أهل الأثرالأرشيف العلمي

الرد على الجهمية في تسمية القرآن شيئا...

فقلنا: إن الله في القرآن لم يسم كلامه شيئًا إنما سمى شيئًا الذي كان بقوله: ألم تسمع إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: 40].
فالشيء ليس قوله: إنما الشيء الذي كان بقوله.
وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: 82].
فالشيء ليس هو أمره، إنما الشيء الذي كان بأمره.
ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة قال الله للريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25].
وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها، منازلهم، ومساكنهم، والجبال التي بحضرتهم، فأتت عليها تلك الريح ولم تدمرها.
وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 102] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.
وقال لملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23].
قد كان ملك سليمان شيئًا ولم تؤته، وكذلك إذا قال: ﴿خَاََلِقُ

كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعني كلامه مع الأشياء المخلوقة.
وقال الله لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 30].
وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54].
وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]. ثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. فقد عرف من عقل عن الله أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت، وقد ذكر الله -عز وجل- كل نفس، فكذلك إذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 102] لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة.1

ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله.
فرحم الله من فكر، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، ولم يقل على الله إلا الحق، فإن الله قد أخذ ميثاق خلقه فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [الأعراف: 169]. وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
فقد حرم الله أن يقال عليه الكذب، وقد قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60].
فأعاذنا الله وإياكم من فتن الضالين.
وقد ذكر الله كلامه في غير موضع من القرآن، فسماه كلامًا، ولم يسمه خلقًا.

قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 75].
وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143]. وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: 144]، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: 158] فأخبرنا الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يؤمن بالله وبكلام الله، وقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15].
وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: 109]. وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6].
ولم يقل: حتى يسمع خلق الله.
فهذه نصوص بلسان عربي مبين، لا يحتاج إلى تفسير هو مبين بحمد الله.
وقد سألت الجهمية: أليس إنما قال الله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ﴿وَقُولُوا آمَنَّا

بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]، ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]، وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: 29]، وقال: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54].
ولم نسمع الله يقول: قولوا إن كلامي خلق.
وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا﴾ [النساء: 171]. وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 94]، ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: 104]، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: 154]، ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23، 24]، ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: 88]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام: 151]، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: 29]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18].
ومثله في القرآن كثير.
فهذا ما نهى الله عنه، ولم يقل لنا: لا تقولوا: إن القرآن كلامي.
وقد سَمَّت الملائكة كلام الله كلامًا ولم تسمه خلقًا، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: 23].
وذلك أن الملائكة لم يسمعوا صوت الوحي ما بين عيسى ومحمد

صلى الله عليه وسلم، وبينهما كذا وكذا سنة. فلما أوحى الله إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- سمع الملائكة صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا فظنوا أنه أمر من الساعة، ففزعوا وخروا لوجوههم سجدًا، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: 23]. يقول: حتى إذا انجلى الفزع عن قلوبهم رفع الملائكة رءوسهم فسأل بعضهم بعضًا فقالوا: ماذا قال ربكم.1
ولم يقولوا، ماذا خلق ربكم.2
فهذا بيان لما أراد الله هداه.
ثم إن الجهم ادعى أمرًا آخر فقال: أنا أجد آية في كتاب الله تبارك وتعالى تدل على أن القرآن مخلوق.
فقلنا في أي آية؟.. فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2].

فصول الكتاب · 58 فصل · 175 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الرد على الجهمية والزنادقة
تأليف أحمد بن حنبل
الأولى
تقدّمك في الكتاب: الرد على الجهمية في تسمية القرآن شيئا... — 39 من 59
فصول الرد على الجهمية والزنادقة · 175 صفحة
مقدمة...
مقدمة التحقيق...
مقدمة المصنف رحمه اللهباب بيان ما ضلت فيه الزنادقةشك الزنادقة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ،﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْشك الزنادقة في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾....شك الزنادقة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾...شك الزنادقة في قوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾...مدخل...اعتماد الجهم على ثلاثة آيات من المتشابه...تفسير الجهمية لجعل بمعنى خلق والرد عليهم...بيان ما فصَّل الله بين قوله وخلقهالكلام على واو الثمانية.بيان ما أبطل الله أن يكون القرآن إلا وحيًا وليس بمخلوقالكلام على لفظة: لعمريالرد على الجهمية في تسمية القرآن شيئا...الرد على الجهمية بتسمية القرآن محدثا...اجتماع الشيئين في اسم واحد يجري عليه المدح أو الذمشبهة أخرى للجهمية على أن القرآن مخلوق...بيان ماجحدت الجهمية من قول الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾...الرد على الجهمية في قولهم: إنها تنتظر الثواب...إثبات رؤية الله عز وجل في الأخرة...بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسىبيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرشالرد على الجهمية في زعمهم أن الله في كل مكانإثبات ذم صفة السفل وأنها منفية عن الله عز وجلنفي اجتماع الله بالشياطين وتنزيهه عن مجامعة الخبث والجنسأدلة عقلية على عدم مماسة الله لخلقهإثبات أن الله بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع الخلقإثبات علو الله عز وجل وفوقيته على جميع خلقهبيان ماتأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾...بيان ما ذكر الله في القرآن:﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾،الكلام على أسم الله في القران هل هو مخلوق؟بيان ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق، من الأحاديث التي رويتبيان ما تأولت الجهمية من قول الله:﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾الفهرس...
جارٍ التحميل