ثالثا: جاء ذكر هذا الكتاب منسوبا إلى أبي عبيد في بعض أمهات كتب السلف في التفسير والحديث فمن ذلك: 1 - قال ابن كثير: قال أبو عبيد القاسم بن سلّام في كتاب الناسخ والمنسوخ أخبرنا حجاج بن محمد.... (1). 2 - وقال أيضا عند تفسيره لآية: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً (2) وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشح حدثنا أبو خالد عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ قال: كان يقال: نسختها التى بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ (3) قال: كان يقال الأيامى من المسلمين، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلّام في كتاب الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن المسيب (4). 3 - وقال البيهقي بعد أن ذكر أثرا عن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أن امرأة صامت حاملا فاستعطشت فسئل عنها ابن عمر فأمرها أن تفطر.... قال: ذكره أبو عبيد في كتاب الناسخ والمنسوخ.... (5).
3 -
منهج المؤلف في تصنيفه للكتاب
سار أبو عبيد في معالجة قضايا هذا الكتاب على منهج محدد المعالم مميز السمات يمكن الإشارة إليه من خلال النقاط التالية:12345
أولا: اعتناؤه بالإسناد إذ ليس في الكتاب حديث أو أثر إلا وجاء مسندا إلى قائله ما عدا القليل النادر جدا.
ثانيا: تقسيم أبواب الكتاب تدرجا حسب أبواب الفقه فجاءت أبوابه كالتالي: باب ذكر الصلاة ومعرفة ما فيها من الناسخ والمنسوخ، الزكاة وما فيها من ذلك، ذكر الصيام وما نسخ منه، النكاح وما جاء فيه من النسخ، الطلاق وما جاء فيه وهكذا.... إلى آخر الكتاب إذ بلغت أبوابه تسعا وعشرين من غير المقدمة.
ثالثا: يعرض في الغالب مسائل الخلاف عرضا علميا يورد فيه قول كل فريق وأدلته مناقشا أحيانا أدلة الخصوم مرجحا بالأدلة الثابتة ما يرى أنه المختار، فهو أشبه بطريقة الطبرى في تفسيره إذ يورد كل منهما الراجح من الأقوال بعد عرض الخلاف بأدلته، يورد الأول ذلك بصيغة: قال أبو جعفر، ويورد الثاني ذلك بصيغة: قال أبو عبيد.
رابعا: سار في مفهوم النسخ على منهج السلف الشامل واعتمد عليه في الحكم على النصوص.
وسأفرد لذلك عنوانا مستقلا: مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ.
خامسا: لم يقتصر المؤلف على النسخ في القرآن الكريم بل ناقش النسخ في السنة، كما تحدث عن عدد من الفرائض والأحكام في الآيات التى أوردها في الكتاب وقد مر بنا أمثلة لذلك في الموضوع الذي قبل هذا.
4 -
المميزات التى انفرد بها الكتاب
إن المطلع على كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد يظفر بكتاب امتاز بمزايا عدة من جودة التصنيف وحسن التبويب والأمانة العلمية في الغالب عند الأخذ والترك والقبول والرفض- لأي حكم من الأحكام المدعى عليها- بأنها مما تضمنه نص في الكتاب العزيز، أو المدعى عليها بأنها من المنسوخ.
كما يظفر بقدرة أبي عبيد على الجمع بين النصوص والآثار التي ظاهرها التعارض وقدرته على استنباط الأحكام من مواطنها في نصوص الكتاب.
وإليك شواهد من صلب الكتاب من خلالها تتضح المزايا التى تحلى بها أبو عبيد أثناء معالجته للقضايا والأحكام:
1 - اعتماده في صناعة أبواب الكتاب طريقة لم يتقدمه إليها أحد فيما أعلم ولم يحذ مسلكه ممن جاء بعده ممن صنف في الناسخ والمنسوخ.
إذ قسّمه إلى ثلاثين بابا حسب الموضوعات أولها فضل علم الناسخ والمنسوخ وتأويل النسخ ثم أعقبه بذكر أبواب في: الصلاة، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الحدود، الشهادات، شهادة أهل الكتاب، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، اليتامى، الحكم بين أهل الذمة، الطعام، الشراب، السكر، قيام الليل، النجوى، التقوى، التوبة عند الموت، توبة القتل، مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، الإكراه في الدين، الاستغفار للمشركين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي كل باب من هذه أورد الآيات المدعى عليها النسخ مما له تعلق بالباب وناقشها.
وإنما اعتبرت تبويبه على درجة من الحسن والجودة لأن علم الناسخ والمنسوخ مجاله الأحكام واعتماد المسلك الفقهي في معالجة قضايا النسخ أدعى إلى حصر النصوص محكمها ومنسوخها في الباب الواحد فيحصل بذلك تيسير الانتفاع وتسهيل الطلب.
2 - ما يتصل بتأويله للآيات ومناقشته للخلاف والوصول إلى الراجح فإنك تجده مثلا في المقدمة استعرض معنى قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها والقراءات فيها ثم ذكر المعنى الراجح لديه في تأويلها 1.
كما تجده في باب الصيام في معرض ذكره للقضاء والإطعام لكل من الحامل والمرضع والخلاف فيه، ذكر الراجح لديه في كل منهما 1.
3 - وما يتعلق بالجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض فإنك تجده بعد ذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى تحريم نكاح المرأة الفاجرة وذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى إباحة نكاحها يوفق بين التعارض بحمل قول من قال بالإباحة أنه مخصوص بالتوبة، فإن بدر منها توبة بعد فجورها حل نكاحها 2.
4 - وفي مجال الرد على المخالفين في مسائل النزاع تلمس فيه قوة الرد وشدة المقارعة للخصوم بالحجة والبيان وكمثال على ذلك: قوله في باب شهادة أهل الكتاب بعد ذكره للخلاف في تأويل آية الوصية في السفر ومن المعنى بقوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ.
يقول: وأما تأول الحسن: من قبيلتكم أو من قبيلة غيركم، فكيف يصير أهل المخاطبة بالآية من غيرهم وإنما خاطب الله بها أهل التوحيد كافة.
فقال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ فلم يبق أحد منهم إلا قد خوطب بها، فكيف يجوز أن يقال: من غيركم؟ إلا من كان خارجا منها، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث يتهم بعضهم بعضا فأنى يكون هذا؟ وإنما سماها الله لنا شهادة ثم أعاد ذكرها في الآية وأبداه مرارا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ وقال:
لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وقال: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها 3.
وهذا يتأولها في الادعاء من بعض الورثة على بعض فإنما هم مدّعون ومدّعى عليهم، فأين الشهادة من الدعوى؟ وكيف يقال للمدعي شاهد، فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجها، وليس أحد من الناس إلا وقد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلّى الله عليه وسلم 4.
5 - وفى مجال استنباط الأحكام من النصوص وتوسيع مدلولها وإدخال ما ليس فيه نص تحت حكم ما دل عليه النص للتشابه بين القضيتين.
تجد أبا عبيد أبدع في هذا المجال وأجاد إذ يقول في باب اليتامى: ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه وذلك قوله عز وجل: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ (1).
ثم قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل للشاهد الذي تفعل الرفاق في الأسفار ألا ترى أنهم يتخارجون النفقات بالسوية، وقد يتباينون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل طعامه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم بحمد الله ونعمته أوسع لولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس (2).
5 -
المآخذ التي لاحظتها على الكتاب
أيا كانت جهود البشر فهي عرضة للقصور والنقص والخطأ، وما من إنتاج علمي بلغ الذروة فوصل به صاحبه من جودة التصنيف وجمال التأليف مبلغا لم يسبق إليه إلا وسيأتى بعده من يستدرك عليه ويرصد هفواته ويكشف عن مواضع النقص فيه.
وليس القيام بهذا العمل دليلا على تفوق من قام به على من استدرك عليه إذ قد يستدرك العاجز عن التصنيف على من بلغت مصنفاته الآفاق وتداولها الناس، وانتفعوا بها على مر الأعصار.
ومن هنا سمحت لنفسي أن أتطاول على أبي عبيد في مصنفه «الناسخ والمنسوخ» فأسجل أمورا اعتبرتها من المآخذ عليه، فإن أكن وفقت للسداد، فذلك ما كنت أرجوه، وإن كانت الأخرى فحسبي ما بذلت من جهد.12
1 - اقتصر عند ذكره للصلاة علي النبي صلّى الله عليه وسلم على لفظة: صلى الله عليه، وهذا أسلوب مستغرب لم أجد أن أحدا من علماء السلف اصطلح عليه، مما يوهم القارئ للكتاب أن مؤلفه يسقط مشروعية السلام على النبي صلّى الله عليه وسلم مع الصلاة عليه وذلك ثابت بنص الكتاب في قوله جل ذكره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً 1.
ولقد التزم أبو عبيد هذا الأسلوب في الصلاة على النبي في كتابه:
«الناسخ والمنسوخ» في معظم المواطن التى ورد فيها ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم، كما التزمه كذلك في كتابه الإيمان، بينما في كتبه الأخرى فضائل القرآن، الأموال، غريب الحديث، ذكر الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم بكمالها.
2 - تركه للترجيح في قضايا ادعى عليها أقوام النسخ وخالفهم فيها آخرون إذ عرض أقوال الطرفين وسكت فلم يتتبع الخلاف ولم يورد المذهب الذي يميل إليه.
وكمثال على ذلك: في باب الزكاة عند ذكره لآية النساء وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً 2.
أورد الخلاف في إحكام الآية أو نسخها فبسط أقوال القائلين بالإحكام وأقوال المدعين للنسخ ثم ترك الأمر من غير ترجيح أو تعقيب 3.
وفي باب الحدود عند ذكره لآية المائدة فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ 4 ودعوى نسخها بآية: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ 5 تجده أورد
الآثار الدالة على النسخ والآثار الدالة على الإحكام ثم ترك الأمر بلا ترجيح أو تعقيب 1.
3 - أبو عبيد عند تناوله لبعض أبواب الكتاب يكتفي بإيراد الآثار والأحاديث ذات الصلة الوثيقة بالموضوع دون أدنى مناقشة لتلك النصوص والأقوال أو تتبعها بالتعقيب لاستنباط ما تضمنته من دلائل وأحكام.
تبرز هذه الظاهرة في كل من باب قيام الليل، باب النجوى، باب التقوى، باب مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، باب الاستغفار للمشركين.
إذ يواجه القارئ- لمحتوى أي باب من تلك الأبواب- بمجموعة من الآثار المروية بأسانيدها مجردة من التعليق والإبانة والتحليل 2.
4 - يلاحظ على أبي عبيد أيضا تكرير بعض الأبواب حيث نصب بابا للجهاد ناسخه ومنسوخه... صدّره بقوله:
وجدنا نسخ الجهاد في أربع خلال منها اثنتان في القتال وثالثة في الأسارى ورابعة في المغانم... 3.
ثم تجده يفرد بابا مستقلا للأسارى وآخر للمغانم 4 وقد عدهما من قبل ضمن باب الجهاد، كما تكررت الظاهرة نفسها في باب الشراب وما نسخ من حله بالتحريم 5 إذ أعقبه بباب في السكر وما فيه 6.
قلت: ولعل إفراد باب للأسارى والمغانم مع اعتبارها عند أبي عبيد داخلة
تحت الجهاد وإفراد باب للسكر مع اعتباره داخل تحت الشراب، لعل ذلك تصرف من الراوي الذي أخذ عن أبي عبيد الناسخ والمنسوخ أو من أحد النساخ.
6 -
مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ
قبل الدخول في بيان هذا المصطلح عند أبي عبيد لا بدّ من الإشارة إلى مفهوم النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين وأهل العصر الأول للتدوين وعند من جاء بعد ذلك من الأصوليين زمن تحديد المصطلحات والفصل بين العلوم والفنون.
فالسلف كان مصطلح النسخ عندهم واسعا يدخل تحته أمور عدة منها تخصيص اللفظ العام والاستثناء وتقييد المطلق وتبيين المجمل ونحو ذلك.
والمتأخرون كان مصطلح النسخ عندهم مقصورا على إزالة وإبطال الحكم المتقدم الثابت بالدليل بحكم متراخ عنه ثابت بدليل آخر.
ومن هنا فلا غرابة أن يجد المطلع على مرويات الصحابة والتابعين المبثوثة في كتب التفسير بالمأثور، أقوالا كثيرة صرحوا فيها بالنسخ بين أجزاء الآية الواحدة، أو حكموا بنسخ نصوص الأخبار التي لا مجال للنسخ فيها، وإليك أمثلة من هذه المرويات:
1 - قال ابن عباس في قوله جل ذكره: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ 1 هو منسوخ بقوله:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً 2.
2 - وقال وهب بن منبّه في قوله: جل ذكره: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ 1 نسختها الآية التي في غافر: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا 2 3 - وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: إنّ قوله جل ذكره: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ 3 منسوخ بقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الآية 4.
ولقد أشار إلى منهج السلف هذا في الناسخ والمنسوخ عدد من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى حيث يقول: وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك 5.
ومنهم الإمام الشاطبي في موافقاته حيث يقول: يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا،
وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد 6.
ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر تارة أخرى.
إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق وحمله على المقيد وتفسيره
وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة ناسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر... إلى أن قال ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر اهـ 1.
وعند ما يقال منهج السلف فإنما يراد به ما قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ أنه أول من فرق بين النسخ وغيره من التخصيص والاستثناء وتقييد العام وتبيين المجمل فجعل مصطلح النسخ خاصا بما أبطل الحكم المتقدم الثابت بالدليل الشرعى.
يقول في الرسالة: ومعنى نسخ: ترك فرضه 2، ويقول أيضا: وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا 3.
فمراده بقوله: (ترك فرضه) إبطال العمل بالمنسوخ.
ومراده بقوله: (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) أن النسخ إبطال لحكم المنسوخ وترك العمل به وإثبات لحكم آخر يحل محله.
ومن قوله هذا يتبين أن الإمام الشافعي حصر مصطلح النسخ بأنه رفع وإبطال للحكم المنسوخ.
فليس للتخصيص أو الاستثناء أو تقييد العام وما أشبه ذلك ليس لها مكان في هذا المصطلح.
قال مصطفى زيد بعد نقله لهاتين العبارتين عن الإمام الشافعي: ذلك أنه فسر النسخ بالترك ثم قرر لازمه وهو: أنه لم ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، فأفاد بمجموع الكلمتين أن النسخ رفع يلزمه إثبات، وهو المعنى العام الذي يفهم بوضوح من استعمال الشافعي للكلمة في رسالته
مع تعدد المواضع الذي استعملها فيها وكثرتها، فإذا نحن ضممنا إليه حديثه عن التخصيص بعد ذلك واختياره المثال الذي ضربه له من المخصص المنفصل وهو آيات اللعان بعد آية حد القذف، أدركنا عن يقين أن النسخ عنده إنما يراد به رفع الحكم الأول كله، وهذا عنده يقتضي إثبات غيره مكانه، أما رفع بعض الحكم الأول فهو عنده تخصيص للعام ولو انفصل عنه 1.
وأبو عبيد الذي عاصر الإمام الشافعي وأخذ عنه قد التزم في كتابه مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ فاعتبر رفع الحكم الشرعي الثابت بدليل متقدم بحكم متراخ عنه ثابت بدليل متأخر، والاستثناء، وتخصيص العام، وتقييد المطلق وتبيين المجمل وإبطال مفهوم علق بالأذهان وهو غير مراد من النص.
اعتبر ذلك كله داخلا في مصطلح النسخ.
وهذه أمثلة من الكتاب نفسه من خلالها يتضح مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ:
1 - ذكر أبو عبيد في باب الصيام حديث عدي بن حاتم الذي قال فيه: لما نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ 2 عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض...
الحديث 3.
وبعد أن ذكر أحاديث غيره تتعلق بالصوم قال أبو عبيد: فهذا ما كان من نسخ الطعام والشراب والنكاح في الصوم.
فاعتبر إزالة المفهوم الباطل للآية الكريمة الذي علق بذهن عدي بن حاتم اعتبره نسخا.
2 - في باب النكاح قال أبو عبيد: وأما الحرام الذي نسخه الحلال
فنكاح نساء أهل الكتاب.
ثم أورد أثرا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ 1 قال: ثم استثنى أهل الكتاب فقال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ 2. وذكر بعده أثرا عن الأوزاعي شبيها بالأول ثم عقب أبو عبيد على ذلك بقوله: فرأي ابن عباس والأوزاعي أن الناسخ من الآيتين هي هذه التي في المائدة 3.
قلت: عدّ أبو عبيد الاستثناء المصرح به في قول ابن عباس نسخا وفي ذلك دلالة على اعتماده مفهوم السلف للنسخ.
3 - وفى باب الطلاق وما جاء فيه قال أبو عبيد: أما الطلاق فإنا لا نعلم فيه ناسخا ولا منسوخا إلا فى موضعين: فدية الخلع، وعدة الوفاة.
فأما الفدية فإن حجاجا حدثنا عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فى قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً 4 قال: ثم استثنى فقال: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.... 5.
قلت: وقول ابن عباس صريح فى الدلالة على الاستثناء إذ أن «إلا» أخرجت المستثنى الذي بعدها عن دخوله في التحريم المنصوص عليه بأول الآية.
وقد سمى أبو عبيد هذا الأسلوب نسخا جريا على طريقة السلف.
4 - وفي باب الشهادات قال أبو عبيد: قوله عز وجل: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ثم قال بعد ذلك: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا 1 فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها وأن التوبة لهؤلاء جميعا بمنزلة واحدة 2.
قلت: قد سمى أبو عبيد الاستثناء نسخا جريا على مصطلح السلف.
5 - ومن باب اليتامى أذكر هذا المقال الذي به أختم عرض الأمثلة.
قال أبو عبيد: والذي دار عليه المعنى من هذا أن الله عز وجل لما أوجب النار لآكل أموال اليتامى 3 أحجم المسلمون عن كل شيء من أمرهم حتى مخالطتهم كراهية الحرج فيها.
فنسخ الله عز وجل ذلك بالإذن في المخالطة والإذن في الإصابة من أموالهم بالمعروف 4 إذا كانت لوالى تلك الأموال الحاجة إليها 5.
قلت: اعتبر أبو عبيد إزالة الحرج الواقع في نفوس الصحابة من مخالطة اليتامى، نسخا.
وبعد هذا الاستطراد في ذكر مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ الذي التزم به أبو عبيد في كتابه هذا.
أصبح من اليسير أن نجد آيات عديدة حكم عليها أبو عبيد بالنسخ وأن نجد آثارا عدة تضمنت التصريح بالنسخ مما لا مجال للتعارض فيه بل الجمع بين النصوص ممكن بيسر وسهولة.
إنه لمن الخطأ البين والتطاول الواضح أن نحكم على واحد من علماء السلف الأجلاء بأنه كان مسرفا فى القول بالنسخ، قبل الكشف عن مراده بقوله: هذا النص أو الحكم منسوخ.
الفصل الثالث
1 -
ذكر لمن صنف في الناسخ والمنسوخ
تعددت مناهج العلماء الذين أفردوا بالتصنيف علم الناسخ والمنسوخ فمنهم من التزم منهج السلف في مصطلح النسخ.
ومنهم من تناول النسخ من خلال الآيات القرآنية، فاكتفى بسرد المنسوخ منها والناسخ وذكر من قال بذلك في كل آية ادّعي عليها النسخ متجاهلا مصطلح السلف الشامل للتخصيص والاستثناء وتقييد المطلق وتبيين المجمل وإزالة الحكم المتقدم، مما أدى به إلى أن يفسر كثيرا من أقوالهم بمصطلح المتأخرين الذي هو بمعنى: إزالة الحكم أو النص المتقدم بحكم أو نص متراخ عنه.
ومن هنا أسرف كثير من المصنفين في النسخ عند ما حكموا على أكثر النصوص بإزالتها وإبطالها.
ومنهم من اعتنى بدراسة الناسخ والمنسوخ كعلم له قواعد وضوابط أصولية وأغفل وقائع النسخ فلم يورد شيئا من الآيات المدعى عليها ذلك ومنهم من جمع هذا وذاك.
ومنهم من اعتنى بدراسة تشريعية تاريخية نقدية للنسخ.
وسأذكر جمعا ممن ألفوا في الناسخ والمنسوخ ووصلت إلينا مصنفاتهم فكان منها المطبوع ومنها المخطوط في الحين الذي أغفل فيه جمعا آخر من المصنفات في النسخ لعدم العثور عليها أو الاهتداء إلى أماكن وجودها:
1 - الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي وقد سار فيه مؤلفه على منهج السلف، والكتاب أفردناه بدراسة مستقلة إذ هو موضوع هذه الرسالة.
2 - الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: لأبي جعفر محمد بن أحمد بن إسماعيل الصفّار المرادي النحوي المصري المعروف بأبي جعفر النحاس، توفي سنة 338 هـ.
اعتمد فيه مصنفه على الإسناد المتصل لكل أثر أو حديث يورده وكان مكثرا في ذلك وقسّمه إلى أبواب منها: تعريف النسخ، الترغيب في تعلم الناسخ والمنسوخ، اختلاف العلماء في الذي ينسخ القرآن والسنة، أصل النسخ واشتقاقه، النسخ على كم يكون من ضرب، الفرق بين النسخ والبداء، ذكر بعض الأحاديث في الناسخ والمنسوخ، السور التي يذكر فيها الناسخ والمنسوخ.
وفي هذا الباب استعرض الآيات القرآنية المدعى عليها النسخ وأقوال السلف فيها مرتبا لها حسب السور.
ويعتبر من المصنفات الجليلة القدر، ويقع في مائتين وستين صفحة من القطع الكبير، وقد طبع عام 1323 هـ بمصر 1.
3 - نواسخ القرآن: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ.
اعتنى ابن الجوزي بالإسناد فلا يكاد يذكر حديثا أو أثرا إلا مسلسلا بالسند، وقد جعل كتابه قسمين:
بحث في الأول النسخ من الناحية الأصولية فتحدث عن: جواز النسخ، الفرق بينه وبين البداء، إثبات أن في القرآن منسوخا، بيان حقيقة النسخ، شروط النسخ، ذكر ما اختلف فيه هل هو شرط في النسخ أم لا؟ فضيلة علم الناسخ والمنسوخ والأمر بتعلمه، أقسام المنسوخ، وناقش في القسم الثاني منه مائتين وسبعا وأربعين قضية من قضايا النسخ في اثنتين وستين سورة من القرآن، فأثبت وقوع النسخ فى اثنتين وعشرين واقعة لا غير.
وبعد فهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة.
وقد طبع محققا في مجلد واحد فبلغ خمسمائة وسبعين صفحة 2.
4 - الإيضاح فى ناسخ القرآن ومنسوخه: ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه.
لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 هـ.
وقد أظهر كتابه هذا في عدة أبواب اعتنى فيها بالجانب الأصولى فقدم دراسة مفصلة للنسخ اشتملت على: معنى النسخ، جوازه، أقسام المنسوخ، أقسام الناسخ، أقسام معنى نسخ السنة بالسنة، الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء، شروط الناسخ والمنسوخ، جامع القول فى مقدمات الناسخ والمنسوخ، ثم أفرد باقي الكتاب- ويقرب من ثلاثة أرباعه- لذكر وقائع النسخ.
فاستعرض مائتي واقعة متدرجا حسب السور فردّ النسخ في أكثرها.
وبعد فهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة لولا ما يكدر ذلك من تجريد المؤلف له عن الإسناد.
يقع مطبوعا محققا في أربعمائة وسبع صفحات 1.
5 - النسخ فى القرآن الكريم: للأستاذ مصطفى زيد.
الكتاب دراسة للنسخ من الناحية التشريعية والتاريخية والنقدية أخرجه مؤلفه في تمهيد وأربعة أبواب وخاتمة.
ففكرة النسخ، والنسخ عند اليهود والنصارى، وموقف المسلمين منه، وإثبات وقوعه في الشرائع السابقة، والنسخ والبداء، كل ذلك ضمّنه التمهيد.
وفي الباب الأول النسخ عند الأصوليين من خلال الفصول التالية: معنى النسخ، التفرقة بين النسخ وبعض أساليب البيان مثل التخصيص، الاستثناء المطلق المقيد... الخ، شروط النسخ، حكم النسخ والحكمة منه.
وفي الباب الثاني: النسخ من الناحية التاريخية ويشمل: المصنفين في النسخ، الكتب المصنفة فيه.
وفي الباب الثالث: دعاوى النسخ التي لم تصح ويشمل: إحصاء وتصنيف لدعاوى النسخ، دعاوى النسخ في الآيات الإخبارية، دعاوى النسخ فى آيات الوعيد، دعاوى النسخ بآية السيف، مناقشة لدعاوى النسخ التي ليس فيها إلا التخصيص أو التقييد أو التفسير أو التفصيل، مناقشة دعوى النسخ في آيات ليس فيها تعارض، مناقشة دعوى النسخ فى آيات اشتهرت بأنها منسوخة وليست كذلك.
وقد استغرق هذا الباب ما يقرب من نصف الكتاب.
وفى الباب الرابع ما صح من وقائع النسخ إذ توصل المؤلف إلى حصرها بست آيات.
وينتهي الكتاب بخاتمة يلخص فيها المؤلف أهم نتائج البحث ويدلي بمقترحات يراها.
ويعتبر الكتاب أجمع دراسة للناسخ والمنسوخ قدمت حتى الآن.
والكتاب مطبوع يقع في مجلدين من المتوسط عدد صفحاته ثمانين وتسعمائة.
6 - الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي: محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وقد نهج في تصنيف الكتاب طريقة الأصوليين إذ ابتدأه بمقدمة تتعلق بالناسخ والمنسوخ وما يتبعه من تقسيمات وأنواع ثم تحدث بعدها عن الناسخ والمنسوخ من خلال الآيات القرآنية مرتبا ذلك حسب السور، وقد اهتم بمناقشته الأحكام الفقهية والرد على المخالفين ولم يقتصر ابن العربي في كتابه على النسخ، بل تجده يشير إلى مفاهيم أخرى مثل: المدني، المكي، أول ما نزل، آخر ما نزل، وما أشبه ذلك.
والكتاب مخطوط عدد أوراقه ثمان وسبعون 1.
7 - قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن تأليف مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 1033.
ضمنه عدة مباحث منها: النسخ في اللغة، أقسام النسخ عند المحققين، أقسام المنسوخ في القرآن، أقسام الناسخ في القرآن ما يجوز أن يكون ناسخا ومنسوخا، ما يحتاج إليه الناظر في الناسخ والمنسوخ، نسخ القرآن بالإجماع ونسخ الإجماع بالإجماع ونسخ القياس بالقياس، الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء، ما يدخل فيه النسخ، الفرق بين النسخ والبداء، ذكر السور التي فيها الناسخ والتي فيها المنسوخ والتي دخلها كلاهما، أول نسخ وقع في الشريعة ثم ذكر الناسخ والمنسوخ على نظم سور القرآن حيث استعرض القرآن سورة فاستغرق في إيراد وقائع النسخ والآيات المدعى عليها ذلك ما يزيد على ثلاثين ومائتي صفحة من عدد صفحات الكتاب البالغة ثلاث وستين وخمسمائة صفحة.
ثم أنهى الكتاب بخاتمة ضمّنها ذكر قضايا في علوم القرآن منها: ترتيب ما نزل بمكة والمدينة ما اختلف في مكان نزوله، آخر ما نزل، أرجى آية وأشد آية، ذكر ترتيب السور والآيات، ذكر نزول القرآن، ذكر جمع القرآن، ذكر شكل المصحف ونقطه....
وكان مرعي مسرفا في الحكم على كثير من الآيات بالنسخ، وأحسن محقق الكتاب عند ما تتبع الآيات المدعى عليها النسخ ورد أكثرها 1.
8 - فتح المنان في نسخ القرآن: لمؤلفه الشيخ علي حسن العريض أحد علماء الأزهر الشريف، نهج فيه مؤلفه طريقة أصولية إذ قسمه إلى قسمين:
الأول: اشتمل على دراسة متكاملة عن النسخ فكان من مباحثه: تعريف النسخ، الفرق بينه وبين التخصيص والبداء، شروطه، أركانه، أنواعه، أدلة ثبوته، شبهات المنكرين له، حكمة النسخ.
أما القسم الثاني: فهو عرض ومناقشة للآيات المدعى عليها النسخ.
والكتاب مطبوع يقع في خمسين وثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط.
9 - الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل لمؤلفه هبة الله بن سلامة ابن نصر المقري الضرير المتوفى سنة عشر وأربعمائة.
أغلب الكتاب استعراض للآيات المنسوخة عند المؤلف مرتبة حسب السور وقد بالغ في دعوى النسخ وتجرأ على نصوص كثيرة فادعى نسخها وهي من النسخ بعيد.
وقد بدأ المؤلف كتابه بمقدمة لا تقل عن ثلاث عشرة صفحة تحدث فيها باختصار عن: أهمية الناسخ والمنسوخ، تعريفه، أقسامه، تسمية السور التي دخلها الناسخ ولم يدخلها المنسوخ، والسور التي دخلها المنسوخ ولم يدخلها الناسخ، والسور التي دخلها الناسخ والمنسوخ، اختلاف المفسرين في أي شيء وقع المنسوخ من كلام العرب، ما رد الله على الملحدين والمنافقين من أجل معارضتهم في تنقل أحكام كتابه المبين، ذكر ما جاء من النسخ في الشريعة على التوالي.
وبعد فالكتاب يقع في أربع عشرة ومائتي صفحة.
في طبعته المحققة 1.
10 - الإحكام والنسخ في القرآن الكريم لمؤلفه محمد حمزة:
وقد ضمّن المؤلف كتابه هذا عدة مباحث شملت أمرين أولهما: الإحكام والتشابه، ثانيهما: الناسخ والمنسوخ وابتدأه بمقدمة ضمّنها مفهوم الإحكام، المحكم والمتشابه، المحكم والمنسوخ، تطور مفهوم النسخ من عهد الرسول إلى استقرار القواعد الأصولية ثم جاءت بحوث الكتاب السبعة بعد ذلك على النحو التالي: المحكم والمتشابه، ما يرد عليه النسخ وما لا يرد، هل النسخ سنة الله
تعالى في الشرائع السابقة، القرآن هو المهيمن على كل كتاب، هل في القرآن ناسخ ومنسوخ، الآيات التي اشتهرت بنسخها وبيان خطأ المكثرين، المحكمات من سورة الأنعام.
وبعد فالكتاب مطبوع يقع في مائتين وعشرين صفحة من الحجم المتوسط.
11 - الناسخ والمنسوخ: لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي:
جرى فيه مصنفه على طريقة الأصوليين في التقسيم والتبويب وعالج الموضوعات معالجة الفقيه فأورد الأحكام الفقهية والمسائل الخلافية.
وليس للإسناد عنده ذكر.
وقد قسمه إلى ثمانية أبواب على النحو التالي:
معنى النسخ وحدّه وحقيقته، بيان شروط النسخ وأحكامه، تفسير الآية الدالة على النسخ وبيان قراءتها، بيان الآيات التي اجتمعوا على نسخها، بيان الآيات التي اختلفوا في نسخها، بيان ما اتفقوا على نسخه واختلفوا في ناسخه، بيان سنن ناسخه وسنن منسوخه، معرفة الناسخ والمنسوخ فيما يشتبهان فيه.
والكتاب لم يزل مخطوطا تقع أوراقه في ثمان وسبعين ورقة 1.
12 - نظرية النسخ في الشرائع السماوية: لمؤلفه الدكتور شعبان محمد شعبان:
عالج النسخ من الجانب النظري معرضا صفحا عن الوقائع والتطبيقات فجاءت مواضيع الكتاب على النحو التالي: تعريف النسخ، الفرق بين النسخ والتخصيص، الحكمة في النسخ، النسخ بين المثبتين والمنكرين، موقف اليهود من
النسخ، أقسام الناسخ والمنسوخ، شروط النسخ، طرق معرفة النسخ، هل الزيادة على النص نسخ، هل يجوز نسخ الخبر، المصنفون في النسخ.
والكتاب مطبوع تبلغ صفحاته ثلاثين ومائتين.
13 - ناسخ القرآن العزيز ومنسوخة لهبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم المعروف بشرف الدين بن البارزي المتوفى سنة 738 هـ.
ابتدأه بمقدمة ذكر فيها تعريف النسخ، أنواعه، ذكر أول ما نسخ، السور التي فيها النسخ، والسور التي لم يدخلها ذلك، الآيات المنسوخة بآية السيف، الآيات المنسوخة بآية القتال: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، الآيات المنسوخ عمومها بالاستثناء.
ثم ذكر بالتفصيل المواضع المنسوخة على ترتيب السور فذكر مع كل منسوخ ناسخه مع تعيين السورة التي فيها الناسخ إن لم يكن من سورة المنسوخ.
ووضع المؤلف حرف (م) علامة على المنسوخ وحرف (ن) علامة على الناسخ.
ثم أنهى المؤلف كتابه بخاتمة بين فيها مفهوم المتقدمين للنسخ ومخالفة المتأخرين لهم في ذلك.
ويلاحظ عليه إسرافه بالقول بالنسخ إذ اعتبر آية السيف ناسخة لأربع عشرة ومائة آية.
وبعد فالكتاب يقع في ثلاث وستين صفحة من الحجم المتوسط مطبوعا بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن.
14 - الإيجاز في معرفة ما في القرآن من منسوخ وناسخ: لمؤلفه أبي البركات محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد السعيدى النحوي:
سار على منهج الأصوليين في تصنيفه ثم تعقب الآيات المدعى عليها النسخ فأسرف وبالغ في نسخ آيات محكمة.
ولقد اعتمد مصنفه على بعض المتهمين أمثال مقاتل بن سليمان البلخي، والكلبي في مرويات الكتاب.
ويكاد يكون مختصرا لكتاب الإيضاح، لمكي، ولكتاب الناسخ والمنسوخ لابن سلامة 1.
15 - الناسخ والمنسوخ للقاضي أبي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن على العامرى الأسفراييني:
جرى فيه مصنفه على منهج الأصوليين، وأهل الإسناد عند الاستشهاد والاستدلال، واعتمد على الضعفاء والمتهمين كالكلبي ومقاتل بن سليمان، وقد ضمّن كتابه عدة فصول على النحو التالى: بيان المنسوخات، حقيقة النسخ، الخلاف في جواز نسخ العبادة قبل فعلها، النسخ جائز عند المسلمين، بيان المنسوخ، أقسام النسخ، أول عبادة نسخت في هذه الشريعة.
ثم أفرد بابا لذكر المنسوخ على ترتيب السور وبيان ناسخ ذلك.
والكتاب مخطوط عدد أوراقه ست وعشرون ورقة وفي النسخة الأخرى أربع عشرة ورقة وهو قيد التحقيق 2.
16 - الناسخ والمنسوخ لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة (124 هـ). اشتمل الكتاب على قسمين الأول النسخ وقد أورد فيه عددا من الروايات في فضل تعلمه، وأدلة ثبوته، والآيات المنسوخة من كتاب الله والناسخة وقد سلك مسلك منهج السلف في تحديد النسخ.
والقسم الثاني من الكتاب أفرده لذكر ما نزل بمكة وما نزل بالمدينة.
واعتمد على السور في ترتيب ذلك.
والكتاب مخطوط يقع في ست ورقات 1.
17 - الموجز في الناسخ والمنسوخ: للإمام المظفر بن الحسين بن زيد ابن علي بن خزيمة الفارسي.
سلك فيه مؤلفه منهج السلف في مصطلح الناسخ والمنسوخ وعلامة ذلك إفراده بابا عنوانه: باب بيان الآيات المنسوخة بالاستثناء بعدها.
وقد أخرج ابن خزيمة كتابه هذا في عدة أبواب على النحو التالى:
بيان الناسخ والمنسوخ، بيان السور التي فيها الناسخ والمنسوخ، بيان السور التي لم يدخلها الناسخ ولا المنسوخ، بيان السور التي فيها المنسوخ دون الناسخ، بيان السور التي فيها الناسخ دون المنسوخ، بيان المنسوخ في القرآن بآية السيف، ما نسخ من القرآن بآية القتال، بيان الآيات المنسوخة بالاستثناء بعدها، بيان ما في الآيات المنسوخة على النظم، بيان السور المنسوخ والمحكم منها على النظم.
والكتاب مطبوع بذيل كتاب الناسخ والمنسوخ للنحاس ويقع في سبع عشرة صفحة.
18 - معرفة الناسخ والمنسوخ: لأبي عبد الله محمد بن حزم 2:
ابتدأ الكتاب بذكر عدد من الآثار في فضل تعلم الناسخ والمنسوخ واعتناء السلف بذلك.
ثم قسّم الكتاب إلى فصول وأبواب، ذكر فيها: معنى النسخ اللغوي والاصطلاحي، شروطه، إنكار اليهود للنسخ، الذي يقع فيه النسخ الأمر والنهي دون الإخبار، أنواع النسخ، السور التي لم يدخلها ناسخ ومنسوخ، تسمية
السور التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ، السور التي دخلها منسوخ ولم يدخلها ناسخ، السور التي دخلها الناسخ والمنسوخ، الناسخ والمنسوخ على نظم القرآن.
والكتاب مجرد من الإسناد قد أسرف فيه مؤلفه بالحكم بالنسخ على كثير من الآيات المحكمة 1.
19 - قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن: لمؤلفه أبي القاسم جمال الدين بن عبد الرحمن البذوري رواية الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.
ذكر فيه مؤلفه الآيات المنسوخة والناسخة مرتبة حسب السور.
والكتاب يقع في خمس عشرة صفحة 2.
20 - الناسخ والمنسوخ من القرآن العظيم:
وهو عبارة عن أبيات منظومة مبوبة اشتملت على خمسة وسبعين بيتا مفرقة على اثني عشر بابا جاءت على النحو التالى:
ما فيه ناسخ فقط، ما فيه منسوخ فقط، ما فيه ناسخ ومنسوخ، منسوخ البقرة، منسوخ آل عمران، منسوخ النساء... الخ سور القرآن.
وناظمه عيسى المغربي فرغ من تأليفه وتسويده، بخط يده يوم الجمعة عام 995 هـ 3.
21 - النسخ بين نفاته ومثبتيه لمؤلفه عبد الله توفيق الصباغ:
وهو رسالة صغيرة بحث فيها المؤلف النسخ من الجانب الأصولي فتعرض للقضايا التالية:
تعريف النسخ، النسخ بين نفاته ومثبتيه، الحكمة وراء النسخ، النسخ بين الدعوى والحقيقة، ما يقبل النسخ وما لا يقبل، كيف يعرف الناسخ من المنسوخ.
وقد بلغ هذا الكتاب أربعين صفحة إلا واحدة من الحجم الصغير.
22 - ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة لمؤلفه أبي الفضل عبد الله ابن محمد بن الصديق الغماري، تحدث فيه مصنفه عن نوع من النسخ وهو نسخ لفظ الآية دون حكمها، واعتبر ذلك ممتنعا.
وقد جاءت عناوين الكتاب على النحو التالى:
حقيقة النسخ، أقسام النسخ، هل تنسخ التلاوة، أمثلة لما قيل بنسخ تلاوته، لم يمتنع نسخ التلاوة.
ونحو ذلك.
هذه مجموعة من المصنفات التي اطلعت عليها في الناسخ والمنسوخ اجتهدت في ترتيبها حسب الأهمية.
وهناك مصنفات أخرى وصلت إلينا مما ألف في الناسخ والمنسوخ لم أطلع عليها فمن ذلك:
1 - الناسخ والمنسوخ: تأليف قتادة بن دعامة السدوسي المتوفي سنة (117) أو (118 هـ) 1.
2 - الناسخ والمنسوخ: لمؤلفه عبد الرحمن العتائقي المتوفى بعد سنة 788 هـ 2.
3 - الناسخ والمنسوخ: لمؤلفه أحمد البحراني بن المتوج المتوفي سنة (836 هـ) شرحه عبد الجليل القاري 3.
4 - عمدة البيان في زبدة نواسخ القرآن لمؤلفه محمد بن سلامة الرشيدي الشافعي المتوفى سنة 1300 هـ 1. 5 - النسخ بين الإثبات والنفي: لمؤلفه الدكتور محمد محمود فرغلي 2. 6 - ناسخ القرآن ومنسوخه: لمؤلفه علي بن شهاب الدين حسن بن محمد الحسيني الهمداني المتوفى سنة 789 هـ 3. 7 - جواب الناجي عن الناسخ والمنسوخ: للشيخ برهان الدين الناجي المتوفى سنة (900 هـ) 4. 8 - إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ والمتشابه من القرآن: للشيخ عطية الله البرهاني الشافعي الأجهوري، تعلم بالقاهرة وبها توفي سنة (1190 هـ) 5. 9 - التبيان للناسخ والمنسوخ لمؤلفه: عبد الله بن حمزة بن النجم الصعدي 6.
10 - صفوة الراسخ في علم المنسوخ: للشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الحسين الموصلي (1). 11 - البيان في الناسخ: للشيخ محمد بن عبد الله بن أبي النجم (2). 12 - نسخ الكتاب والسنة بالكتاب والسنة: إعداد الطالبة فاطمة صديق عمر نجوم (3). 13 - النسخ في الشريعة الإسلامية: إعداد الطالب أحمد محمد صديق (4). وبعد..... فهذه مصنفات الناسخ والمنسوخ في القرآن الموجود منها حسب ما وصل إليه علمي وبالله العصمة والتوفيق.
2 -
ذكر لمن أنكر ثبوت النسخ
مع صراحة الأدلة على ثبوت النسخ كقوله جل ذكره: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها 5.1234
وقوله جل وعز: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ (1).
وقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (2).
ومع تواتر الوقائع المتضمنة للنسخ من نصوص الكتاب والسنة مما لا مجال فيه للجمع ورفع التعارض بين النص المتأخر والنص المتقدم.
مع ذلك تجد جماعة من أهل العلم اعتدوا على صرح للعلم شامخ وضعت لبناته زمن صاحب الرسالة- صلّى الله عليه وسلم- ونزل الوحي بإثباته وإقراره.
وفهم الصحابة الذين عاصروا التنزيل تلك النصوص المتضمنة للنسخ فعملوا بمقتضى مراد الشارع.
اعتدى جمع من أهل العلم على حقيقة لا تقبل الجدل في إثبات وجودها إذ بلغ أمر ثبوتها مبلغ التواتر فحكموا على ثبوت النسخ بالإبطال والإنكار وتمحلوا في التأويل والتعليل.
فكان أشهر هؤلاء:
1 -
محمد بن بحر الأصفهاني:
أبو مسلم أحد أئمة المعتزلة المتوفى عام 322 هـ. صنف كتابا فى الناسخ والمنسوخ تتبع فيه جميع وقائع النسخ وأول الآيات التي ثبت نسخها ليخرجها عن النسخ فأدى به ذلك إلى صرف كثير من الآيات إلى معنى مخالف للمراد الظاهر.
وقد تصدى له مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم وبين عوار مسلكه وأثبت أن على أبى مسلم أن ينقض دعوى النسخ في كل واقعة ثبت النسخ فيها 3. كما تصدى له علي حسن العريض في كتابه فتح المنان ونقل ردود بعض العلماء عليه منهم: الجصاص في أحكام القرآن، هبة الله بن سلامة الضرير في ناسخة، البزدودي في كنز الوصول12
والشوكاني في إرشاد الفحول (1). وتصدى له أيضا محمد حمزة في كتابه الإحكام والنسخ (2).
2 -
عبد المتعال محمد الجبري: المفكر الإسلامي المعاصر:
أظهر دعواه فى إنكار النسخ وإبطال ثبوته في الشريعة الإسلامية عام 1368 هـ بأن أخرج كتابه الأول: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه.
صدّره بمقدمة قال فيها: وتقدمت إلى كلية دار العلوم في أول رجب عام 1368 هـ بدراسة علمية في موضوع الناسخ والمنسوخ انتهيت منها إلى أنه لا تناسخ بين آي القرآن.
ثم عرض موضوعات الكتاب فكان منها: تفسير آية النسخ التي في البقرة والكشف عن أنها ليست دليلا على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، ذكر ما زعمه القدماء ناسخا للقرآن، ذكر أدلة مثبتي وجود التناسخ بين آي القرآن النقلية والوقوعية وتفنيدها، ذكر الآيات التي زعموها منسوخة وبيان كيف أنها متوافقة مع غيرها مما زعموه ناسخا لها، كشف النقاب عن أن آيات القرآن كلها محكمة، والكتاب يقع في ثمان وستين وثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط.
ثم أخرج كتابه الثاني لا نسخ في القرآن لماذا؟ سنة 1385 هـ.
ضمّنه عدة فصول أولها فصل بطلان دعوى النسخ، ثم أتبعه بذكر صور تطبيقية للآيات المدعى عليها النسخ زعم إحكامها والجمع بينها وبين الناسخ لها من نصوص.
والكتاب يقع في ستين ومائة صفحة من الحجم المتوسط.
وقد تصدى له وأبطل مزاعمه محمد حمزة في كتابه الإحكام والنسخ 3.12
وتصدى له وأبطل مقترحاته الدكتور/ محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي خلال اثنتي عشرة صفحة (1).
3 -
محمد الغزالي المفكر الإسلامي المعاصر:
أنكر وقوع النسخ في كتابه نظرات في القرآن، إذ أفرد لذلك فصلا بعنوان: حول النسخ.
ابتدأه بقوله: هل في القرآن آيات معطلة الأحكام بقيت في المصحف للذكرى والتاريخ كما يقولون، تقرأ التماسا لأجر التلاوة فحسب وينظر إليها كما ينظر إلى التحف الثمينة في دور الآثار.
ثم يقول معلنا رأيه في قضية النسخ: ونحن لا نميل إلى السير مع هذا الاتجاه- يقصد القول بالنسخ- بل لا نرى ضرورة للأخذ به.
ثم يستعرض بعض الوقائع المحكوم عليها بالنسخ عند جمهور العلماء محاولا إزالة التعارض وإثبات الإحكام في كل واقعة بشبهة التدرج فى التشريع.
ثم يورد أدلة القائلين بالنسخ فيتكلف في تأويلها وبيان المراد منها بغية تفريغها من الدلالة على إثبات النسخ معرضا فى ذلك كله عن التفسيرات الثابتة عن السلف.
وقد أنفق الغزالي على هذه الدعوى قرابة أربع وثلاثين صفحة من صفحات الكتاب البالغة اثنتين وسبعين ومائتي صفحة من الحجم المتوسط (2).
4 -
عبد الكريم الخطيب المفكر الإسلامي المعاصر:
أنكر النسخ عند تفسيره لآية البقرة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها... 3 في تفسيره المسمى بالتفسير القرآني للقرآن بعد أن ناقش12
بعض الآيات المنسوخة منها فعلى سبيل المثال آيات الخمر والتدرج فى تحريمه إذ زعم إحكامها جميعا آية النحل وآية البقرة، وآية النساء، وآية المائدة.
ثم توصل إلى نتيجة لا تستند إلى دليل شرعي بل مبناها العقل والرأي المذموم فقال: إننا لا نسيغ القول أبدا بأن شيئا منسوخا من هذا القرآن الذي نقرؤه ونتعبد به إذ لا حكمة مع هذا لآيات كريمة نتلوها ونتعبد بتلاوتها، ثم لا نعمل بها ولا نأخذها مأخذ الجد فى تحصيل الخير المشتمل عليه كيانها.
إن النسخ معناه عزل الآيات المنسوخة عن الحياة وإحالتها إلى المعاش...
وما الاحتفاظ بها فى القرآن إلا كالاحتفاظ بجثث الأموات محنطة فى توابيت! وذلك مقام ينزه عنه كلام الله رب العالمين 1.
وقد تصدى له وأبطل مزاعمه صاحب كتاب: اتجاهات التفسير فى العصر الراهن، الدكتور/ عبد المجيد عبد السلام المحتسب 2.
[القسم الثانى من الكتاب] التحقيق
«المدخل»
ويشمل: 1 -
وصف المخطوطة.
2 - المنهج الذي اعتمدته فى التحقيق.
1 -
وصف المخطوطة
ظل كتاب الناسخ والمنسوخ فى القرآن العزيز لأبي عبيد القاسم بن سلّام مفقودا لدى المعنيين بالتراث الإسلامي فترة من الزمن فى عصرنا الحاضر.
ولا أدل على صدق ذلك من أن الذين ترجموا لأبي عبيد اعتبروا هذا الكتاب مفقودا أو على الأقل سكتوا عنه فلم يوردوا له ذكرا من بين مصنفات الناسخ والمنسوخ.
وكمثال للصنف الأول محمد عظيم الدين فى مقدمته على كتاب غريب الحديث لأبي عبيد إذ ذكر الناسخ والمنسوخ ضمن مصنفات أبي عبيد ثم أورد ما وصل إلينا منها فلم يذكره من بينها 1.
وكمثال على الصنف الثاني: محمد أشرف علي الملبارى فى مقدمته على كتاب نواسخ القرآن لابن الجوزي إذ عرّف بالكتب المخطوطة التي اطلع عليها فى الناسخ والمنسوخ وليس من بينها كتاب أبي عبيد 2.
وفعل ذلك أيضا محمد تجاني جوهري محقق فضائل القرآن عند ما ذكر الموجود من مصنفات أبي عبيد فاعتبر كتاب الناسخ والمنسوخ مفقودا 3.
ولعل السبب فى ذلك ندرة النسخ الخطية لهذا الكتاب إذ الموجود منه نسخة واحدة بتركيا، طوب قبو (أحمد الثالث) (143)، وما عداها صور للنسخة الوحيدة بتركيا.
حيث يوجد الآن بقسم المخطوطات المكتبة المركزية لجامعة الإمام بالرياض صورة لها تحت رقم 602/ ف، وصورة أخرى مماثلة تحت رقم 2783/ ف. قد صورت هذه الأخيرة من صورة بدولة قطر تحت رقم 22/ 2783/ ف.
والصورة إذن الموجودة بقطر تعود إلى الأصل الذي بتركيا.
فأصبح
للكتاب نسخة واحدة تلك التى مقرها طوب قبو أحمد الثالث.
ولم أظفر بنسخة خطية أخرى للكتاب بعد طول مراجعه فى فهارس المكتبات العربية والعالمية فيما أمكنني الاطلاع عليه منها، وبعد الاطلاع على المصنفات المعنية بكتب التراث مثل تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين.
وبعد فإن النسخة التي حصلت عليها: فريدة فى خطها: لخلوه من السقط والمسح، والتحريف والتصحيف إلا فى القليل النادر.
وقد نبهنا على ذلك فى موضعه.
وكاملة فى صفحاتها: ابتداء بالورقة الأولى المشتملة على اسم الكتاب وانتهاء بالورقتين الأخيرتين، إذ فى الأولى الدلالة على نهاية الكتاب وفيها وفى الثانية ذكر السماعات والإجازات البالغ عددها خمس.
ومع كمال النسخة الوحيدة للكتاب فقد سقطت صفحة من مقدمته أمكنني بفضل الله تلافي بعض هذا النقص بإكمال حديث أورد أبو عبيد إسناده وضاع متنه مع الصفحة الساقطة فالتمست ذلك الحديث فوجدته فى مسند الإمام أحمد فأوردته عملا بغلبة الظن بغية سد الخلل وذلك فى موضعه عند الأثر رقم (18) في مقدمة الكتاب.
وموثقة فى نصها: بتعليقات وتصويبات فى الهامش، وبمقابلتها بنسخ أخرى يتضح ذلك من خلال التعليقات المدونة على الهامش كأن تجد فى الهامش مثل هذا التعليق: السماع... وفى نسخة أخرى... وفى نسخة أخرى وهو الصواب... وأمثال هذا كثير قد أشرت إليه فى موضعه.
وواضحة فى خطها: لا يجد القارئ حرجا وعناء أثناء قراءتها.
قد كتبت بحروف كبيرة حتى أنك تجد فى السطر الواحد قرابة ست كلمات وتجد فى الصفحة الواحدة قرابة ستة عشر سطرا.
ومتصلة فى إسنادها إلى أبي عبيد.
ومزودة فى آخرها: بخمس إجازات وسماعات.
فيها الدلالة على قيمة الكتاب واعتناء طلبة العلم والمشايخ بروايته وتناقله.
2 -
المنهج الذي اعتمدته فى التحقيق
اعتمدت عند السير فى تحقيق كتاب: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلّام الهروي، وما يتبع التحقيق من تخريج للأحاديث والآثار وترجمة للأعلام ونحو ذلك.
اعتمدت منهجا أجهدت نفسي فى التزامه والتقيد بخطوطه ومعالمه فكانت كالتالي:
أولا: تحقيق نص المخطوط:
1 - الضبط بالشكل لبعض الكلمات والأعلام مع التزام القواعد الإملائية للخط والقواعد الإعرابية للنحو.
2 - تصحيح الخطأ الحاصل من سقط بعض الحروف أو تقديم بعضها على بعض أو استبدال حرف بآخر، أو الحاصل من تبديل اسم أو علم بآخر أو آية بأخرى.
فإن كان الخطأ فى آية من كتاب الله فإنى أثبت الصواب فى أعلى الصحيفة فى الصلب وأشير إلى الخطأ فى الهامش، وإن كان الخطأ فيما سوى ذلك كتبت فى أعلى الصحيفة الخطأ كما هو وذكرت الصواب فى الهامش ويستثنى من ذلك حرف الجر 1، والتصحيف 2، والكلمة غير المقروءة 3.
3 - إن كان فى سياق الكلام الذي يورده أبو عبيد إبهام أو لبس أوضحت مراده فى الهامش.
4 - إن وجدت تعليقا فى هامش المخطوط ذا أهمية نقلته إلى الهامش وأشرت إلى ذلك.
5 - أبدأ بالأثر أو الحديث من أول السطر جاعلا للأحاديث والآثار ترقيما مسلسلا.
6 - أجعل عبارة [قال أبو عبيد]- التي هي علامة على كلام المصنف وتعقيبه- من أول السطر.
ثانيا: التخريج:
1 - عند تخريج الأحاديث والآثار ألتزم بمصطلحات أهل الحديث فإن كان الحديث أو الأثر قد روي بلفظه عبرت عن ذلك بقولي: رواه فلان.. وإن كان ثمة اختلاف يسير فى اللفظ قلت: رواه بنحوه أو رواه بلفظ مقارب.
وإن اتفق المعنى مع اختلاف أكثر الألفاظ قلت: روى نحوا من معناه...
2 - لم أكن لأخرج الحديث أو الأثر إلا من كتب السلف المعتمدة التي تروي بالإسناد كالكتب الستة، وتفسير الطبري، والناسخ والمنسوخ للنحاس، ونواسخ القرآن لابن الجوزي، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق وأمثال هذه الكتب، فإن لم أجد الأثر فى واحد منها عزوته إلى الدر المنثور ذاكرا عزو السيوطي للأثر.
3 - عند تكرار الأثر أكتفي بتخريجه أول مرة ورد فيها.
4 - إذا ورد الأثر أو الحديث مجردا عن الإسناد أورد سنده فى الحاشية.
5 - إذا وجدت كلاما للعلماء على الحديث من ناحية التصحيح والتضعيف أو السند أو المتن نقلت ذلك غالبا إتماما للفائدة.
6 - عند ذكر المصدر فى الهامش أميزه بذكر رقم المجلد، والصفحة، والكتاب أو الباب إن وجد، والمحقّق إن كان محققا دون ذكر الطبعة إلا فيما لو كان المصدر محققا بعضه كالطبري، وكالمسند، فإني أميز غير المحقق بذكر الطبعة.
ثالثا: ترجمة الأعلام:
1 - أعرّف بالعلم بشكل مختصر معتمدا فى الغالب على التقريب والتهذيب لابن حجر، فإن لم يوجد فيهما ترجمة الرجل رجعت فى ذلك إلى كتب التراجم والرجال أو كتب التاريخ مثل: الجرح والتعديل، الميزان، طبقات ابن سعد، والتاريخ: كالبداية والنهاية، سيرة ابن هشام.
2 - أضبط بالشكل العلم إذا كان هناك لبس عند النطق به مثل عبيدة، عليّة.
3 - أترجم للعلم عند وروده أول مرة، فإن تكرر أكتفي بإزالة الإبهام عنه إن وجد.
4 - بعض الأعلام أتعمد عدم رفع الإبهام عنها نظرا لانفرادها فى الإبهام أو لتردد الإبهام بين شخصين كلاهما ثقة.
فمن الأول عبد الرحمن بن مهدي، إبراهيم النخعي، ومن الثاني سفيان الثوري، سفيان بن عيينة.
وفى الفهرس يرتفع هذا الإبهام.
5 - عند ذكر وفاة الرجل لا أكتفي بما قاله ابن حجر فى التقريب بل أعود إلى التهذيب نظرا لأن ابن حجر يختصر عند ذكره للوفاة فيقول مثلا: مات سنة سبعين لمن كانت وفاته سنة مائة وسبعين وذلك بعد ذكره أيّ طبقة يكون منها ذلك الرجل.
فرفعا للبس أذكر وفاته على التمام.
رابعا: التعليق:
1 - في مواطن الخلاف أنقل بعض أقوال العلماء فى المسألة المختلف فيها كقول الطبري، ابن كثير، النحاس، ابن الجوزي، ابن حجر وهكذا... 2 - أعلق فى بعض المواطن إن احتاج الأمر إلى ذلك كأن أجمع بين نصين، أو قولين، أو أرجح أو أستدرك على كلام لأحد العلماء بعد أن أورد قوله في الحاشية.
خامسا: التعريف بالأماكن والبلدان:
أغفلت ما كان مشهورا منها واقتصرت على تعريف الأماكن والبلدان التي يظن فشو الجهل بتحديدها ومعرفة مقرها.
مثال ما تركته: مكة، المدينة، مصر...
ومثال ما عرفت به: كابل، قديد، المريسيع.
وكان المصدر الأهم فى ذلك معجم البلدان لياقوت.
سادسا: التعريف بالغريب
من الكلمات الواردة فى الكتاب معتمدا على كتب الغريب أو اللغة.
سابعا: المصطلحات والرموز:
1 - أعبر عن النسخة الخطية الوحيدة للكتاب بلفظ: المخطوط.
وعن التعليق المكتوب فى حاشية المخطوط بلفظ: هامش المخطوط.
مثال ذلك أن أقول: الذي فى المخطوط كذا..، وكتب فى هامشه كذا..
2 - في ذكر المصدر أختصر بقدر لا يتأتى معه لبس فبدل أن أكتب:
انظر تقريب التهذيب المجلد الثاني صفحة اختصر فأقول التقريب 2/ 250.
وبدل أن أكتب: انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر الطبري المجلد الأول تفسير آية... أثر رقم الصفحة رقم...
اختصر فأقول: جامع البيان/// أثر / ص... وهكذا...
3 - أرمز للكتاب «ك» وللباب «ب» وللتحقيق «ت» وللطبعة «ط».
ثامنا: صنع الفهارس:
1 - اخترت فى فهرسة الكتاب الاعتماد على ذكر أرقام الآثار والأحاديث دون الصفحات والذي دفعنى إلى هذا أمران:
أولهما: كثرة الآثار والأحاديث إذا قورنت بحجم الكتاب فما من صفحة في الغالب إلا ويوجد فيها أثر أو أكثر مما يجعل الرجوع إلى مكان الإحالة سهلا ميسرا.
ثانيهما: اختصار الجهد والوقت فلا أحتاج إلى إعادة الفهرسة ثانية بعد طبع الكتاب.
2 - عند فهرسة الآيات القرآنية أرتبها حسب ترتيب المصحف فأذكر الآية طرفا منها ثم أذكر مقابل ذلك أرقام الآثار المحددة لأماكن وجودها.
3 - عند فهرسة الأحاديث والآثار أرتبها حسب حروف المعجم مقتطعا منها ما يحصل به تمييز ذلك الأثر أو الحديث ثم أثبت الرقم مقابل ذلك.
4 - عند فهرسة الرجال أرتبهم حسب حروف المعجم مع مراعاة الآباء فمن كان اسم أبيه إبراهيم مثلا أقدمه على من كان اسم أبيه أحمد وهكذا..
وإن كان العلم مشهورا بكنيته ذكرته مرتين فى الأسماء وفى الكنى.
وبعد الفراغ من ذكر الأسماء أجعل بعدهم الكنى ثم يلي ذلك الأبناء ثم تراجم النساء، وفى كل ترجمة أكتب اسم الرجل وأمامه أرقام الآثار الموجود فيها فإن كان مترجما فى أحدها جعلت علامة «م» فوق رقم الأثر المترجم له فيه.
5 - عند فهرسة الأماكن والبلدان أرتبها حسب حروف المعجم واضعا أمام كل منها أرقام الآثار الموجودة فيها.
فإن كان البلد أو المكان قد عرفت به جعلت الحرف «ع» فوق رقم الأثر الذي وقع عنده التعريف.
6 - إن مجيء رقم الأثر فى الفهرس أمام الآية القرآنية أو العلم أو البلد أو المكان لا يلزم من ذلك أن توجد هذه الأشياء داخل الأثر المذكور بل المراد حصر مكانها ما بين مبدأ الأثر المذكور إلى مبدأ الذي يليه وهكذا.
النّاسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسّنن