فصل وَهَا هُنَا فرحة أعظم من هَذَا كُله وَهِي فرحته عِنْد مُفَارقَته الدُّنْيَا
إِلَى الله إِذا أرسل إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فبشروه بلقائه وَقَالَ لَهُ ملك الْمَوْت أَخْرِجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ابشري بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي فَلَو لم يكن بَين يَدي التائب إِلَّا هَذِه الفرحة وَحدهَا لَكَانَ الْعقل يَأْمر بآيثارها فَكيف وَمن بعْدهَا أَنْوَاع من الْفَرح مِنْهَا الْمَلَائِكَة الَّذين بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على روحه وَمِنْه فتح أبوب السَّمَاء لَهَا وَصَلَاة مَلَائِكَة السَّمَاء عَلَيْهَا وتشييع مقربيها لَهَا إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فتفتح وَيُصلي عَلَيْهَا أَهلهَا وشيعها مقربوها هَكَذَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَكيف يقدر فرحها استؤذن لَهَا على رَبهَا ووليها وحبيبها فوقفت بَين يَدَيْهِ وَأذن لَهَا بِالسُّجُود فسجدت ثمَّ سمعته سُبْحَانَهُ يَقُول اكتبوا كِتَابه فِي غلبين ثمَّ يذهب بِهِ فَيرى الْجنَّة ومقعده فِيهَا وَمَا أعد الله لَهُ ويلقي أَصْحَابه وَأَهله فيستبشرون بِهِ ويفرحون بِهِ ويفرح بهم فَرح الْغَائِب يقدم على أَهله فيجدهم على أحسن حَال وَيقدم عَلَيْهِم بِخَير مَا قدم بِهِ مُسَافر هَذَا كُله قبل الْفرج الْأَكْبَر يَوْم حشر الأجساد بجلوسه فِي ظلّ الْعَرْش وشربه من الْحَوْض وَأَخذه كِتَابه بِيَمِينِهِ وَثقل مِيزَانه وَبَيَاض وَجهه وإعطائه النُّور التَّام وَالنَّاس فِي الظلمَة وقطعه جسر جَهَنَّم بِلَا تعويق وانتهائه إِلَى بَاب الْجنَّة وَقد أزلفت لَهُ فِي لموقف وتلقي خزنتها لَهُ بالترحيب وَالسَّلَام والبشارة وقدومه على مَنَازِله وقصوره وأزواجه وسراريه
وَبعد ذَلِك فَرح آخر لَا يقدر قدره وَلَا يعبر عَنهُ تتلاشى هَذِه الأفراح كلهَا عِنْده وَإِنَّمَا يكون هَذَا لأهل السّنة المصدقين بِرُؤْيَة وَجه رَبهم تبَارك وَتَعَالَى من فَوْقهم وَسَلَامه عَلَيْهِم وتكليمه إيَّاهُم ومحاضرته لَهُم وَلَيْسَت هَذِه الفرحات إِلَّا... لذى الترحات فِي دَار الرزايا فشمر مَا اسْتَطَعْت السَّاق واجهد... لَعَلَّك أَن تفوز بِذِي العطايا وصم عَن لَذَّة حشيت بلَاء... الذَّات خلصن من البلايا ودع أُمْنِية إِن لم تنلها... تعذب أَو تنَلْ كَانَت منايا وَلَا تستبط وَعدا من رَسُول... أَتَى بِالْحَقِّ من رب البرايا فَهَذَا الْوَعْد أدنى من نعيم... مضى بالْأَمْس لَو وفقت رايا