باب فضل علم ناسخ القرآن ومنسوخه وتأويل النسخ في التنزيل والآثار
1 - قال 1: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي 2 قال: حدثنا سفيان 3 عن أبي حصين 4 عن أبي عبد الرحمن السّلمي 5 أنّ عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه 6 - مرّ بقاصّ يقص فقال: هل علمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت 7.
2 - أخبرنا علي 1، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا محمد بن ربيعة الرؤاسي 2 عن سلمة بن نبيط الأشجعي 3 عن الضحاك بن مزاحم 4 عن ابن عباس 5 أنه رأى قاصا يقص، فقال مثل مقالة علي سواء 6. 3 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح الجهني 7 عن معاوية بن صالح الحضرمي 8 عن على بن
أبي طلحة 1 عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً 2. قال أبو عبيد: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله قال: فأما قوله عز وجل: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ 3 فإنه يعني تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله 4.
4 - أخبرنا علي قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ 5. قال: المحكمات ناسخه، وحلاله، وحرامه، وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به قال: وقال ابن عباس في قوله عزّ وجل:
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ 6 قال: ما نبدّل من آية، أو (ننسها) قال: نتركها لا نبدّلها.
قال: وقول الله عز وجل: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ 7 يقول:
يبدل من القرآن ما يشاء فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله.
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ 1 يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ 2.
5 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج 3 عن ابن جريج 4 عن مجاهد 5 في قوله عز وجل: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها قال: نثبت خطها ونبدل حكمها 6.
6 - قال: وقال عطاء 7 قوله عز وجل: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ يقول:
ما نزل من القرآن.
قال: وقوله: (أو ننسأها) قال: نؤخرها فلا تكون 1.
قال أبو عبيد: هكذا قراءة عطاء 2.
7 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم 3 ومروان ابن معاوية الفزاري 4 كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان 5 عن عطاء في قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها قال: نؤخرها.
8 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد 6 عن جرير
ابن حازم 1 عن حميد الأعرج 2 عن مجاهد مثل قول عطاء: (ننسأها) نؤخرها 3. 9 - أخبرنا علي قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج 4 عن ابن جريج عن مجاهد وعطاء أنهما قرءاها: (ما ننسخ من آية أو ننسأها) 5. 10 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج 6 عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير 7 عن علي الأزدي 8 عن عبيد بن عمير الليثي 9 أنه قرأها كذلك: (أو ننسأها) 10.
قال أبو عبيد فمن قرأ هذه القراءة التي قرأ بها عبيد بن عمير ومجاهد وعطاء وكثير عن القراء، منهم أبو عمرو بن العلاء 1 وغيره من أهل البصرة فإنهم يريدون بالنسخ ما نسخه الله عز وجلّ لمحمد- صلّى الله عليه- من اللوح المحفوظ فأنزله عليه.
فيصير المنسوخ على هذا التأويل وبهذه القراءة جميع القرآن 2 يقولون: لأنه نسخ للنبي- صلّى الله عليه- من أم الكتاب فأنزله عليه، ويكون النسأ: ما أخره الله عز وجل وتركه في أم الكتاب فلم ينزله، وكذلك النسأ في التأويل إنما هو التأخير، ومنه قوله عز وجل: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ 3 هو في التفسير تأخيرهم تحريم المحرّم إلى صفر.
وكذلك حديث النبي- صلّى الله عليه- «من سرّه النسيء في الأجل والمدّ في الرزق فليصل رحمه» 4.
11 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال سمعت عبّاد بن عبّاد المهلبي يحدثه عن يزيد الرّقاشي عن أنس عن النبي- صلّى الله عليه.
قال أبو عبيد: فهذا الذي أراد عطاء 5 بقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: ما نزل من القرآن، وبقوله: (أو ننسأها) قال نؤخرها.
قال أبو عبيد: وهو مذهب من قرأ بهذه القراءة وتأول هذا التأويل.
قال أبو عبيد: وأما الذي نذهب إليه ونختاره فغير ذلك، وهو: أن يكون المنسوخ ما تعرفه الأمّة من ناسخ القرآن ومنسوخه، وتكون القراءة (أو ننسها) بمعنى النسيان، وهي قراءة الأكابر من أصحاب رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- منهم أبيّ ابن كعب 1، وعبد الله بن مسعود 2، وسعد بن أبى وقاص 3 وعبد الله بن عباس- على أنه قد اختلف عن ابن عباس فيها- وقرأ بها من التابعين سعيد بن المسيّب 4 والضحاك بن مزاحم وأهل المدينة وأهل الكوفة.
12 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج 5 عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد في قراءة أبيّ بن كعب (ما ننسخ من آية أو ننسك) 6.
13 - قال أبو عبيد: والذي يروى عن عبد الله (ما ننسك من آية أو ننسخها) يحدثون بذلك عن قرّة بن خالد 1 عن الضحاك عن ابن مسعود 2.
14 - وقرأها الضحاك أَوْ نُنْسِها 3 على ذلك التأويل.
15 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال:
أخبرنا يعلى بن عطاء 4 عن القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي 5 قال: سمعت سعد بن أبى وقاص يقرأ: (ما ننسخ من آية أو تنسها) 6. قال: فقلت له:
إن سعيد بن المسيّب يقرأ: (أو ننسها) أو (ننسها) - شك أبو عبيد- فقال: إن القرآن لم ينزل على آل المسيّب، وقال الله عز وجل لنبيه- صلّى الله عليه-: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 7 وَاذْكُرْ 8 رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ 9.
16 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال حدثنا إسماعيل بن جعفر 1 عن أبي جعفر القاري 2 وشيبة بن نصاح 3 ونافع بن أبي نعيم 4 أنهم قرءوها: أَوْ نُنْسِها 5.
قال أبو عبيد: وكذلك قرأ الكوفيون.
قال أبو عبيد: والمعنى في قراءة هؤلاء إنما هو مأخوذ من النسيان.
قال:
وإن كان بعضهم أضافه إلى النبى- صلّى الله عليه- وبعضهم أخبر أن الله عز وجل فعل ذلك به، وليس بين القولين اختلاف.
لأنه ليس يفعل النبى- صلّى الله عليه- إلا ما وفقه الله عز وجل له، فإذا أنساه نسي، إلا أن ابن عباس خاصة أراد بالنسيان الترك في الحديث الذى ذكرناه عنه في قوله عز وجل: أَوْ نُنْسِها قال: نتركها فلا نبدّلها، فكأنه جعله مثل قوله: روى نحوه الطبري جامع البيان ج 2 الأثر (1755) ص 474، 475، ت محمود وأحمد محمد شاكر.
وروى نحوه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(المستدرك مع التلخيص ج 2، كتاب التفسير/ ص 242).
كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى 1 وكقوله عز وجل: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ 2 هو في التفسير الترك، لأن الله عز وجل لا يضل ولا ينسى، فهذا فصل ما بين التأويلين والقراءتين في النسأ والنسيان.
وأما النسخ: فإن له ثلاثة مواضع في الكتاب والسنة ولكلها شواهد ودلائل، فأحدها: نسخ القرآن مما يعمل به، وهو علم الناسخ من المنسوخ والشاهد عليه ما فسره ابن عباس في حديثه الذي ذكرناه: أنه إبدال الآية مكان الآية، ثم أوضحه مجاهد فقال: يثبت خطها ويبدل حكمها، فهذا هو المعروف عند العالم أن الآية الناسخة والمنسوخة جميعا ثابتتان في التلاوة وفي خطّ المصحف إلا أن المنسوخة منهما غير معمول بها، والناسخة هي التي أوجب الله عز وجل على الناس اتباعها والأخذ بها.
وأما النسخ الثاني: فأن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها، فتكون خارجة من قلوب الرجال ومن ثبوت الخط والشاهد عليه أحاديث عدّة.
17 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث 3 عن عقيل 4 ويونس 5 عن ابن شهاب 6 قال: أخبرني
أبو أمامة بن سهل بن حنيف 1 في مجلس سعيد بن المسيب: أن رجلا كانت معه سورة فقام يقرؤها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرؤها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله- صلّى الله عليه وسلم- فقال بعضهم: يا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا، فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلا لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله، فقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-: إنها، أو قال 2: نسخت البارحة 3 وزاد عقيل في حديثه قال: وابن المسيب جالس لا ينكر ذلك.
قال أبو عبيد: فقد تبين في هذا الحديث أن النسخ هو رفع السورة، وكذلك حديثه الآخر.
18 - أخبرنا أبو الحسن علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر الواسطي 4 عن سفيان عن سلمة بن كهيل 5 أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام، متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة.
(التهذيب 9/ 445 - التقريب 2/ 207).
عن ذر 1 عن عبد الرحمن بن أبزى 2 قال: صلّى رسول..... 3
موضعه 4، فهذا هو المستعمل في كلام العوام وله مع هذا شاهد من القرآن.
19 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو معاوية 5 عن الأعمش 6 عن حبيب بن أبي ثابت 7 عن سعيد بن جبير 8 عن ابن عباس
في قوله عز وجل: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 1 قال: قال ابن عباس: ألستم قوما عربا هل تكون النسخة إلا من أصل قد كان قبل ذلك 2.
20 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعيد بن جبير في قوله: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ 3 قال: الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، والذكر هو الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب 4.
قال أبو عبيد: فهذان الحديثان لا معنى للنسخ فيهما إلا الاكتتاب من شيء في آخر سواه، وإياه أراد عطاء بقوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: هو ما نزل من القرآن.
ابن الأشعث في جملة القراء فلما هزم ابن الأشعث هرب سعيد بن جبير إلى مكة فأخذه خالد القسرى بعد مدة وبعث به إلى الحجاج فقتله سنة خمس وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه.
(التهذيب 4/ 11 - التقريب 1/ 292).