اعتماد الجهم على ثلاثة آيات من المتشابه...
استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه، فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائبة عن الأبصار.
فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم.
فقال: هل رأيت روحك؟ قال: لا.
قال: فسمعت كلامه؟ قال: لا.
قال: فوجدت له حسًّا؟ قال: لا.
قال: فكذلك الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان.
ووجد ثلاث آيات من المتشابه: وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3].
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] 1.
فبنى أصل كلامه على هذه الآيات1، وتأوَّل القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد2بالبصرة ووضع دين
الجهمية1، فإذا سألهم الناس عن قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، وهو تحت الأرضين السبع، كما هو على العرش، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، ولم يتكلم، ولا يتكلم، ولا ينظر إليه أحد في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة، ولا يفعل ولا له غاية، ولا له منتهى.
ولا يدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كله، وهو سمع
كله، وهو بصر كله، وهو نور كله، وهو قدرة كله، ولا يكون فيه شيئان، ولا يوصف بوصفين مختلفين، وليس له أعلى ولا أسفل، ولا نواحي ولا جوانب، ولا يمين، ولا شمال، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا له لون، ولا له جسم، وليس هو بمعلوم ولا معقول وكل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه.1
قال أحمد: وقلنا: هو شيء.
فقالوا: هو شيء لا كالأشياء.
فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل، أنه لا شيء.
فعند ذلك، تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية.2
فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.
فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة.
قالوا: نعم.
فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تؤمنون بشيء، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرونه.
فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.
قالوا: لم يتكلم ولا يكلم؛ لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية.
فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله.1