الخلافيات بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه ت النحالصفحات 297-337

1

مَسْأَلَةٌ (415): وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِمَنْ لَهُ كَسْبٌ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ

1. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: إِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ 2. وَدَلِيلُنَا مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ مَا 3: [3902] أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثَنَا سَعْدَانُ 4 بْنُ نَصْرٍ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ 5 بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنْ رَجُلَيْنِ قَالَا: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقْسِمُ نَعَمَ الصدَقَةِ، فَسَأَلْنَاهُ 6، فَصَعَّدَ فِينَا الْبَصَرَ وَصَوَّبَ 7، فَقَالَ: "مَا شِئْتُمَا، فَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" 8. تَابَعَهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ

  • صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ: فَرآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتُمَا" 1. [3903] أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، ثنا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ 2 بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لَا يَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ وَلَا لِذِي 3 مِرَّةٍ سَوِيٍّ 4 " 5. [3904] حدثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ بِمِثْلِهِ.
    قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ".
    كَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: "لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ".
    وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ، وَقَالَ: "لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ" 6. [3905] أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْحُمَيْدِيُّ، ثنا سُفْيَانُ 7، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" 8.

[3906] أخبرنا هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَفَّارُ بِبَغْدَادَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُجَشِّرٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" 1. [3907] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، ثنا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" 2. قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً أُخْرَى: عَنْ سالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ.
[3908] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَقَالَا 3: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أنا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ 4 الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ بَيْتٍ مَا أُرَانِي أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَمُوتَ بَعْضُهُمْ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ: "انْطَلِقْ هَلْ تَجِدُ مِنْ شَيْءٍ؟ ". قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِحِلْسٍ وَقَدَحٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْحِلْسُ 5 كَانُوا يَفْتَرِشُونَ بَعْضَهُ

وَيَلْبَسُونَ بَعْضَهُ، وَهَذَا الْقَدَحُ كَانُوا يَشْرَبُونَ فِيهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي بِدِرْهَمٍ؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ ". فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِاثْنَيْنِ.
فَقَالَ: "هُمَا لَكَ".
قَالَ: فَدَعَا الرَّجُلَ فَقَالَ: "اشْتَرِ بِدِرْهَمٍ فَأْسًا وَبِدِرْهَمٍ طَعَامًا لِأَهْلِكَ".
قَالَ: فَفَعَلَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَلَا تَدَعْ حَاجًا 1 وَلَا شَوْكًا وَلَا حَطَبًا وَلَا تَأْتِنِي 2 خَمْسَةَ عَشَرَ 3 ". فَانْطَلَقَ، فَأَصَابَ عَشَرَةً.
قَالَ: "فَانْطَلِقْ فَاشْتَرِ بِخَمْسَةٍ طَعَامًا لِأَهْلِكَ وَبِخَمْسَةٍ 4 كِسْوَةً لِأَهْلِكَ".
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيمَا أَمَرْتَنِي.
فَقَالَ: "هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي وَجْهِكَ نُكْتَةُ 5 الْمَسْأَلَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ 6، أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ 7 " 8.


مَسْأَلَةٌ (416): لَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ

1. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رحمه الله -: يَجُوزُ صَرْفُ 2 صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ 3 إِلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ 4. [3909] أخبرنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، ثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، [ثنا] مُحَمَّدُ 5 بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ 6 إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ - عز وجل -، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ

أَمْوَالِهِمْ 1 ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ 2. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ 3 وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ 4. فَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمْ 5 يَلْزَمُهُمْ دَفْعُهَا إِلَى فُقَرَائِهِمْ، فَخَصَّ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ.
[3910] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا أَبُو عُتْبَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثنا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ 6؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُطْعَمُ الْكَافِرُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ شَيْئًا 7.


مَسْأَلَةٌ (417): يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْعَ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ بِنَفْسِهِ، وَتَفْرِيقَهَا بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ

1. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ 2. قَالَ اللَّهُ - عز وجل -: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 3. [3911] أخبرنا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّامَغَانِيُّ بِبَيْهَقَ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ، ثنا أَبُو هِشَامٍ 4 الرِّفَاعِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا غُلَامَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ 5 ". قَالَ: إِنِّي رَجُلٌ

مِنْ أَخْوَالِكَ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَإِنِّي رَسُولُ قَوْمِي إِلَيْكَ وَوَافِدُهُمْ 1، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ، وَأَمَرَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ حَوَاشِي 2 أَمْوَالِنَا فَنَضَعَهُ فِي فُقَرَائِنَا، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ أَهُوَ أَمَرَكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" 3. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: هَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ رَبِّ الْمَالِ زَكَاةَ مَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا 4 عَلَى فُقَرَائِنَا 5، إِسْنَادُهُ أَصَحُّ، وَهُوَ دَلِيلُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الْقَدِيمِ.


مَسْأَلَةٌ (418): وَيُعْطَى سَهْمُ الْغَارِمِينَ لِمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً (1) مَعَ غِنَاهُ

2. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يُعْطَى إِلَّا بِفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ 3. [3912] أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، أنا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، وَمِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَاهَا لِغَنِيٍّ، أَوِ الرَّجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - عز وجل -".
[3913] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيادٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ 4، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِغَازٍ1

فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِلرَّجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ كَانَ جَارَ مِسْكِينٍ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَاَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ" 1. [3914] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، ثنا الْقَعْنَبِيُّ فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ 2، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ"، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا 3. تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا 4، وَأَسْنَدَهُ مَعْمَرٌ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَحُجَّةٌ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
[3915] أخبرنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ 5 (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ وَاللَّفْظُ [لَهُ] 6، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ 7 بْنِ رِئَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ 8 بِهَا".
ثُمَّ

قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ 1 لَا تَحِلُّ إِلَّا لِإِحْدَى ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ 2 فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا 3 مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ [مِنْ] 4 ذَوِي الْحِجَا 5 مِنْ قَوْمِهِ: [قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ 6، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ] 7 ثُمَّ يُمْسِكُ، وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ 8 يَأْكُلُهَا 9 صَاحِبُهَا سُحْتًا" 10. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ 11. [3916] أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيَادٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ الْمُخَرِّمِيُّ.
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ

عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثنا هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَسْأَلُهُ فِي حَمَالَةٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ سِدَادً 1 مِنْ عَيْشٍ - ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَوْ فَاقَةٌ حَتَّى يَتَكَلَّمَ 2 ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ فَهُوَ سُحْتٌ" 3.


مَسْأَلَةٌ (419): وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ الصَّدَقَاتِ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ جَمَاعَةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ مَعَ وُجُودِهِمْ

1. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ 2. وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ 3 الْآيَةَ.
[3917] أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُوسِيُّ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادًا الْحَضْرَمِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْتُهُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" 4. تَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ 5.

[3918] أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الطِّيبِيُّ، ثنا أَبُو عَلِيٍّ بِشْرُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ، ثنا الْمُقْرِئُ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ 1 - ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - لَمْ يَرْضَ فِيهَا بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أعَطَيْتُكَ - أَوْ أَعْطَيْنَاكَ - حَقَّكَ" 2. [3919] أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، ثنا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: إِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ الصَّدَقَةَ صِنْفًا وَاحِدًا مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ أَجْزَأَهُ 3. [3920] وبه عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَطَاءٍ، بِنَحْوِهِ 4. حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اسْتَدَلُّوا بِمَا:

[3921] أخبرنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَدِيبُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا حِبَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ 1، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ 2 فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ [خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ طَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ] 3 صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ 4 هُمْ أَطَاعُوكَ 5 بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنه وبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى 6. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ تَفْرِقَةَ الصَّدَقَاتِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ، دُونَ نَقْلِهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، وَالْمُرَادُ 7 بِهِ جَمِيعُهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفُقَرَاءِ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ أَهْلُ حَاجَةٍ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ.

اسْتَدَلُّوا بِمَا: [3922] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا: ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْحِمْصِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ [خَالِدٍ] 1، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ وَحَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - بِصَدَقَةِ زَكَاةٍ، فَأَعْطَاهَا أَهْلَ بَيْتٍ كَمَا هِيَ.
[3923] وبهذا الْإِسْنَادِ، ثنا الْحَسَنُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[3924] وعن الْمِنْهَالِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يَرَيَانِ بِهَذَا بَأْسًا 2. وَرَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - 3. الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ مَتْرُوكٌ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَعَطَاءٌ عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - مُرْسَلٌ.
وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَدْ رُوِّينَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالْحَجَّاجِ 4 بْنِ أَرْطَاةَ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - رَوَاهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ وُهَيْبٍ 5، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ 6، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خُولِفَ فِيهِ؛ فَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ مِنْ قَوْلِهِ 1، وَرُوِيَ لَنَا عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ 2، وَاحْتَجَّ بِالآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الشَّافِعِيُّ - رحمه الله -. [3925] أخبرنا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبَّاسٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن هُذَيْلٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ، ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، هَذَا الْمَجْنُونُ أَتَانِي هُوَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، فَكَلَّمَانِي أَنْ أَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ الْحَسَنِ 3 بْنِ عُمَارَةَ، أَنَا أَكُفُّ عَن ذِكْرِهِ! لَا وَاللَّهِ، لَا أَكُفُّ عَنْ ذِكْرِهِ، أَنَا وَاللَّهِ سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنِ الصَّدَقَةِ تُجْعَلُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِمَّا سَمَّى اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، قُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ؟ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُهُ، وَهَذَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ عَنِ عَلِيٍّ.
وَعَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنِ الْحَكَمِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ الصَّدَقَةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ 4.


مَسْأَلَةٌ (420): الْفَقِيرُ الْمَذْكُورُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ أَمَسُّ حَاجَةً مِنَ الْمِسْكِينِ الْمَذْكُورِ فِيهَا

1. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: بَلِ الْمِسْكِينُ أَمَسُّ حَاجَةً مِنَ الْفَقِيرِ 2. دَلِيلُنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ 3 الْآيَةَ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهَا إِذَا 4 ذَكَرَتْ صِنْفَيْنِ قَدِ اجْتَمَعَا فِي صِفَةٍ بَدَأَتْ بِأَهَمِّهِمَا 5 أَمْرًا، وَأَشَدِّهِمَا حَالًا.
وَقَوْلُ اللَّهِ - عز وجل -: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ 6 الْآيَةَ.
وَقَوْلُ اللَّهِ - عز وجل -: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 7 الْآيَةَ.

وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حُصِرَ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ لِفَقْرِهِ أَشَدُّ حَالًا مِمَّنْ لَمْ تَحْبِسْهُ 1 الْمَسْكَنَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْبَحْرِ، وَلَهُ أَيْضًا مِلْكُ السَّفِينَةِ.
وَمِنَ الْخَبَرِ مَا: [3926] أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثنا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ 2 - عَنْ مَالِكٍ 3 (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْخَوَارِزْمِيُّ بِبَغْدَادَ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ - يَعْنِي: ابْنَ حَمْدَانَ - ثنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ 4، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ 5 اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ".
قَالُوا: فَمَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا".
لَفْظُ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ.
وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: "وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ 6. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ

سَعِيدٍ 1، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ 2. وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ"؛ يَعْنِي: لَيْسَ هُوَ بِهَذَا الْفَقِيرِ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ السُّؤَالِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ اللُّقْمَةُ، أَوْ لُقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ؛ يَعْنِي تَمَامَ مَا يَكْفِيهِ، وَلَهُ مِقْدَارُ مَا يَتَعَفَّفُ بِهِ عَنِ السُّؤَالِ، فَيُكْفَى بِهِ، وَلَا يَسْأَلُ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَا يَكْفِيهِ، وَأَمَّا مَنْ يَتَعَفَّفُ وَلَيْسَ لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ كَانَ قَاتِلَ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الثَّنَاءَ، بَلْ هُوَ مَلُومٌ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَفِي هَذَا الْإِيضَاحِ، وَسَوْقِ جَمِيعِ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ جَوَابٌ عَنِ احْتِجَاجِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَمَسُّ حَاجَةً مِنَ الْفَقِيرِ؛ حَيْثُ إِنَّهُ نَفَى الْمُتَكَفِّفَ 3 أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا، وَجَعَلَ الْمِسْكِينَ 4 الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ؛ أَيْ: لَا يَجِدُ شَيْئًا 5. [3927] أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ 6، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي

شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ؛ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 1 ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ 2. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّغَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ 3. وَمَنْ يَتَعَفَّفُ وَلَيْسَ لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ كَانَ قَاتِلَ نَفْسِهِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، دَلَّ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْضُ الْغِنَى وَلَا يَكُونُ لَهُ تَمَامُ مَا يُغْنِيهِ، وَالْفَقِيرَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ 4 مِنْهُ مَوْقِعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[3928] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ" 5. وَرُوِّينَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ 6 وَالْفَقْرِ" 7.

وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "اقْضِ عَنَّا 1 الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ" 2. وَقَدْ: [3929] أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَارُ 3، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُلْوَانِيُّ، ثنا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ثنا هِقْلُ بْنُ زَيادٍ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ 4 بْنُ زِيَادٍ، ثنا جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَتَوَفَّنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ 5 الْمَسَاكِينِ" 6. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَقَدِ اسْتَعَاذَ مِنَ الْفَقْرِ وَسَأَلَ الْمَسْكَنَةَ، وَقَدْ كَانَ [لَهُ] 7 - صلى الله عليه وسلم - بَعْضُ الْكِفَايَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ.

اسْتَدَلُّوا بِالآيَةِ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 1 قَالُوا: وَصَفَهُ بِشِدَّةِ الْحَالِ، وَالْإِلْزَاقِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْبُؤْسِ وَالْفَاقَةِ.
قُلْنَا: لَمْ يَقْتَصِرْ مِنْهُ 2 عَلَى اسْمِ الْمِسْكِينِ، حَتَّى قَرَنَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى حَاجَةٍ 3، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ اسْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِقَرِينَتِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْحَدِيثِ، وَمَا سَبَقَ مِنْ تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ جَوَابٌ عَنْهُ.
وَاحْتَجَّ الْقُتَيْبِيُّ 4 فِي الْفَقِيرِ أَنَّهُ أَوْسَعُ حَالًا 5 مِنَ الْمِسْكِينِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ 6 وَقَالُوا: الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ حَلُوبَةٌ يَحْلُبُهَا، وَهِيَ قَدْرُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيالِهِ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ.
وَجَوَابُهُ أَنْ نَقُولَ: الْبَيْتُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ قُوتِ عِيَالِهِ قَبْلَ الْفَقْرِ، فَقَدْ صَارَ بِحَيْثُ لَا سَبَدَ لَهُ وَلَا لَبَدَ، ثُمَّ نَقُولُ:

اخْتَلَفَ 1 أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْتُمْ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا نَقَلْتُمْ وَبِغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْفَقِيرَ أَشَدَّ حَالًا مِنَ الْمِسْكِينِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ وَلِأَمْثَالِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ - رحمه الله - اخْتِلَافَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ، وَاحْتِجَاجَ كُل فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِحُجَّتِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِمَا أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ يَجْمَعُهُمَا الْحَاجَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا مَا يَتَقَوَّتَانِهِ، إِمَّا لِكَثْرَةِ 2 الْعِيَالِ أَوْ قِلَّةِ مَا بِأَيْدِيهِمَا، وَالْفَقِيرُ أَشَدُّهُمَا حَالًا؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَقْرِ، وَهُوَ كَسْرُ الْفَقَارِ 3، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مَفْعُولٌ، فَكَأَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ زَمَانَةٍ أَقْعَدَتْهُ عَنِ التَّصَرُّفِ مَعَ حَاجَتِهِ، وَبِهَا سُمِّيَ فَقِيرًا؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْحَاجَةِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ، وَلَا يَكُونَ 4 سَوِيَّ الْجَوَارِحِ مُكْتَسِبًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلدَّاهِيَةِ الشَّدِيدَةِ: فَاقِرَةٌ، وَجَمْعُهَا فَوَاقِرُ، وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْفَقَارَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ 5. وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ 6 فِي احْتِجَاجِ مَنْ جَعَلَ الْفَقِيرَ أَمَسَّ 7 حَاجَةً بقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 8: سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْمَسَاكِينَ

وَلَهُمْ سَفِينَةٌ لَهَا قِيمَةٌ، قَالَ: وَأَنْشَدَ 1 أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ 2: هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ قَدْ حَدَّثَ النَّفْسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ يَخَافُ أَنْ يَلْقَاهُ نَسْرٌ يَنْسُرُهْ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ 3: عَسْكَرُهُ: جَمَاعَةُ مَالِهِ، فَسَمَّى نَفْسَهُ مِسْكِينًا، وَلَهُ بُلْغَةٌ 4، وَهِيَ الشِّيَاهُ الْعَشْرُ 5.


مَسْأَلَةٌ (421): وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ صَدَقَةِ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ مَعَ وُجُودِ أَهْلِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ

1. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: إِنَّهُ جَائِزٌ 2. [3930] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ، ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا فِي الصَّحِيحِ 3 عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ بِسْطَامٍ.

وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: "فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" 1. [3931] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ، ثنا هَارُونَ بْنُ يُوسُفَ بْنِ زِيَادٍ، ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ثنا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّلَاةَ، وَزَادَ: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" 2. [3932] أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا الثِّقَةُ - وَهُوَ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ - عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا وَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" 3. [3933] أخبرنا أَبُو عَلِيٌّ الرُّوذْبَارِيُّ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، ثنا أَبُو دَاوُدَ، ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، [أَنَا أَبِي] 4، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطَاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ زِيَادًا - أَوْ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ - بَعَثَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا

رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَانَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟ أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - 1. [3934] أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، ثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثنا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثنا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِينَا سَاعِيًا، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَوَضَعَهَا فِي فُقَرَائِنَا، وَأَمَرَ لِي بِقَلُوصٍ 2 3. أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ غَيْرُ قَوِيٍّ.
وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ 4 عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ 5؛ فَتَأَكَّدَ بِمُتَابَعَتِهِ.
اسْتَدَلُّوا بِمَا: [3935] أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ ابْنُ الْحَمَّامِيِّ الْمُقْرِئُ بِبَغْدَادَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ 6 النَّجَّادُ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثنا عَفَّانُ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ 7، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ

قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ - رضي الله عنه - فِي أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِي، فَجَعَلَ يَفْرِضُ 1 رِجَالًا مِنْ طَيِّئٍ فِي أَلْفَيْنِ وَيُعْرِضُ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: فَضَحِكَ حَتَّى اسْتَلْقَى 2 لِقَفَاهُ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُكَ، آمَنْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ 3 غَدَرُوا، وَإِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. ثُمَّ أَخَذَ يَعْتَذِرُ، قَالَ: إِنَّمَا فَرَضْتُ لِأَقْوَامٍ أَجْحَفَتْ بِهِمُ الْفَاقَةُ، وَهُمْ فَاقَةُ عَشَائِرِهِمْ لِمَا يَنُوبُهُمْ 4 مِنَ الْحُقُوقِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ 5. [3936] وأخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ، ثنا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْوَاسِطِيُّ، ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وُجُوهَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَدَقَةُ طَيِّئٍ جِئْتَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه -، فَقُلْتَ: أَمَا إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ أَوَّلَ كَمَا أَتَيْتُكَ بِهَا 6. [3937] أخبرنا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أخْبَرَنِي أَبُو

يَعْلَى، ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، ثنا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ عِمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، وَكَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - نَسَمَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرٍ 1. وَإِتْيَانُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانِ 2 بْنِ بَدْرٍ وَغَيْرِهِمَا بِالصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فَضَلَ عَنْ أَهَالِيهِمْ فِي مَوْضِعِ الصَّدَقَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ، أَوِ ارْتَدُّوا فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ أَقْرَبَ دَارًا وَنَسَبًا إِلَى الْيَمَنِ مِنْ طَيِّئٍ وَمُضَرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - أَمَرَ بِرَدِّهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ إِلَى أَرْبَابِهَا، حَيْثُ نُقِلَ مِنْهَا، وَالْحِكَايَةُ حِكَايَةُ حَالٍ، فَكُلٌّ يَحْتَمِلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اسْتَدَلُّوا بِمَا: [3938] أخبرنا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثنا 3 أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ مُعَاذٌ - يَعْنِي ابْنَ جَبَلٍ - رضي الله عنه -

بِالْيَمَنِ: ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ 1 آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ 2. كَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَخَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ: عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ، فَقَالَ: قَالَ مُعَاذٌ 3 بِالْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ 4 مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ.
[3939] أخبرناه 5 أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَذَكَرَهُ 6. [3940] قال أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ - رحمه الله -، فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ عَنْهُ: حَدِيثُ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذٍ إِنْ كَانَ 7 مُرْسَلًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ: مِنَ الْجِزْيَةِ، مَكَانَ: الصَّدَقَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: هَذَا هُوَ الْأَلْيَقُ بِمُعَاذٍ - رضي الله عنه - وَالْأَشْبَهُ بِمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِهِ مِنْ أَخْذِ الْجِنْسِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَأَخْذِ الدِّينَارِ أَوْ عَدْلِهِ مَعَافِرَ - ثِيَابٌ

بِالْيَمَنِ - فِي الْجِزْيَةِ، وَأَنْ تُرَدَّ الصَّدَقَاتُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، لَا أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَكْثَرُهُمْ [أَهْلُ] 1 فَيْءٍ لَا أَهْلُ 2 صَدَقَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّهُ قَالَ: آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَكَانَ الصَّدَقَةِ؟ . قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُهُ: مَكَانَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يَحْفَظْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَخَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ، وَإِنْ ثَبَتَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ، كَبَنِي تَغْلِبَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَلَعَلَّ مُعَاذًا - رضي الله عنه - لَوْ أَعْسَرُوا بِالدَّنَانِيرِ أَخَذَ مِنْهُمُ الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ، وَإِذَا 3 جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الدِّيَنارَ لِعَرْضٍ - وَهُوَ الْمَعَافِرِيُّ - فَلَعَلَّهُ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ طَعَامًا فِي الْجِزْيَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: الثِّيَابُ خَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَهْوَنُ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ كَبِيرَةً فِي حَمْلِ الثِّيَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالثِّيَابُ بِهَا 4 أَغْلَى مِنْهَا بِالْيَمَنِ، وَالْحِكَايَةُ حِكَايَةُ حَالٍ.
يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ رَاوِيَهُ حَدَّثَنَا وَحَدَّثَكُمْ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ حَدِيثِ طَاوُسٍ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذٍ لِطَاوُسٍ أَنَّهُ قَضَى فِي نَقْلِ الصَّدَقَاتِ نَحْوَ مَذْهَبِكُمْ لَمَا خَالَفَهُ طَاوُسٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ طَاوُسٍ - رحمه الله - أَنَّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ بَيْعَ الصَّدَقَاتِ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، لَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ.

وَلَوْ صَحَّ مَا رَوَيْتُمْ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - مِنْ أَخْذِهِ الثِّيَابَ بَدَلَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فِي الصَّدَقَةِ، كَانَ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ، ثُمَّ قَدْ رَوَيْنَا قَضَاءَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - فِي الْعُشْرِ وَالصَّدَقَةِ لَنَا مِنْ طَرِيقِ حَدِيثِ مُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْهُ، فَتَعَارَضَا، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ مُعَاذٍ مُنْقَطِعٌ 1. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: طَاوُسٌ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا 2. وَالِاعْتِمَادُ لَنَا عَلَى 3 مَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[3941] أخبرنا بِحَدِيثِ مُطَرِّفٍ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ إِجَازَةً عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ 4 بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَضَى: أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ 5 عَشِيرَتِهِ إِلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إِلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ 6. فَإِنِ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَانَ يَحْمِلُ عَلَى إِبِلٍ كَثِيرَةٍ إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله -: قُلْتُ: لَيْسَتْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ 7؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْمِلُ

عَلَى مَا يَحْتَمِلُ، وَأَكْثَرُ فَرَائِضِ الْإِبِلِ لَا تَحْمِلُ 1 أَحَدًا 2. [3942] وبيانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه -: أنا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ الدَّارِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ الدَّارِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَهُ: أَرَأَيْتَ الْإِبِلَ الَّتِي كَانَتْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا عُمَرُ - رضي الله عنه - الْغُزَاةَ، وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهَا إِبِلُ الْجِزْيَةِ الَّتِي كَانَ يَبْعَثُ بِهَا مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قُلْتُ: وَمِمَّنْ كَانَتْ تُؤْخَذُ؟ [قَالَ] 3: مِنْ جِزْيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْ صَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ فَرَائِضُ 4 عَلَى وُجُوهِهَا، فَبِيعَتْ 5، فَيُبْتَاعُ 6 بِهَا إِبِلٌ جِلَّةٌ 7، فَيُبْعَثُ بِهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا 8. وَالَّذِي يُوَضِّحُ أَنَّهَا مِنَ الْجِزْيَةِ كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضي الله عنهما - لَا غَيْرُ: إِنْفاذُ 9 عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَنَةً 10 إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ

مِنَ الصَّدَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْيَمَامَةِ لَمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُمْ حَقُّهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ، وَامْتِنَاعُهُمْ عَنِ الْقَبُولِ، وَقَالُوا: أَتُطْعِمُونَا أَوْسَاخَ النَّاسِ وَمَا لَا يَصْلُحُ لَنَا! وَكَانَ أَوَّلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ عُتْبَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِتَمَامِهِ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ 1. وَفِيهِ بَيَانٌ - أَيْضًا - أَنَّ مَا بَعَثَهُ مُعَاذٌ وَغَيْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَإِنِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَوْا 2 عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ 3، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أُتِيَ بِهَا مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، وَلَعَلَّهُمُ اسْتَغْنَوْا، فَنَقَلَها إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا وَنَسَبًا.


مَسْأَلَةٌ (422): وَلِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ عَلَى الدَّوَامِ، وَإِنْ زَادَ عَلى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ

1. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْغِنَى مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَوْ قِيمَتُهَا 2. دَلِيلُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحِلُّ 3 الصَّدَقَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ" فَذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي تَحَمَّلَ حَمَالَةً، ثُمَّ قَالَ: "وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا 4 مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا - مِنْ عَيْشٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ 5 سُحْتٌ" 6. وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِيمَا قَبْلُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: وَهَذَا فِي [رَجُلٍ] 7 عُرِفَ بِالْغِنَى، فَأَصَابَتْهُ

جَائِحَةٌ، فَلَا يُعْطَى حَتَّى يَشْتَهِرَ بِأَنْ قَدْ أَصَابَتْهُ مَا يَدَّعِي مِنَ الْجَائِحَةِ وَالْفَاقَةِ، ثُمَّ لَمْ يُوَقِّتْ فِيمَا يُعْطَى [قَدْرَ] 1 النِّصَابِ، وَأَحَلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةَ حَتَّى يُعْطَى مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ، وَيَكُونُ سَدًّا لِحَاجَتِهِ.
[3943] أخبرنا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أنا [أَبُو] 2 مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثنا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ 3، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه -، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ 4 فَإِنْ جَاعُوا وَعَرُوا وَجُهِدُوا 5 فَبِمَنْعِ 6 الْأَغْنِيَاءِ، وَحَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ 7. مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ هَذَا هُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي شِهَابٍ 1. وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ 2. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي: [3944] أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ 3، ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ 4 فِي وَجْهِهِ".
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ".
قال يَحْيَى بْنُ آدَمَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ: حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ لَا يَرْوِي 5 عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: فَقَدْ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ 6 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ 7. وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَدْرِ مَا يُعْطَى بِمَا يَقُومُ

بِكِفَايَتِهِ 1، وَيَكُونُ فِيهِ غِنَاهُ، سَوَاءٌ نَقَصَ عَنْ قَدْرِ النِّصَابِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا 2 " 3. وَرُوِّينَا عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّهُ قِيلَ: مَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ: "أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْعُ 4 يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" 5. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رحمه الله -: وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُخْتَلِفٌ 6، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ مَا يُغْنِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَجَعَلَ غِنَاهُ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُغْنِيهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَا يُغْنِيهِ أَقَلُّ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْنِيهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، لَا يُغْنِيهِ أَقَلُّ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ كَسْبٌ يُدِرُّ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ، وَلَا عِيَالَ لَهُ، فَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ الْكِفَايَةُ إِلَّا بِأُلُوفٍ أُعْطِيَ قَدْرَ أَقَلِّ الْكِفَايَةِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ.


جارٍ التحميل