بيان ما تأولت الجهمية من قول الله:﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾
فزعموا أن الله هو قبل الخلق، فصدقوا، وقالوا: يكون الآخر بعد الخلق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسي. وزعموا أن شيئًا مع الله لا يكون، هو الآخر كما كان، فأضلوا بهذا بشرًا كثيرًا.1
وقلنا: أخبرنا الله عن الجنة ودوام أهلها فيها، فقال: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 21].
فإذا قال جل وجهه: ﴿مُقِيمٌ﴾ وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57] وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: 35]، فإذا قال الله: ﴿دَائِمٌ﴾ لا ينقطع أبدًا.
وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48] وقال: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39].
وقال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].
وقال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 3]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 107]. وقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: 32، 33]. ومثله في القرآن كثير.
وذكر أهل النار فقال: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36].
وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
وقال: ﴿لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: 49].
وقال: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77].
وقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: 21].
وقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56].
وقال: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: 22].
وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8].
ومثله في القرآن كثير 1.
وأما السماء والأرض فقد بادتا؛ لأن أهلها صاروا إلى الجنة والنار.
وأما العرش فلا يبيد ولا يذهب؛ لأنه سقف الجنة والله عليه فلا يهلك ولا يبيد.
وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88].
وذلك أن الله أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26].
قالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأنزل الله آية يخبر عن أهل السموات وأهل الأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ من الحيوان ﴿هَالِكٌ﴾ يعني ميت ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أنه حي لا يموت، فأيقنوا عند ذلك بالموت.
وقلنا للجهمية حين زعموا أن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان فقلنا: أخبرونا عن قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: 134]. لِمَ يتجلى للجبل إن كان فيه بزعمهم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن يتجلى لشيء هو فيه، ولكن الله -جل ثناؤه- على العرش، وتجلى
لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قبل ذلك.1
وقلنا للجهم: فالله نور؟ فقال: هو نور كله، فقلنا: فالله قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69].
فقد أخبر الله -جل ثناؤه- أن له نورًا.
فقلنا: أخبرونا حين زعمتم أن الله في كل مكان وهو نور، فلِمَ لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إن زعمتم أن الله في كل مكان؟ وما بال السراج إن أدخل البيت يضيء؟ 2.
فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى.
فرحم الله من عقل عن الله ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة.
وقال بقول العلماء.
وهو قول المهاجرين والأنصار، وترك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته.3
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
آخر الكتاب