بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق الحمد الله القائل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153] والقائل سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون﴾ [الروم: 31] القائل عز وجل: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105] وأصلي وأسلم على النبي الرحمة المهداة محمد بن عبد الله القائل: "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بعدة ضلالة" 1 والقائل صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" 2.
ورحم الله الأوزاعي حين قال: عليك بأثر من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك بالقول.
ورحم الله عمران القصير حين قال: إياكم والمنازعة والخصومة، وإياكم وهؤلاء الذين يقولون: أرأيت أرأيت؟ ورضي الله عن عمر الفاروق القائل: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى.
وها هو إمام السنة -رحمه الله- الإمام المبجل أحمد بن حنبل الأعلم بالسنة يتصدى لأولئك النفر الذين خلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم: الزنادقة والجهمية.
في رسالته القيمة التي فند فيها مزاعم أهل الزيغ والضلال، ولم يأت الإمام أحمد ببدع من القول، بل كان على عهد من سلفه من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتابعيهم رضي الله عنهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمام السنة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله، قد ماتوا قبل المحنة، فلما وقعت محنة الجهمية: نُفاة الصفات، في أوائل المائة الثالثة1على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق- ودعو الناس
إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخرو الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمور، فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى تهددوا بعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم، وعاقبوهم وأخذوهم بالرهبة والرغبة، وثبت الإمام أحمد بن حنبل على ذلك الأمر حتى حبسوا مدة، ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته فانقطعوا معه في المناظرة يومًا بعد يوم، ولم يأتوا بما يوجب موافقته لهم، بل بيَّن خطأهم فيما ذكروه من الأدلة. ثم قال ابن تيمية رحمه الله: وأحمد وغيره من علماء أهل السنة والحديث مازالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة، ولكن بسبب المحنة كثر الكلام، ورفع الله قدر هذا الإمام، فصار إمامًا من أئمة السنة وعلمًا من أعلامها؛ لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيًا.1
وقال ابن تيمية رحمه الله: هذا مع العلم بأن كثيرًا من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر، وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة ممن يكون أصل زندقته عن
الصابئين والمشركين، فهؤلاء كفار في الباطين، ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر أيضا.1
وقال أيضًا رحمه الله: وأما تعيين الفرق الهالكة فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين، قالا: أصول البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة: فقيل لابن المبارك: والجهمية؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد. وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة. وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة.1
وقال أيضًا رحمه الله: ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة، وأنَّ استوى
بمعنى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه. وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم.1
وقال أيضًا رحمه الله: المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفيرُ الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، ففيه جحود الرب، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى، يعنون من هذا الجهمية، ولهذا كفَّروا من يقول: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن الله ليس على العرش، وأن الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب، ونحو ذلك من صفاته.2
وربما يسأل سائل: لماذا هذا الكتاب بعينه؟ مع ما فيه من إشكال؟! أقول: إن نشر هذا الكتاب وتحقيقه وفتح مغاليقه لهو من الجهاد
في سبيل الله، وإن كنت حرمت أو عجزت عن الجهاد بالسيف والسنان فلا أحرم أو أعجز عن الجهاد بالقلم واللسان، فقد بَيَّن ذلك ووضحه أتم إيضاح شيخ الإسلام عليه من الله الرحمة والرضوان، حيث قال: ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء.1
وقال رحمه الله: والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل وتارة بما دونه... ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته، فلابد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر
الله به ورسوله. والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان فاحذرهما: الجهمية والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع.1
قال عبد الله بن المبارك: الجهمية كفار زنادقة.
وقال سلام بن أبي مطيع: هؤلاء الجهمية كفار.
وقال إبراهيم بن طهمان: الجهمية كفار.
وقال عبد الوهاب الوراق: الجهمية كفار زنادقة مشركون.
وقال يزيد بن هارون: هم والله زنادقة عليهم لعنة الله.
وقال خارجة بن معصب: كفرت الجهمية في غير موضع من كتاب الله.
وقال عبد الحميد الحماني: جهم كافر بالله.
وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: بشر المريسي وأبو بكر الأصم كافران حلالا الدم.
وقال قتيبة بن سعيد: بشر المريسي كافر.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو كان الأمر إليّ لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد يقول: القرآن مخلوق، إلا ضربت عنقه وألقيته.
وقال أيضًا: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وقال إبراهيم بن أبي نعيم: لو كان لي سلطان ما دفن الجهمية في مقابر المسلمين. وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: لا نصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار. وقال سلام بن أبي مطيع: هؤلاء الجهمية كفار ولا يصلى خلفهم. وقال عبد الله بن المبارك: من قال: القرآن مخلوق، فقد طلقت منه امرأته. وقال خارجة بن مصعب: الجهمية كفار، بلغوا نساءهم أنهن طوالق.1
وقال البخاري رحمه الله: ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم ولا يعادون ولا يناكحون ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم.2
ولكن هل يكفر الجهمية بأعيانهم؟ أي أن كل من اعتقد باعتقاد الجهمية أو قال بقولهم يكون كافرًا بعينه؟
يجيب عن السؤال ويدفع هذا الإشكال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: إن المقالة تكون كفرًا: كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل على الرسول، إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول. ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه ولما أنزل الله على رسوله.1
وقال أيضًا رحمه الله: وسبب هذا التنازع -يعني تنازع أهل السنة في تكفير الجهمية بأعيانهم- تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان.
وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع.
كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر.
اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة
الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثرمن تكلم بهذا الكلام بعينه... ثم قال: وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق.
وأن الله لا يُرى في الآخرة.
وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين.
فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل.
فيقال: من كفر بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفر بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم.1 وقال أيضًا رحمه الله: وإذا عرف هذ فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الإقدام عليه، إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذ المقالة لا ريب أنها كفر، وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين.
مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسملين وإن أخطأ وغلط تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.2
وقال أيضًا رحمه الله: فإن الإمام أحمد مثلاً قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم: يكفِّرون كل من لم يكن جهميًّا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن ويحكمون فيه بحكمهم في الكافر... ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب. ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع.1
أما الإشكال الذي في هذا الكتاب، وهو أن بعض أهل العلم شكك في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد رحمه الله2، بل إن
البعض ينفي أن يكون الإمام أحمد كتب كتابًا غير المسند، وهذا فيه تجوز ونظر، زاعمين أنه كان ينهى عن تأليف الكتب. أقول: نعم كان ينهى عن تأليف الكتب ومجالسة أهل البدع والرد عليهم، ولكن كان هذا في أول الأمر، ثم لمَّا تغيرت الأحوال وتترس الباطل بقول السلطان كان لابد من التصدي لهذا الباطل ودحره وإبطاله. قال الدارمي رحمه الله: فحين خاضت الجهمية في شيء منه وأظهروه وادعوا أن كلام الله مخلوق، أنكر ذلك ابن المبارك، وزعم أنه غير مخلوق فإنّ من قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ مخلوق فهو كافر. حدثنيه يحيى الحماني عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك، فكره ابن المبارك حكاية كلامهم قبل أن يعلنوه، فلمَّا أعلنوه أنكر عليهم وعابهم ذلك. وكذلك قال ابن حنبل: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدًّا من مخالفتهم والرد عليهم.1
ورسالة "الرد على الجهمية والزنادقة" التي نحن بصدد الحديث عنها فأقول: إن من فضل الله عليَّ أن يسَّر لي العمل في هذه الرسالة
فهذا شرف لي عظيم ومنة كبرى أن أوفق لخدمة تراث هذا الإمام العلم إمام السنة -رحمه الله- فأسألك اللهم أن تحشرني وإياه تحت لواء سيد المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله وإياكم ممن تحيا بهم السنن، وتموت بهم البدع، وتقوى بم قلوب أهل الحق، وتنقمع بهم نفوس أهل الأهواء بمنِّه وكرمه.1
إن اعتماد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن قيم الجوزية -رحمه الله- على هذه الرسالة في تقرير عقيدة أهل السنة في كتبهم لهو أكبر دليل على صحة نسبة هذه الرسالة لإمام أهل السنة -رحمه الله- ولو قلنا غير هذا لشككنا في هذا الحق المثبوث في كتب هذين الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم حيث اعتمدا على رسالة مكذوبة، بل هي صحيحة النسبة كصحة نسبة صاحبها لإمامة أهل السنة والجماعة، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
وأقول: لو تتبعت كل المواضع التي ذكرت فيها هذه الرسالة أو أخذ منها واستشهد بما فيها لطال المقام، ولكن أكتفي بذكر ما تيسر لي وهو غير قليل، ولو تتبعت لوقفت على كثير.
1- منهاج السنة النبوية، طبع جامعة الإمام بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، رحمه الله، 484/2-486. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهو اعتراض قديم من اعتراضات
نفاة الصفاة، حتى ذكره الإمام أحمد في الرد على الجهمية، فقال: "قالت الجهمية لمّا وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله لم يزل ونوره والله وقدرته... إلى قوله: فكذلك الله، وله المثل الأعلى وهو بجميع صفاته إله واحد"1. ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد يتضمن أسرار هذه المسائل، وبيان الفرق بين ما جاءت به الرسل من الإثبات الموافق لصريح العقل وبين ما تقوله الجهمية وبين أن صفاته داخلة في مسمى أسمائه. أ. هـ. وقال في موضع آخر، 2/ 568: فهذا مما تنفيه الجهمية نفاة الصفات، وهو مما أنكر السلف والأئمة نفيهم له، كما ذكر ذلك أئمة المسلمين المصنفين في الرد على الجهمية، كالإمام أحمد رضي الله عنه في رده على الجهمية.2
وفي نسخة أخرى لمنهاج السنة النبوية طبع دار الكتب العلمية وضع حواشيه وخرج آياته وأحاديثه عبد الله محمود محمد عمر، 108/3. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقال الإمام أحمد في خطبة مصنفه الذي صنفه في محبسه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه
من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. قال: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل.... أ. هـ. 2- الرسالة التدمرية، مع شرحها التحفة المهدية طبع دار الوطن، ص 259. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكروه على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله....إلخ. وقال الشارح الشيخ فالح بن مهدي آل مهدي: وقد صنف الإمام أحمد كتابًا في الرد على هؤلاء وسمَّاه: "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله" فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير معناه. ثم قال: وهذا الكتاب هو مما ألفه الإمام أحمد بن حنبل في حبسه، وقد ذكره عنه الخلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى وأبو الفضل التميمي وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحابه. ثم ذكر الشيخ فالح قطعة كبيرة من الكتاب.1
3- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، طبع دار المسلم تحقيق الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، حفظه الله، 800/2-801.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، فليس اسم الله متناولاً لذات مجردة عن الصفات أصلاً، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد -رحمه الله- في مناظرته للجهمية: لا نقول الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد.1
4- جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، طبع دار الوطن للنشر والتوزيع، ص 95. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهؤلاء كان قصدهم الاحتجاج لبدعتهم فذكر لهم الإمام أحمد -رحمه الله- من المعارضة والنقض ما يبطلها، وقد تكلم الإمام أحمد في رده على الجهمية في جواب هذا، وبَيَّن أن لفظ الغير لم ينطق به الشرع لا نفيًا ولا إثباتًا.2
5- درء تعارض العقل والنقل، أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، طبع دار الكتب العلمية ضبطه وصححه عبد اللطيف عبد الرحمن،377/1، 378. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال أحمد في ردِّه على الجهمية:
باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلّم موسى... إلى قوله: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله.1
ثم علق ابن تيمية رحمه الله على هذا النقل فقال: وقال الإمام أحمد: وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾... إلى قوله: ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة.2
في: 380/1، 381 ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- نقلاً آخر فقال: ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية. ثم ذكر الخطبة. وفي: 407/2، 408 قال ابن تيمية رحمه الله: قال الإمام أحمد: باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى... إلى قوله: ولا نقول: إنه كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم.3
ثم قال: قال الإمام أحمد: قالت الجهمية: إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى... إلى قوله: فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد 4.
ثم ذكر خطبة الكتاب في: 409/2. ثم ذكر نقلاً آخر، 410/2 فقال: قال أحمد: وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث... إلى قوله: وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية.1
ثم ذكر نقلاً آخر في: 415/2 فقال رحمه الله: قال الإمام أحمد عن الجهمية: فإن سألهم الناس عن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾... إلى قوله: ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله.2
وفي: 174/3-176 قال شيخ الإسلام رحمه الله: وممن ذكر ذلك الإمام أحمد فيما خرّجه في الرد على الزنادقة والجهمية، قال: بيان ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش... إلى قوله: رجع عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة.3
وذكر شيخ الإسلام نقلاً آخر في: 177/3، 178 فقال رحمه الله: فأبطل الإمام أحمد هذا القول أيضًا فقال: بيان ما ذكره الله في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم﴾ وهذا على وجوه... إلى قوله: فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله جل ثناؤه.4
وفي" 9/4 قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال أحمد فيما كتبه: ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر، فقال: أنا أجد آية في كتاب الله تدل على أن القرآن مخلوق... إلى قوله: كما يقال: عبد الله وسماء الله وأرض الله.1
6- تفسير سورة الإخلاص، طبع دار الريان للتراث والدار السلفية بومباي الهند، تحقيق الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد.
قال شيخ الإسلام، رحمه الله "ص153، 154": قال الإمام أحمد في خطبته في الرد على الجهمية والزنادقة.
وذكر الخطبة.
وفي: 239 قال رحمه الله: وكلام الإمام أحمد وغيره من السلف يحتمل أن يراد به هذا، فإن أحمد ذكر في رده على الجهمية أنها احتجت بثلاث آيات من المتشابه... ثم قال: وكذلك قال أحمد في ترجمة كتابه الذي صنفه في الحبس، وهو: الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.
وفي: ص 274، قال شيخ الإسلام رحمه الله: كما قال الإمام أحمد فيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.
وفي: ص 317، قال رحمه الله: قال أحمد: قالوا: لا تكونون
موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء... إلى قوله: ولكن نقول: لم يزل عالِمًا قادرًا مالكًا لا متى ولا كيف.1
7- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أو نقض تأسيس الجهمية، طبع دار القاسم بتصحيح وتكميل وتعليق الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله. قال شيخ الإسلام، رحمه الله، 139/1: وذلك أن مبدأ حدوث هذا في الإسلام هو مناظرة الجهمية للدهرية، كما ذكره الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مناظرة جهم للسمنية وهم من الدهرية.2
وقال رحمه الله في، 315/1: كما قال الإمام أحمد -رحمه الله- في رده على الجهمية لما ذكر عنهم ما وصفوه من السلوب وأنهم قالوا: كل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه... إلى قوله: إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرونه.3
وقال رحمه الله في: 318/1-319، 53/2-54، 350/2-351: وقد ذكر الإمام أحمد -رحمه الله- أصل هذا النقل لما ذكر مبدأ حدوث الجهمية في هذه الملة، فقال: وكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من الترمذ، وكان صاحب خصومات
وكلام... إلى قوله: وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا 1. وانظر أيضًا، 393/1، 419. وقال في، 463/1، 464: وممن نبه عليه الإمام أحمد قال في رسالته في: الرد على الزنادقة والجهمية، فقالت الجهمية لنا لما وصفنا هذه الصفات... إلى قوله: وله المثل الأعلى بجميع صفاته إلى واحد.2
وانظر أيضًا: 466/1، 467، 474. وانظر أيضًا بيان تلبيس الجهمية: 12/2، 53، 56، 57، 60، 350، 519، 534، 542، 546، 548، 549، 551. 8- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن محمد القاسم رحمه الله.
قال ابن تيمية رحمه الله في، 496/5: وقد بسط الإمام أحمد الكلام على المعية في الرد على الجهمية.
قال ابن تيمية رحمه الله في، 440/12، 441: إن الإمام أحمد صنف، الرد على الزنادقة والجهمية، وهو في الحبس وكتبه بخطه.
وقال أيضًا رحمه الله في، 317/16: كما قال أحمد في خطبته: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل... 9- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لابن بطة العكبري، طبع دار الراية، تحقيق: د. يوسف بن عبد الله الوابل
الكتاب الثالث، الرد على الجهمية.
يقول المحقق الدكتور يوسف الوابل حفظه الله، 169/1، 170: مصادر ابن بطة في كتابه الإبانة: الإمام ابن بطة من العلماء الأثريين الذين يعتمدون على الكتاب السنة وأقوال الصحابة والتابعين وعامة أقوال السلف، ولهذا فقد تأثر الإمام ابن بطة بمن سبقه من علماء السلف تأثرًا واضحًا، وخاصة الإمام أحمد بن حنبل، فنجده ينقل كثيرًا من أقواله بالسند المتصل إلى الإمام، ويجعل ذلك أصلاً يعتمد فيه على الاستدلال بعد الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
وعامة هذه الآثار التي يوردها نجدها في كتب من سبقه من أهل السنة والجماعة، فينقلها المؤلف بالسند المتصل إلى أصحاب هذه الكتب، ومن هذه الكتب: كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد.
وذكر المحقق -حفظه الله- غير ذلك من مصادر ابن بطة في كتابه الإبانة.
وقد اقتبس ابن بطة -رحمه الله- من رسالة الإمام أحمد الكثير، فانظر لذلك، 86/2-89، يقابل في نسخة د. عميرة: 101-104، 157/2، 160. الموافق لنسخة الدكتور عميرة، ص: 106-108. وكذا في: 166/2، 167 يقابل في الرد نسخة د. عميرة، ص: 112، 113.
وكذا في 170/2، 171 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 114، 115. وكذا في 175/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 133، 134. وكذا في 179/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 110. وكذا في 183/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 120. وكذا في 195/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 143، 144. وكذا في 197/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 130. وكذا في 198/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة 123-125. وكذا في 202/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 145. وكذا في 301/2 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 130، 131. وكذا في 3/ 3-5 يقابل في الرد نسخة د. عميرة ص 128، 129. 10- الفهرست لابن النديم.
طبع دار المعرفة، اعتنى بها وعلق عليها الشيخ إبراهيم رمضان، ص: 281. قال رحمه الله: أحمد بن حنبل، وهو أبو عبد الله أحمد بن حنبل وله من الكتب: كتاب العلل، كتاب التفسير، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب الزهد، كتاب المسائل، كتاب الفضائل، كتاب الفرائض، كتاب المناسك، كتاب الأيمان، كتاب الأشربة، كتاب طاعة الرسول، كتاب الرد على الجهمية، كتاب المسند.
11- اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن قيم الجوزية رحمه الله،
طبع مكتب الرشد، إعداد وتحقيق الدكتور عواد عبد الله المعتق، انظر: ص: 220-213. قال ابن القيم رحمه الله: قال الخلال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله وكتبه عبد الله من خط أبيه.
واحتج القاضي أبو يعلى في كتابه: إبطال التأويل، بما نقله منه عن أحمد، وذكر ابن عقيل في كتابه بعض ما فيه عن أحمد، ونقل منه أصحابه قديْمًا وحديثًا ونقل منه البيهقي، وعزاه إلى أحمد، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية عن أحمد، ولم يسمع من أحد من متقدمي أصحابه ولا متأخيرهم، طعن فيه، فإن قيل هذا الكتاب يرويه أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال عن الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، وهؤلاء كلهم أئمة معروفون إلا الخضر بن المثنى، فإنه مجهول فكيف تثبتون هذا الكتاب عن أحمد برواية مجهولة، فالجواب من وجوه.
أحدها: أن الخضر هذا قد عرفه الخلال وروى عنه كما روى كلام عن أبي عبد الله عن أصحابه وأصحاب أصحابه، ولا يضر جهالة غيره له.
الثاني: أن الخلال قد قال: كتبته من خط عبد الله بن أحمد وكتبه عبد الله من خط أبيه.
والظاهر أن الخلال إنما رواه عن الخضر؛ لأنه أحب أن يكون متصل السند على طريق أهل النقل، وضم ذلك إلى الوجادة، والخضر كان صغيرًا حين سمعه من عبد الله، ولم يكن من المعمرين المشهورين بالعلم ولا هو من الشيوخ، وقد روى الخلال عنه
غير هذا في جامعه.1
ثم قال رحمه الله: ومما يدل على صحة هذا الكتاب ما ذكره القاضي أبو الحسين ابن القاضي أبي يعلى، فقال: قرأت في كتاب أبي جعفر محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قرأت على أبي صالح بن أحمد بن حنبل هذا الكتاب، وقال: هذا كتاب عمله أبي في محبسه2ردًّا على من احتج بظاهر القرآن وترك ما فسره رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وما يلزم اتباعه.3
ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو عبد الله إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، مروزي الأصل، قدمت أمه بغداد وهي حامل، فولدته، ونشأ بها، وطلب العلم، وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، فكتب عن علماء ذلك العصر. توفي أبوه محمد بن حنبل وله ثلاثون سنة فوليته أمه.1
ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. قال أبو بكر المروزي: قال لي أبو عبد الله: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة.2
وطلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة 3.
أما عِلْمه وإمامته في الدين: فقد قال إبراهيم الحربي: رأيت أبا عبد الله كأن الله جمع له
علم الأولين والآخرين من كل صنف.1
وقال الشافعي: أحمد إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، وإمام في الفقه، وإمام في اللغة، وإمام في القرآن، وإمام في الفقر، وإمام في الزهد، وإمام في الورع، وإمام في السنة.2
وقال صالح وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل: إن أباهما كتب بخطه ألف ألف حديث. وقال أبو زرعة لعبد الله بن أحمد: أبوك يحفظ ألف ألف حديث.3
وقال عبد الله بن داود الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه، وكان بعده أبو إسحاق الفزاري أفضل أهل زمانه.
قال نصر بن علي: وأنا أقول: كان أحمد بن حنبل أفضل أهل زمانه... وقال قتيبة: لولا الثوري لمات الورع، ولو أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين.
قلت: "القائل هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن شبويه": تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين... وقال أيضًا قتيبة: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إماما
الدنيا... وقال الميموني: سمعت علي بن المديني يقول: ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قام أحمد بن حنبل. قال: قلت له: يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصديق؟! قال ولا أبو بكر الصديق، إن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب.1
وقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل... وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل.2
وقال علي بن المديني عن أحمد بن حنبل: هو أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه؛ لأن سعيد كان له نظراء، وأن هذا ليس له نظير. وقال: إن الله أيد هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.3
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل،
وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، كان أحمد أفقههم.1
وقال قتيبة بن سعيد: إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة.2
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مخالفون؛ لأن الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم3.
وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام... وقال سفيان بن وكيع: أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عند فاسق... وقال أبو الحسن الطرخاباذي الهمداني: أحمد بن حنبل محنة، به
يعرف المسلمون من الزنديق. أما مؤلفاته: فهي كثيرة، أشهرها المسند، وهو يشتمل على ما يقارب أربعين ألف حديث، وكتاب الزهد، وفضائل الصحابة، والعلل ومعرفة الرجال، والورع، والرد على الجهمية.1
والسنة، والصلاة وكتب المسائل برواية ابنه عبد الله، وابنه صالح، وأبي داود السجستاني، وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ، وإسحاق بن منصور الكوسج، ورواية أبي القاسم، وغير ذلك كثير، قاربت الخمسين كتاباً أو تزيد. أما شيوخه: الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف، كما ذكره الحافظ الذهبي في السير.2
وحدَّث عنه شيوخه، الشافعي وعبد الرزاق. أما تلاميذه: فهم كثير، لا يحصون عددًا، ولكن أبرزهم وأشهرهم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.3
وأما محنته في مسألة خلق القرآن: فقد تعرض لأصناف التعذيب وأنواع التهديد والتنكيل ما لم يتعرض لمثله أحد.
فقد دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، ولكنه مات قبل أن يناظر الإمام أحمد، وعندما تولى المعتصم سجن الإمام أحمد قرابة ثلاثين شهرًا، وضرب ظهره
بالسياط، وثبت ثبوت الجبال الشوامخ، وخرج من المحنة كالذهب الخالص ولم يستعمل التَّقِيَّة، بل لم تأخذه في الله لومة لائم. قال ابن كثير: وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة، وقيل خمسة: أحمد بن حنبل، وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجند بسابوري ومات في الطريق، نوح بن حماد الخزاعي وقد مات في السجن، وأبو يعقوب وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن، وكان مثقلاً بالحديد، وأحمد بن نصر الخزاعي.1
وقال ابن تيمية: فإنه أعطي من الصبر واليقين ما يستحق به الإمامة في الدين، وقد تداوله ثلاثة خلفاء مسلطون من شرق الأرض إلى غربها، ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والسعاة والأمراء والولاة من لا يحصيهم إلا الله، فبعضهم بالحبس وبعضهم بالتهديد الشديد بالقتل وغيره، وبعضهم بالتشريد والنفي.2
أما وفاته: فقد توفي -رحمه الله- في يوم الجمعة الموافق الثاني عشر من ربيع الأول سنة 241هـ عن سبع وسبعين سنة، وكانت جنازته حافلة مشهودة، بلغ من حضر من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة3.
ذكر شيء من محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله- وحجاجه لابن أبي دؤاد وأصحابه بحضرة المعتصم1قال ابن بطة رحمه الله: حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء، قال: حدثنا أبو نصر -عصمة بن أبي عصمة- قال: حدثنا أبو العباس -الفضل بن زياد- قال: حدثنا أبو طالب -أحمد بن حميد- قال: "قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا طالب! ليس شيء أشد عليهم مما أدخلت عليهم حين ناظروني، قلت لهم: علم الله مخلوق؟ قالوا: لا.
قلت: فإن علم الله هو القرآن.
قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [أل عمرن: 61].
وقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 145] هذا في القرآن في غير موضع من العلم.
وحدثني أبي رحمه الله، قال: حدثنا أبو جعفر -محمد بن الحسن بن بدينا- قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: "قال لهم -يعني: المعتصم-: كلموه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فقلت: ما تقول في علم الله؟ فسكت.
قال: فقال لي بعضهم: قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] فالقرآن أليس هو شيئًا؟ فقلت: قال الله عز وجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء﴾ [الأحقاف: 25] فهل دمرت إلا ما أتت عليه.
فقال لي بعضهم: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ قال: فقلت لهم: قال الله عز وجل: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام".
حدثنا أبو عمرو -حمزة بن القاسم- قال: حدثنا حنبل، قال: حدثنا أبو عبد الله بنحو هذه القصة، قال: "فقلت لهم: هذا نكرة، فقد يكون على جميع الذكر، والذكر معرفة وهو القرآن".
وأخبرني أبو عمرو 1-عثمان بن عمر الدراج- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون الخلال- قال: كتب إليّ أحمد بن الحسين الوراق -من الموصل - قال: حدثنا بكر بن محمد بن الحكم عن أبيه عن أبي عبد الله، قال: سألته عما احتج به حين دخل على هؤلاء، فقال: "احتجوا عليَّ بهذه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] أي: أن القرآن محدث، فاحتججت عليهم بهذه الآية: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] قلت: فهو سماه الذكر وقلت: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ فهذا يمكن أن
يكون غير القرآن محدث، ولكن ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1] فهو القرآن، ليس هو محدثًا؛ قال: فبهذا احتججت عليهم.
واحتجوا عليَّ: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا كذا أعظم من آية الكرسي، قال: فقلت له: إنه لم يجعل آية الكرسي مخلوقة، إنما هذا مثل ضربه، أي: هي أعظم من أن تخلق، ولو كانت مخلوقة لكانت السماء أعظم منها، أي: فليست بمخلوقة.
قال: واحتجوا عليَّ بقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: 62] فقلت: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] فخلق من القرآن زوجين، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء﴾ [النمل: 23] فأوتيت القرآن؟ فأوتيت النبوة؟ أوتيت كذا وكذا؟ وقال الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء﴾ [الأحقاف: 25] فدمرت كل شيء؟ إنما دمرت ما أراد الله من شيء، قال: وقال لي ابن أبي دؤاد أين تجد أن القرآن كلام الله؟ قلت: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: 27] فسكت.
وقلت له بين يدي الرئيس، وجرى كلام بيني وبينه، فقلت له: اجتمعت أنا وأنت: أنه كلام.
وقلت: إنه مخلوق، فهاتوا الحجة من كتاب الله أو من السنة؛ فما أنكر ابن أبي دؤاد ولا أصحابه أنه كلام.
قال: وكانوا يكرهون أن يظهروا أنه ليس بكلام فيشنع عليهم".
حدثنا حمزة بن القاسم، قال: حدثنا حنبل؛ قال: "قال
أبو عبد الله: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، فإذا كلمني أبو إسحاق، ألنت له القول والكلام.
قال: فقال لي أبو إسحاق: لئن أجبتني لآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك: ولأنوهن1باسمك، يا أحمد! اتق الله في نفسك، يا أحمد! الله الله.
قال أبو عبد الله: وكان لايعلم ولايعرف، ويظن أن القول قولهم، فيقول: يا أحمد إني عليك شفيق.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا القرآن وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخباره، فما وضح من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا وهذا.
قال: فقال ابن أبي دؤاد انقطع وانقطع أصحابه: والذي لا إله إلا هو؛ لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة وألف ومائة ألف عددًا مرارًا كثيرة.
قال أبو عبد الله: وكان فيما احتججت عليهم يومئذ، قلت لهم: قال الله عز وجل: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، وذلك أنهم قالوا لي: أليس كل ما دون الله مخلوق؟ فقلت لهم: فرق بين الخلق والأمر، فما دون الله مخلوقًا، أما القرآن، فكلامه ليس بمخلوق.
فقالوا: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40].
فقلت لهم: قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّه﴾ [النحل: 1] فأمره كلامه واستطاعته ليس بمخلوق، فلا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فقد نهينا عن ذلك".
قال حنبل: "وقال أبو عبد الله: واحتججت عليهم فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها، وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع.
قال الله -عز وجل- في كتابه تصديقًا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكى عنه، فقال: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم: 42] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر؛ فهذا منكر عندكم.
فقالوا: شبَّه، شبَّه يا أمير المؤمنين.
فقلت: أليس هذا القرآن؟ هذا منكر عندكم مدفوع، وهذه قصة موسى؛ قال الله -عز وجل- لموسى في كتابه حكاية عن نفسه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [النساء: 164] فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى، ثم قال: يا موسى! ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14] فتنكرون هذا، فيجوز أن تكون هذه الياء راجعة ترد على غير الله، أو يكون مخلوق يدعي الربوبية؟ وهل يجوز أن يقول هذا غير الله؟ وقال له: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ [النمل: 10] ﴿إِنِّي1أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12].
فهذا كتاب الله يا أمير المؤمنين، فيجوز أن يقول لموسى: أنا ربك مخلوق، وموسى كان يعبد مخلوقًا، ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين؟ قال: فأمسكوا، وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.
قال أبو عبد الله: والقوم يدفعون هذا وينكرونه، ما رأيت أحدًا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام، واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم، وينكرون الرؤية والآثار كلها، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم.
قال أبو عبد الله: قيل لي يومئذ: كان الله ولا قرآن: فقلت له: كان الله ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم غير ذلك أن الله كان ولا علم؛ لكفر بالله.
قال أبو عبد الله: وقلت له -يعني: لابن الحجام-: يا ويلك، لا يعلم حتى يكون فعلمه وعلمك واحد، كفرت بالله عالم السر وأخفى، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ويلك، يكون علمه مثل علمك، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قال أبو عبد الله: فهذه أليست مقالته؟ قال أبو عبد الله: وهذا هو الكفر بالله، ما ظننت أن القوم هكذا.
لقد جعل برغوث يقول يومئذ: الجسم كذا وكلام لا أفهمه؛ فقلت: لا أعرف ولا أدري ما هذا، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد، لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف نفسه؛ فيسكت عني.
قال: فقال لي شعيب: قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] أفليس كل مجعول مخلوقًا؟ قلت: فقد قال الله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: 58] أفخلقهم؟ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: 5] أفخلقهم؟ أفكل مجعول مخلوق؟ كيف يكون مخلوقًا وقد كان قبل أن يخلق الجعل؟ قال فأمسك".
وأخبرني أبو عمرو -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون- قال: أخبرني علي بن أحمد -أبو غالب- قال: حدثني محمد بن يوسف المروزي -المعروف بابن سرية- قال: "دخلت على أبي عبد الله والجبائر على ظهره، قال لي يا أبا جعفر! أشاط القوم بدمي؛ فقالوا له -يعني: المعتصم-: يا أمير المؤمنين! سله عن القرآن، أشيء هو أو غير شيء؟ قال: فقال لي المعتصم: يا أحمد! أجبهم.
قال: فقلت له يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء لا علم لهم بالقرآن، ولا بالناسخ والمنسوخ، ولا بالعام والخاص، قد قال الله -عز وجل- في قصة موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 145] فما كتب له القرآن.
وقال في قصة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]
وما أوتيت القرآن؛ فأخرسوا".
حدثني أبي رحمه الله؛ قال: حدثنا أبو جعفر، محمد بن الحسن بن بدينا1قال: حدثنا صالح بن أحمد أن أباه قال: "قال لي رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.
قال: فقلت له: ما تقول في قول الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] فقال: خص الله به المؤمنين، قال: قلت: فما تقول إن كان قاتلاً أو عبدًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا؟ فسكت".
وأخبرني أبو عمر -عثمان بن عمر- قال: حدثنا أبو بكر -أحمد بن محمد بن هارون الخلال- قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: سمعت هرثمة بن خالد -قرابة إسحاق بن داود- وكنا جميعًا أنا وإسحاق، قال: قال أحمد بن حنبل: "قال لي ابن أبي دؤاد -وهم يناظروني- وقد كنت قلت لهم: أوجدوني ما تقولون في كتاب الله أو في سنة رسول الله، أوجدني أنت يابن حنبل في علمك أن هذا البساط الذي نحن عليه مخلوق؟ قال: قلت: نعم.
قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] قال: فكأني ألقمته حجرًا".
حدثنا أبو إسحاق -إبراهيم بن إسحاق الشيرجي الخصيب- قال: حدثنا أبو بكر -محمد بن الحجاج المروذي- قال: "قال لي
أبو عبد الله: مكثت ثلاثة أيام يناظرونني.
قلت: فكان يدخل إليك بالطعام؟ قال: لا.
قلت: فكنت تأكل شيئًا؟ قال: مكثت يومين لا أطعم، ومكثت يومين لا أشرب، ومكثت ثلاثة أيام يناظرونني بين يديه -يعني: الرأس أبا إسحاق- وقد جمعوا عليَّ نحو من خمسين بصريًّا وغير ذلك -يعني: من المناظرين- وفيهم الشافعي الأعمى1، فقلت له: كلهم يناظرونك بالليل؟ قال: نعم كل ليلة، وكان فيهم الغلام غسان -يعني: قاضي الكوفة- وقال: إنما كان الأمر أمر ابن أبي دؤاد، قلت له: كانوا كلهم يكلمونك؟ قال: نعم، هذا يتكلم من ههنا، وهذا يحتج من ههنا، وهذا يتأول على آية، وعجيف عن يمينه، وإسحاق عن يساره قائم، ونحن بين يديه -يعني: أبا إسحاق- فسألني غير مرة فقلت: أوجدني في كتاب أو سنة؛ فقال لي إسحاق وعجيف: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة؟ قلت لهم: ناظروني في الفقه أو في العلم.
فقال عجيف: أنت وحدك تريد أن تغلب هؤلاء الخلق كلهم وَلَزَّني بقائمة سيفه، وأشار أبو عبد الله إلى عنقه يريني بيده هكذا، ثم قال إسحاق بن إبراهيم: وأنت لا تقول إلا ما كان في كتاب أو سنة، ولكزني بقائمة سيفه -وأومأ أبو عبد الله إلى حلقه- قلت: فكان