بداية المحتاج في شرح المنهاجالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بداية المحتاج في شرح المنهاج

تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)

عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني

بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي

[المجلد الأول]

الجزء: 1

الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر

اسْم الْكتاب: بداية الْمُحْتَاج فِي شرح الْمِنْهَاج الْمُؤلف: الإِمَام ابْن قَاضِي شُهْبَة (ت 874 هـ) الإعداد: مَرْكَز دَار الْمِنْهَاج للدراسات وَالتَّحْقِيق العلمي مَوْضُوع الْكتاب: فقه شَافِعِيّ مقاس الْكتاب: (24 سم) تصنيف ديوي الموضوعي: (217.3) عدد الْأَجْزَاء: (4) عدد المجلَّدات: (4) نوع الْوَرق: أَبيض نوع التجليد: مجلَّد فني عدد الصفحات: (2528 صحيفَة) عدد ألوان الطباعة: لونان

التصميم والإخراج: مَرْكَز الْمِنْهَاج للصف والإخراج الفني

لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جزءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بترجمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا من الناشر.

الرقم المعياري الدولي ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8

الجزء: 1 - الصفحة: 2

بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [1]

الجزء: 1 - الصفحة: 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 1 - الصفحة: 4

الإهداء

إلى جميع أساتذتي ومَشايخي الذِّين عَلَّموني.
إلى أمِّي - حفظها الله تعالى - الَّتي سهرت ليالي عديدة لأنام، وجَاعت أيَّامًا لأشبعَ، صاحبة أنسٍ وحنانٍ وكرمٍ وسخاءٍ.
إلى أبي - أدامَهُ الله تعالى في صحَّة وعافيَة - ذاك الرَّجل المربِّي بصمت، المحبّ لِلْعِلم والعُلماءِ.
إلى زوجي الفاضلة الَّتي صبرت معي في رحلة هذا العمل.
إلى ياسمين الحياة بنتي صفيَّة، وإلى بشارة الفجر الآتي ابنِي حمزة.
المُحِبُّ وَالمُخْلِصُ لَكُمْ أنور

الجزء: 1 - الصفحة: 9

كلمة الشكر

انطلاقا من قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم "من لم يشكر النَّاس ... لم يشكر الله".
فإنني أتقدم بالشُّكر الجزيل، والثَّناء العطر إلى النَّجمة السَّاطعة، والرَّوضة المثمرة: دار المنهاج العامرة تعبيرًا عن الشُّكر إلى جميع الإخوة والزملاء المخلصينَ الَّذين كان لهم دور الإعانة في إخراج هذا الكتاب ولو بكلمة طيِّبَة.
سائلًا المولى القبول أنور

الجزء: 1 - الصفحة: 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا بداية له ولا نهاية، بل هو ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وأشكره وهو الذي أنار قلوب عباده العلماء بنور المعرفة والعلم، ورزقهم العمل به والخشية منه سبحانه وتعالى على أكمل وجه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ورفع شأنهم بالعلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فجدوا واجتهدوا طمعًا في المزيد ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
والصلاة والسلام على أفضل خلق الله، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد القائل: "من يرد الله به خيرًا .. يفقهه في الدين" 1، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا شك أن العناية بالمخطوطات الإسلامية، والعملَ على تحقيقها تحقيقًا علميًّا مسؤولية كلّ من كان أهلًا لذلك، ويعتبر من الأمور التي ينبغي صرف الهمم إليها.
فهو تراث قديم، وكنز ثمين، بذل فيه سلف هذه الأمة جهدهم، وسهروا ليالي في تأليفها وتصنيفها، ثم ارتحلوا ملقين هذه الأمانة في أعناق الخلف، محسنين الظن بهم أنهم لن يهملوها، بل سيعتنون بها، ويستفيدون منها، ثم يورثونها من خلفهم.
ولم يتوفر هذا الكنز لأي أمة من الأمم، فامتلأت الخزانات العامة والخاصة بملايين الكتب، فبقيت تنتظر أصحاب الهمم العالية، ومن يغار على تاريخ وتراث هذه الأمة.
(ب) وانطلاقًا من ذلك كان من الواجب علينا تجاه هذه الثروة الكبيرة الغنية بنفائس المخطوطات .. إخراجُها إلى عالم المطبوعات، وتقديمها إلى أهل العلم، بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 13

الدراسة والتحقيق، وطبعها بحلة جديدة بوسائل حديثة.
وتشمل هذه المخطوطات علومًا متعددة في مختلف الفنون، وإن من أهم وأشرف هذه العلوم منزلة، وأعظمها شأنًا، وأكملها فائدة: الفقه في الدين؛ لأنه به ينتظم الأمر ويعرف الحق، ونتبين به الحلال والحرام وصحيح المعاملات من فاسدها، وهو الطريق الموصل إلى السعادة الدنيوية والأخروية، وهو من أعظم وأجل نعم الله تعالى على عباده.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه .. علم أنه أفضل العلوم، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبدًا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة) 2. وقال الشاعر: [من المتقارب] أَرَى الْفِقْهَ فِي الدِّينِ عَيْنَ الْعُلُومِ ... وَطِيبُ الْمَعَاشِ بِهِ وَالْمَعَادْ وَفِيهِ الصَّلاةُ وَفِيهِ الزَّكَاةُ ... وَفِيهِ الْوَصَايَا وَفِيهِ الْجِهَادْ فلما أدرك سلفنا الصالح ما لعلم الفقه من هذا الفضل والشرف .. أفنوا أعمارهم في الاشتغال به تعلمًا وتعليمًا وتصنيفًا.
(ج) وكان من هؤلاء الأعلام: الإمام العلامة بدر الدين ابن قاضي شُهْبة الأسدي، الذي صار بأخرة فقيه الشام بلا مدافع، وعليه مدار الفتوى، فأراد أن يكون له نصيب في خدمة الفقه الإسلامي، فشرح متنًا من متون الفقه الشافعي وهو "المنهاج" شرحين عظيمين: أحدهما: "إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج" وهو أكبرهما حجمًا، والثاني: "بداية المحتاج في شرح المنهاج" وهو كتابنا هذا.
فـ "بداية المحتاج" شرح متميز من بين شروح "المنهاج"، أجاد فيه مؤلفه وأفاد، وحقق مسائله ودقق، مع حسن السبك، وجودة الإفصاح، ووضوح العبارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 14

وهو كتاب يضم بين دفتيه ثروة فقهية غزيرة، وكنزًا علميًّا دقيقًا، وهو حلية الفقهاء المحققين، خال عن الحشو والتطويل، مبين للأقوال التي عليها المعول من كلام المتأخرين والأصحاب، حاو للدليل والتعليل، فبذلك غدا مرجعًا وعمدة لمن جاء بعده من المفتين وغيرهم ممن يتحرى الصواب.
وإن متن "المنهاج" لفريد عصره ووحيد دهره العلامة شيخ الإسلام النووي من أحسن المتون وأدقها، وهو العمدة في الفتوى، عكف عليه العلماء الأعلام تدريسًا وشرحًا.
وهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة، صغير الحجم كبير الفحوى، لم يؤلف مثله في المذهب.
ولله در القائل: [من الكامل] الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ هُوْ الْقُطْبُ الَّذِي ... بَزَغَتْ شُمُوسُ الْعِلْمِ مِنْ أَبْرَاجِهِ لا يَرْتَقِي رُتَبَ الْمَعَالِي وَالتُّقَى ... إِلَّا فَتى يَمْشِي عَلَى "مِنْهَاجِهِ" وقال آخر: [من الكامل] قَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَصَرُوا فَلَمْ ... يَأْتُوا بِمَا اخْتَصَرُوهُ كـ "الْمِنْهَاج" جَمَعَ الصَّحِيحَ مَعَ الْفَصِيحِ وَفَاقَ بِالتَّـ .... ــــرجِيحِ عِنْدَ تَلاطُمِ الأَمْوَاجِ وقال العلامة شمس الدين الرملي رحمه الله تعالى: (ولم تزل الأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا كلٌّ منهم مذعن لفضله، ومشتغل بإقرائه وشرحه، وعاد على كلٍّ منهم بركة علامة نوى) 3. وقال الفقيه السيد أحمد مَيْقَري شُمَيْلة الأهدل رحمه الله تعالى: (ولم يزل كلٌّ من العلماء والأئمة الأعلام قديمًا وحديثًا مذعنًا لفضل "المنهاج" المذكور، ومشتغلًا بإقرائه، فالإقراء فيه مقدم على غيره عند كثير من أولي الفضل، وقد كثر الاعتناء به؛ لموقع العناية فيه، وصوب صوابه آثارُ نهج مقتفيه) 4.

الجزء: 1 - الصفحة: 15

قال الشاعر: [من الوافر] حَوَى فِي الشَّرْحِ "مِنْهَاجُ النَّوَاوِي" ... بِتَصْحِيحِ الشَّرِيعَةِ وَالْفَتَاوِي كِتَابٌ لا يُعَادِلُهُ كِتَابٌ ... يَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ كُلِّ رَاوِي رَوَى سَبْعِينَ أَلْفًا بِاخْتِصارٍ ... وَكَمْ مِنْ كَامِنَاتٍ فِي الْفَحَاوِي فَحَسْبُكَ دَرْسُهُ فِي كُلِّ حِينٍ ... فَهْوَ يَكْفِيكَ عَنْ "بَحْرٍ" وَ"حَاوِي" ولذلك كثرت الأعمال حول هذا المتن المبارك المفيد؛ من شرح وتحشية ونظم واختصار، وشرحِ بعضه، وكتابةِ النكت عليه، وهناك علماء رحمهم الله تعالى بدؤوا بشرحه ولكن وافتهم المنية قبل استكماله، فبلغت هذه الأعمال ما يقرب من مئتين وخمسين عملًا مما عُلم إلى الآن.
إن دلّ هذا على شيء .. فإنما يدل على جلالة قدر مؤلِّفه، وعناية الله سبحانه وتعالى به وبمصنفاته.
قال العلامة تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: (لا يخفى على ذي بصيرة أن لله تعالى عناية بالنووي وبمصنفاته) 5. (د) ولقد نالت دار المنهاج سعادة غامرة عندما قام الأخ الأستاذ محمد أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني بتقديم "بداية المحتاج" لها؛ لتكون واسطة خير لإخراجه إلى عالم النور وحيز الطبع، وقد اعتنى به على نسخة خطية فريدة عليها خط المؤلف الإمام ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى.
فزادت إلى عنايته عناية، واستقدمت ست نسخ خطية أخرى، ودفعت به إلى لجنتها العلمية بمزيد الاهتمام والعناية، حيث أعادت اللجنة مقابلته ودراسته، وتممت تخريج أحاديثه، وردت نقولاته إلى مظانها؛ مما توافر لها في مركزها العلمي.
فكان للدار مشاركة طيبة تضاف لما قام به الأستاذ محمد أنور.
وجزى الله خيرًا وبرًّا كل من شارك وساهم في إخراج هذا العمل المبرور

الجزء: 1 - الصفحة: 16

(هـ) وفي الختام: فإن دار المنهاج وقد أخرجت من إصداراتها شروحًا لـ "المنهاج" عديدة؛ لأن مقاصد الشراح مختلفة، ومراميهم متنوعة، وقد قال الأوائل (ما أغنى كتاب عن كتاب).
فمنها المبسوط، والمتوسط، والمختصر، ولكل ميزاته وخصائصه، فلا تكرار، بل إفادات وشروح تنشرح بها الصدور، ويتصيد منها طلبة العلم المسائل النفيسة، والصور المهمة، والأمثلة العديدة؛ مما تعطي دربة فقهية للناظر فيها، وتتسع مداركه، ويتنفس فقهًا وفهمًا وعلمًا.
والله تعالى أسأل أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله إنه سميع مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم النَّاشر

الجزء: 1 - الصفحة: 17

ترجمة شيخ الإسلام، إمام الأئمة العلام أبو زكريَّا يحيى بن شرف بن مري بن حزام محيي الدِّين النَّوويّ رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (631 - 676 هـ)

اسمه ونسبه

هو محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مُرِي 7 بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، الحزامي 8، النووي 9. العالم الرباني، والإمام الصمداني، شيخ الإسلام، الحافظ المجتهد، الزاهد العابد الورع.
رضي الله تعالى عنه وأرضاه.6

الجزء: 1 - الصفحة: 18

مولده ونشأته

ولد الإمام رضي الله عنه بـ (نَوَى) في شهر محرم الحرام، سنة إحدى وثلاثين وست مئة للهجرة النبوية الشريفة 10، وبها نشأ وترعرع.
كانت بدايته رضي الله عنه مشرقة، فهذا أبوه يحدثنا عن شيء من ذلك فيذكر: أن الشيخ كان نائمًا إلى جنبه وقد بلغ من العمر سبع سنين، ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فانتبه نحوَ نصف الليل وأيقظني، وقال: يا أبت؛ ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ ! فاستيقظ أهله جميعًا فلم نر كلُّنا شيئًا، قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر 11. ويحدثنا أيضًا تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى عن أمر آخر فيقول: (ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي ولي الله رحمه الله تعالى قال: رأيت الشيخ محيى الدين وهو ابن عشر سنين بنوى، والصبيان يُكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة، فوقع في قلبي محبته، وكان قد جعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت معلمه الذي يقرئه القرآن، فوصيته به، فقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلمَ أهل زمانه وأزهدَهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أَمنَجِّمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر المعلم ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام) 12. هذا في (نوى)، أما في (دمشق) .. فقد أتاها وهو في التاسعة عشرة من العمر، سنة تسع وأربعين وست مئة طالبًا للعلم، فسكن المدرسة الرواحية، وانطلق في طلب العلم بهمة قعساء، وعزم ماض، ونشاط منقطع النظير.
فأكْرِمْ بها من نشأة.

الجزء: 1 - الصفحة: 19

قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1): (من الكامل) وإذا الفتى لله أخلص سرَّه ... فعليه منه رداء طِيب يظهر وإذا الفتى جعل الإله مرادَه ... فلذكره عرْف ذكي ينشر

طلبه للعلم

أجمع كل من ترجم للإمام النووي رضي الله عنه أنه لم يكن يميل إلى الراحة والدَّعَة، ولم يستلذَّ الكسل والتواني، بل إنه كان الجِدَّ والاجتهادَ متجسدَين في شخص اسمه النووي.
فبعد ختمه القرآن بـ (نوى) .. أحب أن يستزيد من العلم ويروي غليله بالنهل من معينه، فما كان من أبيه - وهو الرجل الصالح الورع - إلا أن اصطحبه معه إلى قِبلة طلاب العلم، وكعبة المعرفة المحجوجة: (دمشق) وذلك لما ضمته بين جوانحها من جهابذة العلماء والمحققين.
ووجد الإمام فيها بغيته، وأدرك في مدارسها طِلْبته، فقد ذكر القطب اليونيني رحمه الله تعالى: أن الشيخ أول ما قدم دمشق .. اجتمع بخطيب الجامع الأموي وإمامه الشيخ جمال الدين عبد الكافي بن عبد الملك الرَّبعي الدمشقي (ت 689 هـ)، وعرَّفه - رحمه الله - مقصدَه.
فأخذه الشيخ جمال الدين وتوجه به إلى حلقة الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري، المعروف بالفركاح (ت 690 هـ) رحمه الله تعالى، فقرأ عليه دروسًا، ولازمه مدة، ولم يكن له موضع يأوي إليه، فطلب من الشيخ موضعًا يسكنه، فاعتذر الشيخ تاج الدين بأنه لا موضع لديه، غير أنَّه دلَّه على الشيخ كمال الدين إسحاق المغربي بالمدرسة الرواحيَّة، فتوجه الإمام إليه ولازمه، واشتغل عليه، وصار منه ما صار 14. قال الإمام ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال - أي: الإمام النووي -: وحفظت13

الجزء: 1 - الصفحة: 20

"التنبيه" في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظت ربع العبادات من "المهذب" في باقي السنة) 15. وينقل الإمام ابن العطار رحمه الله تعالى عن الإمام النووي رضي الله عنه خبرًا يدل على عظيم عناية الله سبحانه به فيقول: (قال - أي: الإمام النووي -: وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت كتاب "القانون" فيه، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري، ومن أين دخل عليَّ الداخل؛ ! فألهمني الله تعالى أن سببه اشتغالي بالطب، فبعت في الحال الكتاب، وأخرجت من بيتي كلَّ ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي، ورجع إليَّ حالي، وعدت إلى ما كنت عليه أولًا 16. ويذكر غير واحد من مترجميه أنه رضي الله عنه كان مضرب المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهجره النومَ إلا عن غلبةٍ، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة، أو المطالعة، أو التردد إلى الشيوخ 17. وهذا تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى يحدثنا عن الإمام النووي رضي الله عنه فيقول: (قال: فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي، وكانت وقفة الجمعة، وكان رحيلنا من أول رجب، قال: فأقمت بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا من شهر ونصف.
قال لي والده رحمه الله: لمَّا توجهنا من "نوى" للرحيل .. أخذته الحمى، فلم تفارقه إلى يوم عرفة، قال: ولم يتأوَّه قط، فلما قضينا مناسكنا، ووصلنا إلى "نوى"، ونزل إلى دمشق .. صبَّ الله عليه العلم صبًّا.
ولم يزل يشتغل بالعلم، ويقتفي آثار شيخه المذكور - أي: الكمال المغربي - في العبادة؛ من الصلاة وصيام الدهر، والزهد والورع، وعدم إضاعة شيء من أوقاته إلى أن تُوفِّي رحمه الله تعالى ورضي عنه، فلما توفي شيخه .. ازداد اشتغاله بالعلم والعمل) 18.

الجزء: 1 - الصفحة: 21

وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أيضًا: (وذكر لي - أي: النووي - أنه كان لا يضيع وقتًا في ليل ولا في نهار .. إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه يشتغل في تكرار أو مطالعة، وأنه بقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والاشتغال والإفادة والمناصحة للمسلمين وولاتهم، مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه، والعمل بدقائق الفقه، والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء) 19. ولعل من أدلِّ الدلائل على مثابرة الإمام النووي في التحصيل، وهمته العالية في طلب العلم .. أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا.
فقد ذكروا أنه كان يقرأ درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذب"، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، ودرسًا في "صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللمع" لابن جني، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى نقلًا عن الإمام النووي رضي الله عنه: (وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، وإيضاح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي واشتغالي، وأعانني عليه) 20. وقد سمع الإمام النووي رضي الله عنه العديد من الكتب، وكان من أهمها: الكتب الستة، و"الموطأ"، و"مسند الإمام الشافعي"، و"مسند الإمام أحمد ابن حنبل"، و"سنن الدارمي"، و"مسند أبي عوانة"، و"مسند أبي يعلى الموصلي"، و"سنن الدارقطني"، و"شرح السنة" للبغوي، و"معالم التنزيل" في التفسير للبغوي أيضًا، و"الأنساب" للزبير بن بكار، و"الرسالة القشيرية"، و"عمل اليوم والليلة" لابن السني، و"آداب السامع والراوي" للخطيب البغدادي، وغير ذلك الكثير.
وذكر القطب اليونيني رحمه لله تعالى عن الإمام النووي رضي الله عنه قوله: ( ... وبقيتُ نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض).
يعني أنه ما كان ينام إلا عن غلبة، وقد

الجزء: 1 - الصفحة: 22

سئل عن ذلك فقال: (كنت إذا غلبني النوم أتكئ على الكتب قليلًا ثم أنتبه) (1). فهذه إشارة موجزة إلى دأبه في الطلب، وحرصه على العلم، والمسكوت عنه في هذا المقام أكثر من هذا بكثير، فللَّه درُّه من طالبٍ اليوم، ولله درُّه من إمام كبير الشأن غدًا.

شيوخه

كان عصر الإمام النووي رضي الله عنه حافلًا بجهابذة العلماء في شتى الفنون، أمثال: الحافظ عبد القادر الرهاوي (ت 612 هـ)، والحافظ أبي المظفر السمعاني (ت 617 هـ)، والحافظ ابن الصلاح (ت 643 هـ)، والحافظ المنذري (ت 656 هـ)، والإمام العز بن عبد السلام (ت 665 هـ)، وغيرهم الكثير، وبتعدادهم فقط يطول بنا المقام جدًّا، رحمهم الله تعالى.
وقد حظي الإمام النووي رضي الله عنه بعناية علماء أجلاء، وشيوخ فضلاء، فقد ذكر تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أنه أخذ الفقه عن الإمام الجليل أبي إبراهيم الكمال المغربي، وأبي حفص عمر بن أسعد الرَّبَعي، وأبي الحسن سلَّار بن الحسن الإربلي.
وأخذ أصول الفقه عن جماعة أشهرهم: القاضي أبو الفتح عمر بن بندار التفليسي الشافعي؛ فقد قرأ عليه "المنتخب" للفخر الرازي، وقطعة من "المستصفى" للإمام الغزالي.
وأخذ اللغة والنحو والتصريف عن فخر الدين ابن المالكي، قرأ عليه "اللُّمع" لابن جني، وكذلك أخذ عن الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي التصريفي، فقد قرأ عليه "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت قراءة بحث، وكتابًا في التصريف، وكان له عليه درس إما في "كتاب سيبويه" أو في غيره، يقول ابن العطار: "الشك مني".
وقرأ أيضًا على العلامة حجة العرب أبي عبد الله بن مالك أحد تصانيفه وعلق عليه شيئًا.21

الجزء: 1 - الصفحة: 23

وأخذ فقه الحديث وأسماء الرجال وما يتعلق بذلك عن الشيخ المحقق أبي إسحاق، إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي، قرأ عليه "الصحيحين"، والكثير من "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقرأ "مقدمة ابن الصلاح" على جماعة من أصحاب ابن الصلاح نفسه، وقرأ "الكمال في أسماء الرجال" على الشيخ أبي البقاء، خالد بن يوسف النابلسي، وعلق عليه بعض الحواشى والأشياء المستجادة) انتهى ملخصًا 22. ولولا ضيق المقام .. لترجمنا لكلِّ واحد من هؤلاء الأعلام الكرام ترجمة تليق بمقامه، ولكن سوف نسلِّط شعاعًا من الضوء على من تسعفنا المصادر بذكرهم، فأولهم:

  • الشيخ العلامة، كمال الدين، أبو إبراهيم، إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي (ت 650 هـ)، وهو أول شيوخ الإمام النووي على التحقيق.
    وقد أثنى عليه الإمام النووي رضي الله عنه فقال: ( ... أولهم: شيخي الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عباداته، وعظم فضله، وتميزه في ذلك على أشكاله) 23.
  • الإمام العارف، الزاهد العابد، الورع المتقن، مفتي دمشق في وقته، أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي، ثم الدمشقي (ت 654 هـ)، أخذ عنه الفقه أيضًا) 24.
  • الإمام المفتي، جمال الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن سالم بن يحيى بن هبة الله الأنباري الأصل، البغدادي، ثم الدمشقي (ت 661 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في جملة الشيوخ الذين سمع منهم الإمام النووي 25.
  • شيخ الشيوخ، شرف الدين، أبو محمد، عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن

الجزء: 1 - الصفحة: 24

الأنصاري الأوسي (ت 662 هـ)، كان من ذوي الذكاء المفرط، وله محفوظات كثيرة 26. وذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أن الإمام النووي رضي الله عنه سمع منه وأخذ عنه الحديث 27.

  • الشيخ الإمام القاضي، عماد الدين، أبو الفضائل، عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد المعروف بـ (ابن الحرستاني)، خطيب دمشق (ت 662 هـ). أخذ عنه علم الحديث 28.
  • الحافظ الزين، أبو البقاء، خالد بن يوسف بن سعدبن حسن بن مفرج النابلسي، ثم الدمشقي (ت 663 هـ). قرأ عليه "كتاب الأربعين" للحاكم، و"الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي، وعلق عليه حواشي، وضبط عنه أشياء حسنة 29.
  • الشيخ الإمام، رضي الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن عمر بن مضر بن محمد بن فارس، المضري الواسطي، التاجر، المعروف بابن البرهان (ت 664 هـ). روى عنه "صحيح مسلم" كاملًا، وقد أثنى عليه الإمام فقال: (أما إسنادي فيه .. فأخبرنا بجميع "صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" رحمه الله الشيخُ العدل الرضيُّ، أبو إسحاق، إبراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي رحمه الله بجامع دمشق، حماها الله وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله) 30.
  • الإمام الحافظ، شرف الدين، أبو الفضل، محمد بن محمد بن محمد البكري الدمشقي (ت 665 هـ). سمع منه الحديث 31.
  • الإمام الحافظ المتقن، ضياء الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن عيسى المرادي

الجزء: 1 - الصفحة: 25

الأندلسي، ثم المصري، ثم الدمشقي (ت 668 هـ). قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أخذ عنه فقه الحديث، وشرح عليه "مسلمًا"، وقرأ "البخاري"، وجملة مستكثرة من"الجمع بين الصحيحين" للحميدي) 32. وقد أثنى عليه الإمام النووي رضي الله عنه ثناءً باهرًا فقال: (سمعت شيخنا وسيدنا، الإمام الجليل، والسيد النبيل، الحافظ المحقق، والمقتبس المدقق، الضابط المتقن، والمشفق المحسن، الورع الزاهد، والمجتهد العابد، بقية الحفاظ، شيخ الأئمّة والمحدثين، ضياء الدين، أبا إسحاق) 33.

  • مسند الشام ومحدثها، وفقيهها الحنبلي، زين الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المعروف بالناسخ (ت 668 هـ). كان من جملة مشايخه في الحديث 34.
  • الإمام العلامة، مفتي الشام، كمال الدين، أبو الحسن، سلَّار بن الحسن بن عمر بن سعيد الإربلي، ثم الحلبي، ثم الدمشقي (ت 675 هـ). عدَّه الإمام النووي رضي الله عنه نفسه في سلسلة شيوخه في الفقه، فقال: ( ... ثم شيخنا أبو الحسن، سلَّار بن الحسن ... المجمع على إمامته وجلالته، وتقدُّمِه في علم المذهب على أهل عصره بهذه النواحي رضي الله عنه) 35.
  • العلامة جمال الدين، أبو العباس، أحمد بن سالم المصري، النحوي اللغوي التصريفي (ت 672 هـ). ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه قرأ عليه الصرف والنحو، ونقل عن الإمام قوله: (وكان لي درس؛ إما في "كتاب سيبويه"، وإما في غيره، والشك مني) 36.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

  • العلامة الرئيس الفاضل، تقي الدين، أبو محمد، إسماعيل ابن الشيخ الإمام إبراهيم بن أبي اليسر، شاكر بن عبد الله التنوخي (ت 672 هـ). ذكر الإمام السخاوي أنه قرأ عليه أجزاءً من "المستقصى في فضل المسجد الأقصى" لأبي محمد، القاسم بن علي بن عساكر 37.
  • القاضي كمال الدين، أبو الفتح، عمر بن بندار بن عمر التفليسي الشافعي (ت 672 هـ)، كان ممن جالس الإمام أبا عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى.
    قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قرأ عليه - أي: الإمامُ النوويُّ - "المنتخب" للإمام فخر الدين الرازي، وقطعة من كتاب "المستصفى" للغزالي) 38.
  • العلامة جمال الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيَّاني (ت 672 هـ)، حجة العرب، وصاحب التصانيف العديدة، والتآليف المفيدة.
    قرأ عليه كتابًا من تصانيفه، وعلق عليه شيئًا 39.
  • الإمام المتقن، القاضي عز الدين، أبو حفص، عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبَعي الإربلي (ت 675 هـ). أخذ عنه الفقه، وذكره في "تهذبب الأسماء واللغات" عند ذكر سنده في الفقه، ونعته بـ (الإمام المتقن) 40. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وكان شيخنا كثير الأدب معه، حتى كنا في الحلقة بين يديه، فقام منها، وملأ إبريقًا، وحمله بين يديه إلى الطهارة رضي الله عنهما، ورضي عنَّا بهم) 41.
  • الإمام العالم، المفتي المعمَّر، جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحرَّاني، يعرف بابن الصيرفي وابن الحُبيشي (ت 678 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 27

عابد متهجد، محمود الصفات، ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في عداد المشايخ الذين سمع منهم 42.

  • شيخ الإسلام، وبقية العلماء، شمس الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة (ت 682 هـ). أخذ عنه الحديث، وقد نقل الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عنه قوله: (قال شيخنا الإمام العلامة، ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف، وصاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن واللطائف، أبو الفرج ... ) 43، قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وهو أجل شيوخه) 44.
  • العلامة الجليل، والسيد النبيل، ياسين بن عبد الله المغربي (ت 687 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى باسم: ياسين بن يوسف المراكشي 45. وقال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى: (كان السيد الجليل، الشيخ الإمام محيي الدين النواوي رحمه الله تعالى يزوره، ويتبرك به، ويتتلمذ له، ويقبل إشاراته، ويمتثل ما أمره به، ومن جملة إشاراته المباركة: أنه أمر الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى أن يردَّ الكتب المستعارة إلى أهلها، وأن يعود إلى بلاده، ويزور أهله ففعل ذلك، ثم توفي عند أهله رحمه الله تعالى) 46.
  • فقيه أهل الشام، وشيخ الإسلام، تاج الدين، أبو محمد، عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء بن سباع، الفزاري الشافعي، الملقب بالفركاح (ت 690 هـ). قرأ عليه دروسًا، ولازمه مدة، ثم طلب منه موضعًا يأوي إليه، ولم يكن عنده موضع للسكن، فأرشده إلى الإمام الكمال المغربي، الذي صار من أجل شيوخه 47.
  • شيخ الإسلام، بركة الشام، تقي الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي الصالحي (ت 692 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 28

تولّى في آخر عمره دار الحديث الظاهرية، وذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه سمع منه (1).

  • الإمام الكبير المحدِّث، ضياء الدين، أبو المظفر، يوسف بن أبي القاسم بن تمام بن إسماعيل، الدمشقي الحنفي (ت هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى (2). وقال العلامة ابن أبي الوفاء رحمه الله تعالى في أثناء ترجمته له: (لازمه النووي لسماع الحديث منه، وما يتعلق بعلم الحديث، وعليه تخرَّج، وبه انتفع) (3).

تصدره للتدريس

ما كادت تمضي مدة من الزمن يسيرة حتى بدأت ثمار هذه الشجرة الباسقة بالظهور.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال الإمام النووي: وجعلتُ أشرح وأصحح على شيخي الإمام الزاهد إسحاق المغربي رحمه الله تعالى، ولازمته، فأعجب بي؛ لِمَا رأى من اشتغالي وملازمتي، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبني محبة شديدة، وجعلني معيدَ الدرس بحلقته لأكثر الجماعة) 51. ثم بعد ذلك باشر الإمام النووي رضي الله عنه التدريس في المدرسة الإقبالية، والمدرسة الفلكية، والمدرسة الركنية للشافعية نيابة عن شمس الدين ابن خلكان (ت 681 هـ) 52. غير أن أبرز ما أُسند إليه هو مشيخةُ دار الحديث الأشرفية؛ وقد ذكرت بعض المصادر أن واقف هذه المدرسة جعل من شروط وقف هذه الدار ألَّا تُسند إلا لأعلم أهل البلد بالحديث، فقد قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (إنه - أي: الكمال484950

الجزء: 1 - الصفحة: 29

المعرِّي - انتزع دار الحديث الأشرفية من ابن كثير ... ولم يلتفت لكون شرطها أن تكون لأعلم أهل البلد بالحديث) (1). وقال الإمام السخاوي نقلًا عن الحافظ الذهبي رحمهما الله تعالى: إن تولِّي الإمام النووي لدار الحديث كان مع صغر سنِّه، ونزول روايته في حياة مشايخه (2). وهذا لم يكن من باب المحاباة للإمام، أو أنه كان حريصًا على ذلك، ومما يدل له قوله لابن النجار في رسالة وجهها إليه: (أَوَ ما علمتَ - لو أنصفتَ - كيف كان ابتداء أمرها، أَوَ ما كنتَ حاضرًا مشاهدًا أخذي لها؟ ! ) (3). وقد كان تولِّيه رضي الله عنه لدار الحديث الأشرفية بعد وفاة الإمام أبي شامة عبد الرحمن بن إسماعيل سنة (665 هـ) رحمه الله تعالى، وبقي فيها حتى أتاه داعي ربه سنة (676 هـ).

ذكر بعض المدارس في عصره

المدرسة الرَّوَاحيَّة: بناها التاجر أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن رواحة الحموي (ت 622 هـ)، وقد كان من أصحاب الثراء والصلاح، ووقفها على الشافعية في حدود سنة (600 هـ)، وموقعها شرقي الجامع الأموي، وغربي المدرسة الدولعية، وفوض تدريسها إلى الحافظ ابن الصلاح، وناب عنه فيها الكمال المغربي شيخ الإمام النووي، وقد كانت الإعادة فيها بأمر شيخه الكمال المغربي 56. المدرسة الإقبالية الشافعية: أنشأها جمال الدولة إقبال، عتيق ستِّ الشام، أخت صلاح الدين الأيوبي، المتوفى سنة (653 هـ) في بيت المقدس، وتقع بين باب الفرج وباب الفراديس، شمالي الجامع الأموي، وجعل فيها خمسة وعشرين فقيهًا، وأعطاهم رواتب ضخمة في كل شهر، وقد ناب بها الإمام النووي عن شمس الدين ابن خلكان سنة (669 هـ)، ثم تولَّاها بعده ابن الجوَّاب 57.535455

الجزء: 1 - الصفحة: 30

المدرسة الركنية الجوَّانية: أنشأها الأمير ركن الدين منكورس الفلكي، عتيق فلك الدين، أخي الملك العادل لأمه (ت 631 هـ)، وقد كان محتشمًا عفيفًا، كثير الصدقات، شيَّد الركنية في حدود سنة (625 هـ)، وتقع شرقي المدرسة الفلكية، في حي العمارة، في زقاق عبد الهادي، وقد تولَّى التدريس فيها ثلَّة من العلماء الأجلاء؛ أمثال الشيخ أبي شامة، وشمس الدين ابن خلكان، والإمام النووي رحمهم الله جميعًا 58. المدرسة الفلكية: أنشأها الأمير فلك الدين سليمان (ت 599 هـ)، أخو الملك العادل سيف الدين أبي بكر لأمه، وقد كانت دارًا له، ثم وقفها مدرسة في سنة وفاته أو قبل ذلك بقليل، وتقع بحارة الأفتريس، غربي المدرسة الركنية الجوَّانية، في حي العمارة، في زقاق عبد الهادي.
وَلِيَها شمس الدين بن سنيِّ الدولة، وابنه صدر الدين قاضي القضاة، أبو العباس أحمد، والإمام النووي رضي الله عنه كان ممن تولَّى التدريس فيها 59. دار الحديث الأشرفية: بناها الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل (ت 635 هـ)، أخي صلاح الدين الأيوبي، وتقع جوار باب قلعة دمشق الشرقي، غربي سوق العصرونية، وقد درَّس بها عمالقة علماء الحديث، كانت في الأصل دارًا للأمير صارم الدين قايماز، واشتراها منه الملك الأشرف، وأعاد بناءها، وجعلها دارًا للحديث، وأنشأ فيها سكنًا للشيخ الذي يتولَّى مشيختها.
بدأ العمل بعمارتها سنة (628 هـ)، وانتهى تشييدها وافتتحت في ليلة النصف من شعبان سنة (635 هـ)، ووقف عليها الملك الأشرف أوقافًا عدة، وجعل فيها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأَوَّل من درَّس فيها وفي الرواحيَّة الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى، ثم آلت في سنة (665 هـ) إلى الإمام النووي، وكان لا يأخذ من عطائها شيئًا، بل كان يكتفي بما يرسله له أبوه من (نوى)، وقد بقي فيها حتى أجاب داعي ربِّه رضي الله عنه 60.

الجزء: 1 - الصفحة: 31

تلامذته

سمع من الإمام النووي رضي الله عنه خلق من العلماء والحفاظ، والصدور والرؤساء، وتخرج به خلق كثير من الآفاق.

  • الحافظ الزاهد، الثقة الثبت، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن إبراهيم بن داوود بن العطار (ت 724 هـ). قال رحمه الله تعالى: (قرأت عليه كثيرًا من تصانيفه، ضبطًا وإتقانًا، وأذن لي في إصلاح ما يقع في تصانيفه، وكانت صحبتي له دون غيره، من أول سنة سبعين وست مئة وقبلها بيسير إلى حين وفاته، وقرأت عليه الفقه تصحيحًا وعرضًا، وشرحًا وضبطًا، خاصًّا وعامًّا) 61.
  • الإمام المقرئ، شهاب الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الخالق بن عثمان بن مزهر الأنصاري الدمشقي (ت 690 هـ). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (قرأ عليه - أي: على النووي - وسمع جميع "الأذكار"، ووصف قراءته في بعض البلاغات بالمتقنة المهذبة) 62.
  • الصدر الرئيس، نور الدين، أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن عبد الضيف بن مصعب الخزرجي الدمشقي (ت 696 هـ). قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قرأ على الشيخ قدَّس الله روحه قطعة من "المنهاج في مختصر المحرر"، واستنسخ "الروضة" له، وقابلتُ له بعضها مع الشيخ) 63.
  • الحافظ الزاهد، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن فرج اللخمي الإشبيلي الشافعي (ت 699 هـ). كان له ميعاد مع الإمام النووي رضي الله عنه يومي الثلاثاء والسبت، شرح في أحدهما "البخاري"، وفي الآخر "صحيح مسلم" 64.

الجزء: 1 - الصفحة: 32

  • الشيخ الإمام، المحقق الزاهد، شهاب الدين، أحمد بن محمد بن عباس بن جعوان الدمشقي الشافعي (ت 699 هـ). قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (كان من تلامذة النواوي رحمهما الله) 65.
  • الشيخ الفاضل، نجم الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن ركاب الأنصاري، المعروف بابن الخباز (ت 753 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلامذته 66.
  • العلامة المفتي، والمحدث النحوي، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي الحنبلي (ت 759 هـ). ذكره العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى، وعدَّه الإمام السخاوي رحمه الله تعالى من تلاميذه 67.
  • العلامة المفتي، رشيد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عثمان بن المعلم الحنفي (ت 714 هـ). كان من كبار أئمّة عصره، عالمًا بالعربية والقراءات وغيرها، ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أنه صاحبه في القراءة على الإمام النووي رضي الله عنه، وأنه قرأ عليه "معرفة السنن والآثار" للطحاوي 68 رحمه الله تعالى.
  • القاضي صدر الدين، أبو الفضل، سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح الجعفري الداراني، خطيب داريَّا (642 - 725 هـ). قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (كان رجلًا صالحًا، تفقه على الشيخ تاج الدين بن الفركاح، والشيخ محيي الدين النووي ... وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطيار) 69.
  • العلامة أمين الدين، أبو الغنائم، سالم بن أبي الدُّر (645 - 726 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 33

قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (تفقه على الشيخ محيي الدين النووي، ورتب "صحيح ابن حبان"، ودرَّس بالشامية الجوَّانية) 70.

  • قاضي القضاة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة (ت 733 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلاميذه، وقال: (ويقال: إن فتواه عرضت على الشيخ - أي: الإمام النووي - فاستحسن كتابته عليها) 71.
  • قاضي القضاة، جمال الدين، أبو محمد، سليمان بن عمر بن سالم الأنصاري الزرعي (ت 734 هـ). قال التقي الفاسي: (سمع على الشيخ محيي الدين النووي كتاب "الأذكار") 72.
  • الشيخ الأديب، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل الجعفري، المعروف بابن غانم (ت 737 هـ). قال الحافظ ابن حجر: (وكان يذكر أنه من ذرية سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه)، وعدَّه الإمام السخاوي من تلاميذه 73.
  • الحافظ الكبير، شيخ المحدثين، وعمدة الحفاظ، أعجوبة الزمان، جمال الدين، أبو الحجاج، يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك القضاعي الكلبي الحلبي الدمشقي (654 - 742 هـ). تولَّى دار الحديث الأشرفية ثلاثًا وعشرين سنة، قرأ على الإمام النووي رضي الله عنه وأخذ عنه 74.
  • الإمام العلامة، بقية السلف، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن، المعروف بابن النقيب (ت 745 هـ).

الجزء: 1 - الصفحة: 34

قال التقي السبكي رحمه الله تعالى: (صاحب النووي، وأعظِمْ بتلك الصحبة رتبةً عليَّةً) (1).

  • الإمام الفقيه، علاء الدين، أبو الحسن، علي بن أيوب بن منصور المقدسي (ت 748 هـ). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى - بعد أن عدَّه من تلامذته -: (نسخ "المنهاج" بخطه، وحرره ضبطًا وإتقانًا) (2).
  • الشيخ الإمام، زين الدين، أبو الفرج، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي (ت 749 هـ). ذكره الإمام السخاوي رحمه الله تعالى في جملة تلاميذه (3).

وصفه وملبسه

كان عديم الميرة (4) والرفاهية والتنعيم، مع التقوى والقناعة والورع، والمراقبة لله في السر والعلانية، وتَرْكِ رعونات النفس؛ من ثياب حسنة، ومأكل طيب، وتجمل في هيئة، بل طعامه جلف الخبز بأيسر إدام، ولباسه ثوب خام وسختيانية لطيفة.
ووصفه بأنه كان أسمرَ، كثَّ اللحية، ربعة مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، بل هو جِدٌّ صِرْفٌ، يقول الحق وإن كان مرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، عليه هيبة وسكينة، وكان لا يتعاطى لَغَط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدة وسمت ووقار (5).

بعض مناقبه

حاز الإمام النووي رضي الله عنه صفات عزَّ نظيرها في نظرائه، وقلَّ مثيلها في7576777879

الجزء: 1 - الصفحة: 35

أمثاله، فلقد بلغ من الزهد والورع والتقوى الغاية القصوى، إلى جانب رسوخ قدمه في العلم، وعلوِّ كعبه في التحقيق، ومع هذا وذاك فإنه رضي الله عنه كان آية في التواضع وحسن الخلق، ولعل الحديث في هذا الشأن يحتاج إلى مؤلَّف ضخم ليفيَ بالغرض، ولله در الإمام الذهبي رحمه الله تعالى حيث قال: (وذِكْرُ مناقبه يطول) 80. قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (كان رفيقًا بي، شفيقًا عليَّ، لا يمكِّن أحدًا من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي في حركاتي وسكناتي، ولطفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطرات، وأعجز عن حصر ذلك).
فإذا كان هذا الأدب الجمُّ من الإمام مع تلميذه .. فماذا كانت حاله مع أشياخه ومعلميه؟ ! قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى أيضًا: عند ذكره للشيخ أبي حفص، عمر بن أسعد الربعي: (وكان شيخنا - أي: الإمام النووي - كثير الأدب معه، حتى كنا في الحلقة بين يديه، فقام منها، وملأ إبريقًا، وحمله بين يديه إلى الطهارة رضي الله عنهما، ورضي عنّا بهم) 81. وكان إذا ذكر الصالحين .. ذكرهم بتعظيم وتوقير، وذكر مناقبهم وكراماتهم.
هذا عن أدبه وتواضعه، أما الحديث عن زهده رضي الله عنه .. فهو الذي لا يكاد يصدِّقه أحد لولا أن الذين نقلوه هم من أصدق الناس لهجة، وأكثرهم تحرِّيًا وتثبتًا، فمن ذا الذي يقوى على ما صنعه الإمام الذي كان لا يأكل من فاكهة دمشق، وهي جنة الله في الأرض؟ ! كان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلَّا شربة واحدة عند السحر، وكان لا يشرب الماء المبرَّد، وكان لا يأكل فاكهة دمشق.
قال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (فسألته عن ذلك؟ فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاكِ مَنْ هو تحت الحجْر شرعًا، والتصرفُ لهم لا يجوز إلَّا على وجه

الجزء: 1 - الصفحة: 36

الغبطة ... فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك؟ ! ) 82. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (قال لي شيخنا أبو المفاخر، محمد بن عبد القادر الأنصاري رضي الله عنه: لو أدرك القشيريُّ صاحبُ "الرسالة" شيخَكم وشيخَه - أي: الكمال المغربي - .. لَمَا قدَّم عليهما في ذكره لمشايخها أحدًا؛ لِمَا جُمع فيهما من العلم والعمل، والزهد والورع، والنطق بالحكم، وغير ذلك) 83. وقال العلامة ابن دقماق رحمه الله تعالى: (إنه كان يأكل من خبز يبعثه له أبوه من "نوى" يخبزونه له، ويشترون له ما يكفيه جمعةً فيأكله، ولا يأكل معه سوى لون واحد؛ إما دبس، وإما خلّ، وإما زيت، وأما اللحم .. ففي كل شهر مرة، ولا يكاد يجمع بين لونين من إدام أبدًا) 84. وقال العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (رأيت رجلًا من أصحابه قشَّر له خيارة؛ ليطعمه إياها، فامتنع عن أكلها، وقال: أخشى أن ترطب جسمي، وتجلب النوم) 85. وقد كان أثر زهده وورعه وصلاحه واضحًا، فقد ذكر تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى عنه حكاية فقال: (ذكر لي شيخنا العارف، القدوة المُسَلِّك، ولي الدين، أبو الحسن علي، المقيم بجامع بيت لهيا خارج دمشق "ت 685 هـ" قال: كنتُ مريضًا بمرض يسمى "النقرس" في رجلي، فعادني الشيخ محيي الدين - قدس الله روحه العزيز - فلما جلس عندي .. شرع يتكلم في الصبر، قال: فكلما تكلم .. جعل الألم يذهب قليلًا قليلًا، فلم يزل يتكلم فيه حتى زال جميع الألم، وكأنْ لم يكن قط، قال: وكنت قبل ذلك لم أنم الليل كلَّه من الألم، فعرفت أن زوال الألم من بركته رضي الله عنه) 86. ولقد نذر الإمام النووي رضي الله عنه حياته لله، فأعرض عن حطام الدنيا وزخرفها، قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (ولم يتزوج قط فيما علمت؛

الجزء: 1 - الصفحة: 37

لاشتغاله بالعلم والعمل)، وكذا جزم بكونه لم يتزوج غير واحد، منهم قاضي صفد (1). قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (وذكر لي صاحبنا الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي في حياة الشيخ قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق، والشيخ وأقف يصلي إلى سارية في ظلمة، وهو يردِّد قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ مرارًا، بخوف وخشوع حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم) (2). ويذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (أن الشيخ العلامة المفتي، رشيد الدين، إسماعيل بن المعلم الحنفي أخبره أنه كان قد عذل الإمام النووي رحمه الله في عدم دخوله الحمام، وتضييق عيشه في الأكل واللبس ونحوه، وقال له: أخشى أن يصيبك مرض بسبب ذلك يعطلك عن كثير من الأعمال الصالحة التي هي أفضل مما أنت فيه من الضيق، فأجاب الإمامُ بقوله: إن فلانًا صام وعَبَدَ اللهَ تعالى حتى اخْضَرَّ عظمه، قال: فعرفت أنه ليس له غرض في المقام في دارنا، ولا يلتفت إلى ما نحن فيه) (3).

ثناء العلماء عليه

وعلى الرغم من زهده رضي الله عنه وتواضعه، ودماثة خلُقه، ولين عريكته، ورِفْقه ورحمته بالناس .. فقد كان قويًّا في الحق، صلبًا في مواجهة الظلم والظلَمة، يلين الحديد وهو في ذلك لا يلين، وتنحني الشُّمُّ الشوامخ وهو لا ينحني.
قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (وكان مواجهًا للملوك والجبابرة بالإنكار، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان إذا عجز عن المواجهة .. كتب الرسائل ويتوصل إلى إبلاغها) 90.878889

الجزء: 1 - الصفحة: 38

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في الأمر بالمعروف) 91. وذكر القطب اليونيني رحمه الله تعالى طرفًا من جرأته فقال: (إنه واقَفَ الملكَ الظاهر رحمه الله غير مرة في دار العدل بسبب الحوطة على بساتين دمشق وغير ذلك، وحُكي لي أن الملك الظاهر قال عنه: أنا أفزع منه، أو ما هذا معناه) 92. وأما مواجهته لعلماء السوء .. فقد ذكر العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في هذا الشأن رسالته الشهيرة لابن النجار الذي سعى لإحداث أمور باطلة على المسلمين فتصدى له الإمام النووي رضي الله عنه وبالغ في زجره، وكفِّه عن ذلك، فغضب ابن النجار، وبعث إلى الإمام يهدده ويتوعده، فما كان من الإمام إلا أن بادره برسالة تنبئ عن قوته في الحق، وجرأته في إزالة المنكر 93. ونحن ننقل لك من آخرها قطعة بليغة، حيث قال رضي الله عنه: ( ... واعلم: أني لا أتعرَّض لك بمكروه، سوى أني أبغضك في الله تعالى، وما امتناعي عن التعرُّض لك بمكروه من عَجْبر، بل أخاف الله رب العالمين من إيذاء من هو من جملة الموحدين، وقد أخبرني من أثق به وبخبره وصلاحه، وكراماته وفلاحه: بأنك إن لم تبادر بالتوبة .. حلَّ بك عقوبة عاجلة، تكون بها آية لمن بعدك، ولا يأثم بها أحد من الناس، بل هو عدل من الله تعالى يوقعه بك؛ عبرةً لمن بعدك.
فإن كنتَ ناظرًا لنفسك .. فبادر بالرجوع عن سيئ أفعالك، وتدارك ما أسلفته من قبيح مقالك ... والسلام على من اتبع الهوى، والحمد لله رب العالمين) 94. قال تلميذه العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى: (ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أَوْحَدُ دهره، وفريد عصره، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق المرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني، المتفق على علمه وإمامته وجلالته، وزهده وورعه وعبادته، وصيانته في أقواله وأفعاله وحالته.

الجزء: 1 - الصفحة: 39

له الكرامات الطافحة، والمكرمات الواضحة، المؤثِر بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنصح والدعاء في العالمين.
وكان كثير التلاوة والذكر لله تعالى، حشرنا الله تعالى في زمرته، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، مع من اصطفاه من خليقته، أهل الصفاء والوفاء والودِّ، العاملين بكتاب الله تعالى، وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته) 95. ويضيف رحمه الله أيضًا: (وجرى لي معه وقائع، ورأيت منه أمورًا تحتمل مجلدات) 96. وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، وإمام الأئمَّة الأعلام، وقطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في ورعهم السهام، المجتهد في الصيام والقيام، والقائم بخدمة الملك العلام) 97. وقال الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى: (شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللَّاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين، كان يحيى رحمه الله سيدًا وحصورًا، وليثًا على النفس هصورًا ... لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنن في أصناف العلوم، فقهًا ومتونَ حديث، وأسماء رجال، ولغة وتصوُّفًا، وغير ذلك) 98. حدث مرةً أن نازعه بعضهم في نقل عن "الوسيط" للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقال: ينازعوني في "الوسيط" وقد طالعته أربع مئة مرة؟ ! وكان من سعة علمه عديمَ النظير 99. ولك أن تعجب وأنت تسمع الإمام التقي السبكي رحمه الله تعالى يذكر أنه عندما طُلِبَ إليه أن يصنع تكملة لـ "المجموع" بعد وفاة الإمام النووي رضي الله عنه من حيث وصل الشيخ .. هاب الأمر، وقدم رجلًا وأخَّر أُخرى، وحاول أن يعتذر عن ذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 40

متعلِّلًا بقوله: (ولا شك أن ذلك - أي: إكمال "المجموع" - يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء: أحدها: فراغ البال، واتساع الزمان، وكان رحمه الله قد أوتي من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تعيُّش ولا أهل.
والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر، والاطلاع على كلام العلماء، وكان رحمه الله تعالى قد حصل له من ذلك حظ وافر؛ لسهولة ذلك في بلده في ذلك الوقت.
والثالث: حسن النية، وكثرة الورع والزهد، والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها، وكان رحمه الله تعالى قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى.
فمن تكون اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث أنَّى يضاهيه، أو يدانيه من ليست فيه واحدة منها؟ ! ) (1). وثمة شاهد ينطق بأفصح لسان، وأعذب بيان عن علم الإمام الغزير، ألا وهو ما تركه الإمام من كتب ومصنفات كانت نتاج فكره وبراعته.

مؤلفاته

يقول العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى بعد أن عدَّد طائفة من مؤلفاته: (ولقد أمرني ببيع كراريس؛ نحو ألف كراس بخطه، وأمرني بأن أقف على غسلها في الوراقة، وخوَّفني إن خالفت أمره في ذلك، فما أمكنني إلا طاعته، وإلى الآن في قلبي منها حسرات) 101. ودونك مسردًا لما استطعنا أن نصل إليه من مؤلفاته مرتبة على حروف المعجم:

  • أجوبة عن أحاديث سئل عنها.
  • أدب المفتي والمستفتي، أفرده من "شرح المهذب".
  • الأذكار من كلام سيد الأبرار، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا على نسخ خطية.100

الجزء: 1 - الصفحة: 41

  • الأربعون النووية، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على ثلاث نسخ خطية نفيسة.
  • إرشاد طلاب الحقائق، مطبوع.
  • الإرشاد والتقريب، مطبوع.
  • الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات في متون الأسانيد.
  • الإشارات لما وقع في الروضة من الأسماء واللغات، وصل فيه إلى أثناء (الصلاة).
  • الأصول والضوابط في المذهب.
  • الأمالي في الحديث.
  • الإملاء على حديث "إنما الأعمال بالنيات".
  • الإيجاز شرح سنن أبي داوود، وصل فيه إلى أثناء (الوضوء).
  • الإيجاز في المناسك.
  • الإيضاح في مناسك الحج والعمرة، مطبوع.
  • بستان العارفين، وسيصدر بعون الله تعالى عن دار المنهاج محققًا.
  • التبيان في آداب حملة القرآن، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على نسخ خطية عزيزة.
  • تحرير ألفاظ التنبيه، مطبوع.
  • تحفة الطالب النبيه في شرح التنبيه، وصل فيه إلى أثناء (باب الحيض).
  • تحفة الوالد وبغية الرائد.
  • التحقيق، مطبوع.
  • الترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام، مطبوع.
  • تصحيح التنبيه، مطبوع.
  • تقريب الإرشاد إلى علم الإسناد.
  • التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير.
  • التلخيص شرح البخاري، لم يكتمل، وصل فيه إلى (كتاب العلم).
  • التنقيح في شرح الوسيط، مطبوع مع "الوسيط" للإمام الغزالي.

الجزء: 1 - الصفحة: 42

  • تهذيب الأسماء واللغات، مطبوع.
  • جامع السنة، شرع في أوله، ولم يكمله.
  • حزب أدعية وأذكار (حزب الإمام النووي)، مطبوع.
  • خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام.
  • الخلاصة في أحاديث الأحكام، وصل فيه إلى أثناء (كتاب الزكاة).
  • دقائق المنهاج، مطبوع.
  • رؤوس المسائل وتحفة طلاب الفضائل، مطبوع.
  • روضة الطالبين، مطبوع.
  • رياض الصالحين من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العارفين، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا على نسخ خطية.
  • شرح صحيح مسلم، مطبوع.
  • فتاوى الإمام النووي، رتبها تلميذه ابن العطار، مطبوع.
  • المجموع شرح المهذب، مطبوع.
  • مختصر آداب الاستسقاء.
  • مختصر أسد الغابة لابن الأثير.
  • مختصر البسملة لأبي شامة.
  • مختصر تأليف الدارمي في المتحيرة.
  • مختصر سنن الترمذي.
  • مختصر مبهمات الخطيب البغدادي.
  • مختصر وجوه الترجيح، جمعه مختصرًا من "الناسخ والمنسوخ" لأبي بكر الحازمي.
  • مسألة تخميس الغنائم.
  • مسألة نية الاغتراف.
  • مناقب الشافعي.
  • منتخب طبقات الشافعية.
  • المنتخب مختصر التذنيب للرافعي، لم يكتمل.

الجزء: 1 - الصفحة: 43

  • منهاج الطالبين، وقد صدر بحمد الله عن دار المنهاج محققًا مضبوطًا على أربع نسخ خطية برواية ابن البيشي عن عدَّة علماء منهم: الحافظ العراقي والحافظ ابن الملقن رحمهم الله تعالى.
  • مهمات الأحكام، وصل فيه إلى أثناء طهارة البدن والثوب.
  • نُكت المهذب.
    هذه ما تمكنَّا من الوصول إليه من مؤلفات الإمام النووي رضي الله عنه، ولعله فاتنا ذكر بعضها، والعذر من الكرام مأمول.
    ويمكن القول: إن تصانيفه رضي الله عنه كلها بديعة مفيدة.
    قال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (قال اليافعي: ولقد بلغني أنه حصلت له نظرة جمالية من نظرات الحق سبحانه وتعالى بعد موته، فظهرت بركتها على كتبه، فحظيت بقبول العباد، والنفع في سائر البلاد.
    وقال العثماني قاضي صفد في ترجمته من "طبقات الشافعية" له: سمعت الخطيب جمال الدين محمود بن جملة، الخطيب بالجامع الأموي يقول بحضرة جماعة من مشايخ العصر: إنه سمع من شخص يخاطبه وهو بين النائم واليقظان: إن الله أفاض على النووي في قبره فيضًا، فصرف ذلك الفيض إلى كتبه، فمن ثَمَّ شاعت وذاعت) (1).

وفاته

وهكذا بعد مسيرة حافلة بالعمل الصالح، وخدمة الدين الحنيف، آن للفارس أن يترجَّل، والمسافر أن يحطَّ الرحال، فقد كاد الآمل أن يبلغ الغاية، ويدرك المرام.
لقد شعر الإمام النووي رضي الله عنه بدنوِّ الأجل، وقرب الرحيل عن هذه الدار، ولنصغِ إلى العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى وهو يحدثنا عن ذلك، إذ يقول: قال لي: قد أُذِن لي في السفر، فقلت: كيف أُذِنَ لك؟ قال: بينا أنا جالس هنا - وأشار إلى بيته بالرواحية وتجاهه طاقة مشرفة عليها - مستقبل القبلة، إذ مر عليَّ شخص في الهواء من هنا، ومر كذا - يشير من غرب102

الجزء: 1 - الصفحة: 44

المدرسة إلى شرقها - وقال: قم سافر لزيارة القدس.
قال: وكنت حملت كلام الشيخ على ظاهره، ثم تبين لي أنه إنما عنى السفر الحقيقي، ولما انتهى من حكاية ذلك .. قال لي: قم حتى نودع أصحابنا وأحبابنا.
قال: فخرجت معه إلى المقبرة التي بها بعض شيوخه، فزار وقرأ شيئًا، ودعا وبكى، ثم زار أصحابه الأحياء؛ كالشيخ يوسف الفقاعي (ت 679 هـ)، والشيخ محمد الأخميمي (ت 684 هـ)، والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (ت 682 هـ). وسافر صبيحة ذلك اليوم إلى نوى، ثم زار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نوى، ومرض عقب زيارته بها وهو في بيت والده.
فبلغني مرضه، فتوجهت من دمشق لعيادته، فسُرَّ بذلك، ثم أمرني بالرجوع إلى أهلي، فودعته بعد أن أشرف على العافية في يوم السبت العشرين من رجب، وانصرفت.
فتوفي بعد أيام 103. وقد كانت وفاته في الثلث الأخير من الليل، ليلة الأربعاء في الرابع والعشرين من شهر رجب، سنة ست وسبعين وست مئة، ودفن في مسقط رأسه نوى.
رضي الله عنه ورحمه رحمة المقربين الأبرار، وحشرنا وإياه في زمرة المصطفَيْن الأخيار.
ويحسُن القول أخيرًا: إنه بعد وفاة الإمام رضي الله عنه أراد أهله وجيرانه - في نوى أن يبنوا على ضريحه قبة، واستقر رأيهم على ذلك، فرأته إحدى قريباته - ويُظن أنها عمته - في المنام وهو يقول لها: قولي لهم لا يفعلوا هذا الذي عزموا عليه من البنيان؛ فإنهم كلما بنوا أشياء .. تهدمت، فاستيقظت منزعجة وأخبرتهم، فامتنعوا عن البنيان، وحوطوا على قبره بحجارة تمنع الدواب وغيرها.
ذكر ذلك العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى في "تحفة الطالبين" (ص 47)، وأضاف قائلًا: (وقال لي جماعة من أقاربه وأصحابه بـ "نوى": إنهم سألوه يومًا ألَّا ينساهم في عرصات القيامة، فقال لهم: إن كان ثَمَّ جاهٌ .. والله لا دخلتُ الجنة

الجزء: 1 - الصفحة: 45

وواحد ممن أعرفه ورائي، ولا أدخلها إلا بعدهم، فرحمه الله، ورضي عنه، لقد جمعتْ هذه الحكاية من الأدب مع الله عز وجل، ومن الكرم ما لا يخفى على متأمل فطن).

رثاؤه

قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: (وقد رثاه غير واحد، يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ست مئة بيت، منهم: مجد الدين ابن الظهير، وقاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى، ومجد الدين ابن المهتار، وعلاء الدين الكندي الكاتب، والعفيف التلمساني الصوفي الشاعر) 104. وقد أورد العلامة ابن العطار رحمه الله تعالى بعضًا من مراثيه، نذكر منها طرفًا، فمن ذلك: مرثيَّة أبي الفضل يوسف بن محمد بن عبد الله الكاتب قارئ دار الحديث، الذي قال 105. (من الكامل) تبكيهِ دارٌ للحديثِ وأهلُها ... لخلوِّها منْ فضلهِ المعتادِ لمْ يبقَ بعدَكَ للصحيحِ معرِّفٌ ... قدْ كنتَ فيهِ جهبذَ النقَّادِ ونصرتَ دينَ اللهِ وحدَكَ جاهدًا ... ودفعتَ عنهُ شبهةَ المرَّادِ وكذلك: رثاء شيخ الأدب محمد بن أحمد بن شاكر الإربلي رحمه الله تعالى الذي قال: (من البسيط) عزَّ العزاءُ وعمَّ الحادثُ الجللُ ... وخابَ بالموتِ في تعميرِكَ الأملُ واستوحشَتْ بعدَما كنتَ الأنيسَ بها ... وساءَها فقدُكَ الأسحارُ والأُصُلُ قدْ كنتَ للدينِ نورًا يُستضاءَ بهِ ... مسدَّدٌ منكَ فيهِ القولُ والعملُ يا محيِيَ الدينِ كمْ غادرْتَ منْ كبدٍ ... حرَّى عليكَ وعينٍ دمعُها هطلُ ومما رثاه به نجم الدين ابن صَصْرى رحمه الله تعالى: (من الطويل) أعينيَّ جودا بالدموعِ الهواملِ ... وجودا بها كالساريات الهواطلِ

الجزء: 1 - الصفحة: 46

على الشيخِ محييِ الدينِ ذي الفضلِ والتقى ... وربِّ الهدى والزهدِ حاوي الفضائلِ لقدْ كانَ بالمعروفِ للناسِ آمرًا ... وناهيَهُمْ عنْ منكراتٍ وباطلِ وأخبرًا نقول: كان هذا قبسًا من نور شمس طلعت في فلك الإسلام، ثم أَفَلَتْ فغاب جِرمها، وبقي نورها ينير طريق طلبة العلم والمعرفة، ويهدي أهل الإسلام في حالك الظلام.
فرحم الله الإمام النووي، وقدس روحه، ونور ضريحه، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، فهو أكرم مسؤول، وأجل منعم.
والحمد لله الَّذي بنعمته تتمُّ الصَّالِحاتُ

الجزء: 1 - الصفحة: 47

ترجمة الإمام العالم العلَّامة، أقضى القضاة بَدْرِ الدِّين أَبي الفَضْل محمَّدِ بْن أَبِي بَكر بن أحمد الأَسَدِي ابن قَاضِي شهبَة رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (798 - 874 هـ)

اسمه ونسبه وشهرته ومذهبه

هو بدر الدين، أبو الفضل، محمد بن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب بن مشرف الأَسَدي، الدمشقي، الشافعي، المعروف بابن قاضي شُهْبة (2). ولقب بهذا اللقب واشتهر به عدد من العلماء الكبار من عائلة المؤلف، وسبب ذلك ما قاله الحافظ السخاوي عند ترجمة والد المؤلف رحمهما الله تعالى: (ويعرف كسلفه بابن قاضي شُهْبة؛ لكون النجم والد جده أقام قاضيًا بشُهْبة السوداء أربعين سنة) (3).

ولادته ونشأته

ولد العلامة بدر الدين ابن قاضي شُهْبة رحمه الله تعالى في ظل الخلافة العباسية في عصر المماليك الجراكسة، عند طلوع فجر يوم الأربعاء ثاني صفر سنة (798 هـ)106107108

الجزء: 1 - الصفحة: 48

بدمشق الشام، في بيت علم وصلاح وتقوى؛ بيتِ العلامة فقيه الشام وعالمها تقي الدين ابن قاضي شُهْبة صاحب "التاريخ" و"الطبقات" (1). وكان لهذا أثر كبير في تنشئة وتكوين شخصية بدر الدين ابن قاضي شُهْبة رحمه الله تعالى.
فككل طفل ينشأ في أسرة مثل هذه الأسرة أخذت عائلته تنُشئه على تعلم العلوم والمعارف والآداب؛ فقرأ كتب الآلة من نحو وغيره، وحفظ كتبًا؛ منها: "منهاج الطالبين" للإمام النووي رحمه الله تعالى، الذي شرحه فيما بعد بشرحين كبير وصغير.
يقول الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: (ونشأ فحفظ كتبًا؛ منها: "المنهاج" لرؤيا رآها أبوه) (2).

طلبه للعلم والرحلة في ذلك

بدأ الإمام البدر ابن قاضي شُهْبة رحمه الله تعالى في طلب العلم من صغره، فسكن أول عمره بالمدرسة الشامية البرانية 111، ثم لازم والده العلامة تقي الدين ابن قاضي شُهْبة، واشتغل به، وقرأ على طبقة والده بدمشق.
وأسمعه والده على محدثة دمشق عائشة بنت محمد بن عبد الهادي المقدسي (ت 816 هـ)، والحافظ شهاب الدين أحمد بن حِجِّي الدمشقي (ت 816 هـ)، والحافظ عبد الله بن إبراهيم البعلي.
وقرأ على الحافظ ابن حجر العسقلانىِ سنة (836 هـ) بدمشق كتابه "الأربعين المتباينات".
وعلى عادة وسنة العلماء ارتحل بعد والده إلى مصر؛ ليجتمع بعلمائها، ويغترف ويستفيد ممن فيها من الأكابر؛ فحضر مجلس الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت109110

الجزء: 1 - الصفحة: 49

852 هـ)، وقرأ على علامة وقته الشيخ ولي الدين العراقي (ت 826 هـ) (1).

شيوخه

لم تذكر كتب التراجم والطبقات إلا عددًا يسيرًا من شيوخ وأساتذة بدر الدين ابن قاضي شهبة، وأنا أورد هنا من اطلعت على ذكرهم بترتيب وفياتهم:

  • الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حِجِّي بن موسى الحُسْباني الدمشقي، من تصانيفه: "الدارس في أخبار المدارس"، وقطعة من "شرح المحرر" لابن عبد الهادي، و"النكت على المهمات" للإسنوي وغيرها، توفى سنة (816 هـ)، رحمه الله تعالى 113.
  • محدثة دمشق ومسندة الدنيا أم محمد عائشة بنت محمد بن عبد الهادي الصالحية الحنبلية، توفيت سنة (816 هـ)، رحمها الله تعالى 114.
  • الحافظ أعجوبة دهره في معرفة الأجزاء والمرويات أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن خليل البعلي الدمشقي، المعروف بابن الشرائحي، توفي سنة (820 هـ)، رحمه الله تعالى 115.
  • قاضي القضاة أبو الفضل عبد الرحمن بن عمر بن رسلان البُلْقيني، من تصانيفه: "الإفهام لما في صحيح البخاري من الإبهام"، و"مناسبات أبواب تراجم البخاري"، و"حواش على الروضة" وغيرها، توفى سنة (824 هـ)، رحمه الله تعالى 116.
  • الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، من تصانيفه: "تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي" 117، و"الإطراف112

الجزء: 1 - الصفحة: 50

بأوهام الأطراف"، و"حاشية على الكشاف" وغيرها، توفي سنة (826 هـ)، رحمه الله تعالى (1).

  • والده العلامة شيخ الإسلام فقيه الشام في عصره أبو بكر بن أحمد بن محمد الأَسَدي، من تصانيفه: "الإعلام بتاريخ الإسلام"، و"طبقات الشافعية"، و"شرح المنهاج" وصل فيه إلى (الخلع)، وغيرها من الكتب، توفي سنة (851 هـ)، رحمه الله تعالى (2).
  • قاضي القضاة أمير المؤمنين في الحديث أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر العسقلاني، من تصانيفه: "الإصابة في تمييز الصحابة"، و"فتح الباري شرح صحيح البخاري"، و"التلخيص الحبير" وغيرها، توفي سنة (852 هـ)، رحمه الله تعالى (3).

تلامذته

لا شك ولا ريب أن علمًا من الأعلام مثل الإمام ابن قاضي شُهْبة إذا جلس للإقراء، واستلم منصب التدريس في كثير من مدارس دمشق أن يقصده ويؤمه عدد كبير من طلبة العلم.
يقول الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى عند ترجمته للإمام ابن قاضي شهبة في كتابه "الضوء اللامع": (وتصدى للإقراء؛ فانتفع به الفضلاء، ودرس بالظاهرية 121118119120

الجزء: 1 - الصفحة: 51

والناصرية 122 والتقوية 123 والمجاهدية الجوانية 124 والفارسية 125، وكذا الشامية البرانية) 126. ومع ذلك لم تسعفنا كتب التراجم بهذا العدد الكبير من تلامذته، وهأنا ذاكر عددًا منهم ممن اطلعت على ذكرهم في كتب التراجم حسب تاريخ وفياتهم:

  • عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الدمشقي، المعروف بابن قاضي عجلون، توفي سنة (878 هـ)، رحمه الله تعالى 127.
  • علي بن محمد بن عيسى اليمني نزيل مكة، المعروف بابن عُطَيف، توفي سنة (886 هـ)، رحمه الله تعالى 128.
  • محمد بن محمد بن أحمد العباسي ثم القاهري، المعروف بأمين الدين العباسي، توفي سنة (887 هـ)، رحمه الله تعالى 129.

الجزء: 1 - الصفحة: 52

  • حسين بن أحمد بن محمد الكيلاني ثم المكي، المعروف بابن قاوان، توفي سنة (889 هـ)، رحمه الله تعالى 130.
  • أحمد بن خليل بن أحمد الصالحي، المعروف بابن اللبودي، المتوفى سنة (896 هـ)، رحمه الله تعالى، خرج الأربعين لشيخه البدر ابن قاضي شهبة 131.
  • محمد بن إسماعيل بن محمد الدمشقي، المعروف بابن خطيب جامع السقيفة، توفي سنة (897 هـ)، رحمه الله تعالى 132.
  • خليل بن عبد الله بن محمد الكناني العسقلاني المقدسي، توفي سنة (898 هـ)، رحمه الله تعالى 133.
  • إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القرشي الصالحي، كتب له الشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة في المدرسة الشامية أربعين مسألة، توفي سنة (952 هـ)، رحمه الله تعالى 134.
  • محمد بن عبد الرحيم بن محمد القاهري، المعروف بالحافظ السخاوي، توفي سنة (952 هـ)، رحمه الله تعالى 135.
  • أحمد بن شكم الدمشقي الصالحي، المعروف بابن شكم، توفي سنة (953 هـ)، رحمه الله تعالى 136.
  • عبد القادر بن محمد بن منصور الصفدي الدمشقي، المعروف ببواب الشامية البرانية، توفي سنة (953 هـ)، رحمه الله تعالى 137.
  • محمد بن أحمد بن محمد الصفدي الدمشقي، المعروف بأبي الفضل ابن الإمام،

الجزء: 1 - الصفحة: 53

توفي سنة (905 هـ)، رحمه الله تعالى 138.

  • عمر بن علي بن عثمان الصيرفي الدمشقي، المعروف بابن الصيرفي، توفي سنة (915 هـ)، رحمه الله تعالى 139.
  • أحمد بن محمود بن عبد الله الحلبي الدمشقي، المعروف بابن الفرفور، قرأ على ابن قاضي شهبة "بداية المحتاج في شرح المنهاج"، توفي سنة (911 هـ)، رحمه الله تعالى 140.
  • أحمد بن عبد الرحيم بن حسن التَّلَعْفَري الدمشقي، المعروف بابن المحوجب، توفي سنة (912 هـ)، رحمه الله تعالى 141.
  • محمد بن عمر بن محمد النَّصيبي الحلبي، سبط المحب أبي الفضل ابن الشحنة، توفي سنة (916 هـ)، رحمه الله تعالى 142.
  • عبد القادر بن محمد بن عمر النُّعيمي الدمشقي مؤرخ دمشق، توفي سنة (927 هـ)، رحمه الله تعالى 143.
  • إبراهيم بن أحمد بن يعقوب القصيري، المعروف بفقيه اليشبكية، المتوفى سنة (933 هـ)، رحمه الله تعالى 144.
  • محمد بن حمزة بن أحمد الدمشقي، مفتي دار العدل بدمشق، المتوفى سنة (933 هـ) رحمه الله تعالى 145.

الجزء: 1 - الصفحة: 54

  • محمد بن محمد بن أحمد الغزي الدمشقي، المتوفى سنة (935 هـ)، رحمه الله تعالى 146.
  • أبو بكر بن محمد بن محمد البَلاطُنُسي، المتوفى سنة (936 هـ)، رحمه الله تعالى 147.
  • عمر بن أحمد بن علي الشماع الحلبي، المتوفى سنة (936 هـ)، رحمه الله تعالى 148.
  • محمد بن محمد بن علي البعلي، المعروف بابن الفَصِّي، توفي سنة (941 هـ)، رحمه الله تعالى 149.
  • إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الكناني المقدسي، توفي سنة (948 هـ)، رحمه الله تعالى 150.
  • إسماعيل بن إسماعيل بن محمد النابلسي، المعروف بابن العماد، ولد سنة (826 هـ)، رحمه الله تعالى 151، وهذا الذي رجع مع البدر ابن قاضي شهبة من الحج، ثم لازمه، وكتب شرحه الكبير على "المنهاج".
  • عبد القادر بن أحمد بن إسماعيل الدمشقي، المعروف ببلده بالمؤذن؛ لأن جده لأمه كان مؤذنًا بجامع بني أمية ثم صار بعد إليه، رحمه الله تعالى 152.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

  • عبد القادر بن علي بن مصلح القاهري، المعروف بابن النقيب، ولد سنة (844 هـ)، رحمه الله تعالى (1).
  • عبد اللطيف بن محمد بن محمد الصفدي، المعروف بابن يعقوب، ولد سنة (833 هـ) تقريبًا، رحمه الله تعالى (2).
  • محمد بن أحمد بن موسى الطولوني، المعروف بابن المشد، ولد سنة (828 هـ)، رحمه الله تعالى (3).
  • محمد بن محمد بن محمد الطبري المكي، المعروف بأبي السعادات، ولد سنة (837 هـ)، رحمه الله تعالى (4).
  • محمود بن محمد بن محمد الحمصي، المعروف بابن العصياتي، ولد سنة (843 هـ)، رحمه الله تعالى (5).

مؤلفاته

ترك الإمام ابن قاضي شُهْبة تركة علمية غنية من الكتب المحققة والمتقنة؛ منها:

  • إرشاد المحتاج إلى توجيه المنهاج.
  • بداية المحتاج في شرح المنهاج، وهو كتابنا هذا.
  • تاريخ الملك الأشرف قايتباي.
  • تطريف المجالس بذكر الفوائد والنفائس.
  • الدر الثمين في مناقب نور الدين.
  • الكواكب الدرية في السيرة النورية.
  • المسائل المعلمات بالاعتراض على المهمات.
  • المواهب السنية في شرح الأشنهية.
  • وكتب ترجمة لوالده كما أشرنا إليه سابقًا.153154155156157

الجزء: 1 - الصفحة: 56

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

اكتسب واحتل الإمام ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى بين أهل العلم مكانة معتبرة مرموقة، وفاق أقرانه، وتميز بين معاصريه، فأثنت عليه كتب التراجم، ووصفته بجلالة قدره وغزارة علمه.
قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: (برع في الفقه استحضارًا ونقلًا، وصار بأَخَرَةٍ فقيه الشام بغير مدافع، عليه مدار الفتيا والمهم من الأحكام.
وكان من سروات رجال العالم علمًا وكرمًا وأصالةً وعراقةً وديانةً ومهابة وحزامةً ولطافةً وسؤددًا، وللشاميين به غاية الفخر) (1). وقال علاء الدين البُصْروي رحمه الله تعالى: (كان إمامًا في الفقه، انتهت إليه رئاسة المذهب.
كان حسن المحاضرة، وله مكارم أخلاق، يتفضل على الطلبة ويحسن إليهم، وقل أن يمضي أسبوع حتى يجمعهم ويضيفهم، فقيه النفس) (2). وقال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: (كان أحد العلماء الأعلام، اشتهر اسمه، وطار صيته، مع الدين والخير والعفة) (3). وقال مؤرخ دمشق النعيمي رحمه الله تعالى: (شيخنا شيخ الإسلام، أقضى القضاة) (4).

وفاته

وبعد هذه الرحلة الطيبة النافعة التي قضاها الإمام ابن قاضي شُهْبة في التدريس والإفتاء والقضاء .. فاضت روحه الطاهرة.
وذلك ليلة الخميس ثاني عشر رمضان سنة (874 هـ).158159160161

الجزء: 1 - الصفحة: 57

ودفن من الغد بعد الصلاة عليه بعدة أماكن بمقبرة الباب الصغير مع والده، قرب الصحابي الجليل مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال الحبشي رضي الله عنه.
وكانت جنازته حافلة، وفقده الطلبة، وحزن عليه الخلائق، ولم يخلف بدمشق في محاسنه مثله 162. رحمه الله تعالى، وأجزل مثوبته، ونفع بآثاره وعلمه إنَّه سبحانه وتعالى خير مسؤولٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 58

ترجمة الإمام الفقيه الحافظ، عمدة المصنِّفين سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري بن الملقِّن، وابن النَّحويّ رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (723 - 804 هـ)

هو سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الوادي آشي، الأندلسي، التكروري، المصري، الشافعي، المعروف بابن الملقن، وبابن النحوي ببلاد اليمن.
ولد بالقاهرة سنة (723 هـ) في ربيع الأول في ثاني عشريه، وقيل: في يوم السبت رابع عشريه، والأول أصح.
وكان أصل أبيه أندلسيًّا، فتحول منها إلى التكرور، وأقرأ أهلها القرآن، وتميز في العربية، وحصل مالًا.
ثم قدم القاهرة، فأخذ عنه الإسنوي وغيره، ثم مات ولصاحب الترجمة سنة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي رجل صالح كان يلقن القرآن بجامع طولون، فتزوج بأمه.
ونشأ في كفالة زوج أمه ووصيه، فحفظ القرآن، و"العمدة"، وشغله مالكيًّا، ثم أشار عليه ابن جماعة أحد أصحاب أبيه أن يقرئه "المنهاج" الفرعي.
وتفقه بالتقي السبكي، والجمال الإسنوي، والكمال النشائي، والعز ابن جماعة رحمهم الله تعالى.
وأخذ في العربية عن أبي حيان، والجمال ابن هشام، والشمس ابن عبد الرحمن.
وفي القراءات عن البرهان الرشيدي رحمهم الله تعالى.
وسمع على الحفاظ أبي الفتح ابن سيد الناس، والقطب الحلبي، والعلاء مغلطاي وغيرهم رحمهم الله تعالى.163

الجزء: 1 - الصفحة: 59

ودخل الشام في سنة (770 هـ) فأخذ عن علمائها، واجتمع بالتاج السبكي رحمه الله تعالى.
وزار بيت المقدس، وقرأ على العلائي رحمه الله تعالى "جامع التحصيل في رواة المراسيل".
واشتغل بالتصنيف وهو شاب، فمن تصانيفه: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح"، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، و"البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير"، و"تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج"، و"غنية الفقيه في شرح التنبيه"، و"عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج" وغيرها من الكتب النافعة الكثيرة.
واشتهرت تصانيفه في الآفاق، وبلغت ثلاث مئة تصنيف، وانتفع بها الخلق.
وأثنى عليه العلماء كثيرًا.
قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: (الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث الحافظ المتقن، شرف الفقهاء والمحدثين والفضلاء).
ووصفه العراقي رحمه الله تعالى بالشيخ الإمام الحافظ.
وقال الغماري رحمه الله تعالى: (الشيخ الإمام علم الأعلام فخر الأنام، أحد مشايخ الإسلام، علامة العصر، بقية المصنفين، علم المفيدين والمدرسين، سيف المناظرين، مفتي المسلمين).
وقال الصلاح الأقفهسي رحمه الله تعالى: (تفقه وبرع، وصنف وجمع، وأفتى ودرس وحدث، وسارت مصنفاته في الأقطار).
توفي ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة (804 هـ)، ودفن على أبيه بحوش سعيد السعداء، وتأسف الناس على فقده.
رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً

الجزء: 1 - الصفحة: 60

ملامح عن منهج الإمام ابن قاضي شهبة في الكتاب

أصل هذا الكتاب ومداره - كما أشار إليه الإمام ابن قاضي شُهْبة في المقدمة - هو "عجالة المحتاج" للإمام سراج الدين ابن الملقن رحمه الله تعالى.
رأى الإمام ابن قاضي شُهْبة انتشار "العجالة" بين أهل العلم كغيره من كتبه "فأراد أن يكون له دور المحقق والمدقق لمسائله، فأظهر فيه سعة علمه، ووفرة اطلاعه، وبراعة منهجه، وبديع أسلوبه، وتعمقه في المذهب، مما جعل" بداية المحتاج" في طليعة شروح "المنهاج".
ولا أبعد إذا قلت: إنه من أحسن وأدق شروحه، حتى صار مرجعًا لمن جاء بعده من شراح "المنهاج" وغيرهم.
لقد وضع الإمام ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى لنفسه منهجًا يسير عليه خلال شرحه هذا، وهو:

  • الاقتصار على تصوير مسائل "العجالة" وبعض دلائله.
  • الإشارة إلى بعض ما يرد على "العجالة".
  • الاحتراز عما وقع في "العجالة" على خلاف الصواب.
  • إبدال ما ذكره الإمام ابن الملقن رحمه الله تعالى من الفروع والفوائد الأجنبية بما هو متعلق بالكتاب؛ مما يرد على منطوقه ومفهومه، والإجابة عنها إن أمكن ذلك.
  • التنبيه على بعض ما وقع لابن الملقن رحمه الله تعالى مخالفًا للصواب.
  • تبيين أدلة الكتاب؛ من صحة أو حسن أو ضعف، مسندًا ذلك غالبًا إلى قائله.
  • التعرض لما وقع للإمامين الرافعي والنووي رحمهما الله تعالى من الاضطراب في بعض مسائل الكتاب، وذكر ما يعتمد عليه في الإفتاء من ذلك.
    هذا ما ذكره المؤلف من منهجه، ونستطيع أن نقول زيادة على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: إن من منهجه في هذا الكتاب:
  • عدم تغيير تقاسيم الإمام النووي رحمه الله تعالى للكتاب، فمشى الشارح فيه على تقسيم الماتن الدقيق، وتنظيمه البديع.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

  • عدم شرحه للمقدمة شرحًا كاملًا، وإنما شرح منها بعضها، واعتذر عن فعله قائلًا: (فإن الكلام على غالبها ظاهر).
  • تعريف الكتب والأبواب لغة واصطلاحًا؛ كأن يقول في تعريف الصلاة: (هي لغة: الدعاء بخير، وشرعًا: أفعال وأقوال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة).
  • ذكر أدلة مشروعية الكتاب أو الباب من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس؛ مثل قوله عند الكلام على مشروعية صلاة الجماعة: (الأصل في مشروعيتها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، فأمر بها في الخوف، ففي الأمن أولى).
  • ذكر الحِكم التشريعية في تشريع حُكم ما؛ مثل أن يذكر الحكمة في تخصيص التورك في التشهد الأخير قائلًا: (إن التشهد الأول خفيف، والمصلي بعده يبادر إلى القيام، فناسب فيه الافتراش؛ لأنه هيئة المستوفز، وأما الأخير .. فليس بعده عمل، بل يسن فيه المكث للتسبيحات، والدعاء، وانصراف النسوة ونحو ذلك، فناسب فيه التورك).
  • ذكر دليل لمسألة ما، ثم إن كان الدليل ضعيفًا يحاول الإمام ابن قاضي شُهْبة تقويته؛ مثل فعله عند قول النووي رحمه الله تعالى: (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة) استدل الشارح له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلاة واجبة على كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر" ثم قال: (رواه البيهقي وقال: هو أصح ما في الباب إلا أن فيه إرسالًا، والمرسل حجة إذا اعتضد بأحد أمور، منها: قول أكثر أهل العلم، وهو موجود هنا).
  • التوسع أحيانًا في إيراد الأدلة ومناقشتها؛ مثل فعله في مسألة الركعتين الخفيفتين قبل المغرب.
  • الاعتماد الكبير على كلام الإمام الإسنوي رحمه الله تعالى، مع عدم التسليم له دائمًا، وكذلك نقل انتقادات الإمام الإسنوي على الإمام النووي وتقريرها، أو السكوت عليها.

الجزء: 1 - الصفحة: 62

  • الترجيح بين أقوال الإمام النووي رحمه الله تعالى؛ لأن كلامه في مسألة ما مختلف من كتاب إلى كتاب، وهذا قليل.
  • التنبيه على المسائل التي تتكرر في المتن؛ مثل ما فعل عند قول الإمام النووي رحمه الله تعالى: (ويصح بإذن الولي نكاحه) فأشار الإمام ابن قاضي شُهْبة رحمه الله تعالى إلى أن المسألة مرت في (الحَجْر)، وأنها ستأتي في (باب النكاح).
  • البحث أحيانًا في احتمالات الإعراب؛ كما فعل عند قول الإمام النووي رحمه الله تعالى: (ولو قال: كذا درهمًا) فأعرب كلمة (درهمًا) على ثلاثة أوجه؛ فقال: (النصب فيه جائز على التمييز، والرفع على أنه عطف بيان أو بدل، وأما حالة الجر .. فهو وإن كان لحنًا عند البصريين لكنه لا أثر له؛ كما لو لحن في لفظة من ألفاظ الإقرار).
  • التطرق لذكر أقوال المذاهب الأخرى، وذلك قليل جدًّا.
  • ذكر الاعتراضات والإيرادات على مسائل "المنهاج" والإجابة عنها، وذكر اختلاف العلماء في تعليل المسائل، ومحل الخلاف، والفروق، وكذلك ذكر الاحترازات، ومراد المؤلف من كلامه ومقتضاه، وتوجيه وتقويم عبارات "المنهاج" بقوله: (لو قال المصنف كذا .. لكان أحسن)، وما شابه ذلك.
    وهناك أمور أخرى يجدها القارئ في الكتاب، نترك المجال له للخوض في بحار فوائد هذا المؤلَّف المفيد.

المكتبة السليمانية، وقصَّة المحقِّق مع الكتاب

إن المكتبة السليمانية الواقعة في تركيا بمدينة إستنبول مع ما تضم من المكتبات الأخرى تحوي كنوزًا وجواهر من المخطوطات النفيسة.
ومما يعاب على محقق كتاب ما أن يطبع الكتاب بدون مراجعة هذه المكتبة الضخمة، ويبحث فيها عن نسخ الكتاب المراد طباعته؛ لما فيها من المخطوطات القيمة، وربما تكون بخطوط مؤلفيها أو عليها خطوطهم.
ومحقق الكتاب لا يسافر إلى مدينة إستنبول إلا ويزور هذه المكتبة ويطلع على كنوزها.

الجزء: 1 - الصفحة: 63

فيومًا من الأيام قبل سنوات خمس - أو ما يقارب ذلك - .. زار المحقق هذه المكتبة؛ راجيًا أن يجتمع بشرح من شروح "المنهاج" التي لم تطبع من قبل، فاطلع على شرح له كاملٍ جميلِ الخط واضحِ العبارة.
فأراد أن يتعرف على الكتاب ومؤلفه، وإذ به "بداية المحتاج" للعلامة ابن قاضي شُهْبة، ففرح بذلك فرحًا شديدًا لا يعادله فرح، وخاصة وقد وجد في آخر النسخة خط المؤلف رحمه الله تعالى.
ثم تتابع الأمر من امتلاك النسخة، ونَسخه، ومقابلته، وغير ذلك؛ حتى خرج إلى عالم المطبوعات بهذا الشكل الأنيق، وقد كان في عداد المخطوطات عن دار المنهاج الزاهرة بمنشوراتها العامرة بمطبوعاتها القيمة النفيسة.
فلله الحمد أوَّلًا وآخرًا

الجزء: 1 - الصفحة: 64

وصف النُّسَخ الخطيَّة

بتوفيق الله سبحانه وتعالى كان اعتمادنا في إخراج هذا الكتاب على سبع نسخ خطية: الأولى: نسخة مكتبة (آيا صوفيا) بمدينة إستنبول، ذات الرقم (1276) و (1277). وهي نسخة كاملة نفيسة قيمة جدًّا، كتبت في حياة المؤلف، وقوبلت وصححت على نسخته، وكتب المتن باللون الأحمر.
وفي هامش النسخة كثير من الاستدراكات والتصويبات، وفيها بلاغات.
فإذا كانت صيغة البلاع هكذا: (بلغ مقابلة على خط مؤلفه، عفا الله عنه) .. فهي بخط المؤلف، ورد كذلك في المجلد الأول (11) مرة، وفي المجلد الثاني (7) مرات، والصيغ الأخرى للبلاغات مختلفة.
خطها نسخي جميل.
وتتكون هذه النسخة من مجلدين: المجلد الأول يقع في (228) ورقة، عدد سطورها (25) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (19) كلمة.
ووجد على طرة هذا المجلد: (الجزء الأول من "بداية المحتاج إلى شرح المنهاج").
هكذا بحرف الجر (إلى) وهو مخالف لما عليه المؤلف وكتب المراجع، ففيها: "بداية المحتاج في شرح المنهاج"، وهذا هو الصحيح الذي اعتمدناه.
ثم قال: (تأليف شيخنا الإمام العالم العلامة، أقضى القضاة بدر الدين، مفتي المسلمين، مفيد الطالبين، ولي أمير المؤمنين أبي الفضل محمد ابن قاضي شُهْبة الأسدي الشافعي، خليفة الحُكم العزيز بالشام المحروس، ومفتي دار العدل الشريف

الجزء: 1 - الصفحة: 65

بها، أدام الله تعالى تأييده، ورحم سلفه، وجميع المسلمين، رحم الله من يقول: آمين).
وعلى جانبه الأيسر: (قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم، والخاقان المعظم، مالك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين السلطان ابن السلطان السلطان الغازي محمود خان وقفًا صحيحًا شرعيًّا لمن طالع وأفاد، وتعلم واستفاد، أعظم الله تعالى أجره يوم التناد، حرره الفقير أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين، غفر لهما).
وجاء في خاتمة هذا المجلد: (والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين).
تم الجزء الأول من "بداية المحتاج في شرح المنهاج" في ليلة يسفر صباحها عن نهار عيد الأضحى عاشر الحجة الحرام عام اثنين وخمسين وثمان مئة، على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن حسن بن أحمد الكركي مولدًا الدمشقي منشأً الشافعي مذهبًا، عفا الله عنه آمين).
ثم جاء أسفله على اليمين بلاغ.
والمجلد الثاني يقع في (247) ورقة، عدد سطورها (25) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (19) كلمة.
ووجد على طرة هذا المجلد ما كتب على طرة المجلد الأول مع اختلاف بسيط.
وجاء في خاتمة هذا المجلد: (وهذا آخر ما يسره الله تعالى من كتابة هذا الشرح المختصر، فالله تعالى يجعله لوجهه، وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه، والناظر فيه بفضله وكرمه، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وافق الفراغ من نسخ هذا الشرح المبارك ثالث عشر جمادى الآخر من شهور سنة أربع وخمسين وثمان مئة، أحسن الله تقضيها، على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن حسن بن أحمد بن حسن الناسخ الكركي مولدًا الدمشقي منشأً الشافعي مذهبًا، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين).

الجزء: 1 - الصفحة: 66

وعلى يساره: (بلغ مقابلة على خط مؤلفه من أوله إلى آخره، غفر الله لمؤلفه وكاتبه والناظر فيه، وكتبه مؤلفه محمد ابن قاضي شُهْبة الشافعي).
فاتخذنا هذه النسخة أصلًا، ورمزنا لها بـ (أ).


الثانية: نسخة مكتبة الحرم المكي، ذات الرقم (1639). وهي نسخة جيدة ومقابلة، عليها تصحيحات وتصويبات، وكتب المتن باللون الأحمر، ولكنها ناقصة المجلد الثاني الذي يبدأ بكتاب الوصايا، وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة وقت صلاة الظهر يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة (912 هـ). وتقع في (209) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (33) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (22) كلمة.
خطها نسخي.
ورمزنا لها بـ (ب).


الثالثة: نسخة مكتبة الأحقاف مجموعة الكاف، المصورة لدى معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية، ذات الرقم (196). وهي نسخة جيدة، وعلى هوامشها تصحيحات وتقييدات، وذهبت كتابة المتن الذي كان باللون الأحمر بالتصوير، وهذه النسخة أيضًا ناقصة المجلد الثاني.
كتبها لنفسه عبد الله بن علي بن عبد الله بن أحمد العبادلي سنة (952 هـ). وتقع في (257) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (32) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (16) كلمة.
خطها نسخي.
ورمزنا لها بـ (ج).


الجزء: 1 - الصفحة: 67

الرابعة: نسخة مكتبة الحرم المكي، ذات الرقم (1641). وهي نسخة جيدة جدًّا، عليها تصحيحات وتعليقات وضبط الكلمات، وكتب المتن باللون الأحمر، وهي كسابقتيها ناقصة المجلد الثاني، وهذه النسخة مخرومة الآخر.
ولم يعرف تاريخ النسخ ولا من نسخها.
وتقع في (160) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (35) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (21) كلمة.
خطها نسخي.
ورمزنا لها بـ (د).


الخامسة: نسخة مكتبة العلامة الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي الخاصة، المصورة لدى معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية.
وهي نسخة جيدة، تقع في مجلد واحد وهو المجلد الثاني، وتبدأ بكتاب الوصايا، وعليها تصحيحات وبعض التعليقات، وكتب المتن باللون الأحمر، والمتن غير واضح بسبب التصوير.
كتب هذه النسخة بخط نسخي أبو بكر بن عمر بن علي الديركوشي، سنة (953 هـ) في حلب.
وتقع في (231) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (29) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (19) كلمة.
ورمزنا لها بـ (هـ).


السادسة: نسخة مكتبة تشستربيتي، ذات الرقم (3204). وهي نسخة جيدة جدًّا، كتبت في حياة المؤلف، وتقع هذه النسخة أيضًا في مجلد واحد وهو المجلد الثاني، وتبدأ بكتاب الوصايا.

الجزء: 1 - الصفحة: 68

وعليها بعض التصحيحات والتعليقات.
ويظهر أن المتن مكتوب بالأحمر ولكن عند التصوير ذهب اللون الأحمر وبقيت الكتابة واضحة متنًا وشرحًا.
وجاء في خاتمة هذه النسخة: (كتبت هذه النسخة المباركة برسم الفقير إلى الله تعالى القاضي شرف الدين ابن سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن المرحوم شهاب الدين أحمد العدوي الشامي أعزه الله بعز طاعته، وختم له بخير في عافية، إنه على ما يشاء قدير.
علق هذه النسخة المباركة الفقير إلى الله تعالى داوود ابن المرحوم سليمان البلقاوي الشافعي بدمشق المحروس سادس رجب الفرد من شهور سنة اثنتين وسبعين وثمان مئة.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا).
وتقع هذه النسخة في (313) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (24) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (16) كلمة.
خطها نسخي جميل.
ورمزنا لها بـ (و).


السابعة: نسخة مكتبة الأحقاف، مجموعة آل يحيى، ذات الرقم (537). وهي نسخة رديئة، عليها تصحيحات وبعض التعليقات، وتقع في مجلد واحد وهو المجلد الثاني، وكتب المتن باللون الأحمر.
ويلاحظ في هذه النسخة أنها تختلف عن باقي النسخ بزيادات داخل النص ولعلها من شرح ابن قاضي شُهْبة الكبير.
ولم أثبت هذه الزيادات في النص ولا في الحاشية إلا إذا كانت النسخة (هـ) و (و) توافقانها؛ ففي هذه الحالة أثبتها زيادة على النسخة (أ) وبين المعقوفين.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

ويمكن أن تكون هذه الزيادات على هامش النسخة المنسوخة عنها النسخة (ز)، فالناسخ ظنها من الكتاب فأدخلها داخل النص؛ لأنه يظهر من خلال الأخطاء الإملائية والنحوية أن الناسخ ليس من أهل العلم، فضلًا عن أنه ليس له أدنى خبرة في علم نسخ المخطوطات.
والله تعالى أعلم بالصواب.
كتبت هذه النسخة سنة (1102 هـ). وتقع في (236) ورقة، ومتوسط عدد سطورها (31) سطرًا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (16) كلمة.
وخطها نسخي.
ورمزنا لها بـ (ز).


الجزء: 1 - الصفحة: 70

منهج العمل في الكتاب

اتبعنا في إخراج هذا الكتاب المبارك الخطوات التالية:

  • نسخ مخطوطة مكتبة (آيا صوفيا)، واعتمادها أصلًا، ومقابلةُ ومعارضة النسخ الأخرى عليها.
  • حصر الآيات بين قوسين مزهرين {}، وجعلها برسم المصحف الشريف إلا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من غير قراءة حفص عن عاصم رحمهما الله تعالى، فأبقيناها كما أراد المؤلف رحمه الله تعالى، ونبهنا على ذلك بالهامش.
  • إحالة الأحاديث النبوية الشريفة إلى مظانها من كتب السنة، مع عدم التوسع في التخريج.
  • ذكر راوي الحديث إن لم يذكر في نص الكتاب.
  • عند تخريج الأحاديث إذا وجدنا الحديث في أحد "الصحيحين" .. اكتفينا بالتخريج منه، إلا إذا كانت في الحديث زيادة وهي غير موجودة في "الصحيحين" فنشير إلى أماكن وجودها من دواوين السنة المطهرة.
  • نجد المؤلف رحمه الله تعالى أحيانًا عند تخريج الحديث يخرجه من أحد كتب السنة المطهرة ولو كان الحديث في "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم"، ونحن بدورنا نحاول أن نشير إلى ذلك فيما انتبهنا إليه.
  • شكل الأحاديث القولية شكلًا كاملًا، وكذلك الأشعار مع قلتها.
  • إثبات كلّ حواشي النسخة (أ) لأن ذكر هذه الحواشي في هامش الكتاب من صنيع المؤلف رحمه الله تعالى في غالب ظننا، مَنَعَه من تضمينها إلى نص الكتاب تقيده في المقدمة على منهج معين، وهو الاقتصار على تصوير مسائل الكتاب، وإبدال ما ذكره ابن الملقن رحمه الله تعالى من الفروع والفوائد الأجنبية بما هو متعلق بالكتاب.
  • هناك بعض الجمل أو الكلمات وردت في كل النسخ أو بعضها، وهي موجودة في النسخة (أ) ولكنها مشطوبة، فراعينا في الأمر النسخة (أ) لقيمتها.

الجزء: 1 - الصفحة: 71

  • يعتمد المؤلف رحمه الله تعالى اعتمادًا كبيرًا على كتب الإسنوي، و"السراج" لابن النقيب رحمه الله تعالى، و"تحرير الفتاوي" للحافظ العراقي رحمه الله تعالى؛ فعند العزو إلى كتب الإسنوي عزونا إلى "المهمات" ولو كان النقل بالمضمون، ولعل الشارح نقله من شرح الإسنوي على "المنهاج".
    وكذلك الأمر في كتب ابن الرفعة رحمه الله تعالى، لعل المؤلف يريد "المطلب" فنعزو إلى "الكفاية"، وهكذا؛ لأن شرح الإسنوي على "المنهاج"، و"المطلب" لم يطبعا بعد.
  • كتابة زيادات النسخ داخل النص بين المعقوفين مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، هذا إذا كانت الزيادة جملة، أما إذا كانت كلمة واحدة أو حرفًا .. فلا نضعها بين المعقوفين، ولا نشير إلى ذلك، وهذا قليل.
  • حصر النقولات بين القوسين إن كانت باللفظ، وإلا .. فلا.
  • عند ضبط الكلمات ضبطناها على وجه واحد وإن كانت الكلمة تحتمل وجوهًا.
  • إذا اتفقت النسخ على شيء وكان مخالفًا في الظاهر للقواعد .. تركناها كما هي.
    وللقارئ مجال للتقدير بما يناسب المقام؛ مثل: (والقنية هو الحبس)، و (والتجارة هو التقليب) فنقدر هنا مثلًا كلمة (عمل) أي: عمل القنية وعمل التجارة، وهكذا ...
  • لم نثبت الفروق الواضحة الخطأ وإن كانت في النسخة (أ)، وهذا نادر فيها.
  • تخريج معظم النقولات من مظانها من كتب التفسير والفقه واللغة وغيرها.
  • عنونة الأبواب والفصول، وجعلها بين المعقوفين [].
  • وضع بعض التعليقات مما دعت الحاجة إليه.
  • تزيين النص بعلامات الترقيم المعتمدة لدى دار المنهاج.
  • ترجمة الإمام ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى ترجمة حافلة.
  • ترجمة الأئمة النووي، وابن الملقن رحمهم الله تعالى ترجمة موجزة.
  • صنع الفهارس لموضوعات الكتاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 72

وفي الختام: نسأل الله سبحانه وتعالى الإخلاص في العمل، واجتناب الخطأ والزلل.
وأن نكون قد وفقنا في إخراج هذا الكتاب كما أراده المؤلف رحمه الله تعالى.
وأن يجمعنا معه في الفردوس الأعلى تحت لواء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دمشق الشَّام (3) شعبان (1431 هـ) (14) يوليو (2010 م) وَكَتَبَهُ أنور بن أبي بكر الشّيخيّ الدَّاغستانيّ

الجزء: 1 - الصفحة: 73

صور المخطوطات المستعان بها

الجزء: 1 - الصفحة: 75

راموز ورقة العنوان للنُّسخة (أ) الجزء الأول


راموز الورقة الأولى للنُّسخة (أ) الجزء الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 77

راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (أ) الجزء الأول


راموز ورقة العنوان للنُّسخة (أ) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 78

راموز الورقة الأولى للنُّسخة (أ) الجزء الثَّاني


راموز ورقة الأخيرة للنُّسخة (أ) الجزء الثَّاني

الجزء: 1 - الصفحة: 79

راموز ورقة العنوان للنُّسخة (ب) الجزء الأول


راموز الورقة الأولى للنُّسخة (ب) الجزء الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 80

راموز ورقة العنوان للنُّسخة (ج) الجزء الأول


راموز الورقة الأولى للنُّسخة (ج) الجزء الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 81

راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (ج) الجزء الأول


راموز الورقة العنوان للنُّسخة (د) الجزء الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 82

راموز الورقة الأولى للنُّسخة (د) الجزء الأول


راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (د) الجزء الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 83

راموز ورقة العنوان للنُّسخة (هـ) الجزء الثاني


راموز الورقة الأولى للنُّسخة (هـ) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 84

راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (هـ) الجزء الثاني


راموز ورقة العنوان للنُّسخة (و) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 85

راموز ورقة الأولى للنُّسخة (و) الجزء الثاني


راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (و) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 86

راموز ورقة العنوان للنُّسخة (ز) الجزء الثاني


راموز الورقة الأولى للنُّسخة (ز) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 87

راموز الورقة الأخيرة للنُّسخة (ز) الجزء الثاني

الجزء: 1 - الصفحة: 88

قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ يُرد الله به خيرًا يفقه في الدِّين".

الجزء: 1 - الصفحة: 89

بِدَايَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ الِمنْهَاجَ تَألِيف الإِمَامِ الفَقِيهِ القَاضِي بَدْرِ الدِّين أَبي الفَضْل محمَّدِ بْن أَبِي بَكر الأَسَدِي الشَّافِعيِّ ابن قَاضِي شهبَة رَحمَهُ اللَّه تَعَالَى (798 - 874 هـ)

الجزء: 1 - الصفحة: 91

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ عَوَنَكَ يَا رَبّ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبهِ نَسْتَعينُ الَّلهمَّ يسِّر يا كريم

[خُطْبَة الشَّرح]

الحمدُ لله الموفِّقِ لطلب العلمِ وتحصيلِه، الهادي إلى جليلِه بنَيْلِ قليلِه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلَّم.
وبعد: فقد استخرتُ الله تعالى في كتابةِ شرحٍ مختصرٍ على "المنهاج" في الفقه، لشيخ الإسلامِ العلامة محيي الدين أبي زكريا يحيى النووي - قدَّس الله تعالى روحه، ونور ضريحه، وجعل رضاه غَبُوقَه وصَبُوحَه 164 - يكون في حجم "العُجالة" للشيخ سراجِ الدين ابنِ الملقِّن رحمه الله تعالى، مقتصرًا على تصوير مسائله وبعضِ دلائله.
مشيرًا إلى بعض ما يرد على لفظ الكتاب.
محترزًا عمَّا وقع للشيخ سراج الدين في شرحه المذكورِ على خلاف الصوابِ 165. مُبدِلًا ما ذكره من الفروع والفوائد الأجنبيةِ بما هو متعلقٌ بالكتاب؛ مما يَرِدُ على مَنطوقه ومَفهومه.
مجيبًا عمَّا يتيسر لي عنه الجوابُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

معزيًا ما ذكره الشيخُ سراج الدين في شرحه لنفسه؛ من بحث أو اختيارٍ إن كان لأحد ممن تقدمه من الأصحاب.
مُنبِّهًا على بعض ما وقع له مخالفًا للصواب.
مُبيِّنًا أدلةَ الكتاب؛ من صحة أو حسنٍ أو ضعف، مُسندًا ذلك غالبًا إلى قائله.
مُتعرضًا لما وقع للشيخين من الاضطراب في بعض مسائل الكتابِ، وما يُعتمَد عليه في الإفتاء من ذلك.
وحيثُ أُطلِقُ الترجيحَ .. فهو في كلام الشيخين غالبًا، وإلّا .. عزوتُه لقائله.
وحيث أقول: قال الشيخان، أو قالا، أو نقلا، أو رجَّحا .. فمرادي: الرافعي والنووي رضي الله عنهما.
وحيث أقول: قال شيخنا .. فمرادي: الشيخ الإمام ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى.
وحيث أقول: قال شيخي .. فمرادي: والدي - أمتع الله بحياته، وأعاد علي من بركاته - مع أني غالبًا أقول: قال شيخي ووالدي، وربما أقول: قال والدي.
وحيث أقول: قال الْمُنكِّت .. فمرادي: العلامة شهاب الدين ابن النَّقيب، رحمه الله تعالى.
وما عدا من ذُكر؛ من شُرَّاح الكتاب وغيرِهم أُصرِّح باسمه.
وسميتُه: "بِدَايَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ الِمنْهَاجَ" وميزتُ المتنَ بالحمرة، والشرحَ بالسواد؛ اختصارًا.
واللهَ أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لي وللناظر فيه يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلَّا من أتى الله بقلب سليمٍ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
ولنُقدِّمْ قبلَ الشروع في المقصود مباحثَ تتعلق بالخطبة، فإن الكلامَ على غالبها ظاهرٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 94

[خُطْبَة المَتن]

الْحَمْدُ للهِ الْبَرِّ الْجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنِ الإِحْصَاءِ بِالأَعْدَادِ،

(الحمد لله) افتتح المصنفُ كتابَه بالحمد بعد البسملة؛ تَأسيًا بالكتاب العزيز، ولحديث "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ" رواه أبو داوود، وابن حبان في "صحيحه" 166. ومعنى (ذي بال) أي: حالٍ يُهتَمُّ به، و (الأجذم) بالجيم والذال المعجمة: الأقطعُ، ومعناه: أنه مقطوعُ البركةِ، و (الحمد): هو الثناءُ على المحمود بذكرِ صفاتِه الجميلة 167، وأفعالِه الحسنةِ، سواءٌ أكان في مقابلةِ نعمةٍ أم لا.
و(الشكر): ما كان في مقابلةِ نعمةٍ، سواءٌ أكان قولًا أم فعلًا.
فـ (الحمد) لا يكون إلا باللسان، و (الشكرُ) يكون باللسان وغيره، وحينئذٍ فبَين (الحمدِ) و (الشكرِ) عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، فـ (الحمد) أعمُّ من (الشكر) باعتبار ما يقعان عليه، و (الشكرُ) أعمّ من (الحمد) باعتبار ما يقعان به، والألف واللام في (الحمد) للعموم؛ أي: يستحق المحامدَ كلَّها.
وقَرَنَ (الحمد) بـ (الله) دون سائرِ أسمائه؛ لأنه اسمُ الذات، فيستحقُّ جميع صفاته الحسنى، ونقل البَنْدَنيجيّ عن أكثر أهلِ العلم أنه الاسمُ الأعظمُ.
(البرّ) بفتح الباء، معناه: المحسن، وقيل: اللطيف، وقيل: الصادق فيما وَعد، وقيل: خالق البِرِّ بكسر الباء الذي هو اسم جامع للخير، (الجواد) بالتخفيف كثير الجود، من قولهم: مطرٌ جوادٌ: إذا كان كثيرًا، وقد خرج الترمذي في "جامعه" حديثًا مرفوعًا، ذكر فيه عن الرب سبحانه وتعالى أنه قال: (وذلك أني جوادٌ ماجدٌ)، وذكره البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" وروى فيه حديثًا) 168. (الذي جلت) عَظُمتْ (نعمُه) إحسانُه (عن الإحصاء) أي: الضبطِ (بالأعداد) الأعدادُ جمع عددٍ " أي: نعمُ الله أعظمُ من أن يَحصرها العددُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 95

الْمَانِّ بِاللُّطْفِ وَالإِرْشَادِ، الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، الْمُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْعِبَادِ، أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

(المانِّ) المنعم مَنًّا منه، لا وجوبًا عليه، وقيل: المانّ: الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال (باللطف) أي: بالرأفة والرِّفقِ، وهو من الله: التوفيقُ والعصمةُ، (والإرشادِ) مصدرُ أرشده؛ أي: وَفقَه وهداه، والرَّشاد والرُّشْد: نقيض الغَيِّ، (الهادي إلى سبيل الرشاد) أي: الدالّ على طريق الاستقامة، ومن أسمائه تعالى: الهادي: وهو الذي بَصَّر عبادَه طريقَ معرفته، حتى أقرُّوا بربوبيته، (الموفق للتفقه في الدين مَنْ لطف به واختاره من العباد) أشار بذلك إلى حديث "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا ... يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" متفق عليه 169. و(التوفيق): خلقُ قدرةِ الطاعة، وتسهيلُ سبيلِ الخير، وهو عكسُ الخِذْلان، و (التفقه): أخذُ الفقه شيئًا فشيئًا، و (الدين): هو ما شرعه الله لنا من الأحكام.
(أبلغَ حمد) أَنْهاه (وأكملَه) أتَمَّه (وأزكاه) أنْماه (وأشمله) أعمَّه.
واعتُرض: بأنه يتعذر منه عموم الحمد؛ إذ بعضُ المحمود عليه - وهو النعمة - يتعذر حصرُها.
وأجيب: بأن المراد: نسبةُ عمومِ المحامدِ إلى الله تعالى على جهة الإجمالِ؛ بأن يعترف مثلًا باتصاف الحق تعالى بجميع صفات الكمالِ: الجلالية والجمالية، فقد تحقق العمومُ.
(أشهد) أعلم وأُبَيِّن (أن لا إله إلا الله) والإله في اللغة: هو المعبود بحق، (الواحدُ) المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل: الذي لا مثل له، (الغفارُ) الستار.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) سُمِّي صلى الله عليه وسلم محمدًا؛ لكثرة خصاله المحمودةِ، ووُصِف بالعبودية؛ لأنه ليس للمؤمن صفةٌ أَتَمَّ ولا أشرفَ من العبودية؛ كما قاله أبو علي الدقاق.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ. أما بعد:

والرسولُ: أخصُّ من النبي، فإنه الذي أُوحِي إليه للعمل والتبليغ، والنبي: الذي أُوحي إليه للعمل خاصةً.
(المصطفى) اسمُ مفعول من الصَّفْوَة، وهو الخُلوص، (المختارُ) اسم مفعول أيضًا، والمعنى: أن الله تعالى قد اصطفاه واختاره على سائر خلقه (صلى الله وسلم عليه) الصلاة من الله: رحمةٌ مقرونةٌ بتعظيم، ومن الملائكة: استغفار، ومن الآدميين: تضرعٌ ودعاءٌ، ذكره الأزهري وغيره 170. وفي "الدقائق": أن إطلاقَها على ذلك شرعي 171، ويُكره إفرادُ الصلاة عن التسليم؛ كما قاله المصنف في "الأذكار" 172. وقد اختلفوا في وقت وجوب الصلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال: أحدها: في كل صلاة.
والثاني: في العمر مرة.
والثالث: كلما ذكر، واختاره الحليمي من الشافعية، والطحاوي من الحنفية، واللخمي من المالكية، وابن بطة من الحنابلة.
والرابع: في كل مجلس.
والخامس: في أول كل دعاءٍ وآخره.
(لديه) أي: عنده.
(أما بعد) أي: ما ذكر، وهو الحمد والتشهد والصلاة، وهذه الكلمةُ يَأتي بها الشخصُ إذا كان في حديثٍ وأراد الانتقالَ إلى غيره، ولا يجوز الإتيانُ بها في أول الكلام، وكان صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خطبه وكتبه، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا 173. قيل: أول من قالها داود صلّى الله عليه وسلم، وأنها فصلُ الخطاب المشارُ إليها

الجزء: 1 - الصفحة: 97

فَإِنَّ الاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ، ......

في الآية 174، وقيل: قُسُّ بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يَعْرُب بن قحطان، وقيل: سَحْبان 175. والمعروف: بناءُ (بعدُ) هنا على الضم، ورُوِي تنوينُها مرفوعةً ومنصوبةً، والفتح بلا تنوين على تقدير لفظِ المضافِ إليه.
(فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات) لأحاديثَ كثيرةٍ، منها: ما في "صحيحِ مسلم": "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ .. انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" 176. وروى ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما": "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا لِمَا يَصْنَعُ" 177. قيل: كان الأولى حذفُ (من) الدالةِ على التبعيض؛ لأنه يندرج في العلم معرفةُ الله تعالى وغيرُ ذلك مما يعتبر تقديمه 178، وأجيب: بأن المراد: العلمُ الخاصُّ، وهو الفقه، لا العامُّ، و (أل) فيه عهديةٌ، لا جنسيةٌ، وقرينةُ التصنيفِ يدلُّ عليه.
(وأولى ما أُنفقتْ فيه) أي: في تعلُّمه وتعليمه (نفائسُ الأوقات) أي: الأوقاتُ النفائسُ؛ إذ الأوقاتُ كلُّها كذلك، فهو من باب إضافةِ الصفةِ إلى الموصوف؛ كقولهم: جردُ قطيفةٍ؛ أي: قطيفةٌ مجرودةٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 98

وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ التَّصْنِيفِ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ، وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ: "الْمُحَرَّرُ" لِلإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ

وقال في "الدقائق ": يقال في الخير: أنفقت، وفي الباطل: ضيعت وغرمت وخسرت 179. (وقد أكثر أصحابنا) المراد: أصحابُ الشافعي رضي الله عنه، وهو مَجازٌ مستفيضٌ؛ لموافقتهم وشدةِ ارتباطِ بعضهِم ببعضٍ؛ كالصاحب حقيقة، (من التصنيف من المبسوطات والمختصرات) التصنيفُ: مصدرُ صَنَّف الشيءَ: إذا جعله أصنافًا، يتميز بعضُها عن بعضٍ، فمؤلف الكتاب يُفرد الصنفَ الذي هو فيه عن غيره، ويُفرد كلَّ صنفٍ مما هو فيه عن الآخر، فالفقيهُ يُفرد مثلًا العباداتِ عن المعاملاتِ، وكذلك الأبواب أيضًا.
واختُلف في أول من صَنَّف الكتبَ: فقيل: ابن جُرَيج، وقيل: الربيع بن صَبِيح، وقيل: سعد بن أبي عَرُوبة.
و(المبسوط) ما كَثُر لفظُه ومعناه، و (المختصر) ما قَلَّ لفظُه وكَثُر معناه، مشتق من الاختصار: وهو الإيجاز.
(وأتقن) أحكم (مختصر المحرّر) المهذَّب الْمُنَقَّى، وهو هنا عَلَم الكتاب (للإمام أبي القاسم) اعتُرض على تكنيته للرافعي بأبي القاسم، وقد رجَّح هو منعَ التكني بذلك مطلقًا، ونقله عن مذهبِ الشافعي.
واعتُذر عنه: بأنه قوَّى في "الأذكار" الجوازَ، وأجاب عن النهي: بأنهم فَهِموا الاختصاصَ بحياته صلَّى الله عليه وسلم؛ لِما هو مشهورٌ من سببِ النهي في تكني اليهودِ بذلك؛ إيذاءً له صلَّى الله عليه وسلم، وهذا قد زال 180. (الرافعي) قال في "الدقائق": هو منسوب إلى (رافعان) بلدة معروفةٍ من بلاد (قَزْوين) 181.

الجزء: 1 - الصفحة: 99

  • رَحِمَهُ اللهُ - ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ، مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ، وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ رَحِمَهُ اللهُ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الأَصْحَابِ، وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ، لكِنْ فِي حَجْمِهِ كِبَرٌ عَنْ حِفْظِ أَكْثَر أَهْلِ الْعَصرِ إِلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ: مِنْهَا: التَّنْبيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنَ الأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ.
    وَمِنْهَا: مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي "الْمُحَرَّرِ" عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ.
    وَمِنْهَا: إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا، أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ ===

واعترضه جلالُ الدين القَزوينيُّ بأنه لا يعرف ببلاد (قَزْوين) بلدة يقال لها (رافعان)، بل هو منسوبٌ إلى جدٍّ من أجداده، وقيل: منسوبٌ إلى رافع بن خديج الصحابي، ويقال: إن هذه النسبةَ وُجِدتْ بخط الرافعي في بعض مصنفاتِه.
(ذي التحقيقات) ليس فيه كبيرُ مدحٍ؛ إذ ذلك جمعُ تحقيقةٍ، وهي المرةُ من التحقيق، وهو جمع سلامةٍ، وهو للقلة عند سيبويه، فلو أتى بجمع كثرةٍ .. لكان أنسبَ.
[(وهو) أي: "المحرر" (كثير الفوائد عمدة في تحقيق المذهب) أي: ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه من الأحكام في المسائل؛ مجازًا عن مكان الذهاب (معتمد للمفتي وغيره من] 182 أولي) أصحابِ (الرغبات) جمعُ رغبةٍ.
(ووفى بما التزمه) التوفية لغةً: الإتمام والإكمالُ، ويجوز في (وفى) التشديد والتخفيف، والمراد: وَفَى غالبًا، وإلّا .. فكثيرًا ما يَستدرك المصنفُ على "المحرّر" بأنه خالفَ الأكثرين.
(فرأيت اختصارَه في نحو نصفِ حجمِه) هو إلى ثلاثة أرباعِه أقربُ، ولعلَّه ظنَّ ذلك حين شَرع في اختصاره، ثم احتاج إلى زيادة، وقيل: إن مرادَه بذلك: ما يتعلق بـ "المحرّر" دون الزوائدِ، و (النصف) نونُه مثلثةٌ، ويقال: نَصيفٌ بزيادة (ياء)، وفتح أولِه.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ. وَمِنْهَا: بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلاَفِ فَحَيْثُ أَقُولُ: (فِي الأَظْهَرِ أَوِ الْمَشْهُورِ) .. فَمِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ. . قُلْتُ: (الأَظْهَرُ)، وَإِلَّا .. فَـ (الْمَشْهُورُ). وَحَيْثُ أَقُولُ: (الأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ). . فَمِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ. . قُلْتُ: (الأَصَحُّ)، وَإِلَّا. . فَـ (الصَّحِيحُ). فِي جَمِيع الْحَالاَتِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (الْمَذْهَبُ). . فَمِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (النَّصُّ). .

(بأوضح وأخصر منه) صوابُه: أن يقال: إبدالُ الأوضح والأخصرِ بما كان من ألفاظه غريبًا، أو مُوهمًا خلافَ الصواب؛ فإن (الباء) مع الإبدال تدخل على المتروك؛ كما يجيء تحريرُه في (صفة الصلاة) إن شاء الله تعالى.
(ومنها: بيان القولين.
. .) إلى آخره.
الأقوالُ: للإمام الشافعي رضي الله عنه، والأوجهُ: لأصحابه، والغالبُ: أنهم يُخرِّجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، قال في مقدمة "شرح المهذب": (وقد يجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله) 183. والطرقُ: اختلافهم في حكاية مذهبِه؛ فيقول بعضُهم: (فيه قولان)، ويقول بعضُهم: (يجوز قطعًا)، أو يقول بعضُهم: (فيه تفصيلٌ)، وبعضُهم يَحكي خلافًا مطلقًا، وهذا الاصطلاحُ لم يُسبَق إليه المصنفُ، وهو اصطلاحٌ حسنٌ، لكنَّه لم يَفِ به في كثيرٍ من المواضع؛ كما سنَقِفُ عليه في مواضعَ، مع أني لا أستوعب التنبيهَ على جميع ما خالف فيه اصطلاحَه؛ طلبًا للاختصار.
(ومراتب الخلاف) أهو متماسكٌ أم واهٍ، (وحيث أقول: الأظهر.
. .) 184 إلى آخره، إنما جعل الأصح أو الصحيح من الوجهين؛ تأدبًا مع الشافعي رضي الله عنه، فإن قسيمَ الصحيحِ الفاسدُ أو الباطلُ، فلم ينسبه إليه، وعدل إلى المشهور الذي قسيمُه الغريبُ، وإلى الأظهر الذي قسيمُه الظاهرُ.
(وحيث أقول: النص.
. .) إلى آخره، المرادُ بالنص: هو المنصوص؛ من

الجزء: 1 - الصفحة: 101

فَهُوَ نَصُّ الشَافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّج. وَحَيْثُ أَقُولُ: (الْجَدِيدُ). . فالْقَدِيمُ خِلاَفُهُ، أَوِ (الْقَدِيمُ) أَوْ (فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ). . فَالْجَدِيدُ خِلاَفُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَقِيلَ كَذَا). . فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوِ الأَصَحُّ خِلاَفُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَفِي قَوْلٍ كَذَا) .. فَالرَّاجِحُ خِلاَفُهُ. وَمِنْهَا: مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَلَّا يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا، وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: (قُلْتُ)، وَفِي آخِرِهَا: (وَاللهُ أَعْلَمُ).

باب إطلاق المصدرِ على اسم المفعول، وسمَّى ما قاله الشافعي بذلك؛ لأنه مرفوع إلى الإمام؛ من قولك: نصصتُ الحديثَ إلى فلان: إذا رفعته إليه.
والتخريج: أن يُجيب الشافعي بحكمين مُختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يَظهَر ما يَصلُح للفرق بينهما، فيَنقُل الأصحابُ جوابَه في كل صورةٍ إلى الأخرى، فيحصل في كل صورةٍ منهما قولان: منصوصٌ ومُخرَّجٌ، المنصوصُ في هذه هو الْمُخرَّجُ في تلك، والمنصوصُ في تلك هو الْمُخرَّجُ في هذه، فيقال: فيهما قولان بالنقل والتخريج.
والأصحُّ: أن القول الْمُخرَّجَ لا يُنسَب للشافعي؛ لأنه ربما لو رُوجع فيه.
. ذَكَر فارقًا، قاله في "الروضة" في (القضاء) وفي مقدمة "شرح المهذب" 185. (وحيث أقول: الجديد فالقديم خلافه) الجديد: ما صنفه الشافعي بمصر، والقديم: ما صنفه ببغداد، وقد رجع عنه.
قال الماوردي في أثناء كتاب (الصداق): غَيَّر الشافعيُّ جميعَ كتبه القديمةِ في الجديد، إلّا الصداقَ، فإنه ضَرَب على مواضعَ منه، وزاد مواضعَ 186. وإذا كان في المسألة قولان: قديمٌ وجديدٌ.
. فالجديدُ هو المعمولُ به، إلا في مسائلَ استُثنِيتْ؛ نحوُ سبعَ عشرةَ مسألةً، أفتى فيها بالقديم.
قال في "شرح المهذب": وإفتاء الأصحابِ بالقديم في بعضِ المسائلِ محمولٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 102

وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي "الْمُحَرَّرِ". . فَاعْتَمِدْهَا، فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي "الْمُحَرَّرِ" وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. . فَاعْتَمِدْهُ، فَإِنِّي حَقَقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ. وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا "الْمُخْتَصَرُ": أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِـ" الْمُحَرَّرِ"، فَإِنِّي لاَ أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الأَحْكَامِ أَصْلًا وَلَا مِنَ الْخِلاَفِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَائِسِ. وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا "الْمُخْتَصَرِ"، وَمَقْصُودِي بهِ: التَّنْبيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ "الْمُحَرَّرِ"، وَفِي إِلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لَلْمَسْأَلةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا.

على أن اجتهادَهم أَدَّاهم إلى القديم؛ لظهور دليلِه، ولا يَلزم من ذلك نسبتُه للشافعي 187. (وما وجدته من زيادة لفظة) أي: بدون (قلتُ)، (وربما قدمت فصلًا للمناسبة) كما فعل في باب (الإحصار والفوات) فإنه أَخَّره عن الكلام على الجزاء، و"المحرّر" قَدَّمه عليه 188، (أن يكون في معنى الشرح لـ"المحرر") لدقائقِه، وخَفِيِّ ألفاظِه، وبيانِ صحيحِه، ومراتبِ خلافِه، ومحلِّ خلافِه هل هو قولان، أو وجهان، أو طريقان؟ وما يحتاج من مسائله إلى قيدٍ، أو شرطٍ، أو تصويرٍ، وما غَلِط فيه من الأحكام، وما صَحَّح فيه خلافَ الأصحِّ عند الجمهور، وما أَخلَّ به من الفروع المحتاجِ إليها، ونحوِ ذلك؛ كذا قاله المصنف في "الدقائق" 189. (فإني لا أحذف منه شيئًا من الأحكام) لعلَّ المرادَ: الأصولُ؛ إذ ربما حَذف المفرَّعاتِ، فإنه لم يُبيِّن في الخلع المجلسَ، وبَيَّنَه في "المحرّر" 190. وحذف التفريعَ على القديم في ضمان ما سيجب، وذكره في "المحرّر" 191.

الجزء: 1 - الصفحة: 103

وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تفوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَرِضْوَانَهُ عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.

(وإليه تفويضي) التفويضُ: رَدُّ الأمر إلى الله تعالى، والبراءةُ من الحول والقوةِ إلَّا به.
(وأسأله النفع به لي [ولوالدي] 192 ولسائر المسلمين، ورضوانه عني وعن أحبائي، وجميع المؤمنين) النفعُ: ضِدُّ الضر، وثمرةُ ذلك: العملُ بالعلم.
وفي الحديث "مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ.
. عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" 193. وسائر: بمعنى باقي، وقال الجوهري والجَواليقي في أول كتابه "شرح أدب الكاتب" وابن برّي وغيرهم: إنها تُطلَق أيضًا بمعنى الجميع، ولم يَذكُر الجوهري غيرَه 194. وسؤال المصنفِ أن يَنفع اللهُ بكتابه ممّا يُرَغِّب فيه؛ لأنه مُجابُ الدعوةِ، وقد حَقَّق الله له ذلك، فنَفَع به، وجعله عُمدةً في الإفتاء.


الجزء: 1 - الصفحة: 104

كتابُ الطّهارة قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. يُشْتَرَطُ لِرَفع الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ: مَاءٌ مُطْلَقٌ،

﴿كتاب الطهارة﴾ الكتابُ والكَتْبُ: مصدران، صَرَّح به جماعة، تقول: كَتَب يَكتُب كَتْبًا وكِتابًا، ومادَّةُ (كتب) يَدُور معناها على الجمع، ومنه قولهم: تَكتَّبت بنو فلانٍ: إذا اجتمعوا، وكتب: إذا خَطَّ بالقلم؛ لما فيه من اجتماع الكلمات والحروفِ.
وهو في اصطلاح الْمُصنِّفين: اسمٌ لجنسٍ من الأحكام ونحوِها، مشتملةٌ على أنواعٍ مختلفةٍ؛ كالطهارة المشتملةِ على مياهٍ، وآنيةٍ، ووضوءٍ، وغسلٍ وغيرِها.
ويُعَبَّر عن تلك الأنواعِ تارةً بـ (بابٍ)، وتارةً بـ (فصلٍ)، إلَّا أن المصنِّفَ لم يُترجِم للمياه بِـ (بابٍ)، ولا (فصلٍ)، وكذا الاجتهادُ، والآنيةُ، وكان ينبغي أن يُترجِم لها؛ كغيرها من الأنواع.
والطهارة في اللغة: النظافة، وفي الاصطلاح كما قاله في "الدقائق" و"شرح المهذب": رفعُ حدثٍ، أو إزالةُ نَجَسٍ، أو ما في معناهما 195؛ أي: كالغَسْلة الثانيةِ والثالثةِ، والطهارةِ المسنونةِ، وطهارةِ المستحاضةِ، والتيممِ ونحوِها، فهي طهاراتٌ لا تَرْفَع حدثًا، ولا تُزيلُ نَجَسًا، لكنّها لمّا وقعت بنية القربة.
. صارت في معنى الفعل الواجب.
(قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ بدأ بها تبركًا وتيمنًا بالشافعي رضي الله عنه؛ إذ من عادتِه إذا كان في الباب آيةٌ.
. تلاها، أو خبرٌ.
. رواه، أو أثرٌ.
. ذكره، ثم رَتَّب عليه مسائلَ الباب، وتبعه في "المحرّر"، وحذفه المصنفُ في باقي الأبواب.
(يشترط لرفع الحدث والنجس ماء مطلق) فلا يصحّان بما لا يقع عليه اسمُ الماء؛

الجزء: 1 - الصفحة: 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كالخَلِّ، ونبيذ التمرِ، ولا بما يقع عليه مع التقييد؛ كماء الوردِ، والأُشْنانِ.
أمّا الحدثُ: فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أمر الله تعالى بالتيمم عند فقدِ الماءِ، فدلَّ على منعه بغيره، ونقل ابن المنذر وغيرُه الإجماعَ على اشتراطه في الحدث 196، وأما النجَس: فلحديث: "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ" 197. فصفةُ الإطلاق لازمةٌ للفظ (الماء) ما لم يُقيَّد وإن لم يُصرَّح بها، وحينئذ فيكون الماءُ المأمورُ به ماء مطلقًا، فيخرج المقيَّد بمفهوم الصفةِ، والمأمورُ لا يَخرُج عن الأمر إلَّا بامتثال ما أُمِرَ به.
وكان ينبغي أن يقول: (ونحوهما) ليتناول طهارةَ دائمِ الحدثِ، والوضوءَ المجدَّدَ، والأغسالَ المسنونةَ، وغَسْلَ الميت، وغُسْلَ الذِّمِّيَّة والمجنونةِ؛ لتَحِلَّ للزوج، ونحوَ ذلك، فإنها طهارات لا تَرفع حدثًا، ولا تُزيل نَجَسًا، ويُشترط لها الماءُ.
وكان الأولى أن يقول: (وإزالة نَجَس) لأن النَّجَس لا يوسف بالرفع في اصطلاحهم.
وخرج بقوله: (ماء) الترابُ، فإنّه مُبِيحٌ لا رافعٌ، والاستنجاءُ بالأحجار، فإنّه تخفيفٌ مَعفوٌّ عن أثر النجاسةِ فيه، لا إزالة.
وأبدل المصنفُ قولَ "المحرّر": (ولا يجوز) بـ (يشترط) لأنه لا يلزم من عدم الجوازِ الاشتراطُ، قاله في "الدقائق" 198. واعتُرض: بأنه في "شرح المهذب" ذكر: أن لفظةَ (يجوز) تُستعمل تارةً بمعنى الحِلِّ، وتارةً بمعنى الصحة، وتارةً بمعناهما، وهذا الموضعُ مما يَصلُح للأمرين 199. وأجيب: بأن لفظةَ (يشترط) تقتضي تَوقُّفَ الرفعِ على الماء، ولفظة (لا يجوز)

الجزء: 1 - الصفحة: 106

وَهُوَ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلاَ قَيْدٍ. فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنَىً عَنْهُ -كَزَعْفَرَانٍ- تغيُّرًا يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ. . غَيْرُ طَهُورٍ، وَلاَ يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لاَ يَمْنَعُ الاسْمَ، وَلاَ مُتَغيّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ،

متردِّدةٌ بين تلك المعاني ولا قرينةَ، فالتعبير بـ (يشترط) أولى.
(وهو) أي: الماء المطلقُ (ما يقع عليه اسمُ ماء بلا قيدٍ) بإضافة؛ كماءِ وردٍ، أو بصفة؛ كماءٍ دافقٍ، أو بلامِ عهدٍ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" يعني: المنِيَّ 200. وهذا التفسيرُ صحّحه المصنفُ في "أصل الروضة"، و"شرح المهذب"، ونَصَّ عليه في البويطي، وحكى الرافعي وجهين من غيرِ ترجيحٍ: أحدهما: هذا، والثاني: أنه الباقي على أوصافِ خلقتِه 201. (فالمتغير بمستغنى عنه -كزعفران- تغيرًا يمنع إطلاق اسم الماء.
. غيرُ طهور) وإن كَثُر؛ لفقد الإطلاقِ بإضافته إلى مُخالطٍ؛ إذ يقال: ماءُ زعفَرانٍ مثلًا.
ولا فرق في التغير بين الحسي والتقديري، حتى لو وقع في الماء ما يوافقه في الصفاتِ؛ كماءِ وردٍ منقطعِ الرائحةِ، فلم يَتغير.
. قُدِّر بمخالفٍ وسطٍ، فإن غَيَّره.
. سلبه الطهوريةَ على الأصح.
ويستثنى من المستغنى عنه: المتغير بأوراق الأشجارِ المتناثرةِ، وبالملح المائي؛ فإنه لا يضرُّ على الأصحِّ.
(ولا يضر تغيرٌ لا يمنع الاسمَ) وهو التغير اليسير؛ لإطلاق اسمِ الماءِ عليه، وقيل: يَضُرُّ، وهو قضيةُ إطلاقِ العراقيين.
(ولا متغيرٌ بمكث وطينٍ وطحلَب، وما في مقره وممره) من زِرْنيخ ونحوه وإن فَحُش التغير؛ إذ لا يمكن صَوْنُ الماءِ عن ذلك.
وقضيةُ كلامه: العفوُ عن الطين والطُّحْلَبِ وإن لم يكونا في المقرِّ والممرِّ، وهو في الطين كذلك كما يجيء في التراب.

الجزء: 1 - الصفحة: 107

وَكَذَا مُتَغَيِّر بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِي الأَظْهَرِ. وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ.

وأما في الطُّحلب: فلا، بل لو أخرج الطُّحلب أو الزِّرنيخ ونحوهما، ودقَّ ناعمًا، وألقي فيه وغَيَّرَه.
. ضرَّ على الأصحِّ في "شرح المهذب" وغيره 202. (وكذا متغير بمجاوِر؛ كعود ودهن، أو بتراب طُرِحَ فيه في الأظهر) أما المجاورُ: فلأنه تَغيَّر بما لم يَختلطْ به، فأشبه التَّغيُّرَ بجيفةٍ قريبةٍ من الماء، ووجهُ مقابلِه: القياسُ على التَّغيُّر بالمخالط، وأما التراب: فلأنه مأمورٌ به في نجاسةِ الكلب، فلو كان يَسلُب.
. لَما أمر به، ووجه مقابلهِ: تَغيُّره بمخالطٍ يَستغني الماءُ عنه، فأشبه الزَّعفَران.
(ويكره المشمَّسُ) أي: استعماله في البدن في الطهارة وغيرِها تَنْزيهًا؛ لما رواه الشافعي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يكره الاغتسالَ به، وقال: إنه يُورث البَرَصَ، ورواه الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، لكنه ضعيف 203، وقيل: لا يكره، واختاره المصنفُ، وقال في "شرح المهذب": إنه الصوابُ، وفي "التنقيح": إنه الصحيح المختارُ 204. وعلى الأول: إنما يكره بقُطْرٍ حارٍّ، قال القاضي: وفي وقتٍ حارٍّ، في إناءٍ مُنطبعٍ، وهو: كل ما طرق؛ كالنحاس، إلَّا الذهبَ والفضةَ على الأصحِّ؛ لصفاء جوهرِهما.
ولو لم نَجِدْ غيرَ مشمَّس.
. وجب استعمالُه مع عدم الكراهة؛ كما قاله ابن عبد السلام.
والمشمَّس في الحِياضِ والبِرَكِ غيرُ مكروهٍ بالاتفاق، ولا يشترط تغطيةُ رأسِ الإناءِ، ولا قصدُ التشميسِ على الأصحِّ.
وإذا برد.
. زالت الكراهةُ على الأصحِّ في "الروضة"، وقال في "الشرح

الجزء: 1 - الصفحة: 108

وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطهَارَةِ -قِيلَ: وَنَفْلِهَا-: غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ جُمِعَ قُلَّتَيْنِ. . فَطَهُورٌ فِي الأَصَحِّ. وَلاَ تنجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلاَقَاةِ نَجِسٍ، فَإِنْ غَيَّرَهُ. . فَنَجِسٌ،

الصغير": (الأظهر: بقاؤها) 205. (والمستعملُ في فرض الطهارة -قيل: ونفلها- غيرُ طهور في الجديد).
اختلفوا في تعليله، فقيل: لتأدي فرضِ الطهارةِ به، ويُعبَّر عنه بانتقال المانع، وهو الأصحُّ، وقيل: لتأدي العبادةِ به، فعلى الأولِ: المستعملُ في مسنوناتِ الطهارةِ طهورٌ دون المستعملِ في غُسلِ كافرةٍ عن حيضٍ أو نفاسٍ لتَحِلَّ لزوجِها المسلمِ؛ لأنه استُعمل في فرضٍ، وعلى الثاني: ينعكس الحكمُ.
والقديم: أنه طهورٌ استُعمل في فرض الطهارةِ أو نفلها؛ لأن الطهورَ ما تتكرر منه الطهارةُ؛ كالقَتول والضَّروب، ولأنه ماءٌ باقٍ على إطلاقه، فكان طهورًا كما لو غَسَلَ به ثوبًا طاهرًا.
(فإن جُمعَ قلتين.
. فطهورٌ في الأصح) كالماء النَّجِس، بل أولى، والثاني: لا؛ لأن وصف الاستعمالِ لا يزول.
(ولا تنجس قلتا الماء بملاقاة نَجِس) لحديث: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ.
. لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا" صححه الحفاظُ 206. (فإن غَيَّره.
. فنجِس) بالإجماع، سواءٌ أقَلَّ التغيُّرُ أم كَثُرَ، سواءٌ المخالِطُ والمجاوِرُ، سواءٌ تَغيَّر حِسًّا أم تقديرًا؛ كما تقدم نظيرُه في التغير بالطاهرات، إلّا أنّا هنا نُقدِّر النجاسةَ مخالفة في أغلظ الصفات، وهناك في أوسطها، وهنا نكتفي بأدنى تغيرٍ، وهناك لا بدّ من فُحْشه.
وقد يوهم كلامُه تَنجُّس كلِّه بتغير بعضِه، وقال الرافعي في "الكبير": (إنه ظاهرُ المذهبِ)، لكن صحح في "شرح المهذب" وغيره: أن المتغير نَجِسٌ، وأما

الجزء: 1 - الصفحة: 109

فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ. . طَهُرَ، أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ. . فَلاَ، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الأَظْهَرِ. وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بِالْمُلاَقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ. . فَطَهُورٌ، فَلَوْ كُوِثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا. . لَمْ يَطْهُرْ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ لاَ طَهُورٌ.

الباقي: فإن كان قلتين.
. لم يَنجُس، وإلاّ.
. تنَجَّس؛ لأن هذا المتغيرَ بالنجاسة لا يزيد على عين النجاسةِ الجامدةِ، وقوَّاه في "الشرح الصغير" 207. (فإن زال تغيره بنفسه أو بماء) زِيد فيه أو نُقِص منه، فدخله الريحُ أو الشمسُ فزال التغير (. . طهر) لزوال العلة، وهي التغير.
(أو) زال (بمسك وزعفران) أو خلٍّ (. . فلا) يطهر؛ لأنا لا ندري أن أوصافَ النجاسةِ زالتْ، أو غلب عليها المطروحُ فسترها.
ومن هذا التعليل لم يحسن تعبيرُ "الكتاب" لأن تقديرَه وإن زال بالمسك.
. لم يطهر؛ لأنا نشك في زواله، وذلك متهافت، وعبارةُ "المحرّر"، و"الشرح"، و"الروضة" سالمةٌ من ذلك؛ فإنها: وإن طرح فيه مسك أو زعفران فلم يوجد التغير.
. لم يطهر 208. (وكذا ترابٌ وجصٌّ في الأظهر) للشك في أنه ساترٌ أو مزيلٌ، وفيه ما مرَّ، ومحلُّ الخلاف: في حال الكدورة، فإن صفا ولا تغيُّر به.
. طهر قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 209. (ودونهما ينجس بالملاقاة) وإن لم يتغير؛ لمفهوم حديثِ القلتين المارِّ 210. (فإن بلغهما بماء) ولو نَجِسًا ومستعملًا (ولا تغير.
. فطهور) 211 لأن الكثرةَ دافعةٌ للنجاسة، وخرج بقوله: (بماء) المائعاتُ.
(فلو كوثر) المتنجس القليلُ (بإيراد طهور) عليه (فلم يبلغهما) أي: القلتين (. . لم يطهر) لأنه ماءٌ قليل فيه نجاسةٌ، (وقيل: طاهر لا طهور) لأنه متنجسٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 110

وَيُسْتَثْنَى: مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ، فَلَا تنجِّسُ مَائِعًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا فِي قَوْلٍ: نَجَسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغيُّرٍ. وَ (الْقُلَّتَانِ): خَمْسُ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ

وَرَدَ عليه الماءُ فطهره؛ كثوب متنجس.
(ويستثنى ميتة لا دم لها سائل) عند ذبحها؛ بناءً على نجاستها بالموت، وهو الأصحُّ؛ كذباب وبراغيثَ وخنافسَ وعقربٍ ووَزَغٍ، لا ضِفْدع وحيّة، (فلا تُنجِّس مائعًا على المشهور) للمشقة وعُسر الاحتراز، والثاني: تنُجِّسه؛ كسائر الميتاتِ النجسةِ.
ومحلُّ الأول: إذا لم تغيره، فإن غيرته.
. نَجَّسته على الأصحِّ عند المصنف، ومحلُّه أيضًا: ما إذا لم يُطرَح، فإن طُرح قصدًا.
. لم يُعف عنه؛ كما جزم به في "الشرح الصغير".
(وكذا في قولٍ: نَجَسٌ لا يدركه طرف) لقلته؛ كنقطة بولٍ وما تَعلَّق برِجلِ ذبابةٍ من نجاسةٍ؛ لعُسر الاحتراز، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم) لما ذكرناه، ووجه مقابله: القياسُ على سائر النجاسات.
(والجاري كراكد) فيما مرَّ من التفرقة بين القليلِ والكثيرِ، والعبرةُ بالجرية نفسِها لا بمجموع الماءِ، فإذا كانت الجرية، وهي الدفعة التي عند حافتي النهر في العرض دون قلتين تنجست بملاقات النجاسة؛ لمفهوم حديث القلتين المار، فإنه لم يفصل فيه بين الجاري والراكد 212. (وفي القديم: لا يَنجُس بلا تغير) لأن الجاريَ واردٌ على النجاسةِ، فلا يَنجُس إلَّا بالتغير؛ كالماء الذي تُزال به النجاسةُ، كذا علَّله الرافعى 213، وقضيتُه: كونُه طاهرًا لا طَهورًا؛ كالغسالة، فليتأمل.
(والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي) لما رواه الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرٍ.
. لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ"، ثم روى الشافعي عن ابن

الجزء: 1 - الصفحة: 111

تَقْرِيبًا فِي الأَصَحِّ. وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ: طَعْمٌ، أَوْ لَوْن، أَوْ رِيحٌ. وَلَوِ اشْتبَهَ: مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ. . اجْتَهَدَ

جريج أنه قال: رأيتُ قلال هجر، فالقلة منها تَسَعُ قِربتين أو قربتين وشيئًا 214. فاحتاط الشافعي، وحسب (الشيء) نصفًا؛ لأنه لو كان فوقَ النصفِ.
. لقال تَسَعُ ثلاثَ قِربٍ إلَّا شيئًا، فإنه عادةُ أهل اللسانِ، فيكون جملةُ القلتين خمسَ قِرب.
ثم إن القِربة لا تزيد غالبًا على مئة رطلٍ برطل بغدادَ، فيكون المجموعُ ما ذكره المصنفُ، وبالدمشقي مئة وثمانية أرطالٍ وثلث على رأي الرافعي في رطل بغدادَ، وعلى رأي المصنفِ مئة وسبعة أرطال وسبع رطل.
وبالمساحة ذراعٌ وربعٌ طولًا وعرضًا وعمقًا في مستوي الأضلاع فإن اختلف.
. فبحسابه، وذكر بعضهم أنهما ذراعان طولًا في دور ذراع في مدورٍ كبئرٍ، والمرادُ: ذراعُ الآدمي، وطوله شبران تقريبًا.
(تقريبًا في الأصح) لما سبق، فعلى هذا يُعفى عن رطلين فقط على الأشهر في "زيادة الروضة" 215، والثاني: أنه تحديدٌ؛ كنصاب السرقة.
(والتغير المؤثر) حسًّا أو تقديرًا (بطاهر أو نَجِس: طعم، أو لون، أو ريح) أي: تكفي أحدُ الأوصافِ، وهو في النَّجِس إجماعٌ، وفي الطاهر أظهر الأقوال.
(ولو اشتبه ماء طاهر بنجِس.
. اجتهد) لأنه شرطٌ من شروط الصلاةِ، يمكن التوصلُ إليه بالاجتهاد، فوجب الاجتهادُ فيه عند الاشتباه؛ كالقِبلة.
وللاجتهاد شروط: الأول: بقاءُ الوقتِ، فلو ضاق عن الاجتهاد.
. تيَمَّم وصلَّى وأعاد، قاله العمراني في "البيان" 216، الثاني: بقاء المشتبهين، فإن صُبَّ أحدُهما أو انصبَّ بنفسه.
. لم يجتهد على الأصحِّ عند المصنف، بل يَتيمَّم ويصلِّي بلا إعادةٍ، الثالث: أن يكون الإناءان لواحدٍ، فلو اشتبه إناءان لاثنين لكل واحدٍ إناءٌ.
. تَوضَّأ كلُّ واحدٍ بإنائه، قاله بعضُهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 112

وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ. . فَلَا، وَالأَعْمَى كَبَصيرٍ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ. . لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُخْلَطَانِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ. أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ. . تَوَضَّأَ بِكُلٍّ مَرَّةً،

ولو حذف لفظة (ماء).
. لكان أخصرَ وأشملَ، فإن الثياب والأطعمةَ والترابَ كذلك.
(وتَطهَّر بما ظَنَّ طهارتَه) بأمارةٍ؛ كاضطرابٍ أو رَشاشٍ أو تَغيُّرٍ أو قربِ كلبٍ، فيغلب على الظن نجاسةُ هذا وطهارةُ غيره، (وقيل: إن قدَر على طاهرٍ بيقينٍ) كأن كان على شطِّ البحرِ (. . فلا) يجوز له الاجتهادُ، لأنه قادرٌ على تأدي الفرضِ بيقينٍ، فلا يسوغ تأديتُه بالاجتهاد؛ كمن بمكةَ ولا حائلَ بينَه وبين الكعبةِ، والأصحُّ: الجوازُ.
والفرقُ: أن القبلة في جهة واحدةٍ، فإذا قدَر عليها.
. كان طلبُه لها في غيرها عبثًا، ولأن اليقين هناك في محلِّ الاجتهاد، وهنا بخلافه، ولأن الماءَ مالٌ، وفي الإعراض عنه تفويتُ ماليتِه مع إمكانها، بخلاف القبلة.
(والأعمى كبصير في الأظهر) لإمكان الوقوفِ على الأماراتِ باللمس، والشمِّ، والاستماعِ، واعوجاج الإناءِ، واضطراب الغطاءِ، فجاز له الاجتهادُ؛ كالوقت، والثاني: لا يجتهد؛ لأن النظر له أثرٌ في حصول الظنِّ بالمجتهَد فيه، وقد فقده فلم يجز؛ كالقبلة.
(أو) اشتبه (ماءٌ وبولٌ.
. لم يجتهد على الصحيح) لأن الاجتهاد يقوي ما في النفس؛ من الطهارة الأصلية، والبول لا أصل له في الطهارة، فامتنع العمل به، والثاني: يجوز؛ كالماء النجِس، (بل يُخلطان) أو يُريقهما (ثم يتيمم) لئلَّا يتيمم ومعه ماء طاهرٌ بيقين.
(أو وماءُ وردٍ.
. توضأ بكلٍّ مرةً) ليتيقن استعمالُ الطهور، ولا يجتهد؛ إذ لا أصلَ له في التطهير.
واغتفر التردد في النية لمقام العذر؛ كنسيان إحدى الخمسِ، ويندفع الترددُ المذكورُ، بأن يأخذ غَرفةً من هذا وغَرفةً من هذا، ويغسل خدَّه الأيمنَ بيمناه،

الجزء: 1 - الصفحة: 113

وَقِيلَ: لَهُ الاجْتِهَادُ. وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ. . أَرَاقَ الآخَرَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَلغيَّرَ ظَنُّهُ. . لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إِعَادَة فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْبَرَ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَبيَنَ السَّبَبَ، أَوْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا. . اعْتَمَدَهُ

والأيسرَ بيسراه دفعةً من غير خلطٍ ناويًا في تلك الحالةِ، ثم يعيد غَسل وجهِه، ويُكمل وضوءَه بأحدهما، ثم يتوضأ بالآخر، فيصح وضوءُه وجزمه بالنية.
(وقيل: له الاجتهاد) كالطهور مع المتنجِّس، والفرق على الأول ما مرَّ.
(وإذا استَعمل ما ظنَّه.
. أراقَ الآخرَ) ندبًا، إن لم يحتج إلى شربه؛ لئلَّا يَغلَط فيستعمله، أو يتغير اجتهادُه فيشوِّش عليه.
(فإن تركه وتغير ظنُّه) بأن ظن ثانيًا طهارةَ ما ظنَّ نجاستَه أولًا (. . لم يعمل بالثاني على النص) لأنه إن لم يغسل ما أصاب الأول.
. صلَّى مع يقين النجاسةِ، وإن غسله.
. كان نقضًا للاجتهاد بمثله، وقال ابن سريج: يُعمل به؛ كالقبلة، وهذا حكمٌ جديدٌ، فلا نقضَ إذًا، ولهذا لا يعيد الصلاةَ الأولى.
(بل يتيمم) لأنه ممنوعٌ من استعماله (بلا إعادة) للصلاة الثانيةِ (في الأصح) لأنه تيَمَّم لها وليس معه ماءٌ طاهرٌ بيقينٍ، والثاني: يعيد؛ لأن معه ماءً طاهرًا بحكم الاجتهادِ.
ومحلُّ تصحيح الأولِ: إذا لم يَبق من الأول شيءٌ، فإن بقي منه بقية.
. وجبت الإعادة إذا حضرت صلاة أخرى على الأصحِّ.
ومحلُّ الخلاف: في الإعادة للمسافر، أمّا الحاضرُ.
. فيعيد قطعًا، نَبَّه عليه صاحبُ "المعين".
(ولو أخبر بتنجُّسه مقبولُ الرواية) 217 ولو امرأةً وعبدًا (وبَيَّن السببَ) كأن قال: (رأيتُ الكلبَ قد شرب منه)، سواء كان عاميًّا أو فقيهًا، موافقًا أو مخالفًا.
(أو كان فقيهًا موافقًا) ولم يُبيِّن السببَ (. . اعتمده) لأنه خبرٌ يغلب على الظنّ التنجيس، والإخبار به من أخبار الدين، فوجب الرجوع فيه إلى المخبر؛ كأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، إِلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ،

فإن انتفى التبيين والموافقة؛ كقول الحنفي: (هذا نجِس).
. لم يعتمده؛ لجواز أن يكون مستندُه ولوغَ ذئبٍ ونحوه من السباع التي يقولون بنجاسة أفواهها، ونحن نخالفُهم فيها.
(ويحلّ استعمالُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ) بالإجماع.
وأورد على طرده: الإناءُ المغصوبُ وجلدُ الآدمي المحترم، فإنهما طاهران ولا يحلّ استعمالُهما.
وأجيب عن الأول: بأن المرادَ: الحلُّ وعدمُه من حيث كونُه إناءً، والمغصوب تحريمه لمعنىً آخر، وهو تحريم مِلك الغير إلَّا برضاه، وفيه نظر، فإنه لا يحتاج على هذا إلى التقييد بالطاهر؛ إذ تحريم النجس بتنجيس المظروف لا لذاته، وعن الثاني: بأنه نادرٌ، فلم يندرج في العموم.
وأورد على مفهومه: ما لو وسع إناءٌ نَجِسٌ قلتين فأكثر.
. فإنه يحل استعمالُه في الماء؛ كما قاله في "التنقيح"، ويحل استعمالُه أيضًا في اليابسات مع الكراهة؛ كما في "زوائد الروضة" 218. وأجيب عنه: بأن في استعمال النجس تفصيلًا؛ وهو الكراهةُ في الجافِّ، والحرمةُ في الرَّطْب والمائع وإن كثر، والماء القليل، والجواز في الماء الكثير؛ فقد خالف حكمُه حكمَ الإناء الطاهر وهو إطلاق الحلّ.
(إلا ذهبًا وفضةً.
. فيحرم) بالإجماع، وسواء الرجل والمرأة، والإناء الكبير والصغير، حتى الميل، إلَّا أن يحتاج إليه لجلاء عينه.
. فيحلّ، قاله الماوردي.
ويحرم على الولي سقيُ الصغير بإناءِ ذهبٍ أو فضةٍ، وهل تحريمه لعينه أم للسرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء؛ فيه خلاف، والراجح: الأول.
وتظهر فائدة الخلاف في النحاس المموَّه بهما، وعكسه، قاله الرافعي 219.

الجزء: 1 - الصفحة: 115

وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ فِي الأَصَحِّ، وَالنَّفِيسُ - كَيَاقُوتٍ - فِي الأَظْهَرِ. وَمَا ضُبِّبَ بِذهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينةٍ. . حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدَرِ الْحَاجَةِ. . فَلَا، أَوْ صَغِيرَةً لِزينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ. . جَازَ فِي الأَصَحِّ.

وقضيته: ترجيح الحلّ في الأولى والتحريم في الثانية، لكن صحح في "زيادة الروضة" الحلّ فيهما 220. (وكذا اتخاذه) من غير استعمالٍ (في الأصح) لأن ما لا يجوز استعمالُه.
. لا يجوز اتخاذُه؛ كآلة اللهو، والجامعُ بينهما: أن النفس تدعو إلى استعمالهما، والثاني: لا؛ لأن النهي إنما ورد في الاستعمال لا الاتخاذ.
(ويحلّ) الإناء (المموه) الذي لا يحصل منه بالعرض على النار شيءٌ (في الأصح) بناء على أن التحريم للعين؛ لاستهلاكه، ولا يخفى، فلا يحصل به الخيلاء ولا كسر قلوب الفقراء، والثاني: لا؛ بناءً على أنه للخيلاء، فإن حصل منه بالعرض على النار شيء.
. حرم قطعًا.
(و) يحل (النفيس؛ كياقوت في الأظهر) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ، فلا خيلاءَ، والثاني: يحرم؛ إذ هو أعظم في السرف من الذهب والفضة.
(وما ضبب بذهبٍ أو فضةٍ ضبةً كبيرةً لزينة.
. حَرُم) للكبر وعدمِ الحاجة، وعبارة "المحرّر": (وإن كانت كبيرةً وفوقَ قدرِ الحاجةِ) 221، فيؤخذ منها: تحريمُ الضبةِ الكبيرةِ إذا كان بعضُها للزينة، وبعضُها للحاجة وإن كان مقدارُ الزينة صغيرًا، ولا يؤخذ من عبارة الكتاب.
(أو صغيرةً بقدر الحاجةِ.
. فلا) تحرم ولا تكره؛ للصغر مع الحاجة، وقد صحّ: (أن أنسًا رضي الله عنه سَلْسَلَ قَدَح رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا انصدع بفضةٍ، وشرب فيه صلى الله عليه وسلم) 222. (أو صغيرةً لزينة أو كبيرةً لحاجة.
. جاز في الأصح) مع الكراهة، أما في الأولى:

الجزء: 1 - الصفحة: 116

وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فلقدرة معظم الناس على مثلها، وأما في الثانية: فلظهور قصد الحاجةِ دون الزينة، والثاني: يحرم، أما في الأولى: فلكونها للزينة، وأما في الثانية: فلكبرها.
ومعنى الحاجة: غرض إصلاح موضعِ الكسر، دون التزيين، ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الفضة.
وأصلُ الضبة: أن ينكسر الإناء فيوضعَ على موضع الكسر نحاسٌ أو فضةٌ أو غيرُهما؛ ليمسكه، ثم توسع الفقهاءُ فأطلقوه على إلصاقه به وإن لم ينكسر، ويُرجَع في الصغيرة والكبيرة للعرف على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 223. (وضبةُ موضعِ الاستعمال كغيره في الأصح) إذ الاستعمال منسوب إلى الإناء كله، والثاني: إن كانت في موضع الاستعمال.
. حرم؛ لمباشرتها بالاستعمال المنهي عنه.
(قلت: المذهب: تحريمُ ضبة الذهبِ مطلقًا، والله أعلم) لأن الخبر إنما ورد في الفضة، وباب الفضة أوسع؛ بدليل جواز الخاتم للرجل منها.


الجزء: 1 - الصفحة: 117

بابُ أسباب الحَدَث هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، إِلَّا الْمَنِيَّ

﴿باب أسباب الحدث﴾ هو أولى من التعبير بـ (نواقض الوضوء) إذ يقال: انتهى الوضوءُ لا بَطَل؛ كما يقال: انتهى الصوم لا بَطَل، كذا قاله في "الدقائق" 224، لكنه عبَّر بعد ذلك بـ (النقض)، فقال: (فخرج المعتاد نقض).
(هي أربعة) أما النقض بها.
. فللأدلة الآتية، وأما عدمُه بغيرها.
. فلأن الأصل أن لا نقض حتى يثبت فيه نصٌّ، ولم يَثْبُت، والقياسُ ممتنعٌ هنا؛ لأن علة النقض غير معقولة.
(أحدها: خروج شيء من قبله أو دبره) عينًا كان أو ريحًا ولو من فرج المرأةِ، أو من ذكرِ الرجلِ.
ولو أدخل في ذكره ميلًا ثم أخرجه.
. انتقض، ثبت ذلك في البولِ والغائط والريحِ بالنصوص والإجماع، وفيما عداها بالقياس.
وفي "فتاوى القفال": أنَّ بَلَلَ فرجِ المرأةِ إذا وصل إلى موضعٍ يجب عليها غَسْلُه في الغسل.
. أن وضوءَها ينتقض، وإنْ خرج إلى محلٍّ لا يجب عليها غَسلُه في الجنابة والاستنجاء.
. فلا؛ لأنه في حكم الباطن.
(إلَّا المنِيَّ) فإنه لا يوجبُ الوضوءَ، لأنه أوجبَ أعظمَ الأمرين -وهو الغسلُ- بخصوصه، فلا يوجب أهونَهُما -وهو الوضوء- بعمومِه؛ كزنا المحصَنِ لَمَّا أوجبَ أعظمَ الحدَّيْن -وهو الرجمُ- بخصوصه -وهو زنا المحصن-.
. لم يوجب أهونَهُما -وهو الجلد- بعموم كونِه زنًا، ورجح في "الكفاية" وفاقًا للقاضي أبي الطيب النقضَ به، ونقل عن تصحيح الرافعي له في كتابه "المحمود"، ونقل ابنُ المنذر وابن عطية الإجماعَ عليه 225.

الجزء: 1 - الصفحة: 118

وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ. . نَقَضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ. . فَلَا فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: زَوَالُ العَقْلِ،

قيل: وما ذُكِر من القاعدة لا يَطَّرد؛ فإن الحيضَ يوجب الغسلَ والوضوءَ اتفاقًا؛ كما حكاه الماوردي مع إيجابه أعظمَ الأمرين بخصوصه.
وهو مردودٌ؛ فإنَّ ابنَ الصلاح حكى عن لطيف بن خيران: أن الحيضَ والنفاسَ لا يوجبان الوضوءَ.
(ولو انسد مخرجه، وانفتح) مخرجٌ بدلَه (تحت معدته فخرج المعتاد) خروجُه، وهو البولُ والغائطُ (. . نقض) إذ لا بد للإنسان من مخرجٍ، فأقيم هذا مقامَه.
(وكذا نادر؛ كدود) ودمٍ (في الأظهر) لأنه مخرجٌ تنتقض الطهارةُ بخروج المعتادِ منه، فكذا بخروج النادرِ؛ كالمخرج الأصلي، والثاني: لا ينتقض؛ إذ الضرورةُ في جعله مخرجًا إنّما هو في المعتاد.
(أو فوقها وهو منسدٌّ، أو تحتها وهو منفتحٌ.
. فلا في الأظهر) لأنه لم تُحِلْه الطبيعة في الأولى، فأشبه القيءَ، وفي الثانية لا ضرورةَ إلى جعل الحادثِ مخرجًا، فأشبه الجائفةَ، والثاني: ينتقض فيهما؛ كالمخرج المعتاد.
والمعدةُ: هي الموضعُ الذي يستقرُّ فيه الطعامُ، وهو المكانُ المنخسف تحتَ الصدرِ إلى السُّرَّة، كذا ذكره ابنُ الرفعةِ، وهو قولُ أهل اللغةِ والأطباءِ، وفَسَّرها المصنفُ في كتبه بما فيه بحثٌ 226. (الثاني: زوال العقل) بالإجماع، والمعنى فيه: خروجُ الشيء منه ولا يشعر.
وشرطُ النقض في النومِ والسكرِ: زوالُ الشعور، بخلاف النُّعاس، وأوائلُ النشوة والرؤيا: من علامات النوم، وسماعُ كلام الحاضرين وإن لم يفهمه: من علامات النُّعاس.
وفي حدّ العقل عباراتٌ: أحسنُها: ما ذكره الشيخ أبو إسحاق: أنه صفةٌ يُميِّز بها بين الحسن والقبيح، وعن الشافعي: أنه آلةُ التمييز.

الجزء: 1 - الصفحة: 119

إِلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ. الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، إِلَّا مَحْرَمًا فِي الأَظْهَرِ. وَالْمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الأَظْهَرِ

(إلَّا نومَ ممكِّنٍ مقعدَه) للأمْنِ من خروجِ شيءٍ في هذه الحالةِ، وخروجُ الريح من القبل نادرٌ، فلم يرتفع به أصلُ الطهارة، وسواءٌ كان مستنِدًا إلى شيءٍ لو أزيل.
. لَسَقط، أو لا على الصحيح.
نعم؛ لو نام على قَفاه مُلصقًا مقعدتَه الأرضَ.
. انتقض.
ويُستثنى من الانتقاض بالنوم مضطجعًا: النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وقضية كلام المصنفِ: أن النوم يُزيل العقلَ وهو ما ذكره بعضهم، وقال الغزالي: الجنون يُزيله، والإغماء يَغمره، والنوم يَستره.
(الثالث: التقاءُ بشرتيِ الرجل والمرأة) ولو بلا شهوةٍ ونسيانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وقرئ: (أو لمستم).
واللمسُ: هو الحسُّ باليد، كذا فَسَّره ابنُ عمر رضي الله عنهما، والمعنى فيه: أنه مظنة ثورانِ الشهوةِ.
واحترز بـ (الرجل) و (المرأة): عن الخنثيين، أو الخنثى مع رجل أو امرأة؛ فإنه لا نقض؛ لاحتمال التوافق.
(إلا محرمًا في الأظهر) ولو بشهوة؛ لأنها ليستْ في مظنتها بالنسبة إليه؛ كالرجل، والثاني: ينقض؛ لعموم الآية، والقولان مَبنِيَّان على أنه: هل يجوز أن يُسْتنبط من النص معنًى يُخصِّصه أم لا؟ والْمَحرَم: مَنْ حَرُم نكاحُها على التأبيد بسبب مباحٍ؛ لِحُرمتها، قاله في "الدقائق"، وفيه بحثٌ 227. (والملموسُ) وهو من لم يوجد منه فعلُ اللمس (كلامسٍ) في نقض الوضوءِ (في الأظهر) لاستوائِهما في اللذةِ الحاصلةِ من اللَّمْس، فاستويا في حكمِه؛ كالفاعل والمفعول في الجماع، والثاني: لا؛ كما في مَسِّ ذكرِ الغيرِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وَلَا تنقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعرٌ وَسِنٌّ وَظُفرٌ فِي الأَصَحِّ. الرَّابعُ: مَسُّ قُبُلِ الآدَمِيِّ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَكَذَا -فِي الْجَدِيدِ- حَلْقَةُ دُبُرِهِ، لَا فَرْجُ بَهِيمَةٍ. وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ الْجَبِّ،

(ولا تَنقُض صغيرةٌ) لا تُشتهى عرفًا، وكذا صغيرٌ؛ لانتفاء الشهوةِ، (وشعرٌ، وسنٌّ، وظفرٌ في الأصح) لأن معظمَ الالتذاذ فيها إنما هو بالنظر دونَ اللَّمْس، والثاني: يَنقُض؛ لعموم الآية في الصغيرة، وللقياس في البواقي على سائرِ أجزاءِ البدنِ، ولهذا يُسوَّى بين الكل في الحلِّ والحرمةِ.
(الرابع: مسّ قبل الآدميِّ ببَطن الكفِّ) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ، وَلَا حِجَابٌ.
. فَلْيَتَوَضَّأْ" رواه الشافعي، وابن حبان، وصححه الحاكمُ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهما 228. والإفضاء لغةً: هو المسُّ ببطن الكفِّ، فثبت النقضُ في فرج نفسِه بالنصِّ، وأُلحِق به فرجُ غيره من باب أولى؛ لأنه أفحشُ.
والمراد بالمس: مسُّ جزءٍ من الفرجِ بجزءٍ من بطنِ الكفِّ، والمراد ببطن الكف: الراحة مع بطونِ الأصابعِ، وضابطُه: ما يُستَر عند وضعِ إحدى اليدين على الأخرى بتحاملٍ يسيرٍ 229، والمراد بقُبُلِ المرأة كما قاله الإمام: ملتقى الشفرين على المنفذ 230. (وكذا في الجديد حَلْقةُ دبرِه) كالقُبُل؛ لأنه أحد السبيلين، والقديم: لا يَنقُض؛ لأنه لا يُلتذُّ به.
(لا فرجُ بهيمةٍ) لأن لَمْسَها ليس بحدثٍ، فكذا لمسُ فرجِها، وقياسًا على عدمِ وجوبِ سترِه، وعدمِ تحريمِ النظرِ إليه.
(ويَنقُض فرجُ الميتِ والصغيرِ) لشمول الاسمِ، (ومحلُّ الجَبِّ) لأنه أصلُ الذكر.

الجزء: 1 - الصفحة: 121

وَالذَّكَرُ الأَشَلُّ، وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَنْقُضُ رَأْسُ الأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا. وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ: الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَتَفْسِيرٍ، وَدَنَانِيرَ،

(والذكرُ الأشلُّ، وباليد الشَّلَّاءِ في الأصح) لشمول الاسمِ أيضًا، والثاني: لا؛ لخروج ذلك عن مظنة الشهوةِ.
(ولا يَنقُض رأسُ الأصابعِ) وحرفُها (وما بينها) لخروجِها عن سمت الكفِّ.
(ويحرم بالحدث الصلاة) بالإجماع، وفي معناها: سجدةُ التلاوة والشكرِ، وخطبةُ الجمعة (والطواف) لأنه صلاةٌ.
(وحملُ المصحف، ومسُّ ورقِه) أما المسُّ: فلقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وأما الحملُ: فلأنه مسٌّ وزيادة، (وكذا جلدُه على الصحيح) لأنه كالجزءِ منه، بدليلِ دخوله في بيعِه، والثاني: لا يحرم؛ إلحاقًا بكيسه.
(وخريطة وصندوق فيهما مصحفٌ) إلحاقًا بجلده، والثاني: لا؛ لانفصالهما، (وما كُتِبَ لدرسِ قرآنٍ كلوحٍ في الأصح) لأنه قصد للدراسة فأشبه المصحفَ، والثاني: لا؛ إذ لا يُراد للدوامَ بخلاف المصحفِ.
(والأصح: حِلُّ حملِه في أمتعةٍ) إذ المقصودُ حملُ غيرِه فلم يُخِل بتعظيمه، ومن هنا يؤخذ الجوازُ فيما إذا حمل مَنْ حمل مصحفًا، والثاني: المنع؛ تغليبًا لحرمته، وفي "شرح المهذب" عن الماوردي: أن ذلك فيما إذا كان المتاعُ مقصودًا بالحمل، وإلَّا.
. لم يجز؛ يعني: جزمًا، وأقره 231 وجزم الرافعي بالتحريم حيثُ كان المصحفُ هو المقصود بالحمل، فليقيد إطلاقه هنا 232. (وتفسيرٍ، ودنانيرَ) كُتِب عليها قرآنٌ، وما في معناهما من كتب الفقهِ، والثوب المطرز؛ لأنه ليس بمصحفٍ، والثاني: يحرم؛ تعظيمًا للقرآن.

الجزء: 1 - الصفحة: 122

لَا قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ قَلْبهِ بِعُودٍ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ. . عَمِلَ بِيَقِينِهِ،

وقضيةُ كلامه: الحِلُّ وإن كان القرآنُ أكثرَ من التفسير، وهو ما اقتضاه كلامُ الرافعي 233. وقال في "الروضة": إنه منكرٌ، والصواب: القطعُ بالتحريم؛ لأنه وإن لم يُسمَّ مصحفًا ففي معناه، وبهذا صَرَّح الماورديُّ وآخرون، ونقله صاحبُ "البحر" عن الأصحاب، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلافَ فيه 234. (لا قلبِ ورقِه بعودٍ) لأنه نقلٌ للورقةِ، فهو كحملها، والثاني: لا يحرم؛ لما سيأتي.
واحترز بـ (عودٍ): عمَّا لو لَفَّ كُمَّه على يده وقَلَب الأوراقَ.
. فإنه يحرم قطعًا، قال في "شرح المهذب": وشذ الدارمي فحكى فيه وجهين 235. (وأن الصبيَّ المحدثَ لا يُمْنعُ) من حمل المصحفِ ونحوِه؛ لأنه يَحتاج إلى الدراسةِ، وتكليفُه استصحابَ الطهارةِ مما تَعظُم فيه المشقةُ، والثاني: يجب على الولي والمعلمِ منعُه منه؛ قياسًا على الصلاةِ مع الحدث.
(قلتُ: الأصح: حِلُّ قلبِه بعودٍ 236، وبه قَطع العراقيون، والله أعلم) لأنه ليس بحامل، ولا ماسٍّ، كذا عَلَّله في "الروضة"، وفيه نظر 237. (ومن تَيقَّن طهرًا أو حدثًا، وشكَّ في ضِدِّه.
. عَمِل بيقينه) لأن اليقين لا يزول بالشكِّ.
والمراد بالشك هنا، وفي معظم أبواب الفقه: مطلقُ التردُّدِ، سواءٌ أكان على

الجزء: 1 - الصفحة: 123

فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ.
. فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الأَصَحِّ.

فَصْلٌ [في آداب الخلاء]

يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ يَسَارَهُ، وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ،

السواء أم أحدُ طرفيه راجح؛ كما ذكره المصنفُ في "الدقائق" 238. وما وقع في "الشرح الكبير" من أن يقينَ الحدثِ يُرفَع بظنِّ الطهارةِ وهمٌ، جرى عليه في "الحاوي الصغير" 239. (فلو تَيقَّنهما وجَهِل السابقَ.
. فضِدُّ ما قَبْلَهما في الأصح) صورةُ المسألةِ: أن يَتيقَّن أنه أوقع طهرًا وحدثًا بعد الزوال مثلًا، وجَهِل أسبقَهما، فيأخذ بضدِّ ما قبلهما؛ لأن ما قبل الزوال إن كان طهرًا.
. فقد أحدثَ بعده، وإن كان حدثًا.
. فقد تطهر بعده، فما قبل الزوال قد ارتفع بيقين، وهو يَشكُّ في زوال رافعِه، واليقينُ لا يزولُ بالشَّكِّ.
فإن لم يَعلم ما قبل الزوال.
. وجب الوضوءُ، وإنما يأخذ بالضدِّ مطلقًا إذا كان قبلهما مُحدِثًا، فإن كان قبلهما مُتطهِّرًا.
. فإنما يأخذ بالضدِّ إذا كان ممن يعتاد تجديدَ الوضوءِ، وإلَّا.
. فيأخذ بالمثلِ، فيكون الآن مُتطهِّرًا أيضًا، كذا في "الروضة"، و"أصلها"، و"التحقيق"، و"شرح المهذب" تبعًا للمتولي 240. والثاني: يلزمه الوضوءُ بكل حالٍ؛ احتياطًا، وصحَّحه في شرحي "المهذب"، و"الوسيط" 241.


(فصل: يُقدم داخلُ الخلاءِ يسارَه، والخارجُ يمينَه) عكسَ المسجدِ؛ لأن كلَّ ما كان من التكريم بدأ فيه باليمين، وخلافه باليسار، وروى الحكيم الترمذيُّ في

الجزء: 1 - الصفحة: 124

وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا، وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ،

"علله" عن أبي هريرة أنه قال: "مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ.
. ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ".
(ولا يَحملُ ذكرَ الله تعالى) تعظيمًا له، واقتداءً به عليه السلام؛ فإنه كان إذا دخل الخلاء.
. نزع خاتمه 242، وكان نقشُه ثلاثةَ أسطرٍ: "محمدٌ" سطرٌ، و"رسولٌ" سطرٌ، و"الله" سطرٌ 243، والقرآنُ أولى من الذكرِ.
(ويَعتمدُ جالسًا يسارَه) تكريمًا لليُمنى، ولأنه أسهلُ لخروج الخارجِ.
(ولا يَستقبل القبلةَ، ولا يَستدبرها، ويحرمان بالصحراء) جمعًا بين أحاديث البابِ، هذا إذا لم تكن ضرورةٌ، فلو كانت الريحُ تَهُبُّ على يمين القبلةِ وشمالِها، وخشي عَوْدَ الرشاشِ عليه.
. لم يحرما، ذكره القفال في "فتاويه".
وما أطلقَه من الجواز في الأبنيةِ تبَعَ فيه "الروضةَ" و"أصلَها"، والذي في "شرح المهذب"، و"التحقيق"، و"التنقيح"، و"شرح مسلم": أنه يجوز في البنيان إذا كان بينه وبين الساتر ثلاثةُ أذرعٍ فما دونَها، وكان ارتفاعُ الساترِ قدرَ ثُلثي ذراعٍ فأكثر؛ كما هو معتبر في الصحراء 244، والحاصل: أن الحكمَ دائرٌ على الساترِ وعدَمِه في البنيان والصحراءِ معًا.
(ويَبْعدُ) في الصحراء إن كان ثَمَّ غيرُه إلى حيثُ لا يُسمَع له صوتٌ، ولا يُشمُّ له ريحٌ؛ للاتباع 245. (ويَستترُ) عن عيون الناسِ؛ لحديث: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ.
. فَلْيَسْتَتِرْ" صححه ابنُ

الجزء: 1 - الصفحة: 125

وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلَا يَتكلَّمُ،

حبان 246، ويحصل السترُ بكلِّ ما يُعدُّ ساترًا؛ كالوَهْدةِ والرابيةِ والدابةِ، وكذا بإرخاء الذيلِ على الصحيح.
ويُشترط: ألَّا يزيد ما بينه وبين ما يَستره على ثلاثة أذرعٍ، وأن يكون الساترُ مرتفعًا قدرَ ثلثي ذراعٍ.
(ولا يَبولُ في ماءٍ راكدٍ) للنهي عنه 247؛ لما فيه من التنجيس إن كان قليلًا، والاستقذارِ إن كان كثيرًا، (وجُحْرٍ) وهو الثَّقْب النازلُ المستديرُ؛ لصحة النهي عنه 248، ولأنه قد يكون فيه حيوانٌ ضعيفٌ فيتأذى، أو قويٌّ فيؤذيه أو يُنجِّسه، (ومهب ريح) خوفًا من عودِ الرشاشِ.
(ومتحدَّث) وهو مكانُ الاجتماعِ، (وطريق) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قالوا: وما اللعانان؟ قال: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ" رواه مسلم 249، وفي رواية: "فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَجَالِسِهِمْ" 250، سماهما لَعَّانين؛ لأنهما سببُ اللَّعْنِ.
(وتحت مُثمِرة) لئلا يَتنجَّس ثمارُها فتفسد، أو تعافَها الأَنفسُ، وسواءٌ كان عليها ذلك الوقتِ ثمرٌ أم لا، لكنَّ الكراهةَ عند عدم الثمرةِ أخفُّ.
(ولا يتكلم) أي: يُكره؛ لثبوت النهي عنه 251، وأن الله يَمقتُ على ذلك.
نعم؛ لو رأى أعمى يَقعُ في بئرٍ، أو حَيَّةً تَقصِد إنسانًا.
. لم يُكره إنذارُه، بل قد يجب.

الجزء: 1 - الصفحة: 126

وَلَا يَسْتَنْجِي بمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَسْتبرِئُ مِنَ الْبَوْلِ. وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولهِ: (بِاسْمِ اللهِ، الَلَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)، وَخُرُوجِهِ: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي).

ويَحرُم قراءةُ القرآنِ؛ كما صَرَّح به ابنُ كجٍّ.
(ولا يستنجي بماءٍ في مجلسه) لئلا يعود إليه الرشاشُ فيُنجِّسه، وهذا في غير الأخليةِ المعتادةِ، لانتفاء العلةِ.
واحتَرز بالماء عن الحجر، فإنه لا يُكرَه، لانتفاء العلةِ.
(ويستبرئ من البول) لحديث: "تنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ" 252. (ويقول عند دخولِه: "باسم الله، اللهم، إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائثِ"، وخروجه: "غفرانَك، الحمد لله الذي أَذْهَب عني الأذى وعافاني") لآثار واردة في ذلك 253. وفي "مُصنَّف عبد الرزاق"، و"ابن أبي شيبة": (أن نوحًا عليه الصلاة والسلام كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأَبْقَى فِيَّ منفعَته، وأذهب عني أذاه") 254. و(الخبث) جمعُ خبيث: ذكور الشياطين، و (الخبائث) جمع خبيثة: إناثهم.
و(الغفران) مأخوذ من الغَفْر وهو الستر، فكأنه سأل الله تعالى تمامَ نعمتِه بتسهيل الأذى وعدمِ حبسِه 255، لئلَّا يفضي إلى شهرته وانكشافه.
وقيل: إنه لما خَلَص من النجو الْمُثقِّل للبدن.
. سأل التخلُّص مما يُثقِّل القلبَ، وهو الذنب؛ لتكمُل الراحةُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 127

وَيَجِبُ الاسْتِنْجَاءُ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ: كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَشَرْطُ الْحَجَرِ: أَلَّا يَجِفَّ النَّجَسُ، وَلَا يَنْتَقِلَ، وَلَا يَطْرَأَ

(ويجب الاستنجاء) لأحاديث، منها: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ" 256، (بماءٍ أو حجرٍ) الحجر؛ للحديث المذكور، والماء بطريق الأولى؛ لإذهابه العينَ والأثرَ.
(وجمعهما أفضل) لقصة أهل قباء في ذلك أخرجها البزار 257، لكن قال المصنفُ في "شرح المهذب": إنه لا أصل له في كتب الحديث، بل الذي فيها: أنهم قالوا: (كنا نستنجي بالماء)، وليس فيها (مع الحجر)، كذا رواه الإمام أحمد وابن خزيمة في "صحيحه" 258. فيُقدِّم الحجرَ ثم الماءَ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل العينَ، والماءَ يُزيل الأثرَ.
(وفي معنى الحجر: كلُّ جامدٍ طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترم) لحصول الغرضِ به؛ كالحجر، فخرج بـ (الجامد) المائعُ، وبـ (الطاهر) النجسُ والمتنجسُ، وبـ (القالع) الزجاجُ والقصبُ الأملسُ ونحوُهما، وبـ (غير المحترم) المحترمُ؛ كالعظم وغيرِه من المطعومات.
(وجلدٍ دبغ دون غيره) من الْمُذكَّى؛ إذ غيرُ المذكَّى نَجِسٌ إذا لم يُدبغ، فخرج بقوله: (طاهر) (في الأظهر) لأن غيرَ المدبوغِ فيه لُزوجة تمنع التنشيف، بخلاف ما بعده إذ ينقلب إلى طبع الثياب، والثاني: يجوز مطلقًا؛ لأنه مزيل غير محترم، والثالث: لا مطلقًا؛ لأنه من جنس ما يؤكل.
(وشرطُ الحجر: ألَّا يَجِفَّ النَّجَس) لأنه إذا جَفَّ لا يُزيله الحجرُ، (ولا يَنتقلَ) النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج؛ لأن المحل قد طرأ عليه نجاسةٌ، لا بسبب الخروج، فصار كما لو وقعت عليه من خارج، (ولا يطرأَ) على المحل

الجزء: 1 - الصفحة: 128

أَجْنَبِيٌّ. وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ وَحَشَفَتَهُ. . جَازَ الْحَجَرُ فِي الأَظْهَرِ. وَيَجِبُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِ. . وَجَبَ الإِنْقَاءُ، وَسُنَّ الإِيتَارُ، وَكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ،

المتنجس بالخارج (أجنبيٌّ) نجس؛ كما لو استنجى بشيء نَجِسٍ، حتى أنه لو استنجى بجلد كلب.
. وجب العدد والتعفير؛ كما ذكره في "شرح المهذب" 259. (ولو نَدَرَ) الخارجُ؛ كخروج دمٍ وقيحٍ ومذيٍ (أو انتشر فوقَ العادةِ، ولم يجاوز صفحتَه) إن كان غائطًا (وحشفتَه) إن كان بولًا (. . جاز الحجر) وما في معناه (في الأظهر).
أما النادرُ: فلأن انقسامَ الخارجِ إلى معتادٍ ونادرٍ مما يتكرَّر، ويعسر البحثُ عنه؛ فأُنيط الحكمُ بالمخرج، ووجه مقابله: أن الاقتصارَ على الحجر على خلاف القياس ورد فيما تَعُمُّ به البلوى، فلا يلتحق به غيرُه.
وأما المنتشر: فلعسر الاحتراز، ووجه مقابله: أن الرخصةَ إنما وردتْ فيما يَعُمُّ ويغلب، وليس هذا منه.
والمراد بـ (العادة): عادةُ الناس، وقيل: عادةُ نفسِه.
(ويَجِبُ ثلاثُ مسحاتٍ) لثبوت النهي عن الاستنجاء بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ 260. (ولو بأطرافِ حجرٍ) أي: أقيم الحجر الذي له ثلاثةُ أحرفٍ مقامَ الأحجارِ الثلاثةِ؛ إذ المقصودُ تَعدُّد المسحاتِ.
(فإن لم يُنْقِ) المحلَّ بالثلاث (. . وجب الإنقاء) برابع فأكثر؛ لأنه المقصودُ من الاستنجاءِ.
(وسُنَّ الإيتارُ) لحديث: "مَنِ اسْتَجْمَرَ.
. فَلْيُوتِرْ" متفق عليه 261. (وكلُّ حجرٍ لكلِّ محلِّه) فيضع واحدًا على مُقدَّم الصفحةِ اليمنى، ويُمِرُّه على الصفحتين حتى يصلَ إلى ما بدا منه، ويضع الثانِيَ على مُقدَّم اليسرى، ويفعل مثلَ

الجزء: 1 - الصفحة: 129

وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ. وَيُسَنُّ بِيَسَارِهِ. وَلَا اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ فِي الأَظْهَرِ.

ذلك، ويُمِرُّ الثالثَ على الصفحتين والْمَسْرُبةِ 262؛ لحديثٍ غريبٍ في ذلك.
(وقيل: يُوزَّعن) أي: الأحجارُ (لجانبيه) أي: جانبي المحلِّ (والوسطِ) فيمسح بحجرٍ الصفحةَ اليمنى، وبالثاني اليسرى، وبالثالث الوسطَ؛ لحديث: "أَوَ لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثةَ أَحْجَارٍ: حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ، وَحَجَرٍ لِلْمَسْرُبَةِ" 263. (ويُسنُّ) الاستنجاء (بِيساره) للنهي عنه باليمنى؛ تكريمًا لها 264. (ولا استنجاءَ لدود وبَعْرٍ بلا لَوْثٍ في الأظهر) إذ المقصودُ من الاستنجاء: إزالةُ النجاسة، أو تخفيفُها عن المحلِّ، فإذا لم يتلوث المحلُّ.
. فلا معنى للإزالةِ، ولا للتخفيف، والثاني: نعم؛ لأنه لا يَخلو عن رطوبةٍ وإن خفيتْ، كذا عَلَّلوه، وفيه إحالةُ صورةِ المسألةِ.


الجزء: 1 - الصفحة: 130

بابُ الوضوء فَرْضُهُ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ.

﴿باب الوضوء﴾ هو بضم الواو: اسمُ الفعل، وبالفتح: اسمُ الماء الذي يُتوضَّأ به، وأصله: من الوضاءة، وهي النظافةُ والنضارةُ والضياءُ من ظلمة الذنوبِ، وهو في الشرع: أفعالٌ مخصوصةٌ، مُفتتحةٌ بالنية 265. وكان فَرضُه مع فرضِ الصلاةِ؛ كما رواه ابن ماجه 266. واختلفوا في خصوصيته بهذه الأمة.
(فرضُه) أي: أركانه (ستةٌ: أحدها: نيةُ رفعِ حدثٍ) لحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 267، والمراد: رفعُ حكمِه، وإلّا.
. فالحدثُ إذا وقع.
. لا يَرتفع.
(أو استباحةِ) شيءٍ (مفتقرٍ) صحته (إلى طهرٍ) كالصلاة، ومسّ المصحف؛ لأن رفعَ الحدثِ إنما يُطلَب لهذه الأشياءِ، فإذا نواها.
. فقد نوى غايةَ القصدِ.
ولو قال: (إلى وضوء).
. لكان أولى؛ لأن القراءةَ، والمكثَ في المسجد مفتقران إلى طهير، وهو الغسل، مع أنه لا يصح الوضوء بنية استباحتِهما.
وأجيب: بأن ذلك خرج بقوله: (استباحة) لأن نيةَ استباحةِ القراءةِ، والمكثِ تحصيلٌ للحاصل.
(أو أداءِ فرضِ الوضوءِ) قياسًا على الصلاةِ، وقضيته: أنه لا بُدَّ من التَّعرُّض للأمرين، وليس كذلك، بل يكفي أداء الوضوء بإسقاط لفظة: (فرض)، وفرض الوضوء بإسقاط لفظة (أداء)، بل صَحَّح في "شرح المهذب"، و"التحقيق" إجزاءَ

الجزء: 1 - الصفحة: 131

وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ. . كَفَاهُ نِيَّةُ الاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتبَرَةٍ. . جَازَ فِي الصَّحِيحِ، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ. . فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ.

نيةِ الوضوءِ فقط 268. (ومن دام حدثُه؛ كمستحاضةٍ.
. كفاه نيةُ الاستباحةِ) المارّة (دون الرفعِ على الصحيح فيهما).
أما الاكتفاءُ بنية الاستباحةِ.
. فقياسًا على التيمّمِ، وأما عدمُ الاكتفاءِ برفع الحدثِ.
. فلبقاء الحدثِ.
ومقابله: الصحيح في الأولى: أنه لا بدّ من الجمع للاستباحة والرفع معًا، وفي الثانية: يجوز الاقتصارُ على أيهما شاء؛ لأن نيةَ رفع الحدثِ تتضمن الاستباحةَ، ولو نوى أداء الوضوء.
. صحّ أيضًا.
وقد يوهم كلامُ المصنفِ أنه تكفيه نيةُ الاستباحةِ، وأنه يستبيح ما شاء وليس كذلك، بل حكم نيته: حكم المتيمّم حرفًا بحرف، وهو إن نوى استباحةَ الفرضِ.
. استباحَه، وإلَّا.
. فلا، على المذهب.
(ومن نوى تبرُّدًا مع نيةٍ معتبرةٍ) كما مرّ (. . جاز في الصحيح) لحصول ذلك وإن لم ينوه؛ كما لو نوى بصلاته الفرضَ وتحيةَ المسجد، والثاني: المنع للتشريك بين قربة وغيرها.
(أو) نوى بوضوئه (ما يُندب له وضوءٌ؛ كقراءةٍ.
. فلا) يصح (في الأصح) لأنه مباحٌ مع الحدث، فلا يتضمن قصدُه قصدَ رفع الحدث، والثاني: يصح؛ لأن قصدَه أن يكون ذلك الفعلُ على أكملِ الأحوالِ، وإنما يكون كذلك إذا ارتفع الحدثُ.
أما لو نوى ما لا يندب له الوضوء؛ كدخول السوق.
. لم يَصحَّ جزمًا.
(ويجب قرنها بأول) ما يغسل من (الوجه) لتقترن بأول الفرض كالصلاة، (وقيل: يكفي) قرنها (بسنة قبلَه) لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصحُّ: المنع؛ إذ المقصود من العبادة أركانها، والسنن توابعُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 132

وَلَهُ تفرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ مَنَابتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأَصحِّ، لَا النَّزعَتَانِ، وَهُمَا: بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ.

ومحل الخلاف: إذا غربت قبل غسل الوجه، فإن بقيت إلى غسله.
. جاز، بل هو الأفضل ليثاب على السنن السابقة.
(وله تفريقها) أي: النية (على أعضائه في الأصح) بأن ينوي عند كلِّ عضوٍ رفعَ الحدثِ عنه؛ كما يجوز تفريقُ أفعالِه، والثاني: لا؛ كالصلاة.
(الثاني: غسلُ وجهه) أي: انغساله بالإجماع؛ للآية، (وهو: ما بين مَنابت) شعر (رأسه غالبًا ومنتهى لَحييه) أي: آخرهما، هذا حدُّه طولًا، (و) عرضُه: (ما بين أذنيه) لأن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، والمواجهةُ تقع بذلك.
واحترز بقوله: (غالبًا) عن الصلع، وقال الإمام: لا حاجةَ إلى هذا القيدِ؛ لأن مَنبتَ الشيءِ: ما صلح لنباته فيه، وغيرَ مَنبتِه: ما لا يصلح، فالناصيةُ: مَنبتٌ وإن انحسر عنها الشعرُ لعارض، والجبهةُ: ليست مَنبتًا وإن نبت عليها الشعرُ لعارض.
ولا بدّ مع ما ذكره مِنْ غَسل ما يتحقق به استيعابُ الوجهِ، وهو جزءٌ من الرأس والرقبةِ، وما تحت الذقن؛ كما في "زيادة الروضة" عن الأصحاب 269. (فمنه موضع الغَمَمِ) وهو الشعر النابتُ على الجبهة؛ لحصول المواجهة به، والغَمَمُ: مأخوذٌ من غمّ الشيءَ إذا ستره، ومنه غمّ الهلال.
(وكذا التحذيفُ في الأصح) لمحاذاته بياض الوجه، وسمي بذلك؛ لأن النساءَ وغيرَهن من الأشراف يَحذفون الشعرَ عنه ليتسع الوجهُ.
وضابطُه: أن يَضع طرفَ خيطٍ على رأس الأذن، والطرفَ الثانِيَ على أعلى الجبهةِ، ويفرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجهِ فهو موضعُ التحذيف، كذا قاله الإمام، وجزم به في "الدقائق" 270. (لا النزعتان، وهما: بياضان يَكتنفان الناصيةَ) فليستا من الوجه؛ لأنهما

الجزء: 1 - الصفحة: 133

قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ وَحَاجِبٍ وَعِذَارٍ وَشَارِبٍ وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعْرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفقَةٍ كَثِيفَةٍ. وَاللِّحْيَةُ إِنْ خَفَّتْ. . كَهُدْبٍ، وَإِلَّا. . فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ. الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ. . وَجَبَ مَا بَقِيَ، أَوْ مِنْ مِرْفَقِهِ. . فَرَأْسُ عَظْمِ الْعَضُدِ

في حد تدوير الرأسِ.
(قلت: صَحَّح الجمهورُ: أن موضعَ التحذيفِ من الرأس، والله أعلم) لاتصال الشعر به، فلا يصير وجهًا بفعل بعض الناسِ.
(ويَجب غَسلُ كلِّ هُدْبٍ، وحاجبٍ، وعِذارٍ، وشاربٍ، وخَدٍّ، وعَنْفقةٍ؛ شعرًا وبشرًا) أما الشعر: فقياسًا عَلى السلعةَ على محلّ الفرض، وأما البشرة: فلندرة كثافةِ شعورِ هذه، (وقيل: لا يجب) غسل (باطن عَنْفقةٍ كَثيفةٍ) كاللحية، والأصح: الوجوب؛ لأن كثافتَها نادرةٌ.
(واللحيةُ) من الرجل (إن خفتْ.
. كهُدْبٍ) فيما مرّ، (وإلَّا) أي: وإن لم تَخِفَّ بل كَثُفَتْ (. . فليَغسل ظاهرَها) ولا يجب غسلُ باطنها؛ لما فيه من المشقة، والأصح: أن الخفيفةَ: ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب، والكثيفةَ: ما لا ترى، ولو خَفَّ بعضٌ، وكَثُفَ بعضٌ.
. فلكلٍّ حكمُه، إلَّا ألّا يتميز، فيجب غَسلُ الجميع.
(وفي قول: لا يَجب غَسلُ خارجٍ عن) حَدِّ (الوجه) لخروجه عن محلِّ الفرضِ؛ كالذؤابة من الرأس، والأصح: الوجوبُ؛ لحصول المواجهةِ به.
(الثالث: غَسلُ يديه) بالإجماع (مع مرفقيه) للآية.
و(إلى) فيها بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: مع أموالِكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مع الله، كذا قاله الرافعي وغيرُه، واعترضه في "المهمات" بما فيه طولٌ 271. (فإن قُطعَ بعضُه) أي: بعضُ الواجب (. . وجب) غَسلُ (ما بقي) لأن الميسورَ لا يَسقُط بالمعسور، (أو من مِرفقه.
. فرأسُ) أي: فيجب غَسل رأسِ (عظمِ العضدِ

الجزء: 1 - الصفحة: 134

عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ فَوْقَهُ. . نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ. الرَّابعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ، أَوْ شَعْرٍ فِي حَدِّهِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ غَسْلِهِ، وَوَضْعِ الْيَدِ بِلَا مَدٍّ. الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ.

على المشهور) هذا مُفرَّع على أن المِرفقَ اسم لمجموع العظمين، وهو الراجح.
ومقابله: مُفرَّع على أنه طرفُ عظمِ الساعدِ فقط، ووجوبُ غَسلِ رأسِ العضدِ بالتبعية.
(أو فوقَه) أي: قطع من فوق المرفقِ (. . نُدِبَ غَسل باقي عضده) كما لو كان سليمًا؛ لتطويل التحجيلِ.
(الرابع: مسمى مسحٍ لبشرةِ رأسِه، أو شعرٍ في حَدِّه) أي: حدّ الرأس ولو قدر رأس إبرة من البشرة، أو بعض شعرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
والمراد: البعضُ؛ لأنه يَصدُق إذا مسح بعضَ رأسِه أن يقال: مسح رأسَه؛ كما يقال: قَبَّلتُ رأسَ اليتيم وإن لم يُقبل منه إلا بعضَه.
وأفهم: أن كلًّا من الشعر والبشر أصل؛ فإنه خير بينهما وهو الأصحُّ، بخلاف ما لو غسل بشرةَ الوجهِ وترك شعرَه.
. فإنه لا يجزئ على الصحيح في "شرح المهذب" 272. والفرق: أن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، وهي إنما تقع بالشعر لا بالبشرة.
والرأس: اسمٌ لما رأس وعلا، وكلّ من الشعر والبشرِ عالٍ.
(والأصح: جوازُ غسلِه) لأنه مسحٌ وزيادةٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا.
(ووضعِ اليد بلا مدٍّ) لأن المقصودَ وصولُ البللِ، وقد وصل، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا.
(الخامس: غسل رجليه مع كعبيه) لما سبق في المِرفق.
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مَفصِل الساق والقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هكَذَا، فَلَوِ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ تقدِيرُ تَرْتيبٍ بأَنْ غَطَسَ وَمَكُثَ. . صَحَّ، وَإِلَّا. . فَلَا. قُلْتُ: الأَصَحُّ: الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَسُنَنُهُ: السِّوَاكُ عَرْضًا بِكُلِّ خَشِنٍ،

(السادس: ترتيبه هكذا) للاتباع 273، وقَدَّم الوجهَ؛ لشرفه، ثم اليدين؛ لبروزهما والعملِ بهما غالبًا، ثم الرأسَ؛ لشرفه.
(فلو اغتسل محدثٌ) حدثًا أصغر فقط (. . فالأصح: أنه إن أمكن تقديرُ ترتيبٍ؛ بأن غَطَسَ ومَكَثَ.
. صح) لحصول الترتيبِ والحالةُ ما ذكر، والثاني: لا يصح؛ لأن الترتيب تقديري لا تحقيقي.
(وإلّا.
. فلا) لفقدان الترتيب، (قلت: الأصح: الصحة بلا مُكث، والله أعلم) قال في "شرح المهذب": (لأنه يقدر الترتيب في لحظاتٍ لطيفةٍ) انتهى 274. واعترض: بأن ذلك خلافُ الفرض؛ إذ الفرضُ أنه لا يمكن تقديرُ ترتيبٍ.
(وسننه: السواك) لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.
. لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ" علقه البخاري 275، (عرضًا) أي: عرضَ الأسنان في طول الفم؛ لحديث: "إِذَا اسْتكْتُمْ.
. فَاسْتَاكُوا عَرْضًا" 276، وقد قيل: إن الشيطان يستاك طولًا.
نعم؛ اللسانُ يستاك فيه طولًا؛ كما ذكره الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة"، واستشهد له بحديث في "سنن أبي داوود" 277. (بكل خشن) لحصول المقصود.
نعم؛ يكره بالْمِبرد، وبعود الريحانِ الذي يؤذي، ويحرم بما فيه سمّ من العيدان، قاله في "الخصال".

الجزء: 1 - الصفحة: 136

إِلَّا إِصْبَعَهُ فِي الأَصَحِّ، ويُسَنُّ لِلصَّلَاةِ

والأفضل: الأراك؛ تأسيًا به صلى الله عليه وسلم؛ كما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" 278. (إلَّا إصبعَه في الأصح) لأنها لا تسمى سواكًا، هذا إذا كانت متصلةً، فإن انفصلت -وقلنا بطهارتها-.
. اتجه الإجزاءُ وإن كان دفنُها على الفور واجبًا، قاله الإسنوي، والثاني: يجزئ، واختاره في "شرح المهذب" لحصول المقصود 279. واحترز بـ (إصبعه): عن إصبعِ غيرِه الخشنةِ؛ فإنها تجزئ قطعًا، قاله في "الدقائق" 280. (ويسن للصلاة) وإن لم يكن الفمُ متغيرًا؛ لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.
. لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" متفق عليه 281. وعن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: "رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ" رواه الحميدي بإسنادٍ كلُّ رجالِه ثقاتٌ 282. قال ابن الملقن: (وإذا ضُمَّ إلى هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ.
. ." 283 الحديث.
. كانت صلاةُ الجماعةِ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين، ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة، والخشوعِ، وكمالِ الطهارة وغيرِ ذلك من الأمور المطلوبةِ في الصلاة؛ مما لا يُحصيه إلّا الله تعالى.
وإذا ضُمَّ إلى ذلك روايةُ أبي داوود: "الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا.
. بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً" صححه ابن حبان، والحاكمُ 284. . زادتِ المضاعفةُ، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَنْ يشاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 137

وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ

ثم الحديثُ المذكور دالٌّ على أن السواك أفضلُ من صلاة الجماعةِ؛ لأن الفضلَ الواردَ فيه أكثرُ من فضلها، وفيه وقفةٌ) انتهى 285. وما ذكره؛ من التضاعف في الجماعة إلى ألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين.
. لا يصحّ؛ لأن الذي ورد في الحديث: "رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ"، فكان ينبغي أن يقول: ركعتان في جماعةٍ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين ركعةً.
نعم؛ يصح ما ذكره على رواية: "صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً" لكنه لم يثبت 286. (وتغيرِ الفم) بكل ما يُغيره؛ من نومٍ أو غيرِه؛ لحديث: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" علقه البخاري 287. وأورد على المصنف: أنه إن أراد أنه لا يُسن السواكُ إلَّا في هذه المواضع.
. فليس كذلك، بل هو سنة في كلِّ حالٍ، إلَّا ما سيجيء، وإن أراد أنه لا يتأكد إلَّا في هذه المواضع.
. فليس كذلك أيضًا، بل يتأكد لقراءة القرآن، واصفرار الأسنان وإن لم يتغير الفمُ، ولدخول البيتِ، والاستيقاظِ من النوم.
(ولا يُكره إلَّا للصائم بعد الزوالِ) لحديث: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" متفق عليه 288. وجه الدلالة: أنه أثر عبادةٍ مشهود له بالطيب، فكره إزالته؛ كدم الشهيدِ، كذا قاله الرافعي وغيرُه 289. واعترض: بأن قضيةَ هذا القياسِ تحريمُ إزالتِه لا كراهتُه.
قال الإسنوي: فلو قيل: فكان بقاؤه راجحًا على تركِه؛ كدم الشهيد.
. لسلم من

الجزء: 1 - الصفحة: 138

وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ، فَإِنْ تَرَكَ. . فَفِي أَثْنَائِهِ. وَغَسْلُ كَفَّيْهِ،

ذلك، وإنما لم يحرم؛ كإزالة دم الشهيد؛ لأن في إزالة دمِ الشهيدِ تفويتَ فضيلةٍ على الشهيد، لم يأذن فيها، فليس إزالةُ دمِ الشهيد نظيرَ مسألتِنا.
ونظيرُ إزالةِ دمِ الشهيدِ: أن يُسوّك إنسانٌ شخصًا صائمًا بغير إذنه، ولا شك في تحريمه؛ كما قاله الإسنوي.
ونظيرُ مسألةِ السواكِ من الشهيد: أن يزيل الشهيدُ الدمَ عن نفسه في مرضٍ يغلب على ظنِّه الموتُ فيه بسبب القتالِ.
فتفويتُ المكلَّف الفضيلةَ على نفسه جائزٌ، وتفويتُ غيرِه لها عليه لا يجوز، إلَّا بإذنه.
وإنما اختصت الكراهةُ بما بعد الزوالِ؛ لأن التغير بعدَ الزوالِ يكون غالبًا؛ لخلو المعدة بسبب الصومِ، وأما في غير هذه الحالةِ.
. فإنه من أثر الطعامِ.
وفي قول: أنه لا يكره مطلقًا، وقال في "شرح المهذب": إنه المختار 290، وعلى الأصحِّ: تزول الكراهةُ بالغروب على الأصحِّ.
ويُندب السواكُ باليد اليمنى؛ كما صرح به في "شرح مسلم" في (باب الاستطابة)، واقتضاه كلام "الأذكار" أو صريحه في (باب اللباس) 291. (والتسمية أوله) أي: أولَ الوضوءِ؛ لأخبارٍ واردةٍ في ذلك 292، قال الرافعي: (ويقول: بسم الله قاصدًا التيمنَ والتبركَ) 293، وقال في "شرح المهذب": (الأكمل: أن يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) 294. (فإن ترك) سهوًا، أو عمدًا (. . ففي أثنائه) تداركًا لما فات.
(وغسل كفيه) إلى الكوعين اتباعًا، قال الإمام: وهذا الاستحباب ليس لأجل

الجزء: 1 - الصفحة: 139

فَإِنْ لَمْ يَتيَقَّنْ طُهْرَهُمَا. . كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا. وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، ثُمَّ الأَصَحُّ: يُمَضْمِضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ.

الحدثِ، بل لتوقع الخبث وإن بعد 295. (فإن لم يتيقن طهرَهما.
. كرِهَ غمسُهما في الإناء) إذا كان يسع دون القلتين (قبل غَسلهما) لحديث: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ.
. فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" متفق عليه 296، والحكمة في ذلك: توهمُ النجاسة، وقضيتُه: زوالُ الكراهةِ بالغسل مرةً، والذي في "زوائد الروضة" عن البويطي والأصحابِ: أنها لا تزول إلَّا بالغَسل ثلاثًا؛ لرواية مسلم: "حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا" 297. (والمضمضمة والاستنشاق) للاتباع 298، ولا يجبان؛ لحديث: "لَا تتَمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم 299. (والأظهرُ: أن فصلهما أفضلُ) من الجمع؛ لحديث فيه، لم يضعفه أبو داوود 300، (ثم الأصح) على قول الفصلِ (يُمضمض بغَرفةٍ ثلاثًا، ثم يَستنشِق بأخرى ثلاثًا) لئلا ينتقل إلى عضو إلّا بعد كمال ما قبله، والثاني: ست غرفات يَتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث؛ لأنه أنظف ولكنه أضعف.
(ويبالغ فيهما غير الصائم) لحديث لَقِيط بن صَبِرَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 140

قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تفضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ، يُمَضْمِضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتثلِيثُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ.

تكُونَ صَائِمًا"، صححه الترمذي وغيرُه 301. وفي روايةٍ صحيحةٍ كما قال ابن القطان: "إِذَا تَوَضَّأْتَ.
. فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا" 302، والمعنى فيه: مخافةُ وصولِ الماءِ إلى البطن والدماغِ.
والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أصل الحنك ووجهي الأسنان، ويمر الإصبع عليها.
والمبالغة في الاستنشاق: أن يَصعد ماءُ الاستنشاق بنفسه إلى الخيشومِ، مع إدخال الإصبعِ اليسرى، وإزالةِ ما هناك من أذى.
(قلت: الأظهر: تفضيلُ الجمع بثلاثِ غُرَفٍ، يُمضمض من كلٍّ ثم يَستنشِق، والله أعلم) لصحة الأحاديث الصريحة في ذلك.
ولم يثبت في الفصل شيءٌ؛ كما قاله ابن الصلاح، والمصنفُ في "شرح المهذب" 303. قال الشيخ عز الدين: وقُدمت المضمضةُ على الاستنشاق؛ لشرف منافعِ الفمِ؛ فإنه مَدخلُ الطعام والشرابِ اللذين بهما قوامُ الحياة، وهو محلُّ الأذكار الواجبةِ والمندوبةِ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر.
(وتثليث الغَسل) بالإجماع (والمسح) لأنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه ثلاثًا، رواه أبو داوود 304، (ويأخذُ الشاكُّ باليقين) للأصل؛ كما لو شك في عدد الركعات.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ ثُمَّ أُذُنَيْهِ، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ. . كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ وَأَصَابِعِهِ.

(ومسحُ كلِّ رأسِه) لأنه أكثر ما ورد في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم، وللخروج من الخلاف، (ثم أذنيه) بماءٍ جديدٍ للاتباع؛ كما رواه الحاكم، وصححه البيهقي 305. (فإن عَسُرَ رفعُ العِمامة) ونحوِها؛ كالقلنسوة والخمار عن الرأس (. . كمَّلَ بالمسح عليها) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 306. وقوله: (كمل) يفهم أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة، وادعيا القطعَ بذلك 307. واعترض: بأن في "البحر" عن محمد بن نصر المروزي أنه يجوز الاقتصار على العمامة 308، وفي "البخاري" أنه عليه الصلاة والسلام مسح على عمامته وخفيه 309. (وتخليل اللحية الكثة) بالأصابع؛ للاتباع؛ كما صححه الترمذي وغيرُه 310، والعارض كاللحية.
وهذا في لحية الرجل، أما المرأة والخنثى: فيجب فيهما التخليل، واستثنى صاحبُ "التتمة" في (كتاب الحج) المحرمَ، فقال: لا يُخلِّل لحيتَه؛ لأنه يؤدي إلى تساقط شعرِها.
(و) تخليلُ (أصابعِه) لحديث لَقيط بن صَبِرة المار، وشمل أصابعَ اليدين والرجلين، وبه صرح في "الدقائق"، ونقله الرافعي عن ابن كجّ 311، والتخليلُ في اليدين بالتشبيك.

الجزء: 1 - الصفحة: 142

وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى. وَإِطَالَةُ غُرَّتهِ وَتَحْجِيلِهِ. وَالْمُوَالَاةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ

ويستحب في الرجلين: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسافلِ الأصابعِ مبتدئًا بخنصر الرجلِ اليمنى، ومختتمًا بخنصر اليسرى، كذا في "الشرح"، و"الروضة" 312، وقيل: اليمنى واليسرى في ذلك سواءٌ، ورجحه في "شرح المهذب"، واختاره في "التحقيق" 313. (وتقديم اليمنى) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله 314، والحكمة فيه: أن اليمين مأخوذةٌ من اليمن، وهو حصولُ الخير.
والشمال تسمى الشؤمى، قاله القفال في "محاسن الشريعة".
ويستثنى الخدان والأذنان، فيغسلان معًا، فإن كان أقطع أو به علة تمنعه من ذلك.
. قدم اليمين، والكفان كالأذنين على الأصحِّ.
(وإطالةُ غُرَّتِه وتَحجيلِه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ.
. فَلْيَفْعَلْ" 315. والغرة: غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق مع الوجه، والتحجيل: غسل بعض العضدين مع الذراعين، وبعض الساقين مع الرجلين، وغايته: استيعاب العضد والساق.
(والموالاةُ) للخروج من خلافِ مَنْ أوجبها، وهي: التتابع بحيث لا يحصل بين العضوين تفرقةٌ كثيرةٌ، بحيث لا يَجِفّ المغسول قبل شروعه في العضو الثاني، مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخص، والاعتبار: بآخر غسلةٍ مِنْ آخر مغسول.
(وأوجبها القديم) لأنه عبادة يُبطلها الحدث، فأبطلها التفريق الكثير؛ كالصلاة، وهو منقوض بالطواف، وأيضًا الصلاة يُبطلها التفريق اليسير عامدًا، ولا يُبطل الوضوءَ إجماعًا، وشرط الوجوب على القديم: إذا كان التفريق بلا عذر،

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وَتَرْكُ الاسْتِعَانَةِ وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ. وَيَقُولُ بَعْدَهُ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ). وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأَعْضَاءِ؛ إِذْ لَا أَصْلَ لَهُ.

وإن كان بعذر.
. لم يضر.
(وترك الاستعانة) لأنها نوع من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب، والمراد: الاستعانة بالصبّ عليه لغير عذر، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره.
فإن كان عذر؛ كمرض خفيف.
. فلا تكون خلافَ الأولى، فإن كان به مرضٌ شديدٌ، أو أقطع.
. لزمه الاستعانة ولو بأجرة.
أما الاستعانة بمن يغسل الأعضاء بلا عذر ترفعًا.
. فهذا مكروه قطعًا، وأما الاستعانة في إحضار الماء والإناء والدلو.
. فمباحةٌ، ولا تكون خلافَ الأولى.
(والنفض) لأنه كالتبري من العبادة، (وكذا التنشيفُ في الأصح) لأنه أثر عبادة، فكان تركه أولى، والثاني: إنه مكروه؛ كإزالة الخلوف، والثالث: إنه مباح، واختاره في "شرح المهذب" إذ لا دليل على المنع، ولا على الندب 316. (ويقول بعده: "أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك") لأحاديث صحيحة في الحث على ذلك 317. (وحذفتُ دعاءَ الأعضاء؛ إذ لا أصلَ له) في كتب الحديث وإن عدّه في "المحرّر" من السنن 318.


الجزء: 1 - الصفحة: 144

بابُ مسح الخُفِّ يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ لِلْمُقِيمِ: يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ: ثَلَاثَةً بِلَيَالِيهَا، مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ، فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ. . لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ.

﴿باب مسح الخف﴾ الأصل فيه: أحاديث؛ منها: حديث جرير البَجَلِي قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم تَوضّأ، ومسح على خُفيه) متفق عليه 319. قال الترمذي: (وكان يُعجبهم حديثُ جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة) أي: فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخًا للمسح، كما صار إليه بعض الصحابة 320. (يجوز في الوضوء للمقيم يومًا وليلةً وللمسافر) سفر قصر (ثلاثة بلياليها) لحديث علي في ذلك، أخرجه مسلم 321. وخرج بـ (الوضوء): الغسلُ، فإنه لا يتكرر، فلا يشقّ نزع الخفّ لأجله، بخلاف الوضوء، وهذا في السليم.
أما دائم الحدث إذا تطهر، ثم لبس الخفّ، ثم أحدث غيرَ حدثه الدائم.
. حلَّ له المسحُ لفريضة واحدة ونوافلَ على الأصحِّ، فلو أحدث بعد فعل الفريضة.
. مسح ولم يصلِّ به إلَّا النوافلَ فقط.
(من الحدث بعد لبس) فلو أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة.
. لم يجز المسح حتى يستأنف لبسًا على طهارة، وما لم يحدث.
. لم تُحسب المدة ولو بقي شهرًا مثلًا؛ لأنها عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة.
(فإن مسح حضرًا، ثم سافر، أو عكس) أي: مسح سفرًا ثم أقام (. . لم يستوف مدة سفر) بل يقتصر على مدة مقيم في الأولى، وكذا في الثانية إن أقام قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 145

وَشَرْطُهُ: أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، سَاتِرَ مَحَلِّ فَرْضِهِ، طَاهِرًا، يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْي فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، قِيلَ: وَحَلَالًا.

استيفائها، فإن أقام بعد ذلك.
. أجزأه المسح فيما مضى وإن زاد على يوم وليلة؛ لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فيغلب فيها حكمُ الحضر؛ كما لو كان مقيمًا في أحد طرفي صلاته.
. لا يجوز له القصرُ.
(وشرطه) أي: جواز المسح (أن يلبس بعد كمال طهر) لحديث أبي بكرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)، قال الشافعي والخطابي: إنه صحيح الإسناد 322، وشمل تنكيرُه الطهرَ التيممَ، والحكم فيه: أنه إن كان لإعواز الماء.
. لم يستفد به المسح، بل إذا وجد الماء.
. لزمه نزعُه، والوضوءُ الكامل على الأصحِّ، وإن كان لمرض ونحوه.
. فكدائم الحدث، وقد مرّ حكمُه.
(ساترَ محل فرضه) من جميع الجوانب، إلّا من الأعلى على الصحيح، ويجزئ الشفافُ؛ كالزجاج إن أمكن متابعةُ المشي عليه، بخلاف رؤية المبيع من ورائه.
(طاهرًا) فلا يصحّ على نَجِس، ولا مُتنجِّس؛ لأنه لا يمكن الصلاةُ فيه.
(يمكن تباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجاته) لأن المسح عليه إنما شُرع لحاجة اللابس إلى استدامته، والاستدامةُ إنما تتأتى فيما هذا شأنه، فلو تعذر المشيُ فيه لثقله؛ كحديد، أو غلظه؛ كخشبة عظيمة.
. امتنع المسحُ عليه، أو لسعته أو ضيقه.
. فكذا في الأصحِّ، فإن كان الضيق يتسع بالمشي.
. جاز قطعًا.
وضبط الشيخ أبو محمد في "التبصرة" أقل ما يكفي المشي عليه بمسافة القصر، واعتمده في "المهمات" 323. (قيل: وحلالًا) فلا يصح على مغصوب ونحوه؛ لأن الرخص لا تُناط بالمعاصي؛ كسفر المعصية، والأصح: أنه لا يشترط؛ لأن المعصية لا تختص باللباس، فلم تمنع الصحة؛ كالذبح بسكين مغصوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الأَصَحِّ، وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ،

(ولا يجزئ منسوج لا يمنع ماء في الأصح) لأنه لا يُعدُّ حائلًا، والثاني: يجزئ؛ كما لو تخرقت الظِّهارة والبِطانة من موضعين غيرِ متحاذيين.
. فإنه يجوز وإن نفذ البللُ، ولا يضرُّ نفوذ الماء من موضع الخرز.
وهل المراد بالماء بلل المسح أو الماء إذا صب عليه؟ وجهان حكاهما القمولي، وجزم في "شرح المهذب" بالثاني 324. وكان الأولى حذف لفظة (منسوج) ليعمّ.
(ولا جرموقان في الأظهر) لندرة الحاجة إليه، فلا تتعلق به هذه الرخصةُ العامة، والثاني: يجزئ؛ لأن الحاجة قد تَدعو إليه؛ لبرد ووَحَلٍ.
ومحل الخلاف: إذا كان كلٌّ منهما صالحًا للمسح عليه، فإن لم يَصلح واحدٌ منهما للمسح عليه.
. لم يصحَّ قطعًا، وإن صلح الأعلى دون الأسفل.
. صحَّ المسح عليه، والأسفل كلِفافة، وإن صلح الأسفل دون الأعلى.
. صح إن وصل البللُ إليه، ولم يكن قصد الأعلى فقط.
(ويجوز مشقوق قدم شُدّ) بالشَرَج، وهي العرى، بحيث لم يظهر من محل الفرض شيء (في الأصح) لحصول الستر، وتيَسُّر المشي فيه، والثاني: المنع؛ كما لو لفّ على القدم قطعةً من أدم، وأحكمها بالشدّ.
(ويسن مسح) ظاهر (أعلاه وأسفله خطوطًا) للاتباع؛ كما أخرجه أبو داوود 325، ويسن مسح العقب أيضًا.
(ويكفي مسمى مسح) لأن المسح ورد مطلقًا، ولم يصحّ في تقديره شيءٌ، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسمُ، ولو غسله.
. أجزأه على الأصح مع الكراهة.
(يحاذي الفرض) من الظاهر؛ لأنه بدلٌ عن الغسل، فلو مسح باطن

الجزء: 1 - الصفحة: 147

إِلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا. . فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ أَجْنَبَ. . وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ. . غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ.

ما يحاذي الفرض.
. لم يُجْزِه قطعًا.
(إلا أسفل الرجل وعقبَها.
. فلا على المذهب) لأن البابَ بابُ اتباع، ولم يرد الاقتصار على الأسفل، وقيل: يكفي؛ لأنهما محلّ الفرض، فأشبها الأعلى.
(قلت: حرفه كأسفله، والله أعلم) لاشتراكهما في عدم الرؤية غالبًا.
(ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة) لأن الأصل غسل الرجلين، والمسحَ رخصة بشرائطَ، فإذا وقع الشكُّ في الشرط.
. عاد الأصلُ.
(فإن أجنب.
. وجب تجديد لُبس) بعد الغسل إن أراد المسح؛ لحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا ألّا ننزع خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليَهن، إلَّا من جنابة) 326. (ومن نزع وهو بطهر المسح.
. غسل قدميه) لأن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا قدر على الأصل.
. زال حكمُ البدل؛ كالمتيمم بعد وجود الماء 327، (وفي قول: يتوضأ) لأن الوضوء عبادة يُبطلها الحدثُ، فيبطل كلها ببطلان بعضها؛ كالصلاة.
وقال في "شرح المهذب": الأقوى: ما اختاره ابن المنذر، أنه لا يلزمه غسل القدمين ولا الوضوء ما لم يُحدث 328، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في الأصول وجهًا لنا 329.


الجزء: 1 - الصفحة: 148

بابُ الغَسْل مُوجِبُهُ: مَوْتٌ، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ، وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فَرْجًا،

﴿باب الغسل﴾ هو بفتح الغين، ويجوز ضمُّها.
(موجبه: موت) لما سيأتي في بابه.
وأورد على طرده الشهيد والكافر؛ فإنه لا يجب غسلُهما، وعلى عكسه السقطُ إذا بلغ أربعةَ أشهرٍ، ولم تَظهر فيه أمارةُ الحياةِ.
. فإنّه يجب غسلُه على المذهب.
وأجيب: بأنه ذكر ذلك كلَّه في (الجنائز) 330، وفيه نظر على أنه لم يَذكر غسلَ السقط.
وقد استشكل الرافعي عَدَّ الموت من الموجبات، فقال: إن أريد الغسل ولو مع الخلوّ عن النية.
. فينبغي أن تعدّ منه نجاسة جميع البدن أو بعضه واشتبه بالباقي ولم يعدوه، وإن أريد الغسل الذي تجب فيه النية؛ فإن كان المرادُ: نية من غسل بدنه.
. خرج الميت، أو مطلقًا.
. فالأصحّ: أن نية الغاسل لا تجب 331. وأجاب بعضهم: بالتزام الشق الأول، ولا يلزم عَدُّ نجاسةِ جميعِ البدنِ من ذلك؛ لأن الكلامَ في الغسل عن الأحداث.
وأجاب السبكي: بالتزام الشق الأول، ومنع عدّ تنجيس البدن من الموجبات؛ إذ الواجب إزالةُ النجس، لا الغسل عينًا، حتى لو فُرض كَشْط جلده.
. حصل المقصود.
(وحيضٌ، ونفاسٌ) بالإجماع (وكذا ولادةٌ بلا بللٍ في الأصح) لأن الولدَ مني منعقدٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى منيًّا.
(وجنابةٌ) بالإجماع (بدخول حشفة أو قدرِها) من مقطوعها (فرجًا) لحديث:

الجزء: 1 - الصفحة: 149

وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْبًا وَبَيَاضِ بَيْضٍ جَافًّا، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ. . فَلَا غُسْلَ. وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ. وَيَحْرُمُ بِهَا مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ،

"إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ.
. فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" صححه ابن حبان 332، فلو غَيَّبَ بعضَ الحشفةِ.
. لم يجب على الأصح؛ لأن التحاذيَ لا يحصل به.
(وبخروج مني) بالإجماع.
والمراد بخروجه في حق الرجلِ: بروزه عن الحشفة إلى الظاهر، وفي حق الثيب: وصولُه إلى ما يجب غَسله في الاستنجاء؛ كما جزم به في "التحقيق" 333. ولو قال: (مني نفسِه).
. لكان أولى؛ ليخرج ما لو استدخل منيَّ غيرِه في ذكره، أو استدخلتْ منيَّ غيرِها وخرج؛ فإنه لا يجب الغُسلُ، ومع هذا يرد عليه ما لو استدخل منيَّ نفسِه ثم خرج.
(من طريقه المعتاد) بالإجماع (وغيره) كما لو انكسر الصُّلبُ، فخرج منه المني مستحكمًا، وقيل: الخارج من غير المعتادِ له حكمُ المنفتحِ في باب الأحداثِ، فيعود فيه التفصيلُ والخلافُ، والصلبُ هنا كالمعدة هناك.
(ويُعرَف بتدفقه) وهو خروجُه بدفعاتٍ، قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، (أو لذةٍ بخروجه) مع فتور الذكرِ وانكسار الشهوةِ عقبه، (أو ريحِ عَجينٍ) أو طلع (رطبًا، وبياضِ بيضٍ جافًّا) أيُّ صفةٍ من الثلاث وُجدت.
. كفت؛ لأن كلَّ واحدٍ منها من خواص المني، لا يشاركه فيه غيرُه.
(فإن فُقدتِ الصفاتُ.
. فلا غُسلَ) لأنه ليس بمني.
(والمرأة كرجل) فيما مَرَّ؛ من حصول الجنابةِ بالطريقين المارين، وما يُعرَف به المنيُّ من الخواص الثلاثِ؛ لعموم الأدلةِ، وأنكر ابنُ الصلاح التدفق في مَنيِّها.
(ويَحرم بها) أي: بالجنابة (ما حرم بالحدث) الأصغر؛ لأنها أغلظُ منه،

الجزء: 1 - الصفحة: 150

وَالْمُكْثُ بِالْمَسْجِدِ لَا عُبُورُهُ، وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ. وَأَقَلُّهُ: نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، وَتَعْمِيمُ شَعرِهِ وَبَشَرِهِ،

(والمكث بالمسجد 334، لا عبوره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وخرج بـ (المسجد): المدارسُ، والرُّبطُ، ومصلّى العيدِ ونحوه.
(والقرآن) باللفظ، وبالإشارة من الأخرس، لا بالقلب؛ تعظيمًا له، ويستثنى فاقدُ الطهورين، فإنه يَقرأ الفاتحةَ في صلاتِه عند المصنف 335، (وتحل أذكاره) أي: أذكار القرآن؛ كتسميةٍ وتحميدٍ واسترجاعٍ إذا كان ذلك (لا بقصد قرآن) لعدم الإخلال والحالةُ هذه بالتعظيم.
وإن قصده وحده، أو معه الذكرَ .. حرم، وإن أطلق .. فلا، ومواعظُه وأخبارُه وأحكامُه كأذكاره.
(وأقله) أي: الغسل (نيةُ رفعِ جنابةٍ) إن كان جنبًا، فأما الحائض: فتنوي رفعَ حدثِ الحيض، كذا في "الروضة" و"أصلها" 336. ومقتضاه: أنه لا يصح أحدُهما بنية الآخر، وهو كذلك في الأصحِّ إن تعمد، فإن غلط .. صح جزمًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في آخر (باب نية الوضوء) 337. (أو استباحةِ مفتقرٍ إليه) أي: الغسل؛ كالصلاة ونحوِها؛ لما سبق في الوضوء.
(أو أداءِ فرضِ الغُسلِ) أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، وكذا أداء الغسل بحذف (الفرض) كما ذكره في "الحاوي الصغير" 338. (مقرونةً بأول فرضٍ) لما مر في الوضوء، وأولُ الفرض هنا: أولُ مغسولٍ، سواء كان من أعلى البدنِ أم أسفلِه؛ لأنه لا ترتيب في الغسل.
(وتعميمُ شعرِه وبشرِه) لأن الحدث عَمَّ جميعَ البدنِ، فيجب تعميمُه بالغَسل،

الجزء: 1 - الصفحة: 151

وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ. وَأَكْمَلُهُ: إِزَالَةُ الْقَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ - وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ - ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، وَيَدْلُكُ، وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهُ مِسْكًا،

  • والمراد بالبشرة: ما يشمل الأظفارَ - بخلاف نقض الوضوء، ويستثنى من الشعر: ما ينبت في العين، فلا يجب غَسله.
    (ولا تجب مضمضة واستنشاق) كما في غسل الميت والوضوء.
    (وأكملُه: إزالةُ القَذَرِ) الظاهر؛ كالمني (ثم الوضوءُ) للتأسي 339، (وفي قول: يؤخر غَسل قدميه) لفعله له صلّى الله عليه وسلم؛ كما رواه البخاري عن ميمونة 340، ولا خلاف في أن كلًّا منهما سنة، وإنما الخلاف في الأفضل 341. (ثم تعهد معاطفه) كالعُكنة والإبْط؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء.
    (ثم يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) قبل الإفاضة، فيخلل أصول شعره بأصابعه، وهي مبلولةٌ؛ اتباعا 342. (ثم) على (شِقِّه الأيمنِ، ثم الأيسرِ) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيمن في طهوره 343، ولم يذكروا كيفية التيامن، قال الإسنوي: ويتجه أن يأتي فيه ما ستعرفه في غَسل الميت انتهى، وفيه نظر.
    (ويَدْلُك) ما وصلت إليه يدُه من بدنه؛ للخروج من خلاف من أوجبه.
    (ويثلث) غسل رأسه وبدنه؛ أما الرأس .. فبالنصّ، وأما البدن .. فقياسًا عليه وعلى الوضوء.
    (وتُتْبِع) المرأة (لحيضٍ أثرَه مِسكًا) بأن تَجعله على قطنةٍ، وتُدخلَها في فرجها؛

الجزء: 1 - الصفحة: 152

وَإِلَّا .. فَنَحْوَهُ. وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وُيسَنُّ أَلَّا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُا، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ. وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ .. يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا

للأمر به في الصحيح 344. (وإلَّا .. فنحوَه) من طيبٍ يقوم مقامَه في تطييب المحلّ، وإزالةِ الريح الكريهة، فإن لم تجد طيبًا .. فالطين، فإن لم تجد .. كفى الماء 345. وتستثنى المحدة، فإنها إنما تطيب المحلّ بقليل من قُسْط أو أظفار؛ كما ذكراه في (العِدَد)، وتلتحق بها المحرمة، قال الأَذرَعي: وهي أولى بالمنع؛ لقصر زمن الإحرام غالبًا.
(ولا يسن تجديده) أي: الغُسل، وكذا التيمم؛ لأنه لم ينقل (بخلاف الوضوء) فإنه يسن؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ .. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ" 346. ومحل استحباب التجديد: إذا صلّى بالوضوء الأول صلاة ما على الأصحِّ في (باب النذر) من "زوائد الروضة" 347. (ويُسنَّ ألَّا يَنقص ماءُ الوضوءِ عن مدٍّ، والغسلِ عن صاعٍ) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 348. قال الشيخ عز الدين: هذا من حجمُ بدنِه كحجم بدنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلَّا .. اعتبر بالنسبة إلى جسدِه الكريم زيادةً ونقصًا.
(ولا حد له) أي: لماء الوضوءِ والغسلِ، حتى لو نقص عما مرّ وأسبغ .. كفى بالإجماع، كما نقله ابن جرير، والمصنفُ في "شرح مسلم" 349. (ومَنْ به) أي: ببدنه شيءٌ (نَجَسٌ .. يغسله ثم يغتسل، ولا تكفي لهما

الجزء: 1 - الصفحة: 153

غَسْلَةٌ، وكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ .. حَصَلَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا .. حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ .. كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

غسلة) واحدة (وكذا في الوضوء) لأنهما واجبان مختلفا الجنس، فلم يتداخلا، وهذا ما جزم به في "شرح مسلم" 350. واقتضى سياقه: أنه قول الأصحاب مطلقًا، وصححه السبكي والأَذرَعي وغيرهما؛ لأن ما استعمل في النجاسة لا يرفع الحدثَ، وهذا قد استعمل في إزالتها.
(قلت: الأصح: تَكفي، والله أعلم) لأن واجبهما غَسل العضوِ، وقد وجد، وهذا ما صححه في جميع كتبه، خلا "شرح مسلم" 351. (ومن اغتسل لجنابةٍ وجُمُعة .. حصلا) كما لو نوى الفرضَ وتحيةَ المسجد، (أو لأحدهما .. حصل فقط) عملًا بما نواه، وهذا ما صححه في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين 352، لكن صحح الرافعي في "الشرحين" حصول غُسل الجمعةِ بنية غُسل الجنابة؛ لأن مقصودَ غُسلِ الجمعة التنظيفُ، وقد حصل 353. (قلت: ولو أحدث ثم أجنب، أو عكسُه) أي: أجنب ثم أحدث) .. كفى الغُسل على المذهب، والله أعلم) لأنهما طهارتان، فتداخلتا؛ كغُسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي، بل لا بدّ من الوضوء أيضًا؛ لاختلاف موجبهما.


الجزء: 1 - الصفحة: 154

بابُ النَّجاسة هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَكَلْبٌ، وَخِنْزِيرٌ، .......................

﴿باب النجاسة﴾ وإزالتِها وهي لغةً: المستقذر، وشرعًا: كلُّ عينٍ حَرُم تناولُها على الإطلاق في حالةِ الاختيار، مع إمكان التناولِ وسهولةِ التمييز، لا لحرمتها، ولا لضررها، ولا لاستقذارها.
فاحترز بـ (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره، كبعض النبات الذي هو سمّ، وبـ (الاختيار) عن الميتة ونحوِها، فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وبـ (إمكان التناول) عن الحجر ونحوِه من الأشياء الصلبة، وبـ (سهولة التمييز) عن أكل الدُّود الميت في الفاكهة والجبنِ ونحوِهما، وبـ (عدم الحرمة) عن الآدمي، فإنه يحرم تناولُ لحمِه، لا لنجاسته، بل لحرمته، وبـ (عدم الاستقذار) عن الْمُخاط والمني.
وقد نَبَّه المصنفُ بِعَدِّه الأشياءَ النجسةَ على أن غيرَ المعدوداتِ طاهرةٌ.
(هي كل مسكر مائع) أما الخمر: فهو إجماع، واحتج بعضهم بأنه لو كان طاهرًا .. لفات الامتنانُ بكون شرابِ الآخرةِ طهورًا، وقد قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وأما غيرُه من المسكر: فبالقياس عليه، بجامع التنفيرِ عن المسكر.
والتقييدُ بالمائع من زياداته على "المحرّر" 354. واحترز به: عن البَنْجِ والحشيش المسكرِ؛ فإنه ليس بنجِس وإن كان حرامًا، قاله في "الدقائق" 355. وكان ينبغي أن يقول: (مائع الأصل) لئلا يرد عليه الخمرُ إذا جَمَدت، والحشيشُ إذا أذيب.
(وكلب) للأمر بإراقة ما ولغ فيه 356، (وخنزير) لأنه أسوأ حالًا من الكلب؛

الجزء: 1 - الصفحة: 155

وَفَرْعُهُمَا، وَمَيْتَةُ غَيْرِ الآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَدَمٌ، وَقَيْحٌ، وَقَيْءٌ، ........

لتحريم الانتفاعِ به، كذا علَّلُوه.
ونُقِضَ بالحشرات، ولهذا قال في "شرح المهذب": دليل نجاسته ضعيفٌ، ومقتضى المذهبِ: طهارتُه؛ كالذئب 357. (وفرعُهما) أي: فرعُ كل منهما مع الآخر، أو مع غيره من الحيوانات الطاهرة، لأن الولد يتبع أخسَّ أبويه في النجاسة.
(وميتةُ غيرِ الآدمي والسمكِ والجرادِ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وتحريم ما لا حرمةَ له ولا ضرر فيه يدلُّ على نجاسته.
وطهارةُ ميتةِ السمك والجرادِ: مجمعٌ عليها، وأما الآدمي .. فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وقضية التكريم: ألَّا نحكمَ بنجاستهم، وفي الخبر: "لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيْتًا" 358. (ودمٌ) للنصِّ 359 والإجماع، والمراد: المسفوح، ليخرج الكَبِدُ والطِّحالُ والعَلقةُ والمسك.
واستثنى السبكيُّ: الدمَ الباقيَ على العظم واللَّحم؛ لمشقة الاحتراز، ولأنه ليس بمسفوحٍ، قال الأَذرَعيُّ: ولا يظهر استثناؤه؛ إذ الظاهر: أنه نَجَسٌ معفوٌّ عنه، لا أنه طاهرٌ.
(وقيحٌ) لأنه دمٌ مستحيلٌ، (وقيءٌ) لأنه من الفضلات المستحيلةِ؛ كالبول، وفي معناه: الْمِرَّةُ، والبَلْغَمُ الخارج من المعدة، والماءُ السائلُ من فم النائم نَجِس إن كان من المعدة، ويعرف بصُفرةٍ ونَتْنٍ، وإن كان من اللهوات .. فطاهر، ويُعرف بانقطاعه عند طول النومِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وَرَوْثٌ، وَبَوْلٌ، وَمَذْي، وَوَدْيٌ، وَكَذَا مَنِيُّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ - قُلْتُ: الأَصَحُّ: طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ - وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرَ الآدَمِيِّ

(وروث) لأنه رِكْسٌ؛ كما ثبت في "الصحيح" 360، ومعناه: النجس، والإنْفَحَّةُ من المأكول المذكَّى قبلَ أكلِ العلفِ طاهرٌ في الأصحِّ، (وبول) للأمر بالتنزه منه 361، (ومَذْي) وهو أصفرُ رقيقٌ، يخرج عند ثوران الشهوة بغير شهوة؛ لورود الأمر بغَسل الذكر منه في قصة علي رضي الله عنه 362، (ووَدْيٌ) بالإجماع، وهو أبيضُ ثخينٌ، يخرج عند حمل الشيء الثقيل، وعقب البول.
(وكذا مَنِيُّ غيرِ الآدمي في الأصح) كسائر المستحيلات، أما مني الآدمي .. فطاهر؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت تَحُكُّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، رواه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" 363. (قلتُ: الأصحُّ: طهارةُ منِيِّ غيرِ الكلب والخنزيرِ وفرعِ أحدِهما، والله أعلم) لأنه أصلُ حيوانٍ طاهرٍ، فأشبه منِيَّ الآدميِّ، والثاني: إنه طاهر من المأكولِ، دون غيرِه.
(ولبنُ ما لا يؤكل) لأن له مَقَرًّا يستحيل فيه، أما لبنُ المأكول .. فطاهر إجماعًا (غيرَ الآدمي) إذ لا يَليق بكرامته أن يكون نشوءه من نَجَس.
وقضيةُ كلامه: طهارةُ لبن الرجل والصغيرة، وبه صَرَّح الصيمري في الرجل؛ فإنه قال: (لا يختلف المذهبُ في أنّ لبنَ الآدميين والآدميات طاهرٌ، يجوز شربه وبيعه).
وكلام ابن سراقة في "التلقين"، وابنِ عبدان في "شرائط الأحكام" كالصريح في ذلك؛ فإن عبارةَ الأول: (إلّا لبن بني آدم)، والثاني: (إلّا مني الآدميين ولبنهم).

الجزء: 1 - الصفحة: 157

وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ؛ فَطَاهِرٌ. وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ بِنَجَسٍ فِي الأَصَحِّ

لكن جزم أبو الطيب وابنُ الصباغ بنجاسة لبن الرجل، وأما لبن الصغيرة .. فجزم العمرانيُّ بنجاسة لبنها، وتبعه ابنُ يونس، وجرى عليه في "الكفاية" 364. (والجزءُ المنفصلُ من الحيِّ) كإلية الشاةِ مثلًا (كميتته) أي: الحيِّ، إن طاهرًا .. فطاهر، وإن نجسًا .. فنجس؛ لحديث: "مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ" 365، ويستثنى: فأرة المسك إذا انفصلت في حياة الظبية، فإنها طاهرة في الأصحِّ.
واقتضى كلامُه: طهارَة ما أُبِينَ من سمكٍ وجرادٍ، وهو الأصحُّ، وما أُبِينَ من آدمي، وهو المرجح عند الشيخين تبعًا للإمام 366. والذي عليه الجمهورُ، ونَصَّ عليه الشافعيُّ رضي الله عنه: النجاسةُ؛ كما ذكره في "المهمات"، وبسطه 367. (إلا شَعَرَ المأكولِ؛ فطاهرٌ) بالإجماع، والصوفُ، والوبر، والريش في معنى الشعر؛ فلو رأى شعرة وشكّ هل هي من مأكولٍ أم من غيره؟ فالأصحُّ في "زيادة الروضة": الطهارةُ 368. ومَثار الخلاف: أن الأصل في الأشياء: الإباحة أو التحريم؟ (وليستِ العَلَقَةُ، والْمُضْغَةُ، ورُطُوبَة الفرج) من آدمي وغيره من الحيوانات الطاهرةِ (بنَجَسٍ في الأصح) أما العلقة والمضغة .. فلأنهما أصلُ الآدمي، فأشبها المنِيَّ، وأما رطوبة الفرج .. فقياسًا على العرق.
ووجهُ مقابله في العلقة: أنها دمٌ خارجٌ من الرحم، فأشبه الحيضَ، وفي المضغة: أنها كميتة الآدمي، وميتةُ الآدمي نجسةٌ على قولٍ، وفي الرطوبة: أنها متولدةٌ من محلّ النجاسات، فكانت منها.

الجزء: 1 - الصفحة: 158

وَلَا يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ إِلَّا خَمْرٌ تَخَلَّلَتْ، وَكَذَا إِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ .. فَلَا، وَجِلْدٌ نَجِسَ بِالْمَوْتِ، فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ،

وفائدةُ الخلاف: وجوب غَسل ذكر الْمُجامع، ووجوبُ غَسل البَيْضِ.
(ولا يَطهر نَجِسُ العين) بغسل ولا استحالة؛ لأن الغسل شُرع لإزالة ما طرأ على العين، وذلك مُنتف هنا، وأما الاستحالة .. فلأن العين باقيةٌ، وإنما تغيرت صفاتهُا، (إلَّا خمرٌ تَخلَّلتْ) بنفسها، ولم يقع فيها عينٌ بالإجماع.
(وكذا إن نُقِلَتْ من شمسٍ إلى ظِلٍّ، وعَكسُه في الأصح) لما سيأتي في المسألة بعدها.
(فإن خُلِّلَتْ بطرحِ شيءٍ) كملح ونحوه ( .. فلا) تطهر، ويَحرُم ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن الخمر تتّخَذُ خلًّا؟ فقال: "لَا" 369. واختلفوا في علته، فقيل: لأنه استعجل إلى مقصودِه بفعلِ محرمٍ، فعوقب بنقيض قصدِه؛ كما لو قتل مورثه، وقيل: لأن المطروحَ يتنجس بالملاقاة، ولا مزيلَ لنجاسته، فيكون منجسًا للخَلِّ بتقدير انقلابه، وهذا أصحُّ.
وتنبني على التعليلين المسألةُ قبلها، فلا تطهر على الأول، وتطهر على الثاني.
(وجلدٌ نَجُسَ بالموت، فيطهر بدبغه ظاهرُه، وكذا باطنُه على المشهور) لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا دُبِغَ الإهَابُ .. فَقَدْ طَهُرَ" 370، والثاني: لا يطهر باطنُه؛ لأن الدواءَ لا يصل إليه، وضُعِّف بأن خاصية الحريفة تصل بواسطة الماء، ورطوبة الجلد، فعلى الثاني: لا يباع، ويُصلَّى عليه لا فيه، ويُستعمل في الأشياء الجافَّةِ، دون الرطبة، وعلى الأول: يجوز كلُّ ذلك.
وقوله: (وجلد) قد يُخرج الشعر الذي عليه، والأظهر: أنه لا يطهر؛ لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، والثاني: يطهر تبعًا للجلد، وصححه جمع من الأصحاب، واختاره السبكي في بعض مجاميعه، وقال: إنه الذي أفتي به، كذا نقله عنه ولده في

الجزء: 1 - الصفحة: 159

وَالدَّبْغُ: نَزْعُ فُضُولهِ بِحِرِّيفٍ، لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثنائِهِ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ .. غُسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهَا بِتُرَابٍ،

"التوشيح"، ونقل عنه في "التوشيح" علةَ اختيار الطهارة؛ لأن الشعر طاهر؛ كما هو إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه يطهر بالدباغ.
واستُثنِيَ مع ما ذَكره المصنفُ: دمُ الظبية إذا استحال مِسكًا، والبيضة الْمَذِرة التي صارتْ دمًا إذا استحالتْ فرخًا.
(والدَّبغ: نَزْعُ فُضوله بِحِرِّيفٍ) كالقَرَظ، والشَّثِّ، والشَّبِّ، وذَرَق الطُيور وغير ذلك، والفضول هي: الفضلات المعفنة للجلد.
وضابط نزعها منه: أن يطيب ريحه بحيث لو نقع في الماء .. لم يعد إليه الفسادُ والنَّتْنُ.
(لا شمسٍ وترابٍ) وإن جف الجلد، وطابت رائحتُه؛ لأن الفضلاتِ لم تَزُلْ، وإنما جَمَدت؛ بدليل عودِها إذا نقع في الماء.
(ولا يجب الماءُ في أثنائِه) أي: الدبغِ (في الأصح) تغليبًا لمعنى الإحالةِ، والثاني: يجب؛ تغليبًا لمعنى الإزالةِ.
(والمدبوغُ كثوبٍ نَجِسٍ) فلا بد من غَسله ولو دبغ بطاهر على الأصحِّ؛ لإزالة بقايا الأدوية النجسة أو المتنجسة به.
(وما نَجُسَ بملاقاة شيءٍ من كلبٍ .. غُسِلَ سبعًا إحداها بترابِ) لحديث: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ .. أَنْ يَغْسِلَ سَبع مَرَّاتٍ أُوَلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" رواه مسلم 371، وفي رواية للدارقطني: "إِحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ" 372. وعرقُه وسائرُ أجزائه وفضلاتُه كلعابه وأولى؛ لأن ما فيه أطيب من فيه؛ لكثرة ما يَلْهَثُ، وقد ورد النَّصُّ بتنجيسه، فأُلحق به ما عداه وقضية إطلاق المصنف: أنه لو كانت النجاسةُ عينيةً ولم يَزُل إلّا بست غسلات ..

الجزء: 1 - الصفحة: 160

وَالأَظْهَرُ: تَعَيُّنُ التُّرَابِ،

أنه تكفي غسلةٌ أخرى، وهو ما صححه في "الشرح الصغير"، واعتمده في "المهمات" 373، لكن صحح المصنف في "زيادة الروضة" أنها تحسب غسلة واحدة، وتجب ست غسلات أخرى 374. ومحلُّ اشتراطِ الترابِ: في غير الأرضِ الترابيةِ، أما فيها .. فيكفي الماء على الأصحِّ؛ إذ لا معنى لتتريب التراب.
وقوله: (بتراب) أي: مع تراب، فلا بد من مزج التراب بالماء؛ ليصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، والواجب من التراب: مقدارُ ما يكدر الماء، وقيل: ما ينطلق عليه الاسم.
ولو وضعه في ماءٍ جارٍ، وجرى عليه سبعًا وهو كدر .. كفى، قاله في "الشرح الصغير"، ولو حركه في الماء الراكد الكدر سبعًا .. كفى؛ كما قاله في "التهذيب" 375. وقضية كلام المصنف: إجزاء التراب في أي مرةٍ شاء، وهو ما نقله في "شرح المهذب" عن اتفاقهم 376، لكن نصّ الشافعي في "البويطي"، و"الأم" على أنه يتعين الترابُ في الأولى أو الأخرى، وجزم به جمعٌ من الأصحاب، وقال الأسنوي: إنه المذهب، والصواب من جهة الدليلِ، وبسط ذلك، وقرره تقريرًا حسنًا 377. (والأظهرُ: تعينُ الترابِ) للحديث 378، والثاني: لا يتعين، بل يقوم مقامَه ما كان في معناه؛ كالصابون والأُشْنان، لأنه جامد أمر به في التطهير، فقام غيرُ المنصوص عليه مقامه؛ كالدباغ، فإنّ غير الشَّثِّ والقَرَظ يقوم مقامهما، مع ورود النص بهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلَا مَمْزُوج بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ. وَمَا نَجُسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ .. نُضِحَ،

(وأنّ الخنزيرَ ككلبٍ) لاشتراكهما في نجاسة العين، والثاني: إنه يكفي فيه الغَسل مرةً بلا ترابٍ، واختاره في "شرح المهذب" وغيره 379. (ولا يكفي ترابٌ نَجِسٌ، ولا ممزوجٌ بمائعٍ في الأصح).
وجه الأصحِّ في الأولى: القياسُ على التيمم، ووجه مقابله: أن المقصودَ من التراب الاستعانةُ بشيءٍ آخر، فأشبه الدباغ.
ووجه الأصحِّ في الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: "فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" 380، تقديره: فليغسله بالماء سبعًا، وإلّا .. لجاز المائعُ في الجميع، ووجه مقابله: أن المقصودَ من تلك الغسلة: إنما هو الترابُ.
ومثار الخلاف: أن الأمر بالتراب تعبدٌ، أو مُعلَّل بالاستطهار، أو بالجمع بين نوعي طهور.
(وما نجس ببول صبيٍّ لم يطعم غير لبن .. نضح) لأنه عليه الصلاة والسلام (أُتِيَ بصبيٍّ صغيرٍ لم يأكل الطعامَ، فأجلسه على حِجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه، ولم يغسله) متفق عليه 381. أما الأنثى: فلا بُدَّ فيها من الغَسل؛ لقوله عليه السلام: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ" 382. وفرق بينهما من وجوه، من أحسنها: أن الابتلاء بالصبيان أكثرُ، فإن الرجال والنساءَ يحملونهم، وأما البنات .. فلا يحملهن غالبًا إلا النساءُ، خصوصًا العرب، فإنها تَألَف البنين، وتَأنَف البنات، الثاني: أن بول الصبي من ماء وطين، وبولَ الجارية من لحم ودمٍ؛ لأن حواء خلقت من ضِلَع آدم القصير، وهذا رواه ابن ماجه في

الجزء: 1 - الصفحة: 162

وَمَا نَجِسَ بِغَيْرِهِمَا؛ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ .. كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ .. وَجَبَ إِزَالَةُ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ. قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا .. ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلمُ

"سننه" عن الشافعي رضي الله عنه 383. وعبارة "شرح المهذب": (لم يأكل غير اللبن للتغذي)، وهي تدل على أن ما يحنك به، والسَّفوف، والأشربة ونحوهما مما يستعمل للإصلاح لا تضر 384. وقال ابن يونس، وابن الرفعة: لم يطعم ما يستقل به؛ كالخبز ونحوه 385. والمراد بالنضح: استيعاب المحل بالماء، ويشترط المغالبة والمكاثرة في الأصحِّ، لا جريان الماء وتقاطره، وقضية هذا: أن الفرق بين النضح والغسل السيلانُ.
(وما نجس بغيرهما) أي: بغير المغلظة والمخففة (إن لم تكن عينٌ) بأن كانت حكميةً، وهي: التي لا يُشاهَد لها عينٌ، ولا يدرك لها طعمٌ، ولا لون، ولا رائحة، والعينية: نقيض ذلك ( .. كفى جري الماء) على ذلك المحل؛ إذ ليس ثَمَ ما يزال.
(وإن كانت) عينيةً ( .. وجب) بعد زوال عينها (إزالة الطعم) لأن بقاءه يدل على بقاء العين، (ولا يضر بقاءُ لونٍ أو ريحٍ عَسُرَ زوالُه) كلون الدم، ورائحة الخمر؛ للمشقة، قال في "البسيط": هذا في رائحة تدرك عند شم الثوب، دون ما يدرك في الهواء، فإن سهل زوالُه .. ضرّ؛ لدلالة ذلك على بقاء العين، (وفي الريح قولٌ) أنه يضر؛ كسهل الزوال 386. (قلت: فإن بَقِيَا معًا .. ضرّ على الصحيح، والله أعلم) لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا؛ لاغتفارهما منفردين، فكذا مجتمعين.

الجزء: 1 - الصفحة: 163

وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، لَا الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ. وَالأَظْهَرُ: طَهَارَةُ غُسَالَةٍ تنفَصِلُ بِلَا تغيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ. وَلَوْ نَجُسَ مَائِع .. تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ.

(ويشترط) في طهر المحل (ورودُ الماء) القليلِ على المحلِّ المتنجس، فإن عكسه .. تنجس الماء، ولم يطهر المحلُّ، والفرق: قوة الوارد؛ لأنه عامل، والقوةُ للعامل.
(لا العصرُ في الأصح) إذ البلل بعضُ المنفصلِ، والخلافُ مبنِيٌّ - كما نبه عليه في "المحرّر" - على أن الغسالةَ طاهرة أو نجسة؛ إن طهرناها .. لم يجب العصر، وإلّا .. وجب 387. (والأظهر: طهارةُ غسالةٍ تَنفصل) عن المحل قليلةٍ (بلا تغير وقد طَهَرَ المحلُّ) لأن البلل الباقيَ على المحلّ هو بعضُ المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا .. لكان المحل كذلك، فيكون المنفصل طاهرًا، لا طهورًا؛ لأنه مستعمل في الخبث، والثاني: إنها نجسة؛ لانتقال المنع إليها، وإن لم يطهر المحلُّ .. فالغسالة نجسةٌ؛ لأنها بعضُ المتصل، والمتصل نجسٌ.
وأورد: ما لو انفصلت غيرَ متغيرة، ولكن زاد وزنُها عما كان .. فإنها نجسة؛ كما ذكره القاضي، والمتولّي، وجعله في "أصل الروضة" أصحَّ الطريقين 388. (ولو نَجس مائعٌ .. تعذر تطهيرُه) إذ لا يأتي الماء على كله؛ لأنه بطبعه يمنع إصابةَ الماء، ويرد على مفهومه: الزِّئْبَق، فإنه جامد، وإذا تنجس .. تعذر تطهيره، (وقيل: يَطهُر الدهنُ بغَسله) قياسًا على الثوب النَّجِس.
وكيفية تطهيره كما ذكره في "شرح المهذب": أن يصب عليه الماءَ ويكاثره، ثم يحركه بخشبة ونحوها بحيث يظن وصوله لجميعه، ثم يترك ليعلوَ، ثم يثقب أسفلَه، فإذا خرج الماء .. سدّ 389.


الجزء: 1 - الصفحة: 164

بابُ التَّيَمُّم يَتيمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ لِأَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، فَإِنْ تيًقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ .. تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ،

﴿باب التيمم﴾ هو لغةً: القصد، تقول: يَمَّمْتُ فلانًا: إذا قصدتَهُ، وشرعًا: إيصالُ الترابِ إلى الوجه واليدين بشرائطَ مخصوصةٍ.
وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء .. فعزيمة، أو لعذر .. فرخصة، ومن فوائد الخلاف: ما لو تيمم في سفرِ معصيةٍ لفقد الماء، فإن قلنا: رخصة .. وجب القضاءُ، وإلّا .. فلا، ذكره في "الكفاية" 390. (يتيمم المحدثُ) بالإجماع، (والجنبُ) لقصة عمّار في "الصحيح" 391. والحائض والنفساء في معناهما، وكذا من ولدت ولدًا جافًّا، والمأمور بغُسلٍ مسنونٍ كغُسل جمعةٍ ونحوِه، فإنهم يَتيمَّمون أيضًا، قال الإسنوي: (والقياس: أن المأمور بوضوءٍ مسنونٍ يتيمّم أيضًا كما في نظيره من الغُسل، وكذلك الميت يُيمَّم) 392 كما سيأتي.
(لأسباب: أحدها: فقد الماء) لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والفقد الشرعيُّ كالحسيِّ، فلا يتوضأ مما سُبِّل للشرب.
قال الرافعي: والمبيح للتيمم هو العجز فقط إلّا أن العجزَ له أسبابٌ، ثم قال: ولا شكَّ أن الأسبابَ المبيحةَ يكفي فيها الظنُّ، ولا يُشترط اليقينُ 393. (فإن تَيقَّن المسافرُ فقدَه) كأن كان في بعض رمال البوادي ( .. تيمم بلا طلبٍ) لأن الطلبَ حينئذ عبثٌ.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

وَإِنْ تَوَهَّمَهُ .. طَلَبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ .. تَرَدَّدَ قَدرَ نَظَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. تَيَمَّمَ،

(وإن تَوهَّمه .. طَلبَه) وجوبًا؛ إذ لا يقال من لم يَطلب: لم يجد، والمقيمُ في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والتقييدُ إنما أتي به للغالب، (مِنْ رَحله) وهو منزله بأن يُفتِّشه (ورُفْقَته) ولا يجب أن يطلب من كلِّ واحدٍ بعينه، بل يكفي نداءٌ عامٌّ منه، أو من وكيله؛ بأن يقول: (من معه ماءٌ يبيعه، أو يجود به؟ ) ونحو ذلك، ويكفي طلبُ واحدٍ عن الركب بإذنهم.
(ونَظَرَ حواليْه) من الجهات الأربع (إن كان بمستوٍ) من الأرض، ويَخص مواضعَ الْخُضْرَة، واجتماعِ الطيور بمزيدِ احتياطٍ.
(فإن احتاج إلى تَردُّد) بأن كان ثمَّ وَهْدة، أو جبلٌ ونحوُ ذلك ( .. تَردَّد) إن لم يخف على نفسه أو مالِه (قدرَ نظرِه) لو كان بمستوٍ.
وضبطه الإمام: بحدِّ الغوث، وهو الموضعُ الذي لو استغاث بالرِّفقة .. لم يبعد غوثهم عنه، مع تشاغلهم بأحوالهم والتفاوض في أقوالهم، ويختلف ذلك باستواء الأرضِ واختلافِها صعودًا وهبوطًا) 394. وتبعه الغزالِيُّ على ذلك، وجزم به في الروضة"، وقال الرافعي: لا يكفي هذا الضبط لغيره، وليس في الطرق ما يخالفه، قال ابن الرفعة: بل عبارة الماوردي توافقه 395. وقال في "شرح المهذب": بل خالفوه، فإنهم قالوا: إن كان بمستوٍ .. نظر حواليه، ولا يلزمه المشيُ أصلًا، وإن كان بقربه جبلٌ .. صَعِد، ونظر حواليه إن أمكن 396. (فإن لم يجد) بعد البحث المذكور ( .. تيمم) لحصول الفقد.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ. فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ .. وَجَبَ قَصْدُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ،

(فلو) طلب كما مرّ وتيمّم و (مكث موضعَه .. فالأصح: وجوبُ الطلب) ثانيًا (لما يَطرأ) مما يحوج إلى تيممٍ مستأنفٍ؛ كالحدث وفريضةٍ أخرى ونحوِهما؛ لأنه قد يطلع على بئرٍ خفيت عليه، أو يجد من يَدلُّه عليه، وقياسًا على إعادةِ الاجتهادِ في القبلة، لكن يجعل الطلبَ الثانِيَ أخفَّ، والثاني: لا؛ لأنه لو كان هناك ماءٌ .. لظفر به بالطلب الأول.
ومحلُّ الخلافِ: ما إذا لم يحدث ما يوهم ماءً، فإن حدث ذلك - كطلوع رَكْب، وإطباق غمامةٍ - .. وجب الطلب جزمًا.
وقوله: (مكث موضعه) من زياداته على "المحرّر" 397، واحترز به: عمَّا إذا انتقل إلى موضعٍ آخر .. فإنه يجب الطلب قطعًا.
(فلو علم) مسافر (ماءً يَصله المسافرُ لحاجته) كاحتطابٍ ونحوه ( .. وجب قصده) لأنه إذا كان يَسعى إليه لأشغاله الدنيوية .. فللعبادة أولى، وهذا المقدار هو المسمَّى بحد القرب، وهو أزيدُ من حدّ الغوث الذي يسعى إليه عند توهم الماء كما مرَّ، قال محمد بن يحيى: ولعلَّه يقرب من نصفِ فرسخٍ، كذا نقلاه عنه، وأقراه 398. (إن لم يَخف ضررَ نفسٍ أو مالٍ) فإن خاف على نفسه أو طرفه من عدوٍّ أو سبع، أو خاف على ماله الذي معه، أو المخلّف في رحله من غاصب أو سارق .. لم يجب القصدُ، وله التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وإطلاقه المال: شامل للقدر الذي يجب بذله ثمنًا أو أجرةً، وهو ما في "شرح المهذب" في موضع، وفي موضع آخر منه: أن الخوفَ على هذا القدر لا يَمنع وجوبَ الطلب 399. قال في "المهمات": والأول هو مقتضى إطلاقِ الأكثرين والقياس؛ لأنه يأخذه

الجزء: 1 - الصفحة: 167

فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ .. تَيَمَّمَ. وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ ألْوَقْتِ .. فانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، أَوْ ظَنَّهُ .. فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ فِي الأَظْهَرِ

من لا يستحقه، وخوفُ الانقطاع عن الرِّفقة كالخوف على النفس والمالِ إن تضرر بذلك، وكذا إن لم يتضرر على الأصحِّ؛ لما يلحقه من الوحشة 400. وخرج بـ (المال): ما إذا خاف على غير مالٍ من المنتفع به؛ ككلب وسرجين، قال في "المهمات": (والْمُتَّجَه: عدمُ وجوبِ الطلب) 401. (فإن كان فوق ذلك) أي: فوق ما يَصله المسافرُ لحاجته المارَّةِ ( .. تيمم) لأنه فاقدٌ في الحال.
وقضية كلامه: أنه يلزمه قصدُه إذا كان الماءُ في الحدِّ المذكورِ، لكن انتهى إلى المنزل في آخر الوقت؛ بحيث لو قصده .. فات الوقتُ، وبه صرح الرافعي في "الشرحين"، وقال: إنه الأشبهُ بكلام الأئمةِ، وحكاه في "الإبانة" عن النصِّ 402. وخالف المصنف في الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، فقال: ليس الأمر كما قال الرافعي هنا، بل ظاهرُ نصِّ "الأم" وغيرِها، وهو المفهوم من عباراتهم في كتبهم المشهورةِ والمهجورةِ أنه لا يلزمه القصدُ والحالةُ هذه 403، قال السبكي: وهو الحقُ، وهذا في المسافر.
(ولو تَيقَّنه آخرَ الوقت .. فانتظارُه أفضلُ) لأثر ابن عمر في ذلك 404؛ ولأن التقديم مستحبٌّ، والوضوء من حيث الجملة فرضٌ، فثوابه أكثر، (أو ظَنَّه) أي: ترجح عنده وجودُه آخرَه ( .. فتعجيلُ التيممِ أفضلُ في الأظهر) لأن فضيلةَ التقديم محققة، وفضيلةَ الوضوء موهومة، والثاني: التأخير أفضلُ ليأتي بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكملُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 168

وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرٍ، أَوْ نفقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا .. وَجَبَ الْقَبُولُ فِي الأَصَحِّ،

ومحلُّ الخلاف: إذا اقتصر على صلاةٍ واحدةٍ، فإن صلّى أول الوقت بالتيمم، وبالوضوء في أثنائه .. فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو تَرجَّح العدم على الوجود .. فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان على المذهب.
(ولو وجد ماءً لا يكفيه .. فالأظهر: وجوبُ استعماله) لقدرته على البعض، كما يغسل الجريحُ مِنْ يده ما صَحَّ 405، والثاني: لا يجب، بل يتيمم؛ كما لو وجد بعضَ الرقبة في الكفارة .. فإنه لا يجب إعتاقُه، ويَعدِل إلى الصوم.
(ويكونُ) استعماله (قبلَ التيمم) لئلا يتيمم مع وجود الماء.
ولفظة (ما) في كلامه ينبغي أن تُقرأ مهموزةً منونة، لا موصولةً؛ لئلا يرد عليه ما لو وجد ما يصلح للمسح، لا للغَسل؛ كثلج أو بَرَد لا يذوب؛ فإن الاْصحَّ: القطع أنه لا يجب مسحُ الرأس به؛ إذ لا يمكن ههنا تقديمُ مسحِ الرأس.
(ويجب شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب؛ كما صرح به الحناطي (بثمنِ مثلِه) إذا كان قادرًا عليه بنقد أو عرض، فاضلًا عَن حاجات سفره، وعن حاجات متاعه، ذهابًا وإيابًا، فإن بيع بغَبْنٍ .. فلا؛ للضرر، والأصحُّ: أن ثمن المثل: ما تنتهي إليه الرغباتُ، في ذلك الموضع، في تلك الحالة.
(إلّا أن يَحتاج إليه) أي: الثمن (لدينٍ مُستغرِقٍ) ولو مؤجلًا؛ كما ذكره ابن الرفعة 406، ولا حاجةَ لتقييده بالمستغرق؛ لأن ما يفضل عن الدين غيرُ محتاج إليه فيه، (أو مُؤنةِ سفرٍ) مباح، ذهابًا وإيابًا، والمؤنة: هي المذكورة في الحجّ، (أو نفقةِ حَيَوَانٍ محترمٍ) لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء، والمراد بالمحترم ما لا يباح قتله.
(ولو وُهِبَ له ماءٌ، أو أُعِيرَ دلوًا .. وجب القبولُ في الأصح) لأن المسامحة به

الجزء: 1 - الصفحة: 169

وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ .. فَلَا. وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطلَبِ فَتَيَمَّمَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ .. فَلَا. الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلًا. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عِضْوٍ، وَكَذَا بُطْءُ الْبُرْءِ، أَوِ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عِضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ،

غالبة، فلا تعظم فيه المنةُ، والثاني: لا يجب قبولُ الماء؛ للمنة؛ كالثمن، ولا قبولُ العارية إذا زادت قيمةُ المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف، فيضمن زيادة على ثمن الماء.
(ولو وُهِبَ ثمنَه .. فلا) بالإجماع؛ لعظم المنة.
(ولو نَسِيه) أي: الماءَ (في رَحله، أو أَضلَّه فيه، فلم يجده بعد الطلب، فتيمم) وصلّى، ثم تذكره في النسيان، ووجده في مسألة الإضلال ( .. قضى في الأظهر) لأنه واجدٌ للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، والثاني: لا قضاءَ؛ لعدم التقصير.
(ولو أضلّ رحلَه في رحالٍ .. فلا) قضاءَ؛ لأن مُخيَّم الرِّفقة أوسعُ غالبًا، ولأنه صلّى ولا ماء معه.
(الثاني: أن يَحتاج إليه لعطشِ مُحترمٍ ولو مآلًا) أي: مستقبلًا؛ إذ لا بدل للروح، بخلاف الوضوء، وسواء عطش نفسه، وعطش رفيقه، أو حيوان محترم هناك، بل يحرم الوضوء حينئذ.
(الثالث: مرضٌ يخاف معه من استعماله على منفعة عضو) كالعمى ونحوه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ﴾ الآية، وفهم منه: أن خوف النفس والعضو كذلك من باب أولى، وصرح بهما في "المحرّر" 407. (وكذا بُطء البُرء) وهو: امتداد مدة المرض وإن لم يزد الألَمُ، (أو الشَّيْنُ الفاحشُ في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر) فيهما؛ لأن ضرر ذلك فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا؛ لانتفاء التلف.
والمراد بـ (الظاهر): ما يبدو غالبًا عند المهنة؛ كالوجه واليدين، ويعتمد في

الجزء: 1 - الصفحة: 170

وَشِدَّةُ الْبَرْدِ كَمَرَضٍ. وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ .. وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ،

كون الغَسل يفضي إلى ما مَرَّ ظَنَّ نفسِهِ إن كان عارفًا بالطب، وإلّا .. فبقول طبيبٍ حاذق مسلم مُكلَّفٍ عدل، وقيل: لا بد من اثنين، فإن جهل ولم يجد طبيبًا بشرطه .. ففي "زيادة الروضة" عن أبي علي السنجي لا يتيمم؛ لأنه لم يثبت المقتضي لترك الوضوء 408. قال في "شرح المهذب": ولم أجد لغيره ما يوافقه، ولا ما يخالفه 409. واعترض: بأن البغوي قد خالفه، فقال في "فتاويه": يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد المخبر، قال الإسنوي: وهذا هو المتجه اللائقُ بمحاسن الشريعة، لاسيما عند قيام المظنةِ التي هي المرضُ ونحوُه 410. واحترز بـ (الفاحش): عن اليسير، وبـ (الظاهر): عن الشين الفاحش في الباطن؛ فإنه لا أثر له؛ لأنه ليس فيه ضررٌ كثيرٌ، كذا قالاه 411. واستشكله الشيخ عز الدين، وقال: لا سيما إذا كان في رقيق؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماءِ بزيادة على ثمن المثل.
(وشدةُ البردِ كمرض) فيجيء ما مَرَّ، ولا يخفى أن محل هذا إذا عجز عن تدفئة الأعضاءِ وتسخين الماء، فلهذا أهمله المصنف.
(وإذا امتنع استعمالُه في عضو) لجرح ونحوه: (إن لم يكن عليه ساترٌ .. وجب التيمم) بدلًا عن غَسل العليل.
وعرف (التيمم) بالألف واللام؛ ليرد على من قال من العلماء: أنه يُمِرّ التراب على المحل المعجوز عنه.
(وكذا غسلُ الصحيح على المذهب) قطعًا بحسب الإمكان ولو بوضع خرقةٍ مبلولةٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 171

وَلَا تَرْتيبَ بَيْنَهُمَا لِلْجُنُبِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا .. فَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَيمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ .. فَتَيَمُّمَانِ. وَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا .. غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِيرَتِهِ بِمَاءٍ، وَقِيلَ: بَعْضِهَا. فَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ

بالقرب من الجرح، ويتحامل عليها؛ لينغسل ما حواليه من غير أن يسيل إليه، والطريق الثاني: أنه على القولين فيما إذا وَجد من الماء ما لا يكفيه.
(ولا ترتيب بينهما) أي: بين التيمم وغسل الصحيح (للجنب) والحائض والنفساء؛ لأن التيمم بدلٌ عن غَسل العليل، والمبدل لا يجب فيه الترتيب، فكذلك بدله.
نعم؛ الأولى: تأخير الغسل؛ ليذهب أثر التراب بالماء، نُصَّ عليه.
(فإن كان محدثًا .. فالأصح: اشتراط التيمم وقت غَسل العَليل) رعاية للترتيب، فلا ينتقل من العضو المعلول إلّا بعد كمال طهارته أصلًا وبدلًا، والثاني: يجب تقديمُ غَسل الصحيح؛ لوجود ماءٍ لا يكفيه، والثالث: يتخير؛ كالجنب.
(فإن جُرح عضواه .. فتيمّمان) بناء على الأصح، وهو: اشتراط التيمم وقت غَسل العليل؛ لتعدد العليل.
(وإن كان) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ (كجبيرة لا يمكن نزعُها) لمحذور مما مرّ ( .. غَسل الصحيحَ وتيمم كما سبق) من مراعاة الترتيب في المحدث ونحوِ ذلك، فإن أمكن النزعُ بلا خوف .. وجب قطعًا.
ويشترط في الساتر: أن يضعه على طهر، وألّا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدرَ الذي لا بدّ منه للاستمساك.
(ويجب مع ذلك مسحُ كلِّ جبيرته بماء) لأنه مسح أُبيح للعجز، فوجب فيه التعميم، كالمسح في التيمم، (وقيل: بعضِها) كما في مسح الخف.
وقوله: (بماء) يُفهم: أن الجبيرة لو كانت على عضوِ التيمم .. لم يجب مسحُها بالتراب، وهو الأصحُّ؛ لأنه ضعيفٌ فلا يؤثر من وراء حائلٍ.
(فإذا تيمم) الذي غَسل الصحيحَ، وتيمّم عن الباقي، وأدّى فريضةً (لفرضٍ

الجزء: 1 - الصفحة: 172

ثَانٍ وَلَمْ يُحْدِثْ .. لَمْ يُعِدِ الْجُنُبُ غُسْلًا، وَيُعِيدُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ كَجُنُبٍ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فصل [في شروط التيمم وكيفيته]

يَتيمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ طَاهِرٍ

ثانٍ، ولم يُحدث) ولم يبطل تيممه بشيء من مبطلات التيمم (لم يُعد الجنبُ غُسلًا) لأن التيمم طهارةٌ مستقلةٌ في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمِها انتقاضُ طهارةٍ أخرى.
وإن كان بعضًا منها في هذه الصورةِ؛ كما لو اغتسل الجنب ثم أحدث .. يلزمه الوضوء ولا ينتقض غُسله وإن كان أعضاءُ الوضوء بعضَ المغسول في الجنابة؛ لأن الوضوءَ عبادةٌ مستقلةٌ في الجملة.
(ويُعيد المحدثُ ما بعد عليله) مراعاةً للترتيب، (وقيل: يَستأنفان) أي: الجنب الغُسلَ، والمحدثُ الوضوءَ؛ لأنها طهارةٌ مركبةٌ من أصل وبدلٍ، فإذا بطل البدلُ .. بطل الأصلُ؛ كنزع الخف، (وقيل: المحدث كجنب) فلا يعيد غَسل ما بعد عليلِه؛ لأن طهارةَ العليل باقيةٌ بدليل جواز التنفل، وإنما وجب إعادة تيممه؛ لضعفه عن أداء الفرض.
(قلت: هذا الثالث أصح، والله أعلم) ونقله في "زيادة الروضة" عن المحققين، وفي "شرح المهذب" عن الأكثرين 412. وخرج بقوله: (ولم يحدث) ما إذا أحدث .. فإنه يعيد جميعَ ما مَرَّ، قال في "شرح المهذب": فلو أجنب صاحبُ الجبيرة .. اغتسل وتيمم، ولا يجب نزعُها، بخلاف الخف 413، والفرق: أن في إيجاب النزعِ هنا مشقةً.


(فصل: يتيمم بكلِّ) ما صَدَقَ عليه اسمُ (ترابٍ) لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾، قال ابن عباس: هو التراب، (طاهرٍ) فلا يجوز بنجس؛ كالماء؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾

الجزء: 1 - الصفحة: 173

حَتَّى مَا يُدَاوَى بهِ، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، لَا بِمَعْدِنٍ وَسُحَاقَةِ خَزَفٍ وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ - وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ .. جَازَ - وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ: مَا بَقِيَ بِعِضْوِهِ، وَكَذَا مَا تنَاثَرَ فِي الأَصَحِّ

قال ابن عمر وابن عباس: هو الطاهر 414، (حتى ما يُداوَى به) كالأرمني، وكذا ما يؤكل سفهًا، وهو الخراساني، لوقوع اسم التراب عليه، ولا بد أن يكون له غبارٌ يَعْلَقُ بالعضو؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾، فاقتضى أن يكون المسح ببعضه، (وبرملٍ فيه غبارٌ) منه، حتى لو سُحِق الرمل وتيمم به .. جاز؛ كما قاله المصنف في "فتاويه" لأنه من طبقات الأرض، والتراب جنسٌ له 415. (لا بمعدنٍ) كنفط (وسُحاقةِ خزفٍ) وهو ما يتخذ من الطين ويشوى؛ كالكِيزَانِ؛ لأنه لا يسمّى ترابًا، (ومختلطٍ بدقيقٍ ونحوِه) كجِصّ، وزَعْفَران؛ لمنعه وصولَ الترابِ للعضو، (وقيل: إن قلَّ الخليطُ .. جاز) كالماء.
وفرق الأول: بأن الماءَ لطيفٌ، فلا يمنعه غيرُه من وصوله إلى البشرة، بخلاف التراب؛ فإنه كثيفٌ يمنعه غيرُه من إيصاله إلى البشرة.
(ولا بمستعملٍ على الصحيح) كالماء، والثاني: يجوز؛ لأنه لا يَرفع الحدث، فلا يتأثر بالاستعمال، بخلاف الماء، كذا علّله الرافعي 416. وقضيته: إلحاق الماءِ الذي استعمله دائمُ الحدث بالتراب؛ لأن حدثَه لا يرتفع على الصحيح.
(وهو) أي: المستعمل (ما بقي بعضوه) بعد المسح به، (وكذا ما تَناثر) بعدما أصاب العضو (في الأصح) كالمتقاطر من الماء، والثاني: لا؛ لأن الترابَ كثيفٌ إذا علق منه شيء بالمحل .. منع غيرَه أن يلتصق به، وإذا لم يلتصق به .. فلا يؤثر، بخلاف الماء، فإنه رقيقٌ يلاقي المحلّ بجميعه.
وعلم من كلام المصنف: أنه يجوز أن يتيمم الجماعةُ، أو الواحد مرات كثيرةً من

الجزء: 1 - الصفحة: 174

ويُشْتَرَطُ قَصْدُهُ، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ وَنَوَى .. لَمْ يُجْزِ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ .. جَازَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ. وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ التُّرَابِ، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ .. كَفَى فِي الأَصَحِّ

ترابٍ يسيرٍ في خرقة ونحوِها؛ كما يجوز الوضوءُ مراتٍ من إناءٍ واحدٍ.
(ويُشترط قصدُه) أي: التراب؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اقصدوا.
(فلو سفته ريح عليه فردده) على العضو (ونوى .. لم يُجز) لأنه لم يقصد الترابَ، وإنما هو أتاه.
(ولو يُمِّم بإذنه .. جاز) كالوضوء، بل يجب عند العذر، ولا بدّ من نية الإذن، فلو يَمَّمه بلا إذن ونوى .. كان كتعرضه للريح، ذكره في "شرح المهذب" 417، (وقيل: يشترط عذرٌ) لأنه لم يقصد الترابَ، وأجاب الأول: بإقامة فعلِ نائبِه مقامَ فعله.
(وأركانه) خمسةٌ كما في "الكتاب"، وعدها في "أصل الروضة" سبعةً، فزاد الترابَ، وقصدَه، وذكر الرافعي في آخر الكلام على الأركان أن إسقاطَهما أولى؛ لأن الترابَ كالماء في الوضوء، ولم يَعدُّوه ركنًا، وأما القصد .. فلدخوله في النقل؛ فإنه إذا نَقل الترابَ على الوجه المشروطِ وقد نوى .. كان قاصدًا بلا شك 418. (نفلُ التراب) فلو كان على العضو ترابٌ، فردده عليه من جانبٍ إلى جانب .. لم يكف؛ لأن القصدَ شرط كما مرّ، وإنما يكون قاصدًا إذا نقل الترابَ، قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه 419. (فلو نَقل من وجهٍ إلى يدٍ أو عكس) أي: نقل من يد إلى وجه ( .. كفى في الأصح) لوجود مسمّى النقل، والثاني: لا يكفي؛ لأنه منقولٌ من محلّ الفرض، فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، فعلى الأول: لو نقل من إحدى اليدين إلى الأخرى .. ففيه وجهان في "الكفاية": وجه المنع: أن اليدين كعضو واحد 420.

الجزء: 1 - الصفحة: 175

وَنيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا رَفع الْحَدَثِ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ .. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ، وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا .. أُبِيحَا،

وصورةُ النقل من الوجه إلى اليدين: أن يَزول الترابُ الذي مسح به وجهَه، ويَحدُث عليه ترابٌ آخر، وإلّا .. كان المنقولُ مستعملًا لا يُجزئ على الصحيح.
(ونيةُ استباحة الصلاة) ونحوها مما يفتقر استباحته إلى طهر؛ كطواف وحمل مصحف؛ لما مرّ في الوضوء، [والكلام في صحة التيمم من حيث الجملة، أما ما يستبيح به .. فسيأتي] 421، (لا رفعِ الحدث) لأنه لو رفعه .. لما بطل بغيره وهو وجود الماء.
(ولو نوى فرض التيمم .. لم يَكف في الأصح) لأنه ليس مقصودًا في نفسه، وإنما يؤتى به للضرورة فلا يصلح مقصدًا، ولهذا لا يستحب تجديدُه، بخلاف الوضوء، والثاني: يكفي؛ كالوضوء.
(ويجب قرنُها) أي: النية (بالنقل) إلى الوجه؛ لأنه أول أركانه، حتى لو أخذ التراب فأحدث .. لا يستعمله، بخلاف الماء؛ إذ لا نقل فيه.
(وكذا استدامتها إلى مسح شيءٍ من الوجه على الصحيح) حتى لو عَزَبت قبل مسح شيء منه .. لم يصح؛ لأنه المقصود، وما قبله - وإن كان ركنًا - فليس مقصودًا في نفسه، والثاني: لا يجب ذلك؛ كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وعَزَبت بعده.
وقضية كلامه: طرد الخلاف في مقارنتها النقل ومسح الوجه مع عزوبها بينهما.
قال الإسنوي: لكن في "شرح المفتاح" لأبي خلف الطبري الاكتفاءُ، وهو المتجه 422. (فإن نوى) بتيممه (فرضًا ونفلًا .. أُبيحا) عملًا بنيته، وعُلم من تنكيره (الفرضَ) عدمُ اشتراط التعيين، وهو الأصح، فلو أطلق .. صلّى أيَّ فرضٍ شاء،

الجزء: 1 - الصفحة: 176

أَوْ فَرْضًا .. فَلَهُ النَّفْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ نَفْلًا أَوِ الصَّلَاةَ .. تنَفَّلَ لَا الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ،

وإن عَيَّن واحدةً .. جاز أن يصلي غيرَها.
(أو فرضًا .. فله النفل على المذهب) لأنه تبعٌ له، ووجه المنع: أنه لم ينوه.
وقيل: له ذلك بعد الفرض لا قبله؛ لأن التابع لا يقدم، وينبغي حمل إطلاقه الفرضَ على فرض العين؛ لئلّا يرد عليه ما لو نوى بتيممه صلاةَ الجنازة؛ فإن الأصحَّ: أنه كالتيمم للنفل.
(أو) نوى (نفلًا) من الصلو ات (أو الصلاةَ) وأطلق ( .. تنفل، لا الفرضَ على المذهب).
أما في الأولى .. فلأن الفرض أصلٌ والنفلَ تابع، فلا يجعل المتبوع تابعًا، وقيل: يستبيح الفرض قياسًا على الوضوء.
وأما في الثانية .. فقياسًا على ما لو تحرم بالصلاة .. فإنّ صلاتَه تنعقد نفلًا، وقيل: يستبيح الفرض أيضًا؛ لأن الصلاة اسمُ جنس يتناول النوعين، فيستبيحهما؛ كما لو نواهما، قال الإسنوي: وهو متجه؛ لأن المفرد الْمُحلَّى بـ (أل) للعموم عند الشافعي.
[ولو نوى بتيممه حملَ المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكرِ، أو نوى الجنب ونحوُه الاعتكاف أو قراءة القرآن، أو الحائضُ استباحة الوطء وصححناه .. فهو كنية النفل حتى يستبيح الناوي ما نواه، ولا يصلي به الفريضة، وكذا لا يصلي النافلة على الأصحِّ في "التحقيق" و"شرح المهذب" 423؛ لأن النافلة آكد] 424. (ومسحُ وجهه، ثم يديه مع مرفقيه) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ولا بدّ فيهما من التعميم، وليتفطن إلى القدر الذي أقبل من أنفه على شفته، فإنه من الوجه، ويُغفَل عنه كثيرًا.
وما ذكره المصنف من الاستيعاب إلى المرفقين هو الجديد؛ لحديث: "التَّيَمُّمُ

الجزء: 1 - الصفحة: 177

وَلَا يَجِبُ إِيصَالُهُ مَنْبِتَ الشَّعرِ الْخَفِيفِ. وَلَا تَرْتيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ .. جَازَ. وَتندَبُ التَّسْمِيَةُ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ

ضرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" رواه الحاكم مرفوعًا من رواية ابن عمر، وأثنى عليه، لكن قال الدارقطني والبيهقي: الصواب: وقفه على ابن عمر 425، والقديم: يكفي مسحهما إلى الكوعين، ورجحه في "شرح المهذب"، و"التنقيح" لحديث عمّار بن ياسر، وقال في "الكفاية": إنه الذي يتعين ترجيحُه 426. ونَبَّه المصنفُ بـ (ثم) على اشتراط الترتيب، وهو كذلك قياسًا على الوضوء، لكن روى البخاري وغيره في بعض روايات حديث عمّار: (أنه ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، وهو يقتضي عدم الترتيب 427. (ولا يجب إيصاله) أي: التراب (منبتَ الشعر الخفيف) بخلاف الوضوء؛ لما فيه من العسر.
(ولا ترتيبَ في نقله في الأصح، فلو ضرب بيديه) التراب دفعة واحدةً (ومسح بيمينه وجهَه، وبيساره يمينَه .. جاز) وكذا لو ضرب اليمين قبل اليسار، ثم مسح بيساره وجهَه، وبيمينه يسارَه؛ لأن الغرض الأصليَّ المسحُ، والنقلُ وسيلةٌ إليه، فلا يُشترط في الوسيلة ما يُشترط في المقصد، والثاني: يشترط؛ كالمسح.
(وتُندب التسميةُ) كالوضوء (ومسحُ وجهِه ويديه بضربتين) لورودهما في الأخبار.
(قلت: الأصح المنصوص: وجوب ضربتين وإن أمكن بضربةٍ بخرقةٍ ونحوِها، والله أعلم) لحديث ابن عمر المارِّ، ولأن الاستيعاب غالبًا لا يتأتّى بدونهما، فأشبه

الجزء: 1 - الصفحة: 178

ويُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، وَيُخَفِّفُ الْغُبَارَ، وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْغُسْلُ، وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ .. بَطَلَ

الأحجارَ الثلاثَ في الاستنجاء، لكن حديث عمّار يدل على الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال له: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثم ضرب بيديه ضربةً واحدةً 428. (ويُقدم يمينَه وأعلى وجهِه) على أسفله؛ لما مرّ في الوضوء، (ويُخفِّف الغبارَ) بنفخه، ونفضِ اليد إذا كان كثيرًا بحيث لا يبقى إلا قدرُ الحاجة؛ للاتباع 429. أما مسح التراب من أعضاء التيمم .. فالأحب كما قاله في "الأم": ألّا يفعله حتى يفرغ من الصلاة 430. (وموالاةُ التيممِ كالوضوء) فيأتي القولان، وإذا اعتبرنا هناك الجفافَ .. اعتبر هنا أيضًا بتقدير التراب ماء، (قلت: وكذا الغسل) أي: موالاته كالوضوء؛ لأن كلًّا منها طهارةٌ عن حدث.
(ويندب تفريق أصابعه أوّلَّا) أي: أول الضرب في الضربتين جميعا؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فيكون تعميمُ الوجه بضربةٍ واحدة أسهلَ وأمكنَ.
(ويجب نزع خاتَمه في الثانية، والله أعلم) ليبلغ التراب محلّه، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيفٌ، لا يسري إلى ما تحت الخاتم، بخلاف الماء، ولا يجب في الأولى، بل يستحب؛ ليكون مسحُ جميع الوجهِ باليد اتباعًا للسنة.
(ومَن تَيمّم لفقد ماءً فوجده؛ إن لم يكن في صلاة .. بطل) تَيمُّمه وإن ضاق الوقت عن الوضوء بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر 431. ووجود ثمن الماءِ عند إمكان شرائه كوجود الماء، وتوهُّمُ الماء كوجوده، حتى لو

الجزء: 1 - الصفحة: 179

إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، أَوْ فِي صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ بهِ .. بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا .. فَلَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ النَّفْلُ. وَالأَصَحُّ: أَنًّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ،

طلع ركبٌ، أو أطبق غيمٌ بقربه أو تخيّل السراب ماءً .. بطل تَيمُّمُه.
ومِن التوهم -كما نقله الرافعي في (كفارة الظهار) عن بعضهم وأقره-: أن يسمع شخصًا يقول: (عندي ماء أودعني إياه فلانٌ)، بخلاف ما لو قال: (أودعني فلان ماء) 432، وذكر الرافعي هنا: أنه لو سمع من يقول: (أودعني فلان ماء)، وهو حين يسمع يَعرف غيبةَ المودع .. أن ذلك مانع اقترن بوجوده 433. وقضيته: البطلان إن لم يعرف غيبته، وهو يُخالف ما ذكره في (الظهار).
واحترز بقوله: (لفقد ماء) عمّا إذا تيمّم لمرض ونحوِه .. فإنّه إنما بطل تيَمُّمُه بالقدرة على استعماله، ولا أثر لوجوده.
(إن لم يقترن بمانع؛ كعطش) وسبع؛ لأن وجودَه - والحالة هذه - كالعدم.
(أو في صلاةٍ لا تسقط به) أي: لا يسقط قضاؤها بالتيمم؛ بأن تيمّم في مكان يغلب فيه وجودُ الماء ( .. بطلت على المشهور) إذ لا فائدةَ في الاشتغال بها؛ لأنه لا بدّ من إعادتها، والثاني: لا تبطل؛ محافظة على حرمتها، ويعيدها، وهو وجه لا قول، فكان ينبغي أن يقول: على الصحيح.
(وإن أسقطها .. فلا) تبطل؛ لتلبسه بالمقصود؛ كوجود الْمُكفِّر الرقبةَ بعد شروعه في الصوم.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو يُمِّمَ الميتُ لفقد الماء، وصلّي عليه، ثم وجد الماء في أثنائها، أو بعدها .. فإنه يجب غَسله والصلاة عليه؛ كما ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألّا يجب.
(وقيل: يَبطُل النفلُ) الذي يسقط بالتيمم؛ لقصور حرمته عن حرمة الفرض؛ إذ الفرض يلزم بالشروع، بخلاف النفل، والأصح: المنع كالفرض.
(والأصح: أن قطعَها) أي: الفريضة التي تسقط بالتيمم (ليتوضأ أفضلُ) من

الجزء: 1 - الصفحة: 180

وَأَنَّ الْمُتَنَفِّلَ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا مَنْ نَوَى عَدَدًا فَيُتِمُّهُ. وَلَا يُصَلِّي بِتيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ، وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ،

إتمامها بالتيمم؛ خروجًا من خلاف مَن أوجب القطعَ، ولأنه انتقالٌ إلى الأفضل، والثاني: أن الإتمام أفضلُ؛ لأن الخروج فيه إبطالٌ للعمل، وقيل: إن ضاق الوقتُ .. حرم قطعُها، وإلّا .. فلا، كذا حكياه في "الروضة"، و"أصلها" عن الإمام 434. وقضية كلامهما: أنه وجهٌ ضعيفٌ، لكن قال في "شرح المهذب": وهذا متعيّن، لا أعلم أحدًا يُخالفه، وفي "التحقيق": إن ضاق وقتُها .. حرم قطعُها اتفاقًا 435. (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين) لأنه الأحب المعهود في النوافل (إلّا من نوى عددًا فيُتمُّه) لأن إحرامَه قد انعقد كذلك، فأشبه المكتوبةَ المقدرةَ.
وكان الأحسن أن يقول؛ (إلّا من نوى شيئًا) ليشمل ما لو أحرم بركعة؛ فإنه لا يزيد عليها.
(ولا يصلّي بتيمم غيرَ فرض) لأن الوضوءَ كان يجب لكلّ فرض، والتيممَ بدلٌ عنه، ثم إنّ إيجاب ذلك نسخَ بالنسبة إلى الوضوء، فبقي التيمم على الأصل، ولا يصح قياسُه عليه؛ لأنه طهارةُ ضرورةٍ، وعدل عن تعبير الرافعي في "الشرح": (ولا يؤدي) إلى قوله: (ولا يصلي) لئلا يرد تمكين المرأةِ الزوجَ، فإنه فرضٌ، ومع ذلك يجمع بين وَطَآت، وبين ذلك وفرض آخر؛ كما صححه في (الحيض) من "شرح المهذب" 436، لكن في عبارة المصنف قصورٌ، فإنه يمتنع الجمع أيضًا بين طوافين مفروضين، وبين فرض طواف وفرض صلاة، وبين صلاة الجمعة وخطبتها، وعبارة "الشرح" شاملةٌ لذلك 437. (ويتنفل ما شاء) لأن النوافل لا تنضبط، فيؤدي إيجابُ التيمم لكل صلاةٍ منها إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 181

وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى ألْخَمْسِ .. كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ. وَإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ .. صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ شَاءَ .. تَيَمَّمَ مَرَّتينِ وَصَلَّى بِالأَوَّلِ أَرْبَعًا وِلَاءً، وَبِالثَّانِي أَرْبَعًا لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا، ......

الترك، أو إلى حرج عظيمٍ.
ويؤخذ من ذلك: أن من صلّى فرضًا بالتيمم .. له إعادتُه به، لأن الفرض الأولى كما سيأتي في موضعه، وبه صرح الْخَفَّاف في "الخصال"، وفرضه في المتيمم المسافر.
(والنذرُ كفرضٍ في الأظهر) للزومه، والثاني: لا، لأنه واجبٌ بعارض، فلا يلحق بالفرض الأصلي.
(والأصح: صحةُ جنائزَ مع فرضٍ) بتيمم؛ لأنها ليست من جنسِ فرائضِ الأعيان، والثاني: لا؛ كما لا يصليها قاعدًا مع القدرة، ولا على الراحلة.
وفرق الأول: بأن ركنَها الأعظمَ القيامُ، فتجويزُها قاعدًا وراكبًا يمحو صورتَها.
(وأن من نَسي إحدى الخمس) ولم يعلم عينَها .. وجب عليه أن يصليَ الخمسَ؛ لتبرأ ذمتُه بيقينٍ، وإذا أراد صلاتهن بالتيمم ( .. كفاه تيممٌ لهن) لأن الفرض واحدٌ، وما عداه وسيلةٌ، وقيل: لكل واحدةٍ تيممٌ؛ لأن الجميعَ واجبٌ.
(وإن نسي مختلفتين) كظهر وعصر ( .. صلّى كلَّ صلاةٍ) من الخمس (بتيمم) فيصلي الخمسَ بخمس تيمّمات، وهذه طريقة ابن القاص.
(وإن شاء .. تيمم مرتين، وصلّى بالأول أربعًا وِلاءً) كالصبح، والظهر، والعصر، والمغرب.
(وبالثاني أربعًا ليس منها التي بدأ بها) كالظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فيخرج عمّا عليه بيقين؛ لأنه صلّى الثلاثةَ المتوسطةَ، وهي الظهر والعصر والمغرب مرّتين بتيمّمين.
فإن كانت الفائتتان في هذه الثلاث .. فقد تأدت كلّ واحدة بتيمّم.
وإن كانت الفائتتان الصبحَ والعشاءَ .. فقد تأدّت الصبحُ بالتيمّم الأول، والعشاءُ بالثاني، وكذا لو كانت إحدى الفائتتين إحدى الثلاث، والأخرى الصبحَ أو العشاءَ،

الجزء: 1 - الصفحة: 182

أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ .. صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ، وَكَذَا النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ فِي الأَصَحِّ

وهذه طريقة ابن الحداد.
وقول المصنف: (ولاء) ليس بشرط، بل لو أتى بها متفرقةً .. صح؛ كما يقتضيه كلامُ "الشرح" وغيره، وقال الإسنوي: لا وجه لاشتراط الولاءِ 438، وفي وجه ضعيفٍ: أنه يلزمه في صورة الكتاب أن يتيمّم مرّتين، ويصلّي بكلّ واحد منهما الصلواتِ الخمسَ.
(أو متفقتين) ولا يعرف عينهما، ولا يكون ذلك إلّا من يومين ( .. صلّى الخمس مرّتين) فيصلّي صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشاءين؛ ليخرج عن العهدة بيقين (بتيممين) هذا هو الأصحُّ، وقيل: لابدّ من عشر تيمّماتٍ.
(ولا يتيمّم لفرضٍ قبل وقتِ فعله) لأنه طهرُ ضرورة ولا ضرورةَ قبل الوقت.
وشمل إطلاقُه الفرضَ المنذورةَ المتعلقةَ بوقتٍ معيّنٍ، وبه صرّح المتولّي، قال في "الكفاية": ويظهر تخريجُه على القاعدة المعروفة، وهي: أنه يسلك بالنذر مسلكَ واجبِ الشرع أو جائزِه 439. وشمل أيضًا صلاةَ الجنازة، ويدخل وقتُها بالغسل، وقيل: بالموت، ووقع في "الشرح الكبير" هنا شيءٌ عجيبٌ، فإنه قسم النافلةَ إلى مؤقتةٍ وغيرِها، ثم جعل من المؤقتة صلاةَ الجنازة، وقضيته: أنها نافلة، ولا قائل به 440. (وكذا النفل المؤقّت في الأصح) كالفرض، والثاني: يجوز قبل وقته؛ لأن أمره أوسعُ، ولهذا جاز الجمع بين نوافلَ بتيمّمٍ.
واحترز بالمؤقّت: عن النوافل المطلقةِ؛ فإنه يتيمم لها متى شاء، إلّا في أوقات الكراهة في الأصح.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا .. لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصلِّيَ الْفَرْضَ وَيُعِيدَ. وَيَقْضي الْمُقِيمُ المُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ، لَا الْمُسَافِرُ،

(ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا .. لزمه في الجديد أن يصليَ الفرضَ) لحرمة الوقت؛ كالعاجز عن السترة، وإزالة النجاسة.
(ويعيدَ) إذا قدر على ما يُسقط الفرضَ؛ من ماء أو تراب؛ لأنه عذرٌ نادرٌ لا يدوم، ولا عبرة بوجود التراب بموضعٍ لا يَسقط القضاءُ به، ومقابل الجديد أقوالٌ: أحدها: تجب الصلاة بلا إعادة، والثاني: لا يجب فعلها في الوقت، وإنما يستحب، وتجب الإعادةُ، والثالث: يستحب الفعل بلا إعادة.
واحترز بـ (الفرض): عن النفل، فلا يجوز له التنفل بحالٍ، وكذا مَسُّ المصحف وحملُه، ولا أن يجلسَ في المسجد إن كان حدثُه أكبرَ، ولا يقرأ من عليه حدثٌ أكبرُ غيرَ الفاتحة جزمًا، ولا الفاتحةَ على الأصح عند الرافعي، لكن صحّح المصنف وجوبَ قراءتِها 441. ولا يلزم الفاقدَ المذكورَ أن يقضيَ في تلك الحالةِ صلاةً تركها بلا عذر، وهل يجوز له ذلك، ثم يقضي إذا قدر على الطهور؛ فيه وجهان حكاهما في "شرح المهذب"، وقال: إن الصوابَ منهما: أنه لا يجوز؛ لعدم الفائدة 442، والمراد بالإعادة: القضاءُ؛ كما عبّر به في "المحرّر" 443، لا الاصطلاح الأصولي 444. (ويَقضي المقيم المتيمم لفقد الماء) لندور الفقد، وعدم دوامه، (لا المسافرُ) وإن قصر سفرُه؛ لعموم الفقد فيه، وإطلاقه المقيمَ والمسافرَ جرى فيه على الغالب في وِجدان الماء في الإقامة، وفقده في السفر، فلو انعكس الحالُ .. انعكس الحكم.
فإذا أقام في مفازة، أو موضع يعدم فيه الماء غالبًا .. لم يعد، ولو دخل المسافرُ في طريقه بلدةً أو قرية، وعدم الماء .. أعاد في الأصحِّ وإن كان حكمُ السفر باقيًا، قال

الجزء: 1 - الصفحة: 184

إِلَّا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عِضْوٍ وَلَا سَاتِرَ .. فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ .. لَمْ يَقْضِ فِي الأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ،

الأصحاب: وضابط الإعادة لفقد الماء: إن كان بموضع يندر فيه العدمُ .. أعاد، وإلّا .. فلا، والجمعة لم تدخل في كلام المصنف؛ إذ لا تُقضى، قال الإسنوي: (والمتجه: فعلُها، وقضاءُ الظهر).
(إلّا العاصيَ بسفره) فإنه يقضي (في الأصح) لأن سقوط الفرض به رخصةٌ، فلا تناط بسفر المعصية، والثاني: لا يقضي؛ لأن التيمّم إذا وجب عليه .. صار عزيمةً.
(ومن تيمّم لبرد) وصلّى ( .. قضى في الأظهر) لأن البرد - وإن لم يكن نادرًا، لكن العجز عمّا يُسخن به الماء، وعن ثيابٍ يتدفأ بها .. نادرٌ - لا يدوم إذا وقع، والثاني: لا يقضي؛ إذ لم يأمر عليه الصلاة والسلام عمرًا بالإعادة 445. ومحل القولين: في السفر، فإن كان حاضرًا .. فالمشهور: القطع بالوجوب.
(أو لمرض يمنع الماء مطلقًا، أو) يمنعه (في عضوٍ ولا ساتر) على ذلك العضو ( .. فلا) قضاء عليه؛ لأنه عذر عامّ، وسواء فيه المقيم والمسافر، والمراد بالمرض هنا: أعمّ من الجرح وغيره.
(إلّا أن يكون بجرحه دمٌ كثيرٌ) بحيث لا يعفى عنه، ويخاف من غسله محذورًا مما مرّ، فيصلي معه ويقضي؛ لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادرٌ لا يدوم، والتقييد بالكثير زاده على "المحرّر"، ونبه عليه في "الدقائق" 446. وما جزم به هنا من القضاء رجح خلافَه في (شروط الصلاة)، فصحح من "زوائده": أن موضع الفصد والحجامة كالبثرات 447، ومقتضاه: العفو عن الكثير.
(وإن كان ساترٌ) كجبيرة على غير أعضاء التيمّم ( .. لم يقض في الأظهر إن وُضع على طهر) لأنه أولى من مسح الخف؛ للضرورة هنا، والثاني: يقضي؛ لأنه عذرٌ

الجزء: 1 - الصفحة: 185

فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ .. وَجَبَ نَزْعُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ .. قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ.

نادرٌ غيرُ دائم، فإن كان على محلّ التيمّم .. وجب القضاءُ قطعًا؛ لنقصان البدل والمبدل جميعًا.
(فإن وُضع على حدث .. وجب نزعُه) إن أمكن بلا ضرر؛ لأنه مسح على ساتر، فاشترط فيه الوضع على طهر؛ كالخف، (فإن تعذّر) نزعُهُ ومسح وصلّى ( .. قضى على المشهور) لفوات شرطِ الوضع، والثاني: لا؛ لمكان العذر 448، بخلاف الخفّ.


الجزء: 1 - الصفحة: 186

بابُ الحَيْض أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ،

﴿باب الحيض﴾ والاستحاضة والنفاس والحيض لغة: السَّيَلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وشرعًا: دمٌ يخرج - بعد بلوغ المرأة - من قُبلها من أقصى رحمها، من غير سببٍ، في أوقات معلومة، بشرائط مخصوصة.
والاستحاضة: دمٌ يَسيلُ من عِرق في أدنى الرحم، يقال له: (العاذل) بالذال المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقيل: بمعجمة وراء، وهو دمُ علّةٍ لا جِبِلَّة، عكس الحيض.
والنفاس: هو الدم الخارج بعد الولد.
(أقل سنه: تسع سنين) قمريّة؛ للاستقراء، قال الشافعي رضي الله عنه: (أعجل من سمعته من النساء يحضن نساءُ تهامة، يحضن لتسع سنين) 449، والمراد بالتسع: استكمال التاسعة، وقيل: نصفها، وقيل: الطعن فيهما.
(وأقله: يوم وليلة) متصلة؛ لأنه أقلّ ما عُلم كما قاله الشافعي، قال الإمام: والمراد: مقدار ذلك 450، وهو أربعة وعشرون ساعة، (وأكثره: خمسةَ عشرَ بلياليها) للاستقراء أيضًا.
(وأقلّ طهرٍ بين الحيضتين: خمسةَ عشرَ) يومًا؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر .. لزم في الطهر ذلك.
وخرج بقوله: (بين الحيضتين) الطهرُ بين الحيض والنفاس إذا قلنا: الحاملُ تحيض، فإنه يجوز نقصُه عن ذلك في الأصحِّ، بل لو خرج متّصلًّا بالولادة بلا تخلُّلِ طهرٍ .. كان حيضًا.
وخرج أيضًا: ما لو رأت النفاسَ ستين يومًا، ثم انقطع، ثم عاد الدم قبل خمسةَ

الجزء: 1 - الصفحة: 187

وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تلوِيثَهُ، وَالصَّوْمُ، ويجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ سُرَّتهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ

عشرَ، ففي جعله حيضًا هذان الوجهان؛ كما نقله في "شرح المهذب" في الكلام على النفاس عن المتولّي، وأقره 451، وقضيته: ترجيح كونه حيضًا.
وخرج أيضًا: أيام النقاء المتخلّلةِ بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللقط كما سيأتي.
(ولا حَدَّ لأكثره) بالإجماع، فإنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وسكت المصنفُ عن الغالب، وهو في الحيض: ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.
(ويحرم به) أي: بالحيض (ما حرم بالجنابة) لأنه أغلظ، (و) يزيد على ذلك (عبورُ المسجد إن خافت تلويثَه) صيانةً للمسجد عن التلويث، ولا خصوصيةَ للحائض بهذا؛ فإن المستحاضة، ومَنْ به حدث دائم، أو جراحةٌ تسيل كذلك، وكذا المتنعّل نعلًا ذا نجاسةٍ رطبةٍ، فليدلكه، ثم ليدخل.
(والصوم) للإجماع على تحريمه، وعدم صحته، (ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة) لقول عائشة رضي الله عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) 452، وانعقد الإجماع على ذلك.
(وما بين سرّتها وركبتِها) أي: يحرم مباشرتُه؛ لأن ذلك حريمٌ للفرج، ومن حام حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه.
وسكتوا عن مباشرتها له فيما بين السرّة والركبة؛ كمس الفرج ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تحريمه 453. (وقيل: لا يحرم غيرُ الوطء) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، قال في "شرح المهذب": (وهذا أقوى من حيث الدليلُ) 454.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

فَإِذَا انْقَطَعَ .. لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ

وقال في "التحقيق"، و"التنقيح"، "والتصحيح": (إنه المختار) 455، قال: ولكن الأول: هو المنصوص في الجديد والأصحُّ عند الأكثرين.
أما تحريم الوطء .. فإجماع، ومُورِث علةً مؤلمة جدًّا للمُجامع، والجذامَ للولد، وكلامه يوهم الحصرَ فيما ذكره.
وأورد تحريم الطلاق فيه، وأجيب: بأنه أشار إليه فيما بعد.
وأورد أيضًا الغسل؛ فإنه يحرم قبل الانقطاع بنيةِ رفعِ الحدثِ إذا قصدت التعبد به مع علمها بأنه لا يصح؛ للتلاعب، ذكره في "شرح المهذب" 456. (فإذا انقطع .. لم يحل قبل الغُسل غيرُ الصوم) لأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، (والطلاقِ) لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويلُ العدّةِ بسبب الحيضِ.
وأفهم: أن ما عدا الصوم والطلاق من المحرّمات لا يزول تحريمه إلّا بالغُسل، أما ما عدا الاستمتاع: فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث، والحدثُ باقٍ.
وأما الاستمتاع .. فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد في السبع 457؛ أمّا قراءة التشديد: فصريحة فيما قلناه، وأمّا التخفيف .. فإن كان المراد به أيضًا: الاغتسال كما قاله ابن عباس وجماعة؛ لقرينة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ .. فواضح، وإن كان المرادُ به: انقطاعَ الحيض .. فقد ذكر بعده شرطًا آخر وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا بدّ منهما معًا.
وحكى الغزالي: أن الوطء قبل الغُسل يورث الجذام في الولد 458. وأورد على حصر المصنف الاستثناءَ المنعُ من الطهارة، قال في "زيادة الروضة": وكذا تحريم عبور المسجد في الأصحِّ إذا قلنا بالوجه الضعيف: أنه يحرم

الجزء: 1 - الصفحة: 189

وَالاسْتِحَاضَةُ حَدَث دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ،

عبوره عند أمن التلويث 459، ولا يستثنى نكاح المستبرأة وإن كان يرتفع أيضًا بالانقطاع؛ لأن الكلام فيما حرم بالحيض، وتحريم نكاح المستبرأة ثابتٌ قبل الحيض.
ولو أبدل المصنف الغسل بالتطهير .. لكان أولى، ليشمل التيممَ بشرطه.
(والاستحاضةُ حدث دائم كسَلَسٍ) أي: سلس البول ونحوِه (فلا تمنع الصومَ والصلاةَ) كسائر الأحداث، بخلاف الحيض، ولأمره عليه الصلاة والسلام حمنة بهما 460. وقوله: (حدث دائم) ليس تفسيرًا للاستحاضة، وإلّا .. يلزم كون سَلَسِ البول استحاضةً، وإنما هو بيان لحكمه الإجمالي، وإنما الاستحاضة دمٌ تراه المرأة، غيرُ دم الحيض والنفاس.
ثم أخذ المصنفُ في بيان حكمها التفصيلي، فقال: (فتغسل المستحاضةُ فرجَها) وجوبًا قبل الوضوء، أو التيمم، إن كانت تتيمّم للطهارة عن النجاسة، (وتَعْصِبه) بعصابة على كيفية مشهورةٍ، وذلك بعد حشوه بقُطنة ونحوِها، دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، وهذا الحشو والتعصيب واجبان، إلّا إذا تأذّت بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم .. فلا يلزمها، وتصلي مع السيلان.
ولو كانت صائمةً .. لم تَحْشُه نهارًا، وتقتصر على التعصيب، كما قاله الشيخان 461. (وتتوضأ وقت الصلاة) لا قبل الوقت، كالمتيمم، وكان الأحسن أن يقول: (فتتوضأ) لأن الأصح في "شرح مسلم"، والمجزوم به في "التحقيق": اشتراطُ

الجزء: 1 - الصفحة: 190

وَتُبَادِرُ بِهَا، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ؛ كَسَتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ .. لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا .. فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ الْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ الانْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ .. وَجَبَ الْوُضُوءُ

تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه 462، (وتُبادِر بها) أي: بالصلاة بعد الوضوء تقليلًا للحدث.
(فلو أَخّرت لمصلحةِ الصلاةِ؛ كسترٍ) لعورة (وانتظارِ جماعةٍ .. لم يضر) لأن تأخيرَ الصلاة لهذه الأسباب مندوبٌ إليه.
واستشكل: بأن اجتناب النجاسةِ شرطٌ، ومراعاته أحقُّ من مراعاة المندوبات.
(وإلّا) أي: وإن كان التأخير لا لمصلحة الصلاةِ ( .. فيضر على الصحيح) لأن ما جرى من الحدث كانت مستغنية عنه، والثاني: لا يضر، كالمتيمم.
(ويجب الوضوءُ لكلِّ فرضٍ) لدوام الحدث، ولحديث: "تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة" 463، ولها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم.
(وكذا تجديد العِصابة) وغسلُ فرجها وحشوُه (في الأصح) قياسًا على تجديد الوضوء، والثاني: لا؛ لأن النجاسة في محلّ العفو، ولم تتعدّ محلَّها، فإن تعدّت محلَّها، بأن ظهر الدم على جوانب العصابة أو زالت العصابة .. وجب التجديد قطعًا.
(ولو انقطع دمُها بعد الوضوء، ولم تَعْتَد انقطاعَه وعودَه، أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءًا والصلاةَ) التي تتوضأ لها ( .. وجب الوضوءُ) أمّا في الأولى .. فلاحتمال الشفاء، والأصل: عدم عوده، وأمّا في الثانية .. فلإمكان أداء الصلاةِ على الكمال في الوقت.
وخرج بقوله: (وسع) ما لو اعتادت انقطاعًا لا يسعهما، وهو كذلك، وحينئذ فتصلّي بذلك الوضوء، ولو لم تعتد انقطاعَه، وأخبرها ثقةٌ عارفٌ بأنه لا يعود إلّا بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 191

فصل [فيما تراه المرأة من الدماء]

رَأَتْ لِسِنِّ الْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَم يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ .. فَكُلُّهُ حَيْضٌ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ عَبَرَهُ؛ فَإِنْ كَانتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا .. فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَة، وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلَ الطُّهْرِ

ما يَسعهما، أو يعود قريبًا .. فكالاعتياد.
ولو عبر المصنف بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء) .. لكان أحسنَ؛ ليشمل غَسل الفرج عن النجاسة ونحو ذلك.


(فصل: رأت) المرأة (لسنّ الحيض أقلّه) أي: الحيض (ولم يعبر أكثره .. فكلّه حيض) مطلقًا؛ لاجتماع الشروط، واحتمالُ تغيرِ العادةِ ممكنٌ، ويشترط: ألّا يكون قد بقي عليها بقيةُ طهرٍ.
فلو عبر بقوله: (رأت لزمن إمكانِ الحيض) .. لاستقام.
(والصفرة والكدرة حيض في الأصح) لأنهما أذى، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والثاني: لا، إلّا في أيام عادتها؛ لقول أمّ عطية: (كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا)، رواه أبو داوود، وصححه الحاكم 464. (فإن عبره) أي: عبر الدمُ أكثرَ الحيض (فإن كانت مبتدأة) وهي التي ابتدأها الدم (مميّزة؛ بأن ترى قويًّا وضعيفًا .. فالضعيف استحاضة، والقويّ حيض إن لم ينقص) القوي (عن أقلّه) أي: الحيض؛ ليمكن جعله حيضًا.
(ولا عبر أكثره) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلة؛ لأن الحيض لا يزيد على ذلك.
(ولا نَقَص الضعيف) إن استمر (عن أقلّ الطهر) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلةً

الجزء: 1 - الصفحة: 192

أَوْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَيْضَهَا: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرَهَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. أَوْ مُعْتَادَةً بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ .. فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا،

ليجعل طهرًا بين الحيضتين، فلو رأتْ يومًا سوادًا ويومًا حمرةً، وهكذا أبدًا .. لم يكن تمييزًا معتبرًا وإن كانت جملةُ الضعيف لم تنقص عن خمسةَ عشرَ؛ لكونها ليستْ متصلةً.
وبما تُعرف القوةُ والضعف؟ فيه وجهان: أحدهما: باللون فقط؛ فالأسود أقوى، ثم الأحمر، ثم الأشقر، ثم الأصفر، ثم الأكدر إذا جعلناهما حيضًا، والأصحّ: بإحدى ثلاثِ خصالٍ، وهي: اللون والثخانة والرائحة الكريهة.
وما له صفتان أقوى مما له صفةٌ واحدةٌ، وما له ثلاث أقوى مما له ثنتان، فإن تعادلا؛ بأن وجد في البعض صفة، وفي البعض الآخر صفة أخرى .. فالحكم للسابق منهما، كذا نقله الرافعي عن المتولّي، ثم قال: وهو موضع تأملٍ، وجزم به في "التحقيق" 465. (أو مبتدأة لا مميّزة؛ بأن رأته بصفة) واحدة (أو فقدت شرط تمييز) على ما مرّ ( .. فالأظهر: أن حيضها: يوم وليلة) لأن سقوطَ الصلاة عنها في هذا القدر متيقّن، وفيما عداه مشكوكٌ فيه، فلا يترك اليقينُ إلّا بيقين، أو أمارة ظاهرة؛ كالتمييز والعادة.
(وطهرَها: تسعٌ وعشرون) لأنها تتمة الدور، والقول الثاني: أنها تردّ إلى الغالب، وهو ستّ أو سبع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ" 466، وكانت مبتدأة؛ إذ لو كانت معتادة أو مميّزة .. لردّها إلى ذلك.
والمقدار على القولين يكون في كل شهر، ويكون أيضًا من أول الدم الذي تراه.
(أو معتادة) غير مميزة (بأن سبق لها حيضٌ وطهر) وهي تَعلمهما (فترد إليهما قدرًا ووقتًا) كخمسة أيام من أول كل شهرٍ مثلًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في المرأة

الجزء: 1 - الصفحة: 193

وَتثبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ

التي استفتتْ لها أمُّ سلمة: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأيَّام الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ .. فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ"، رواه أبو داوود وغيره بإسناد صحيح 467. وحكى المرعشي قولًا: أنه لا أثر للعادة، واستُغرب.
واعلم: أن المعتادة إذا جاوز الدمُ عادتَها .. أمسكتْ عمّا تُمسك عنه الحائضُ قطعا؛ لاحتمال انقطاعه على خمسةَ عشرَ، فإن انقطع على خمسةَ عشرَ فأقلَّ .. فالكلُّ حيضٌ، وإن عبرها .. قضت ما وراء قدر عادتها.
وفي الدور الثاني وما بعده إذا عبر أيام عادتها .. اغتسلت، وصامت، وصلّت؛ لظهور الاستحاضة؛ لأنها تثبت بمرّة جزمًا.
(وتثبت) العادة (بمرة في الأصح) لأن الحديث السابق قد دلّ على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن الظاهرَ: أنها في هذا الشهر كالذي قبله؛ لكونه أقرب إليها، والثاني: لا بدّ من مرّتين؛ لأن العادةَ مشتقّةٌ من العَود.
ومحلّ الخلاف: في عادة الحيض، أما الاستحاضة .. فتثبت بمرّة قطعًا؛ كما مرّ.
وما تقدّم في العادة المتّفقة أو المختلفة المتسقة، أمّا المختلفة غير المتسقة .. فالصحيح الذي قطع به الجمهور: أنها تردّ إلى ما يلي شهر الاستحاضة، وإن كانت مختلفة متسقة ونسيت اتساقها .. فالأصحُّ: أنها تغتسل آخر كلِّ نوبةٍ.
(ويُحكم للمعتادة المميّزة) حيث اختلفت العادة والتمييز؛ كما لو كانت عادتُها خمسةً من أوّل كلِّ شهرٍ، فاستحيضت، فرأت خمستَها حُمرةً، ثم رأت عقبها خمسة سوادًا وباقي الشهر حُمرةً (بالتمييز لا العادةِ في الأصح) لحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ

الجزء: 1 - الصفحة: 194

أُوْ مُتَحَيِّرَةً؛ بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتا .. فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ، وَالْمَشْهُورُ: وُجُوبُ الاحْتِيَاطِ، فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا، وَكَذَا النَّفْلُ فِي الأَصَحِّ،

يعرَفُ" 468 لأن التمييزَ علامةٌ حاضرةٌ، والعادة منقضية، والثاني: يأخذ بالعادة؛ لأنها قد ثبتت واستقرّت، وصفةُ الدّم بصدد البطلان، وذلك عند نقصانه عن أقلّ الحيض، أو مجاوزته أكثرَه.
(أو متحيّرة؛ بأن نسيت عادتَها قدرًا ووقتًا) وابتداءً؛ بأن جنّت ثم أفاقت مستحاضةً، ولا تمييز لها ( .. ففي قولٍ: كمبتدأة) بجامع فقدِ العادةِ والتمييزِ.
وسمّيت هذه متحيّرةً؛ لتحيّرها في نفسها، وتسمّى أيضا مُحيِّرةً بكسر الياء؛ لأنها حَيَّرت الفقيهَ.
(والمشهورُ: وجوب الاحتياط) بما يجيء؛ إذ كلّ زمن يَحتمل الحيضَ والطهرَ والانقطاعَ، ولا يمكن جعلُها حائضا دائمًا؛ لقيام الإجماع على بطلانه، ولا طاهرًا دائمًا؛ لقيام الدم، ولا التبعيض؛ لأنه تَحكّم، فاحتاطت للضرورة.
لكن الأصحّ فيما لو طَلَقت ولم تعرف قدر دورها: أنها تعتدّ بثلاثة أشهر اعتبارًا بالغالب، ودفعا للضرر، وقيل: إنّها تحتاط في العدّة أيضًا؛ بأن تَقعُد إلى سنّ اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لاحتمال تباعد الحيض.
(فيحرم الوطء) والاستمتاع بما بين السرّة والركبة على الزوج والسيد؛ لاحتمال الحيض، (ومس المصحف، والقراءةُ في غير الصلاة) لاحتماله أيضًا، أما في الصلاة: فجائزة مطلقًا، وقيل: تحرم الزيادةُ على الفاتحة.
(وتصلي الفرائض) خارج المسجد (أبدًا) لاحتمال الطهر (وكذا النفل في الأصح) لأنه من مهمات الدين، فلا وجه لحرمانها ذلك، والثاني: لا؛ إذ لا ضرورة؛ كمسّ المصحف، والقراءة في غير الصلاة.
وقضيةُ سكوتِ المصنفِ عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت، وتصريحه بوجوب

الجزء: 1 - الصفحة: 195

وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ثُمَّ شَهْرًا كَامِلَيْنِ، فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ثَلَاثة أَوَّلَهَا، وَثَلَاثة آخِرَهَا، فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ،

قضاء الصوم: أنه لا يجب قضاؤها، وهو ما في "البحر" عن النصّ، ونقله الماوردي، والدارمي، وابن الصبّاغ، ونصر المقدسي عن الجمهور، وقال في "المهمات": إنه المفتى به، لكن الذي رجّحه الشيخان وجوبُ القضاء 469. (وتَغتسل لكل فرض) لاحتمال الانقطاع، نعم؛ إن ذكرت وقت الانقطاع؛ كأن قالتْ: كان الدم ينقطع مع الغروب مثلًا .. لزمها الغُسلُ لكلّ يوم عقبَ الغروب فقط، قاله في "التحقيق" 470. ويستثنى: ذات التقطع، فإنه لا يلزمها الغُسلُ زمنَ النقاء؛ إذ الغسل سببه الانقطاع، والدم منقطع.
(وتصوم رمضان) لاحتمال الطهر في جميعه، (ثم شهرًا كامليْن، فيحصل من كلٍّ أربعة عشر) يومًا؛ لاحتمال أن يكون حيضُها أكثرَ الحيض، وأن يطرأ في أثناء يومٍ، وينقطع في أثناء السادس عشر من ذلك اليوم، ووجود الحيض في بعض اليوم مبطل له، فلزم ما ذكرناه.
وقوله: (كاملين) حال من (رمضان) و (شهرٍ) وإن كان (شهر) نكرة.
فلو كان رمضانُ ناقصًا .. حصل لها منه ثلاثةَ عشرَ يومًا، والمقضي منه بكل حال ستةَ عشرَ، فإذا صامت شهرًا كاملًا بعد ذلك .. بقي عليها يومان، فلو قال: وتصوم رمضان، ثم شهرًا كاملًا، وبقي يومان .. لأغنى عن (كاملين) وما بعده.
(ثم تصوم من ثمانية عشر) يومًا ستةَ أيام (ثلاثةً أولّها، وثلاثةً آخرَها، فيحصل اليومان الباقيان) لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها .. انقطع في أثناء السادس عشر، فيحصل اليومان بعده.
أو في اليوم الثاني .. انقطع في السابع عشر، فيحصل الأول والأخير.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

وَيُمْكِنُ قَضاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ ثُمَّ الثَّالِثِ وَالسَّابِعَ عَشَرَ. وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئًا .. فَلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ، وَهِيَ فِي الْمُحْتَمِلِ كحَائِضٍ فِي الْوَطْءِ، وَطَاهِرٍ فِي الْعِبَادَةِ،

أو في اليوم الثالث، فيحصل اليومان الأولان 471. أو طرأ في أثناء السادس عشر، فينقطع في أثناء الأول، فيحصل الثاني والثالث.
أو في السابع عشر، فينقطع في الثاني، فيحصل السادس عشر والثالث.
أو في الثامن عشر، فينقطع في الثالث، فيحصل السادس عشر والسابع عشر، فتخرج بذلك عن العهدة بيقين، ولا تتعين هذه الكيفية، بل لو صامت أربعةً من هذه الستة في أول الثمانيةَ عشرَ واثنين في آخرها أو بالعكس، أو اثنين في أولها، واثنين في آخرها واثنين في الوسط كيف شاءت .. حصل اليومان الباقيان.
والضابط في قضاء اليومين وغيرهما: أن نضعّف ما عليها، ونزيد عليه يومين، فتصوم ما عليها وِلاءً متى شاءت، ثم تأتي بذلك مرّةً أخرى من أول السابعَ عشرَ من صومها، ثم تأتي باليومين بينهما، سواءٌ كانا متصلين باليومين الأوّلين أو بالأخيرين، أو منفردين عنهما متفرقين أو مجتمعين، وكلّما زاد الواجب يومًا .. زاد الصوم يومين: يومًا في أول المدّة ويومًا في آخرها على ما سبق.
قال الدارمي: ويمكن قضاءُ يومين فصاعدًا إلى آخر السابع بزيادة يوم واحد على الضعف، فلقضاء يومين تصوم يوما وثالثَه وسابعَ عشرِه وتاسعَ عشرِه، وتفطر رابعَه وسادسَ عشرِه ويبقى بينهما أحدَ عشرَ يومًا، تصوم منها يومًا أَيَّ يوم شاءت، فيحصل لها يومان بخمسة من تسعةَ عشرَ.
(ويمكن قضاءُ يومٍ بصوم يومٍ، ثم الثالثِ) من الأول (والسابعَ عشرَ) منه؛ لوقوع يوم من الأيام الثلاثة في الطهر بكل تقدير؛ لما مرّ في اليومين.
(وإن حفِظت شيئًا) من عادتها، ونسيت شيئًا؛ كالوقت دون القدر أو عكسه) .. فلليقين حكمُه) من حيض أو طهر.
(وهي في المحتمِل كحائض في الوطء، وطاهرٍ في العبادة) لما سبق من وجوب الاحتياط، والمراد بـ (المحتمل): هو محتمِل الحيض والطهر.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

وَإِنِ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا .. وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ الدَّمِ .. حَيْضٌ

(وإن احتمل انقطاعًا .. وجب الغُسلُ لكلّ فرضٍ) احتياطًا، وإن لم يحتمله .. وجب الوضوء فقط.
قال الأصحاب: والحافظةُ للقدر إنما تخرج عن التحيّر المطلق بحفظ قدر الدورِ وابتدائه، وقدرِ الحيض؛ كقولها: (كان حيضي ستة أيام من العشر الأول من كل شهر)، فالخامسُ والسادس حيضٌ بيقين، وما بعده إلى آخر العاشر طهرٌ مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل الانقطاعَ، فتؤمر فيه بالاغتسال، وما قبلهما إلى الأول يحتمل الطروء فقط، فهو حيض مشكوكٌ فيه، فتتوضأ لكلّ صلاة، ولا تغتسل، ومن الحادي عشر إلى آخر الشهر طهرٌ بيقين.
ومن أمثلة حفظ الوقت فقط: ما لو قالت: (أعلم أن حيضي في الشهر مرةً، وأكون في سادسه حائضًا) .. فالسادس حيضٌ بيقين، والعشر الأخير طهرٌ بيقين، ومن السابع إلى آخر العشرين طهر مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الانقطاع دون الطروء، ومن الأول إلى الخامس والسادس حيضٌ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الطروء دون الانقطاع.
(والأظهر: أن دم الحامل والنقاء بين الدم .. حيضٌ) أما في الأولى .. فلحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" 472، ولأنه دمٌ لا يمنعه الرَّضاع، بل إذا وجد معه .. حُكِم بكونه حيضًا وإن ندر، فكذا لا يمنعه الحملُ.
ووجه مقابله: أن الحمل يسدّ مخرج الحيض، وقد جعل دليلًا على براءة الرحم، فدلّ على أنّ الحامل لا تحيض، ويستثنى الدم الخارج عند الطلق أو مع خروج الولد؛ فإنه ليس بحيض ولا نفاس على الأصحِّ.
ويستثنى من إجراء أحكام الحيض عليه: تحريمُ الطلاق؛ فإنه لا يحرم فيه، ولا تنقضي به عدةُ صاحب الحمل، وتنقضي به عدّةُ غيره في الأصحِّ؛ بأن وُطئت بشبهة زمنَ الحمل، وكذا لو كان الحملُ من زنًا.
وأمّا في الثانية .. فلو قلنا بأنه طهر .. لانقضت العدة بثلاثة منه، ولا قائلَ به.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

وَأَقَلُّ النِّفَاسِ: لَحْظَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: سِتُّونَ، وَغَالِبُهُ: أَرْبَعُونَ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْحَيْضِ، وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ.

ووجه مقابله: أنه لما دلّ الدم على الحيض .. وجب أن يدلّ النَّقاءُ على الطهر، ويسمّى الأول: قول السحب، والثاني: قول اللقط وقول التلفيق.
وقوله: (بين الدم) قال الشيخ بهاء الدين الفزاري: (كذا هو في عدّة نسخ، وقيل: إنه كان هكذا في نسخة المصنف، ثم أصلحه بعضهم بقوله: "بين أقل الحيض" لأن الراجح: أنه إنما ينسحب إذا بلغ مجموع الدماء أقلّ الحيض) انتهى.
قال المنكّت: (وقد رأيت نسخةَ المصنف التي بخطه، وقد أُصلحت كما قال بغير خطه) 473. (وأقلُّ النفاس: لحظةٌ، وأكثرُه: ستون، وغالبُه: أربعون) اعتبارًا بالوجود، فلو ولدت ولم تر دمًا أصلًا حتى مضى خمسة عشر فصاعدًا .. فلا نفاس لها على الأصحِّ في "شرح المهذب" 474. (ويحرم به ما حرم بالحيض) بالإجماع (وعُبورُه ستين كعبوره أكثرَه) أي: الحيض، فينظر أمبتدأة هي أم معتادة مُميِّزة، أم غير مُميِّزة؟ ويقاس على ما مرّ في الحيض؛ لأن النفاس كالحيض في غالب أحكامه، فكذلك الردّ إليه عند الإشكال.


الجزء: 1 - الصفحة: 199

كتابُ الصَّلاة الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ: الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، .

﴿كتاب الصلاة﴾ هي لغة: الدعاء بخير، وشرعًا: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمةٌ بالتسليم بشرائطَ مخصوصةٍ.
سُمِّيت بذلك لاشتمالها على الدعاء؛ إطلاقًا لاسم الجزء على الكلّ، وقيل: لما يعود على فاعلها من البركة، والبركة تسمى صلاةً.
(المكتوباتُ خمسٌ) في كلّ يوم وليلة بالإجماع.
(الظهر) لحديث جبريل الآتي، (وأولّ وقته: زوال الشمس، وآخره: مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَه سوى ظلّ استواء الشمس) الموجود عند الزوال إن بقي ظلّ كغالب البقاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتينِ، فَصلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ ألشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالمشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ .. صَلَّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ 475، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ" 476. (وهو أول وقت العصر) للحديث المار (ويبقى حتى تغرب) لحديث: "وَقْتُ

الجزء: 1 - الصفحة: 201

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالْمَغْرِبُ: بِالْغُرُوبِ، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ .. جَازَ عَلَى

الْعَصْرِ مَا لَمْ تغرُبِ الشَّمْسُ" رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم 477، (والاختيار: ألّا تؤخر عن مصيرِ الظلِّ مثلين) بعد ظلّ الاستواء؛ لحديث جبريل المار، وسمي مختارًا؛ لما فيه من الرجحان، وقيل: لاختيار جبريل إياه.
(والمغربُ: بالغروب) لحديث جبريل (ويبقى) وقتها (حتى يَغيب الشفقُ الأحمر في القديم) لحديث: "وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" 478. (وفي الجديد: ينقضي بمضيّ قدرِ وضوءٍ، وسترِ عورةٍ، وأذانٍ، وإقامةٍ، وخمسِ ركعات) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها، وإنما استثُني قدرُ هذه الأمور؛ للضرورة وجواز جمع المغرب والعشاءِ تقديمًا إنما ساغ لأن الوقت المذكور يَسع ذلك خصوصًا إذا كانت الشروط عند الوقت مجتمعة فيه، فإن فُرض ضيقُه عنها لأجل اشتغاله بالأسباب .. امتنع الجمعُ لفوات شرطه، وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما.
ولو عَبَّر بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء) .. لكان أولى؛ ليشمل التيمم والغسلَ وإزالة النجاسة.
والتعبير بـ (ستر العورة) يخالف ما ذكروه؛ من استحباب التعمم والتقمص والارتداء ونحوها، ولهذا عبر الماوردي في "الإقناع" وغيره بـ (لبس الثياب)، قال الإسنوي: (وهو حسن) 479. (ولو شَرَعَ في الوقت) على الجديد (ومَدَّ حتى غاب الشفقُ .. جاز على

الجزء: 1 - الصفحة: 202

الصَّحِيحِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ ثلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ. وَالصُّبْحُ: بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتشَرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،

الصحيح) لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بـ (الأعراف) في الركعتين، رواه الحاكم وصححه 480، والثاني: لا تجوز، لوقوع بعضها خارج الوقت.
(قلت: القديم أظهر، والله أعلم) لما مرّ، وقد علق الشافعي في "الإملاء" - وهو من الجديد - القول به على صحة الحديث فيه، قال ابن الصلاح: وقد ثبت الحديث 481، بل أحاديث، فيكون قولُ الاتساع جديدًا 482. (والعشاء: بمغيب الشفق) الأحمر؛ لما سبق (ويبقى إلى الفجر) الصادق لحديث: "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" رواه مسلم 483، (والاختيار: ألّا تؤخر عن ثلث الليل) لأن جبريل عليه السلام صلاها في اليوم الثاني كذلك، (وفي قول: نصفِه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي .. لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَلأَخرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" رواه الحاكم وصححه 484. وقضية كلام "شرح المهذب": أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرح سليم في "الفروع"، ولهذا قال في "شرح مسلم": (إنه الأصح)، وقال البيهقي في "خلافياته": إنه الصحيح في المذهب 485. (والصبح: بالفجر الصادق) بالإجماع (وهو: المنتشر ضوؤه معترضًا بالأُفُقِ) لا الفجر الكاذب وهو: الذي يبدو مستطيلًا كذَنَب السِّرْحان، وهو: الذئب، ثم تعقبه ظلمة، (ويبقى حتى تَطلُع الشمسُ) لحديث: "وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ

الجزء: 1 - الصفحة: 203

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ: عِشَاءً، وَالْعِشَاءِ: عَتَمَةً، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ،

الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ" رواه مسلم 486، (والاختيار: ألّا تُؤخَّر عن الإسفار) وهو الإضاءة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام صلاها في اليوم الثاني كذلك.
(قلت: يكره تسمية المغرب: عِشاء، والعشاءِ: عَتَمَةً) لثبوت النهي عن ذلك في الصحيح 487، (والنوم قبلها) لأنه عليه السلام كان يكرهه، متفق عليه 488. والمعنى فيه: مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: (تعمّ جميعَ الصلوات).
(والحديثُ بعدها) لكراهته عليه الصلاة والسلام له أيضًا، متفق عليه 489، ولأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا، وهذا يُخرجه عن ذلك، (إلّا في خيرٍ، والله أعلم) كقراءة الحديث، ومذاكرة الفقه، وحكاياتِ الصالحين، وإيناس الضيف ونحوِ ذلك؛ لأنه خير ناجز، فلا يُترك لمفسدة متوهمة، وقد جاءت به أحاديث صحيحة 490، واستثنى في "زيادة الروضة" مع ذلك: ما إذا تكلم لعذر 491. (ويُسن تعجيلُ الصلاة لأول الوقت) استباقا للخيرات، ولقوله عليه الصلاة والسلام في جواب أيّ الأعمال أفضل؟ "الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رواه الدارقطني وابن حبان في "صحيحه" 492. واعلم: أنه إنما يجوز التأخيرُ عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على

الجزء: 1 - الصفحة: 204

وَفِي قَوْلٍ: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ. وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالأَصَحُّ: اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ

الأصحِّ في "شرح المهذب" 493، ويستثنى من ذلك مسائلُ: منها: الإبراد؛ كما سيأتي، والمقيم بمنى، فإنه يندب له تأخير الظهر وتقديم الرمي، وكذا المسافر إذا كان سائرًا وقتَ الأولى، فإنّ التأخير أفضلُ كما ذكره في بابه، ومَنْ يدافعه الخبث، أو حضره طعامٌ يتوق إليه، وكذا كلّ عذر مُرخِّص في ترك الجماعة، وغيرُ ذلك مما تكثر صورُه وأمثلتُه.
والضابط: أن يعارض ما هو أرجح من فعلها أول الوقت كتيقن وجود الماء والسترة في أثناء الوقت.
(وفي قول: تأخير العشاء أفضلُ) ما لم يجاوز وقتَ الاختيار؛ للحديث السالف، وقال في "شرح المهذب": (إنه أقوى دليلًا) 494، واختاره السبكي، وقال الأَذرَعي: (إنه المنصوص في أكثر كتبه الجديدة).
(ويُسن الإبرادُ بالظهر في شدة الحرِّ) إلى أن يصير للحيطان ظلٌّ يمشي فيه الساعون للجماعة؛ لحديث: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ .. فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" متفق عليه 495. واحترز بـ (الظهر) عن الجمعة؛ فإنه لا يسن الإبراد فيها على الأصحِّ.
(والأصح: اختصاصه ببلدٍ حارٍّ) كالحجاز؛ لأن الأمر هين في غيرها، (وجماعةِ مسجدٍ يَقصِدونه من بُعدٍ) ويمشون إليه في الشمس، لأن من صلّى منفردًا أو بيتُه قريبٌ من المسجد .. ليس فيه كبيرُ مشقة، والثاني: لا يختص بذلك؛ لإطلاق الخبر، والمنفرد إذا قصد الصلاةَ في المسجد يُبرد كما أشعر به كلام الرافعي، وقال الإسنوي: (إنه الأوجه)، بخلاف ما أشعر به كلام "الكتاب" 496.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةً .. فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ، وَإِلَّا .. فَقَضَاءٌ. وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ .. اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتَةِ،

(ومن وقع بعضُ صلاته في الوقت .. فالأصح: أنه إن وقع ركعةً .. فالجميع أداءٌ، وإلا .. فقضاءٌ) كلها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه، زاد مسلم: "كُلَّهَا" 497، دل بمنطوقه على الأول، وبمفهومه على الثاني، والثاني: الجميع قضاءٌ؛ اعتبارًا بآخر الصلاة، والثالث: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما وقع بعده قضاءٌ؛ نظرًا إلى الواقع، والرابع: إن أخر بعذر وأدرك ركعة .. فأداءٌ، وإلّا .. فلا.
(ومن جهل الوقتَ) لعارض غيم ونحوه ( .. اجتهد (ولو أعمى وجوبًا؛ قياسًا على الأحكام الشرعية (بوِردٍ) من قراءة ودرسٍ (ونحوِه) كخياطة وغيرِها، ومن الأمارات: صياحُ الديك المجرَّب.
وأورد على المصنف: أن محلّ الاجتهاد: ما إذا لم يُخبره ثقةٌ عن علم، فإن أخبره عن علم بمشاهدة؛ كقوله: (رأيت الفجر طالعًا)، أو (الشمسَ غاربة) .. لزمه قبولُه، ولا يجتهد.
وأجيب: بأنه متى أخبره ثقةٌ عن علم .. فهو غير جاهل بالوقت، ولو أخبره عن اجتهاد .. قلده الأعمى دون البصير القادرِ على الاجتهاد.
(فإن تيقن صلاتَه قبل الوقت) بعد أن اجتهد وصلّى وقد خرج الوقت ( .. قضى في الأظهر) لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاءَ؛ اعتبارًا بظنه، فإن كان الوقتُ باقيًا .. وجبت الإعادة فيه قطعًا.
(وإلّا) أي: وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت؛ بأن لم يتبيّن الحالُ، أو بأن وقوعُها فيه أوبعده ( .. فلا) قضاء عليه.
(ويبادر بالفائتة) 498 تعجيلًا لبراءة ذمته، ثم إن كان الترك بغير عذر .. فالمبادرة

الجزء: 1 - الصفحة: 206

وَيُسَنُّ تَرْتيبُهُ وَتقدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا. وَتكرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الاسْتِوَاءِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، وَالْعَصْرِ حَتَّى تغرُبَ،

واجبة، وإلّا .. فمستحبةٌ على الأصحِّ فيهما، وقيل: واجبة فيهما، وقيل: مستحبة فيهما، وعن ابن بنت الشافعي: أن غير المعذور لا يقضي، وحكمته: التغليظ عليه، وقواه الشيخ عزُّ الدين، وصاحب "الإقليد" وأيده بأن تارك الأبعاض عمدًا لا يَسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الجبر.
(ويسن ترتيبه وتقديمه على الحاضرة التي لا يَخاف فوتَها) للخروج من خلاف من أوجب ذلك، فإن لم يرتب .. جاز؛ لأن كلَّ واحدة عبادةٌ مستقلة، والترتيبَ إنما وجب في الأداء لضرورة الوقت، فإنه حين وجبت الظهرُ .. لم تجب العصر، فماذا فات .. لم يجب الترتيب في قضائه؛ كصوم رمضان، فإن خاف فوتَ الحاضرة .. لزمه البداءة بها؛ لئلّا تصيرَ فائتةً أيضًا.
(وتكره الصلاة عند الاستواء) للنهي عنه في "صحيح مسلم" 499. ووقت الاستواء لطيف جدًّا لا يتسع لصلاة، ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، إلا أن التحرم قد يمكن إيقاعُه فيه، فلا تصح الصلاة.
(إلّا يوم الجمعة) لأنه عليه الصلاة والسلام استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء.
(وبعدَ) فعل (الصبح حتى ترنفع الشمسُ كرمح) فيما يراه الناظر (و) بعد (العصرِ حتى تغرب) للنهي عنه في الصحيح أيضًا) 500. وأهمل وقتين آخرين ذكرهما في "المحرّر" وهما: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاصفرار حتى تغرب 501؛ لتوهمه اندراجهما في قوله: (وبعد الصبح ... وبعد العصر)، وليس كذلك؛ فإنه إنما يتناول من صلاهما، والكراهة في هذين الوقتين تعم ذلك وغيرَه.

الجزء: 1 - الصفحة: 207

إِلَّا لِسَبَبٍ كَفَائِتةٍ، وَكُسُوفٍ، وَتَحِيَّةٍ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، وَإِلَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ

وهذه الكراهةُ كراهةُ تحريم على الصحيح، وصحح المصنف في "التحقيق" أنها للتنزيه، وجزم به في "شرح المهذب" في الطهارة، مع تصحيحه هنا فيه بالتحريم 502. (إلّا لسببٍ) متقدم أو مقارن (كفائتةٍ) ولو نافلة إذا قلنا: تقضى؛ لحديث: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا .. فَكَفَّارَتهُا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" متفق عليه 503، ولصلاته عليه السلام سنة الظهر بعد العصر لما شغله عنها الوفد 504. (وكُسوفٍ، وتَحيّةٍ) لأنهما معرضان للفوات، ولأن الأدلة الطالبة لهما عامةٌ في الأوقات، خاصةٌ بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأولى بأنه لم يدخلها تخصيصٌ، وأحاديث النهي دخلها التخصيصُ بالفائتة؛ للحديث.
و(صلاة الجنازة) فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر، ومحلّ ما ذكره في التحية إذا دخل لا لقصد التحية، فإن دخل بقصد التحية فقط .. كره على الأصحِّ.
(وسجدهِ شكر) وتلاوة؛ لفواتها بالتأخير، وفي "الصحيح" في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس 505، وسجدة التلاوة مقيس عليها.
(وإلّا في حرم مكةَ على الصحيح) لقوله صلى الله عليه وسلم: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" صححه الترمذي وغيره 506. والمعنى فيه: ما في الصلاة في تلك الأماكن من زيادة الفضيلة، فلا يُحرَم المقيمُ هناك من استكثارها.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

فصل [فيمن تجب عليه الصلاة]

إِنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ إِلَّا الْمُرْتَدَّ،

نعم؛ في "مقنع المحاملي": الأولى: عدم الفعل خروجًا من خلاف مالك وأبي حنيفة، والثاني: أنها تكره لعموم الأخبار، وحمل الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف، وإنما تكلف لهذا الحمل؛ لأن الحديثين إذا كان كلٌّ منهما أعمَّ من الآخر من وجه .. لا يُقدَّم خصوصُ أحدهما على عموم الآخر إلّا بمرجح، وقيل: إن الاستثناء يختص بالمسجد الحرام، وقيل: بنفس البلد.


(فصل: إنما تجب الصلاة على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ طاهرٍ) الوجوبُ - على من اجتمعت فيه هذه الشروط - مجمعٌ عليه.
وأما عدمه على من عداه .. فقد يراد به عدمُ المطالبة بها في الوقت، وقد يراد عدمُ التأثيم بالترك، والأول مجمعٌ عليه أيضا، والثاني: كذلك إلا في الكافر، فإن الأصحَّ عندنا: أنه مخاطبٌ بالفروع، ويعاقب عليها في الآخرة.
فإن حمل كلام المصنف على المعنيين معًا .. ورد الكافر، وإن حمل على أحدهما .. فات الآخر مع ورود الكافر أيضًا على تقدير الحمل على الثاني.
(ولا قضاءَ على الكافر) إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقد يؤدي إيجاب ذلك إلى التنفير.
(إلّا المرتدَّ) لأنه التزم الصلاة بالإسلام، فلا تسقط بالردة؛ كحقوق الآدميين.
نعم؛ لا تَقضي المرتدة زمن الحيض ونحوه، بخلاف زمن الجنون.

قال الإمام: والفرق: أن الحائض مخاطبةٌ بترك الصلاة في زمن الحيض، فهي مؤدية ما أمرت به، والمجنون ليس مخاط

بًا ب

ترك الصلاة في زمن جنونه حتى يقال: إنه أدى ما أمر به 507.

الجزء: 1 - الصفحة: 209

وَلَا الصَّبِيِّ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَلَا ذِي حَيْضٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ،

(ولا الصبيِّ) إذا بلغ، وكذا الصبية لعدم التكليف.
(ويؤمر) الصبي (بها لسبع، ويضرب عليها لعشر) للأمر بذلك؛ كما صححه الترمذي وغيره 508. وحكمة الأمر والضرب: التمرين على الصلاة؛ ليسهل إذا بلغ، ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته بل لا بدّ معه من التهديد، قاله المحب الطبري، وكما يؤمر بالأداء .. يؤمر بالقضاء أيضًا، فإن بلغ .. لم يؤمر بها، ذكره الشيخ عز الدين في "مختصر النهاية" في (باب اللعان).
والأمر والضرب واجبان على الولي سواء أكان أبًا أم جدًّا، أم وصيًّا أم قيمًا، وقيل: مستحبان.
(ولا ذي حيضٍ) ونحوه؛ لما مرّ في بابه، وهذه مكررة فقد مرت في (باب الحيض).
(أو جنونٍ، أو إغماءٍ) ونحوهما كالمُبَرْسَم والمعتوه؛ لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ 509: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ" 510 حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم 511. وإنما لم يجب قضاء الصلاة على المغمى عليه وإن وجب قضاءُ الصوم على من أُغمِي عليه جميعَ النهار .. لمشقة قضاء الصلاة؛ لأنها قد تكثر بخلاف الصوم، قال في "البحر": ويكره القضاء للحائض ويستحب للمجنون والمغمى عليه 512، وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 210

بِخِلَافِ السُّكْرِ. وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الأَسْبَابُ وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ .. وَجَبَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي قَوْلٍ: تشتَرَطُ رَكْعَةٌ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تكبِيرَةٍ آخِرَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ آخِرَ الْعِشَاءِ

البيضاوي في الأولى: لا يجوز.
(بخلاف السُّكْرِ) المتعدي به؛ لتعديه، وفي معناه: من شرب دواء مزيلًا للعقل لا لحاجة، ولا قضاءَ على معذور كمكره، ومن جهل كونَه مسكرًا، أو من شرب دواءً يزيل العقل وجهل حاله.
(ولو زالت هذه الأسبابُ) وهي: الكفر الأصلي، والصبي، والجنونُ وما في معناه، والحيضُ، والنفاسُ.
(وبقي من الوقت تكبيرة .. وجبت الصلاة) تغليبًا للإيجاب كما لو اقتدى المسافر بمتم في جزء من صلاته .. يلزمه الإتمامُ.
(وفي قول: تشترط ركعةٌ) لمفهوم حديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ أَدْرَكَهَا" 513. ولا يشترط: أن يدرك مع التكبيرة أو الركعة قدرَ الطهارة على الأظهر؛ لأنها لا تختص بالوقت.
نعم؛ يشترط بقاء السلامة حتى يَمضي زمن الطهارة وتلك الصلاة بأخف ما يمكن، فلو عاد العذر قبل ذلك .. لم يلزمه القضاءُ.
(والأظهر: وجوب الظهر بإدراك تكبيرةٍ آخرَ العصر، والمغربِ) بإدراك تكبيرة (آخرَ العشاء) لاتحاد وقتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في العذر، ففي الضرورة - وهي فوق العذر - أولى، والثاني: لابد مع التكبيرة التي في آخر العصر من أربعِ ركعاتٍ، ومع التكبيرة التي في آخر العشاء من ثلاثِ ركعاتٍ؛ لأن اتحاد الصلاتين سببُه: الحمل على الجمع كما ذكرناه، وصورة الجمع كما ذكرناه إنما يتحقق إذا وقع إحدى الصلاتين في الوقت وشرع في الأخرى 514.

الجزء: 1 - الصفحة: 211

وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا .. أَتَمَّهَا وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بَعْدَهَا .. فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ جُنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ .. وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَرْضِ،

وخرج من كلام المصنف: الصلاةُ التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر، والعصر والمغرب، إذا زال العذر في آخرها .. فإن الواجب هي فقط؛ لانتفاء العلة وهي جعل الوقتين كالوقت الواحد.
(ولو بلغ فيها) أي: في الصلاة بالسن ( .. أتمها) وجوبًا (وأجزأتْه على الصحيح) لأمره بها، وضربه عليها، وقد شرع فيها بشرائطها، ووقوعُ أولها نفلًا لا يمنع وقوعَ باقيها واجبًا كحج التطوع، والثاني: لا يجب إتمامها بل يستحب، وتجب إعادتهُا؛ لأنه لم ينو الفرضَ.
(أو بعدها) أي: بلغ بعد فعلها إمّا بالسن وإمّا بالاحتلام والوقتُ باق ( .. فلا إعادةَ على الصحيح) لأدائه وظيفةَ الوقت كما أُمِرَ؛ كما لو صلت الأمة مكشوفةَ الرأس ثم عتقت، والثاني: تجب الإعادة؛ لأن المأتي به نفل 515، فلا يسقط به الفرضُ؛ كما لو حج ثم بلغ.
وأجاب الأول: بأن المأتي به مانعٌ من الخطاب بالفرض لا مسقطٌ.
والفرق بين الصلاة والحج: أن الصبي مأمور بالصلاة مضروبٌ عليها، بخلاف الحج، ولأن الحج لما كان وجوبه في العمر مرةً واحدةً .. اشتُرط وقوعُه في حال الكمال، بخلاف الصلاة.
(ولو حاضتْ أو جُنَّ أولَ الوقت .. وجبت تلك) الصلاة لا الثانية التي تجمع معها (إن أدرك) من الوقت (قدرَ الفرض) لتمكنه من الفعل في الوقت، فلا يسقط بما يطرأ بعده؛ كما لو هلك النصابُ بعد الحول وإمكان الأداء .. فإن الزكاة لا تسقط.
والمعتبر في قدر الفرض: أخفّ ما يجزئ، حتى لو طرأ على مسافر عذر بعد مضي ما يسع ركعتين من وقت صلاةٍ مقصورةٍ .. وجب القضاءُ، ولا يُعتبر قدرُ ما يسع الستارة؛ لتقدم إيجابها، وكذا قدر الطهارة على الأصحِّ، إلّا إذا لم يجز تقديمها؛ كالمتيمم ودائم الحدث.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

وَإِلَّا .. فَلَا.

فصل [في بيان الأذان والإقامة]

الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ

(وإلّا) أي: وإن لم يدرك قدر الفرض ( .. فلا) تجب، لعدم التمكن.


(فصل: الأذان والإقامة سنة) على الكفاية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يَأمر بهما في حديث الأعرابي مع ذكره الوضوءَ والاستقبال وأركان الصلاة 516، كذا قاله في "شرح المهذب" 517، وذكر ابن الملقن أن الإقامة ثابتة فيه في رواية "أبي داوود"، ولأنهما للإعلام للصلاة، فلم يجبا، كقوله: (الصلاة جامعة)، حيث يشرع ذلك 518. (وقيل: فرضُ كفايةٍ) واختاره السبكي، للأمر به في قوله عليه السلام: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ .. فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" متفق عليه 519. ولأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاونٌ، فصارا كرد السلام، ولا يَسقط الوجوبُ إلّا بإظهارهما في البلد أو القرية، بحيث يعلم به جميعُ أهلها لو أصغوا، ففي القرية يكفي الأذانُ الواحد، وفي البلد لا بدّ منه في مواضعَ.
قال في "شرح المهذب": والصواب -وهو ظاهرُ كللامِ الجمهور- إيجابُه لكل صلاة 520. وقيل: يجب في اليوم والليلة مرةً واحدةً 521.

الجزء: 1 - الصفحة: 213

وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ، وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَالْجَدِيدُ: نَدْبُهُ لِلْمُنْفَرِدِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ إِلَّا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ. وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْجَدِيدِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ .. لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الأُولَى

وإن قلنا: إنهما سنةٌ .. فتحصل السنة بالطريق المذكور على القول بأنهما فرضٌ.
(وإنما يُشرعان للمكتوبة) لعدم ورودهما في غيرها.
(ويقال في العيد ونحوه: الصلاةَ جامعةً) للفرق بين الفرائض والنوافل.
(والجديد: ندبه) أي: الأذان (للمنفرد) لأنه لا يَسمع مَدى صوته جنٌّ ولا إنس إلّا شهد له يوم القيامة؛ كما رواه البخاري 522، والقديم: لا يندب له؛ لانتفاء المعنى المقصود منه وهو الإعلام، وأما الإقامة .. فمستحبة للمنفرد على القولين.
(ويَرفع) المنفرد (صوتَه) للخبر المارّ (إلّا بمسجدٍ وقعتْ فيه جماعةٌ) وانصرفوا، فيستحب: ألّا يرفع صوته؛ لئلا يَتوهم السامعون دخولَ وقت صلاة أخرى سِيّما في يوم الغيم، وفي اشتراط وقوع الجماعة نظر؛ لحصول الإيهام على أهل البلد أيضًا، ولو قال: بـ (موضع) بدل (مسجد) .. لكان أشمل.
(ويقيم للفائتة) لأنها لافتتاح الصلاة، وهو موجود، (ولا يُؤذِّن في الجديد) لزوال الوقت، (قلت: القديم أظهر، والله أعلم) قال في "شرح المهذب": وصححه الجمهور؛ لثبوته في "صحيح مسلم" 523. (فإن كان فوائتُ .. لم يُؤذِّن لغير الأولى) بلا خلاف؛ كما ذكره في "المحرّر" و"الشرح" والروضة" 524، لكن حكى ابن كَجٍّ فيه وجهًا، وفي الأولى الخلافُ المار، ويقيم لكل منها؛ لما سبق.
هذا إذا قضاهُنَّ على الولاء، فإن قضاهُنَّ متفرقات .. ففي الأذان لكلِّ واحدة الخلافُ المارُّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الإِقَامَةُ، لَا الأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالأَذَانُ مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ فُرَادَى إِلَّا لَفْظَ الإِقَامَةِ. وُيسَنُّ إِدْرَاجُهَا، وَتَرْتِيلُهُ، وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ،

(ويُندب لجماعة النساءِ الإقامةُ) لأنها استفتاح الصلاة (لا الأذانُ على المشهور) فيهما؛ لأن في الأذان رفعَ الصوت دون الإقامة، وفي قول: يستحبان لكن يحرم رفعُ صوتها فوق ما يسمعه صواحبُها؛ اقتداء بعائشة رضي الله عنها 525، وفي قول: لا يستحبان.
وقوله: (لجماعة النساء) المنفردة كذلك إذا استحببنا الأذان للمنفرد، قاله الرافعي، والخنثى كالمرأة 526. (والأذان مثنى) أي: معظمه، فإن التكبير في أوله أربعًا، و (لا إله إلا الله) في آخره مرة.
(والإقامة فرادى إلا لفظَ الإقامة) لحديث أنس: (أمر بلالٌ أن يَشفع الأذانَ ويُوتر الإقامةَ إلّا الإقامة) متفق عليه 527، والمعنى في تثنية لفظ الإقامة: كونها المصرحة بالمقصود.
(ويسن إدراجُها، وترتيلُه) للأمر بذلك؛ كما أخرجه الحاكم 528. والإدراج: هو الإتيانُ بالكلمات من غير فصل، والترتيل: التأنِّي وتركُ العَجَلة.
(والترجيعُ فيه) أي: في الأذان؛ لثبوته في "صحيح مسلم" في حديث أبي محذورة 529، وهو: ذكر الشهادتين مرتين سرًّا قبل الجهر.
والحكمة فيه: تذكُّر إخفاءِ الشهادة في أول الإسلام ثم إظهارهما، وفي ذلك نعمةٌ ظاهر، وسمي بذلك؛ لأنه رجع إلى الرفعِ بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرِهما.
وقضية تعبير "الشرحين" والروضة": أن الترجيع اسم للمجموع من السرِّ

الجزء: 1 - الصفحة: 215

وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ، وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِما لِلْقِبْلَةِ. وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ، وَمُوَالَاتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَضُرُّ كَلَام وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ

والجهر، وفي "شرح المهذب" و"التحقيق" و"الدقائق" و"لغات التنبيه": أنه اسم للأول، وفي "شرح مسلم": أنه الثاني 530. (والتثويبُ في الصبح) وهو قوله بعد الحيعلتين: (الصلاة خير من النوم) مرتين؛ لثبوته في حديث أبي محذورة؛ كما صححه ابن حبان 531. وإطلاقُه شاملٌ لأذاني الصبح، وهو ما صحّحه في "التحقيق"، وقال البغوي: إن ثَوَّبَ في الأول .. لا يُثوب في الثاني على الأصح، وأقره في "الروضة" تبعا لـ "أصلها" 532. (وأن يؤذن) ويقيم (قائمًا للقبلة) لأنه المنقولُ سلفًا وخلفًا إلّا في الحيعلتين فإنه يُسنّ الالتفاتُ فيهما بعُنقه في الأولى يمينًا، وفي الثانية شمالًا.
(ويشترط ترتيبُه، وموالاتُه) لأن تركهما يوهم اللعبَ، ويُخِلّ بالإعلام، ولا يضرّ كلامٌ وسكوتٌ قصيران قطعًا.
نعم؛ في رفع الصوت باليسير ترددٌ للجويني 533. (وفي قول: لا يضر كلامٌ وسكوتٌ طويلان) لأن ذلك في الخطبة لا يوجب استئنافًا، فالأذانُ أولى، ورُدَّ بأن كلماتِ الخطبة غيرُ متعيِّنة بخلاف كلمات الأذان، فيعد قاطعًا معرضًا.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يَفحُش الطولُ، فان فَحُش بحيث لا يسمّى مع الأول أذانًا .. استأنف جزمًا، قاله في "شرح المهذب" 534.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ: الإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالذُّكُورَةُ. وَيُكْرَهُ لَلْمُحْدِثِ، وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ، وَالإِقَامَةُ أَغْلَظُ. وَيُسَنُّ صَيِّتٌ، حَسَنُ الصَّوْتِ، عَدْلٌ. وَالإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

وفي اشتراط النية في الأذان وجهان حكاهما الروياني قبيل صلاة المسافر من "بحره" 535. (وشَرط المؤذن: الإسلامُ) فلا يصح من الكافر؛ لأنه عبادة.
(والتمييزُ) فلا يصح ممن لا تمييز له؛ لأنه ليس من أهل العبادة، (والذكورةُ) فلا يصح من المرأة للرجال كإمامتها بهم.
وقضية هذا التعليل: أنه لا يصح أذانها لمحارمها، قال الإسنوي: وفيه نظر، وأما أذانُها لنفسها وللنساء .. فجائز لا مستحبٌّ، والخنثى كالمرأة 536. (ويكره للمحدث) لأنه دعاء وذكرٌ (وللجنب أشد) لأن حدثه أغلظُ، وللحائض أشدُّ من الجنب.
(والإقامة أغلظ) لما فيه من تعريض الجماعة للفوات.
(ويسن صَيِّت) أي: عالي الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام، (حسن الصوت) لأنه أبعث على الإجابة، (عدلٌ) ليُقبَل خبرُه بدخول الوقت، ويَغُضَّ عن عورة من يَعلوه.
(والإمامة أفضل منه) أي: من الأذان (في الأصح) لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الإمامةَ، وواظبوا عليها، ولأن القيام بالشيء أولى من الدعاء إليه.
(قلت: الأصح: أنه أفضل، والله أعلم) لدعائه عليه السلام له بالمغفرة، وللإمام بالإرشاد 537، والمغفرة أعلى من الإرشاد كما قاله الرافعي، ولأنه أمين، والإمام ضمين، والأمين أحسن حالًا من الضمين 538.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ إِلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ، يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ

واستنبط ابن حبان في "صحيحه" من قوله عليه السلام: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ .. فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" 539 أن المؤذن يكون له مثلُ أجر من صلّى بأذانه.
واستُشكل تصحيحُ المصنف أفضليةَ الأذان، مع موافقة الرافعي على تصحيحه: أنه سنة، وتصحيحه فرضيةَ الجماعة، فكيف تُفضَّل سنة على فرض؟ ! وإنما رجّحه عليها مَنْ رآهما سنةً، وقيل: إن عَلم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة .. فهي أفضلُ، وإلّا .. فالأذان، وحُكي عن نص "الأم" 540. (وشرطه: الوقت) لأنه إنما يُراد للإعلام بدخول الوقت، فلا يجوز قبله، وهذا إجماع (إلّا الصبحَ) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" متفق عليه، زاد البخاري: (وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ) 541. (فمن نصف الليل) لذهاب معظم الليل، وقُربِ الأذان من الوقت، فهو منسوب إلى الصبح، ولهذا تقول العربُ بعده: (أَنعِم صباحًا)، وقيل: يؤذن في الشتاء لسُبع يَبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سُبع، وصححه الرافعي في "الشرحين"، وضعفه في "زيادة الروضة"، وقال: إن قائله اعتمد حديثًا باطلًا مُحرَّفًا 542، وقيل: غير ذلك.
(ويسن مؤذنان للمسجد، يؤذن واحدٌ قبل الفجر، وآخرُ بعده) لحديث ابن عمر: (أنه كان لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلالٌ وابنُ أمِّ مَكتوم، ولم يكن بينهما إلّا أن يَنزل هذا، ويَرقى هذا) متفق عليه 543. وقضيته: أنه لا تسن الزيادة عليهما وهو كذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 218

وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلهِ، إِلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُول": صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ،

نعم؛ تجوز، قال الرافعي: ويستحب: ألّا يزيد على أربعة، قال في "زيادة الروضة": كذا قاله أبو علي الطَّبري، وأنكره كثيرون وقالوا: ضابطه: الحاجة والمصلحة، فإن كانت في الزيادة على أربعة .. زاد، وإن رأى الاقتصار على اثنين .. لم يزد، وهو الأصحُّ المنصوص 544. (ويسن لسامعه مثلُ قوله) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ" متفق عليه 545. ويستحب ذلك في الإقامة أيضًا، ويستثنى من إطلاقه: المصلي؛ فإنه لا يجيب فيها على الأصح، بل يكره، وإنما يتدارك بعد الفراغ منها، وكذا المجامع، وقاضي الحاجة، وحيث أجاب في الصلاة .. فصلاتُه صحيحةٌ، إلّا في: (حي على الصلاة)، أو (الصلاة خير من النوم)، وكذا (صدقتَ وبَرِرْتَ).
(إلا في حيعلتيه، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله) لثبوت ذلك في "صحيح مسلم" 546، وهو مُبيِّنٌ لإطلاق الحديث الذي قبلَه.
وقوله: (لا حول ... ) إلى آخره؛ أي: لا حول لي عن المعصية، ولا قوةَ لي على ما دعوتنَي إليه إلّا بكَ.
(قلت: وإلّا في التثويب، فيقول: صدقتَ وبَرِرْتَ، والله أعلم) لأنه مناسب، وقال في "الكفاية": (لخبرٍ وَرَدَ فيه) 547، واعترض: بأنه لا أصل له.
(و) يستحب (لكل) من المؤذن والسامع (أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه) لقوله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ .. فَقُولُوا مِثْلَ مَا

الجزء: 1 - الصفحة: 219

ثُمَّ: (اللَّهُمَّ؛ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ؛ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ).

فصل [في بيان القبلة وما يتبعها]

اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ

يقُولُ، ثُمَّ صلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً .. صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" 548، ويندب السلام عليه أيضًا؛ لأنه يكره إفرادُ الصلاة دونه.
(ثم) يقول: (اللهم؛ ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ؛ آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ ذَلِكَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ .. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" رواه البخاري 549. ويندب الدعاءُ بين الأذان والإقامة؛ لأنه لا يُرَدُّ؛ كما رواه أبو داوود والترمذي وحسنه 550.


(فصل: استقبال القبلة شرطٌ لصلاة القادر) على الاستقبال؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: نحوَه، والاستقبالُ لا يجب في غير الصلاة فتعيّن فيها.
وقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ .. فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ وَكَبِّرْ" رواه مسلم 551، والمعتبر: الاستقبال بالصدر لا بالوجه.
وخرج بـ (القادر): العاجز؛ كمربوط على خَشبة، وغريقٍ على لوح يَخاف من استقباله الغرقَ، ومريضٍ عجز عمن يُوجهه، فيصلي على حسب حاله ويُعيدُ.
والفرضُ في حقِّ القريبِ من الكعبة: إصابةُ عينها، وكذا البعيد على الأظهر، ولكن بالظنّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 220

إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَنَفْلِ السَّفَرِ. فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الاسْتِقْبَالُ .. وَجَبَ،

(إلّا في شدة الخوف) فإنه لا يشترط لا في الفرض ولا في النفل، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ قال ابن عمر: مستقبلي القبلةِ أو غيرَ مستقبليها، رواه البخاري، قال: وقال نافع: لا أراه ذَكَرَ ذلك إلّا عن النبي صلى الله عليه وسلم 552. نعَمْ؛ لو أَمِنَ وهو راكب 553، فأراد أن يَنْزِلَ .. فإنه يشترط في بنائه ألّا يستدبرَ القبلةَ، فإن استدبرَها .. بطلت صلاتُه بالاتفاق؛ كما قاله في "الروضة" 554. (ونفلِ السفر) المباح.
(فللمسافر) إلى مَقصِدٍ معلومٍ (التنفل راكبًا) لثبوت ذلك عن فعله عليه الصلاة والسلام 555، (وماشيًا) قياسا على الراكب، والمعنى في ذلك: أن الناس محتاجون إلى الأسفار، فلو شرطنا فيها الاستقبالَ للتنفل .. لأدى إلى ترك أورادِهم، أو مصالحِ معاشِهم.
واحترز بـ (المسافر) عن الحاضر، فإنه يمتنع عليه ذلك، لأن الغالب من حاله المكثُ والاستقرارُ.
(ولا يشترط طولُ سفره على المشهور) لعموم الحاجة، والثاني: يشترط كالقصر، وفرق الأولُ: بأن النفلَ أخفُّ، ولهذا جاز قاعدًا في الحضر مع القدرة على القيام.
(فإن أمكن استقبالُ الراكب في مَرقَدٍ، وإتمامُ ركوعه وسجودِه .. لزمه) لتيسُّر ذلك عليه.
(وإلّا) أي: وإن لم يمكنه ذلك كأن كان على سَرْجٍ ( .. فالأصح: أنه إنْ سَهُلَ الاستقبالُ) بأن كانت الدابةُ واقفةً وسهل إدارتُها، أو انحرافه عليها ( .. وجب) لتيسّره عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

وَإِلَّا .. فَلَا يَجِبُ. وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا. وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي قِيَامِهِ وَتشهُّدِهِ

وقوله: (إن سهل الاستقبال) أي: استقبال الراكب، سواء أكان مع استقبال المركوبِ أم لم يكن.
(وإلّا) أي: وإن لم يَسهل؛ بأن كانت الدابةُ سائرةً وهي مقطورة أو جَموح ( .. فلا يجب) لتعسره، والثاني: يجب عليه مطلقًا؛ لوقوع أول الصلاة بالشروط، ثم يجعل ما بعده تابعًا له، والثالث: لا يجب مطلقًا؛ كما في دوام الصلاة.
(ويختص) وجوبُ الاستقبال (بالتحرم) ليكون الابتداءُ على صفة الكمال.
(وقيل: يشترط في السلام أيضًا) لأنه أحد طرفي الصلاة، فاشترط فيه كالتحرم، والأصح: المنع، كما في سائر الأركان.
وقضية كلام الشيخين: أن الدابة الواقفةَ التي يَسهل الانحرافُ عليها .. لا يجب فيها الاستقبالُ في غير التحرُّم 556، لكن قال ابن الصباغ: والقياس: أنه مهما دام واقفًا .. فلا يُصلِّي إلّا إلى القبلة، فإذا أراد السيرَ .. انحرف إلى طريقه، قال الإسنوي: والذي ذكره متعين 557. (ويحرم انحرافه عن طريقه) لأن استقباله وتركَ القبلة إنما كان للحاجة، ولا حاجةَ له في غيره (إلّا إلى القبلة) لأنها الأصلُ.
(ويومئ بركوعه) لثبوته عن فعله عليه الصلاة والسلام 558، (و) يكون (سجوده أخفض) من ركوعه وجوبًا، ليميز بينهما.
(والأظهر: أن الماشيَ يتم ركوعه وسجودَه) لسهولة ذلك عليه، (ويستقبل فيهما وفي إحرامه) للسهولة أيضًا، (ولا يمشي إلّا في قيامه وتشهده) لطول زمنهما،

الجزء: 1 - الصفحة: 222

وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ .. جَازَ، أَوْ سَائِرَةٌ .. فَلَا. وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتفاعِ عَتبَتِهِ ثلثَي ذِرَاعٍ، أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبلًا مِنْ بنَائِهَا مَا سَبَقَ .. جَازَ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ .. حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالاجْتِهَادُ، وَإِلَّا .. أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ،

والثاني: لا يمشي إلّا في القيام فقط، والثالث: لا يشترط اللُّبْثُ بالأرض في شيء، ويومئ بالركوع والسجودِ؛ كا لراكب.
(ولو صلّى فرضًا على دابةٍ واستقبل وأتم ركوعَه وسجودَه) وسائرَ الأركان؛ بأن كان في هَوْدَجٍ ونحوِه، (وهي واقفة .. جاز) كما لو صلّى على سرير، وفيل: لا؛ لأنها ليست للقرار، وقَيَّدَ في "المحرّر"، و"التذنيب" الواقفة بـ (المعقولة)، وقال في "الدقائق": الصواب: حذفه 559. (أو سائرةٌ .. فلا) لنسبة سيرها إليه؛ بدليل صحة الطواف عليها.
(ومن صلّى في الكعبة) فرضًا أو نفلًا (واستقبل جدارَها أو بابها مردودًا أو مفتوحًا مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع) بذراع الآدمي تقريبًا، (أو) صلّى (على سطحِها مستقبلًا من بنائها ما سبق) وهو قدرُ ثلثي ذراع ( .. جاز) لتوجهه إلى جزء من البيت، وكذا لو جمع تراب العَرْصَة أو السطح، واستقبله أو استقبل خشبة مُسمَّرة أو شجرةً نابتة، بخلاف الزرع والخشبةِ المغروزة على الأصحِّ.
(ومن أمكنه علم القبلة) بالمعاينة ( .. حرم عليه التقليد والاجتهاد) كالحاكم يجد النصَّ.
نعم؛ الحاضر بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائلٌ خلقي؛ كجبل، أو حادث؛ كبناء .. يجتهد للمشقة في تكليف المعاينة.
(وإلّا) أي: وإن لم يمكنه علمُها لغيبته عنها ( .. أخذ) وجوبًا (بقول ثقةٍ) بصير مقبول الرواية؛ كعبد وامرأة، لا صبيٍّ وفاسقٍ على الأصحِّ (يُخبر عن علمٍ) ولا يجتهد كما في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

فَإِنْ فُقِدَ وَأَمْكَنَ الاجْتِهَادُ .. حَرُمَ التَّقلِيدُ. وَإِنْ تَحَيَّرَ .. لَمْ يُقَلِّدْ فِي الأَظْهَرِ، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ وَيَقْضي. وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الأَدِلَّةِ كَأَعْمَى .. قَلَّدَ ثِقَة عَارِفًا،

(فإن فُقد) ما ذكر (وأمكن الاجتهاد) بأن كان بصيرًا يَعرف أدلة القبلة ( .. حرم التقليد) وهو قبول قول المخبر عن اجتهاد؛ لأن المجتهد لا يُقلد المجتهدَ، بل يَجتهد بالأدلة، وهي كثيرة، أضعفُها: الرياح، وأقواها: القُطْبُ وهو: نَجْمٌ صغيرٌ بين الْجَدْي والفَرْقَدَيْنِ 560، يجعله المصلي بالشام وراءَه، وبمصر على عاتقه الأيسرِ 561، هذا إذا اتسع الوقت، فإن ضاق عن الاجتهاد .. فالأصحُّ: أنه لا يجتهد، بل يُصلِّي على حسب حاله ويُعيد وإن كان قد وافق القبلةَ.
(وإن تَحيَّر) المجتهد لغَيْمٍ أو تعارضِ أدلةٍ ( .. لم يقلد في الأظهر) لأنه مجتهد، والتحير عارض قد يزول عن قُرب، (وصلى كيف كان) لحرمة الوقت (ويقضي) لأنه عذرٌ نادرٌ، والثاني: يُقلِّد؛ كالأعمى بجامع العجز.
(ويجب تجديد الاجتهاد لكل صلاة تَحضُر على الصحيح) سعيًا في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأولَ .. قوّاه، وإن خالفه .. فإنما يخالف إذا كان أقوى، والأخذُ بالأقوى واجبٌ.
والثاني: لا يجب؛ لأن الأصل استمرارُ الظنِّ الأولِ، وهذا في الفريضة، مؤداةً كانت أو فائتةً، أما النافلةُ .. فلا يحتاج إلى إعادة اجتهاد قطعًا كما قاله في "الكفاية"، وإعادةُ التقليد في حقّ المقلِّد كإعادة الاجتهاد 562. (ومن عَجَزَ عن الاجتهاد، وتعلُّمِ الأدلة؛ كأعمى .. قلد ثقةً عارفًا) بالأدلة؛ كالعامي في الأحكام، واحترز بالثقة: عن الكافر والصبي.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

وَإِنْ قَدَرَ .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّعَلُّمِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ. وَمَنْ صَلَّى بِالاجْتِهَادِ فَتيَقَّنَ الْخَطَأَ .. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ تيقَّنَهُ فِيهَا .. وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا

(وإن قَدَرَ) على تعلم الأدلة (فالأصح: وجوب التعلم) عينًا؛ كتعلم أركان الصلاة، (فيحرم التقليد) فإن قلد .. لزمه القضاءُ، فإن ضاق الوقتُ .. فكتحير المجتهد وقد مرّ، والثاني: أن تعلم أدلة القبلةِ فرضُ كفاية مطلقًا؛ كالعلم بالأحكام الفُروعية، والثالث: أنه فرض كفاية للمقيم، وفرضُ عين للمسافر؛ لكثرة الاشتباه، واختاره في "الروضة" وصححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" 563. (ومن صلى بالاجتهاد، فتيقن الخطأ .. قضى في الأظهر) كما ينقض الحاكم اجتهاده إذا خالف النص، والثاني: لا يقضي، وبه قال الأئمة الثلاثة، ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم 564؛ لأنه ترك القبلة بعذر، فأشبه تركَها في حال القتال، وفارق الحاكم؛ لأن خطأه نادر فكان نقضه أخفَّ وهو يتعلق بآدمي.
وفرق الأول بين حال القتال وبين ما نحن فيه: بأنه هناك مأمور بالصلاة إلى غير القبلة مع تحققها، ولا كذلك هنا.
واحترز باليقين: عن الظن؛ فإنه لا قضاء قطعًا؛ لأن الاجتهاد لا يَنقُض بالاجتهادَ، والمراد باليقين هنا: ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبرُ الثقة عن المعاينة.
وقوله: (قضى) يشعر بأن صورة المسألة: أن يكون التبين بعد الوقت، فإن بأن فيه .. وجبت الإعادةُ قطعًا؛ كنظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم.
قال الإسنوي: وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه، لكن في كتاب "دلائل القبلة" لابن القاص ما حاصله: جريان القولين مطلقًا.
انتهى 565. وشمل كلام المصنف ما إذا تيقن الخطأَ، ولم يتيقن معه الصوابَ، وهو الأصح.
(فلو تيقنه فيها) أي: في الصلاة ( .. وجب استئنافُها) إن أوجبنا القضاءَ بعد

الجزء: 1 - الصفحة: 225

وَإِنْ تغيَّرَ اجْتِهَادُهُ .. عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالاجْتِهَادِ .. فَلَا قَضَاءَ.

الفراغ؛ لعدم الاعتداد بما مضى، وإن لم نوجبه .. انحرف إلى جهة الصواب، وبنى إن ظهر له مع ذلك جهةُ الصواب؛ لأن الماضيَ معتدٌّ به.
(وإن تغير اجتهادُه .. عمل بالثاني) لأنه الصوابُ في ظنه المتأخرِ؛ كالحاكم، بخلاف الأواني.
والفرقُ: أن هذه قضيةٌ أخرى، ولا يلزم منها نقضُ الاجتهاد بالاجتهاد.
(ولا قضاء) لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد (حتى لو صلى أربعَ ركعاتٍ لأربع جهات بالاجتهاد .. فلا قضاء) لأن كلّ واحدةٍ مؤداةٌ باجتهاده، ولم يتعين فيها الخطأُ، هذا إذا ظهر له الصوابُ مقارنًا لخطأ الأول، فإن لم يظهر له الصوابُ مقترنًا به .. بطلت صلاتُه، ووجب عليه الاستئنافُ على الصواب في "زيادة الروضة" 566.


الجزء: 1 - الصفحة: 226

بابُ صفة الصّلاة أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: النِّيَّةُ. فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا .. وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ

﴿باب صفة الصلاة﴾ أي: كيفية الصلاة، وتفصيل أجزائها.
(أركانُها: ثلاثةَ عشرَ) أحدها: (النية) لأنها واجبةٌ في بعض الصلاة وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركنًا؛ كالتكبير والركوع، وقيل: هي شرط؛ لأنها عبارة عن قصد فعل الصلاة، فتكون خارجَ الصلاة، ولهذا قال الغزالي: هي بالشروط أشبه 567. (فإن صلّى فرضًا .. وجب قصدُ فعله) ليمتاز عن سائر الأفعال (وتعيينُه) من كونه ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما؛ ليمتاز عن سائر الصلوات.
وكان الأصوب أن يقول: (فعلها وتعيينها) كـ "المحرّر" 568 ليعود على (الصلاة) إذ يلزم من إعادة الضمير على (فرض) أنه لا يحسن قوله بعدُ: (والأصح: وجوب نية الفرضية) لأنه معنى الأول.
(والأصح: وجوب نية الفرضية) ليتميز عن ظهر الصبي، والمعادة في جماعة، والثاني: لا؛ لأن الظهر من البالغ إذا لم تكن معادةً .. لا تكون إلا فرضًا.
وقضية هذين التعليلين: أن الخلاف في البالغ، ولهذا صوب في "شرح المهذب" عدم اشتراط الفرضية في حق الصبي، وقال في "التحقيق": إنه الصحيح) 569. وقضية كلام "الكتاب": عدم الفرق، وصرح به في "الروضة" و"أصلها"، قال في "المهمات": والصواب: ما في "شرح المهذب" 570.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ. وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ، وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا تشتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وشمل إطلاقُه الفرضَ المنذور، ونقله في "الكفاية" عن بعضهم وأقرّه 571. (دون الإضافةِ إلى الله تعالى) بأن يقول: (لله)، أو (فريضة لله) لأن العبادات لا تكون إلا لله، والثاني: يجب، لتحقق معنى الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾.
(وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسُه) لاستعمال كلٍّ بمعنى الآخر، تقول: (قضيت الدين، وأديته)، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ أي: أديتم، والثاني: لا، بل يشترط في الأداء نيته، وفي القضاء نيته، ليمتاز كلٌّ عن الآخر.
والمراد: ما إذا نوى وهو جاهلٌ للوقت، لغيم ونحوه، فلو نوى الأداءَ وقت القضاء وعكسه عالمًا .. لم تصح صلاتُه قطعًا، ذكره في "شرح المهذب" 572. (والنفل ذو الوقت أو السببِ كالفرض فيما سبق) من قصد الفعل والتعيين، فالمؤقَّت الراتبُ يُعيِّنه بالإضافة كـ (أُصلّي ركعتي الفجر)، أو (سنة الظهر)، أو (راتبة العشاء)، وغير الراتب بما اشتهر به، كالتراويح والضحى وصلاةِ عيد الفطر والأضحى.
ويستثنى من إيجاب التعيين في ذات السبب: تحيةُ المسجد، وسنةُ الوضوء، فيكفي فيهما نيةُ الفعل كما في "الكفاية" في الأولى، وفي "الإحياء" في الثانية 573. (وفي نية النفلية وجهان) كاشتراط الفرضية في الفرض، (قلت: الصحيح: لا تشترط نية النفلية، والله أعلم) لأن النفلية ملازمة للنفل، بخلاف الظهر ونحوها، فإنها قد تكون فرضًا وقد لا تكون؛ بدليل المعادةِ، وصلاةِ الصبي.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ. وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، ويُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التكْبيرِ. الثَّانِي: تَكْبيرَةُ الإِحْرَامِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: (اللهُ أَكْبَرْ)، وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الاسْمَ كـ (اللهُ الأَكْبَر)، وَكَذَا (اللهُ الْجَلِيلُ أَكْبَر) فِي الأَصَحِّ، لَا (أَكْبَرُ اللهُ) عَلَى الصَّحِيحِ

(ويكفي في النفل المطلق) وهو ما لا وقتَ له ولا سببَ (نيةُ فعل الصلاة) لأن النفل أدنى درجات الصلاة، فإذا قصدها .. وجب حصولُه 574. (والنية بالقلب) بالإجماع (ويُندب النطق قُبيل التكبير) ليساعد القلبَ اللسانُ.
(الثاني: تكبيرة الإحرام) لحديث: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" رواه أبو داوود والترمذي بإسناد صحيح 575. (ويتعين على القادر الله أكبر) لأنه المأثور 576، مع رواية البخاري: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 577 فلا تنعقد بقوله: (الله الكبير) لفوات مدلولِ (أفعل) وهو التفضيل، ولا بقوله: (الرحمن) أو (الرحيم أكبر)، ومعنى (الله أكبر) أي: من كلّ شيء.
والحكمة في افتتاح الصلاة به كما ذكره القاضي عياض: استحضار المصلِّي عظمةَ مَنْ تهيأ لخدمته، والوقوفِ بين يديه، ليمتلئ هيبة، فيحضرَ قلبُه ويخشعَ، ولا يعبثَ.
(ولا تضر زيادةٌ لا تمنع الاسمَ) أي: اسم التكبير (كـ "الله الأكبر") لدلالته على التكبير مع زيادة مبالغة في التعظيم، (وكذا "الله الجليل أكبر" في الأصح) لقصر الفصل، والثاني: يضر؛ لاستقلال الزيادة، فغيرت النظم.
(لا "أكبر الله" على الصحيح) لأنه لا يُسمّى تكبيرًا، بخلاف (عليكم السلام) في

الجزء: 1 - الصفحة: 229

وَمَنْ عَجَزَ .. تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَالأَصَحُّ: رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ. وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ،

آخر الصلاة، فإنها تجزئ، لأنه يُسمَّى تسليمًا، والثاني: لا يضر، لأن تقديم الخبر جائزٌ.
(ومن عَجَزَ) عن النطق بالعربية، ولم يقدر على التعلم في الوقت ( .. ترجم) بمدلول التكبير من أَيِّ لغةٍ شاء، ولا يَعدل إلى ذكر، لأنه ركن عَجَزَ عنه، فلا بدّ له من بدل، والترجمةُ أقربُ إليه من غيره، فتعيّنتْ.
(ووجب التعلم إن قَدَرَ) عليه ولو بسفر في الأصحِّ، لأن ما لا يَتِمُّ الواجبُ إلّا به .. فهو واجبٌ، وحيث وجب التعلمُ فضاق الوقت، أو لم يُمكنه التعلمُ إلّا في يوم فأكثر .. لم يقض ما صلّاه بالترجمة؛ للعذر، ولو أخّر التعلمَ مع القدرة .. وجب أن يصلي عند ضيق الوقت بالترجمة، ثم يقضي في الأصحِّ؛ لتفريطه.
(ويسن رفع يديه في تكبيره) بالإجماع، والمراد باليدين هنا: الكفان (حذو منكبيه) للاتباع، كما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر 578. (والأصح: رفعه مع ابتدائه) أي: مع ابتداء التكبير؛ للاتباع 579، ولا استحباب في الانتهاء.
وحينئذ فإن فرغ منهما معًا .. فذاك، أو فرغ من أحدهما قبل تمام الآخر .. أَتَمّ الآخر، وهذا هو الأصحُّ في "الروضة" و"شرح مسلم" تبعًا للرافعي 580، والثاني: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معًا كابتدائهما، وصححه في "شرح المهذب" و"التنقيح" ونقله عن النص، وقال الإسنوي: إنه المفتى به 581، والثالث: يرفع بلا تكبير، ويُكبر مع حطّ يديه.
(ويجب قرن النية بالتكبير) أي: بجميعه، وذلك بأن يَستحضر جميع ما أوجبناه

الجزء: 1 - الصفحة: 230

وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ. الثَّالِثُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ. وَشَرْطُهُ: نَصْبُ فَقَارِهِ، فَإِنْ وَقَفَ مُنحَنِيًا أَوْ مَائِلًا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى.

فيها؛ من نية الفعل، والتعيين، والفرض من أول التكبير، ويَستمر إلى آخره؛ لأن التكبير من الصلاة، فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية.
(وقيل: يكفي بأوله) لأنها بعد التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يَجب ذكرًا، وصححه الرافعي في (الطلاق)، واختار في "التنقيح" و"شرح المهذب" الاكتفاءَ بالمقارنة العرفية عند العوام، بحيث يعد مستحضرًا للصلاة 582. قال السبكي: وهو الصواب، وقال ابن العربي المالكي: سمعت أبا الحسن الهروي يقول: سمعت إمامَ الحرمين يقول: يُحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النيةَ، ويُجرِّد النظرَ في قِدم الصانع، وحدوثِ العالم، والنبوات حتى ينتهي نظرُه إلى نية الصلاة، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمن طويل، بل يكفي في أَوحى لحظة 583؛ لأن تعلم الْجُمَل يفتقر إلى التطويل، وتذكارها يكون في لحظة.
(الثالث: القيام في فرض القادر) بالإجماع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين وكانت به بَواسيرُ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَعَلَى جَنْبٍ" رواه البخاري، زاد النسائي: "فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ .. فَمُسْتَلْقِيًا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ " 584. وخرج بـ (الفرض) النفل، وبـ (القادر) العاجز، وسيأتي حكمُهما.
(وشرطه: نصب فقاره) وهو عِظام الظهر؛ أي: مفاصلُه؛ لأن اسم القيام دائرٌ معه.
(فإن وقف منحنيًا) إلى قدامه (أو مائلًا) إلى يمينه أو يساره (بحيث لا يسمى

الجزء: 1 - الصفحة: 231

قَائِمًا .. لَمْ يَصِحَّ. فَإِنْ لَمْ يُطِقِ انْتِصَابًا وَصَارَ كَرَاكِعٍ .. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسَّجُودِ .. قَامَ وَفَعَلَهُمَا بقَدْرِ إِمْكَانِهِ. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ .. قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الأَظْهَرِ

قائمًا .. لم يصح) لتركه الواجب بلا عذر، والانحناءُ السالبُ للاسم: أن يصير إلى الركوع أقربَ.
(فإن لم يطق انتصابًا، وصار كراكع .. فالصحيح: أنه يقف كذلك) وجوبًا، لأنه أقربُ إلى القيام.
(ويزيد انحناءه لركوعه إن قَدَر) ليميز بينهما، ومقابله: هو قول الإمام أنه يلزمه الصلاة قاعدًا، فإذا وصل إلى الركوع .. لزمه الارتفاعُ؛ لأن حدّ الركوع يفارق حدَّ القيام، فلا يتأتى هذا بذاك.
(ولو أمكنه القيام دون الركوع والسجود) لعلة بظهره تمنع الانحناءَ ( .. قام) وجوبًا (وفعلهما بقدر إمكانه) للحديث الصحيح: "إِذَا أَمَرْتكُمْ بِأَمْرٍ .. فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" 585، فيَحْنِي صلبَه بقدر إمكانه، فإن عَجَزَ .. حَنَى رقبتَه ورأسَه، فإن احتاج فيه إلى اعتماد على شيء .. وجب، فإن لم يُطق الانحناء أصلًا .. أومأ بهما.
(ولو عجز عن القيام .. قعد) بالإجماع (كيف شاء) لإطلاق حديث عمران بن الحصين 586، ولا ينقص ثوابه، لأنه معذور.
(وافتراشه أفضلُ من تربُّعه) وتوركِه وغيرِهما (في الأظهر) لأنه قعود العبادة، فكان أولى من التربع الذي هو قعود العادة، وإنما فضل على التورك؛ لأنه قعود تَعْقُبه حركة، فأشبه التشهدَ الأول، والثاني: التربع أفضل؛ لئلّا يلتبس بالتشهد، وصححه جمع، وقال الماوردي: إن التربع للمرأة أفضل، لأنه أستر لها 587.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

وَيُكْرَهُ الإِقْعَاءُ؛ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَته مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، وَالأَكْمَلُ: أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ .. صَلَّى لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُسْتَلْقِيًا. وَلِلْقَادِرِ النَّفْلُ قَاعِدًا، وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الأَصَحِّ

(ويكره الإقعاءُ) للنهي عنه 588، ووجهه: ما فيه من التشبيه بالكلاب والقردة (بأن يجلس على وركيه) وهما أصلُ الفخذ (ناصبًا ركبتيه) كذا فسره أبو عبيدة، وهو أصحّ التفاسير، قال في "شرح المهذب": ويكره أيضًا أن يَقعد مادًّا رجليه 589. (ثم ينحني لركوعه بحيث تحاذي جبهتُه ما قدام ركبتيه) من مصلّاه، (والأكمل: أن تحاذي موضعَ سجوده) لأنه سيأتي: أن أقلّ ركوع القائم: أن يَنحني قدرَ بلوغ راحتيْه ركبتيْه، وأكملَه: تسويةُ ظهره وعنقِه، ومَنْ فعل الأول .. حاذت جبهتُه ما قدامَ ركبتيْه، ومَنْ فعل الثانِيَ .. حاذت جبهتُه موضعَ سجوده، فيكون أيضا أقلُّ ركوعِ القاعد وأكملُه: أن ينتهيَ إلى هذه الحالة.
(فإن عَجَزَ عن القعود .. صلى لجنبه) للحديث المار (الأيمن) ندبًا؛ لفضيلة التيامن.
(فإن عَجَزَ) عن الجنب (فمستلقيًا) على ظهره، ورجلاه إلى القبلة؛ لرواية النسائي المارة 590، ولا بدّ من وضع مِخدَّة تحت رأسه ليستقبل بوجهه القبلة، لا السماء، قال الغزي: إلّا أن يكون بالكعبة وهي مسقوفة، فلا يشترط.
(وللقادر النفلُ قاعدًا) بالإجماع (وكذا مضطجعًا في الأصح) لحديث: "صَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ" رواه البخاري 591، والمراد به: المضطجع 592،

الجزء: 1 - الصفحة: 233

الرَّابعُ: الْقِرَاءَةُ. وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الافْتِتَاحِ، ثُمَّ التَّعَوُّذُ، وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ كُلَّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالأُولَى آكَدُ. وَتَتَعَيَّنُ (الْفَاتِحَةُ) كُلَّ رَكْعَةٍ،

والثاني: لا؛ لما فيه من انمحاق صورةِ الصلاة، فإن جوّزنا .. لَزِمه أن يَقعد للركوع والسجود، وقيل: يُومئ بهما أيضًا.
قال في "شرح مسلم": وإذا اضطجع .. فعلى يمينه، فإن اضطجع على يساره .. جاز، وهو خلافُ الأفضل، قال: فان استلقى مع إمكان الاضطجاع .. لم يصح، وقيل: الأفضل: أن يُصلّي مستلقيًا، فإن اضطجع .. صحّ، قال: والصواب: الأول 593. (الرابع: القراءة) لما سيأتي، (ويسن بعد التحرم دعاءُ الافتتاح) وهو: (وجهت وجهي ... ) إلى آخره؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 594. ومن نقل عن الشافعي وجوبَه .. فقد غَلِطَ؛ كما نبه عليه الشيخُ تقي الدين في "شرح العمدة" 595. (ثم التعود) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: إذا أردت القراءةَ.
وستعرف في العيد استحبابَ التكبيرات بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ، وفي صلاة الجماعة أنه لا يأتي بهما إلّا إذا علم إدراكَ الفاتحة.
(ويُسرُّهما) كسائر الأذكار المستحبة، (ويتعوذ كلَّ ركعة على المذهب) 596 لأنه يبتدئ قراءةً جديدةً في كلّ ركعة، وقيل: يتعوذ في الأولى فقط؛ لأن القراءةَ في الصلاة واحدةٌ.
(والأُولى آكد) للاتفاق عليها، وافتتاح القراءةِ للصلاة إنّمَا هو فيها.
(وتتعين الفاتحة كلَّ ركعة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ

الجزء: 1 - الصفحة: 234

إِلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، وَتشدِيدَاتُهَا. وَلَوْ أَبْدَلَ (ضَادًا) بِـ (ظَاءٍ) .. لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ

فيهَا الرَّجُلُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" رواه الدارقطني، وقال: إسنادُه صحيح، رواه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" 597. وروى الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" أنه صلى الله عليه وسلم قال للمُسيء صلاتَه: "إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ .. فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، لمَّ أصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"، ورواه البيهقي أيضًا بإسناد صحيحٍ، كما قاله في "شرح المهذب" 598، وتَعيُّن (الفاتحة) نقله الشيخُ أبو زيد عن نَيْفٍ وعشرين صحابيًّا.
(إلّا ركعة مسبوق) لأنه إذا أدرك الإمامَ راكعًا .. أدرك الركعةَ، كما سيأتي بشرطه في الجماعة.
(والبسملة منها) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا قَرَأْتُمُ: الْحَمْدُ لله .. فَاقْرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْاَنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَى آيَاتِهَا"، رواه الدارقطني، وقال: رجاله كلُّهم ثقات، وذكره ابن السكن في "سننه" الصحاح المأثورة 599. (وتشديداتها) منها أيضًا، وهي أربعة عشر، فلو خفف منها تشديدةً .. فقد أسقط حرفًا؛ إذ المسْدَّد حرفان أَوَّلُهما ساكنٌ.
(ولو أبدل ضادًا بظاء .. لم تصح في الأصح) لاختلاف المعنى، فإن (الضاد) من الضلال، و (الظاء) من قولهم: (ظَلَّ يفعل كذا ظلولًا) إذا فعله نهارًا، وقياسًا على باقي الحروفِ، والئاني: يصح؛ لقرب المخرج وعُسر التمييز.
وقضية إطلاقهم الجزم بالبطلان: فيما لو أتى بـ (دال) مهملة بدل معجمة في (الذين).

الجزء: 1 - الصفحة: 235

وَيَجبُ تَرْتيبُهَا وَمُوَالَاتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ .. قَطَعَ الْمُوَالَاةَ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ؛ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ ===

وكان الأصوب أن يقول: (ولو أبدل ظاءً بضاد) إذ الباء مع الإبدال تدخل على المتروك، لا على المأتي به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
(ويجب ترتيبُها) لأنه مَناط البلاغةِ والإعجاز، فإن ترك الترتيبَ؛ كأن قرأ آية من وسط (الفاتحة) قبل أولها، ثم أولها ثم آخرها .. استأنف جميعَ (الفاتحة) إن تَعمَّد، فإن سها .. بنا على المرتب إن قَصُر الفصلُ.
ولو قرأ النصفَ الآخر من (الفاتحة) ثم أولها .. أعاد ما قرأه أولًا دون استئناف الجميع، وتركُ حرف كترك آية، حتى لا يُعتَدُّ بما بعده حتى يأتي به.
(وموالاتُها) لأنها القراءة المأثورة، فلا يَفصل الكلماتِ بعضَها عن بعض بلا عذر، فلو أخلّ بها سهوًا .. لم يضرّ في الأصحِّ.
(فإن تخلل ذِكر) لا تَعلُّقَ له بالصلاة؛ كالتحميد عند العُطاس، وإجابة المؤذن ( .. قطع الموالاة) وإن قلّ؛ لأنه يوهم الإعراضَ عن القراءة.
(فإن تعلق بالصلاة؛ كتأمينه لقراءة إمامِه، وفتحِه عليه) ونحوهما؛ كما لو قرأ إمامُه آيةَ رحمة فسألها، أو آيةَ عقاب فاستعاذ منه 600، والفتحُ: هو تلقينُ الآية عند التوقف فيها ( .. فلا في الأصح) لندب ذلك للمأموم 601، والثاني: يقطعها؛ كالفتح على غير الإمام.
(ويقطع) الموالاة (السكوتُ الطويل) لإشعاره بالإعراض، والطويلُ: ما يُشعر مثلُه بقطع القراءة، (وكذا يسيرٌ قصد به قطعَ القراءة في الأصح) لتأثير الفعل مع النية؛ كنقل المودعَ الوديعة بنية الخيانة، فإنه يضمن وإن لم يَضمن بأحدهما منفردًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 236

فَإِنْ جَهِلَ (الْفَاتِحَةَ) .. فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ .. فَمُتَفَرِّقَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ عَجَزَ .. أَتَى بِذِكْرٍ، وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ ألْبَدَلِ عَنِ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا .. وَقَفَ قَدْرَ (الْفَاتِحَةِ)

والثاني: لا يقطع؛ لأن كلًّا منهما لا يَضرّ منفردًا، فلا يَضرّ مُجتمعًا.
(فإن جهل الفاتحةَ) ولم يمكنه التعلم، ولا النظرُ في مصحف ( .. فسبع آيات) ولا يترجم عنها، ولا ينتقل إلى الذكر؛ لأن القرآن بالقرآن أشبهُ، وإنما اشترط السبع؛ لأن هذا العدد مرعي في (الفاتحة)، فرُوعي في بدلِها، (متواليةٍ) 602 لأن المتوالية أشبهُ بـ (الفاتحة).
(فإن عَجَزَ) عنها ( .. فمتفرقةٍ، قلت: الأصح المنصوص: جواز المتفرقة مع حفظه متواليةً، والله أعلم) كما في قضاء رمضان.
قال الإسنوي: والمعتمد: ما ذكره الرافعي، فإن الذين استند إليهم المصنفُ لم يُصرِّحوا بالجواز عند حفظ المتوالية بل أطلقوا، فيمكن حملُ إطلاقهم على ما قَيَّده غيرُهم 603. (فإن عَجَزَ) عن القرآن ( .. أتى بذكرٍ) للأمر به؛ كما أخرجه الترمذي وحسنه 604، والأصحُّ: أنه لا يتعين شيء من الذكر.
(ولا يجوز نقصُ حروفِ البدلِ) من قرآن وغيره (عن) حروف (الفاتحة) وهي مئةٌ وخمسةٌ وخمسون حرفًا بالبسملة إلّا من أدغم أو قرأ (مالك) فإنها تنقص حرفًا وتزيد حرفًا (في الأصح) كما لا يجوز النقص عن آياتها، والثاني: يجوز؛ كما يكفي قضاءُ صوم يومٍ قصيرٍ عن يومٍ طويلٍ.
(فإن لم يحسن شيئًا) من قرآن ولا غيره، وعَجَزَ عن التعلم ( .. وقف قدر الفاتحة) إذ القراءة والوقوف بقدرها كانا واجبين، فإذا تَعذَّر أحدُهما بقي الآخرُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

وَيُسَنُّ عَقِبَ (الْفَاتِحَةِ): (آمِينَ)، خَفِيفَةَ الْمِيمِ بِالْمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إِمَامِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ)،

(ويُسن عقب الفاتحة) لكل قال، وفي الصلاة آكدُ (آمين) للاتباع 605، ولأن (الفاتحة) نصفُها دعاءٌ، فاستحب أن يسأل الله تعالى إجابتَه.
قال البيهقي في كتاب "فضائل الأوقات": وروينا من حديث عائشة مرفوعًا: "حَسَدَنَا الْيَهُودُ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا إِلَيْهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَى قَوْلنَا خَلْفَ الإمَامِ: آمِينَ" 606. (خفيفةَ الميم بالمد، ويجوز القصر) والإمالة والتشديد، لكن الأولى أفصحُ وأشهر، و (آمين) اسمُ فعلٍ بمعنى: استجب.
(ويُؤمِّن مع تأمين إمامه) لأنه يؤمن لقراءته، لا لتأمينه (ويَجهر به) المأموم في الجهرية، هذا إذا أمن الإمامُ، فإن لم يُؤمن .. استحب للمأموم التأمينُ جهرًا قطعًا، قاله في "شرح المهذب" 607، (في الأظهر) كإمامه، وقد قال البخاري: قال عطاء: أَمَّنَ ابنُ الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد لَلَجَّةً 608، والثاني: يُسرّ به كسائر أذكاره، وأما الإمام والمنفرد: فيَجهران قطعًا، وقيل: فيهما وجهٌ شاذٌّ.
وأما السرية: فيُسرون فيها جميعُهم؛ كالقراءة، قال صاحب "الخصال": يَجهر المأمومُ خلف الإمام في أربع خصال: قوله: آمين، والقنوت في صلاة الصبح، وفي التراويح، وإذا فتح على إمامه.
(وتسن سورةٌ بعد الفاتحة) للاتباع 609، ويحصل أصلُ السنة بشيء من القرآن ولو آية، والأحوط: ثلاث آيات؛ ليكون قدرَ أقصرِ السور، لكن السورة وإن قصرتْ أولى من بعضِ سُوَرِه وإن طالت، كما قاله الرافعي في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامُ "الكبير"، ووقع في "الروضة" تقييدُ البعض بالمساوي، ثم نقل ذلك منها إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 238

إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا .. قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، فَإِنْ بَعُدَ

باقي كتبه، واعترضه في "المهمات" 610. وأفهم قولُه: (بعد الفاتحة) أنه لو قدم السورةَ عليها .. لم تحسب، وهو المذهب المنصوص في "الأم" 611. ولو كَرَّر (الفاتحةَ) وقلنا: لا تبطل الصلاة .. لم تُحسَب المرةُ الثانية عن السورة قطعًا كما ذكره في "شرح المهذب" عن المتولّي وغيرِه 612. ويستثنى من استحباب السورة: فاقدُ الطهورين إذا كان جنبًا .. فلا يجوز له قراءتُها، وكذا صلاة الجنازة، والتنوين يدلّ على أن مرادَ المصنف غيرُها 613. (إلّا في الثالثة والرابعة) من الرباعية، والثالثةِ من المغرب (في الأظهر) لحديث أبي قتادة: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأخيرتين بأم الكتاب) متفق عليه 614، والثاني: تسن فيهما أيضًا؛ لثبوته في "مسلم" من فعله عليه الصلاة والسلام، وفي "الموطأ" من فعل الصديق رضي الله عنه 615. (قلت: فإن سُبق بهما) أي: بالأُوليين ( .. قرأها فيهما) أي: في الأخيرتين (على النص، والله أعلم) لئلا تَخلوَ صلاتُه من سورتين.
(ولا سورةَ للمأموم، بل يستمع) للنهي عنه؛ كما أخرجه الترمذي وحسنه 616، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية، (فإن بعد) بحيث لم يسمع

الجزء: 1 - الصفحة: 239

أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً .. قَرَأَ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ،

قراءةَ إمامه، أو سمع صوتًا لا يُميّزه (أو كانت سرية .. قرأ في الأصح) لأن السكوت للسماع، وهو مُتعذِّر، والثاني: لا؛ لإطلاق النهي.
والصَّمَمُ كالبعد، والإسرار بالجهرية يُلحقها بالسرية كما جزم به في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" 617. (ويسن للصبح والظهر طوالُ المفصل، وللعصر والعشاء أوساطُه، وللمغرب قصاره) لما رواه الإمام أحمد والنسائي، وصححه ابنُ حبان عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما رأيت رجلًا أشبهَ صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان) لإمام كان في المدينة، قال سليمان: فصليتُ خلفَه، فكان يطيل الأُوليين من الظهر، ويُخفِّف الأُخريين، ويُخفِّف العصرَ، ويقرأ في الأُوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأُوليين من العشاء بوسطه، ويقرأ في الغَداة بطوال المفصل 618. وظاهر كلامه: التسوية بين الصبح والظهر في الطوال، وكلام الروضة" و"أصلها" و"شرح المهذب" يقتضي نقصانَ الظهر عن الصبح، فإنهما قالا: ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح، وصرح به في "شرح مسلم" 619. ومحلُّ استحباب الطوال والأوساط للإمام: إذا رضي المأمومون المحصورون، ذكره المصنفُ في "التحقيق"، وشرحي "المهذب" و"مسلم" 620، قال الأَذْرَعي: ولم أره لغيره، وعباراتُ الأئمة تَرُدُّ عليه.
والمفصلُ آخرُه ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وفي أولِه عشرةُ أقوالٍ: أصحها في "التحقيق": من (الحجرات).

الجزء: 1 - الصفحة: 240

وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ: (المَ تنزِيلُ)، وَفِي الثَّانِيَةِ: (هَلْ أَتى). الْخَامِسُ: الرُّكُوعُ. وَأَقَلُّهُ: أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ بِطُمَأْنِينَةٍ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هُوِيِّهِ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا .. لَمْ يَكْفِ. وَأَكْمَلُهُ: تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ،

وحكى الترمذي عن الشافعي أنه قال: لا أكره: أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال؛ نحو: (الطور) و (المرسلات)، بل أَستحبُّه 621، وحكاه البغوي في "شرح السنة" 622. (ولصبح الجمعة "ألم تنزيل"، وفي الثانية "هل أتى") بكمالهما؛ لثبوت ذلك في "الصحيحين" من فعله عليه الصلاة والسلام 623. (الخامس: الركوع) بالإجماع.
(وأقله) في حق القائم (أن ينحني قدر بلوغ راحتيْه ركبتيْه) لو أراد وضعَهما عليهما بالانحناء، لا بالانخناس، مع اعتدال الخِلقة، وسلامة اليدين والركبتين؛ لأنه بدون ذلك لا يُسمَّى ركوعًا، والراحةُ: الكف، قاله الجوهري 624، (بطمأنينة) لقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: "ثُمَّ أرْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" متفق عليه 625، (بحيث ينفصل رفعُه عن هُوِيِّه) أي: يصبر حتى تستقر أعضاؤه في حال ركوعه، وينفصل هُويّه عن ارتفاعه منه، ولا تقوم زيادة الْهُويِّ مقام الطمأنينة.
(ولا يقصد به) أي: بالْهُويّ (غيرَه) أي: غيرَ الركوع، (فلو هوى لتلاوة فجعله ركوعًا .. لم يكف) لأنه صرفه إلى غير الواجب.
(وأكمله: تسوية ظهره وعنقه) أي: بمدهما كالصفيحة الواحدة؛ تأسيًا، كما أخرجه مسلم 626.

الجزء: 1 - الصفحة: 241

وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هُوِيِّهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) ثَلَاثًا، وَلَا يَزِيدُ الإِمَامُ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي)

(ونصبُ ساقيه) وفَخذيْه إلى الْحَقْوِ، ولا يُثْنِي ركبتيْه؛ ليتمّ له تسويةُ ظهره، (وأخذُ ركبتيه بيديه، وتفرقة أصابعه) للاتباع 627، ولأنه أعون (للقبلة) لأنها أشرف الجهات.
(ويكبر في ابتداء هويه، ويرفع يديه كإحرامه) لثبوته من فعله عليه السلام في "الصحيحين" 628. (ويقول: سبحان ربي العظيم) لأنه صلى الله عليه وسلم قاله في ركوعه، وقال في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" رواه مسلم وغيرُه 629. (ثلاثًا) لحديث: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .. فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ" رواه الترمذي، وقال: إن إسناده غير متصل؛ لأنه يرويه عون عن ابن مسعود ولم يلقه، لكنه اعتضد بفتوى أكثر أهل العلم 630. (ولا يزيد الإمامُ) على ذلك؛ تخفيفًا، إلّا إذا رضي المحصورون.
(ويزيد المنفرد: اللهم؛ لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي) رواه مسلم، زاد ابن حبان في "صحيحه": (وما استقلَّتْ به قدمي) لله رب العالمين 631.

الجزء: 1 - الصفحة: 242

السَّادِسُ: الاعْتِدَالُ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا، وَلَا يَقْصدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزِعًا مِنْ شَيْءٍ .. لَمْ يَكْفِ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْع رَأْسِهِ قَائِلًا: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، فَإِذَا انْتَصَبَ .. قَالَ: (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْء السَّمَاوَاتِ وَمِلْءُ الأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ). وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصبْحِ،

والحكمة في وجوب القراءة في القيام، والتشهدِ في الجلوس، وعدمِ وجوب التسبيح في الركوع والسجود: أنه في القيام والقعود مُتلبِّس بالعادة، فوجب فيهما؛ ليتميزا عنها، بخلاف الركوع والسجود.
(السادس: الاعتدال قائمًا) كما كان قبل ركوعه؛ لقصة المسيء صلاته المتفق عليها 632. (مطمئنًا) لحديث صحيح فيه، رواه الإمام أحمد وابنُ حبان في "صحيحه" 633. (ولا يقصد به غيره، فلو رفع فَزِعًا من شيء .. لم يكف) لما مرّ في الركوع.
(ويسن رفع يديه مع ابتداء رفع رأسه قائلًا: سمع الله من حمده، فإذا انتصب .. قال: ربنا لك الحمد مِلء السموات وملء الأرض، وملء ما شئتَ من شيء بعدُ، ويَزيد المنفردُ: أهلَ الثناء والمجد أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الْجَدِّ منك الْجَدُّ) لثبوت ذلك كلَه عنه صلى الله عليه وسلم 634، وفي معنى المنفرد: إمامُ محصورين رَضُوا بالتطويل.
(ويسن القنوت في اعتدال ثانية الصبح) لأنه عليه الصلاة والسلام ما زال يَقْنُت في الفجر حتى فارق الدنيا، صححه غيرُ واحد من الحفاظ؛ كما قاله ابن الصلاح، قال

الجزء: 1 - الصفحة: 243

وَهُوَ: (اللَّهُمَّ، اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ ... ) إِلَى آخِرِهِ، وَالإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ..

البيهقي: ورواة القنوت بعد الركوع أكثرُ وأحفظُ 635. (وهو: اللهم، اهدني فيمن هديت ... إلى آخره) للاتباع، كما رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وغيرُهم بإسناد صحيح؛ كما قاله في "شرح المهذب" 636. وظاهر كلام المصنف: أنه يأتي بالقنوت عَقِبَ ذكر الاعتدالِ بكماله، قال الإسنوي: وفي "التهذيب" عن الشافعي ما يشهد له 637. لكن نقل في "الإقليد" عن ظاهر كلام الشافعي أنه لا يَزيد على قوله: "سمع الله من حمده، ربنا لك الحمد"، وعليه اقتصر ابن الرفعة، لئلا يطول الاعتدالُ الذي هو ركن قصيرٌ 638. (والإمامُ بلفظ الجمع) لأن البيهقي رواه من حديث ابن عباس بلفظ الجمع بإسناد جيد 639، ولا يَتأتَّى حملُ ذلك على المنفرد، فتعين حملُه على الإمام، ولأنه يُكره للإمام تخصيصُ نفسه بالدعاء، لما رواه أبو داود والترمذي: "لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ .. فَقَدْ خَانَهُمْ" 640. وقضية هذا الحديث: طرد ذلك في سائر أدعية الصلاة، وبه صرّح القاضي الحسين والغزالي في "الإحياء"، ونقله ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي 641، ولم يذكر الجمهورُ التفرقةَ بين الإمام وغيرِه إلّا في القنوت، وكأن الفرق بين القنوت وغيره: أن الكلَّ مأمورون بالدعاء، بخلاف القنوت فإن المأمومَ يُؤمِّن فقط.

الجزء: 1 - الصفحة: 244

وَالصَّحِيحُ: سَنُّ الصلَاةِ عَلَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ، وَرَفْعِ يَدَيْهِ، وَلَا يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَأَنَّ الإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ .. قَنَتَ

(والصحيح: سن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره) لوروده في "النسائي" في قنوت الوتر في حديث الحسن بإسناد صحيح أو حسن؛ كما ذكره في "شرح المهذب" 642، والثاني: لا يسن بل لا يجوز، حتى تبَطلُ الصلاةُ بذلك بناء على بطلانها بنقل الركن القولي إلى غير موضعِه.
(ورفعِ يديه) للاتباع؛ كما أخرجه البيهقي 643، والثاني: لا؛ لأنه دعاء، فلا يُستحب فيه الرفعُ؛ قياسًا على الدعاء في التشهد وغيره.
(ولا يمسح وجهَه) لأنه لم يُؤثَر؛ كما قاله البيهقي 644، والثاني: نعم؛ لحديثٍ واهٍ مطلق، لا مقيدٍ بالقنوت 645، (وأن الإمام يجهر به) للاتباع؛ كما أخرجه البخاري 646، والثاني: لا؛ كسائر الأدعية المشروعةِ في الصلاة، أما المنفرد .. فيُسرّ قطعًا.
(وأنه يُؤمِّن المأموم للدعاء) للاتباع؛ كما صححه الحاكم 647. (ويقول الثناءَ) لأنه ثناءٌ وذكرٌ، فكان الموافقةُ فيه أليقَ بخلاف التأمين، وقيل: يؤمن في الكلّ، وقيل: يوافقه في الكلّ؛ كالاستعاذة، وقيل: يتخير بين التأمين والقنوت، وكلُّ ذلك إن قلنا: يَجهر الإمامُ، وإلّا .. قنت المأمومُ؛ كسائر الأذكار.
(فإن لم يسمعه .. قنت) ندبًا، وقيل: لا، وهما كالوجهين المارين في قراءة السورة والحالة هذه، ولو سمع صوتًا ولم يَفهم معناه .. فقضيةُ كلامهم: أنه كمن لم يسمع.

الجزء: 1 - الصفحة: 245

وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ. السَّابعُ: السُّجُودُ. وَأَقَلُّهُ: مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ .. جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ. وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: وُجُوُبهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(ويشرع القنوت في سائر المكتوبات للنازلة) كالوَباء والقَحْط والْجَراد، لأحاديث بئر معونةَ في الصحيح 648. (لا مطلقًا على المشهور) لأنه عليه السلام لم يَقنُت إلّا عند النازلة، والثاني: يتخير، لأنه دعاءٌ، فيَتخير فيه بين الفعل والترك.
(السابع: السجود) بالإجماع، (وأقله: مباشرة بعضِ جبهتِه مصلاه) لأن دونه لا يُسمّى سجودًا، وقيل: يَجب وضعُ جميعها.
ويستثنى من وجوب مباشرةِ الجبهة: ما إذا عَصَبَ جبهتَه لجراحة عمّتْها، أو مرضٍ يَشُقُّ معه إزالتُها؛ فإنه يصحّ السجودُ عليها على الأصحِّ، ولا قضاءَ حيث لا نجاسةَ تحت العصابة، ولو نبت على جبهته شعر وعَمَّها فسجد عليه .. لم يضرّ، ذكره البغوي في "فتاويه".
(فإن سجد على متصل به .. جاز إن لم يتحرك بحركته) كطرف ذيله وكُمِّه الطويل؛ لأنه في حكم المنفصل عنه، فإن تحرك بحركته في قيامٍ أو قعودٍ أو غيرِهما .. لم يَجُزْ، وفُهم منه المنعُ على اليد بطريق الأولى.
نعم؛ لو كان بيده نحوُ عودٍ فسجد عليه .. جاز، ذكره في "شرح المهذب" في الكلام على تقليبِ ورقِ المصحف 649. (ولا يجب وضع يديه، وركبتيه، وقدميه في الأظهر) لأنه لو وجب وضعها .. لوجب الإيماءُ بها عند العجز؛ كالجبهة، (قلت: الأظهر: وجوبه، والله أعلم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ" وأشار إلى أنفه "وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" متفق عليه 650.

الجزء: 1 - الصفحة: 246

وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقَلُ رَأْسِهِ، وَأَلَّا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ .. وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الاعْتِدَالِ، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الأَصَحِّ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ لِهُوِيِّهِ بِلَا رَفْعٍ، وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ،

(ويجب أن يطمئن) لحديث المسيء صلاته 651، (وينال مَسجَده ثقلُ رأسه) لحديث: "وَإِذَا سَجَدْتَ .. فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا" رواه ابنُ حبان في "صحيحه" 652. وينال معناه: يُصيب ويُحصِّل، ومعنى الثقل: أن يتحامل بحيث لو فُرِضَ تحته حَشيشٌ أو قطن .. لانكبس وظَهَرَ أثرُه على يده لو فُرضتْ تحت ذلك، والمسجد هنا منصوب، والثقل فاعل.
(وألّا يَهْوِيَ لغيره) أي: لغير السجود؛ لما مرّ في الركوع، (فلو سقط) على الأرض (لوجهه) قبل قصد الْهُوِيِّ ( .. وجب العود إلى الاعتدال) ليسجد منه؛ لأنه لا بدّ من نية أو فعل، ولم يوجد واحدٌ منهما.
(وأن ترتفع أسافلُه على أعاليه في الأصح) للاتباع؛ كما أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان 653، والثاني: يجوز مساواتُهما؛ لحصول اسم السجود، فلو ارتفعت الأعالي .. لم يجز جزمًا.
(وأكمله: يكبر لهويه 654 بلا رفع 655، ويضعُ ركبتيه، ثم يديه) 656 أي: كفيه (ثم جبهته وأنفه) للاتباع 657.

الجزء: 1 - الصفحة: 247

وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى) ثَلَاثًا، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ؛ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ. وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَتَضمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى

(ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا) للحديث المار في الركوع 658، (ويزيد المنفرد: اللهم؛ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمتُ، سجد وجهيَ للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصرَه، تبارك الله أحسن الخالقين) كذا رواه مسلم بهذا اللفظ، زاد في "الروضة": (بحوله وقوته) قبل (تبارك الله) 659. واحترز بـ (المنفرد): عن الإمام وقد مرّ حكمه.
(ويضع يديه حذو منكبيه) أي: مقابلهما؛ لحديث صحيح في ذلك 660، (وينشر أصابعه 661 مضمومةً للقبلة 662، ويفرّق ركبتيه 663، ويرفع بطنه عن فخذيه 664، ومرفقيه عن جنبيه، في ركوعه وسجوده) للاتباع 665. وقوله: (في ركوعه وسجوده) يعود إلى الثلاث.
(وتضم المرأة) بعضها إلى بعض وتلُصق بطنَها بفخذيْها؛ لأنه أسترُ لها، (والخنثى) احتياطًا، وليس في "المحرّر" و"الشرح" 666.

الجزء: 1 - الصفحة: 248

الثَّامِنُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتيهِ مُطْمَئِنًّا .. وَيَجِبُ: أَلَّا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ، وَأَلَّا يُطَوِّلَهُ وَلَا الاعْتِدَالَ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَيَنْشرُ أَصَابِعَهُ قَائِلًا: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي). ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُولَى. وَالْمَشْهُورُ: سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا

(الثامن: الجلوس بين سجدتيه مطمئنًا) لحديث المسيء صلاته 667، (ويجب ألّا يقصد برفعه غيرَه) لما مر في الركوع، (وألّا يُطوِّله ولا الاعتدالَ) لأنهما ركنان قصيران كما سيأتي في (باب سجود السهو).
(وأكمله: يكبر ويجلس مفترشًا) للاتباع 668 (واضعًا يديه قريبًا من ركبتيه) لأنه أسهلُ.
(وينشر أصابعه) إلى القبلة كما في التشهد (قائلًا: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني، وعافني) للاتباع، كما رواه الحاكم 669. (ثم يسجد الثانيةَ كالأولى) في الأقلّ والأكملِ.
والحكمة في تكرار السجود دون غيره: أنه أبلغُ في التواضع، ولأن الشارعَ لما أمرنا بالدعاء فيه، وأخبرنا بأنه حقيقٌ بالإجابة .. سجدنا ثانيًا، شكرًا لله تعالى على إجابتِنا لما طلبناه، كما هو المعتاد في مَنْ سأل ملكًا شيئًا فأجابه.
(والمشهور: من جلسة خفيفة بعد السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها) للاتباع؛ كما أخرجه البخاري 670، والثاني: لا يُسنّ، لأن أكثرَ الأحاديث لم يَرِدْ فيها ذلك، كما قاله الإمام أحمد.
وشمل قوله: (كل ركعة) الفرضَ والنفلَ وهو كذلك، وهل المراد بقوله: (في كل ركعة يقوم عنها) فِعلًا أو مشروعيةً؟ صرح البغوي في "فتاويه" بالأول، فقال:

الجزء: 1 - الصفحة: 249

التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ: التَّشَهُّدُ، وَقُعُودُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَبَهُمَا سَلَامٌ .. فَرُكْنَانِ، وَإِلَّا .. فَسُنَّتَانِ،

إذا صلّى أربعَ ركعاتٍ بتشهد .. جَلَسَ للاستراحة في كل ركعةٍ منها، لأنها إذا ثبتت في الأوتار .. ففي محلّ التشهد أولى.
وخرج بـ (يقوم عنها): المصلِّي قاعدًا.
(التاسع والعاشر والحادي عشر: التشهد) وهو: (التحيات ... ) إلى (وأن محمدًا رسول الله) سمي تشهدًا، لأن فيه الشهادتين، من باب تسمية الكل باسم الجزء.
(وقعوده، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم): أما التشهد .. فلقول ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يُفرَض علينا التشهدُ: السلام على الله، السلام على فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله ... ") إلى آخره، رواه الدارقطني والبيهقي، وقالا: إسناده 671 , صحيح، وإذا ثبت وجوبُ التشهد .. وجب القعودُ له؛ لأن كلّ من أوجبه .. أوجب فيه القعودَ.
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .. فلحديث: (قد عرفنا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلّي عليك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ... ") إلى آخره، متفق عليه 672. واستدل الشافعي له بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: الآية تَقتضي الوجوبَ، وأولى أحوال ذلك هو الصلاةُ 673. (فالتشهد وقعودُه إن عَقَبَهما سلام .. فركنان) لما مرّ، (وإلّا .. فسنتان) لأنهما جُبرا بالسجود، كما ثبت في "الصحيحين" 674، والركن لا يُجبَر بالسجود.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

وَكَيْفَ قَعَدَ .. جَازَ. ويُسَنُّ فِي الأَوَّلِ: الافْتِرَاشُ؛ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ، وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ: التَّوَرّكُ، وَهُوَ كَالَافْتِرَاشِ، لكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصقُ وَرِكَهُ بِألأَرْضِ. وَالأَصَحُّ: يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي. وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابِعِ بِلَا ضَمٍّ

(وكيف قعد) في التشهدين ( .. جاز) بالإجماع.
(ويسن في الأول: الافتراش، فيجلس على كَعْب يسراه) بعد أن يُضجعها بحيث يَلي ظهرُها الأرضَ؛ كما صرح به في "المحرّر" 675. (وينصب يمناه) أي: قدمَه اليمنى (ويضع أطراف أصابعه) على الأرض متوجهةً (للقبلة) للاتباع 676. (وفي الآخِر: التَّورُّك، وهو كالافتراش) في الكيفية (لكن يُخرِج يسراه من جهة يمينه، ويُلصِق وَرِكه بالأرض) للاتباع أيضًا؛ كما أخرجه البخاري 677، وإنما خولف بين التشهدين؛ لأنه أقربُ إلى عدم اشتباه عددِ الركعات، ولأنّ المسبوق إذا رآه .. عَلِمَ في أيّ التشهدين هو.
والحكمة في التخصيص: أن التشهد الأولَ خفيفٌ، والمصلّي بعده يبادر إلى القيام، فناسب فيه الافتراش؛ لأنه هيئةُ المستوفِز، وأما الأخير .. فليس بعده عملٌ، بل يُسنّ فيه المكثُ للتسبيحات، والدعاء، وانصرافِ النسوة ونحوِ ذلك، فناسب فيه التورك.
(والأصح: يفترش المسبوق والساهي) أي: من يَسجد لسهو ولو كان عامدًا؛ لأنه ليس آخرَ صلاتِهما، والثاني: يَتورَّكان: الأولُ متابعةً لإمامه، والثاني لأنه قعودٌ لآخر الصلاة.
(ويضع فيهما) أي: في التشهدين (يسراه على طرف ركبته) بحيث تسامت رؤوسُها الركبةَ؛ للاتباع (منشورةَ الأصابع بلا ضم) أي: يُفرِّجها تفريجًا متوسطًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 251

قُلْتُ: الأَصَحُّ: الضَّمُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقْبضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلهِ: (إِلَّا اللهُ)، وَلَا يُحَرِّكُهَا،

وهكذا كلُّ موضع أُمِرَ فيه بالتفريخ، (قلت: الأصح: الضم، والله أعلم) لأن نشرها يُزيل الإبهام عن القبلة.
(ويقبض من بمناه) بعد وضعها على فخذه اليمنى (الخنصرَ والبنصرَ، وكذا الوسطى في الأظهر) للاتباع، كما رواه مسلم 678، والثاني: يُحلِّق بين الوسطى والإبهام؛ لرواية أبي في اوود عن فعله عليه الصلاة والسلام 679. وفي كيفية التحليق وجهان: أصحهما: أنه يُحلِّق بينهما برأسيْهما، والثاني: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام.
(ويرسل المسبحة) في كل التشهد؛ للاتباع 680، (ويرفعها عند قوله: إلّا الله) للاتباع أيضًا 681، وينوي بذلك التوحيدَ والإخلاصَ.
والحكمة في ذلك: هي الإشارة إلى أن المعبودَ سبحانه وتعالى واحدٌ؛ ليَجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقادِ، وأما كون الرفع عند الهمز: فلأنّه حال إثبات الوحدانية لله تعالى.
والحكمة في اختصاص المسبحة بذلك: أن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنّها سببٌ لحضوره.
(ولا يُحرّكها) عند رفعها؛ لأنه عليه السلام كان لا يفعله، رواه أبو داوود 682، وقيل: يستحب تحريكها، وقد صحّ تحريكُها وعدمُه عن فعله عليه السلام؛ كما قاله البيهقي 683.

الجزء: 1 - الصفحة: 252

وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، وَالأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ. وَلَا تُسُنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ

(والأظهر: ضمّ الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين) لرواية مسلم عن ابن عمر ذلك عن فعله عليه السلام 684، والثاني: يُرسل الإبهامَ أيضًا مع طول المسبحة، وقيل: يَضعها على إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثةٍ وعشرين؛ لحديث ابن الزبير في ذلك عند مسلم 685. وصورة عقد ثلاثة وخمسين عند الفقهاء: وضعُ رأس الإبهام عند أسفل المسبحة على طرف الراحة، ومنهم من قرّره بجعل الإبهام مقبوضةً تحت المسبحة.
قال في "الدقائق": (عقد ثلاثةٍ وخمسين شرطُها عند الحُسَّاب: وضعُ طرف الْخِنصر على البِنصر، والمستحبّ هنا: وضعُهما معًا على الراحة وهي التي سماها الحُسَّاب تسعةً وخمسين، وإنما عبر الفقهاء بالأول دون الثاني تبعًا لرواية ابن عمر) 686. وأجاب في "الإقليد": بأن عِبرة وضعِ الْخِنصر على البِنصر في عَقد ثلاثةٍ وخمسين وهي طريقة أقباط مصر، ولم يَعتبر غيرُهم فيها ذلك.
(والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرضٌ في التشهد الأخير) لما مرّ.
(والأظهر: سَنُّها في الأول) لأنها ذكرٌ يجب في الأخير، فيسن في الأول؛ كالتشهد، والثاني: لا؛ لبنائه على التخفيف.
(ولا تسن على الآل في الأول على الصحيح) لبنائه على التخفيف، والثاني: يسن؛ كالصلاة، واختاره الأَذرَعي وغيرُه؛ لصحة الأحاديث فيه، ولا تطويل في قوله: (وآله).
(وتسن في الأخير، وقيل: تجب) لقوله عليه السلام في الحديث المار:

الجزء: 1 - الصفحة: 253

وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ. وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَقِيلَ: يَحْذِفُ (وَبَرَكَاتُهُ) وَ (الصَّالِحِينَ)،

"قُولُوا: اللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" 687. وآله: هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل: كلّ مسلم، واختاره في "شرح مسلم" 688. (وأكمل التشهد: مشهور) وفيه أحاديث صحيحة، واختار الشافعي رواية ابن عباس وهي: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم 689. وإنما قدمت على رواية ابن مسعود 690، وهي: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه) .. لزيادة (المباركات) على وفق قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، ولأنّ صغرَ الراوي تَقوى معه رجحانُ التأخير، ولأنّ في لفظ ابن عباس ما يَدلُّ على ضبط لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: (كان يعلمنا ذلك كما كان يعلمنا السورة من القرآن).
(وأقله: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتُه، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله) لأن هذه الكلمات تأتي على معنى الجميع، ولورود إسقاط (المباركات) وما يليها في بعض الروايات؛ كما قاله في "شرح المهذب" 691. (وقيل: يحذف وبركاته والصالحين) أما حذف الأولى .. فرواه الصَّيْدَلاني عن

الجزء: 1 - الصفحة: 254

وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ). قُلْتُ: الأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)، وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الأَخِيرِ،

الشافعي رضي الله عنه، ولا وجهَ له، وأما (الصالحين) .. فلأن (العباد) إذا أضيفتْ إلى الله تعالى .. انصرفتْ إلى الصالحين.
(ويقول: وأن محمدًا رسولُه، قلت: الأصح: وأن محمدًا رسولُ الله، وثبت في "صحيح مسلم"، والله أعلم) مراده: جواز إسقاط (أشهد)، ووجوب الإتيان باسم الله تعالى ظاهرًا لا ضميرًا.
واعترض في "المهمات" على قوله: (وثبت في "صحيح مسلم") بأن الثابت في ذلك ثلاث كيفيات: إحداها: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) رواه الشيخان من حديث ابن مسعود 692، الثانية: (وأشهد أن محمدًا رسول الله) رواه مسلم 693، الثالثة: (وأن محمدًا عبدُه ورسولُه) بإسقاط (أشهد) رواه مسلم أيضًا من رواية أبي موسى 694، فليس ما قاله واحدًا من الثلاثة؛ لأن الإسقاط إنما ورد مع زيادة العبد.
انتهى 695. (وأقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله: اللهم؛ صل على محمد وآله) لحصول اسم الصلاةِ المأمورِ بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، والتسليمُ حصل بقوله: (السلام عليك ... ) إلى آخره.
(والزيادة إلى حميدٌ مجيدٌ سنة في) التشهد (الأخير) للأمر به؛ كما هو مُخرَّج في الصحيح 696.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَأْثُورُهُ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ... ) إِلَى آخِرِهِ. وَيُسَنُّ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ودليل عدم وجوبِها فيه وعدمِ استحبابها في الأول الإجماعُ، لكن أغرب الدارميُّ فحكى في استحبابِها في الأول قولين.
(وكذا الدعاء بعده) أي: بعد التشهد الأخير سنةٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو بِهِ" متفق عليه 697، وفي رواية لمسلم: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" 698. وقضية إطلاقه كـ "الروضة" و"أصلها": أنه لا فرق في جواز الدعاء بين الدِّيني والدُّنيوي 699. وقال الماوردي وغيرُه: إنه سنةٌ في الدِّيني مباحٌ في الدُّنيوي 700، واستحسن.
وقيل: يَمتنع الدعاءُ بمثل: (اللهم؛ ارزقني جاريةً صفتُها كذا) فإن دعا به .. بَطَلَتْ.
(ومأثوره) أي: المنقول من الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أفضل) من غيره؛ لتنصيص الشارع عليه.
(ومنه) أي: من المأثور (اللهم؛ اغفر لي ما قدمت، وما أخرت ... إلى آخره) وهو: (وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) رواه مسلم من حديث علي رضي الله عنه 701. (ويسن ألّا يزيد) في الدعاء (على قدر التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) لأنه تَبَعٌ لهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 256

وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا .. تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِيَ عَشَرَ: السَّلَامُ. وَأَقَلُّهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ. وَأَكْمَلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ)، مَرَّتينِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي

وقضيته تبعًا لأصله: أن المساواة لا يطلب تركها، لكن في "الشرحين": الأحب، وفي "الروضة" الأفضل: كون الدعاء أقلَّ 702. (ومن عجز عنهما) أي: عن التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 703 ( .. ترجم) كتكبيرة الإحرام، (ويترجم للدعاء والذكر المندوب العاجزُ لا القادر في الأصح) كالواجب؛ حِيازةً للفضيلة، والثاني: يجوز للقادر أيضًا؛ قياسًا على الدعاء خارجَ الصلاة، والجامع عدم الوجوب، والثالث: لا يجوز لهما؛ لأنه لا ضرورةَ إليهما، بخلاف الواجبات، ومحلُّ الخلاف: في المأثور، فليس للمصلِّي أن يخترعَ دعوةً ويدعوَ بها بالعجمية.
(الثاني عشر: السلام) لحديث: "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم 704، ويجب إيقاعُه في حال القعود.
(وأقله: السلام عليكم) لأنه المأثور عنه صلى الله عليه وسلم، ولم يُنقَل عنه خلافُه؛ كما قاله في "شرح المهذب" 705. (والأصح: جواز سلام عليكم) بالتنوين؛ قياسًا على التشهد، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجزئه، والله أعلم) لأنه لم يُنقَل كما مرّ، بخلاف التشهد؛ فإنه ورد فيه التعريفُ والتنكيرُ، (وأنه لا تجب نية الخروج) كسائر العبادات، والثاني: تجب؛ كالتكبير في أول الصلاة، وتكون النيةُ مع السلام.
(وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله مرتين يمينًا وشمالًا، ملتفتًا في) التسليمة

الجزء: 1 - الصفحة: 257

الأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ويَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهَا .. فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ .. فَعَلَهُ،

(الأولى حتى يُرى خدُّه الأيمن، وفي الثانية الأيسرُ، ناويًا السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكةٍ وإنسٍ وجنٍّ) من المسلمين منهما (وينوي الإمامُ السلامَ على المقتدين، وهم الردَّ عليه) لأحاديث وردت في ذلك كلِّه 706. (الثالث عشر: ترتيب الأركان كما ذكرنا) بالإجماع.
نعم؛ النيةُ والتكبيرُ لا ترتيبَ بينهما، وكذا القيامُ، فإنه يقارن التحرمَ والقراءةَ، والجلوس الأخير، فإنه يقارن التشهدَ والسلامَ، وقوله: (كما ذكرنا) قد يُفهِم ذلك.
وقضية كلامه: وجوبُ الترتيب بين التشهد والصلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ لأنهما ركنان، وهو ما في "شرح المهذب" تبعًا لـ" فتاوى البغوي"، ونقله في "الشفا" عن الشافعي، لكن في "شرح المسند" للرافعي نقلًا عن الحليمي وأقرّه: أنه كبعض التشهد، حتى يجوزُ فيه التقديمُ والتأخيرُ 707، والترتيبُ في السنن معتبرٌ ركنًا أو شرطًا في الاعتداد بها سنةً، لا في صحة الصلاة.
(فإن تركه عمدًا بأن سجد قبل ركوعه .. بطلت صلاتُه) إجماعًا؛ لتلاعبه.
نعم؛ لو قدم ركناَّ قوليًّا على فعلي؛ كتشهد على سجود، أو قوليًّا على قولي؛ كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على التشهد .. لم تبَطل، لكن لم يُعتدَّ بما قدمه بل يُعيده.
(وإن سها) أي: تركه سهوًا ( .. فما بعد المتروك لغوٌ) لوقوعه في غير محله، (فإن تذكر) المتروك (قبل بلوغ) فعل (مثلِه) من ركعة أخرى ( .. فعله) بمجرد

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وَإِلَّا .. تَمَّتْ بِهِ رَكْعَته وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ .. سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا .. لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا. وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ .. سَجَدَ -وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاسْتِرَاحَةِ .. لَمْ يَكْفِهِ- وَإِلَّا .. فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ

التذكر، (وإلّا) أي: وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله ( .. تمت به ركعتُه) لوقوعه في محلّه (وتدارك الباقيَ) لأنه لغى ما بينهما، هذا كلُّه إذا عرف عينَ المتروك وموضعَه، فإن لم يعرف .. أخذ بالمتيقن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلِّها يَسجد للسهو.
نعم؛ لو جُوِّز كونُ المتروك النيةَ أو التكبيرَ .. وجب الاستئنافُ ولا يسجد للسهو، وكذا لو كان المتروكُ السلامَ وتَذكَّره قبل طول الفصل .. سَلَّمَ ولا سجودَ للسهو.
(فلو تيقن في آخر صلاته تَرْكَ سجدةٍ من الأخيرة .. سجدها وأعاد تشهده) لما سبق، (أو من غيرها) أي: من غير الأخيرةِ ( .. لزمه ركعة) لأن الناقصةَ قد تكمّلت بسجدة من الركعة التي بعدها، وألغي باقيها.
(وكذا إن شك فيهما) أي: في كونها من الأخيرة أو مما قبلها .. فإنه يجعلُها من غير الأخيرةِ، ويَلزمُه أيضًا ركعةٌ؛ أخذًا بالأحوط.
(وإن علم في قيام ثانيةٍ تركَ سجدةٍ) من الأولى .. نظر (فإن كان جلس بعد سجدته) التي أتى بها ( .. سجد) في الحال من قيام؛ لأن ذلك الجلوسَ فاصلٌ (وقيل: إن جلس بنية الاستراحة .. لم يكفه) السجود عن قيامٍ، بل لا بدّ أن يجلس ثم يسجد؛ لأنه قصد السنةَ بجلوسه، فلا ينوب عن الفرض؛ كما لا يَقومُ سجودُ تلاوةٍ عن سجود الفرضِ، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يَظنُّه الأولَ ثم تَذكَّر .. فإنه يُجزئه.
(وإلّا) أي: وإن لم يجلس بعد سجدته ( .. فليجلس مطمئنًا ثم يسجد) 708 لأن الجلوس ركنٌ، فلا بدّ منه، (وقيل: يسجد فقط) أي: من قيام؛ لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 259

وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا .. وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أَوْ أَرْبَعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ .. فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبعٍ .. فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ. قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ-

الفصل حصل بالقيام.
ورُدَّ بأن الغَرَضَ الفصلُ عن هيئة الجلوس؛ كما لا يَقوم القيامُ مقامَ جلوسِ التشهد.
(وإن علم في آخر رباعيةٍ تركَ سجدتين أو ثلاثٍ جهل موضعَها .. وجب ركعتان).
أما في ترك السجدتين .. فلأنّ الأسوأ تقديرُ سجدةٍ من الركعة الأولى، وسجدةٍ من الثالثة، فتنجبر الركعةُ الأولى بسجدةٍ من الثانية، ويَلغُو باقيها، وتنجبر الثالثةُ بسجدةٍ من الرابعة، ويَلغُو باقيها، وتَصير الثالثةُ ثانيةً.
وأما في ترك الثلاث .. فلأنك إذا قَدَّرتَ ما ذكرناه في السجدتين، وقَدَّرتَ معه تركَ سجدةٍ أخرى من أيِّ ركعةٍ شئتَ .. لم يَختلف الحكمُ.
(أو أربعٍ .. فسجدةٌ تم ركعتان) لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدةٍ من الرابعة، فتتم الأولى بالثانية، ويَلغُو باقيها، والثالثةُ باطلةٌ، فتحصل ركعةٌ ومعه سجدةٌ من الرابعة.
(أو خمسٍ أو ستٍّ .. فثلات) أي: ثلاثُ ركعات؛ لاحتمال ترك واحدةٍ من الأولى، وثنتين من الثانية، وثنتين من الثالثة، والسادسة من الأولى أو الرابعة، فتكمُل الأولى بالرابعة، وتبقى ثلاثُ ركعات.
(أو سبعٍ .. فسجدةٌ ثم ثلاثٌ) لأن الحاصل له ركعةٌ إلّا سجدةً، وفي ثماني سجداتٍ يَلزمه سجدتان، ثم ثلاثُ ركعاتٍ، ويُتصوَّر ذلك بترك طمأنينة، أو سجودٍ على عمامةٍ ونحوِهما.
(قلت: يُسن إدامةُ نظره إلى موضع سجودِه) في جميع صلاته؛ إذ جمعُ النظر في موضع واحد أقربُ إلى الخشوع، وموضعُ سجوده أشرفُ وأسهلُ.
ويستثنى حالة التشهد؛ فإنّ السنة إذا رفع مسبحته: ألّا يُجاوز بصرُه إشارتَه، ذكره في "شرح المهذب"، وفيه حديث صحيح في "سنن أبي داوود" 709.

الجزء: 1 - الصفحة: 260

وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدِي: لَا يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا- وَالْخُشُوعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ،

وكذا مَنْ صلّى في المسجد الحرام؛ فإنه يُستحب له أن يشاهد الكعبةَ؛ كما قاله الماوردي والروياني في "البحر" في (كتاب النذر)، كذا ذكره ابن الملقن 710، والذي ذكره الإسنوي وغيرُه: أن استحباب إدامة نظرِه إلى الكعبة وجهٌ ضعيفٌ، فليحرر.
قال في "العجالة": (وشمل إطلاقُ المصنف الأعمى والمصلّي في ظلمة، وفيه نظر) انتهى 711، وفي شموله الأعمى نظرٌ؛ إذ لا نظرَ له.
(وقيل: يكره تغميض عينيه) لأن فيه تكلفًا مُذهبًا للخشوع، وقد ورد النهيُ عنه، لكنه ضعيفٌ؛ كما أشار إليه البيهقي، (وعندي) تفقّهًا (لا يكره) لعدم صحة النهي عنه، لا سيما وهو مانعٌ من تفريق الذهن، (إن لم يخف ضررًا) بالتغميض، فإن خاف على نفسه أو غيرِه من عدوّه ونحوِه .. كُرِهَ، وقد يَحرم في بعض الصور.
(و) يسن (الخشوعُ) لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وفسره علي رضي الله عنه: بلين القلب، وكفّ الجوارح، وقيل: الخشوع شرطٌ، قال المحب الطبري: ومحله: في بعض الصلاة، لا في كلّها.
والعَبَثُ في الصلاة مكروهٌ، وقيل: حرامٌ، ولو سقط رداؤُه أو طرفُ عمامته .. كُرِهَ له تسويتُه، إلّا لضرورة، قاله في "الإحياء" 712. (وتدبرُ القراءة) أي: تامّلها، (و) تدبر (الذكرِ) لأن به يَكمل مقصودُ الخشوع والأدب.
(ودخولُ الصلاة بنشاطٍ) لأن الله تعالى ذمّ تارك ذلك؛ حيث قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، (وفراغِ قلب) من شواغل الدنيا؛ لأنه أعونُ على الحضور والخشوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ، وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ، وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا،

(وجعلُ يديه تحت صدره) وفوق سُرته (آخذًا بيمينه يسارَه) للاتباع؛ كما رواه ابن خزيمة 713. (والدعاءُ في سجوده) لحديث: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" رواه مسلم 714. (وأن يعتمد في قيامه من السجود والقعود على يديه) لثبوته في الصحيح عن فعله صلى الله عليه وسلم 715. (وتطويلُ قراءةِ) الركعة (الأولى على الثانية في الأصح) لثبوته في "الصحيحين" 716، والثاني: أنهما سواءٌ، ورجحه الرافعي، ونقله في "الروضة" عن الجمهور، ونَصَّ عليه في "الأم" 717. نعم؛ يُستحب تطويلُ الأولى قطعًا في الكسوف، وصُبْحِ الجمعة حيث قرأ بـ (السجدة) و (هل أتى)، وتطويلُ الثانية قطعًا في العيد والجمعة إذا قرأ بـ (سبح) و (هل أتاك).
ويستحب للإمام: تخفيفُ قراءة الأولى في صلاة (ذات الرقاع) لأنها حالُ شغل، وتطويلُ الثانية حتى تأتي الفرقةُ الثانية.
ويستحب للطائفتين: التخفيفُ في الثانية؛ لئلا يَطول الانتظارُ، ذكره في "الروضة" 718. (والذكرُ بعدها) للاتباع 719، قال في "الروضة": والسنة: أن يكثر منه،

الجزء: 1 - الصفحة: 262

وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ: إِلَى بَيْتِهِ، وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ .. مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلَّا .. فَيَمِينِهِ. وَتنقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الإِمَامِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ،

ويستحب الدعاء أيضًا، ويُسرّ به، إلّا أن يكون إمامًا يريد تعليم الحاضرين 720. (وأن ينتقل للنفل من موضع فرضِه) لأن مواضعَ السجود تشهدُ له، فاستحب تكثيرُها، وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلّاه من الأرض، ومَصعَد عملِه من السماء.
وقضية التوجيه: ندب الانتقال إلى الفرض من موضع نفلِه المتقدمِ، وأنه يَنتقل لكلّ صلاة يَفتتحها من الْمَقضيّات والنوافل؛ كالضحى والتراويح 721. (وأفضله: إلى بيته) لأنه أبعدُ عن الرياء، وهذا إذا لم يَخف فوتَ الراتبة؛ لضيق وقتٍ أو بُعد منزلٍ، أو كان معتكفًا.
ويستثنى: النافلة للمبكر يوم الجمعة، وركعتا الطواف، وركعتا الإحرام إذا كان بالميقات مسجدٌ.
(وإذ صلّى وراءهم نساءٌ .. مكثوا حتى ينصرفن) لأن الاختلاط بهن مظنةُ الفساد، والقياس في الخناثى: انصرافُهم فُرادى، إمّا قبل النساء أو بعدهن وقبل الرجال.
(وأن ينصرف في جهة حاجتِه) أيّ جهة كانت، (وإلّا) أي: وإن لم يكن له حاجة في جهة معينة ( .. فيمينه) أي: فينصرف في جهة يمينه؛ لأن التيامن محبوب.
(وتنقضي القدوةُ بسلام الإمام) التسليمة الأولى؛ لخروجه من الصلاة.
نعم؛ يستحب له ألّا يسلم الأولى إلّا بعد التسليمتين جميعًا؛ كما صححه في "التحقيق" 722. (فللمأموم أن يشتغل بدعاءٍ وفحوِه، ثم يسلم) لانفراده، هذا إذا كان غيرَ

الجزء: 1 - الصفحة: 263

وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ .. سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

مسبوق، أو مسبوقًا وجلوسُه مع الإمام في موضع تشهدِه الأول، أما غيرهما: فيلزمه القيامُ عقب التسليمتين، فإن مَكث .. حَرُمَ وبَطَلَتْ بعمده.
(ولو اقتصر إمامُه على تسليمة .. سلم ثنتين، والله أعلم) لزوال المتابعة، ولتحصيل الفضيلة.


الجزء: 1 - الصفحة: 264

بابٌ [شروط الصلاة]

شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ: مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ. وَالاسْتِقْبَالُ. وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ،

(باب) هو مُنوّنٌ؛ أي: هذا بابٌ معقودٌ للشروط، والشرط لغة: العلامةُ، ومنه: أشراط الساعة، وشرعًا: ما يَلزم من عدمه العدمُ، ولا يَلزم من وجوده وجود ولا عدمٌ.
(شروط الصلاة: خمسة) زاد في "التحقيق" سادسًا، وهو: معرفة أفعال الصلاة؛ أي: تمييز فرضها من نفلها 723، فلو اعتقد جميعَ أفعالها سنةً، أو بعضَها فرضًا وبعضها سنةً، ولم يُميِّز .. لم يَصحّ، أو كلَّها فرضًا .. صحتْ في الأصحِّ.
وفي "فتاوى الغزالي": إذا لم يُميِّز العامي فرضًا من سنةٍ .. صحتْ إن لم يقصد التنفلَ بفرض، فإذا غفل عن التفصيل .. فَنِيَّة الجملة كافيةٌ، قال في "زيادة الروضة": وهذا هو الظاهرُ الذي تقتضيه أحوالُ السلف 724، قال في "التنقيح": وينبغي أن يُعدَّ من الشروط: ترتيبُ الأفعال والموالاةُ بينها، لكن الذي في "الشرح" و"الروضة" أنهما ركنان 725. (معرفةُ الوقت) ولو ظنًّا (والاستقبالُ) إلّا ما استثني منه على ما مرّ في بابه.
(وسترُ العورة) ولو كان خاليًا في ظلمة عند القدرة؛ لقيام الإجماع على الأمر به في الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال ابن عباس: المراد به: الثياب في الصلاة، ولقوله عليه السلام: "لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ -أي: بالغ- إِلَّا بِخِمَارٍ" حسنه الترمذي وقال الحاكم: إنه على شرط مسلم 726. (وعورةُ الرجل) ولو عبدًا وصبيًّا (ما بين سرته وركبته) لحديث: "عَوْرَةُ الرَّجُلِ

الجزء: 1 - الصفحة: 265

وَكَذَا الأَمَةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْحُرَّةِ: مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَشَرْطُهُ: مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ. وَيَجِبُ: سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبهِ لَا أَسْفَلِهِ، فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ .. لَمْ يَكْفِ، فَلْيَزُرُّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسْطَهُ،

ما بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ" رواه الدارقطني والبيهقي عن أبي أيوب مرفوعًا، لكن بإسناد ضعيف 727، وقيل: الركبةُ من العورة لا السرة، وقيل: عكسُه.
(وكذا الأمة في الأصح) لأن رأسَها ليس بعورة إجماعًا، ومن ليس رأسُه عورةً .. فعورتُه ما بين سرتِه وركبتِه كالرجل، والثاني: أنها كالحرة إلّا في الرأس.
(و) عورة (الحرةِ) في الصلاة (ما سوى الوجهِ والكفين) إذ فُسِّرَ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين، ولأنهما لو كانا عورةً .. لما وجب كشفُهما في الإحرام.
وحكى ابنُ أبي عَصْرون في "الانتصار" وجهًا في جواز ظهور قدمي الحرة في الصلاة، واستُغربَ، وعورتُها في الخلوة وبحضرة مَحارم خارج الصلاة: ما بين السرة والركبة، وصوتُها ليس بعورة على الصحيح، فلا تبَطل الصلاةُ به لو جَهَرَتْ.
(وشرطُه) أي: الساتر (ما منع إدراكَ لون البشرة) لا حجمها، فلا يكفي ثوبٌ رقيقٌ، وزجاجٌ، وماءٌ صافٍ؛ لأن مقصودَ الستر لا يحصل به، وأُورِد عليه الظلمةُ، فإنها مانعةٌ من الإدراك ولا يكفي (ولو طينٌ وماءٌ كَدِرٌ) لمنعهما الإدراكَ، والصافي إذا غلبت فيه الخضرة كالكدر، (والأصح: وجوبُ التطين على فاقد الثوب) ونحوه؛ لقدرته على الستر، وقيل: لا؛ للمشقة والتلويث 728. (ويجب ستر أعلاه وجوانبه، لا أسفلِه) لأنه المقصودُ من الستر، (فلو رئيت عورتُه من جيبه) وهو المنفذ الذي يُدخل فيه الرأسَ (في ركوع أو غيرِه .. لم يكف) لعدم الشرط المذكور (فليَزُرُّه أو يَشُدَّ وسطه) أي: إن لم يجعل عليه رداءً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لسلمة بن الأكوع وقد قال: (إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد؟

الجزء: 1 - الصفحة: 266

وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ .. تَعَيَّنَ لَهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا .. فَقُبُلَهُ، وَقِيلَ: دُبُرَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ، فَإِنْ سَبَقَهُ .. بَطَلَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يَبْنِي، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ عَرَضَ بِلَا تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ .. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا .. بَطَلَتْ

"نَعَمْ، وَأزْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ") رواه أبو داوود وصححه ابن خزيمة 729، (وله ستر بعضها) أي: العورة (بيده في الأصح) لحصول المقصود، والثاني: لا؛ لأن بعضَه لا يجوز كونُه لباسًا له.
واحترز بيده: عما لو وضع غيرُه يدَه عليها .. فإنه يَكفي قطعًا -وإن فعل محرمًا كما قاله في "الكفاية"- لانتفاء علة المنع 730. (فإن وجد كافيَ سوأتيه) وهما: قبلُه ودبرُه ( .. تَعيّن لهما) لغلظهما وفُحشهما، (أو أحدِهما .. فقبله) أي: تعين قبلُه ذكرًا كان أو أنثى؛ لبروزه إلى القبلة، (وقيل: دبره) لأنه أفحش عند الركوع والسجود، (وقيل: يتخير) لتعارض المعنيين، والخلاف في الوجوب على الصحيح، بل في الشرطية؛ كما قاله في "شرح المهذب"، حتى لو خالف .. لم تصحّ صلاتُه 731. (وطهارةُ الحدث) الأكبر والأصغرِ عند القدرة بالإجماع، (فإن سبقه) الحدث ( .. بطلت) صلاتُه؛ لبطلان طهارته بالإجماع، (وفي القديم) يتطهر و (يبني) على صلاته؛ لعدم تقصيره، فلو أحدث مختارًا .. بطلت قطعًا، (ويجريان) أي: القولان (في كل مُناقض) أي: مناف للصلاة (عَرَضَ بلا تقصير، وتعذر دفعُه في الحال) كما إذا تنَجَّس ثوبُه أو بدنُه واحتاج إلى غسله، أو طَيَّرت الريحُ ثوبَه إلى مكان بعيدٍ، (فإن أمكن) دفعُه في الحال (بأن كشفتْه ريحٌ فسَتَرَ في الحال .. لم تَبطل) لانتفاء المحذور، (وإن قَصَّر بأنْ فرغتْ مُدَّةُ خُفٍّ فيها .. بَطَلَتْ) قطعًا؛ لأنه يُشبه مَنْ أحدث مختارًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 267

وَطَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَلَوِ أشْتبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ .. اجْتَهَدَ، وَلَوْ نَجُسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ وَجُهِلَ .. وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ، فَلَوْ ظَنَّ طَرَفًا .. لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ غَسَلَ نِصفَ نَجِسٍ ثُمَّ بَاقِيَهُ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ .. طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا .. فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ

(وطهارةُ النجَس) الذي لا يُعفَى عنه (في الثوب والبدن والمكان) الذي يُصلِّي فيه؛ لثبوت الأمر باجتنابها بالكتاب والسنة 732، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون الأمرُ فيها، والأمرُ بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي في العبادات يَقتضي الفسادَ، فلزم ما ذكره.
(ولو اشتبه طاهرٌ ونَجِس .. اجتهد) لما مرّ في الأواني، (ولو نَجُس بعض ثوب أو) بعض (بدن، وجُهِل .. وجب غسل كله) لأن الأصل بقاءُ النجاسة ما بقي منه جزءٌ بغير غسل، (فلو ظَنّ طرفًا) أي: من موضعين متميزين، أو من مواضعَ متميزةٍ؛ كأحد طرفي الثوب، وأحد الكُمَّين واليدين والأصابع، فاجتهد وظنّ طرفًا ( .. لم يكف غَسلُه على الصحيح) لعدم جواز الاجتهاد؛ لأن الثوب والبدن واحدٌ، والاجتهاد إنما يكون في شيئين.
(ولو غسل نصف نَجِس ثم باقيه .. فالأصح: أنه إن غسل مع باقيه مجاوره) من النصف المغسول أولًا ( .. طهر كلُّه، وإلّا) أي: وإن لم يغسل معه مُجاوِرَه ( .. فغير الْمُنْتَصَفِ) أي: فيطهر غير المنتصف وهو الطرفان فقط، ويبقى المنتصف نجسًا فيغسله وحده؛ لأنه رَطبٌ ملاقٍ لنجس.
والثاني: لا يطهر مطلقًا حتى يغسل الكلَّ دفعةً واحدةً؛ لأنه إذا تنَجَّس المجاورُ .. لزم تنَجُّس ما يجاور المجاورَ، وهَلُمَّ جَرًّا ... إلى آخره، وهو مبني على أن الثوبَ الرطبَ إذا وقعت عليه نجاسةٌ .. تنجس كلُّه؛ كما هو وجهٌ في "التتمة"، وصحح في "شرح المهذب": أنه إن كان ذلك في جَفْنَةٍ؛ بأن وُضِعَ نصفُه ثم صُبَّ عليه ماءٌ يَغْمُره .. فلا يطهر؛ لملاقاة الماء جزءًا مما لم يغسله، وذلك الجزءُ نَجِسٌ وَرَدَ على

الجزء: 1 - الصفحة: 268

وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ جَعَلَهُ تَحْتَ رِجْلِهِ .. صَحَّتْ مُطْلَقًا، وَلَا يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ .. فَمَعْذُورٌ،

ماء قليلٍ فنَجَّسه، وإذا نَجِسَ الماءُ .. نَجِسَ الثوب، وإن غسل نصفه في غير جَفْنَةٍ بل بصَبِّ الماء عليه .. طَهُرَ 733، و (المنتصف) بفتح (الصاد).
(ولا تصح صلاةُ مُلاقٍ بعضُ لباسِه نجاسةً) في شيء من صلاته؛ لما مرّ، وبدنُه أولى بذلك (وإن لم يتحرك بحركته) كإلقاء طرف عمامته على نَجِس؛ لنسبته إليه.
(ولا قابضٍ طرف شيء على نَجِسٍ إن تحرك) الطرف الموضوع على النجس بحركته بارتفاعه وانخفاضه؛ لحمله ما هو مُتصلٌ بنجس، (وكذا إن لم يتحرك في الأصح) كما مرّ في طرف العمامة، والثاني: تصح؛ لأن الطرف الملاقي للنجاسة ليس محمولًا له، وإنما أبطلنا في العمامة لكونها من ثيابه، قال في "الشرح الصغير": وهذا أوجه الوجهين، واختاره الأذرعي، لكن في "الكبير": إن كلام الأكثرين يدل على أن الأول أرجحُ 734، والشد في يده ونحوها كالقبض.
(فلو جعله) أي: جعل طرفَ ما طرفُه الآخرُ نجسٌ أو على نجس (تحت رِجله .. صَحَّت مطلقًا) سواء تحرك بحركته أم لا؛ لأنه ليس لابسًا ولا حاملًا للنجاسة، ولا ما هو متصلٌ بها، فأشبه ما إذا صلّى على بساط طرفُه نجس، أو مفروش على نجاسة، (ولا يَضُرُّ نَجِسٌ يحاذي صدره) أو شيئًا من بدنه (في الركوع والسجودِ على الصحيح) إذ لا حمل ولا ملاقاة، والثاني: يضر؛ لأنه منسوبٌ إليه؛ لكونه موضعَ صلاته، فتعتبر طهارتُه كالذي يلاقيه، أما إذا لاقاه النجس .. فتبطل جزمًا.
(ولو وصل عظمَه) عند احتياجه إليه لكسر ونحوه (بنجِس) كعظم كلبٍ ونحوِه (لفقد الطاهر) أو عدم نفعه ( .. فمعذور) للضرورة، فلو قال أهل الخبرة: إن لحم الآدمي لا يَنجبر سريعًا إلّا بعظم الكلب .. فيتجه أنه عذرٌ، وهو قياس ما ذكروه في

الجزء: 1 - الصفحة: 269

وَإِلَّا .. وَجَبَ نَزْعُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا -قِيلَ: وَإِنْ خَافَ- فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا .. بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى مِنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ وَمَوْضعِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ

التيمم في بطء البرء، قاله الإسنوي.
(وإلّا) أي: وإن وصله به مع وجود الطاهر النافع ( .. وجب نزعُه) للضرورة (إن لم يَخَفْ ضررًا ظاهرًا) وهو ما يُبيح التيمم، ولا يمنع تألمه به، (قيل: وإن خاف) ذلك فإنه ينزع أيضًا لتعديه، ولئلا يؤدي إلى أنه يصلي عمرَه كلَّه بنجاسة فَرَّطَ بحملها، ونحن نقتله بترك صلاة واحدة.
(فإن مات) مَنْ وجب عليه النزع ( .. لم يُنزع على الصحيح) لأن فيه مُثْلَةً وهَتْكًا لحرمة الميت، والثاني: ينزع؛ لئلا يَلقى الله تعالى حاملًا نَجَسًا، والخلافُ في الوجوب؛ كما صرح به في "المحرّر"؛ فإنه قال: (فمان مات .. فالأصح: أنه لا يجب النزعُ) 735. (ويُعفى عن محلّ استجماره) لما مرّ من جواز الاستنجاء بالحجر، (ولو حمل) مصلٍّ (مستجمرًا .. بطلت) الصلاة (في الأصح) لأن العفوَ عن أثر النَّجْوِ للحاجة 736، ولا حاجة به إلى حمل الغير، والثاني: لا؛ كما في حق المحمول.
(وطينُ الشارع الْمُتيقَّنُ نجاستُه يعفى منه عمّا يتعذر الاحترازُ منه غالبًا) لأنه لا بدّ للناس من الانتشار في حوائجهم، وكثيرٌ منهم لا يَملك إلا ثوبًا واحدًا، فلو أُمِرُوا بالغسل كلّما أصابهم شيءٌ .. عظمت المشقةُ.
(ويختلف بالوقت وموضعِه من الثوب والبدنِ) فقد يتعذر الاحترازُ في الشتاء عن مقدار ما لا يتعذر الاحترازُ عنه في الصيف، ويعفى في الرِّجل وذيل القميص عما لا يُعفى عنه في اليد والكمّ، وضابطُ القدر المعفو عنه هو: الذي لا يُنسب صاحبُه إلى سقطة، أو قلةِ تَحفّظ، فإن نُسب إلى ذلك .. فلا يُعفى.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، وَالأَصَحُّ: لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، وَلَا قَلِيلٍ انْتَشَرَ بعَرَقٍ، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ

واحترز بـ (المتيقن نجاسته): عن غير المتيقن نجاسته.
ثم تارة يغلب ظنّ نجاسته، ففيه قولان: أصحهما: الطهارة؛ تغليبًا للأصل على الظاهر، وتارةً لا يغلب ظنّ نجاسته، فهو طاهرٌ قطعًا.
(وعن قليلِ دمِ البراغيثِ) والقمل، (ووَنِيمِ الذُّباب) أي: ذرقه وغيرِ ذلك مما لا نفس له سائلةٌ؛ كما قاله في "شرح المهذب" لأنه مما تَعُمُّ به البَلوى، ويَشُقُّ الاحتراز عنه 737. (والأصح: لا يعفى عن كثيره) لندرته، وسهولة الاحتراز عنه، (ولا) عن (قليلٍ انتشر بعرق) لمجاوزته محلَّه، ولأن البلوى به لا تَعُمُّ، والثاني: يعفى عنهما؛ لأن الغالب في هذا الجنس عُسْرُ الاحتراز، فيُلحَق غيرُ الغالب منه بالغالب.
(وتُعرف الكثرة بالعادة) فما يقع التلطخ به غالبًا ويعسر الاحتراز عنه .. قليلٌ، وإن زاد .. فكثير، ويختلف الحالُ بين الأماكن والأوقات، ويُرجَع في هذا كلِّه إلى رأي المصلي، وقيل: إن الكثير ما يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان نظر، والقليلَ دونه.
قال الإمام: والذي أقطعُ به: أنه لا بدّ أيضًا من اعتبار عادة الناس في غَسل الثياب، فإنّ من لا يَغسل ثوبَه الذي يصلِّي فيه عمّا يُصيبه من لَطْخٍ سنةً مثلًا .. يتفاحش مواقعُ النجاسة من هذه الجهات 738، قال الأَذْرَعي: وهو حق، ويجب الجزم به وإن عفونا عن الكثير في العادة؛ لأن الكثير هنا قد تَفاحش.
انتهى.
ولو كانت النجاسة متفرقةً ولو جُمعتْ لبلغت قدرًا لا يُعفى عنه .. ففيه احتمالان للإمام، وميله إلى العفو 739، وكلام "التتمة" يقتضي الجزمَ بخلافه.
(قلت: الأصح عند المحققين: العفو مطلقًا، والله أعلم) أي: قلّ أم كثر،

الجزء: 1 - الصفحة: 271

وَدَمُ الْبَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، وَقِيلَ: إِنْ عَصَرَهُ .. فَلَا. وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ وَمَوْضِعُ الْفَصدِ وَالْحِجَامَةِ، قِيلَ: كَالْبَثَرَاتِ، وَالأَصَحُّ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا .. فَكَالاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا .. فَكَدَمِ الأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ، وَالأَظْهَرُ: الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ الأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ

انتشر بعرق أم لا؛ لأنه مما يَشُقُّ الاحترازُ منه غالبًا، فأُلْحِقَ نادرُه بغالبه.
(ودم البثرات كالبراغيث) لأن الإنسان لا يَخلو منها غالبًا، فلو وجب الغسلُ لكلّ مرة .. لشق، (وقيل: إن عَصَره .. فلا) يعفى عنه؛ للاستغناء عنه، [والأصحُّ فيما إذا كان قليلًا: العفو عنه] 740، (والدماميلُ، والقروح، وموضعُ الفصد والحجامةِ، قيل: كالبثرات) لعسر الاحتراز عن لَطْخِها، (والأصح: إن كان مثلُه يدوم غالبًا .. فكالاستحاضة) فيجب الاحتياط له بقدر الإمكان، ويعفى عما يتعذر أو يشق كما مرّ في موضعه.
(وإلّا .. فكدم الأجنبي) يصيبه (فلا يعفى) عنه، (وقيل: يعفى عن قليله) والحاصل: جعل ما لا يدوم غالبًا كدم الأجنبي، فلا يُعفى عن كثيره، وفي قليله الخلافُ، وقد جعل الأَذْرَعي وغيرُه قوله: (فلا يعفى) راجعًا إلى ما لا يدوم غالبًا، وجعله الإسنوي وغيرُه راجعًا إلى دم الأجنبي.
(قلت: الأصح: أنها كالبثرات) لما مرّ، ونقله في "الشرحين" عن قضية كلام الأكثرين 741، (والأظهر: العفو عن قليل) دم (الأجنبي، والله أعلم) وهو ما عدَّه الناسُ عفوًا؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفوُ، فيقع القليل منه في محل المسامحة، وقيل: القليلُ ما دون الكفِّ، والثاني: لا يعفى عنه مطلقًا؛ لسهولة الاحتراز عنه.
وأطلق الخلاف، وقيده العمراني بغير دم الكلب والخنزير، وفرعِ أحدهما، وأشار إلى أنه لا يُعفى عن شيء من ذلك قطعًا؛ لغلظ حكمه، قال في "التحقيق": ولم أجد تصريحًا بموافقته، ولا مخالفته، ونقل في "المهمات" عن "المقصود"

الجزء: 1 - الصفحة: 272

وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، وَكَذَا بِلَا رِيحٍ فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الْمَذهَبُ: طَهَارَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ .. وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَب.

فَصْلٌ [في ذكر بعض مبطلات الصلاة]

تبطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ

للشيخ نصر المقدسي موافقتَه 742. (والقيحُ والصديدُ كالدم) في كل ما مرّ؛ لأنهما دمان استحالا إلى نَتْنٍ وفَساد، (وكذا ماءُ القُروحِ والْمُتَنَفِّطِ الذي له ريحٌ) قياسًا على القيح والصديد، (وكذا بلا ريحٍ في الأظهر) قياسًا على الصديد الذي لا رائحةَ له، والثاني: طاهرٌ؛ كالعرق.
(قلت: المذهب: طهارته) قطعًا (والله أعلم) وصححها في "شرح المهذب" ثم قال: (وحيث نجسناه فهو كالبثرات) 743. (ولو صلى بنجِس) غيرِ معفو عنه (لم يعلمه .. وجب القضاءُ في الجديد) لفوات الشرط؛ كما لو بان محدثًا، والقديم: لا يجب؛ لحديث فيه مؤول 744، (وإن عَلِمَ) به (ثم نَسي .. وجب على المذهب) 745 لتفريطه بتركها لمّا علم بها، وقيل: القولان فيمن لم يَعلم به.


(فصل: تَبْطُل بالنطق بحرفين) سواء أفادا؛ كـ (قُمْ)، أو لم يفيدا؛ كـ (من) و (عن) و (اس) و (ار) لحديث معاوية بن الحكم قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّياه ما شأنْكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يَضربون

الجزء: 1 - الصفحة: 273

أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ، وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الأَصَحِّ

بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتُهم يُصَمِّتُونني .. سكت، فلمّا صلّى النبي صلى الله عليه وسلم .. قال: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ") رواه مسلم 746. والحرفان من جنس الكلام، بخلاف الحرف؛ إذ أقلُّ ما يُبنى عليه الكلامُ حرفان.
(أو حرفٍ مفهمٍ) كقولك إذا أمرتَ بالوفاء والوقاية والوعي: (فِ) و (قِ) و (عِ) لأنه كلام تامٌّ لغةً وعرفًا وإن أخطأ بحذف (هاء) السكت.
(وكذا مَدةٌّ بعد حرفٍ) غير مفهم (في الأصح) لأن المدة (ألف) أو (واو) أو (ياء)، وهي حروفٌ مخصوصةٌ فضمُّها إلى الحرف كضمّ حرف إليه.
والثاني: لا تبطل؛ لأن المدة قد تَتَّفِقُ لإشباع الحركة، فلا تُعَدُّ حرفًا، واستثني من الإبطال: ما لو ناداه النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فأجابه .. فلا تبطل على الأصح، ويلتحق به سيدُنا عيسى صلى الله عليه وسلم عند نزوله على الأشبه في "الخادم".
وهل يلتحق بإجابته صلى الله عليه وسلم ما لو استدعاه صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فمشى إليه خطوات كثيرة؟ فيه احتمالان للإسنوي، قال: والمتجه: إلحاقه به 747، وعلى هذا يتمّ صلاته في الموضع الذي انتهى إليه، ولا يعود إلى مكانه إلّا في الموضع الذي نجوّزه في سبق الحدث.
وفي إجابة أحد الوالدين ثلاثةُ أوجه في "البحر": أصحها عنده: أن الإجابة لا تجب، وثانيها: تجب، وتبطل الصلاة، وثالثها: تجب، ولا تبطل 748. وما لو تلفظ بالنذر فلا تبطل به الصلاةُ على الأصحِّ في "شرح المهذب" لأنه مناجاة، قال في "المهمات": وقياسه التعدي إلى الإعتاق والوصية والصدقة وسائر

الجزء: 1 - الصفحة: 274

وَالأَصَحُّ: أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ وَالأَنِينَ وَالنَّفْخَ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ .. بَطَلَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِسْلَامِ، لَا كَثيرِهِ فِي الأَصَحّ، وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ،

القرب المنجزة.
انتهى 749، ومحلّه: إذا لم يكن فيها خطاب، كما قيده في "شرحه".
(والأصح: أن التنحنُح، والضحك، والبكاء، والأنين، والنفخ إن ظهر به حرفان .. بَطَلَتْ، وإلّا .. فلا) لما مر، والثاني: لا تبطل وإن بان منه حرفان؛ لأنه ليس من جنس الكلام، وكلامُه يوهم جريان الخلاف وإن لم يظهر حرفان، وليس كذلك، وجهلُ كون التنحنح مبطلًا عذرٌ في حق العوام، [قاله في "الأنوار"] 750. (ويُعذر في يسير الكلامِ إن سبق لسانُه) لأن الناسي مع قصده إلى الكلام معذورٌ كما سيأتي، فهذا أولى لعدم قصده، (أو نسي الصلاةَ) لأنه صلى الله عليه وسلم تكلّم معتقدًا أنه ليس في صلاة ثم بنى عليها في قصة ذي اليدين 751، (أو جهل تحريمَه إن قَرُب عهدُه بالإسلام) لخبر معاوية المارّ 752، وكذا لو بعد عهدُه ولكن نشأ ببادية بعيدة عن الإسلام؛ كما قاله الخوارزمي 753، فإن بَعُدَ عهدُه بالإسلام ولم ينشأ ببادية بعيدة .. بطلت؛ لتقصيره بترك التعلم.
(لا كثيرِه في الأصح) أي: في جميع ما ذكره من الثلاث؛ لأنه يَقطع نظمَ الصلاة وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته، والثاني: أنه يعذر؛ لأنه لو أبطل كثيرُه .. لأبطل قليله كالعمد، ويُرجع في القليل والكثير إلى العرف في الأصحِّ.
(وفي التّنحنُح ونحوِه) ممّا مرّ معه (للغلبة) إذ لا تقصير (وتعذرِ القراءة) للضرورة، والمراد: القراءة الواجبة؛ كما ذكره في "التحقيق" و"شرح

الجزء: 1 - الصفحة: 275

لَا الْجَهْرِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ .. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَـ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً .. لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا .. بَطَلَتْ،

المهذب" 754، (لا الجهرِ في الأصح) لأنه سنةٌ، فلا ضرورة إلى احتمال التنحنح لأجله، والثاني: إنه عذر إقامة لشعار الجهر، كذا علل به الرافعي 755. وقضيته: أنه إذا قرأ من السورة ما يتأتى به أصلُ السنة ثم عرض ذلك .. لم يعذر قطعًا، وشمل كلامُ المصنف الجهرَ بالقراءة والقنوتِ وأذكارِ الانتقالات عند الحاجة إلى إسماع المأمومين، قال الإسنوي: ويتجه في هذا الثالث: أنه عذرٌ 756. (ولو أُكره على الكلام .. بطلت في الأظهر) لندرته، والثاني: لا؛ كالنسيان.
(ولو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم كَـ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾) لمن استَأذن في أخذ شيء، وكقوله لمن استأذن في الدخول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (إن قصد معه قراءةً .. لم تَبطل) لأنه قرآنٌ، فصار كما لو قصد القرآنَ وحدَه، (وإلّا) أي: وإن لم يَقصد معه قراءةً ( .. بطلت) كما لو أفهم بعبارة أخرى.
قال في "الدقائق": يفهم من قول "المنهاج" أربع مسائل: إحداها: إذا قَصَدَ القراءةَ، الثانية: إذا قصد القراءةَ والإعلامَ، الثالثة: إذا قصد الإعلامَ فقط، الرابعة: ألّا يَقصِد شيئًا، ففي الأولى والثانية لا تبَطل، وفي الثالثة والرابعة تبَطل، وتُفهم الرابعةُ من قوله: (وإلّا .. بطلت) كما تُفهم منه الثالثةُ، وهذه الرابعة لم يذكرها "المحرّر" وهي نفيسة لا يستغنى عن بيانها، وسبق مثلها في قول "المنهاج": (وتحل أذكاره لا بقصد قرآن) انتهى 757. وفي أخذ المسألة الأولى والرابعة منه نظرٌ؛ لأنه جعل الكلام فيما لو قصد التفهيم، وجعل في ذلك قسمين، وهما: قصد القراءة معه، وعدم قصدها معه، فلا يندرج في

الجزء: 1 - الصفحة: 276

وَلا تبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعاءِ،

ذلك قصد القراءة فقط، وعدم قصد شيء أصلًا؛ لأن ما قصد فيه التفهيم .. يستحيل أن يندرج فيه ما لا يقصد فيه التفهيم، وما جزم به في "الدقائق" من الإبطال في الرابعة .. قال في "شرح المهذب": إنه ظاهر كلام المصنف وغيره؛ لأنه يُشبه كلامَ الآدمي، ثم قال: وينبغي أن يقال: إن انتهى في موضع قراءتِه إليه .. لم تبطل، وإلّا .. بطلت انتهى 758. ونازعه ابنُ الرفعة في دعوى كون البطلان ظاهرَ كلام "المهذب"، وقال: إن كلامه منصرف إلى الإعلام لا إلى الإطلاق، قال: والفرق بين الجنب وما نحن فيه: أن كونه في الصلاة قرينة تصرف ذلك إلى القرآن.
وقوله: (بنظم قرآن) احترز به عمّا إذا أتى بكلمات مفرداتُها في القرآن دون نظمها؛ كقوله: (يا إبراهيم) (سلام) (كن)، فإن أتى بذلك موصولًا .. بطلت، وإن فَرَّقَ الكلامَ .. لم تبطل؛ أي: إذا قصد بها القرآنَ كما قاله في "شرح المهذب" 759. (ولا تبطل بالذكر والدعاءِ) لمشروعيتهما في الصلاة، قال الإسنوي: (بشرط النطق بالعربية إن كان يُحسنها، وبشرط ألّا يقصد به شيئًا آخر، فإن قصد بـ "سبحان الله" التنبيهَ، وبتكبيرات الانتقالات التبليغَ ونحوَ ذلك .. كان على التفصيل السابق في القراءة، هذا ملخص كلام الرافعي، وهو قضيةُ كلام "المحرّر" حيث قال بعد التفصيل في القراءة: "والأذكار والأدعية كالقرآن") انتهى 760. قال الإسنوي: والمتجه: أن ما لا يصلح لكلام الآدميين من القرآن والأذكار لا يُؤثِّر وإن قصد به الإفهامَ فقط، وبه صرح الماوردي.
انتهى، وبه جزم في "المهذب"، وأقره المصنفُ في "شرحه" 761.

الجزء: 1 - الصفحة: 277

إِلَّا أَنْ يُخَاطِبَ؛ كَقَوْلهِ لِعَاطِسٍ: (رَحِمَكَ اللهُ). وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلَا غَرَضٍ .. لَمْ تبطُلْ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبيهِ إِمَامِهِ، وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ، وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى: أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ بِضَرْبِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ

(إلّا أن يُخاطِب؛ كقوله لعاطسٍ: رحمك الله) لأنه كلامٌ وضع لمخاطبة الآدميين، فهو كرد السلام، فلو قال: (رحمه الله) .. لم يضر، وأَطلق الخطابَ، وقَيّده الرافعي بغير خطاب الله تعالى، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم 762، وقضيتُه: البطلانُ بما عدا النبي صلى الله عليه وسلم؛ من الملائكة والأنبياء عليهم السلام.
(ولو سكت طويلًا بلا غرض) عامدًا ( .. لم تبطل في الأصح) لأنه لا يَخرِم هيئةَ الصلاة، ويستثنى: ما إذا كان في اعتدال الركوع أو السجود بناءً على أنهما قصيران، فتبطل الصلاةُ بتطويلهما بسكوت وغيرِه، والثاني: تبطل؛ لإشعاره بالإعراض عنها.
واحترز بقوله: (طويلًا) عن اليسير، فإنه لا يَضُرُّ جزمًا، و (بلا غرض) عن السكوت ناسيًا، أو لتذكر شيء نَسِيَهُ، فالأصحُّ فيهما: القطع بعدم البطلان.
(ويسن لمن نابه شيءٌ كتنبيه إمامه) إذا سها (وإذنِه لداخل) استأذن في الدخول عليه، (وإنذارِه أعمى) أن يَقع في محذور ونحوِ ذلك؛ كغافل وغيرِ مُميِّز، ومن قصده ظالِمٌ أو سَبُعٌ ونحو ذلك (أن يُسبِّح، وتُصفِّقَ المرأة) لحديث: "مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ .. فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ .. الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ" متفق عليه 763. ولو عكسا .. فخلاف السنة، ولا تبطل الصلاة، قاله في "شرح المهذب" 764، والخنثى كالمرأة.
(بضرب اليمين على ظهر اليسار) يشمل الضربَ ببطن اليمين على ظهر اليسار، وبظهر اليمين على ظهر اليسار؛ لأنه لم يقيد بالظهر إلّا في اليسار، وفي "الشرح"

الجزء: 1 - الصفحة: 278

وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا .. بَطَلَتْ إِلَّا أَنْ يَنْسَى،

و"الروضة" الاقتصارُ على الكيفية الأولى، وليس بقيد، ولهذا عَبَّرَ في "التحقيق" بقوله: تصفق بظهر كفٍّ على بطن أخرى ونحوه، لا بطنٍ على بطن 765، فتناول كلامُه أولًا جوازَ الضرب بظهر اليمنى على بطن اليسرى، وبظهر اليسرى على بطن اليمنى.
وقوله: (ونحوه) عكسُهما، وهو: الضرب ببطن اليمنى على ظهر اليسرى، وببطن اليسرى على ظهر اليمنى، فهذه أربع صور، وامتناعُ الضرب ببطن إحداهما على بطن الأخرى.
وقال الرافعي في هذه الصورة: لا ينبغي فعلُه فإنه لعب، فلو فعلتْه على وجه اللعب عالمةً بالتحريم .. بطلت صلاتُها وإن كان قليلًا، فإنّ اللعبَ ينافي الصلاةَ 766. وإذا لم يَحصل الإنذارُ الواجبُ بالتسبيح ونحوه، فإن لم يحصل إلا بالكلام .. وجب عليه، وفي بطلان الصلاة اختلافُ ترجيحٍ، وإن لم يحصل إلا بفعلٍ كثيرٍ كثلاث خطوات فأكثر .. قال المحب الطبري: الظاهر: تخريجه على الخلاف في القول، فإن لم نَقُلْ ببطلان الصلاة .. أَتَمَّ صلاتَه في الموضع الذي انتهى إليه، ولا يَعودُ إلى الأول، إلّا إن جوزناه في سبق الحدث وإن حصل بكل من القول والفعل.
قال الإسنوي: فإن أبطلنا بذلك .. تَخيَّر، وإلَّا .. فالمتجه: تعين الفعل؛ إذ القليل من الفعل يُغتفر دون القليل من الكلام، ويحتمل عكسه؛ لأن الفعل أقوى من القول، ولهذا يَنفُذ إحبالُ السفيه دون إعتاقه، ويحتمل التخيير لهذين المعنيين 767. (ولو فعل في صلاته غيرَها) أي: غير أفعال الصلاة (إن كان) المفعول (من جنسها) أي: من جنس أفعالها؛ كزيادة ركوع أو سجود لا على وجه المتابعة من مسبوق ( .. بطلت) لتلاعبه، (إلّا أن ينسى) فلا تبطل وإن كثر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم (صلّى الظهر خمسًا سهوًا، ولم يُعد صلاتَه، بل سجد للسهو) متفق عليه 768.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

وَإِلَّا .. فَتَبْطُلُ بِكَثيرِهِ لَا قَلِيلِهِ، والْكَثْرَةُ بالْعُرْفِ، فَالْخَطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ .. قَلِيلٌ، وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ

وخرج بقوله: (فعل) ما لو نقل ركنًا قوليًا .. فإنه لا يضر على الأصحِّ؛ لأنه قولٌ لا فعلٌ.
نعم؛ يستثنى منه أيضًا مسائل: منها: ما لو هوى ليسجد، فجلس قبل سجوده جلسةً خفيفةً .. فلا تبطل، قاله الإمام في سجود السهو، وتابعاه 769، ومنها: ما لو نزل من قيامه لحدّ الراكع لقتل حَيَّةٍ ونحوِها .. فإنه لا يضرّ، قاله في "الكافي" 770. (وإلّا) أي: وإن لم يكن من جنس أفعال الصلاة ( .. فتبطل بكثيرِه) لأن الحاجةَ لا تدعو إليه، ويستثنى: شدة الخوف، كما سيأتي في بابه، (لا قليلِه) للأحاديث الصحيحة فيه؛ كحمله صلى الله عليه وسلم أُمامةَ ووضعِها، وخلعه نعليه في صلاته، وأمره بقتل الأسودين: الحيةِ والعقربِ 771. (والكثرةُ بالعرف) فلا يضرّ ما يَعدُّه الناسُ قليلًا؛ كخلع النعل، ولبس الثوب الخفيف، ونحو ذلك، (فالخطوتان أو الضربتان قليلٌ) لحديث خلع النعلين، وقيل: كثير؛ لتكرر الفعل، بخلاف الواحدة.
نعم؛ لو قصد أن يخطو ثلاث خطوات متواليةٍ 772، فخطا واحدة .. بطلت، نص عليه في "الأم"، وجرى عليه العراقيون، فليُقيَّد به الإطلاقُ.
(والثلاثُ كثيرٌ إن توالت) بالاتفاق، فلو تفرقت .. لم يضرّ وإن كثرت، وحَدُّ التفرق: أن يُعدَّ الثاني منقطعًا عن الأول.
ولو تردد في فعلٍ هل انتهى إلى حدّ الكثرة أم لا؟ قال الإمام: فينقدح فيه ثلاثة

الجزء: 1 - الصفحة: 280

وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، لَا الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ؛ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الأَصَحِّ. وَسَهْوُ الْفِعْلِ كَعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ. وَتبطُلُ بِقَلِيلِ الأُكْلِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ،

أوجه: أظهرها: أنه لا يؤثر، وثالثها: يتبع ظنه، فإن استوى الظنّان .. لم تبطل 773. (وتبطل بالوثبة الفاحشةِ) ونحوها؛ كالضربة المفرطة؛ لمنافاة ذلك للصلاة، (لا الحركاتِ الخفيفةِ المتواليةِ؛ كتحريك أصابعِه في سبحةٍ أو حكٍّ في الأصح) إذ لا يُخل بهيئة الخشوع والتعظيم، فأشبه الفعل القليل، والثاني: تبطل إن كثرت؛ كالخطوات.
والتعبير بتحريك الأصابع يقتضي: أن ذلك مع قرار الكفّ، فلو حَرَّكَ كفَّه في الحك ثلاثًا .. بطلت، إلّا أن يكون به جَرَبٌ لا يقدر معه على الصبر، قاله الخوارزمي في "الكافي".
(وسهوُ الفعل كعمده في الأصح) فيبطل كثيره وفاحشه؛ لندور السهو، ولأنه يقطع نظمَ الصلاة 774، والثاني: لا يضر، واختاره المصنفُ في "التحقيق" والسبكي 775؛ لأن حديث ذي اليدين قد ورد فيه: (أن سَرَعان الناس قد خرجوا من المسجد) 776، ومع ذلك لم يؤمروا بالإعادة، بل بنوا على صلاتهم.
(وتبطل بقليل الأكل) لشدة منافاته لها، وقيل: لا، بل بكثيره؛ كسائر الأفعال.
ومثار الخلاف: أن الإبطال هل هو لِمَا فيه من الفعل، أو لوصول المفطر جوفَه؟ والأصح: الثاني، وينبني على ذلك مسألة ذوب السكرة الآتية.
(قلت: إلّا أن يكون ناسيًا) للصلاة (أو جاهلًا تحريمه) لقرب عهده بالإسلام،

الجزء: 1 - الصفحة: 281

وَاللهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلِعَ ذَوْبَهَا .. بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلَّىً، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ .. دَفْعُ الْمَارِّ، .

أو نشأ في بادية بعيدةٍ عن العلماء، فلا تبطل بقليله قطعًا (والله أعلم) فإن كثر الأكلُ .. بَطَلَ على الأصحِّ، بخلاف الصوم؛ لأن للصلاة نظامًا يَختلُّ بالأكل، ولها حالة مُذكِّرةٌ فنُسِبَ إلى تقصير فيها، بخلاف الصوم، ويُرجَع في القليل والكثير إلى العرف.
(فلو كان بفمِه سُكَّرةٌ فبَلعَ ذوبَها) بمص ونحوِه لا مَضْغٍ ( .. بطلت في الأصح) لمنافاته الصلاةَ كما مرّ، والثاني: لا؛ لأنه لم يوجد منه فعلٌ.
(ويسن للمصلي إلى جدار، أو سارية، أو عصًا مغروزةٍ، أو بَسَطَ مصلّى، أو خَطَّ قُبالتَه .. دَفعُ المار) الذي يمرّ بينه وبين ذلك؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ ألنَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ .. فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى .. فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" متفق عليه 777. ويستحب أيضًا: الصلاةُ إلى هذه المذكورات، فلو قال المصنف: (تسن الصلاة إلى كذا وكذا، ودفع المار بينه وبينها) .. لفُهِمَ منه ذلك.
وشرط الاعتداد بالخطِّ والمصلَّى: عدمُ الشاخص، وهما في مرتبةٍ واحدةٍ؛ كما هو ظاهر كلام "الشرح" و"الروضة"، وقال في "المهمات": إنه الحق، لكن في "التحقيق": فإن عجز عن سترة .. بسط مُصلّى، فإن عجز .. خَطَّ خطًّا على المذهب، فرتب الخط على المصلّى، وذكر مثلَه في "شرح مسلم"، ونقله عن الأصحاب، قال في "الروضة": والمختار في صفة الخط: أن يكون طولًا إلى جهة القبلة 778. ويُعتبر كونُ الشاخص قدرَ مؤخرة الرَّحْلِ، وهو قدرُ ثلثي ذراعٍ، والقياس: كون المصلَّى والخط كذلك، قاله الإسنوي 779.

الجزء: 1 - الصفحة: 282

وَالصَّحِيحُ: تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ. قُلْتُ: يُكْرَهُ الالْتِفَاتُ إِلَّا لِحَاجَةٍ،

وإذا دفع .. دفع بالأسهل فالأسهل؛ كالصائل، فإن أَدَّى إلى موته .. فهَدَرٌ.
(والصحيح: تحريم المرور حينئذ) أي: حين وجود ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ .. لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ" 780، والثاني: لا يحرم، بل يكره؛ لما رواه ابن ماجه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلِّي في حجره، فمرّت زينبُ بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا -أي: مشيرًا للرجوع- فمضت، فلما صلّى عليه الصلاة والسلام .. قال: "هُنَّ أَغْلَبُ") 781، وجه الدلالة: أن المرورَ لو كان حرامًا .. لبينه، لكنه حديثٌ ضعيفٌ.
ويستثنى من التحريم: ما إذا وجد الداخلُ فُرْجَةً في الصف المتقدم .. فله المرورُ بين يدي الصف الثاني، ويقف فيها؛ لتقصير أصحاب الثاني بتركها.
وأفهم: عدم تحريم المرور إذا لم تكن ستر، وهو الأصحُّ، وكذا لو كانت وكان بينه وبينها أكثر من ثلاثة أذرع، وليس له الدفعُ على الأصحِّ؛ لتقصيره 782، قال في "الروضة": لكن الأولى: تركُ المرور، وفي "التحقيق" و"شرح مسلم": أنه مكروه 783، وقال في "الكافي": إنه يحرم المرور في حريمه إذا لم يكن سترةً، وهو: قدرُ إمكان السجود، فيحتمل كونُ ذلك تقييدًا، ويحتمل كونُه وجهًا.
(قلت: يُكره الالتفاتُ) بوجهه يمينًا وشمالًا، فإنه اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما صَحَّ في "البخاري" 784، ولمنافاته الخشوعَ، (إلّا لحاجة) فلا

الجزء: 1 - الصفحة: 283

وَرَفع بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ،

يكره؛ للاتباع كما رواه أبو داوود 785، ولا بأسَ بلَمْحِ العين بدون الالتفات، ففي "صحيح ابن حبان" من حديث علي بن شيبان الحنفي قال: (قدمنا على النبي صلّى الله عليه وسلم، فصلّينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلًا لا يقيم صُلْبَهُ في الركوع والسجود، فقال: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ") 786. (ورفع بصره إلى السماء، وكفُّ شعره أو ثوبه) لثبوت النهي عن ذلك كلِّه في "الصحيحين" 787، و (الكفّ): نقيضُ الإرسال.
قال في "شرح المهذب": ومن ذلك: أن يَعْقِص شعرَه أو يَردَّه تحت عِمامته أو يُشمِّر ثوبَه أو كُمَّه ونحو ذلك؛ كشَدِّ الوسط وغَرْزِ العَذَبَةِ، والحكمة في النهي عنه: أن ذلك يَسجُد معه 788. (ووضعُ يده على فمِه بلا حاجةٍ) لثبوت النهي عنه 789، فإن كان لحاجة .. لم يكره؛ كما لو تثاءب .. فإنه يستحق وضعها 790؛ لصحة الحديث في ذلك 791، قال ابن الملقن: (والظاهر: أنه يضمع اليسرى؛ لأنه لتنحية الأذى) 792. (والقيامُ على رجل) لمنافاته هيئة الخشوع، نعم؛ إن كان لحاجة .. لم يكره.

الجزء: 1 - الصفحة: 284

وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بِحِضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ،

(والصلاةُ حاقنًا) أي: مدافعًا للبول (أو حاقبًا) أي: مدافعًا للغائط، (أو بحضرةِ طعامِ يَتُوقُ إليه) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" رواه مسلم 793. ويكره أيضًا مدافعةُ الريح، كما قاله الرافعي 794، والشربُ كالأكل، وتوقانُ النفس في غيبة الطعام كحضوره، قاله في "الكفاية" في (صلاة الجماعة) تبعًا لابن يونس 795. وتعبيره بالتوقان قد يُفهم أنه إنما يأكل ما يَنكسر به التوقانُ، وهو ما حكياه عن الأصحاب في الكلام على الأعذار المرخِّصة في ترك الجماعة، قالا: إلّا أن يكون الطعامُ يؤتى عليه مرةً واحدة كالسويق واللَّبَنِ، لكن المصنف صوب في شرحي "المهذب" و"مسلم" أنه يأكل حاجتَه من الأكل بكمالها، والصورتان: إذا كان الوقت واسعًا، فإن ضاق .. فالأصحُّ: أنه يصلي مع المدافعة والتوقان 796. (وأن يبصق قِبَلَ وجهه، أو عن يمينه) لصحة النهي عن ذلك 797، بل عن يساره، ثم إن كان في المسجد بَصَقَ في ثوبه وحَكَّ بعضَه ببعض، وإن كان في غيره بَصَقَ في ثوبه أو تحت قدمِه، والأول أولى، قاله في "شرح المهذب" 798. (ووضعُ يده على خاصرته) للنهي عن أن يصلي الرجلُ مختصرًا، متفق عليه 799، واختلفوا في تفسيره على أقوال: أصحها: ما ذكره المصنف، والثاني: أن يتوكأ على

الجزء: 1 - الصفحة: 285

وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْكَنِيسَةِ

عصًا، الثالث: أن يختصر السورةَ فيقرأ آخرها، والرابع: أن يختصر صلاتَه فلا يتم حدودها، والخامس: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدةُ ويسجد فيها، والسادس: أن يختصر السجدةَ إذا انتهى في قراءته إليها ولا يسجدها.
(والمبالغةُ في خَفض الرأسِ في ركوعه) لأنه خلافُ المنقول، فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ركع .. لم يُشخِّص رأسَه ولم يُصوِّبه؛ أي: لم يَرفعه ولم يَخفضه 800، وقضيته: أنه لا يكره الخفض بدون مبالغة، وهو خلافُ ما دلّ عليه الحديثُ وكلام الشافعي والأصحاب، قاله السبكي.
(والصلاةُ في الحمام) لحديث: "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" صحح ابن حبان إسناده 801، وهل علة الكراهة كونه مأوى الشياطين أو خوفُ النجاسة؟ وجهان: أصحهما: الأول، فتكره في المسلخ، وفي الموضع المتحقق طهارتُه، وهي كراهةُ تنزيه.
(والطريقِ) لورود النهي عنه 802، ثم قيل: النهي لغلبة النجاسة، وقيل: لأن مرور الناس يُشغله، فتكره في طرق البراري إذا لم يكن هناك طارقون على الأول، لا الثاني، ورجح في "التحقيق" الثانِيَ، فصحَّح الكراهةَ في البنيان دون البرية 803. (والْمَزبَلةِ) لغلبة النجاسة، (والكنيسةِ) والبِيعَةِ ونحوِهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، ونقل عن ابن عباس وابن عمر.
نعم؛ لو منع أهلُ الذمة من دخولها .. حرمت؛ لأن لهم منعَنا عن ذلك كما نمنعهم من دخول مساجدنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

وَعَطَنِ الإِبِلِ وَالْمَقْبَرَةِ الطَاهِرَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(وعَطَنِ الإبلِ) لقوله عليه الصلاة والسلام: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإبِلِ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ" 804. والفرق بينهما: أن خوف نِفار الإبل يُذهب الخشوع، بخلاف الغنم، ومأوى الإبل ليلًا كعَطَنِها، إلّا أنه أخفّ من العطن، والعطنُ فسره الشافعي وأصحابُه بالموضع الذي تُنَحَّى إليه الإبلُ الشاربةُ ليشرب غيرُها، فإذا اجتمعت .. سِيقت إلى المرعَى، قال ابن المنذر: وعطن البقر كالغنم.
(والْمَقبَرةِ الطاهرةِ، والله أعلم) للنهي عنه 805، والمعنى فيه: ما تحت مصلّاه من النجاسة، قال ابن الرفعة: وقضية كلام القاضي: أن الكراهةَ لحرمة الموتى 806. قال الإسنوي: وقضية المعنيين: فرض ذلك فيما إذا حاذى الميت، حتى إذا وقف بين الموتى .. فلا كراهة، وقال ابن الرفعة بعد ذكر المعنيين: ولا فرق في الكراهة بين أن يُصلّي على القبر، أو بجانبه، أو إليه، ومنه يؤخذ كراهةُ الصلاة بجانب النجاسة، وخلفَها، قال في "المهمات": (وفيه نظر، ويحتاج إلى نقل) 807. واحترز بـ (الطاهرة): عن النجسة، وهي المنبوشة، فلا تصح الصلاةُ فيها بلا حائلٍ، فإن صلّى على حائل .. فكالطاهرة، فلو شكّ في نبشِها .. صحت بلا حائل في الأظهر مع الكراهة.


الجزء: 1 - الصفحة: 287

بابٌ [سجودُ السَّهْو]

سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. فَالأَوَّلُ: إِنْ كَانَ رُكْنًا .. وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ لِزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا؛ وَهُوَ: الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ، أَوِ التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، أَوْ قُعُودُهُ، وَكَذَا

(باب) أي: هذا بابٌ.
(سجود السهو سنةٌ) أما طلب فعله .. فللأحاديث الآتية فيه، وأما عدم وجوبه .. فلأنه لم يَنُب عن الفرض، بل شُرع لترك غير واجب، والبدل إما كالمبدل أو أخفّ.
(عند ترك مأمورٍ به، أو فعل منهيٍّ عنه) في الصلاة بشرطه الآتي، لا لغير الصلاة من العبادات، ولا لكلّ مأمور به ومنهي عنه فيها على الإطلاق، وأهمل سببًا ثالثًا وهو: إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه؛ كما إذا شكّ هل صلّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فإنه يقوم للرابعة ويسجد، قاله الإسنوي وغيرُه 808، وفيه نظر.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق في مشروعية السجود بين فرض الصلاة ونفلِها، وهو كذلك، وفي قول: لا يشرع في النفل.
(فالأول) من السببين، وهو ترك مأمور به (إن كان ركنًا .. وجب تداركُه) ولا يغني عنه السجودُ؛ لأن حقيقة الصلاة لا توجد بدونه، (وقد يُشرع السجودُ؛ لزيادةٍ حصلت بتدارك ركنٍ كما سبق في الترتيب) وهو الركن الثالثَ عشرَ من أركان الصلاة، وذلك من قوله: (وإن سها .. فما بعد المتروك لغوٌ ... ) إلى آخر المسألة، ففي تلك الصور كلِّها إذا تدارك .. سجد للسهو، كما مرّ، ومراده بما سبق: بيانُ الزيادة لا السجود، فإنه لم يذكره هناك.
(أو بعضًا) أي: وإن كان المتروك من المأمور به بعضاَّ (وهو: القنوت) أو كلمة منه، كما قاله المحب الطبري، (أو قيامُه، أو التشهدُ الأولُ، أو قعودُه، وكذا

الجزء: 1 - الصفحة: 288

الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ .. سَجَدَ، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَ عَمْدًا .. فَلَا. قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ

الصلاةُ على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) أي: في التشهد الأول (في الأظهر .. سجد) في الكل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام (ترك التشهد الأول ناسيًا، فسجد قبل أن يُسلم) متفق عليه 809، وقيس الباقي عليه، ولأن هذه الأمورَ من الشعائر الظاهرةِ المخصوصةِ بالصلاة.
واحترز بالمخصوصة عن تكبيرات العيد، فإنه لا يسجد لها؛ لأنها تشُرع في غير الصلاة، ويستثنى: قنوت النازلة، فلا يشرع السجود له على الأصحِّ.
والخلاف في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول مبني على استحباب الصلاة فيه.
ويُتصور تركُ قعود التشهد دون التشهد فيمن لا يُحسن التشهد، فإنه يقعد بقدره، فإذا تركه .. فقد ترك القعودَ فقط، وكذلك قيامُ القنوت، قاله ابن الرفعة 810، وشمل إطلاقه تركَ التشهد الأول في النفل، وبه صرح البغوي.
(وقيل: إن ترك) البعض (عمدًا .. فلا) يسجد لتقصيره، والأصحُّ: نعم؛ لأن خلل العمد أكثرُ، فكان للجبر أحوجَ.
(قلت: وكذا الصلاة على الآل) تكون بعضًا (حيث سننَّاها، والله أعلم) كما في التشهد الأول على وجه، وفي الأخير على الأصح، فإذا تركها .. سجد؛ كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر؛ لأنها لم تجب في محلّ مخصوص، بخلاف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: وقياسه: أن تُعدّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت من الأبعاض، بل هي أولى؛ لمشروعيتها في محلّ مخصوص، وتبطل الصلاةُ بتركها في الجملة.
وقد يُفرَّق بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت وبين الصلاة عليه في التشهد الأول بأنها واجبة في التشهد في الجملة، قال الإسنوي: وينبغي عدّ الصلاة على الآل في القنوت بعضًا حيث ندبناها فيه، وهو الصحيح، وقد جزم بعدّه في

الجزء: 1 - الصفحة: 289

وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ. وَالثَّانِي: إِنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ كَالالْتِفَاتِ وَالْخَطْوَتينِ .. لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، وَإِلَّا .. سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ؛ كَكَلَامٍ كَثيرٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الأَصَحِّ

"الإقليد" انتهى، وفيه نظر؛ لما ذكرناه، ويتصور السجود بترك الصلاة على الآل بما إذا تيقن تركَ إمامه له بعد أن سلم إمامُه وقبل أن يُسلم هو.
(ولا تُجبَر سائرُ السنن) أي: باقيها بالسجود؛ لأن سجود السهو زيادةٌ في الصلاة، فلا تجوز إلا بتوقيف، ولم يرد إلّا في بعض الأبعاض، وقسنا باقيها عليه لتأكده، وبقي ما عداها على الأصل.
(والثاني) وهو فعل المنهي عنه (إن لم يُبطل عمدُه؛ كالالتفات والخطوتين .. لم يسجد لسهوه) ولا لعمده؛ إذ عمده في محلّ العفو، فسهوه أولى، وسيأتي ما يستثنى من ذلك.
(وإلّا) أي: وإن أبطل عمده الصلاة ( .. سجد إن لم تبطل بسهوه) كزيادة ركوع وسجود، وقليل كلام؛ لأنه عليه السلام (صلّى الظهر خمسًا ثم سجد للسهو) متفق عليه 811، فإن بطلت بسهوه (ككلامٍ كثيرٍ في الأصح) فلا سجود؛ لأنه ليس في صلاة.
وقوله: (في الأصح) عائد على التمثيل وهو الكلام الكثير، لا إلى قوله: (سجد).
ويستثنى: ما لو تنفل على دابةٍ وحَوَّلَها عن صَوْب مَقصِده، وعاد على الفور .. فإنّ عمد ذلك مبطل، لاسهوَه، ولا يسجد لسهوه على النص، وصححه في "التحقيق" و"شرح المهذب" وهو قضية "الروضة" هناك 812. (وتطويل الركن القصير يُبطِل عمدُه في الأصح) لأنه يُخل بالموالاة؛ كما قاله الإمام 813، وسواء طوله بسكوت أو قنوت في غير موضعه، أو ذكر آخر، والثاني: أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 290

فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، فَالاعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتينِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كـ (فَاتِحَةٍ) فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ .. لَمْ تبطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، ويسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الأَصَحِّ، فَعَلَى هَذَا: تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ قَوْلِنَا: (مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ)

لا يبطل، لصحة الحديث فيه في "مسلم" 814. (فيسجد لسهوه) قطعًا إن قلنا: يبطل عمده، وكذا إذا قلنا: لا يبطل عمده على الأصحِّ؛ لإخلاله بصورة الصلاة.
(فالاعتدال قصيرٌ) بالنسبة إلى غير القنوت وصلاةِ التسبيح؛ لأنه ليس مقصودًا لنفسه وإن كان ركنًا، وإنما الغرض منه الفصلُ بين الركوع والسجود، (وكذا الجلوسُ بين السجدتين في الأصح) لأن المقصود الفصل؛ كالاعتدال، والثاني: أنه طويل؛ لصحة الحديث بتطويله 815، وصححه في "التحقيق" 816. (ولو نقل ركنًا قوليًّا؛ كفاتحة) أو بعضها (في ركوعٍ أو تشهدٍ .. لم تبطل بعمده في الأصح) لأنه لا يُخل بصورتها، بخلاف نقل الركن الفعلي، والثاني: تبطل؛ كتكرير الركن الفعلي.
ويستثنى من إطلاقه الركن القولي: نقل السلام، فإنه مبطل.
(ويسجد لسهوه في الأصح) لتركه التحفظ المأمور به، والثاني: لا؛ كغيره مما لا يبطل عمده.
وقضية قوله: (لسهوه): أنه لا يسجد لعمده، وفي "شرح المهذب" خلافه 817. (فعلى هذا) أي: الأصح (تستتثى هذه الصورةُ عن قولنا: ما لا يُبطِل عمدُه لا سجودَ لسهوه) ويستثنى أيضًا مسائلُ: منها: ما لو قنت قبل الركوع .. فإنّ عمدَه لا يبطل، ويسجد لسهوه على الأصحِّ المنصوص؛ كما ذكره في "الروضة" في

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ .. لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ .. بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا .. فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلًا .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

(صفة الصلاة) 818، وقيده الخوارزمي والمعافى الموصلى بما إذا أتى به على نية القنوت، وإلّا .. فلا يسجد، ومنها: إذا فرقهم في الخوف أربعَ فرق وصلّى بكل فرقةٍ ركعةً، أو فرقتين وصلّى بإحداهما [ركعة وبالأخرى] ثلاثًا 819 .. فإنه يجوز على المشهور مع الكراهة، ويسجد للسهو؛ للمخالفة بالانتظار في غير موضعه، نقله في "الروضة" هناك عن النص 820، ومنها: المسألة الآتية عقبه.
(ولو نسي التشهدَ الأولَ) إما مع نسيان القعود، أو مع الإتيان به (فذكره بعدَ انتصابه .. لم يعد له) لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه بسنة، (فإن عاد) عامدًا (عالمًا بتحريمه .. بطلت) لأنه زاد قعودًا عمدًا، (أو) عاد له (ناسيًا .. فلا) تبطل وإن كان عالمًا بالتحريم؛ لرفع القلم عنه.
نعم؛ يلزمه القيامُ عند التذكر، (ويسجد للسهو) لأنه ترك تشهدًا وزاد جلوسًا، (أو جاهلًا) بتحريم العود ( .. فكذا في الأصح) أي: هو كالناسي؛ لأنه مما يخفى على العوام، والثاني: تبطل، لتقصيره بترك التعلم.
(وللمأموم العَوْدُ لمتابعة إمامِه في الأصح) فيما إذا جلس الإمام للتشهد الأول وانتصب المأموم ناسيًا، أو نهضا جميعًا، ولكن تذكر الإمامُ فعاد قبل انتصابه، وانتصب المأموم؛ لأن المتابعة فرضٌ، فرجوعُه رجوعٌ إلى فرض لا إلى سنة، والثاني: يحرم العود، كالمنفرد، بل ينتظر إمامَه قائمًا.
(قلت: الأصح: وجوبُه، والله أعلم) لأن متابعة الإمام آكد مما ذكروه من التلبس بالفرض، ولهذا سقط بها القيامُ والقراءة عن المسبوق، فإن لم يعد .. بطلت صلاته، وشمل إطلاقه القائم عمدًا، لكن رجح هنا في "التحقيق" و"شرح

الجزء: 1 - الصفحة: 292

وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ .. عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إِنْ كَانَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ .. بَطَلَتْ إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ .. لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ .. عَادَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ. وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ .. سَجَدَ، أَوِ ارْتِكَابِ نَهْيٍ .. فَلَا

المهذب": أنه لا يجب على القائم عمدًا العود بل يستحب، ونقله عن "الأم" 821. (ولو تذكر) التشهد الأول (قبلَ انتصابِه .. عادَ للتشهد) لأنه لم يتلبس بفرض، والمراد بالانتصاب: الاستواء معتدلًا على الأصح.
(ويَسجد إن كان صار إلى القيامِ أقربَ) منه إلى القعود؛ لأنه أتى بفعل غيرِ نظم الصلاة، ولو أتى به عمدًا في غير موضعه .. لبطلت صلاتُه كما سيأتي، فيسجد لسهوه، وإن كان إلى القعود أقربَ، أو على السواء .. لم يسجد؛ لأنه لا يبطل عمده.
وهذا التفصيل هو المرجح في "الشرحين"، وفي "الروضة" في آخر كلامه، لكن كلامه أولًا يقتضي: أن الأصحَّ: أنه لا يسجد مطلقًا، ونقله الرافعي في "الشرح" عن تصحيح العراقيين، وعلّله بأنه عملٌ قليلٌ، وصححه المصنف في "التحقيق" و"التصحيح"، وقال في "شرح المهذب": (إنه الأصح عند الجمهور)، قال في "المهمات": فالفتوى عليه؛ لموافقة الأكثرين 822. (ولو نَهَضَ عمدًا) أي: قصد ترك التشهد الأول (فعاد) له عمدًا ( .. بطلت إن كان إلى القيام أقربَ) فإن عاد قبله .. فلا، لما تقدم، وهذا قسيم قوله أولًا: (ولو نسي التشهد الأول).
(ولو نسي قنوتًا فذكره في سجودِه .. لم يَعُدْ له) لتلبسه بفرض، (أو قبلَه .. عاد) له؛ إذ لم يتلبس بفرض (وسجد للسهو إن بلغ حدَّ الراكع) لأنه زاد ركوعًا سهوًا، والعمد به مبطل، وهذا قيد في السجود خاصةً، لا في العود.
(ولو شك في ترك بعضٍ .. سجد، أو ارتكابِ نهيٍ .. فلا) لأن الأصل فيهما عدمُ

الجزء: 1 - الصفحة: 293

وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ .. فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ: أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا .. أَتىَ بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا. وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ فِيهَا .. لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ .. سَجَدَ

الفعل، وصورة المسألة: أن يكون البعضُ معينًا، فإن شكّ هل ترك بعضًا من حيث الجملة أم لا؟ .. لم يسجد؛ كالشك في أنه سها، نقلاه عن "التهذيب"، وأقراه 823. (ولو سها وشكّ هل سَجد) للسهو أم لا ( .. فليسجد) لأن الأصل عدم السجود، (ولو شكّ أصلّى ثلاثًا أم أربعًا .. أتى بركعةٍ وسَجَدَ) لقوله عليه السلام: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا .. فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا .. شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ .. كَانَتْ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" رواه مسلم 824. (والأصح: أنه يَسجُد وإن زال شكُّه قبلَ سلامِه) لأن الأصحَّ: أن سبب السجود الترددُ في أن الركعة المفعولةَ زائدةٌ، وقيل: سببُه الخبرُ، ولا يظهر معناه، فعلى هذا: لا يسجد؛ لأن ظاهرَه إنما ورد في دوام الشك إلى السلام، (وكذا حكمُ ما يُصلِّيه مترددًا واحتمل كونُه زائدًا) لما مرّ.
(ولا يسجد لما يجب بكلّ حالٍ إذا زال شكُّه، مثاله: شكّ) في رباعية (في الثالثة) منها في نفس الأمر (أثالثة هي أم رابعة؟ فتذكر فيها) أي: في الثالثة أنها ثالثة ( .. لم يسجد) إذ لم يأت حالَ شكّه بزائد على كلّ تقدير، (أو) تذكر (في الرابعة .. سجد) لتردده حالَ قيامه إليها هل هي رابعة أو خامسة؟ فقد أتى بزائد على تقدير دون تقدير.
ولو تذكر في قيامه إلى الرابعة .. قال الإسنوي: القياس: أنه إن صار إلى القيام

الجزء: 1 - الصفحة: 294

وَلَوْ شَك بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ .. لَم يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ، فَبَان خِلَافُهُ .. سَلَّمَ مَعَهُ وَلَا سُجُودَ. وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ .. قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ إِلَى رَكْعَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ. وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَحْمِلُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ

أقرب .. سجد، وإلّا .. فلا، ويحتمل أن يسجد مطلقًا؛ بناءً على أن الانتقالات واجبةٌ 825. (ولو شك بعد السلام في ترك فرض .. لم يؤثر على المشهور) لأن الظاهر: مضيها على الصحة، والثاني: يؤثر؛ لأن الأصلَ عدمُ الفعل، فيتدارك المشكوك وما بعده، ويسجد للسهو.
ومحل الخلاف: إذا لم يطل الفصلُ، فإن طال .. لم يؤثر قطعًا؛ لكثرة الشكوك عند الطول، وقيل: على القولين، وهو قضية إطلاق "الكتاب".
(وسهوُه) أي: المأموم (حال قدوته يَحمله إمامُه) كما يتحمل الجهرَ والفاتحةَ والسورةَ وغيرَ ذلك، ولا فرق بين القدوة الحسية والحكمية؛ كما سيأتي في (صلاة الخوف) عند قوله: (وسهو كل فرقة)، وفي (الجمعة) فيما لو زُحم عن السجود، واحترز بحال القدوة: عن سهوه قبل القدوة وبعدها، فإنه لا يحمله، وفي المسألة اضطراب.
(فلو ظن سلامَه فسلم، فبان خلافُه .. سلم معه) أي: مع إمامه؛ لامتناع تقدمه على سلام إمامه؛ كما سيأتي في بابه، (ولا سجودَ) لسهوه حال القدوة، فيتحمله إمامه.
(ولو ذكر) المأموم (في تشهده تَرْكَ ركن) لا يعرف ما هو (غيرِ النية والتكبير) للتحرم ( .. قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) ولا يجوز أن يعود إلى تداركه؛ لما فيه من ترك المتابعة الواجبة، (ولا يسجد) لوجود سهوه حال القدوة، وإنما استثنى النيةَ وتكبيرةَ الإحرام؛ لأن تركهما يوجب الاستئناف.
(وسهوُه بعد سلامه) أي: الإمام (لا يحمله) لانتهاء القدوة (فلو سلم المسبوقُ

الجزء: 1 - الصفحة: 295

بِسَلَامِ إِمَامِهِ .. بَنَى وَسَجَدَ وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ .. لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلَّا .. فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ. وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ .. سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ

بسلام إمامه .. بَنَى) إذا لم يطل الزمانُ (وسجد) لوقوع سلامه بعد انفراده، (ويلحقه سهوُ إمامه) لأن الخللَ بذلك يتطرق إلى صلاته.
ويستثنى: ما لو بان حدثُ الإمام، فإنه لا يلحقه سهوه، ولا يتحمل الإمامُ عنه، وما إذا علم سببَ سهو الإمام وتيقن أنه مخطئ في ظنه؛ كما إذا ظن الإمامُ أنه ترك بعضًا، والمأموم يتيقن عدمَ تركه له .. فلا يوافقه إذا سجد.
(فإن سجد .. لزمه متابعتُه) أي: إذا سها الإمامُ وحده دون المأموم، فسجد الإمام لسهوه .. سجد المأمومُ معه؛ لما مرّ.
(وإلّا) أي: وإن لم يسجد الإمامُ إما عمدًا أو سهوًا، أو اعتقادًا منه أنه بعد السلام ( .. فيسجد) المأموم (على النصّ) جبرًا للخلل، وفي قول مُخرَّج: أنه لا يسجد؛ لأنه لم يَسْهُ، ومدرك الخلاف: أن سجودَه معه هل هو لسهو إمامه أو لمجرد المتابعة؟ والأصحُّ: الأول.
(ولو اقتدى مسبوقٌ بمن سَهَا بعد اقتدائه، وكذا قبله في الأصح .. فالصحيح: أنه يسجد معه) للمتابعة، (ثم) يسجد ثانيًا (في آخر صلاته) لأنه محلّ الجبر بالسجود، والثاني: لا يسجد معه، لأن محلّ السجود آخرُ الصلاة، والثالث: يسجد معه ولا يسجد في آخر صلاته؛ لأنه لم يَسْهُ.
وقوله: (وكذا قبله في الأصح) أي: فحكمه حكمُ ما لو سها بعد اقتدائه؛ لأن صلاةَ المأموم إنما كملت بسبب اقتدائه بالإمام، فاذا تطرق نقصٌ إلى صلاة الإمامِ .. تعدى إلى صلاة المأموم، ومقابل الأصحِّ: أنه لا يسجد لا مع الإمام ولا في آخر صلاةِ نفسِه؛ لأنه لم يَسْهُ.
(فإن لم يسجد الإمام .. سجد) المسبوق المقتدي به (آخرَ صلاةِ نفسِه على النص) في حالتي السهو قبل الاقتداء وبعده؛ لما مرّ في المأموم الموافق، وفيه القول الْمُخرَّج.

الجزء: 1 - الصفحة: 296

وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ. فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا .. فَاتَ فِي الأَصَحِّ،

(وسجود السهو وإن كثر) السهو (سجدتان) لاقتصاره عليه الصلاة والسلام عليهما في قصة ذي اليدين مع تعدده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ من اثنتين وتكلّم ومشى 826، فلو سجد ناويًا للبعض .. قال في "البحر": فيحتمل الجواز، ويحتمل البطلان؛ لأنه زاد سجودًا على غير المشروع، ويحتمل أنه إن نوى الأول .. أجزأه، وإلّا .. فلا 827. وحكى ابن عبدان في "شرائط الأحكام" وجهًا أنه إذا سها بالزيادة والنقصان .. سجد أربع سجدات، وقيل: يتعدد إذا تعدد سببُه، حكاه أبو الخير بن جماعة المقدسي في "كتاب الوسائل"، وقد يتعدد سجودُ السهو صورةً، لا حكمًا في صور تأتي في آخر الباب.
(كسجود الصلاه) في الأركان والشرائط والمستحبات، (والجديد: أن محلّه بين تشهده وسلامه) لأنه سجودٌ وقع سببُه في الصلاة، فكان فيها كسجود التلاوة، قال الزهري: (وهو آخر الأمرين من فعله صلى الله عليه وسلم) 828، ومقابله: قديمان: أحدهما: أنه إن سها بنقص .. سجد قبل السلام، أو بزيادة .. فبعده، والثاني: أنه يتخير بين التقديم والتأخير؛ لثبوت الأمرين، والخلاف في الإجزاء، وقيل: في الأفضل، وادعى الماوردي اتفاقَ الفقهاء عليه 829. وقوله: (بين تشهده) أي: مع الذكر الذي بعده، وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا المستحبات؛ كالصلاة على الآل والأدعية.
(فإن سلّم عمدًا .. فات) السجود (في الأصح) تفريعًا على الجديد؛ لقطعه الصلاة بسلامه، والثاني: لا إن قرب الفصل؛ كما لو سلم ناسيًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 297

أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ .. فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، وَإِلَّا .. فَلَا عَلَى النَّصِّ. وَإِذَا سَجَدَ .. صَارَ عَائِدًا إِلَى الصلَاةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سَهَا إِمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا .. أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا. وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ .. سَجَدَ فِي الأَصَحِّ

(أو سهوًا وطال الفصل .. فات في الجديد) لفوات محلّه بالسلام، وتعذر البناء بالطول، والقديم: لا يفوت؛ لأنه جبران عبادةٍ، فلم يسقط بالتطاول؛ كجبرانات الحج، (وإلّا) أي: وإن لم يطل ( .. فلا) يفوت (على النص) لأنه عليه الصلاة والسلام صلّى الظهر خمسًا، فقيل له، فسجد للسهو بعد السلام، متفق عليه 830، وقيل: يفوت؛ لأن السلام ركن وقع في محلّه، فلا يعود إلى سنة شرعت قبله، ومرجع الطول والقصر إلى العرف.
(وإذا سجد) عند قصر الفصل، أو عند طوله على القديم ( .. صار عائدًا إلى الصلاة في الأصح) لأن نسيانه يخرج سلامه عن كونه مُحلّلًا؛ كما لو سلم ناسيًا لركن، والثاني: لا يصير؛ لأن التحلل حصل بالسلام، ولهذا لا تجب إعادتُه، ولا العودُ إلى الصلاة، وفائدة الخلاف: بطلانُ الصلاة بمفسد وقع في السجود.
(ولو سها إمامُ الجمعة وسجدوا) للسهو (فبان فوتُها .. أتموا ظهرًا) لما يأتي في بابه، (وسجدوا) للسهو ثانيًا آخر الصلاة؛ لأن ذلك محلّه، وقد تبين أن المأتي به في غير محلّه.
(ولو ظن سهوًا فسجد، فبان عدمُه .. سجد في الأصح) لأنه زاد سجدتين سهوًا، والثاني: لا؛ لأن سجود السهو يجبر كلّ خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره؛ كإخراج شاة من أربعين تزكي نفسَها وغيرَها، وهاتان الصورتان تعدد فيهما سجود السهو صورةً لا حكمًا، ويلتحق بهما صور، منها: إذا سجد في آخر صلاة مقصورة ثم لزمه الإتمام فأتم .. فإنه يسجد في آخرها أيضًا.


الجزء: 1 - الصفحة: 298

بابٌ في سجود التّلاوة والشّكر

تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ، وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا (الْحَجِّ)،

(باب: في سجود التلاوة والشكر) (تُسنُّ سجداتُ التلاوة) للإجماع على طلبها، والأحاديث شهيرة في ذلك 831، وإنما لم تجب؛ لتركه عليه الصلاة والسلام السجود في سجدة (والنجم)، متفق عليه 832، ولقول عمر رضي الله عنه: (من لم يسجد .. فلا إثم عليه، إنّ الله تعالى لم يفرض السجود إلّا أن نشاء) رواه البخاري 833، ولا يقوم الركوعُ مقام هذه السجدةِ خلافًا للخطابي.
(وهنّ في الجديد أربعَ عشرةَ) سجدة (منها سجدتا الحج) وسجدة في (الأعراف)، وسجدة في (الرعد)، وسجدة في (النحل)، وسجدة في (الإسراء)، وسجدة في (مريم)، وسجدة في (الفرقان)، وسجدة في (النمل)، وسجدة في (ألم تنزيل)، وسجدة في (حم السجدة)، وسجدة في (النجم)، وسجدة في (إذا السماء انشقت)، وسجدة في (اقرأ).
وأسقط في القديم سجداتِ (المفصل)، وهي الثلاثة الأخيرة؛ لحديث فيه ضعيف 834. ودليل الجديد: ما رواه عمرو بن العاص قال: (أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان)، رواه أبو داوود والحاكم بإسناد حسن 835.

الجزء: 1 - الصفحة: 299

لَا (ص)؛ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تستَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ،

وعدها في الحديث خمس عشرة؛ لأجل (ص) فإنّ السجود مشروعٌ لها بالشرط الآتي، وإنما لم يَعدّها المصنفُ لأنها سجدةُ شكر، وكلامُه في سجدات التلاوة، ومواضعُ السجدات معروفةٌ، وفي بعضها خلافٌ يُعرف بمراجعة المبسوطات.
(لا) سجدة ("ص"؛ بل هي سجدة شكر) على قبول توبة داوود عليه السلام؛ لحديث: "سَجْدَةُ "ص" سَجَدَهَا دَاوُودُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا"، وهذا وإن كان مرسلًا فهو حجةٌ 836، لاعتضاده بقول الصحابي، وهو ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: ("ص" ليست من عزائم السجود، وقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَسجد فيها 837. (تُستحب في غير الصلاة) لأنه صلى الله عليه وسلم قرأها مرةً على المنبر ونزل، فسجد وسجد الناسُ معه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم 838، (وتحرم فيها في الأصح) كسائر سجود الشكر، فإن فعل ذلك عامدًا عالمًا بالتحريم .. بَطَلت صلاتُه، أو ناسيًا أو جاهلًا .. فلا، ويسجد للسهو، قاله في "الروضة" 839، والثاني: لا تحرم؛ لأن سببها التلاوةُ، بخلاف غيرِها من سجود الشكر.
(وتُسن للقارئ والمستمع) بالإجماع، ويستثنى من إطلاقه القارئَ: ما لو قرأ المصلِّي آيةَ سجدةٍ في غير محلّ القراءةِ؛ كالركوع والسجود .. فلا يسجد، فإن سجد .. بَطَلت صلاته، وما لو قرأها في الجنازة .. فإنه لا يسجد فيها، وكذا لا يسجد بعدَ فراغِها على الأصحِّ.
ويستثنى من إطلاقه المستمعَ: مَن استمع حيث لا يندب له؛ كالمنفرد والمأموم،

الجزء: 1 - الصفحة: 300

وَتَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ

والقارئُ غيرُ إمامه .. فإنّه لا يسجد؛ لأن الاستماع لقراءة غيرِ الإمام مكروهٌ، فلو سجد .. بَطَلت صلاتُه؛ لأن سببها لم يوجد في صلاته.
وشمل إطلاقه المستمعَ لقراءة محدث وصبي وكافر، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" و"التحقيق" و"أصل الروضة"، لكن في "فتاوى القاضي الحسين": أن قراءة الجنب والسكران لا تقتضي سجودَ التلاوة، خلافًا لأبي حنيفة 840. وذكر المصنف في "التبيان" أنه لا يسجد لقراءة السكران 841. وإذا سجد المستمع مع القارئ .. فلا يرتبط به، ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفعُ من السجود قبله، قاله في "الروضة"، وفي "الكفاية" عن القاضي: أنه لا يجب، لكن يجوز، وهو لا ينافي كلام "الروضة" 842. (وتتأكدُ له) أي: للمستمع (بسجود القارئ) للاتفاق على استحبابه في هذه الحالةِ للمستمع، بخلاف ما إذا لم يسجد .. فإنه لا يُستحب له على وجه.
(قلت: وتسن للسامع، والله أعلم) وهو الذي لم يقصد السماعَ، بل سمع من غير قصد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، دخل فيه السامع والمستمع، ومن لم يَسمع بالكلية وإن تناوله الإطلاق أيضًا .. فهو خارج بالاتفاق وإن علم ذلك برؤية الساجدين، ولا يتأكد في حقّ السامع تأَكُّده في حقّ المستمع؛ لقول ابن عباس: (السجدة لمن استمع) رواه البيهقي، وعلقه البخاري بصيغة الجزم عن عثمان، وعمران بن الحصين رضي الله عنهما 843.

الجزء: 1 - الصفحة: 301

وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ .. سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ، أَوِ انْعَكَسَ .. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ .. نَوَي وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيهِ، ثُمَّ لِلْهُوِيِّ بِلَا رَفْعٍ، وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ. وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْط عَلَى الصَّحِيحِ،

(وإن قرأ في الصلاة) في محلّ القراءة ولو قبل الفاتحة ( .. سجد الإمام والمنفردُ لقراءته فقط) أي: سجد كلٌّ منهما لقراءة نفسه؛ لما سبق، (والمأمومُ لسجدة إمامه) فقط، فلو سجد لقراءة نفسه أو غيرِه .. بَطَلت صلاتُه؛ للمخالفة، ولهذا يُكره قراءة السجدة للمأموم، ولا يكره للإمام كما ستعرفه.
(فإن سجد إمامُه فتخلّف، أو انعكس) بأن سجد دون إمامه ( .. بطلت صلاته) للمخالفة، وقيل: لا تبطل في الصورة الثانية، حكاه مُجلِّي.
ولا يُكره للإمام قراءةُ آية سجدة في جهرية، ولا سرية عندنا، إلّا أنه إذا قرأها في السرية .. استحب له تأخيرُ السجود إلى فراغه من الصلاة كما نقله في "الروضة" عن "البحر" وأقره 844. (ومن سجد خارج الصلاة .. نوى) للحديث المشهور 845، (وكبَّر للإحرام) للاتباع، كما أخرجه أبو داوود بإسناد ضعيف 846، وقياسًا على الصلاة، (رافعًا يديه) كما في تكبيرة الإحرام، ولا يُستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في "الروضة" 847، (ثم) كبر (للهُوي بلا رفع) ليديْه (وسجد) سجدةً (كسجدة الصلاة) في صفاتِها المارةِ، (ورفع مكبرًا وسلم) بعد القعود؛ كالصلاة.
(وتكبيرةُ الإحرام شرطٌ على الصحيح) لما سبق، والمراد بالشرط: ما لا بدّ منه؛ إذ النية والسلامُ من الأركان، والثاني: أنها سنةٌ؛ لأن سجودَ التلاوة ليس صلاةً بانفراده حتى يكون له تحرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

وَكَذَا السَّلَامُ فِي الأَظْهَرِ. وَتشتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا .. كَبَّرَ لِلْهُوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ

(وكذا السلامُ في الأظهر) قياسًا على التحرم، والثاني: لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة.
وعلى الأول: لا يشترط التشهد في الأصحِّ، بل الأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه لا يستحب 848. وسكت المصنفُ عن النية، والمعروف: وجوبُها، ونقل الرافعي عن "الوسيط" أنها لا تجب، ثم قال: (وهو متأيد بقول الشافعي: وأقلّه: سجدةٌ بلا شروع ولا سلام) 849، وحكاه في "النهاية" وجهًا، وقال: كان شيخي لا يذكر غيرَه، ونَصُّ الشافعي يوافقه 850. (وتشترط شروطُ الصلاة) كالطهارة وغيرِها؟ لأنها صلاةٌ في الحقيقة، كذا علّله صاحبا "المهذب" و"البحر" 851، ويشترط أيضًا: دخولُ وقت السجود، قال في "شرح المهذب": (بأن يكون قد قرأ الآيةَ أو سمعها)، وفي "الشرحين" و"الروضة" نحوُه 852. وقضية ذلك: أن سماع الآية بكمالها شرطٌ كالقراءة، حتى لا تكفي كلمةُ السجدة ونحوُها، وحينئذ لو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة ولو بحرفٍ واحدٍ .. لم يجز، ويشترط أيضًا: الكفُّ عن المفسدات؛ كالكلام والأكلِ والفعلِ؛ فإنّ المصنف لم يَعُدَّها هناك من الشروط.
(ومن سجد فيها) أي: في الصلاة ( .. كبر للهُوي وللرفع) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كلّ خفض ورفع في الصلاة 853، (ولا يرفع يديه)

الجزء: 1 - الصفحة: 303

قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاسْتِرَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقُولُ: (سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلهِ وَقُوَّتهِ). وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ .. سَجَدَ لِكُلٍّ،

فيهما معًا؛ كما في صلب الصلاة.
وقوله: (وللرفع) من زوائده على "المحرّر" 854. (قلت: ولا يجلس للاستراحة، والله أعلم) لعدم وروده.
(ويقول: سجد وجهيَ للذي خلقه وصوّره، وشقّ سمعَه وبصره بحوله وقوته) رواه أبو داوود وغيرُه من حديث عائشة، وصححه الترمذي 855. نعم؛ لم يرد فيه (وصوره)، ولم يذكرها المصنفُ في "التحقيق"، ولكن ثبتت في "مسلم" في سجود الصلاة 856. ويستحب أيضًا: أن يقول: (اللهم؛ اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وِزْرًا، واقبلها 857 مني كما قبلتها من عبدك داوود) رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم 858. وفي "الإحياء" يدعو في سجوده بما يليق بالآية المتلوّة، ففي (ألم تنزيل) يقول: (اللهم؛ اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وعلى أوليائك)، ويقول في (الإسراء): (اللهم؛ اجعلني من الباكين إليك، والخاشعين لك)، ونحا نحوه صاحب "البحر" 859. (ولو كرر آيةً في مجلسين .. سجد لكل) لتجدد السبب بعد توفية الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 304

وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ .. لَمْ يَسْجُدْ. وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ. وَتسُنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَىً أَوْ عَاصٍ

ما يقتضيه، (وكذا المجلس في الأصح) لما ذكرناه، والثاني: يكفيه الأولى؛ كما لو كرّرها قبل أن يَسجد للأولى، والثالث: إن طال الفصل .. سجد لكل مرّة، وإلّا .. فلا.
(وركعةٌ كمجلس) وإن طالت (وركعتان كمجلسين) وإن قصرتا؛ نظرًا إلى الاسم، (فإن لم يسجد وطال الفصل .. لم يسجد) لأنه من توابع القراءة، ولا قضاء على الأصحِّ؛ لأنه ذو سبب عارضٍ فلم يقض؛ كالخسوف 860 والاستسقاء، وسواء كان التأخيرُ لعذر أم غيرِه كما اقتضاه إطلاقُ المصنف وغيره.
(وسجدة الشكر لا تَدخل الصلاةَ) لأن سببها ليس له تعلقٌ بالصلاة، بخلاف سجدة التلاوة، فإن فَعلها فيها .. بَطَلت صلاتُه كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأصحاب 861. (وتُسن لِهُجوم نعمةٍ) كحدوث ولد، ومال، وجاه، ونصر على الأعداء، وقدوم غائب، وشفاء مريض، (أو اندفاع نقمةٍ) كنجاة مما ظنّ وقوعه فيه؛ كالهدم والغرق ونحوهما، وكذا حدوثُ المطر عند القحط، وزواله عند خوف التأذي به؛ لثبوت الأحاديث في ذلك.
واحترز بهجوم النعمة: عن استمرارها؛ كالعافية والإسلام، فإنه لا يستحب لها؛ لأنه يؤدي إلى استغراق العمر.
(أو رؤيهِ مبتلىً) في بدنه أو غيره شكرًا لله تعالى على سلامته، (أو عاصٍ) لأن مصيبة الدين أشدّ من مصيبة الدنيا، وقيد في "الكفاية" العاصي بكونه يتظاهر بمعصيته، ونقله عن الأصحاب، وفي معنى الفاسق: الكافر، وبه صرح في "البحر" 862.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لَا لِلْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ .. جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا.

(ويُظهرها للعاصي) تعييرًا له لَعلَّه يتوب.
نعم؛ إن خاف فتنةً أو ضررًا .. أخفاها، قاله في "شرح المهذب" 863. (لا للمبتلَى) لئلا ينكسر قلبُه، وذكر ابن يونس في "شرح التعجيز" أنه يُظهرها للمبتلى إذا كان غيرَ معذور؛ كالمقطوع في السرقة، وفيه نظرٌ؛ لأن المقطوع إن تاب .. فالسجود على البلية خاصة، فلا يظهر، وإن لم يتب .. سجد، وأظهر، ولكنّ السجود إنما هو للمعصية لا للبلية، فإذًا لا تحقيق فيما قاله.
انتهى، قاله الإسنوي 864، وما قاله ابن يونس ذكره القاضي والفوراني 865. (وهي) أي: سجدة الشكر (كسجدة التلاوة) المفعولة خارجَ الصلاة في كيفيتها وشرائطها كما قاله في "المحرّر" لما مرّ في تلك 866. (والأصح: جوازهما) أي: سجدةِ التلاوة خارجَ الصلاة، وسجدةِ الشكر (على الراحلة للمسافر) بالإيماء، بخلاف الجنازة على الراجح وإن كان في إقامة كل عليهما إبطال ركنه الأعظم، وهو تمكينُ الجبهة من موضع السجود، والقيام في الجنازة؛ لأن الجنازة تندر فلا يشق النزول لها، ولأن حرمةَ الميت تقتضي النزولَ.
واحترزت بقولي: (بالإيماء) عما لو كان في مرقد، وأتم السجود .. فإنه يجوز قطعًا، والماشي يسجد على الأرض على الصحيح؛ كسجود الصلاة.
(فإن سجد لتلاوة صلاةٍ .. جاز عليها قطعًا) بالإيماء تبعًا للنافلة كسجود السهو، وهذا التفصيل لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تفعل في الصلاة.


الجزء: 1 - الصفحة: 306

بابٌ [في صلاة النّفل]

صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْم لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: فَمِنْهُ: الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ؛ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ،

(باب) (صلاةُ النفل قسمان) النفل لغة: الزيادة، واصطلاحًا: ما عدا الفرائضَ، سُمِّي بذلك؛ لزيادته على ما فرضه الله تعالى (قسمٌ لا يُسن جماعةً) لمواظبته عليه السلام على فعله فرادى وإن كانت الجماعةُ فيه جائزةً من غير كراهةٍ؛ لاقتداء ابن عباس بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونةَ في التهجد، متفق عليه 867. و(جماعة) منصوب على التمييز منقول من المفعول الذي لم يسمّ فاعلُه، لا على الحال، وإلّا .. كان معناه نفي السنة عنه حال كونه في جماعة، وليس كذلك، قاله الإسنوي.
(فمنه: الرواتب مع الفرائض) الرواتب هي التابعةُ للفرائض على المشهور، وقيل: إنها المؤقَّتة بوقت مخصوصٍ؛ فالعيد والضحى والتراويح راتبةٌ على الثاني، لا الأول، والحكمةُ في مشروعية الرواتب: تكميلُ ما نَقَصَ من الفرائض.
(وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وكذا بعدها وبعد المغرب والعشاء) لحديث ابن عمر: (صليتُ مع النبي صلّى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين بعد الجمعة) 868 متفق عليه 869، وفي بعض طرقه: (وحدثتني أختي حفصةُ أن النبي

الجزء: 1 - الصفحة: 307

وَقِيلَ: لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: وَأَرْبَع بَعْدَهَا، وَقِيلَ: وَأَرْبَع قَبْلَ الْعَصْرِ. وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ. وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ. قُلْتُ: هُمَا سُنَّة عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" الأَمْرُ بِهِمَا،

صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر) 870. (وقيل: لا راتبة للعشاء) لجواز كون الركعتين بعدها من صلاة الليل 871. (وقيل: أربعٌ قبل الظهر) لأنه عليه السلام كان لا يَدعها، رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها 872. (وقيل: وأربعٌ بعدها) لقوله عليه السلام: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا .. حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ" رواه الترمذي والحاكم، وصححاه 873. (وقيل: وأربعٌ قبل العصر) للاتباع، كما رواه الترمذي وحسنه 874. (والجميع سنة) راتبة قطعًا؛ لورود ذلك في الأخبار، (وإنما الخلاف في الراتب المؤكَّد) فقيل: الجميع راتب مؤكد، لظاهر ما مرّ من الأدلة، وقيل: المؤكد هو العشرة المذكورة أولًا فقط، للمواظبة عليها، (وقيل: ركعتان خفيفتان قبل المغرب) لما سيأتي، (قلت: هما سنة على الصحيح، ففي "صحيح البخاري" الأمرُ بهما) ولفظ رواية "البخاري" عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 308

وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَع، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْه: الْوِتْرُ،

وسلم قال: ("صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ" -قال في الثالثة: - "لِمَنْ شَاءَ" كراهة أن يتخذها الناسُ سنة) 875. والمراد بالسنة في الحديث: الشريعة اللازمة، نحو: (مضت السنة في كل أربعين جمعة) لا الاستحباب، فإنه ثابت بأول الحديث.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس رضي الله عنه: (أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما إذا أذن المغرب) 876، وفي رواية لمسلم: (حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صُليت من كثرة من يصليهما) 877، والثاني: أنهما ليسا بسنة لقول ابن عمر: (ما رأيت أحدًا يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) 878. وأجيب عنه: بأنه نافٍ وغيرُه مُثبت، خصوصًا أن من أَثبت أكثر عددًا ممن نفى، ومحلّ استحبابها بعد دخول الوقت وقبل الشروع في الإقامة، وإذا قلنا: باستحبابهما .. فليستا من المؤكدة؛ كما قاله الرافعي، بخلاف ما يقتضيه إيرادُ المصنف 879. (وبعدَ الجمعة أربعٌ) للأمر بذلك في "مسلم" 880، (وقبلها ما قبل الظهر، والله أعلم) فإن أراد الأكمل .. صلّى أربعًا، أو أدناه .. فركعتين؛ لأحاديث في ذلك خاصة وعامة 881. (ومنه) أي: من القسم الذي لا يسنّ جماعة (الوتر) لما سيأتي، وليس

الجزء: 1 - الصفحة: 309

وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: إِحْدَي عَشْرَةَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ،

بواجب؛ لحديث: (هل عليّ غيرُها؟ قال: "لَا") 882، وقال ابن المنذر: (لا أعلم أحدًا وافق أبا حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه) 883. وقضية كلام المصنف: أنه قسيم للرواتب، لكن جزم في "الشرحين" و"الروضة" في مواضع بأنه قسم منها 884. (وأقله: ركعةٌ) لحديث: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" رواه مسلم 885، وفي "الكفاية" عن أبي الطيب: أنه يكره الإيتار بركعة 886، (وأكثره: إحدى عشْرةَ) لقول عائشة رضي الله عنها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) متفق عليه 887، (وقيل: ثلاثَ عشرةَ) وصححه الرافعي في "شرح المسند" 888؛ لحديث أم سلمة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كَبِرَ وضعف .. أوتر بسبع) حسنه الترمذي، وقال الحاكم: إنه على شرطهما 889. (ولمن زاد على ركعة الفصلُ) لما رواه ابن حبان: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم) 890، (وهو أفضل) لأن أحاديثَه اكثرُ، كما قاله في "شرح المهذب" 891، ولأنه أكثر عملًا؛ إذ يزيد بالسلام، ثم بالتكبير والنية وغيرهما، قال في "شرح المهذب": (وإذا أوتر بإحدى عشرة فما دونها ..

الجزء: 1 - الصفحة: 310

وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الأَخِيرَتَيْنِ. وَوَقْته بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقِيلَ: شَرْطُ الإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ: سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ

فالأفضلُ: أن يسلم من كل ركعتين) 892 لما في "الصحيحين": (أنه صلّى الله عليه وسلم كان يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين 893 كل ركعتين، ويوتر بواحدة) 894. بل الوصل فيما إذا أوتر بثلاث مكروه؛ كما جزم به ابن خيران في "اللطيف"، وقيل: الوصل أفضل؛ خروجًا من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لا يصحح الفصل.
(والوصلُ) أي: ولمن زاد على ركعة الوصل أيضًا (بتشهدٍ، أو تشهدين في) الركعتين (الأخيرتين) لثبوت كل منهما في "مسلم" عن فعله صلى الله عليه وسلم 895. وأفهم منعَ أكثر من تشهدين في الوصل، وهو الأصحُّ؛ إذ لم يرد، ومنعَ كون التشهدين في غير الأخيرتين، حتى لو أوتر بإحدى عشرة، وتشهد في التاسعة والحادية عشر .. بطل، وهو قضية كلام الرافعي وغيره؛ إذ لم يرد.
ويندب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولى: (سبح)، وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة: (قل هو الله أحد) و (المعوذتين) لحديث حسن فيه 896. (ووقته: بين صلاة العشاء وطلوع الفجر) بالإجماع، ووقته المختار: إلى نصف الليل، والباقي وقتُ جواز، قاله المَحاملي، وسيأتي ما يخالفه، (وقيل: شرط الإيتارِ بركعةٍ: سبقُ نفلٍ بعد العشاء) بناءً على أن الوتر يوتر النفل قبله، والأصحُّ: أنه لا يشترط، بل يكفي كونه وترًا لما قبله فرضًا كان أو سنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 311

وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ .. لَمْ يُعِدْهُ، وَقِيلَ: يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ ثم يُعِيدُهُ. وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: كُلَّ السَّنَةِ،

(ويسن جعلُه آخرَ صلاةِ الليل) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوا آخِرَ صلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا" متفق عليه 897، فإن كان له تهجد .. أخّر الوتر إلى أن يتهجد، وإلّا .. أوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، كذا أطلقاه في "الروضة" و"أصلها" 898. وقال في "شرح المهذب": إذا لم يكن له تهجدٌ ووثق باستيقاظه آخر الليل .. استحب تأخيره؛ ليفعله في آخر الليل؛ لأحاديثَ صحيحةٍ فيه 899. (فإن أَوتر ثم تهجد .. لم يُعده) لحديث: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" رواه أبو داوود وصححه ابن حبان 900، (وقيل: يَشفَعه بركعة) أي: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعًا، ثم يتهجد ما شاء، (تم يُعيده) ليقع الوتر آخر صلاته، وكان ابن عمر وغيره يفعلون ذلك 901، ويسمى هذا: نقض الوتر، وذكر في "الإحياء": أنه صح النهي عن نقض الوتر 902. (ويُندب القنوتُ آخرَ وتره في النصف الثاني من رمضان) كذا رواه الترمذي عن علي، وأبو داوود عن أبي بن كعب 903، (وقيل: كلَّ السنة) لإطلاق حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر -أي: في قنوت الوتر- اللهم؛ اهدني فيمن هديت ... ) إلى آخر ما تقدم في قنوت الصبح، كذا رواه أصحابـ "السنن" الأربع بإسناد على شرط

الجزء: 1 - الصفحة: 312

وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: (اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ ... ) إِلَى آخِرِهِ

الصحيح 904، وهذا الوجه اختاره في "التحقيق"، وقال في "شرح المهذب": إنه قوي 905. (وهو كقنوت الصبح) في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه ورفع اليدين وغيره، (ويقول قبله: اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك ... إلى آخره) أي: (ونَستهديك، ونؤمن بك، ونَتوكل عليك، ونُثني عليك الخيرَ كلَّه، نَشكرك ولا نَكفرك، ونَخلع ونَترك من يَفجرك، اللهم؛ إيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونَسجد، وإليك نَسعى ونَحفد، نَرجو رحمتك ونَخشى عذابك، إنّ عذابك الجدّ بالكفار مُلحق)، هذا ما ذكره في "المحرّر"، ورواه البيهقي بنحوه 906، وذكر مثله في "الشرح" ثم قال: وزاد فيه أبو الطيب وغيره: (اللهم؛ عَذِّب كفرةَ أهل الكتاب الذين يَصدُّون عن سبيلك، ويُكذِّبون رسلك، ويُقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأَصلح ذاتَ بينهم، وأَلِّف بين قلوبِهم، واجعل في قلوبهم الإيمانَ والحكمةَ، وثَبِّتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يُوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، إله الحق؛ واجعلنا منهم) 907. قال في "الروضة": (وينبغي أن يقول: اللهم؛ عَذِّب الكفرةَ؛ للحاجة إلى التعميم في زماننا) 908، وأشار بذلك إلى إدخال التتار، فإنهم كانوا قد استولوا على كثير من أقاليم المسلمين.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

قُلْتُ: الأَصَحُّ: بَعْدَهُ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تندَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ: الضُّحَى، وَأَقَلُّهُ: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهُ: ثِنْتَا عَشْرَةَ

(قلت: الأصح) أنه يقول ذلك (بعدَه) قال في "الروضة": (لأن قنوت الصبح ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر) 909، فكان تقديمه أولى، ومحل الجمع بينهما: إذا كان منفردًا أو إمامًا لمحصورين رضوا بالتطويل بهما، وإلَّا .. اقتصر على قنوت الصبح، قاله في "شرح المهذب" في (صفة الصلاة) 910. (وأنّ الجماعةَ تُندب في الوتر عقب التراويح جماعةً، والله أعلم) لنقل الخلف ذلك عن السلف.
نعم؛ لو كان له تهجد .. لم يوتر معهم، بل يؤخّره إلى ما بعد التهجد، ذكره في "شرح المهذب" 911، وأفهم كلام المصنف: أنه لا تسُنّ الجماعةُ في وتر غير رمضان، وهو كذلك كسائر السنن، وأفهم أيضًا: عدم استحباب الجماعة في الوتر إذا صلّى التراويح في غير جماعة، وليس كذلك؛ بل استحبابها فيه دائرٌ مع استحبابها في التراويح؛ كما اقتضاه كلام الرافعي 912، لا مع فعلها فيها.
(ومنه) أي: ومن القسم الذي لا يسن جماعةً: (الضحى، وأقلّه 913: ركعتان) لحديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام) متفق عليه 914. (وأكثره: ثنتا عشرة) ركعة؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: "إِنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .. بَنَى الله لَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" رواه البيهقي، وقال: في إسناده نظر 915، وضعفه في "شرح المهذب" 916.

الجزء: 1 - الصفحة: 314

وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ،

وما جزم به المصنف تبع فيه "المحرّر"، وجزم [به] في "الشرح الصغير"، والمصنف في "الروضة" أيضًا، ونقله الرافعي في "الشرح الكبير" عن الروياني 917. وقال في "شرح المهذب": وأكثره: ثمان ركعات، قاله الأكثرون، وقال الروياني والرافعي ثنتا عشرة ركعة، وذكر في "التحقيق" نحوَه، قال في "المهمات": وقد ظهر لك بذلك أن المذكور في "الروضة" و"المنهاج" ضعيفٌ مخالفٌ لما عليه الأكثرون انتهى 918. (و) منه (تحيةُ المسجد) وهي (ركعتان) لحديث: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ .. فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" متفق عليه 919، وقضية الحديث: تقييد الاستحباب بمن أراد الجلوس، وبه صرح الشيخ نصر المقدسي في "المقصود".
ويستثنى من إطلاق المصنف مسائل: منها: ما لو دخل وقد أقيمت الصلاة، أو قربت إقامتُها، أو بعد فراغ الخطيب من خطبة الجمعة، وما لو دخل الخطيب وقد حانت الخطبةُ على الأصحِّ، وفي "الروضة" عن المَحاملي وأقره: كراهةُ التحية إذا دخل والإمام في مكتوبة، أو دخل المسجد الحرام فإنه يبدأ بالطواف 920، ومنها: عند خوف فوت سنة راتبة؛ كما قاله في "الرونق"، ويؤيده ما ذكره في "الروضة" في (الحج) أنه يؤخر طواف القدوم إذا خشي فوت سنة مؤكدة، وكلام المصنف يقتضي منع الزيادة على ركعتين، لكن في "شرح المهذب" عن الأصحاب: أنه يجوز فعل التحية مئة ركعة بتسليمة 921 واعلم: أن التحيات أربعٌ: تحية المسجد بالصلاة، والبيت بالطواف، والحرم بالإحرام، ومنى بالرمي.

الجزء: 1 - الصفحة: 315

وَتَحْصُلُ بِفَرْض أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، لَا رَكْعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْجِنَازَةُ، وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَتتَكرَّرُ بِتكرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الأَصحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ. وَلَوْ فَاتَ النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ .. نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَظْهَرِ

(وتحصل بفرضٍ أو نفلٍ آخر) وإن لم ينوها معه؛ لحصول المقصود، وهو أنه لم ينتهك حرمةَ المسجد بالجلوس فيه من غير صلاة، (لا ركعةٍ) أي: لا تحصل التحية بركعة (على الصحيح) للحديث المارّ 922، والثاني: تحصل؛ لحصول الإكرام.
(قلت: وكذا الجنازةُ، وسجدةُ تلاوةٍ وشكرٍ) لا تحصل التحية بها على الصحيح؛ لما ذكرناه في الركعة، (وتتكرر بتكرر الدخولِ على قربٍ في الأصح، والله أعلم) لتجدد السبب، والثاني: لا؛ للمشقة، فإن طال الفصلُ .. تكررت قطعًا؛ لزوال المشقة.
(ويدخل وقتُ الرواتب) التي (قبل الفرض بدخول وقتِ الفرضِ، و) التي (بعده بفعله، ويخرج النوعان) أي: الذي قبل الفرض وبعده (بخروج وقتِ الفرضِ) لأنهما تابعان له.
نعم؛ يخرج وقت الاختيار للراتبة المقدمة بفعل الفرض، ويبقى وقت الجواز.
(ولو فات النفلُ المؤقتُ .. نُدب قضاؤُه في الأظهر) للاتباع، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر، متفق عليه 923، وقضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي إلى أن طلعت الشمس، رواه أبو داوود 924، وروى أيضًا بإسناد حسن: "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ .. فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهُ" 925، والثاني: لا يقضى؛ كغير المؤقت، والثالث: إن لم يتبع غيره؛ كالعيد والضحى .. قضي؛ لمشابهته للفرائض في الاستقلال، وإن تبع؛ كالرواتب .. فلا.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

وَقِسْم يُسَنُّ جَمَاعَة كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، لَكِنِ الأَصَحُّ: تَفْضيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تسُنُّ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ،

وخرج بـ (المؤقت): ما شرع لسبب عارض؛ ككسوف وتحية، فإنه لا مدخل للقضاء فيه.
نعم؛ لو اعتاد تهجدًا ثم فات .. ندب قضاؤه، وكذا إفساد صلاة التطوع غير المؤقت.
(وقسم يُسن جماعةً كالعيد والكسوفِ والاستسقاءِ) لما يأتي في أبوابها، (وهو أفضل مما لا يُسن جماعة) لتأكد أمرها بمشروعية الجماعة فيها، (لكن الأصح: تفضيل الراتبة على التراويح) لمواظبته عليه السلام عليها، دون التراويح، والثاني: أن التراويح أفضلُ؛ قياسًا على العيد ونحوه مما تستحب فيه الجماعة.
(وأن الجماعة تُسن في التراويح) لفعله صلى الله عليه وسلم، ونقل ابن الصباغ إجماع الصحابة على ذلك 926، وإنما صلاها عليه السلام بعد ذلك فرادى؛ لخشية الافتراض؛ أي: لخشية توهمه، وقد زال ذلك المعنى، والثاني: أن الانفراد فيها أفضل؛ كسائر النوافل، والثالث: إن كان حافظًا للقرآن آمنًا من الكسل، ولم تختل الجماعة بتخلفه .. فانفراده أفضل، وإلّا .. فالجماعة، وزاد في "البحر" في هذه الشروط على هذا الوجه: أن يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام 927، وعبارة غيره: أن يقرأ في بيته أكثرَ، وهذه المسألة أصل الأولى، فلو قدمها .. كان أولى.
(ولا حصرَ للنفل المطلق) أي: لا حصر لعدده، ولا لعدد ركعات النافلة الواحدة منه؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فاسْتكثِرْ أَوْ أَقِلَّ" رواه ابن حبان في "صحيحه" 928، فإن نوى ركعةً أو أكثر .. جاز، وإن لم ينو شيئًا .. صح، وصلّى ما شاء على الأصحِّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 317

فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ .. فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: مَنْعُهُ فِي كُل رَكْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وإِذَا نَوَى عَدَدًا .. فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تغيِيرِ النّيَّةِ قَبْلَهُمَا، وَإِلَّا .. فَتبطُلُ. فَلَوْ نَوَى رَكْعَتينِ فَقَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزيَادَةِ إِنْ شَاءَ. قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ،

(فإن أحرم بأكثرَ من ركعة .. فله التشهد في كل ركعتين) كما في الفرائض الرباعية، وكذا في كل ثلاث وكل أربع؛ كما قاله في "التحقيق" و"شرح المهذب" 929، وفي وجه: لا يزيد على تشهدين، وقواه في "شرح المهذب" 930، واختاره السبكي، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين إن كان العدد شفعًا، وإن كان وترًا .. لم يجز بينهما أكثر من ركعة.
(وفي كل ركعةٍ) لأن له أن يصلّي ركعة ويتحلل عنها، وإذا جاز له ذلك .. جاز له القيامُ إلى أخرى، (قلت: الصحيح: منعه في كل ركعة، والله أعلم) لأنا لا نجد في الفرائض صلاةً على هذه الصورة، وإذا صلّى بتشهد واحد .. قرأ السورة في الركعات كلّها، وإن صلّى بتشهدين .. ففي القراءة فيما بعد التشهد الأول القولان في الفرائض.
(وإذا نوى عددًا .. فله أن يزيد ويَنقُص بشرط تغييرِ النيةِ قبلَهما) أي: قبل الزيادة والنقصان؛ لأنه لا حصر للنفل المطلق كما مرّ، وكذا إذا نوى ركعةً .. فله أن يزيد بهذا الشرط، (وإلّا) أي: وإن لم يغير النية قبلهما ( .. فتبطل) الصلاة بذلك؛ لأن الذي أحدثه لم تشمله نيته.
(فلو نوى ركعتين فقام إلى ثالثةٍ سهوًا .. فالأصح: أنه يَقعُد ثم يقوم للزيادة إن شاء) الزيادة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته، لأن القيام على وجه السهو لا يعتد به؛ كما لو قام القاصر سهوًا ثم نوى الإتمام .. فإنه يلزمه القعودُ وإن كان فيه أيضًا وجهٌ شاذٌ، والثاني: لا يحتاج إلى القعود؛ لأن القيام في النافلة ليس بشرط.
(قلت: نفل الليل) المطلق (أفضلُ) من النفل المطلق بالنهار، لحديث: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ صَلَاةُ اللَّيْلِ"، وحديث: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا

الجزء: 1 - الصفحة: 318

وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ويُسَنُّ التَّهَجُّدُ

رجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" رواهما مسلم 931، ولأن الليل محلُّ الغفلة.
(وأوسطُه أفضلُ) من طرفيه إذا قسمه أثلاثًا؛ لأن الغفلة فيه أكثرُ، وأفضل منه: السدسُ الرابع والخامس؛ كما قاله في "الروضة" وغيرها، لما في "الصحيحين": "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ" 932، والمعنى فيه مع مراعاة ما سبق من الغفلة: أن النوم المتقدم فيه على التهجد أكثرُ مما سبق، فيكون أنشط له.
(ثم آخرُه) أفضل من الثلث الأول، ومن النصف الأول أيضًا؛ لأن الله تعالى حَثَّ على الاستغفار بالأسحار، فقل: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فهو محلُّ الرحمة والمغفرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، وسببه: أن أهل المعاصي تنتهي معصيتُهم غالبًا قبل السحر.
(و) الأفضل (أن يُسلِّم من كل ركعتين) ليلًا كان أو نهارًا؛ لحديث: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" متفق عليه 933، وفي "السنن" الأربعة: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" وصححه ابن حبان وغيره، وقال البيهقي: إن البخاري سئل عنه فصححه 934. (ويُسن التهجد) بالإجماع، واستنبط أبو الوليد النيسابوري من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أن المتهجد يشفع في أهل بيته، والتهجد لغة: رفع النوم بالتكلف، وفي الاصطلاح: صلاة التطوع في الليل بعد النوم، قاله القاضي

الجزء: 1 - الصفحة: 319

وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا، وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بقِيَامٍ، وَتَرْكُ تَهَجُّدٍ أعْتَادَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

الحسين 935، وقال الماوردي: هو من الأضداد، يقال: تهجد: إذا سهر، وتهجد: إذا نام 936. (ويكره قيام كل الليل دائمًا) لأنه مضرٌّ للعين، ولسائر البدن، وقد قال عليه السلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ... " إلى آخر الحديث، متفق عليه 937. وهذا فيمن يجد به مشقةً يخاف منها محذورًا، وإلّا .. فيستحب، لاسيما المتلذذ بمناجاة ربه، ومن يشق عليه ولا يخاف منه محذورًا .. لم يكره له، ورِفقه بنفسه أولى، قاله المحب الطبري.
وخرج بقوله: (دائمًا) ما لو أحيا بعض الليالي، كالعشر الأخير من رمضان، وليلتي العيد .. فإنه لا يكره بل يندب؛ للاتباع 938. (وتخصيصُ ليلةِ الجمعةِ بقيام) للنهي عنه، كما أخرجه مسلم 939، (وتركُ تهجدٍ اعتاده، والله أعلِم) لقوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: "لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَان يَقُومُ اللَّيْلَ ثمَّ تَرَكَهُ" متفق عليه 940.


الجزء: 1 - الصفحة: 320

فصول الكتاب · 12 فصل
فصول بداية المحتاج في شرح المنهاج
المقدمة
كلمة الشكرترجمة شيخ الإسلام، إمام الأئمة العلام أبو زكريَّا يحيى بن شرف بن مري بن حزام محيي الدِّين النَّوويّ رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (631 - 676 هـ)اسمه ونسبهمولده ونشأتهطلبه للعلمشيوخهتصدره للتدريسذكر بعض المدارس في عصرهتلامذتهوصفه وملبسهبعض مناقبهثناء العلماء عليهمؤلفاتهوفاتهرثاؤهترجمة الإمام العالم العلَّامة، أقضى القضاة بَدْرِ الدِّين أَبي الفَضْل محمَّدِ بْن أَبِي بَكر بن أحمد الأَسَدِي ابن قَاضِي شهبَة رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (798 - 874 هـ)اسمه ونسبه وشهرته ومذهبهولادته ونشأتهطلبه للعلم والرحلة في ذلكشيوخهتلامذتهمؤلفاتهمكانته العلمية وثناء العلماء عليهوفاتهترجمة الإمام الفقيه الحافظ، عمدة المصنِّفين سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري بن الملقِّن، وابن النَّحويّ رَحِمَهُ الله تَعَالى (1) (723 - 804 هـ)ملامح عن منهج الإمام ابن قاضي شهبة في الكتابالمكتبة السليمانية، وقصَّة المحقِّق مع الكتابوصف النُّسَخ الخطيَّةمنهج العمل في الكتابفَصْلٌ [في آداب الخلاء]فصل [في شروط التيمم وكيفيته]فصل [فيما تراه المرأة من الدماء]فصل [فيمن تجب عليه الصلاة]بًا بفصل [في بيان الأذان والإقامة]فصل [في بيان القبلة وما يتبعها]بابٌ [شروط الصلاة]فَصْلٌ [في ذكر بعض مبطلات الصلاة]بابٌ [سجودُ السَّهْو]بابٌ في سجود التّلاوة والشّكربابٌ [في صلاة النّفل]
كتاب صلاة الجماعةكتاب الزكاةكتاب التفليسكتابُ العاريَّةكتابُ اللُّقَطةكتابُ قَسْم الفيء والغنيمةكتاب العِددَكتابُ الرِّدَّةكتاب الأضحيةكتاب الأطعمةكتاب المسابقة والمناضلة
جارٍ التحميل