فصل وَالْفرق بَين النَّصِيحَة والتأنيب أَن النَّصِيحَة إِحْسَان إِلَى من تنصحه بِصُورَة
الرَّحْمَة لَهُ والشفقة عَلَيْهِ والغيرة لَهُ وَعَلِيهِ فَهُوَ إِحْسَان مَحْض يصدر عَن رَحْمَة ورقة وَمُرَاد الناصح بهَا وَجه الله وَرضَاهُ وَالْإِحْسَان إِلَى خلقه فيتلطف فِي بذلها غَايَة التلطف وَيحْتَمل أَذَى المنصوح ولائمته ويعامله مُعَاملَة الطَّبِيب الْعَالم المشفق الْمَرِيض المشبع مَرضا وَهُوَ يحْتَمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف فِي وُصُول الدَّوَاء إِلَيْهِ بِكُل مُمكن فَهَذَا شَأْن الناصح وَأما المؤنب فَهُوَ رجل قَصده التَّعْبِير والإهانة وذم من أنبه وَشَتمه فِي صُورَة النصح فَهُوَ يَقُول لَهُ يَا فَاعل كَذَا وَكَذَا يَا مُسْتَحقّا الذَّم والإهانة فِي صُورَة نَاصح مُشفق وعلامة هَذَا أَنه
لَو رأى من يُحِبهُ وَيحسن إِلَيْهِ على مثل عمل هَذَا أَو شَرّ مِنْهُ لم يعرض لَهُ وَلم يقل لَهُ شَيْئا وَيطْلب لَهُ وُجُوه المعاذير فَإِن غلب قَالَ وَإِنِّي ضمنت لَهُ الْعِصْمَة وَالْإِنْسَان عرضه للخطأ ومحاسنه أَكثر من مساويه وَالله غَفُور رَحِيم وَنَحْو ذَلِك فيا عجبا كَيفَ كَانَ هَذَا الْمَنّ يُحِبهُ دون من يبغضه وَكَيف كَانَ ذَلِك مِنْك التأنيب فِي صُورَة النصح وحظ هَذَا مِنْك رَجَاء الْعَفو وَالْمَغْفِرَة وَطلب وُجُوه المعاذير وَمن الفروق بَين الناصح والمؤنب أَن الناصح لَا يعاديك إِذا لم تقبل نصيحته وَقَالَ قد وَقع أجْرى على الله قبلت أَو لم تقبل وَيَدْعُو لَك بِظهْر الْغَيْب وَلَا يذكر عيوبك وَلَا يبينها فِي النَّاس والمؤنب بعد ذَلِك