاقِينَ وَكَانَ إِرْثُهُمْ مِنَ الثَّانِي كَإِرثهِمْ مِنَ الأَوَّلِ .. جُعِلَ كَأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ وَقُسِمَ بَيْنَ الْبَاقِينَ كَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ أَوْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ مَاتَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْبَاقِينَ. وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ إِرْثُهُ فِي الْبَاقِينَ
(فرع) في المناسخات (مات عن ورثة فمات أحدهم قبل القسمة؛ فإن لم يرث الثاني غيرُ الباقين وكان إرثهم) أي: الباقين (من الثاني كإرثهم من الأول .. جعل كأن الثاني لم يكن وقسم بين الباقين؛ كإخوة وأخوات، أو بنين وبنات مات بعضهم عن الباقين) لأن المال صار إليهم بطريق واحد فكأن الذين ماتوا بعد الأول لم يكونوا.
وكلام المصنف وتمثيله يشعران بكون جميع الباقين وارثين، وكونهم عصبة، وليس ذلك بشرط، بل يأتي فيما إذا كان الورثة في الثانية بعض الباقين بشرط كونهم عصبةً في المسألتين، وغير الوارث من الثاني ذا فرض في الأولى؛ كأن ماتت عن زوج، وابنين من غيره ثم مات أحد الابنين قبل القسمة .. فإن ورثة الميت الثاني هو الباقي من الاثنين دون الزوج، وهذا الوارث عصبة في المسألتين، والزوج الذي لا يرث في الثانية ذو فرض في الأولى، فيفرض أن الميت الثاني لم يكن، ويدفع ربع تركة المرأة إلى زوجها، والباقي لابنها الحي.
ويأتي أيضًا فيها إذا كان ورثته هم الباقون جميعهم، وإرثهم بالفريضة في الثانية كما في الأولى بشرط أن يكون الميت الثاني ذا فرض في الأولى ولكن فرضه قدر عول المسألة الأولى؛ كأن ماتت امرأة عن زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب، ثم نكح الزوج الأخت لأب، فماتت الأخت للأب المنكوحة عن الزوج والأخت؛ فإن المسألة الأولى من ستة وتعول بنصيب الأخت للأب إلى سبعة، فإذا ماتت هي .. فُرِض أنها لم تكن، وترك العول، وقسم المال نصفين بين الزوج والأخت؛ لأن فرض كل منهما النصفُ في المسألتين، ومثله: ما لو مات عن زوج، وأم، وولدي أم، وأخت لأبوين، ثم نكح الزوج الأخت الشقيقة فماتت عن الباقين.
(وإن لم ينحصر إرثه في الباقين) إما لأن الوارث غيرُهم، أو لأن غيرهم يشركهم
الجزء: 2 - الصفحة: 583
أَوِ انْحَصرَ وَاخْتَلَفَ قَدْرُ الاسْتِحْقَاقِ .. فَصَحِّحْ مَسْأَلَةَ الأَوَّلِ ثُمَّ مَسْأَلَةَ الثَّانِي، ثُمَّ إِنِ انْقَسَمَ نَصِيبُ الثَّانِي مِنْ مَسْأَلَةِ الأَوَّلِ عَلَى مَسْأَلَتِهِ .. فَذَاكَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ .. ضُرِبَ وَفْقُ مَسْأَلَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الأَوَّلِ، وَإِلَّا .. كُلُّهَا فِيهَا، فَمَا بَلَغِ صَحَّتَا مِنْهُ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُولَى .. أَخَذَهُ مَضرُوبًا فِيمَا ضُرِبَ فِيهَا، وَمَنْ لَهُ شيْءٌ مِنَ الثَّانِيَةِ .. أَخَذَهُ مَضرُوبًا فِي نَصِيبِ الثَّانِي مِنَ الأُولَى أَوْ فِي وَفْقِهِ إِنْ كَانَ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِ وَنَصِيبِهِ وَفْقٌ.
فيه (أو انحصر واختلف قدر الاستحقاق .. فصَحِّح مسألة الأول ثم مسألة الثاني، ثم إن انقسم نصيب الثاني من مسألة الأول على مسألته .. فذاك) مئاله: زوج، وأختان لأب ماتت إحداهما عن الأخرى، وبنت؛ فالمسألة الأولى بعولها من سبعة، والثانية من اثنين، ونصيب الميتة الثانية من المسألة الأولى اثنان ينقسم على مسألتها.
(وإلّا) أي: وإن لم ينقسم (فإن كان بينهما موافقة .. ضرب وفقُ مسألته في مسألة الأول) مثاله: جدتان، وثلاث أخوات متفرقات، ثم ماتت الأخت من الأم عن أخت لأم هي الشقيقة في الأولى، وعن أختين شقيقتين، وعن أم أم هي إحدى الجدتين في الأولى.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن بينهما موافقة بل كان بينهما تباين .. ضربت (كلها فيها، فما بلغ صحَّتا مثه، ثم) تقول (من له شيء من الأولى .. أخذه مضروبًا فيما ضرب فيها) وهو وفق المسألة الثانية أو جميعها (ومن له شيء من الثانية .. أخذه مضروبًا في نصيب الثاني من الأولى، أو في وفقه إن كان بين مسألته ونصيبه وفقٌ) مثاله: زوجة، وثلاث بنين، وبنت، ثم ماتت البنت عن أم، وثلاثة إخوة وهم الباقون من ورثة الأول، فالأولى من ثمانية، والثانية تصحُّ من ثمانية عشر، ونصيب الميتة من الأولى سهمٌ لا يوافق مسألتها؛ فتضرب الثانية في الأولى تبلغ مئة وأربعة وأربعين؛ للزوجة سهم مضروب في ثمانية عشر، ولكلِّ ابن سهمان مضروبان في ثمانية عشر، وللأم في الثانية ثلاثةٌ مضروبة في سهم الميتة وهو واحد، ولكلِّ أخ خمسة.
وقوله: (وإلا) يوهم ثلاث صور: التباين، والتداخل، والتماثل، لكن مراده
الجزء: 2 - الصفحة: 584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التباين خاصة، ولهذا فسرنا به كلامه، وقد صرح الفوراني بعدم مجيء التداخل والتماثل.
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محّمدٍ وآله وصحبه أجمعين
تم الجزء الأول من "بداية المحتاج في شرح المنهاج" في ليلة يسفر صباحها عن نهار عيد الأضحى عاشر الحجة الحرام عام اثنين وخمسين وثمان مئة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن حسين بن أحمد الكركي مولدًا، الدمشقي منشأً، الشافعي مذهبًا، عفا الله عنه آمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 585
كتابُ الوصايا تَصِحُّ وَصِيَّةُ كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي، وهو حَسبي يا رَبِّ يَسَّرْ، وَامْنُنْ بإتْمَامِهِ يا كرِيم، وَاخْتِمْ بخَيْر 183
﴿كتاب الوصايا﴾
هي جمع وصية؛ كعرايا وعرية، وهدايا وهدية، مأخوذة من وَصَيْتُ الشيء بالشيء أَصِيه: إذا وصلته؛ لأن الموصي وصل القربةَ الواقعة بعد الموت بالقربات المُنجَّزة في حياته، وهي في الشرع: تبرع مضاف إلى ما بعد الموت.
والأصلُ فيها: قوله تعالى في أربعة مواضع من المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وحديث: "مَا حَقُّ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مُكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" متفق عليه 184، والإجماع قائم على مشروعيتها.
(تصح وصية كلِّ مكلف حرّ) مختار بالإجماع؛ لأنها تبرع (وإن كان كافرًا) ولو حربيًّا؛ لأنه يصحُّ إعتاقه وتمليكاته، والمرتد؛ إن أبقينا ملكه .. صحت وصيته على الأصحِّ في "البحر"، وإن وقفناه .. وقفنا وصيته؛ كما ذكره المصنف في (كتاب الردة) 185.
(وكذا محجور عليه بسفه على المذهب) لصحة عبارته، بدليل قبول إقراره بالعقوبة، ونفوذ طلاقه، ولاحتياجه إلى الثواب، هذا أصحُّ الطريقين.
ونقل ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 587
لَا مَجْنُونٍ وَمُغْمَىً عَلَيْهِ وَصَبِيٍّ - وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ -
عبد البرِّ والأستاذ أبو منصور وغيرهما: الإجماع فيه 186.
وقيل: على القولين في الصبي المميز؛ لأنه مثلُه في أن عبارته ملغاة في التبرع.
وقضية تقييده بالمحجور: أن السفيه الذي لم يحجر عليه بأن طرأ السفه .. تصحُّ وصيته بلا خلاف، وليس كذلك؛ فإنا إذا قلنا: بعود الحجر من غير حاكم .. ففيه الخلاف في المحجور.
واحترز بالسفه: عن حجر الفلس .. فإنه تصحُّ وصيته قطعًا؛ كما قاله القاضي الحسين.
وقال الماوردي: إن ردها الغرماءُ .. بطلت، وإن أجازوها .. صحت، إن قيل: حجره حجر مرض، وإن قيل: حجر سفه .. ففيه الخلاف 187.
وقال الجرجاني: لا تصحُّ وصيته في غير المال، وتصحُّ مطلقة؛ لأنه لا ضرر على الغرماء.
(لا مجنون ومغمىً عليه) إذ لا عبارة لهما، وفي معناهما: من عاين الموت؛ إذ لا قول له، حكاه الرافعي عن الأصحاب في الكلام على المرض المخوف 188.
(وصبي) لأنها عقد تمليك، فلم تصحَّ؛ كهبته وإعتاقه، (وفي قول: تصحُّ من صبي مميز) لأنها لا تزيل ملكه في الحال، وتفيد الثواب بعد الموت، فصحت كسائر القربات، بخلاف الهبة والإعتاق، وهذا ما رجحه جمع من الأصحاب، فعلى هذا: لو وهب في مرض موته أو أعتق .. فقضية كلام الشيخين: الجزمُ بعدم نفوذه؛ لأن الوصية يمكن الرجوع فيها 189، بخلافهما.
وحكى الماوردي وغيره في نفوذ العتق والهبة: وجهين، ورجح السبكي منهما: المنع.
الجزء: 2 - الصفحة: 588
وَلَا رَقِيقٍ، وَقِيلَ: إِنْ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ .. صَحَّتْ. وَإِذَا وَصَّى لِجهَةٍ عَامَّةٍ .. فَالشَّرْطُ: أَلَّا تَكُونَ مَعْصِيَةً كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ .. فَالشَّرْطُ: أَنْ يُتَصَوَّرَ لَهُ الْمِلْكُ؛ فَتَصِحُّ لِحَمْلٍ
وأفهم كلام المصنف: أن غير المميز لا تصحُّ منه قطعًا، وبه صرح الدارمي والمتولي.
(ولا رقيق) ولو مدبرًا ومكاتبًا وأم ولد؛ لأن الله تعالى جعل الوصية حيث التوارث، والعبد لا يورث فلم يدخل في الأمر بالوصية.
(وقيل: إن عتق ثم مات .. صحت) لأن عبارته صحيحة، وقد أمكن العمل بها، والصحيح: المنع؛ لعدم أهليته حينئذ.
(وإذا وصى لجهة عامة .. فالشرط: ألّا تكون معصيةً؛ كعمارة كنيسة) وكتابة التوراة والإنجيل، وكتب النجوم والفلسفة، وسائر العلوم المحرمة؛ لأن القصد من الوصية تداركُ ما فات في حال الحياة من الإحسان؛ فلا يجوز أن تكون معصية، وسواء أوصى بذلك مسلم أو كافر، بل حكى الشيخ عز الدين عن الأشعري: أن الوصية ببناء الكنيسة من المسلم .. ردة.
وإذا انتفت المعصية .. فلا فرق بين أن تكون قربة؛ كالفقراء وبناء المسَاجد، أو مباحة لا تظهر فيها القربة؛ كالوصية للأغنياء.
وأطلق منع الوصية بعمارة الكنيسة، ومحلُّه: في بناء كنيسة للتعبد، أما كنيسة ينزلها المارة، أو وقفها على قوم يسكنونها، أو يحمل كِراؤها للنصارى .. فتجوز، وقيل: إن خص نزولها بأهل الذمة .. لم يجز؛ لأن فيه جمعًا له، فيفضي إلى تعبدهم، واختاره السبكي، وقال: ينبغي تخصيص الجواز بما إذا لم يسمها باسم الكنيسة، فإن سماها باسمها .. بطل قطعًا.
(أو لشخص) معين وإن تعدد أفراده؛ كزيد وعمر وبكر ( .. فالشرط: أن يتصور له الملك) عند الموت ولو بمعاقدة وليه، أو بإرثه؛ لأنها تمليك.
(فتصحُّ لحمل) كما يرث، بل أولى؛ لصحة الوصية لمن لا يرث؛ كالمكاتب، هذا في الحمل الموجود ولو نطفة، أما لو قال: (لحملها الذي سيحدث) .. فالأصحُّ: البطلان.
الجزء: 2 - الصفحة: 589
وَتَنْفُذُ إِنِ انْفَصَلَ حَيًّا وَعُلِمَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا؛ بِأَنِ انْفَصَلَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَالْمَرْأَةُ فِرَاشُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ، فَإِنْ لَمْ تكُنْ فِرَاشًا وَانْفَصَلَ لِأكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ .. فَكَذَلِكَ، أَوْ لِدُونهِ .. اسْتَحَقَّ فِي الأَظْهَرِ
(وتنفذ إن انفصل حيًّا) بحياة مستقرة، فإن انفصل ميتًا ولو بجناية جان .. فلا شيء له؛ كما لا يرث.
(وعُلم وجوده عندها؛ بأن انفصل لدون ستة أشهر) من الوصية؛ لأنها أقلُّ مدة الحمل، فإذا خرج قبلها .. علم أنه كان موجودًا عند الوصية، وسواء كان لها زوج أو سيد أم لا.
(فإن انفصل لستة أشهر فأكثر والمرأة فراش زوج أو سيد .. لم يستحق) لاحتمال حدوثه بعد الوصية فلا يستحق بالشك، وقيده الإمام بما إذا ظن أنه يغشاها أو أمكن بأن كان معها في بلد ولا مانع، ويكفي من السيد إقرارُه بوطئها 190.
وإلحاقهم الستة أشهر هنا بما فوقها يخالف ما ذكروه في (الطلاق) و (العدة) من إلحاقها بما دونها، وصوبه في "المهمات" لأنه لا بدَّ من تقدير زمن للعلوق بلحظتي الوطء والوضع، وإمكان غَشَيانها 191.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو انفصل لدون ستة أشهر أحد توأمين ثم انفصل توأم آخر وبينه وبين الأول دون ستة أشهر .. فإنه يدخل في الوصية وإن زاد ما بين الوصية وبين انفصاله على ستة أشهر.
(فإن لم تكن فراشًا وانفصل لأكثر من أربع سنين .. فكذلك) للعلم بأنه لم يكن موجودًا عند الوصية، فإن أكثر الحمل أربعُ سنين.
(أو لدونه .. استحق في الأظهر) كما يثبت النسب، ولأن الظاهر وجودُه عند الوصية؛ لأن وطء الشبهة نادر، والزنا إساءة ظن، والثاني: المنع؛ لاحتمال العلوق بعد الوصية ويخالف النسب؛ فإنه يثبت بالإمكان، والوصية لا تثبت إلا باليقين.
قال السبكي: وصورته - كما يقتضيه كلام أبي الطيب -: في متوفى عنها أو
الجزء: 2 - الصفحة: 590
وَإِنْ وَصَّى لِعَبْدٍ فَاسْتَمَرَّ رِقُّهُ .. فَالْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي .. فَلَهُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ قَبِلَ .. بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَ تُمْلَكُ؟
مطلقة، أما من لم يعرف لها زوج ولا سيد .. فينبغي القطع بعدم الاستحقاق؛ لانتفاء الظهور حينئذ.
وذكر المصنف الضمير في قوله: (لدونه) تبعًا لـ "المحرر" 192 ليعود على (أكثر)، فيفيد أنه لو انفصل لأربع سنين بغير زيادة .. استحق.
(وإن وصى لعبد) لغيره وليس بمكاتب ولا مبعض (فاستمر رقه) إلى موت الموصي ( .. فالوصية لسيده) عند موت الموصي؛ كما لو اصطاد أو احتطب، فلو قتل العبد الموصيَ .. لم تبطل الوصية 193، ولو قتله سيده .. كانت الوصية لقاتل.
ويقبلها العبد لا السيد وإن كانت الوصية له؛ لأن الخطاب ليس معه، ولا يفتقر قبول العبد إلى إذن السيد على الأصحِّ في المسألتين.
(فإن عتق قبل موت الموصي .. فله) لأن الوصية تملك بعد الموت، وهو حرٌّ حينئذ.
(وإن عتق بعد موته ثم قَبِل .. بُني على أن الوصية بمَ تملك؟ ) فإن قلنا بالموت أو موقوفة .. فللسيد، وإن قلنا: بالقبول .. فللعبد.
واحترز بقوله: (ثم قبل): عما لو قبل ثم عتق .. فهي للسيد.
واعلم: أنهم أطلقوا هنا كونَ الوصية للسيد، وفصلوا في (الوقف) و (الهبة) بين أن يقصد العبد نفسه؛ فيبطل في الجديد، أو السيد أو يطلق؛ فلسيده، قال السبكي: ولم يقل أحد هنا بهذا التفصيل، فيحتمل حمل كلامهم هنا على حالة الإطلاق، وإليه جنح ابن الرفعة 194، ويحتمل عدم مجيء التفصيل هنا.
والفرق: أنه قد يعتق قبل موت الموصي؛ فتكون الوصية له أو لا؛ فلسيده، بخلاف الهبة والوقف؛ فإن الاستحقاق فيهما ناجز، فأبطلنا فيما إذا قصد من ليس أهلًا للملك، وصححنا في غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 591
وَلَوْ وَصَّى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ .. فَبَاطِلَةٌ، فَإِنْ قَالَ: (لِيُصرَفَ فِي عَلْفِهَا) .. فَالْمَنْقُولُ: صِحَّتُهَا. وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ،
وخرّج بعضهم صحةَ الوصية فيما إذا قصد العبد نفسه: على أن العبد يملك أم لا؟
(ولو وصى لدابة وقصد تمليكها أو أطلق .. فباطلة) لأن مطلق اللفظ للتمليك، والدابة لا تملك، بخلاف الإطلاق للعبد؛ فإنه ينتظم معه الخطاب ويتأتى منه القبول، وربما عتق قبل موت الموصي؛ فيثبت له الملك، بخلاف الدابة، وقد جزموا هنا بالبطلان، وذكروا في إطلاق الوقف عليها وجهين في كونه وقفًا على مالكها.
قال الرافعي: فيشبه مجيئهما هنا وقد يفرق: بأن الوصية تمليكٌ محض، فينبغي إضافته إلى من يملك، بخلاف الوقف، قال النووي: والفرق أصحُّ، وقال ابن الرفعة: في الفرق نظر من حيث إنه لا خلاف أن الموقوف عليه يملك المنفعة، والدابة لا تملك شيئًا 195، ورده السبكي بأن المنفعة تابعة للعين، وإنما يملكها عند التناول.
انتهى، وفيه نظر.
قال الزركشي: وقد حكى ابن يونس عن جده: أنه في حالة الإطلاق تكون على الوجهين في الوقف عليها، قال: وأولى بالصحة؛ لأن باب الوصية أوسع.
(فإن قال: "ليصرف في علفها" .. فالمنقول: صحتها) لأن علفها على مالكها، فهو المقصود بالوصية، ويشرط قبوله على الأصحِّ؛ لأنه الذي يملكها؛ كسائر الوصايا.
وأشار بقوله: (المنقول) إلى احتمال للرافعي من مجيء وجهين؛ كنظيره من الوقف 196.
وضبط المصنف بخطه (علفها)، بإسكان اللام وفتحها، وهو صحيح، فبالإسكان: المصدر، وبالفتح: المأكول.
(وتصحُّ لعمارة مسجد) إنشاءً وترميمًا؛ لأنه قربة، وسواء المسلم والكافر، وكذا تصحُّ على مصالح المسجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 592
وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصحِّ ويُحْمَلُ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَلِذِمِّيٍّ،
(وكذا إن أطلق في الأصحِّ) فإن قال: (أوصيت به للمسجد) .. فيصحُّ.
(ويحمل على عمارته ومصالحه) عملًا بالعرف، ويصرفه الناظر إلى الأهم والأصلح باجتهاده، والثاني: تبطل؛ لأنه لا يملك؛ كالدابة، وردّه الإمام؛ بأن الوصية للدابة نادر مستنكر في العرف، فتعين اعتبار اللفظ 197.
وسكت المصنف عما إذا قال: (أردت تمليك المسجد)، ونقل الرافعي عن بعضهم: أن الوصية باطلة، ثم بحث فيه؛ لأن للمسجد ملكًا وعليه وقفًا، وذلك يقتضي صحة الوصية، قال المصنف: وهذا هو الأفقه الأرجح 198، وقال ابن الرفعة: في كلام الرافعي ما يفهم جواز الهبة للمسجد، قال ابن الملقن: (وبه صرح القاضي في "تعليقه" في "باب الوقف" 199.
والكعبة في ذلك كالمسجد؛ كما صرح به في "البيان" نقلًا عن الشيخ أبي علي، قال: ويصرف إلى عمارتها 200، وقيل: إلى مساكين مكة.
قال ابن الملقن: (وينبغي إلحاق الكسوة بالعمارة؛ فإنها من جملة المصالح، وكذا ما أوصي به للضريح النبوي يحمل على ما يختص به دون الأشياء الخارجة عنه في حرمه؛ فإنها قد تدخل في الوصية للحرم) 201.
(ولذمي) كما يجوز التصدق عليه، وروى البيهقي: (أن صفية أوصت لأخيها بألف دينار وكان يهوديًّا) 202.
وعن محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: هو وصية المسلم لليهودي والنصراني 203، والمعاهدُ والمستأمن: كالذمي.
الجزء: 2 - الصفحة: 593
وَكَذَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌّ فِي الأَصَحِّ، وَقَاتِلٌ فِي الأَظْهَرِ،
ومحلُّ الصحة: بما يجوز له تملكه؛ فلا يصحُّ بالمصحف والعبد المسلم على النصِّ.
(وكذا حربي ومرتد في الأصحِّ) كالهبة والصدقة والبيع، ويفارق الوقف؛ لأنه يراد للدوام، وهذان مقتولان، والثاني المنع؛ للأمر بقتلهما، فلا معنى للوصية لهما ونقض التعليل: بالزاني المحصن؛ فإن الوصية تصحُّ له مع كونه مقتولًا.
ومحلُّ الخلاف في الحربي: إذا أوصى له بغير السلاح والخيل، فإن أوصى له بشيء منهما .. فهو كبيعه منه.
ومسألة المرتد من زوائد الكتاب على "المحرر" من غير تمييز، وإنما تأتي على القول ببقاء ملكه، كما قاله صاحب "الذخائر" وغيره، وحينئذ: فهذا من تفريع المرجوح.
وصورة المسألة: أن يوصي لشخص وهو مرتد، فلو أوصى لمن يرتد .. بطل، أو لمسلم فارتد .. فهي جائزة قطعًا، ذكرهما الماوردي 204.
(وقاتل في الأظهر) لأنها تمليك بعقد فضاهت الهبة، وخالفت الإرث، والثاني: المنع؛ لأنه مال مستحق بالموت؛ كالإرث، وخص ابن يونس في "شرح التعجيز" وابن الرفعة الخلافَ بالقاتل الحرّ 205؛ فلو أوصى للقاتل الرقيق .. صحت قطعًا، ولا حاجة إليه فإن الوصية لسيده وليس قاتلًا، ولهذا لو قتله السيد .. كانت وصية للقاتل.
وقد استشكل محلُّ الخلاف؛ فإنه إن كان فيما إذا أوصى لمن يقتله .. لم يصحَّ قطعًا، أو فيما إذا أوصى لشخص فقتله .. فليس بقاتل حقيقة عند الوصية قطعًا، والخلاف في هذه الحالة إنما يتجه في بطلانها لا في انعقادها؛ ولهذا قال صاحب "الذخائر": إن في العبارة تسمحًا، وتحريرها أن يقال: إذا قتل الموصى له الموصي أو وجد منه ما ينسب به القتل إليه .. هل تبطل الوصية أو لا؟ قولان.
الجزء: 2 - الصفحة: 594
وَلِوَارِثٍ فِي الأَظْهَرِ إِنْ أَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِمْ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَالْعِبْرَةُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْمِ الْمَوْتِ. وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بقَدْرِ حِصَّتِهِ .. لَغْوٌ، وَبِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ .. صَحِيحَةٌ، وَتَفْتَقِرُ إِلَى الإِجَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَتَصِحُّ بِالْحَمْلِ وَيُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ
(ولوارث) خاص (في الأظهر إن أجاز باقي الورثة) المطلقين التصرف؛ لما رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ"، قال الذهبي: في "مختصره" وهو: صالح الإسناد 206، وقياسًا على الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث، والثاني: باطلة وإن أجازوها؛ لأنه صحَّ: "لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ" 207.
(ولا عبرة بردِّهم وإجازتهم في حياة المُوصي) إذ لا استحقاق لهم قبل موته وقد يبرأ وقد يموتون قبله، وأفهم اعتباره: بعد موته ولو قبل القسمة وهو الصحيح، وقيل: كالإجازة قبل الموت.
(والعبرة في كونه وارثًا بيوم الموت) أي: حالة الموت، فلو أوصى لأخيه فحدث له ابن قبل موته .. صحت، ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات قبل الموت .. فهي وصية لوارث.
(والوصية لكلِّ وارث بقدر حصته) مشاعًا؛ من نصف وربع ونحوهما بحسب فرض الوارث ( .. لغو) لأنه يستحقه بغير وصية.
(وبعين هي قدر حصته .. صحيحة، وتفتقر إلى الإجازة في الأصحِّ) لا ختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها؛ ولهذا لو أوصى ببيع عين ماله لزيد .. صحت الوصية على الأصحِّ، والثاني: لا يفتقر إليها؛ لأن حقوقهم في قيمة التركة لا في عينها، بدليل أنه لو باع المريض التركةَ بأثمان أمثالها .. صحَّ وإن لم يرضوا بذلك.
(وتصحُّ بالحمل) الموجود؛ كإعتاقه، (ويشترط) لصحة الوصية به (انفصاله
الجزء: 2 - الصفحة: 595
حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا، وَبِالْمَنَافِعِ، وَكَذَا بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ فِي الأَصَحِّ، وَبِأَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهَا
حيًّا لوقت يعلم وجوده عندها) أي: عند الوصية؛ كما سبق في الوصية له، ويرجع إلى أهل الخبرة في حمل البهائم.
وقضية كلامه: البطلان إذا انفصل ميتًا مطلقًا، ويستثنى: ما لو انفصل بجناية جان .. فإن الوصية لا تبطل وتنفذ من الضمان؛ لأنه انفصل مُتقوَّمًا، بخلاف ما إذا أوصى لحمل وانفصل ميتًا بجناية جان .. فإنها تبطل؛ لأن المعتبر هناك المالكية 208.
(وبالمنافع) المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة؛ لأنها أموال تقابل بالأعواض؛ كالأعيان، وكذا تصحُّ بالعين دون المنفعة، وبالعين لواحد والمنفعة لآخر.
(وكذا بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصحِّ) لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر؛ رفقًا بالناس وتوسعة، فصحت بالمعدوم كما تصحُّ بالمجهول، والثاني: المنع؛ لأن التصرف يستدعي متصرفًا فيه ولم يوجد، والثالث: تصحُّ بالثمرة دون الحمل؛ لأنها تحدث من غير إحداث أمر في أصلها، بخلاف الولد، وإذا قلنا بالصحة في الحمل فولدته لأقلَّ من ستة أشهر .. لم يكن موصى به؛ لأنه كان موجودًا، وإنما أوصى بما سيحدث.
(وبأحد عبديه) لأن الوصية تحتمل الجهالة، فلا يؤثر فيها الإبهام ويعين الوارث، بخلاف: (أوصيت لأحد الرجلين)، فإنه باطل في الأصحّ؛ فإنه يحتمل في الموصى به ما لا يحتمل في الموصى له، ولهذا صحت: (بحمل سيحدث) لا (لحمل سيحدث).
نعم؛ لو قال: (أعطوا لأحد الرجلين كذا) .. صحَّ؛ كما لو قال لوكيله: (بع لأحد الرجلين).
(وبنجاسة يحلُّ الانتفاع بها) لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها بالإرث والهبة، وخرج ما لا يحلُّ الانتفاع به؛ كالخنزير وفرعه، والكلب العقور، والخمر غير المحترمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 596
كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَزِبْلٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ. وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ .. أُعْطِيَ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ .. لَغَتْ،
(ككلب مُعلَّم) على الصحيح؛ لجواز اقتنائه.
وقوله: (معلَّم): يفهم المنع في الجرو القابل للتعلم، والأصحُّ: جوازه بناء على جواز اقتنائه لذلك، وكذا تجوز الوصية بكلب يتخذ للدور وإن لم يكن معلَّمًا؛ لأنه يدافع بطبعه.
(وزِبْل) ونحوه مما ينتفع به؛ كالسَّماد، (وخمر محترمة) وهو ما عصر بقصد الخلية أو لا يقصد الخمر به على الخلاف فيه.
نعم؛ لو استحكمت المحترمة وأيس من عودها خلًّا إلا بصنع آدمي .. لم يجز إمساكها على الأشبه عند ابن الرفعة، وقياسه: بطلان الوصية بها.
(ولو أوصى بكلب من كلابه .. أُعطي أحدَها) والخيرة للوارث إن كان الموصى له صاحب صيد وزرع وحرث، فإن لم يعان واحدًا منها 209 .. ففي بطلان الوصية وجهان في "الحاوي" 210، قال الأَذْرَعي: الأقرب: المنع، وقد صححه في "شرح المهذب" بالنسبة إلى جواز اقتنائه.
وإن عانى أحدَها فقط، فهل يلزم الوارث ما يناسبه دون غيره أو يتخير فيعطيه ما شاء؟ وجهان: قال: المنكت: أوفقهما لإطلاقهم: لا يلزم 211، لكن جزم الدارمي بأنه يعطى ما يليق به، قال الأَذْرَعي: وهو المختار.
(فإن لم يكن له كلب .. لغت) سواء قال: (من كلابي) أو (مالي)، بخلاف: (أعطوه عبدًا من مالي) .. فإنه يشترى له؛ لإمكانه، بخلاف الكلب؛ فإنه يتعذر شراؤه، ولو تجدد له كلب .. قال الأَذْرَعي: فيشبه أن يكون على وجهين: أقربهما: الصحة؛ نظرًا إلى حالة الموت، لا حالة الوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 597
وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا .. فَالأَصَحُّ: نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ الْمَالُ. وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهِ كَطَبْلِ حَرْبِ أَوْ حَجِيجٍ .. حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلِ اللَّهْوِ .. لَغَتْ إِلَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ
(ولو كان له مال وكلاب ووصَّى بها أو ببعضها .. فالأصحُّ: نفوذها وإن كثرت وقلَّ المال) ولو كان دانقًا؛ إذ المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، وقليلُ المال خيرٌ من كثير الكلاب؛ إذ لا قيمة لها، والثاني: يقدر أنه لا مال له، وتنفذ في ثلث الكلاب؛ لأن الكلاب ليست من جنس المال، والثالث: تقوَّم الكلاب أو منافعها على خلاف فيه، وتضم إلى ماله وتنفذ الوصية في ثلث الجميع؛ أي: في قدره من الكلاب.
ولو أوصى بثلث المال لرجل، وبالكلاب لآخر .. قال القاضي أبو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة .. خيرٌ من ضعف الكلاب، واستبعده في "الشامل"؛ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حقهم؛ لنفوذ الوصية في الثلث، فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية الكلاب، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ 212.
(ولو أوصى بطبل وله طبل لهْوٍ وطبلٌ يحلُّ الانتفاع به؛ كطبل حرب أو حجيج .. حملت على الثاني) حملًا على الصحة؛ إذ الظاهر: أنه يقصد الثواب، وهو فيما تصحُّ الوصية به، هذا إذا لم يصلح طبل اللهو لمنفعة مباحة؛ فإن صلح لها .. يخير الوارث؛ كما صرح به الأصحاب، وكلام المصنف الآتي يشير إليه.
(ولو أوصى بطبل اللهو .. لغت) لأنه معصية (إلّا أن يصلح لحرب أو حجيج) ونحوهما؛ كطبل البازي، أو منفعة أخرى مباحة، وسواء صلح على هيئته أو بعد تغير يبقى معه اسم الطبل؛ فإن لم يصلح إلا بتغير يزيل اسمه .. لغت الوصية، كذا أطلقوه، وقال الإمام والغزالي: إذا كان من جوهر نفيس .. صحت؛ وكأنه أوصى برضاضه إذا كسر، والتعليق لا يقدح في الوصية 213.
الجزء: 2 - الصفحة: 598
فصَلٌ [في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض]
يَنْبَغِي أَلَّا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَرَدَّ الْوَارِثُ .. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَإِنْ أَجَازَ .. فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ، وَفِي قَوْلٍ: عَطِيَّة مُبْتَدَأَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالزِّيَادَةِ لَغْوٌ. وَيُعْتَبَرُ الْمَالُ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْوَصِيَّةِ
(فصل: ينبغي ألَّا يوصي بأكثر من ثلث ماله) لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثيرٌ" متفق عليه 214.
وقال القاضي والبَنْدَنيجي والماوردي: لا تجوز الزيادة على الثلث 215، وقال المتولي والبغوي والخوارزمي وابن أبي عصرون: تكره الزيادة 216.
(فإن زاد وردّ الوارث .. بطلت في الزائد) بالإجماع؛ لأنه حقه، وهذا في الوارث الخاص، فإن لم يكن له وارث خاص .. فالزيادة على الثلث باطلة [على الصحيح]؛ لأن الحقَّ للمسلمين، فلا مجيز.
(وإن أجاز) المطلق التصرف في ماله ( .. فإجازته تنفيذ) أي: إمضاء لتصرف الموصي، وتصرفه موقوف على الإجازة؛ لأنه تصرف مصادف لملك، وحقُّ الوارث إنما يثبت في أثناء الحال، فأشبه بيع الشقص المشفوع، (وفي قول: عطيَّة مبتدأة، والوصية بالزيادة لغو) للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، ولأنها حق الوارث.
(ويعتبر المال يوم الموت) لأن الوصية تملك بعد الموت، وحينئذ تلزم، (وقيل: يوم الوصية) كما لو نذر التصدق بثلث ماله .. اعتبر يوم النذر، وردّ: بأن ذلك وقت اللزوم، فهو نظير الموت في الوصية.
وفائدة الخلاف: فيما لو زاد ماله بعد الوصية أو هلك الموجود عندها، ثم اكتسب غيره .. فتتعلق الوصية به على الأول، لا على الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 599
ويُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيْضًا عِتْقٌ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ، وَتَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ. وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ؛ فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ .. أُقْرِعَ، أَوْ غَيْرُهُ .. قُسِّطَ الثُّلُثُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ .. قُسِّطَ بِالْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
(ويعتبر من الثلث أيضًا عتق علّق بالموت) سواء علق في الصحة أو في المرض.
(وتبرّع نُجِّز في مرضه؛ كوقف وهبة وعتق وإبراء) لحديث: "إِنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ" رواه ابن ماجه، وفي إسناده مقال 217.
ويستثنى من العتق المنجز: عتق أم الولد في مرضه .. فإنها تعتق من رأس المال؛ كما سيأتي، مع أنه تبرع نجّز في المرض.
واحترز بقوله: (تبرع): عن الاستيلاد؛ فإنه ليس بتبرع، بل إتلاف واستمتاع، فهو من رأس المال.
(وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت وعجز الثلث؛ فإن تمحض العتق) كقوله: (إذا مت .. فأنتم أحرار)، أو (أعتقتكم بعد موتي) ( .. أقرع) فمن قرع .. عتق منه ما يفي بالثلث؛ لأن مقصود العتق التخلص من الرق، ولا يحصل مع التشقيص، وسواء وقع ذلك معًا أو مرتبًا.
(أو غيرُه .. قُسّط الثلث) على الجميع باعتبار القيمة أو المقدار؛ فلو أوصى لزيد بمئة ولعمرو بخمسين ولبكر بخمسين وثلث ماله مئة .. أُعطي زيد خمسين، ولكلِّ واحد خمسة وعشرون، ولا يقدم بعضها على بعض بالسبق؛ لأن الوصايا إنما تملك بالموت، فاستوى حكم المتقدم والمتأخر، هذا كلُّه عند الإطلاق، وأما لو قال: (أعتقوا سالمًا بعد موتي ثم غانمًا)، أو (ادفعوا إلى زيد مئة ثم إلى عمرو مئة) .. قدم ما قدّمه قطعًا.
(أو هو وغيره) كأن أوصى بعتق سالم ولزيد بمئة ( .. قُسّط) الثلث (بالقيمة) لاتحاد وقت الاستحقاق، (وفي قول: يقدم العتق) لقوته؛ لتعلق حق الله به وحق
الجزء: 2 - الصفحة: 600
أَوْ مُنَجَّزَةٌ .. قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ. فَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةً وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إِبْرَاءِ جَمْعٍ .. أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ وَقُسِّطَ فِي غَيْرِهِ
الآدمي، قال الرافعي: هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء وبعتق عبد .. فقال البغوي: هما سواء؛ لاشتراكهما في القربة، وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين؛ لوجود القوة والسراية، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ.
انتهى 218.
ولهذا أطلق المصنف الخلاف، وإذا سوينا فكان العبيد جماعة .. أقرع بينهم فيما يخصهم.
ويستثنى من إطلاق المصنف: مسألة وهي: ما لو دبر عبده وقيمته مئة، وأوصى له بمئة وثلث ماله مئة .. فإنه يعتق كلُّه ولا شيء للوصية على الأصحِّ.
(أو منجزةٌ) بأن أعتق وتصدق، ووقف وأبرأ، ووهب وأقبض ( .. قدّم الأول فالأول حتى يتم الثلث) لقوته ونفوذه؛ لأنه لا يفتقر إلى إجازة، بخلاف ما زاد على الثلث؛ فإن نفوذه يتعلق بإجازتهم.
وإنما قيدت الهبة بالإقباض؛ لأن تقديم الهبة لا يؤثر بلا قبض؛ لأن ملكها بالقبض؛ فلو وهب المريض ثم أعتق، أو حابى في بيع ثم أقبض الموهوب .. قدّم العتق والمحاباة، ولا تفتقر المحاباة في بيع ونحوه إلى قبض؛ لأنها في ضمن معاوضة.
(فإن وجدت دُفعةً) إما منه كقوله: (أعتقتكم) أو (أبرأتكم)، أو بوكالة (واتحد الجنس؛ كعتق عبيد أو إبراء جمع .. أقرع في العتق) خاصة (وقسِّط في غيره) باعتبار القيمة؛ لأن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له عند موته مال غيرهم، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثًا، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا، رواه مسلم 219، ولأن القصد من الإعتاق تخليصُ الرقبة، ولا يحصل هذا الغرض مع بقاء رق بعضه، والمقصودُ في الهبة ونحوها: التمليك، والتشقيص لا ينافيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 601
وَإِنِ اخْتَلَفَ وَتَصَرَّفَ وُكَلَاءُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ .. قُسِّطَ، وَإِنْ كَانَ .. قُسِّطَ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ؛ سَالِمٌ وَغَانِمٌ، فَقَالَ: (إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ)، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .. عَتَقَ وَلَا إِقْرَاعَ
(وإن اختلف) الجنس (وتصرَّف وكلاء) بأن وكل وكيلًا في بيع بمحاباة، وآخر في هبة، وآخر في صدقة ونحوها وتصرفوا دفعة واحدة، (فإن لم يكن فيها عتق .. قُسّط) الثلث على الكلِّ باعتبار القيمة؛ كما يفعل في الديون (وإن كان) فيها عتق ( .. قُسّط، وفي قول: يقدم العتق) هما القولان السابقان بتعليلهما، وصوره المصنف بالوكلاء؛ لأنه الغالب، وقد يكون منه؛ بأن يقال له: (أعتقت) و (أبرأت) و (وقفت)؟ فيقول: نعم.
وبقي من أقسام المسألة: ما لو وجدت منه تبرعات منجزة وأُخَر معلقة بالموت .. فتقدم المنجزة؛ لأنها تفيد الملك في الحال، ولازمة لا يتمكن المريض من الرجوع عنها.
(ولو كان له عبدان فقط؛ سالم وغانم، فقال: "إن أعتقت غانمًا .. فسالم حرّ" ثم أعتق غانمًا في مرض موته .. عتق) غانم لسبقه (ولا إقراع) على الصحيح؛ لأن القرعة قد تؤدي إلى إرقاقهما معًا؛ لجواز خروجها على سالم، فيلزم إرقاق غانم، ولا يمكن عتق سالم؛ لأنه مشروط بعتق غانم، والمشروط بدون شرطه محال، وقيل: يقرع، كما لو قال: أعتقتكما.
وقوله: (فقط): من زياداته على "المحرر" 220، وفيه إشكال؛ لأنه إما أن يريد: لا مال له سواهما، أو لا عبيد؛ إن أراد الأول .. لم يستقم قوله آخرًا: (عتق)؛ فإنه حينئذ إنما يعتق من غانم ثلثاه إن تساوت قيمتهما، وإن تفاوتا .. فبقدر الثلث، وإن أراد الثاني -وهو ظاهر تصوير "الشرح" و"الروضة" 221 - .. فينبغي حمله على ما إذا كان الثلث لا يُخرِجُ إلا أحدهما، أما إذا احتملهما الثلث .. فيعتقان؛ غانم بالمباشرة، وسالم بالصفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 602
وَلَوْ أَوْصَى بعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِيهِ غَائِبٌ .. لَمْ تُدْفَعْ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ أَيْضًا.
فصلٌ [في بيان المرض المخوف ونحوه]
إِذَا ظَنَنَّا الْمَرَضَ مَخُوفًا .. لَمْ يَنْفُذْ تَبَرُّعٌ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ بَرَأَ .. نَفَذَ
(ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله، وباقيه غائب .. لم تدفع كلُّها إليه في الحال) لأنه ربما تلف الغائب، فلا يحصل للورثة مِثْلا ما حصل للموصى له.
(والأصحُّ: أنه لا يتسلط على التصرف في الثلث أيضًا) أي: ثلث العين؛ لأن تسليطه يتوقف على تسليط الورثة على مثلي ما تسلط عليه، ولايمكن تسليطهم؛ لاحتمال سلامة الغائب، فيحصل للموصى له الجميع، والثاني: يتسلط؛ لأن استحقاقه لهذا القدر متيقن.
وحكم الدين حكم الغائب، وقد صرح به في "التنبيه" 222.
(فصل: إذا ظننَّا المرض مَخُوفًا .. لم ينفذ تبرُّع زاد على الثلث) لأنه محجور عليه فيه، و (المخوف): كلُّ ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت بالإقبال على الأعمال الصالحة، وضبطه الماوردي: بما لا يتطاول بصاحبه معه الحياة 223.
ولا يشترط في كونه مخوفًا حصول الموت به، بل يكفي ألّا يكون نادرًا بدليل البِرْسَامِ، كذا نقلاه عن الإمام، وأقراه 224.
(فإن برأ .. نفذ) الجميع قطعًا؛ لأنه تبين صحة تبرعه، وأن ذلك المرض لم يكن مخوفًا، وإن لم يبرأ بل مات به .. لم ينفذ الزائد على الثلث.
هذا كلُّه إذا لم ينته إلى حالة يقطع فيها بموته عاجلًا، فإن انتهى إلى ذلك .. فلا اعتبار بكلامه في الوصية وغيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 603
وَإِنْ ظَنَنَّاهُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَمَاتَ؛ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْفَجْأَةِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَمَخُوفٌ. وَلَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا .. لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِطَبيبَيْنِ حُرَّيْن عَدْلَيْنِ. وَمِنَ الْمَخُوفِ: قُولِنْجٌ، وَذَاتُ جَنْبٍ، وَرُعَافٌ دَائِمٌ، وَإِسْهَالٌ مُتَوَاتِرٌ، وَدِقٌّ، وَابْتِدَاءُ
(وإن ظنناه غير مخوف فمات) أي: اتصل به الموت (فإن حمل على الفجأة .. نفذ) جميع تبرعه، (وإلا) أي: وإن لم يحمل على الفجأة ( .. فمخوف) فلا ينفذ ما زاد على الثلث، وكلام المصنف مبهم؛ فإنه لا يدرى منه ما المحمول على الفجأة من غيره؟ ! وقال في "أصل الروضة": (إذا رأينا المرض غير مخوف فاتصل به الموت .. فينظر؛ إن كان بحيث لا يحال عليه الموت؛ كوجع الضرس ونحوه .. فالتبرع نافذ، والموت محمول على الفجأة، وإن كان غيره؛ كإسهال يوم أو يومين .. تبينا باتصال الموت به كونه مخوفًا، وكذلك حمى يوم أو يومين، قاله في "الوسيط") 225 انتهى.
فإن قيل: ما الفائدة في حكمنا بأنه غير مخوف مع أنه إذا اتصل به الموت .. ألحق بالمخوف؟ أجيب: بأن فائدته إذا قتله قاتل، أو غرق، أو سقط من سطح .. فإنه يكون من رأس المال، بخلاف ما إذا كان مخوفًا ثم قتل أو غرق .. فإنه يحسب من الثلث؛ كما حكاه في "زيادة الروضة" عن البغوي وأقرّه 226.
(ولو شككنا في كونه مخوفًا .. لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين) مقبولي الشهادة؛ لأنه تعلق به حقُّ آدمي من الموصى له والوارث، فاشترط فيه شروط الشهادة كغيرها.
(ومن المخوف: قُولنْج) وهو أن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيهلك، (وذات جَنْب) وهو قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم تنفتح في الجنب ويسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، (ورعاف دائم) لأنه ينزف الدم، وتسقط القوة، (وإسهال متواتر) فإنه يسقط القوة، (ودِقٌّ) بكسر الدال، وهو داء يصيب القلب، ولا تمتد معه الحياة غالبًا، (وابتداء
الجزء: 2 - الصفحة: 604
فَالِجٍ، وَخُرُوجُ الطَّعَامِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، أَوْ كَانَ يَخْرُجُ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ وَمَعَهُ دَمٌ، وَحُمَّى مُطْبِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا
فالج) وهو استرخاء عام لأحد شقي البدن طولًا، وسببه: غلبة الرطوبة والبلغم، وإنما كان ابتداؤه مخوفًا؛ لأنه إذا هاج .. ربما أطفأ الحرارة الغريزية، وإذا استمر .. لم يخف منه الموت عاجلًا، فلا يكون مخوفًا.
(وخروج الطعام غيرَ مستحيل، أو كان يخرج بشدة ووجع) ويسمى: (الزحير)، (أو ومعه دم) من الكبد ونحوها من الأعضاء الشريفة؛ لأنه يسقط القوة.
وقضيته: أن خروج الطعام على هذه الصفة مخوف وإن لم يكن إسهال، قال السبكي: وهو بعيد، فكان الأصوب ذكره عقب قوله: (وإسهال متواتر)؛ فإنه من تتمته، وكذا صنع في "المحرر" فقال: (والإسهال إن كان متواترًا، وكذا إذا خرج الطعام غير مستحيل ... ) إلى (أو معه دم) 227.
(وحمّى مطبقة) أي: ملازمة؛ لأن إطباقها يذهب القوة التي هي دوام الحياة، هذا إذا جاوز الإطباق يومين، وفي وجه: هي مخوفة من أول حدوثها، وهو ظاهر تعبير المصنف.
وعلى الأول: لو اتصل الموت بحمى يوم أو يومين .. نظر؛ فإن تبرع قبل أن يعرق .. فمن الثلث ويتبين أنها مخوفة، أو بعده .. فمن رأس المال، نقلاه عن البغوي والمتولي وأقرّاه، وهذا يقيد إطلاق ما تقدم عن "الوسيط"، ونبه عليه الرافعي 228.
(أو غيرها) أي: غير المطبقة، وهي أنواع: (وِرْد) وهي: التي تأتي في كل يوم.
و (غِبّ) وهي: التي تأتي يومًا، وتقلع يومًا، و (ثِلْث) وهىِ: التي تأتي يومين وتنقطع في الثالث، و (حمى الأخوين) وهي: التي تأتي يومين وتنقطع يومين.
الجزء: 2 - الصفحة: 605
إِلَّا الرِّبْعَ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمَخُوفِ: أَسْرُ كُفَّارٍ اعْتَادُوا قَتْلَ الأَسْرَى، وَالْتِحَامُ قِتَالٍ بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ، وَتَقْدِيمٌ لِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ، وَاضْطِرَابُ رِيحٍ وَهَيَجَانُ مَوْجٍ فِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ،
ويدخل في قوله: (أو غيرها): اليسيرة وليست بمخوفة؛ فكان ينبغي أن يقيده بـ (الشديدة).
(إلا الرِّبع) وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومين؛ لأنه يقوى في يومي الإقلاع.
وأفهم قول المصنف: (ومن المخوف): عدم انحصار الأمراض المخوفة فيما ذكرها، وهو كذلك بل هي كثيرة، ومنها: الطاعون عافانا الله تعالى منه، فإذا وقع ببلد .. فمخوف في حق من أصابه قطعًا، وكذا في حق من لم يصبه على الأصحِّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة" 229، وفي "الكافي": إن من أصابه مخوف، وإذا وقع في البلد في أمثاله: فهو مخوف على الأصحِّ.
قال الأَذْرَعي: وقوله: (في أمثاله) قيد حسن لا بدّ منه على ما شاهدناه.
(والمذهب: أنه يلحق بالمخوف: أسرُ كفار، اعتادوا قتل الأسرى، والتحامُ قتال بين متكافئين، وتقديم لقصاص أو رجم، واضطراب ريح وهيجان موج في راكب سفينة) اعلم: أن الشافعي نصّ في التقديم للقصاص: على أنه غير مخوف، وفي الباقي: على أنه مخوف 230، وفيه طريقان: أصحُّهما: قولان في الجميع، أصحُّهما: أنها تلحق بالمخوف؛ لأنه يخاف منها الهلاك؛ كالمرض وأولى؛ لأنه أسرع إتلافًا، ولا يندفع بدواء، والثاني: المنع؛ لأنه لم يلاقِ البدن وإنما يخاف منه قرب الأجل؛ كالهدم.
والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق: أن المقتص قد يرق فيعفو طمعًا في الثواب، أو المال.
وقوله: (أسر كفار) مثال جرى على الغالب، فلو اعتاده البغاة أو قطاع الطريق ..
الجزء: 2 - الصفحة: 606
وَطَلْقُ حَامِلٍ، وَبَعْدَ الْوَضْعِ مَا لَمْ تَنْفَصِلِ الْمَشِيمَةُ
فينبغي أن يكون الحكم كذلك.
واحترز بقوله: (اعتادوا): عما إذا لم يعتادوه؛ كالروم .. فليس بمخوف.
واحترز بـ (الالتحام): عما قبله؛ فليس بمخوف وإن تراموا بالنُّشَّاب والحِراب.
واحترز بـ (المتكافئين): عما إذا لم يتكافأا .. فإنه لا خوف في حقِّ الغالبين قطعًا.
نعم؛ القريبان من التكافؤ كالمتكافئين.
وقوله: (القصاص) ليس بقيد، بل فيه تنبيه على جريانه في قاطع الطريق من باب أولى.
وقوله: (وهيجان موج) لا فائدة له بعد قوله: (واضطراب ريح)؛ فإن الظاهر: أنهما متلازمان، وهما شيء واحد.
واحترز بذلك: عما لو كان البحر ساكنًا .. فلا خوف.
(وطلق حامل) لعظم الأمر؛ ولهذا جُعل موتُها شهادة، والخلاف فيها: قولان - كما في "الروضة" و"أصلها" -: أحدهما: هذا، والثاني: ليس بمخوف؛ لغلبة السلامة 231.
وليس في المسألة طريقان؛ كما اقتضاه عطف المصنف.
(وبعد الوضع ما لم تنفصل المَشِيمة) لأنها تضاهي الجراحات الواصلة إلى الجوف.
وقضيته: أنه لا فرق بين وضع الولد الكامل وغيره، لكن صحح في "زيادة الروضة": أن إلقاء المضغة والعلقة لا خوف فيه، ونقله عن القاضي أبي الطيب عن الأصحاب؛ لأنه أسهل خروجًا من الولد 232، لكن في "الأم" أن الإسقاط والولادة سببان 233، ويمكن حمله على إسقاط الولد المتخلق.
الجزء: 2 - الصفحة: 607
وَصِيغَتُهَا: (أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا)، أَوِ (ادْفَعُوا إِلَيْهِ)، أَوْ (أَعْطُوهُ بَعْدَ موْتِي)، أَوْ (جَعَلْتُهُ لَهُ)، أَوْ (هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي)، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلهِ: (هُوَ لَهُ) .. فَإِقْرَارٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي)، فَيَكُونُ وَصِيَّةً. وَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ
وأفهم كلام المصنف: أنه إذا انفصلت .. زال الخوف، ومحله: إذا لم يحصل من الولادة جراحة أو ضَرَبانٌ شديد أو ورم، فإن حصل شيء من ذلك .. دام الخوف؛ كما قطع به المَحاملي.
(وصيغتها) أي: صيغة الوصية: ("أوصيت له بكذا"، أو "ادفعوا إليه"، أو "أعطوه بعد موتي"، أو "جعلته له"، أو "هو له بعد موتي") وهذه صرائح؛ لصراحة الأولى في المقصود، وتأدي الباقي إلى معنى الوصية بالإضافة إلى ما بعد الموت.
وقوله: (بعد موتي) في الموضعين: قيدٌ في المذكورين قبله، وهما: (ادفعوا إليه) و (جعلته له)، فلو ذكر هذا القيد عقب كلِّ صيغة .. لكان أحسن.
(فلو اقتصر على قوله: "هو له" .. فإقرار) لأنه من صرائحه، فلا يجعل كناية في الوصية (إلا أن يقول: "هو له من مالي" فيكون وصية) لأن الإقرار لا يصحُّ بذلك، فيحتمل إذن الوصية، فتقبل إرادتها، وظاهر كلامه: صراحته حينئذ؛ لذكره له مع الصرائح، والذي في كتب الرافعي و "الروضة": أنه كناية؛ لأنه يحتمل الهبة الناجزة والوصية، فافتقر إلى النية 234، لكن رجح السبكي: أنه صريح، وقال: لو لم يكن صريحًا .. لكان إذا مات ولم يعلم أنه نوى أم لا .. تبطل الوصية؛ لأن الأصل عدمُ النية، ونصّ الشافعي في مسألتين يقتضي أنه صريح.
(وتنعقد بالكناية) كـ (عينت هذا لزيد) كالبيع وأولى؛ لقبولها التعليق بالأغرار، وإذا قبلت التعليق بالأغرار .. فبأن تقبل الكنايات أولى.
(والكتابة) بالتاء (كناية) فتنعقد بها إذا نوى؛ كالبيع وأولى، قال الشيخ برهان الدين الفَزاري: الظاهر: أن قصد المصنف: فتنعقد بالكتابة؛ لأنها كناية، فذكر مقدمتين ولم يذكر النتيجة.
الجزء: 2 - الصفحة: 608
وَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ .. لَزِمَتْ بِالْمَوْتِ بِلَا قَبُولٍ، أَوْ لِمُعَيَّنٍ .. اشْتُرِطَ الْقَبُولُ. وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ مَوْتهِ الْفَوْرُ. فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَهُ .. بَطَلَتْ، أَوْ بَعْدَهُ .. فَيَقْبَلُ وَارِثُهُ. وَهَلْ يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي، أَمْ بِقَبُولِهِ، أَمْ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ قَبِلَ .. بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ بِالْمَوْتِ، وَإِلَّا .. بَانَ لِلْوَارِثِ؟ أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ،
(وإن أوصى لغير معين؛ كالفقراء .. لزمت بالموت بلا قبول) لتعذره منهم، (أو لمعين .. اشترط القبول) كالهبة، ولو كانت الوصية لمحجور عليه .. قبل له وليه.
والمراد بالمعين: إذا كان محصورًا، فإن كان غير محصور؛ كالعلوية - وقلنا بالصحة وهو الأظهر - .. فلا يشترط القبول في حقهم جزمًا؛ كالفقراء.
ومحلُّ اشتراط القبول من المعين: في غير العتق؛ فلو قال: (أعتقوا عبدي بعد موتي) .. لم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن فيه حقًّا لله تعالى، فكان كالجهة العامة، ومثله: التدبير إذا قلنا: إنه وصية؛ فإنه يتنجز بالموت من غير توقف على القبول؛ كما قاله الرافعي في الكلام على رهن المدبر 235.
(ولا يصحُّ قبول ولا ردٌّ في حياة الموصي) إذ لا حقَّ له قبل الموت، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع.
(ولا يُشترط بعد موته الفور) بل يجوز تراخي القبول عن موت الموصي؛ إذ لو اعتبر .. لاعتبر عقب الإيجاب.
(فإن مات الموصَى له قبله) أي: قبل الموصي ( .. بطلت) لأنها قبل الموت غيرُ لازمة، فبطلت بالموت؛ كما لو مات أحد المتبايعين قبل القبول، (أو بعده) أي: بعد موت الموصي وقبل القبول والرد ( .. فيقبل وارثُه) أو يرد؛ لأنه فرعه، فقام مقامه في القبول؛ كالشفعة، وإذا قبل وارثه هل يقضى منه دين مورثه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ كديته فإنها تقضى منها ديونه وإن قلنا: إنها تثبت للورثة ابتداءً.
(وهل يملك الموصى له بموت الموصي، أم بقبوله، أم موقوف؛ فإن قبل .. بان أنه ملك بالموت، وإلا .. بان للوارث؟ أقوال: أظهرها: الثالث) لأنه لا يمكن
الجزء: 2 - الصفحة: 609
وَعَلَيْهَا تُبْنَى الثَّمَرَةُ وَكَسْبُ عَبْدٍ حَصَلَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ، وَنَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ، وَيُطَالِبُ الْمُوصَى لَهُ بالنَّفَقَةِ إِنْ تَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ.
فصلٌ [في أحكام الوصية الصحيحة ولفظها]
أَوْصى بِشَاةٍ .. تَنَاوَلَ صَغِيرَةَ الْجُثَّةِ وَكَبِيرَتَهَا، سَلِيمَةً وَمَعِيبَةً، ضَأْنًا وَمَعْزًا، وَكَذَا ذَكَرٌ فِي الأَصَحِّ،
جعله للميت؛ فإنه لا يملك، ولا للوارث؛ فإنه لا يملك إلا بعد الوصية والدين، ولا للموصى له، وإلا .. لم يصحَّ رده؛ كالإرث، فتعين وقفه مراعاة.
وقوله: (فإن قبل ... ) إلى آخره: تفسير الوقف، ووجه الأول: التشبيه بالإرث والتدبير، ووجه الثاني: أنه تمليك بعقد فيتوقف على القبول؛ كالبيع، وإذا قلنا بالأول .. فلا يستقر ملكه عليه حتى يقبل؛ كما حكاه العراقيون، وإذا قلنا بالثاني .. فالملك قبله للوارث في الأصحِّ، وقيل: للميت.
(وعليها)؛ أي: على هذه الأقوال (تبنى الثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول، ونفقته وفطرته) فعلى الأول: هما له، وعليه النفقة والفطرة، وإن قلنا بالثاني .. فلا شيء له ولا عليه قبل القبول، أو بالأظهر .. فموقوفة؛ فإن قبل .. فله وعليه، وإلا .. فلا.
(ويطالب الموصى له بالنفقة إن توقف في قبوله وردّه) كما لو امتنع مطلق إحدى زوجتيه من التعيين؛ فإن لم يقبل ولم يرد .. خيّره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل .. حكم عليه بالإبطال؛ كالمتحجر إذا امتنع من الإحياء.
(فصل: أوصى بشاة) وأطلق ( .. تناول صغيرةَ الجثة وكبيرتها، سليمةً ومعيبة، ضأنًا ومعزًا) لصدق الاسم، (وكذا ذَكَرٌ في الأصحِّ) لأنه اسم جنس؛ كالإنسان، وليست (التاء) فيه للتأنيث، بل للوحدة؛ كحمام وحمامة، ويدل له قولهم: لفظ (الشاة) يذكر ويؤنث، والثاني: المنع؛ نظرًا للعرف؛ فإنه لا يُسمَّى شاة، بل كبشًا
الجزء: 2 - الصفحة: 610
لَا سَخْلَةٌ وَعَنَاقٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَعْطُوهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ .. لَغَتْ،
أو تيسًا، وهذا ما نص عليه في "الأم" 236.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم تدل قرينة على المراد؛ فلو قال: (شاة لينزيها على غنمه) .. فذكر، أو (يحلبها) أو (ينتفع بدَرّها ونسلها) .. فأنثى كبيرة تصلح لذلك، ولو قال: (لينتفع بصوفها) .. حمل على الضأن، أو (بشعرها) .. حمل على المعز.
(لا سخلة وعناق في الأصحِّ) لأن كلًّا منهما لا تُسمَّى شاة، كذا علله القاضي الحسين، وكأنه يريد عرفًا، والثاني: يتناولهما؛ لصدق الاسم لغة وشرعًا.
وترجيح الأول تبعا فيه الصَّيْدَلاني 237، قال الإمام: وهو خلاف مقتضى النصِّ، وقول صاحب "التقريب"، وأئمة العراق ومعظم المراوزة 238، وخلاف ما صرح به الأصحاب كلُّهم، واختاره السبكي.
و(السخلة): الأنثى من ولد الضأن ما لم يتم لها أربعة أشهر، و (العناق): الأنثى من ولد المعز ما لم يتم لها سنة، و (الجدي): ذكره.
وفهم من كلام المصنف: أنه إذا امتنع في الأنثى .. ففي الذكر أولى.
(ولو قال: "أعطوه شاة من غنمي" ولا غنم له .. لغت) لعدم ما تتعلق به الوصية، وليس المراد: لا غنم له حال الوصية كما يفهمه كلامه، بل لو ملكها بعد الوصية وقبل موته .. صحت على الأصحِّ.
وشمل إطلاقه الإلغاء: ما إذا كان له ظباء، لكن الرافعي حكى وجهين فيما لو قال: (أعطوه شاة من شياهي): وليس له إلا ظباء، قال في "زيادة الروضة": (ينبغي أن يكون الأصحُّ: تنزيل الوصية على واحدة منها) 239.
الجزء: 2 - الصفحة: 611
وَإِنْ قَالَ: (مِنْ مَالِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ .. اشْتُرِيَتْ لَهُ. وَالْجَمَلُ وَالنَّاقَةُ يَتَنَاوَلَانِ الْبَخَاتِيَّ وَالْعِرَابَ، لَا أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَالأَصَحُّ: تَنَاوُلُ بَعِيرٍ نَاقَةً، لَا بَقَرَةٍ ثَوْرًا، وَالثَّوْرُ لِلذَّكَرِ. وَالْمَذْهَبُ: حَمْلُ الدَّابَّةِ عَلَى فَرَسٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ
(وإن قال: "من مالي" ولا غنم له .. اشتريت له) 240 أي: اشتري ما ينطلق عليه الاسم عملًا بقوله.
(والجمل والناقة يتناولان البَخَاتيَّ والعِراب) لصدق الاسم (لا أحدهما الآخر) أي: لا يتناول الجمل الناقة ولا عكسه؛ لأن لفظ (الجمل) للذكر، و (الناقة) للأنثى؛ كما قاله الأزهري وغيره 241.
(والأصحُّ: تناول بعيرٍ ناقةً) لأنه لغةً اسم جنس؛ كالإنسان، والثاني: المنع، وهو المنصوص ورجحه كثيرون، وقال الماوردي والإمام والغزالي: إنه المذهب؛ لأنه لا يُسمَّى بعيرًا عرفًا؛ كالجمل 242.
(لا بقرةٍ ثورًا) على الأصحِّ؛ لأن اللفظ موضوع للأنثى، والثاني: يتناول، و (الهاء) للوحدة؛ كثمرة وزبيبة، وهو كالخلاف في الشاة، والتصحيح متعاكس.
وذكر المصنف في "التحرير": اتفاق أهل اللغة على وقوع البقرة على الذكر والأنثى 243 مع حكايته الخلاف هنا، وهو يقدح في تعليلهم الأصحَّ بوضع اللفظ للأنثى.
(والثور للذكر) خاصة لاستعماله فيه لغة وعرفًا.
(والمذهب: حمل الدابة على فرس وبغل وحمار) لشهرة استعمالها في هذه الثلاثة وإن كانت لغة لكلِّ ما دب، وهذا هو المنصوص، وهو مطرد في جميع البلاد على الأصحِّ، وقال ابن سريج: إن المنصوص ذكره الشافعي على عادة أهل مصر في ركوبها جميعًا واستعمال الدابة فيها، وأما سائر البلاد فحيث لا يستعمل اللفظ إلا في
الجزء: 2 - الصفحة: 612
وَيَتَنَاوَلُ الرَّقِيقُ: صَغِيرًا وَأُنْثَى وَمَعِيبًا وَكَافِرًا وَعُكُوسَهَا، وَقِيلَ: إِنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ .. وَجَبَ الْمُجْزِئُ كَفَّارَةً. وَلَوْ أَوْصَى بِأَحَدِ رَقِيقِهِ فَمَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ .. بَطَلَتْ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ .. تَعَيَّنَ، أَوْ بِإِعْتَاقِ رِقَابٍ .. فَثَلَاثٌ،
الفرس؛ كالعراق .. لا يعطى إلا الفرس، هذا كلُّه عند الإطلاق، فلو قال: (للكَرّ والفرّ) .. فهو للفرس، أو (للحمل) .. حمل على البغل والحمار؛ فإن اعتادوا الحمل على البراذين .. دخلت.
(ويتناول الرقيقُ: صغيرًا وأنثى، ومعيبًا وكافرًا، وعكوسها) لصدق الاسم على الجميع، (وقيل: إن أوصى بإعتاق عبد .. وجب المجزئ كفارة) لأنه المعروف في الإعتاق، بخلاف: (أعطوه عبدًا)، واختاره أبو الطيب وغيره وغلط في "التجربة" من قال: (غيره)، والخلاف في عتق التطوع، فلو قال: (عن كفارة) .. تعين المجزئ فيها.
وقوله: (كفارة) هو منصوب على الحال، أو التمييز.
(ولو أوصى بأحد رقيقه) مبهمًا (فماتوا أو قتلوا قبل موته .. بطلت) الوصية؛ لأنه لا رقيق له، (وإن بقي واحد .. تعيّن) لأنه الموجود، وليس للوارث إمساكه وإعطاؤه قيمة المقتول.
واحترز بقوله: (قبل موته): عما بعد موته، فان كان القتل بعد القبول .. انتقل حقه إلى قيمة أحدهم بخيرة الوارث، أو قبل القبول .. فكذلك إن ملكناه بالموت أو توقفنا، وإلا .. بطلت، قاله الرافعي، قال في "الكفاية": وهو احتمال الإمام، قال هو: إنه لم يصر إليه أحد من الناس 244، وحكى في "المطلب" ما قاله الرافعي عن المتولي، وحكى الأَذْرَعي وغيره عن القاضي الحسين: أنه لا فرق بين أن نقول: يملك بالموت أو بالقبول.
(أو بإعتاق رقاب .. فثلاث) لأنه أقلُّ الجمع على المرجح، والمراد: أنه أقلُّ ما يكفي ثلاثٌ، قال الشافعي: والاستكثار مع الاسترخاص أولى من الاستقلال مع الاستغلاء، ومعناه: أن إعتاق خمس رقاب قليلة القيمة .. أفضلُ من إعتاق أربع كثيرة
الجزء: 2 - الصفحة: 613
فَإِنْ عَجَزَ ثُلُثُهُ عَنْهُنَّ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى شِقْصٌ بَلْ نَفِيسَتَانِ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَنْفَسِ رَقَبَتَيْنِ شَيْءٌ .. فَلِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: ثُلُثِي لِلْعِتْقِ .. اشْتُرِيَ شِقْصٌ. وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ .. فَلَهُمَا، أَوْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ .. فَكُلُّهُ لِلْحَيِّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا - أَوْ قَالَ: أُنْثَى - فَلَهُ كَذَا)، فَوَلَدَتْهُمَا .. لَغَتْ
القيمة، ولا يجوز صرف ما أوصى به إلى رقبتين مع إمكان ثلاث.
(فإن عجز ثُلُثه عنهن .. فالمذهب: أنه لا يُشترى شقص) أي: لا يسترى مع رقبتين شقص، (بل نفيستان به) أي: يشترى بما أوصى به نفيستان.
(فإن فضل) من الثلث (عن أنفَس رقبتين شيء .. فللورثة) لأن الشقص ليس رقبة، ألا ترى أنه لو أوصى بأن يشترى بثلثه رقبة، فلم يوجد به إلا شقص .. لم يُشتر قطعًا، وقيل: يشترى في مسألتنا الشقص؛ لأنه أقرب إلى غرض الموصي من صرف الفاضل للورثة، واختاره الغزالي، ومال إليه ابن الرفعة، ورجحه السبكي.
وتعبيره بالمذهب: يقتضي حكاية طريقين وليس في "الروضة" و"أصلها" إلّا وجهان 245.
(ولو قال: "ثلثي للعتق" .. اشتُرِي شقص) قطعًا؛ تحصيلًا لغرضه ما أمكن.
(ولو وصى لحملها فأتت بولدين) حيين ( .. فلهما) لأنه مفرد مضاف فعمَّ، ولا يفضل الذكر على الأنثى؛ كما لو وهب لرجل وامرأة شيئًا إلا أن يصرح بالتفضيل.
(أو بحي وميت .. فكلُّه للحي في الأصحِّ) لأن الميت كالمعدوم، والثاني: له النصف والباقي لورثة الموصي؛ كما لو أوصى لحيٍّ وميّت.
(ولو قال: "إن كان حملك ذكرًا - أو قال: أنثى - فله كذا"، فولدتهما .. لغت) لأنه شرط صفة الذكورة أو الأنوثة في جملة الحمل ولم يحصل، ولو ولدت غلامين .. فكذلك عند الغزالي 246، وقيل: يقسم بينهما، واختاره في "الروضة" 247.
الجزء: 2 - الصفحة: 614
وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ بِبَطْنِهَا ذَكَرٌ)، فَوَلَدَتْهُمَا .. اسْتَحَق الذَّكَرُ، أَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهَا وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ .. فَلأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
بخلاف قوله: إن كان حملها ابنًا .. فله كذا، وإن كان بنتًا .. فلها كذا فولدت ابنين؛ فإنه لا شيء لهما، والفرق: أن الذكر والأنثى اسما جنس يقع على الواحد والعدد، بخلاف الابن والبنت، قال الرافعي: والفرق ليس بواضح، وخالفه المصنف، وقال: إنه واضح 248.
(ولو قال: "إن كان ببطنها ذكر") فله كذا (فولدتهما .. استحقّ الذكر) لأن الصيغة ليست حاصرة للحمل فيه، (أو ولدت ذكرين .. فالأصحُّ: صحتها) لأنه لم يحصر الحمل في واحد، بل حصر الوصية فيه، والثاني: المنع؛ لاقتضاء التنكير التوحيد.
(ويعطيه الوارث من شاء منهما) كما لو وقع الإبهام في الموصى به .. يرجع إلى بيان الوارث، وليس له التشريك بينهما، وقيل: يوزع عليهما، وقيل: يوقف إلى أن يتأهلا للقبول، فيصطلحا.
(ولو وصى لجيرانه .. فلأربعين دارًا من كلِّ جانب) من الجوانب الأربعة؛ لما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن أبي هريرة مرفوعًا: "حَقُّ الْجِوَاِر إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقُدَّامًا وَخَلْفًا" وفي إسناده ضعف، لكن له طرق تقويه، ورواه أبو داوود مرسلًا بإسناد صحيح 249.
وقضية كلامه: أن المجموع مئة وستون، وبه صرح القاضي أبو الطيب، ويقسم المال على عدد الدور لا على عدد سكانها؛ كما جزم به في "الروضة"، قال السبكي: وينبغي أن يزاد فيه وتقسم حصة كلِّ دار على عدد سكانها، وما جزم به المصنف هو الصحيح المنصوص 250.
الجزء: 2 - الصفحة: 615
وَالْعُلَمَاءُ: أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، لَا مُقْرِئٌ وَطَبِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَأَدِيبٌ،
وقيل: هو الملاصق داره، وقيل: من نسب إلى سكنى محلته، وقيل: أهل الزقاق غير النافذ، وقيل: غير ذلك.
(والعلماء) فيما إذا أوصى للعلماء (أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه) للعرف، والمراد بالتفسير: علم معاني كتاب الله تعالى خبرًا وحكمًا، وبالحديث: العلم بطرقه، ومعانيه، لا من يسمعه ولا علم له بطرقه ومتونه وأسماء رجاله؛ إذ السماع المجرد ليس بعلم، وبالفقه: معرفة الأحكام الشرعية نصًّا واستنباطًا؛ ولهذا لا تدخل فيه الظاهرية كما أجاب به ابن سريج والقاضي الحسين.
ولو أوصى لأعلم الناس .. صرف إلى الفقهاء؛ لتعلق الفقه بأكثر العلوم، قاله الماوردي 251.
وقضية كلام المصنف: الحصر في هذه الثلاثة، وليس كذلك بل يدخل العالم بأصول الفقه؛ كما قاله الصَّيْمَري وصاحب "البيان" لانبناء الفقه عليه 252.
وعدّ الغزالي في مقدمة "المستصفى" من العلم الديني علم الباطن؛ يعني: علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة 253.
(لا مقرئ وطبيب ومُعبِّر وأديب) ومنجم وحاسب ومهندس؛ لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم، وكذا العالم باللغة والتصريف، والعروض والقوافي، والمعاني والبيان والبديع، والموسيقا ونحوها.
قال في "المطلب": والمراد بالمقرئ: التالي فقط، أما العالم بالروايات ورجالها .. فكالعالم بطرق الحديث، وقد أفهم كلام "الوسيط" 254: أنه منهم، قال السبكي: وفيه نظر؛ فإن التالي قارئ لا مقرئ، وذكر كلامًا طويلًا، ثم اختار أن
الجزء: 2 - الصفحة: 616
وَكَذَا مُتَكَلِّم عِنْدَ الأَكْثَرِينَ
العلماء بالقراءات علماء قطعًا يصرف إليهم من الوصية للعلماء، ومن الوقف عليهم؛ كما قاله ابن الرفعة، قال: بل هم أولى الناس بهذا، والمراد بالمعبر: مفسر المنام، والأفصح: عابر؛ لأنه يقال: عبرت - بالتخفيف - كما قال تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وبالأديب: النحوي، وقال ابن يونس: ينبغي أن يدخل؛ لانبناء الفقه عليه.
(وكذا متكلم عند الأكثرين) للعرف، ونقله العبادي في "زياداته" عن النصِّ، وقيل: يدخل، ومال إليه الرافعي.
واقتضى كلامه: أن الدليل يقتضي التسوية بينه وبين المحدث والمقرئ، فإما أن يستووا في الدخول كلهم، أو في الخروج، ولأجل هذا التوقف عدل المصنف عن الأصحِّ إلى قوله: (عند الأكثرين).
وقال السبكي ما حاصله: إن العلم بالله وصفاته وما يجب له وما يستحيل عليه؛ ليرد على المبتدعة، ويميز بين الاعتقاد الفاسد والصحيح، وتقرير الحق ونمره .. من أجلِّ العلوم الشرعية، والعالم به من أفضلهم، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم.
ومَنْ دأبُه الجدل والشبه وخبط عشواء في الحق والباطل، والزيادة عليه إلى أن يكون مبتدعًا، أو داعيًا إلى ضلالة .. فذلك باسم الجهل أحق.
انتهى.
وهذا هو القسم الذي أنكره الإمام الشافعي رضي الله عنه وقال: لأن يلقى العبدُ ربه بكلِّ ذنب ما خلا الشرك .. خيرٌ من أن يلقاه بعلم الكلام.
وأما القسم الأول: فهو الذي عدوه في (كتاب السير) من فروض الكفايات.
قال السبكي: وكذا الصوفية ينقسمون إلى هذين القسمين، وذكر في ذلك كلامًا نفيسًا، وقال في آخره: ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين؛ كابن عربي وابن سبعين والقطب القونوي والعفيف التلمساني .. فهؤلاء ضلال جهال خارجون عن طريق الإسلام؛ فضلًا عن العلماء 255.
الجزء: 2 - الصفحة: 617
وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفقَرَاءِ الْمَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ جَمَعَهُمَا .. شُرِّكَ نِصْفَيْنِ، وَأَقَلُّ كُلِّ صنْفٍ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ التَّفْضِيلُ. أَوْ لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، لكِنْ لَا يُحْرَمُ
(ويدخل في وصية الفقراء المساكينُ وعكسُهُ) فيجوز الصرف لهؤلاء من الوصية لهؤلاء وعكسه، لأن كلَّ واحد من الاسمين يقع على كلٍّ من الفريقين عند الانفراد في العرف.
قال ابن سراقة في "التلقين": وإنما تصرف الوصية لفقراء المسلمين؛ كالزكاة، وهل يختص بها فقراء بلد المال أو يجوز نقلها؟ فيه خلاف مرتب على الخلاف في نقل الزكاة، والمذهب في "أصل الروضة" هنا: الجواز 256؛ لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها في الزكاة.
(ولو جمعهما) أي: أوصى للفقراء والمساكين ( .. شُرِّك نصفين) كما في الزكاة، بخلاف ما إذا أوصى لبني زيد وبني عمرو .. فإنه يقسم على عددهم ولا ينصف.
(وأقلُّ كلِّ صنف ثلاثة) لأنه جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة، فلو دفع الوصي إلى اثنين .. غرم للثالث الثلث، أو أقلَّ ما يتمول، فيه الخلاف في نظيره من الزكاة، والمنصوص عليه في "الأم" في مسألتنا: أنه يضمن الثلث؛ كما قاله الماوردي 257، هذا إذا لم يكونوا محصورين، فإن أوصى لفقراء بلد وهم محصورون .. اشترط استيعابهم والتسوية بينهم؛ كتعيينهم.
(وله التفضيل) بين آحاد كلِّ صنف بحسب الحاجة، ولا تجب التسوية بل يتأكد تفضيل الأشدِّ حاجة وعيالًا.
(أو لزيد والفقراء .. فالمذهب: أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقلَّ متموَّل) لأنه ألحقه بهم (لكن لا يحرم) قطعًا وإن كان غنيًّا لنصه عليه.
وقوله: فـ (المذهب): عبر في "الروضة": بالأصحِّ، وحكى في المسألة سبعة
الجزء: 2 - الصفحة: 618
أَوْ لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ .. صَحَّتْ فِي الأَظْهَرِ، وَلَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. أَوْ لِأقَارِبِ زَيْدٍ .. دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ، إِلَّا أَصْلًا وَفَرْعًا فِي الأَصَحِّ،
أوجه؛ منها: أن لزيد ربع الوصية؛ لأن أقلَّ من يقع عليه اسم الفقراء ثلاثة، ومنها: أن له النصف ولهم النصف؛ لأنه قابل بينه وبينهم في الذكر، فأشبه ما إذا أوصى لزيد وعمرو 258، وقد اعتمده السبكي فيما لو وقف على مدرس وإمام وعشرة فقهاء .. فقال: المذهب: أنه يقسم على ثلاثة للعشرة ثلثها.
(أو لجمع معين غيرِ منحصر) كالعلوية 259، والهاشمية، وبني تميم ونحوها ( .. صحت في الأظهر) كالوصية للفقراء.
(وله الاقتصار على ثلاثة) كما في الفقراء، والثاني: البطلان؛ لأن التعميم يقتضي الاستيعاب وهو ممتنع، بخلاف الفقراء؛ فإن عرف الشرع خصصه بثلاثة فأتبع.
(أو لأقارب زيد .. دخل كلُّ قرابة وإن بعد) ووارثًا وغيره، ومسلمًا وكافرًا، وغنيًّا وفقيرًا وإن بعد؛ لشمول الاسم للكلِّ، ولا يختص هنا بالجمع وإن كان جمعًا حتى لو لم يكن سوى قريبين أو قريب واحد .. أخذ الكلَّ لا القسط في الأصحِّ.
وأفهم قوله: (كل قرابة): وجوب استيعابهم، ومحله: إذا انحصروا، فإن لم ينحصروا .. فكالوصية للعلوية.
(إلا أصلًا وفرعًا في الأصحِّ) إذ لا يسمون أقارب عرفًا، وعبر عنه في "المحرر" بالأظهر 260، والثاني: يدخلان، وصححه في "الكفاية"؛ لأنهما يدخلان في الوصية لأقرب الأقارب، فكيف لا يكونان من الأقارب؟ ! 261
قال السبكي بعد أن نقل عن جماعة الجزم به: وهذا أظهر نقلًا وبحثًا، وقال البُلْقيني: إنه المختار، وإن نص "الأم" و"المختصر" ظاهر فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 619
وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الأَصَحِّ، وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ قَبِيلَةً. وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ
والثالث: لا يدخل الأبوان والأولاد؛ لأن القريب في العرف من انتمى بواسطة، ويدخل الأجداد والأحفاد، قال الرافعي في "الشرحين": وهذا أظهر من جهة النقل حتى إن الأستاذ أبا منصور حكى إجماع الأصحاب عليه، وجعله في "الروضة" الأصحَّ، وقال في "المهمات": إن العمل عليه؛ لتصريح الرافعي بأنه أظهر نقلًا، والمذهب نقل 262.
(ولا تدخل قرابة أم في وصية العرب في الأصحِّ) فإنهم لا يفتخرون بها ولا يعدونها قرابة، والثاني: تدخل؛ كما في وصية العجم، وهذا هو الأصحُّ في "الروضة"، والأقوى في "الشرحين" و"التذنيب"، وبه قطع العراقيون، قال في "المهمات": والفتوى عليه؛ لموافقته ظاهر النص وقول الأكثرين 263.
(والعبرة بأقرب جد ينسب إليه زيد، وتُعدُّ أولاده قبيلة) يعني: أولاد ذلك الجد، فيرتقي في بني الأعمام إلى أقرب جد يعرف به، مثاله: أوصى لأقارب الشافعي في زمانه .. صرف إلى من ينسب إلى شافع؛ لأنه أقرب جد يعرف به الشافعي، ولا يصرف إلى ما ينسب إلى جد بعد شافع؛ كأولاد علي والعباس أخوي شافع؛ لأنهم إنما ينسبون إلى المطلب.
ولو أوصى لأقارب بعض أولاد الشافعي في هذا الوقت .. دخل فيها أولاد الشافعي دون غيرهم من أولاد شافع.
ولو أوصى حسني لأقاربه .. لم يدخل الحسينيون - بالتصغير - أو حسيني لم يدخل الحسنيون - بالتكبير - لأنه لولا ذلك .. أدى إلى دخول جميع الناس؛ فإن آدم يجمعهم.
وخرج بقوله: (ينسب إليه): جدُّ الأم؛ فإنه لا ينسب إليه.
(ويدخل في أقرب أقاربه الأصلُ والفرع) لأن أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة، وهما كذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 620
وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ ابْنٍ عَلَى أَبٍ، وَأَخٍ عَلَى جَدٍّ، وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُّ، وَالابْنُ وَالْبِنْتُ، وَيُقدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الابْنِ. وَلَوْ أَوْصَى لِأقَارِبِ نَفْسِهِ .. لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الأَصَحِّ
واعترض قوله: (ويدخل في أقرب أقاربه الأصل والفرع) فإنه ليس أقرب الأقارب غيرهما، فكان ينبغي أن يقول: وأقرب الأقارب الأصل والفرع.
وأجيب عنه: بأنهما أقرب الأقارب على الإطلاق، ويصحُّ إطلاق الدخول بمعنى أن كلًّا منهما داخل.
(والأصحُّ: تقديم ابنٍ على أب) لأنه أقوى إرثًا وتعصيبًا، فيقدم الأولاد، ثم أولادهم وإن سفلوا، ويسوى بين أولاد البنين وأولاد البنات، ثم الأبوان، ثم الأجداد إن لم يكن أخ أو أخت، والثاني: يستويان؛ لاستواء درجتهما، فعلى هذا: يقدم الأب على ابن الابن، والأم في ذلك كالأب؛ كما صرح به الجرجاني.
(وأخٍ على جدٍّ) لقوة البنوة، وليس لنا موضع يقدم فيه الأخ على الجد إلا هنا، وفي الولاء، والثاني: يستويان؛ لاستوائهما في الإدلاء، والأخت في ذلك كالأخ؛ كما في "الكفاية" عن الروياني 264.
وإطلاق المصنف الأخ والجد يشمل الأخ للأم والجد للأم، وهو الصحيح، فيجري الخلاف في الجد أب الأب، والجد أب الأم، مع الأخ للأب والأخ للأم.
(ولا يُرجَّح بذكورة ووراثة 265، بل يستوي الأب والأم، والابن والبنت) والأخ والأخت؛ كما يستوي المسلم والكافر، ويقدم الشقيق على غيره قطعًا، ويستوي الأخ من الأب والأخ من الأم.
(ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن) لأنه أقرب منه.
(ولو أوصى لأقارب نفسه .. لم تدخل ورثته في الأصحِّ) اعتبارًا بعرف الشرع لا بعموم اللفظ، ولأن الوارث لا يوصى له غالبًا، فيختص بالباقين، والثاني: يدخلون؛ لأن اللفظ يتناولهم، ثم يبطل نصيبهم، ويصحُّ للباقين.
الجزء: 2 - الصفحة: 621
فصلٌ [في أحكام معنوية للموصى به]
تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ، وَكَذَا مَهْرُهَا فِي الأَصَحِّ، لَا وَلَدٌ فِي الأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالأُمِّ؛ مَنْفَعَته لَهُ، وَرَقَبَته لِلْوَارِثِ،
(فصل) في الأحكام المعنوية: (تصحُّ بمنافع عبد ودار وغلّةِ حانوت) مؤبدة، ومؤقتة، ومطلقة؛ لأنها أموال مقابلة بالأعواض، فكانت كالأعيان، والإطلاق يقتضي التأبيد، وقد ذكر المصنف في أوائل الباب: الوصية بالمنافع 266، وإنما أعادها؛ لأجل ترتيب الأحكام الآتية عليها.
(ويملك الموصى له منفعة العبد، وأكسابَه المعتادة) كاحتطاب، واصطياد، وأجرة حرفة ونحوها؛ لأنها أبدال المنافع الموصى بها، أما النادرة؛ كاتهابه والتقاطه .. فلا يملكها على الأصحِّ؛ لأنها لا تقصد بالوصية.
(وكذا مهرها في الأصحِّ) أي: مهر الموصى بمنفعتها إذا وجبت بنكاح أو وطء شبهة؛ لأنه من فوائد الرقبة؛ كالكسب، وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ولم يصرحا بتصحيح في "الروضة" و "أصلها" بل نسبا هذا لقطع العراقيين والبغوي، ومقابله -وهو كونه لورثة الموصي-: للمراوزة وقطع المتولي وتصحيح الغزالي، ثم قالا: وهو الأشبه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر؛ لأنه بدل منفعة البضع، وهي لا يوصى بها، فلا تستحق بالوصية بدلها، قال في "المهمات": والراجح نقلًا: ما في "المحرر"، واختاره السبكي 267.
(لا ولد) 268 من نكاح أو زنا (في الأصحِّ، بل هو كالأم؛ منفعته له، ورقبته للوارث) لأنه جزء الأم، والثاني: يملكه الموصى له؛ كالموقوفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 622
وَلَهُ إِعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، وَكَذَا أَبَدًا فِي الأَصَحِّ، وَبَيْعُهُ إِنْ لَمْ يُؤَبِّدْ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تُعْتبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا،
وفرق الأول: بأن الملك في الموقوفة أقوى؛ ولهذا يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع، بخلاف هنا.
(وله إعتاقه) أي: للوارث إعتاق العبد الموصى بمنفعته ولو مؤبدًا؛ لأن رقبته خالص ملكه، ومحل عتقه: في التبرع، فلو أعتقه عن الكفارة .. لم يجز عنها في الأصحِّ؛ لعجزه عن الكسب؛ كالزمن، وليس له كتابته على الأصحِّ؛ لاستحقاق أكسابه، وإذا أعتقه .. فالصحيح: بقاء الوصية بحالها؛ كالإجارة.
(وعليه) أي: على الوارث (نفقته إن أوصى بمنفعته مدة) لأنه مالك الرقبة؛ كما إذا أجر عبده.
(وكذا أبدًا في الأصحِّ) لما قلناه، فإن شق عليه .. فخلاصه: أن يعتقه، والثاني: أنها على الموصى له؛ كالزوج، والفطرةُ كالنفقة.
(وبيعُه إن لم يؤبِّد كالمستأجَر) أي: بيع الموصى بمنفعته مدة؛ كبيع العين المأجورة، فيصحُّ في الأظهر، والجامع: استحقاق المنفعة مؤقتة، قال في "المطلب": ويظهر تقييد الخلاف بما إذا كانت المدة معينة، فإن كانت مجهولة؛ كحياة زيد .. فيتعين القطع بالبطلان.
(وإن أبّد .. فالأصحُّ: أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره) إذ لا فائدة له فيه، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ لكمال الملك فيه، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لاستغراق المنفعة بحقِّ العين، ونقله القاضيان أبو الطيب والحسين عن الأكثرين، وقالا: إنه المذهب.
(وأنه تعتبر قيمة العبد كللُّها) رقبة ومنفعة (من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا) لأنه حال بينه وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف، الا ترى أن الغاصب يضمن بها؟
والثاني: يعتبر ما نقص من قيمته؛ إذ لا بدَّ أن تبقى له قيمة طمعًا في إعتاقه، وولائه، ولبقاء الرقبة للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصى له، وصححه
الجزء: 2 - الصفحة: 623
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً .. قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَتصِحُّ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فِي الأَظْهَرِ، وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوِ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَمِنَ الْمِيقَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَحَجَّةُ الإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَال أَوِ الثُّلُثِ .. عُمِلَ بِهِ،
الغزالي وطائفة، فعلى هذا: تحسب قيمة الرقبة على الوارث على الأصحِّ.
مثاله: أوصى بعبد قيمته بمنافعه مئة وبدونها عشرة؛ فعلى الأول .. تعتبر المئة من الثلث، ويشترط: أن يكون له مئتان سوى العبد، وعلى الثاني .. المعتبر تسعون فقط، فيشترط: أن يبقى للورثة ضعف التسعين مع العشرة على وجه، ودونها على وجه.
(وإن أوصى بها مدة .. قوِّم بمنفعته ثم مسلوبَها تلك المدة، ويحسب الناقص من الثلث) لأن الحيلولة بعرض الزوال؛ فإذا قوّم بالمنفعة بمئة ثم بدونها تلك المدة بثمانين .. فالوصية بعشرين هذا أصحُّ الطرق، وقيمة الرقبة هنا محسوبة من التركة قطعًا، والطريق الثاني: طرد الخلاف في الوصية المؤبدة، والئالث: أنا إن اعتبرنا هناك ما بين القيمتين .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أحدهما: التفاوت، والثاني: الرقبة.
والرابع: أن المعتبر من الثلث: أجرة مثل تلك المدة، وذكر العبد مثال؛ فإن منفعة الدار وثمرة البستان كذلك.
(وتصحُّ) الوصية (بحجِّ تطوُّع في الأظهر) الخلاف مبني على جواز النيابة فيه، والأظهر: الجواز؛ لأنه عادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها؛ كأداء الزكاة، وهو محسوب من الثلث؛ كسائر التبرعات، والعمرة في ذلك كالحج.
واحترز بالتطوع: عن الفرض؛ فيصحُّ قطعًا.
(ويُحجُّ من بلده أو الميقات كما قيَّد) عملًا بوصيته، (وإن أطلق .. فمن الميقات في الأصحِّ) حملًا على أقلِّ الدرجاتِ، والثاني: من بلده؛ لأنه العرف فيه.
(وحجة الإسلام من رأس المال) وإن لم يوص بها على المشهور؛ كسائر الديون، والحجة المنذورة كحجة الإسلام.
(فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث .. عُمل به) وهو في الأولى تأكيد؛ لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 624
وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا .. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ، وَيُحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلِلأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ
المفعول بدونها، وفي الثانية قصد الرفق بالورثة، وفائدة جعلها من الثلث: مزاحمة الوصايا، فيقسم الثلث بينها بالسوية، ويكمل الواجب من رأس المال؛ فإن لم يكن غير الوصية بالحج .. فلا فائدة في قولهم: (تعتبر من الثلث) لأنه يجب قضاؤه على كلِّ تقدير.
(وإن أطلق الوصية بها .. فمن رأس المال) كما لو لم يوص، وتحمل الوصية بها على التأكيد والتذكار بها، (وقيل: من الثلث) لأنها من رأس المال، فوصيته بها قرينة دالة على أنها من الثلث؛ إذ هو مصرف الوصايا، وهذا قول لا وجه، فكان الصواب أن يقول: (وفي قول).
(ويُحجُّ من الميقات) أي: ميقات بلده؛ لأنه لو كان حيًّا .. لم يلزمه سواه، ولا يخرج من ماله إلا ما كان مستحقًّا عليه.
(وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصحِّ) كقضاء دينه، والثاني: المنع؛ لافتقاره إلى النية فلا بدَّ من استنابة، وصححه المصنف في نظيره من الصوم في (كتاب الصيام) 269 لكن فرق: بأن للصوم بدلًا وهو الأمداد.
وقوله: (بغير إذنه): ظاهره: إذن الميت، ويشترط: كون إذنه في حال جواز الاستنابة، وقال ابن الملقن: أي: بغير إذن الوارث، وكذا صورها في "الروضة" و"أصلها"، وهو صحيح أيضًا؛ فإنه يصحُّ بإذن الوارث، قطعًا 270.
قال الأَذْرَعي: وحينئذ ينبغي أن يقال: (بغير إذن) ليشمل إذنه وإذن الوارث والحاكم حيث لا وارث.
واحترز بقوله: (بغير إذنه): عما إذا أذن هو أو وارثه .. فإنه يجوز قطعًا.
وبالأجنبي: عن الوارث .. فإنه يجوز له جزمًا، هذا كلُّه في حجِّ الفرض، أما التطوع .. فقال العراقيون: إن لم يوص به .. لم يصحَّ عنه، ونقل المصنف في "شرح
الجزء: 2 - الصفحة: 625
وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ،
المهذب" هناك الاتفاق عليه، مع حكايته هنا تبعًا للرافعي عن السَّرَخْسي: أن للوارث الاستنابة، وأن الأجنبي لا يستقل به على الأصحِّ 271.
(ويؤدي الوارث عنه) من التركة (الواجب المالي في كفارة مرتبة) ككفارة القتل والوقاع والظهار.
والمراد بـ (الواجب المالي): العتق أو غيره، ويكون الولاء للميت إذا أعتق.
واحترز بـ (المالي): عن البدني، كالصوم وهو بناء على الجديد، وسبق أن المختار: القديم في أنه يؤديه عنه أيضًا.
(ويطعم ويكسو) من التركة (في المخَيَّرة) ككفارة اليمين، [ونذر اللجاج، وتحريم عين الأمة] 272. و (الواو) في (ويكسو) بمعنى (أو).
(والأصحُّ: أنه يعتق أيضًا) كالمرتبة، لأنه نائبه شرعًا، فإعتاقه كإعتاقه، والثاني: لا؛ لأن فيه إلحادتى الولاء بالميت، ولا ضرورة إليه.
(وأن له) أي: للوارث (الأداء من ماله إذا لم تكن تركةٌ) سواء العتق وغيره، كقضاء الدين، والثاني: المنع، لبعد العبادة عن النيابة، والثالث: يمتنع الإعتاق فقط، لبعد إثبات الولاء للميت.
وقوله: (إذا لم تكن تركة): يفهم منعه عند وجود تركة، وقال السبكي: إن الذي يظهر جواز الأداء من ماله مع وجود تركة، قال: ثم رأيت في "البيان" ما يوافقه، وفي كلام الرافعي ما يخالفه بحثًا، فإنه قال: يشبه أنه كالأجنبي، ونازعه السبكي فيه 273.
(وأنه يقع عنه لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة) على الأصحِّ، كقضاء الدين،
الجزء: 2 - الصفحة: 626
لَا إِعْتَاقٍ فِي الأَصَحِّ. وَينْفَعُ الْمَيْتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.
والثاني: لا؛ لبعد العبادة عن النيابة.
(لا إعتاق في الأصحِّ) لاجتماع عدم النيابة، وبعد إثبات الولاء للميت، والثاني: يقع عنه؛ كالوارث، وتابع "المحرر" في هذا الترجيح، وليس في "الشرحين" و"الروضة" هنا ترجيح بل قالا: قيل على الوجهين؛ أي: في تبرعه عنه لغيره 274.
وقيل: بالمنع قطعًا، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (باب كفارة اليمين) تصحيح المنع في المخيرة، والجواز في المرتبة؛ بناء على إحدى العلتين في المخيرة، وهي سهولة التكفير بغير الإعتاق 275.
(وينفع الميتَ صدقةٌ ودعاء من وارث وأجنبي) بالإجماع؛ كما نقله المصنف وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ فدل على أن هذا ينفعهم، وفي "الصحيح": "أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ" 276.
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الله يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" 277.
وفي الصحيحِ: (أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؛ قال: "نعَمْ" قال: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ الْمَاءِ") 278.
وشمل إطلاقه الصدقة: الوقف، وذكر صاحب "العدة": أنه لو أنبط عينًا، أو حفر نهرًا، أو غرس شجرًا، أو وقف مصحفًا في حياته، أو فعله عنه غيره بعد موته ..
الجزء: 2 - الصفحة: 627
فَصْلٌ [في الرجوع عن الوصية]
لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا
يلحق الثواب الميت، قال الرافعي: ولا يختص الحكم بوقف المصحف بل يجري في كلِّ وقف 279.
وكلام المصنف قد يفهم: أنه لا ينفعه ثواب غير ذلك؛ كالصلاة عنه قضاء أو غيره، وقراءة القرآن وهو المشهور عندنا 280.
نعم؛ يستثنى: ركعتا الطواف؛ فإن الأجير يأتي بهما عن المحجوج عنه تبعًا للطواف على الأصحِّ.
وحكى في "شرح مسلم" وجهًا: أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، واختاره جماعة من الأصحاب منهم: ابن أبي عصرون، وابن الصلاح، وعليه عمل الناس، وما رآه المسلمون حسنًا .. فهو عند الله حسن، وألحق الماوردي القراءة عند القبر بالحج عنه، وذلك يقتضي وصول الثواب إليه.
وجوز القاضي الحسين الاستئجارَ على قراءة القرآن عند الميت، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يقول: (اللهم؛ أوصل ثواب ما قرأناه لفلان)، فيجعله دعاء، وينبغي: الجزم بنفع هذا؛ لأنه إذا نفع الميت الدعاء، وجاز بما ليس للداعي .. فلأن يجوز بما له أولى، وهذا لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال 281.
(فصل: له الرجوع عن الوصية وعن بعضها) لأنها عطية لم يزل عنها ملك معطيها، فأشبهت الهبة قبل القبض، وقد روى البيهقي تعليقًا عن عمر رضي الله عنه: (يغير الرجل من وصيته ما شاء)، وأسنده عن عائشة رضي الله عنها بإسناد صحيح 282.
الجزء: 2 - الصفحة: 628
بِقَوْلهِ: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (رَجَعْتُ فِيهَا)، أَوْ (نَسَخْتُهَا)، أَوْ (هَذَا لِوَارِثِي). وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ، وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ. وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضُهُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
(بقوله: "نقضت الوصية"، أو "أبطلتها"، أو "رجعت فيها"، أو "نسختها") 283 وكذا أزلتها، ورددتها، ودفعتها ونحوها من الصرائح، (أو) قال: ("هذا لوارثي") بعد موتي، أو (هو ميراث عني) لأنه لا يكون للوارث إلا وقد ردّه إلى نفسه فهو كقوله: (رددته).
(و) يحصل (ببيعٍ) وإن فسخ في زمن الخيار، (وإعتاق وإصداق) ونحوه من التصرفات الناجزة اللازمة في الحياة بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر، ولأنه يدل على الإعراض عن الوصية.
(وكذا هبة أو رهن مع قبض) لزوال الملك في الأولى، وتعريضه للبيع في الثانية، (وكذا دونه في الأصحِّ) لأنه عرضه لزوال الملك، وذلك يدل على الإعراض عن الوصية، والثاني: لا فيهما؛ أما في الهبة .. فلأنه لم يؤثر في ملكه، فكذا في رجوعه، وأما الرهن .. فلأنه لا يزيل الملك بل هو نوع انتفاع؛ كالاستخدام.
وإطلاقه قد يشمل: الهبة الفاسدة، وفيها أوجه في "الحاوي": ثالثها: إن أقبض .. كان رجوعًا، وإلا .. فلا، قال في "الكفاية": وكلامه يفهم: طردها في الرهن الفاسد أيضًا 284.
(وبوصية بهذه التصرفات) أي: بالبيع وما بعده؛ لإشعاره بالرجوع.
(وكذا توكيل في بيعه وعرضُه عليه في الأصحِّ) لأنه توسل إلى أمر يحصل به الرجوع، والثاني: لا؛ لأنه قد لا يوجد، هذا كلُّه في الوصية بمعين، أما إذا أوصى بثلث ماله ثم تصرف فيما يملكه ببيع أو إعتاق أو غيرهما .. لم يكن رجوعًا، ولو هلك جميع ماله .. لم تبطل الوصية؛ لأن الثلث مطلقًا لا يختص بما عنده حال الوصية، بل العبرة بما يملكه عند الموت.
الجزء: 2 - الصفحة: 629
وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا .. فَرُجُوعٌ، أَوْ بِمِثْلِهَا .. فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الأَصَحِّ.
وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ .. رُجُوعٌ.
فَصْلٌ [في الإيصاء وما يتبعه]
يُسَنُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ،
(وخلطُ حنطة معيَّنة رجوعٌ) سواء خلطها بمثلها أو أجود أو أردأ؛ لتعذر التسليم بما أحدثه في العين.
(فلو أوصى بصاع من صبرة) معينة (فخلطها بأجود منها .. فرجوع) لأنه أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتسليمها، (أو بمثلها .. فلا) قطعًا؛ فإنه لا يحدث تغييرًا؛ إذ لا فرق بين المثلين.
(وكذا بأردأ في الأصحِّ) لأن التغيير عيبه بالنقص، فأشبه تعييب الموصى به، أو إتلاف بعضه، والثاني: رجوع؛ لأنه غيَّر الموصى به عما كان، فأشبه الخلط بالأجود، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب ونسبه إلى عامة الأصحاب، واختاره الإمام، ولم ينسب الشيخان ما رجحاه لأحد 285.
(وطحنُ حنطة وصَّى بها، وبذرُها، وعجن دقيق، وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب قميصًا، وبناء وغراس في عرصة .. رجوع) لزوال الاسم، وإشعاره بالإعراض.
(فصل: يسن الإيصاء بقضاء الدين) لأنه إذا شرع له الوصية في حق غيره .. فحاجة نفسه أولى، وهذا في الدين الذي لا يعجز عن وفائه في الحال، أما الذي يعجز عن وفائه في الحال .. فالوصاية به واجبة؛ كما قاله في "الروضة"، وكذا
الجزء: 2 - الصفحة: 630
وَتنفِيذِ الْوَصَايَا، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ: تَكْلِيفٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ الْمُوصَى بِهِ، وَإِسْلَامٌ، لَكِنِ الأَصَحُّ: جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ
الإيصاء برد المظالم واجب، وقد اعترض في "الروضة" على الرافعي على اقتصاره فيه على الاستحباب 286.
(وتنفيذِ الوصايا) أي: يسن أن يوصي بتنفيذ وصاياه إن أوصى بشيء، (والنّظرِ في أمر الأطفال) أي: يسن أيضًا.
وإن كان القياس منعه؛ لانقطاع سلطنة الموصي وولايته بالموت، لكن الدليل قام على جوازه؛ فروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم: عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود 287؛ فكان يحفظ أموالهم، وينفق عليهم من ماله، ولم يعرف لهم مخالف.
(وشرط الوصي: تكليف) لأن غيره مولّىً عليه، فكيف يلي أمر غيره؟ ! (وحرية) لأن الرقيق مشغول بسيده، والوصاية تستدعي فراغًا، وسواء عبده وعبد غيره، وسواء القن والمكاتب والمبعّض، (وعدالة) فلا تجوز إلى فاسق بالإجماع؛ لأنها ولاية وائتمان.
(وهداية إلى التصرف الموصى به) فلا تصحُّ إلى من لا يهتدي إليه؛ لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية مَنْ هذا حاله، (وإملام) فلا تصحُّ وصاية مسلم إلى كافر، لتهمته، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية.
(لكن الأصحُّ: جواز وصية ذمي إلى ذمي) بشرط كونه عدلًا في دينه؛ كما يجوز أن يكون وليًّا لأولاده، والثاني: المنع؛ كشهادته.
ويشترط أيضًا: ألّا يكون الوصي عدوًّا للطفل؛ كما حكاه الرافعي عن الروياني وآخرين، وإنهم حصروا الشرائط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث
الجزء: 2 - الصفحة: 631
وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ، وَلَا تشتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ، لَا الإِمَامُ الأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَتنفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ،
تقبل شهادته على الطفل 288. ونقض بالذمي، فإنه يوصي إلى الذمي ولا تقبل شهادته عليه.
وفي وقت اشتراط الشروط المذكورة أوجه: أصحها: حالة الموت.
(ولا يضر العمى في الأصحِّ) لأنه من أهل الشهادة، كالبصير، ويوكل فيما لا يمكنه، والثاني: يضر، لأنه لا يصحُّ بيعه وشراؤه بنفسه، فلا يفوّض إليه أمر غيره.
(ولا تشترط الذكورة) بالإجماع، وقد أوصى عمر رضي الله عنه إلى ابنته حفصة رضي الله عنها؛ كما أخرجه أبو داوود 289.
(وأم الأطفال أولى من غيرها) إذا حصلت الشروط فيها، لأنها أكثر شفقة.
(وينعزل الوصي بالفسق) لزوال الشرط، وفي معناه: قيم الحاكم، (وكذا القاضي في الأصحِّ) لزوال الشرط، والثاني: لا؛ كالإمام.
(لا الإمام الأعظم) لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليه ضرورة، وقيل: ينعزل، ونقل المَحاملي في (الأقضية) من "المجموع" الاتفاق عليه، سوى شذوذ من أصحاب الحديث، وصوّبه في "المطلب"، واقتضى كلامه: تفرد الرافعي بترجيح عدم الانعزال 290.
(ويصحُّ الإيصاء بقضاء الدين، وتنفيذ الوصية من كلِّ حرٍّ مكلّف) لما سبق أول الباب 291، وكللامه يفهم: أن السفيه إذا صححنا وصيته بالمال .. أن له تعيين شخص
الجزء: 2 - الصفحة: 632
وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إِيصَاءٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ .. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ
لتنفيذها، قال السبكي: ولم أر فيه إلا ما اقتضاه هذا الكلام، وهو محتمل، ومنعه أيضًا يحتمل فيَليهِ الحاكم.
انتهى، وقال في "المطلب": ينبغي إضافة الرشد إلى الشرطين المذكورين.
(ويشترط في أمر الأطفال) والمجانين (مع هذا) أي: مع الحرية والتكليف (أن يكون له ولاية عليهم) مبتدأة من الشرع لا بتفويض، فتثبت الوصاية عليهم للأب والجد وإن علا دون غيرهما من الأقارب، ويخرج الوصي والقيم، وكذا الأب والجد إذا نصبهما الحاكم في مال من طرأ سفهه؛ لأنه وليه الحاكم دونهما على الأصحِّ، ويخرج الأم أيضًا على المذهب.
(وليس لوصيّ إيصاءٌ) كالوكيل (فإن أُذن له فيه .. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن، والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت.
وصورة الإذن: أن يضيف إليه بأن يقول: (أوصِ بتركتي) (ونحوه، أما إذا قال: (أوص لمن شئت) أو (إلى فلان) (ولم يضف إلى نفسه .. لم يوص عنه على الأصحِّ عند البغوي وأقرّاه 292.
ومحلُّ الخلاف: فيما إذا أذن له أن يوصي عن نفسه، أما إذا أذن له أن يوصي عن الموصي .. صحّ قطعًا، حكاه في "البيان" عن ابن الصباغ، ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والروياني في (كتاب الوكالة)، قال: وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الثانية 293.
(ولو قال: "أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ أو قدم .. فهو = معلق بـ (يصح) أيضًا فلا تكرار.
اهـ "نهاية المحتاج" (6/ 103). وقال ابن الفركاح: ينبغي أن يقرأ (تنفيذ) بزيادة (ياء) بين (الفاء) (و (الذال) كما هو في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة".
اهـ "النجم الوهاج" (6/ 330).
الجزء: 2 - الصفحة: 633
الْوَصِيُّ) .. جَازَ. وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالْجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ، وَلَا الإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ. وَلَفْظُهُ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ)، أَوْ (فَوَّضتُ)، وَنَحْوُهُمَا. وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ
الوصي" .. جاز) وكذا لو قال: (أوصيت إليك سنة وبعدها وصيي فلان) لأن الأب هو الموصي إليهما، ولا يضر التعليق، إذ الوصية تحتمل الأخطار والجهالات، ولو قال: (أوصيت إليك؛ فإذا نزل بك حادث الموت فقد أوصيت إلى من أوصيت إليه)، أو (فوصيُّك وصيي) .. فباطلة على الأظهر، لجهالة الموصى إليه.
وكان ينبغي للمصنف: تأخير هذا إلى قوله: (ويجوز فيه التوقيت والتعليق) فإنه مثال له.
(ولا يجوز) للأب (نصب وصي) في أمر الأطفال) (والجدُّ حي بصفة الولاية) لأن ولايته ثابتة بالشرع، كولاية التزويج، وقيل: يجوز؛ لأنه أولى من الجد، فكذا نائبه.
واحترز بـ (صفة الولاية): عما إذا كان غير أهل، لفسق ونحوه .. فإنه يجوز، فلو تأهل للولاية بعد الموت .. قال الأَذْرَعي: فالقياس: انعزال الوصي.
(ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت) مطلقًا مع وجود الجد وعدمه وعدم الأولياء، لأن البالغين لا وصاية في حقهم، والصغائر لا يزوجهم غير الأب والجد.
(ولفظه) أي: لفظ الإيصاء كما قاله في "المحرر" 294 ("أوصيت إليك" أو "فوضت") إليك) 295 (ونحوهما) كـ (أقمتك مقامي في أمر أولادي بعد موتي)، هذا في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي إشارته المفهمة وكتابته.
(ويجوز فيه) أي: في الإيصاء (التوقيت) كـ (أوصيت إليك سنة)، أو (إلى بلوغ ابني)، (والتعليق) كـ (إذا مت .. فقد أوصيت إليك) لأنها تحتمل الأخطار والجهالات.
الجزء: 2 - الصفحة: 634
وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ - فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ) .. لَغَا - وَالْقَبُولُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ .. لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا
(ويشترط: بيان ما يوصي فيه) كـ (أوصيت إليك في قضاء ديوني)، و (تنفيذ وصيتي)، و (التصرف في مال أطفالي)، ومتى خصص وصايته بحفظ ونحوه .. اتبع، أو عمم .. اتبع، وإن أطلق؛ بأن قال: (أوصيت إليك في أمري)، أو (أمر أطفالي) ولم يذكر التصرف .. ظاهر كلام المصنف: أنه لا يصحُّ، والمصحَّح في "الروضة": الصحة، ويتصرف ونقله الرافعي عن المتولي وأقرّه 296، وقيل: إن له الحفظ فقط، وجزم به في "الحاوي الصغير" 297.
(فإن اقتصر على: "أوصيت إليك" .. لغا) كما لو قال: ) (وكلتك) (ولم يبين ما وكل فيه.
(و) يشترط (القبول) لأنها عقد تصرف، فأشبهت الوكالة.
وقضية كلامه: اشتراطه لفظًا، لكن في "الروضة" و"أصلها": وهل يقوم عمل الوصي مقام لفظ قبوله؟ وجهان، وكلُّ هذا مأخوذ من الوكالة.
انتهى 298.
وهو قد يقتضي ترجيح عدم الاشتراط، وبه جزم القفال في "فتاويه"، كما نقله الأَذْرَعي.
(ولا يصحُّ) القبول (في حياته في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت التصرف؛ كالوصية له بالمال، والثاني: يصحُّ؛ كالوكالة، والرد في حياة الموصي على هذا الخلاف.
(ولو وصى اثنين) 299 بأن قال: (أوصيت إليكما)، كما قالاه في "الشرح" و"الروضة" 300 (لم ينفرد أحدهما) تنزيلًا على الأخذ بالأقل والأحوط، وهو الاجتماع، وقد يكون أحدهما أوثق والآخر أحدق.
الجزء: 2 - الصفحة: 635
إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ. وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ. وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .. صُدِّقَ الْوَصِيُّ،
قال الشيخ عز الدين: وهو مشكل؛ لما فيه من مخالفة الظاهر الحقيقي حملًا على مجاز بعيد لم يدل عليه لفظ الإذن.
وإذا قلنا: باشتراط اجتماعهما .. قال الإمام: فليس المراد: تلفظهما بالعقد معًا، وإنما صدوره عن رأيهما وإن باشره أحدهما، أو غيرهما بأمرهما 301.
ومحلُّ وجوب الاجتماع: في أمر الأطفال وأموالهم، وتفرقة الوصايا غير المعينة، وقضاء دين ليس في التركة جنسه، أما ردُّ الودائع والمغصوب والعواري، وتنفيذ وصية معينة، وقضاء دين في التركة جنسه .. ففي "التهذيب" وغيره: لكل الانفراد؛ فإن لصاحبه الاستقلال بأخذه 302.
قال الرافعي ما معناه: إن هذا واضح في وقوع المدفوع موقعه، وعدم نقضه، وأما جواز الإقدام على الانفراد .. فليس واضحًا؛ فإنهما لم يتصرفا إلا بالوصاية، فليكن بحسبها، قال: وفي كلامهم ما هو كالصريح فيما ذكرته، فلتجئ فيه الأحوال المذكورة في سائر التصرفات؛ أي: من إطلاق أو تصريح، باجتماع أو انفراد 303.
(إلا إن صرح به) فيجوز الانفراد عملًا بالإذن؛ كالوكالة.
(وللموصي والوصيّ العزلُ متى شاء) كالوكالة، ويستثنى: ما إذا تعين عليه أو غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، قاله في "زيادة الروضة" 304، وسبقه إليه ابن الصلاح وابن عبد السلام وصرح بأنه لا يصحُّ عزله.
وصورة المسألة: إذا خلا ذلك عن العوض، قال الماوردي: وقد يكون بعوض إجارة فتلزم 305.
(وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه .. صُدِّق الوصي) بيمينه، وكذا قيّم
الجزء: 2 - الصفحة: 636
أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. صُدِّقَ الْوَلَدُ.
الحاكم؛ لأنه أمين، وقيل: لا تقبل منه إلا ببينة؛ كما في دعوى البيع بالمصلحة.
وفرق الأول: بأن هنا تتعذر عليه إقامة البينة، بخلاف البيع، وهذا لا يختص بالطفل، فالمجنون بعد إفاقته والسفيه بعد رشده .. كذلك.
وأفهم كلامه: تصديق الأب والجد من باب أولى.
(أو في دفع إليه بعد البلوغ) والرشد ( .. صدق الولد) بيمينه؛ لأنه لا تعسر إقامة البينة عليه.
قيل: وهذه مكررة؛ فقد ذكرها في (الوكالة)، وردّ: بأن تلك في القيّم المنصوب من جهة الحاكم، وهذه في الوصي.
الجزء: 2 - الصفحة: 637
كتابُ الوَدِيعة مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ .. كُرِهَ،
﴿كتاب الوديعة﴾
الوديعة لغةً: الشيء الموضوع عند غير صاحبه للحفظ، يقال كـ: أودعه: إذا دفعه إليه وقرره في يده أمانةً، وشرعًا: تطلق على المال نفسه، وعلى العقد المقتضي للاستحفاظ، ويصحُّ حملُ الترجمة على كلٍّ منهما، وعلى الثاني: فحقيقتها شرعًا: توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص؛ ليدخل: النجاسة المنتفع بها، ويخرجَ: العين في يد الملتقط وما تطيّره الريح إلى داره ونحوه؛ فإنّ الائتمان فيها من جهة الشرع لا من المالك.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وهي وإن نزلت في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة .. فهي عامة في جميع الأمانات 306، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم 307، ولأن بالناس ضرورةً إليها.
(من عَجَز عن حفظها .. حرم عليه قبولها) لأنه يعرضها للتلف، واعتبر في "الحاوي" و"المهذب" للتحريم مع العجز: عدمَ الوثوق بأمانة نفسه 308.
(ومن قَدَر ولم يثق بأمانته .. كره)، المراد: من هو في الحال أمين ولكن يخاف الخيانة في ثاني الحال، ولا يلزم منه الفسق؛ فقد يخشى الأمين الخيانة.
وجزمه بالكراهة: لا يطابق كلام "المحرر"؛ فإنه قال: لا ينبغي أن يقبل،
الجزء: 2 - الصفحة: 639
فَإِنْ وَثِقَ .. اسْتُحِبَّ. وَشَرْطُهُمَا: شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ
وأطلقا في "الشرح" و"الروضة" وجهين بلا ترجيح: أحدهما: يحرم، والثاني: يكره 309.
نعم؛ ما ذكره المصنف ظاهر؛ لأجل الشك في حصول المفسدة.
قال صاحب "المطلب": ويظهر: أن هذا كلَّه فيما إذا أراد قبولها من غير اطلاع المالك على الحال، أما إذا أطلعه فرضي بذلك .. فلا تحريم ولا كراهة، قال: وكذا محلُّ ذلك إذا لم يتعين القبول، أما إذا تعين .. فقد نقول عند الخوف به أيضًا؛ كما في ولاية القضاء.
انتهى.
وصرح ابن يونس في "المحيط": بالقيد الأول، وفيه نظر، والوجه: تحريمه عند العجز عليهما، أما على المالك: فلإضاعته مالَه، وأما على المودع: فلإعانته على ذلك.
(فإن وَثِق) بأمانة نفسه وقدرته على حفظها ( .. استحب) لأنه من التعاون المأمور به.
هذا إذا لم يتعين، فإن لم يكن غيره .. وجب، قال الرافعي: وهو محمول على أصل القبول؛ كما بينه السَّرَخْسي، دون إتلاف منفعة نفسه وحرزِه مجّانًا 310، قال الزركشي: وهو يفهم: جواز أخذ الأجرة عليها في هذه الصورة، لكن صرح الفارقي وابن أبي عصرون: بأنه لا يجوز له في هذه الحالة أخذ أجرة على الحفظ؛ لأنه صار واجبًا عليه، ويجوز له أخذ أجرة مكانَها.
قال ابن الرفعة: وللخلاف التفات في بنائه على الخلاف فيما إذا تعيّن عليه إنقاذ غريق فشرط عليه أجرة .. هل يستحقها؟ ، أو تعيّن عليه تعليم الفاتحة فأصدقها إياها .. هل يصحُّ؟ والصحيح فيها: نعم.
(وشرطهما) أي: المودِع والمودَع (شرط موكِّل ووكيل) لأنها استنابة في الحفظ.
الجزء: 2 - الصفحة: 640
وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ الْمُودِع؛ كـ (اسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا)، أَوِ (اسْتَحْفَظْتُكَ)، أَوْ (أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ). وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَيَكْفِي الْقَبْضُ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا .. لَمْ يَقْبَلْهُ، فَإِنْ قَبِلَ .. ضَمِنَ
(ويشترط: صيغة المودِع، كـ "استودعتك هذا"، أو "استحفظتك"، أو "أنبتك في حفظه") (ونحوها؛ كـ (أودعتك)، و (هو وديعة عندك)، و (احفظه)، وهي صرائح، وتنعقد بالكناية مع النية؛ كـ (خذه).
وهذا كلُّه في الناطق، أما الأخرس .. فتكفي إشارته المفهمة.
(والأصحُّ: أنه لا يشترط القبول لفظًا، ويكفي القبض) كما في الوكالة.
نعم؛ يشترط عدم الرد؛ كما قاله البغوي 311، والثاني: يشترط؛ بناءً على أنها عقد، والثالث: يفرق بين صيغة الأمر، كـ (احفظه)، والعقد؛ كـ (أودعتك) كما في الوكالة.
وبنى المتولي الخلاف على أن النظر في العقود إلى اللفظ والمعنى.
وقوله: (ويكفي القبض) قد يفهم: أنه لا بدَّ في المنقول من النقل، والذي في "التهذيب": أنه لو جاء به فقال: (هذا وديعتي) أو (احفظه)، فقال: (قبلت) أو قال: (ضعه) .. كان إيداعًا 312، وقال المتولي: لا يكون إيداعًا ما لم يقبضه، وفي "فتاوى الغزالي": أنه إن كان الموضع في يده فقال: (ضعه) .. دخل المال في يده؛ لحصوله في الموضع الذي هو في يده، وإن لم يكن؛ بأن قال: (انظر إلى متاعي في دكاني)، فقال: (نعم) .. لم يكن وديعة 313.
(ولو أودعه صبي أو مجنون مالًا .. لم يقبله) لأن إيداعهما كالعدم، (فإن قبل .. ضمن) إذا قبض؛ لعدم الإذن المعتبر؛ كالغاصب، ولا يبرأ إلا بالردِّ على وليه.
ويستثنى من تضمينه: صورتان: إحداهما: لو خاف هلاكه فأخذه حِسْبة صونًا له .. لم يضمنه في الأصحِّ، الثانية: لو أتلف الصبي وديعةَ نفسِه بلا تسليط من المودع
الجزء: 2 - الصفحة: 641
وَلَوْ أَوْدَعَ صَبيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ .. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَحْجُورُ عَليْهِ بِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ. وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوِ الْمُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ
عنده .. قال ابن الرفعة: فالظاهر: براءته لأن فعل الصبي لا يمكن إحباطه، وتضمينه مالَ نفسه محال، فتعين البراءة.
انتهى، وبه صرح الرافعي في (الجراح) قبيل الفصل الثاني في المماثلة 314.
(ولو أودع صبيًّا) أو مجنونًا (مالًا فتلف عنده) (ولو بتفريط ( .. لم يضمن) إذ ليس عليه حفظه، فهو كما لو تركه عند بالغ من غير استحفاظ.
(وإن أتلفه .. ضمن في الأصحِّ) لأنه لم يسلطه على إتلافه، وهو من أهل الضمان، والثاني: لا؛ كما لو باعه شيئًا وسلمه إليه.
وفرق الأول: بأن البيع إذن في الاستهلاك، بخلاف الإيداع.
وخصص بعضهم الخلاف: بغير القتل، وقال: لو كان عبدًا فقتله .. ضمن قطعًا، قال الأَذْرَعي: فإن صحَّ هذا .. جاء مثله في كلِّ ما لا يؤكل من الحيوان.
انتهى.
وذكر الشيخان في فوائد الخلاف: أن الوديعة إن قلنا: عقد .. لم يضمن الصبي، أو مجردُ ائتمان .. ضمن، قالا: والموافق لإطلاق الأكثرين: أنها عقد.
انتهى 315.
وقضيته: تصحيح عدم الضمان عكسَ المرجح هنا.
(والمحجور عليه بسفه كصبي) في جميع ما مر في إيداعه والأخذِ منه والإيداعِ عنده وعدم تضمينه بالتلف عنده، وكذا تضمينه بإتلافه؛ كما صرح به الماوردي 316؛ لما سبق من التوجيه.
(وترتفع بموت المودِع أو المودَع وجنونه وإغمائه) لأنها وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة، وترتفع أيضًا: بطريان حجر السفه؛ كما قاله في "الحاوي"
الجزء: 2 - الصفحة: 642
وَلَهُمَا الاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا: الأَمَانَةُ، وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ: مِنْهَا: أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إِذْنٍ وَلَا عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ، وَقِيلَ: إِنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ .. لَمْ يَضْمَنْ. وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا .. جَازَتِ الاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا .. فَلْيَرُدَّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ،
و"الشامل" و"البيان" 317، وبعزل المالك، وبالجحود المضمن، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل الملك فيها ببيع ونحوه.
(ولهما الاسترداد والرد كلَّ وقت) أي: للمودِع أن يسترده متى شاء؛ لأنه المالك، وللمودع الردُّ كذلك؛ لأنه متبرع بالحفظ.
(وأصلها: الأمانة) فلو تلفت بلا تفريط .. لم يضمن؛ لأن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافيه، ولأن المودعَ يحفظها للمالك، فيدُه كيده، ولو ضمن المودَع .. لرغب الناس عن قبول الودائع.
(وقد تصير مضمونة بعوارضَ؛ منها: أن يودع غيره بلا إذن ولا عذرٍ، فيضمن) لأن المالك لم يرض بأمانة غيره ولا يدِه، (وقيل: إن أودع القاضي .. لم يضمن) لأن أمانة القاضي أظهر من أمانته، والصحيح: الضمان؛ لأنه مع حضور المالك أو وكيله لا ولاية للقاضي عليه، وفي غيبتهما لا ضرورة بالمودع، ولم يرض المالك بيد غيره.
(وإذا لم يُزِل يده عنها .. جازت الاستعانة بمن يحملُها إلى الحرز) (ولو أجنبيًّا، (أو يضعُها في خِزانة مشتركة) بينه وبين المعين، كما لو كانت خزانته وخزانة ابنه واحدة فدفعها إلى ابنه ليضعها في الخزانة المشتركة؛ لجريان العادة به؛ كما لو استعان في سقي البهيمة وعلفها.
وكان حقه أن يقول: (وإذا لم يزل يده عنها ولا نظرَه) كما صرح به ابن سُرَيج، قال الرافعي: وتابعوه 318.
(وإذا أراد سفرًا) (وإن قَصُر ( .. فليرد إلى المالك أو وكيله) المطلق، أو في
الجزء: 2 - الصفحة: 643
فَإِنْ فَقَدَهُمَا .. فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ .. فَأَمِينٌ. فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ وَسَافَرَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ الْمَوْضِعَ .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ
استرداد هذه خاصةً؛ ليخرج من العهدة، (فإن فقدهما) لغَيبة ونحوها ( .. فالقاضي) لأنه نائب عن كلِّ غائب، ويلزمه القبول على الأصحِّ، وكذا الإشهاد على نفسه بقبضها، قاله الماوردي 319، وهذا في القاضي الأمين؛ كما نقله الأَذْرَعي عن تصريح الأصحاب، (فإن فقده .. فأمين) لئلا يتضرر بتأخير السفر، وهل يجب عليه الإشهاد على الأمين؟ فيه وجهان في "الكفاية" بلا ترجيح، قال ابن الملقن: ويظهر: ترجيح الوجوب؛ لأن الأمين قد ينكر 320.
ولو ترك هذا الترتيب .. ضمن.
(فإن دفنها بموضع وسافر .. ضمن) ولو كان حرزًا؛ لأنه عرّضها للأخذ، (فإن أعلم بها أمينًا يسكن الموضع) (وهو حرز مثلها ( .. لم يضمن في الأصحِّ) لأن ما في الموضع في يد ساكنه، فكأنه أودعه إياه، والثاني: يضمن؛ لأن ذلك إعلام لا إيداع؛ لعدم التسليم.
وهل هذا الإعلام سبيله سبيل الإشهاد حتى يجب إعلام رجلين حضرا الدفن أو رجلٍ وامرأتين، أو سبيل الائتمان فيكفي إعلام امرأة لم تحضره؟ وجهان؛ أصحهما: الثاني.
وقوله: (يسكن الموضع) ليس بقيد؛ فإنّ مراقبتها من الجوانب أو من فوقُ مراقبةَ الحارس .. كذلك؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه 321.
وصورة المسألة؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه"، واقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" ونقله ابن الرفعة عن الأكثرين: عند فقد الحاكم 322، فإن قدر عليه وقلنا: إذا لم يكن حاكم يضمن .. فهنا أولى، وإن قلنا: لم يضمن؛ كما هو
الجزء: 2 - الصفحة: 644
وَلَوْ سَافَرَ بِهَا .. ضَمِنَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ. وَالْحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ، وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ .. أَعْذَارٌ؛ كَالسَّفَرِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا .. فَلْيَرُدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا .. فالْحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا،
المذهب .. فهي مسألة ما إذا أودع الأمينَ مع القدرة على الحاكم، وفيها وجهان؛ وقضيته: ترجيح التضمين.
(ولو سافر بها .. ضمن) لأن حرز السفر دون حرز الحضر، هذا إذا أودع حاضرًا، فإن أودع مسافرًا فسافر بها، أو منتجعًا فانتجع بها .. فإنه لا ضمان؛ لأن المالك رضي بذلك حين أودعه مع العلم بحاله، (إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمن يدفعها إليه كما سبق) أي: من المالك أو وكيله ثم الحاكم ثم أمين؛ فإنه لا يضمن؛ لقيام العذر، ويلزمه السفر بها حينئذ، وإلا .. كان مضيعًا لها.
وقضيته: أنه لا بدَّ في نفي الضمان من اجتماع الأمرين؛ العذر المذكور، والعجز عمن يدفعها إليه، وليس كذلك؛ فالعجز كافي، فلو سافر بها عند العجز من غير عذر من حريق ونحوه .. لم يضمن على الأصحِّ؛ لئلا ينقطع عن مصالحه وينفر الناس عن قبول الودائع.
(والحريقُ والغارة في البقعة، وإشرافُ الحرز على الخراب) (ولم يجد هناك حرزًا آخر ينقلها إليه ( .. أعذار؛ كالسفر) في جواز الإيداع كما سبق؛ لظهور العذر.
والغارة لغة قليلة، والأفصح: الإغارة.
(وإذا مرض مرضًا مَخُوفًا .. فليردها إلى المالك أو وكيله) المطلق أو في قبضها، (وإلا) أي: وإن لم يمكنه ردها إلى أحدهما ( .. فالحاكمِ أو أمينٍ) إن عجز عن الحاكم، (أو يوصي بها) إلى الحاكم إن أمكنه، أو إلى آمين؛ كما لو أراد سفرًا.
وقيل: تكفي الوصية وإن أمكن الرد إلى المالك، قال الزركشي: وهو حسن وسيأتى النص يشهد له؛ لأن الأصل عدمُ الموت.
والمراد بالوصية بها: أن يعلم بها ويصفها بما تتميز به، أو يشير إلى عينها ويأمر الوصي بردها بعد موته من غير أن يخرجها من يده، فإن سلّمها إلى الوصي ليردها ..
الجزء: 2 - الصفحة: 645
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ .. ضمِنَ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ، بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً
كان في حكم الإيداع، ولا بدّ مع ذلك من الإشهاد على ما يفعله؛ صونًا لها عن الإنكار، حكاه الرافعي عن الغزالي وأقره، وأسقطه من "الروضة"، وجزم به في "الكفاية" 323.
قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن كلَّ حالة يعتبر فيها الوصية من الثلث مما سبق .. كالمرض المخُوف ههنا، فمن ذلك: الطلق، والأسر، والطاعون، وهيجان البحر، كما سبق بيانه، وفي "الروضة" و"أصلها" هنا: أن الحبس ليقتل كالمرض المخوف 324، وهذا قد يخالف كلامهم في الوصية، حيمث عدوا من المخوف التقدّمَ للقتل، فمقتضاه: أن ما قبل ذلك من الحبس ليس بمخوف.
قال البُلْقيني: ويمكن أن يفرق: بأن وقتَ التقديم للقتل وقتُ دهشة، فلو قلنا: له أن يؤخر الوصية إليه ثم تركها وضمناه .. لم يوف له بعذر الدهشة، وإن قلنا: يؤخر ثم إذا ترك لا يضمن .. لكنا مضيعين لحق مالك الوديعة، فمن أجل ذلك جُعِل وقتُ وصيته ما ذكره الأصحاب، وأما كونه في هذه الحالة لا يحسب تبرعه من الثلث .. فلأن بدنه صحيح ولم يغلب على ظنه حصول الهلاك، بخلاف ما إذا قُدّم للقتل؛ فإنه يغلب ذلك، فكان تبرعه فيه من الثلث.
انتهى
(فإن لم يفعل) ما ذكر ( .. ضمن) لتقصيره، فإنه عرّضها للفوات؛ إذ الوارث يعتمد يده ويدّعيها له، وقيد ابن الرفعة ذلك: بما إذا لم يكن بالوديعة بينة باقية؛ لأنها كالوصية 325.
(إلا إذا لم يتمكن؛ بأن مات فجأة) أو قُتل غِيلة؛ لانتفاء التقصير 326 (وهذا الاستثناء منقطع؛ فإنه لم يدخل في قوله: (وإذا مرض مرضًا مخوفًا).
الجزء: 2 - الصفحة: 646
وَمِنْهَا: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ .. ضَمِنَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَمِنْهَا: أَلَّا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا، فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا .. ضَمِنَ، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ
(ومنها: إذا نقلها من مَحَلّة) إلى محلة (أو دار إلى) دار (أخرى دونها في الحرز .. ضمن) لأنه عرضها للتلف، (وإلا .. فلا) أي: فإن تساويا في الحرز أو كان المنقول إليه أحرزَ .. لم يضمن؛ لعدم التفريط.
نعم؛ لو نهاه عن النقل .. ضمن وإن نقل إلى أحرز، وكذا لو تلف بسبب النقل؛ كانهدام الدار المنقول إليها؛ فإنه يضمن وإن كانت أحرز.
واحترز بقوله: (إلى أخرى): عما إذا نقلها من بيت إلى بيت في دار واحدة أو خانٍ واحد .. فإنه لا ضمان وإن كان الأولُ أحرزَ؛ كما نقلاه عن "التهذيب" وأقراه، وحكى الإمام فيه الاتفاق 327.
وهذا كلُّه فيما إذا أطلق الإيداع، فإن أمره بالحفظ في موضع معين .. فسيأتي.
(ومنها: ألا يدفع متلِفاتها) مع المكنة؛ لأنه يجب عليه دفعها على المعتاد؛ لأنه من أصول حفظها، (فلو أودعه دابة فترك علْفها) - بإسكان اللام - مدةً يموت مثلها فيها لتَرْكِ العَلْف ( .. ضمن) سواء أمره به أو سكت عنه؛ لتعدّيه؛ فإنه يلزمه أن يعلفها لحق الله تعالى، وبه يحصل الحفظ الذي التزمه بقبولها، وإن نقصت .. ضمن النقصان، وتختلف المدة باختلاف الحيوانات، وإن ماتت قبل مضيها .. فلا ضمان إن لم يكن بها جوع سابق، فإن كان وهو عالم به .. ضمن، وإلا .. فلا على الأصحِّ.
والسقي كالعلف فيما ذكر.
(فإن نهاه عنه .. فلا على الصحيح) كما لو أذن في الإتلاف، والثاني: يضمن؛ لأنه لا حكم لنهيه عما أوجبه الشرع؛ بدليل أنه أثم قطعًا.
هذا إذا نهاه لا لعلة، فإن كان لقُولَنْج أو تُخَمة .. لزمه امتثال نهيه، فلو خالف وعلفها قبل زوال العلة فماتت .. ضمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 647
فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا .. عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا .. فَلْيُرَاجعْهُ أَوْ وَكِيلَهُ، فَإِنْ فُقِدَا .. فَالْحَاكِمَ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا .. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ. وَعَلَى الْمُودَع تَعْرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ؛ كَيْلَا يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وَكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنهَا: أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ الْمَأمُورِ بِهِ وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ .. فَيَضْمَنُ،
(فإن أعطاه المالك علفًا) بفتح اللام ( .. علفها منه، وإلا .. فليراجعه أو وكيلَه) 328 ليستردها أو يعطيَ علفها، (فإن فُقدا .. فالحاكمَ) ليقترض عليه، أو يبيع جزءًا منها، أو يؤجرها ويصرف الأجرة في مؤنتها؛ كما في هرب الجمّال.
(ولو بعثها مع من يسقيها .. لم يضمن في الأصحِّ) لأنه العادة، وهو استنابة لا إيداع، والثاني: يضمن؛ لإخراجها من حرزها على يد من لم يأتمنه المالك.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان المبعوث معه أمينًا ولا خوفَ، والمودع لا يخرج دوابه للسقي وعادتُه سقي دوابه بنفسه؛ فمع غير الأمين والخوف يضمن قطعًا، ومع إخراج دوابه للسقي أو كونه لا يسقي دوابه بنفسه لا ضمان قطعًا.
(وعلى المودَع تعريض ثياب الصوف) وما في معناها من شعر ووبر (للريح؛ كيلا يفسدها الدود، وكذا لُبْسها عند حاجتها) إذا تعيّن طريقًا لدفع الدود بسبب عَبَق ريح الآدمي بها.
ونبّه بالعلة -وهو خوف الإفساد- على جريانه في كلِّ ما في معناه؛ كركوب الدابة خوفًا عليها من الزَّمانة بكثرة الوقوف.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يأمره بذلك أم لا، وهو كذلك.
نعم؛ إن نهاه .. لم يضمن.
وهذا كلُّه إذا عَلِم المودعَ، فإن لم يعلم؛ بأن كانت في صندوق أو كيس مشدود ولم يُعلمْه المالك .. فلا ضمان.
(ومنها: أن يعدل عن الحفظ المأمور به، وتلفت بسبب العدول .. فيضمن) لأن التلف حصل من جهة المخالفة.
الجزء: 2 - الصفحة: 648
فَلَوْ قَالَ: (لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ) فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ .. ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ .. فَلَا عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ) فَأَقْفَلَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: (ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ) فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنسْيَانٍ .. ضَمِنَ،
(فلو قال: "لا ترقُد على الصندوق"، فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه .. ضمن) للمخالفة، (وإن تلف بغيره .. فلا على الأصحِّ) 329 لأنه زاد خيرًا ولم يأت التلف مما جاء به، والثاني: يضمن؛ لأن رقوده عليه يوهم السارق نفاسةَ ما فيه فيقصده.
وصورة المسألة: ما إذا كان في بيت محرز وأخذه اللص مطلقًا، أو كان في صحراء وأخذه من رأس الصندوق، فإن كان في صحراء وأخذه اللص من جانب الصندوق .. ضمن في الأصحِّ، قال الرافعي: وإنما يظهر: إذا أخذه من جانب لو لم يرقُد فوقه لرقد هناك؛ بأن كان يرقُد قدّام الصندوق فانتهز السارق الفرصة، أو أمره بالرقاد قدامه فرقد فوقه فسرق من قدامه، قال: وقد تعرض لهذا القيد متعرضون 330.
(وكذا لو قال: "لا تقفل عليه قفلين" فأقفلهما) فلا ضمان على الأصحِّ، لأنه زاد احتياطًا، والثاني: يضمن؛ لأنه أغرى السارق به.
ومثله: ما لو قال: (لا تقفل عليه أصلًا) فأقفل قفلًا، أو (لا تغلق الباب) فغلقه.
قال صاحب "المعين": ومحلُّ الخلاف: في بلد لم تجر عادتهم بذلك، وإلا .. فلا ضمان قطعًا.
(ولو قال: "اربط الدراهم في كمك"، فأمسكها بيده فتلفت .. فالمذهب: أنه إن ضاعت بنوم ونسيان .. ضمن) لحصول التلف بالمخالفة؛ لأنها لو كانت مربوطة لم تَضِع بهذا السبب.
ولو قال: (أو نسيان) كما في "المحرر" .. لكان أحسن 331.
الجزء: 2 - الصفحة: 649
أَوْ بأَخْذِ غَاصِبٍ .. فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبهِ بَدَلًا عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ .. لَمْ يَضْمَنْ، وَبِالعَكْسِ .. يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ،
(أو بأخذ غاصب .. فلا) لأن اليد أمنع للغصب حينئذ، وهذا نصه في "عيون المسائل"، ونقل المزني: أنه لا ضمان مطلقًا 332، والربيع عكسه.
ومقابل المذهب في كلام المصنف: إجراء قولين مطلقًا، وقيل: يضمن قطعًا.
وقضية كلامه: أنه إذا امتثل وربط .. لم يضمن مطلقًا، وفيه تفصيل؛ وهو أنه إن جعل الخيط خارج الكم فأخذها الطرَّار .. ضمن، أو استرسلت .. لم يضمن إذا أحكم الربط، وإن جعله داخله .. فبالعكس، هكذا أطلقوه، واستشكله الرافعي؛ لأن المأمور به مطلق الربط، فإذا أتى به .. لا ينظر إلى جهات التلف، بخلاف ما إذا عدل عن المأمور إلى غيره فحصل التلف، قال: وقضية ما قالوه: أنه لو قال: (احفظه في البيت) فوضعه في زاوية منه فانهدمت .. ضمن؛ لأنه لو كان في زاوية غيرها .. لسلم، وهو بعيد 333.
وفرق ابن الرفعة: بأن جهاتِ الربط مختلفة، وجهاتِ البيت مستوية، فإن فرض اختلافها في البناء والقرب من الشارع ونحوه .. فقد نقول: يختلف الحكم، ثم قال: والحق: صحة إشكال الرافعي، فإن الربط في الكم حرز كيف كان، ولا يجب الحفظ في الأحرز.
انتهى.
(ولو جعلها في جيبه بدلًا عن الربط في الكم .. لم يضمن) لأنه أحرز، إلا إذا كان واسعًا غير مزرور، ) (وبالعكس .. يضمن) لأن الجيب أحرز منه؛ لأنه بإرسال الكم قد تسقط.
(ولو أعطاه دراهم بالسوق ولم يبين كيفية الحفظ، فربطها في كمه وأمسكها بيده أو جعلها في جيبه .. لم يضمن) لأنه احتاط في الحفظ.
نعم؛ إن كان الجيب واسعًا غير مزرور .. ضمن، لسهولة أخذها منه باليد.
الجزء: 2 - الصفحة: 650
وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ أَخَذَهَا غَاصِبٌ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، وَإِنْ قَالَ: (احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ) .. فَلْيَمْضِ إِلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ .. ضمِنَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُضَيِّعَهَا؛ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَارِقًا أَوْ مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ. فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ .. فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الأَصَحِّ، ثُمَ يَرْجِعُ
ولو ربطها في كمه ولم يمسكها بيده .. قال الرافعي: فقياس ما سبق: أن ينظر إلى كيفية الربط وجهة التلف 334.
(وإن أمسكها بيده) من غير ربط في شيء ( .. لم يضمن إن أخذها غاصب، ويضمنُ إن تلفت بغفلة أو نوم) لأنه حصل بسبب من جهته، بخلاف أخذ الغاصب منه.
(وإن قال) (وهو في السوق ("احفظها في البيت" .. فليمض إليه) في الحال (ويحوزها فيه) عقب وصوله، (فإن أخّر بلا عذر .. ضمن) لتفريطه، قال السبكي: وينبغي: أن يرجع فيه إلى العرف، وهو يختلف باختلاف نفاسة الوديعة وطول التأخير وضدهما.
(ومنها: أن يضيعها؛ بأن يضعها في غير حرز مثلها) بغير إذن المالك وإن قصد بذلك إخفاءها، (أو يدل عليها سارقًا، أو من يصادر المالك) لأنه مأمور بحفظها في حرز مثلها والتحرّزِ عن أسباب تلفها.
وقضية كلامه: التضمين بمجرد الدلالة، حتى لو ضاعت بغير السرقة أو المصادرة .. ضمنت، وبه صرح القفال والماوردي والسنجي في "شرح التلخيص"، وكلامُ "الشرح" و"الروضة" مضطرب في اقتضاء ذلك 335.
ولا ينحصر التضييع فيما ذكره المصنف، بل لو ضاعت بالنسيان .. ضمنها في الأصحِّ.
(فلو أكرهه ظالم حتى سلمها إليه .. فللمالك تضمينه) أي: المودع (في الأصحِّ) لتسليمه، والضمان يستوي فيه الاختيار والاضطرار، (ثم يرجع) المودع
الجزء: 2 - الصفحة: 651
عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا؛ بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَةً، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا .. فَيَضْمَنَ
(على الظالم) لاستيلائه عليها، والثاني: المنع؛ لأنه مُلجأ؛ كما لو أخذها الغاصب بنفسه، ولا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه؛ كما لو صال عليه فحل فقتله.
واحترز بقوله: (سلمها إليه): عما لو أخذها منه قهرًا من غير دلالة .. فالضمان على الظالم فقط قطعًا، فلو لم يسلمها لكن دل عليها فأخذها .. قال الماوردي: المذهب: أنه لا يضمن؛ كالمُحْرِم إذا دل على صيد .. لا يضمنه؛ تقديمًا للمباشرة على السبب 336.
ويلزمه إخفاء الوديعة عن الظالم، ويحلف كاذبًا جوازًا؛ كما قاله الشيخان، وقال الغزالي في "الوسيط": وجوبًا 337، ثم إذا حلف بالله .. لزمه الكفارة، أو بالطلاق .. وقع على الأصحِّ، بخلاف ما لو أخذ القطاع مال رجل وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق أنك لا تخبر بنا، فحلف وأطلقوه وأخبر بهم .. فإنه لا يحنث؛ لأنهم أكرهوه على الحلف عينًا، وهنا خير بين الحلف والاعتراف، فتعينه لأحدهما اختيار له.
(ومنها: أن ينتفع بها؛ بأن يلبس أو يركب خيانة) لتعدّيه، قال البغوي: ومنه القراءة في الكتاب.
واحترز بقوله: (خيانة): عن لبس الصوف لدفع الدود ونحو ذلك.
نعم؛ يرد عليه: ما لو انتفع بها ظانًّا أنها ملكه .. فإنه يضمن؛ كما نقلاه عن الإمام في أوائل (باب الغصب) مع أنه لا خيانة 338.
(أو يأخذ الثوب ليلبَسه أو الدراهم لينفقها .. فيضمن) وإن لم يلبَس ولم ينفق؛ لاقتران الفعل بنية التعدي، قال البغوي: ويضمن قيمتها إذا تلفت في يده، فإن مضت
الجزء: 2 - الصفحة: 652
وَلَوْ نَوَى الأَخْذَ وَلَمْ يَأْخُذْ .. لَمْ يَضمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ .. ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلْمُودِع .. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ .. لَمْ يَبْرَأ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَانًا .. بَرِئَ فِي الأَصَحِّ
في يده مدة بعد التعدي .. وجب عليه أجرة مثل تلك المدة.
واحترز بقوله: (الدراهم) عما لو أخذ منها درهمًا لينفقه ثم رده .. فإنه يصير مضمونًا وحده دون الباقي على الأصحِّ، فلو تلف الكلُّ .. لم يلزمه إلا درهم.
(ولو نوى الأخذ ولم يأخذ .. لم يضمن على الصحيح) لأنه لم يحدث فعلًا، والثاني: يضمن؛ كما لو أخذ ابتداءً بنية الخيانة.
(ولو خلطها بماله ولم يتميز .. ضمن) لأنه لم يرض به، فإن تميزت بسكّة أو عتق أو حداثة، أو كانت دراهم فخلطها بدنانير .. فإنه لا ضمان.
نعم؛ إن حدث بالخلط نقص .. ضمن؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي 339.
(ولو خلط دراهم كيسين للمودِعِ) (ولم تتميز ( .. ضمن في الأصحِّ) لتعديه، والثاني: لا؛ لأنه كلَّه لمالك واحد.
(ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة .. لم يبرأ) كما لو جحدها ثم اعترف بها، وعليه ردها إلى مالكها.
(فإن أحدث له المالك استئمانًا) من غير ردٍّ إليه؛ كقوله: (استأمنتك عليها)، أو (أذنت لك في حفظها)، ونحو ذلك ( .. برئ في الأصح) لأنه أسقط حقه، والثاني: لا حتى يردها إليه أو إلى وكيله؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" 340.
الجزء: 2 - الصفحة: 653
وَمَتَى طَلَبَهَا الْمَالِكُ .. لَزِمَهُ الرَّدُّ، بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ .. ضَمِنَ. وَإِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ؛ فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ وَعُمُومُهُ .. صدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى التَّلَفِ بِهِ. وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَارِثهِ، أَوِ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودَع الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا فَادَّعَى الأَمِينُ الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ .. طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ مُضَمِّنٌ.
وكان ينبغي التعبير: بالأظهر؛ فإدن الرافعي حكى عن بعضهم رواية الوجهين عن النصِّ 341.
(ومتى طلبها المالك .. لزمه الردُّ) لما مر أولَ الباب (بأن يخلي بينه وبينها)، ومؤنةُ الردِّ على المالك، (فإن أخر بلا عذر .. ضمن) لتعديه، فإن أخر بعذر؛ كصلاة وطهارة وأكل وملازمة غريم ونحو ذلك .. لم يضمن.
(وإن ادعى تلفها ولم يذكر سببًا، أو ذكر خفيًّا، كسرق .. صدق بيمينه) بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر؛ لأنه ائتمنه 342، ) (وإن ذكر ظاهرًا؛ كحريق وإن عرف الحريق وعمومه .. صدق بلا يمين) لأن ظاهر الحال يغنيه عن اليمين، (وإن محرف دون عمومه .. صدق بيمينه) لاحتمال ما ادعاه، (وإن جهل .. طولب ببينة) على السبب الظاهر، (ثم يحلف على التلف به) لاحتمال أنها لم تتلف به.
(وإن ادعى ردها على من ائتمنه) (وهو أهل للقبض حالَ الردِّ ( .. صدق بيمينه) لأنه لو ادعى تلفها .. قبل إجماعًا، فكذا ردها، وسواء كان من ائتمنه مالكًا أو متكلمًا على غيره؛ كالولي والقيم والحاكم، (أو على غيره؛ كوارثه، أو ادعى وارث المودع الرد على المالك، أو أودع عند سفره أمينًا فادعى الأمين الردَّ على المالك .. طولب ببينة (إذ الأصل عدمُ الردِّ، ولم يأتمنه.
(وجحودها بعد طلب المالك مضمِّن) كخيانته، فلو جحد ثم قال: (كنت
الجزء: 2 - الصفحة: 654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غلطت) أو (نسيت) .. لم يبرأ، إلا أن يصدقه المالك.
واحترز بقوله: (بعد طلب المالك): عما لو قال ابتداءً: (لا وديعة لأحد عندي)، أو جوابًا لسؤال غير المالك بحضور المالك أو غيبته .. فإنه لا يفض؛ لأن إخفاءها أبلغ في حفظها.
ولو لم يطلب المالك ولكن قال: (لي عندك وديعة) فأنكر .. لم يضمن على الأصحِّ؛ لأنه قد يكون في الإخفاء غرض صحيح، بخلاف ما بعد الطلب.
الجزء: 2 - الصفحة: 655