كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- الكافي في فقه الإمام أحمد
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، 1414 هـ - 1994 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو فرض؛ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] . وقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] . وهو من فروض الكفايات.
إذا قام به من فيه كفاية، سقط عن الباقين؛ لقول الله سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95] إلى قوله: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] . ولو كان فرضاً على الجميع، لما وعد تاركه الحسنى.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] ؛ ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة، وطلب المعاش، والعلم، فيؤدي إلى خراب الأرض، وهلاك الخلق.
ولا يجب إلا بشروط خمسة:
أحدها: التكليف، فلا يجب على صبي، ولا مجنون، ولا كافر؛ لما تقدم؛ ولأن هذه من شرائط التكليف بسائر الفروع.
وقد روي «عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشر سنة، فلم يجزني في المقاتلة.» متفق عليه.
ولأن المجنون لا يستطيع الجهاد، والكافر غير مأمون، والصبي ضعيف البنية.
الثاني: السلامة من الضرر؛ لقوله سبحانه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: 95] وهو العمى، والعرج، والمرض، والضعف؛ لقول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] . ومن كان في بصره سوء يمنعه من رؤية عدوه، وما يتقيه من سلاح، لم يلزمه الجهاد؛ لأنه في معنى الأعمى، في
عدم إمكان القتال، وإن لم يمنعه من ذلك، لم يسقط عنه فرضه، ويجب على الأعشى الذي يبصر في النهار دون الليل، وعلى الأعور؛ لأنهما يتمكنان من القتال.
ولا يجب على أقطع اليد، أو الرجل؛ لأنه إذا سقط عن الأعرج، فالأقطع أولى، ولأنه يحتاج إلى الرجلين في المشي، واليدين ليتقي بأحدهما، ويضرب بالأخرى، والأشل، كالأقطع.
ومن أكثر أصابعه ذاهب، أو إبهامه، أو ما لا تبقى منفعة إليه بعد ذهابه، فهو كالأقطع كذلك.
ومن كان عرجه يسيراً أو مرضه يسيراً، لا يمنعه الركوب والمشي، والعدو والقتال، لم يسقط عنه الجهاد؛ لأنه متمكن منه.
الثالث: الحرية.
فلا يجب على العبد؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] . والعبد لا يجد ما ينفق، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم يجب على العبد كالحج.
الرابع: الذكورية: فلا يجب على المرأة؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» ولأن الجهاد القتال، والمرأة ليست من أهله لضعفها وخورها.
ولا يجب على خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه رجلاً.
الخامس: الاستطاعة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] ؛ ولأنه يحتاج إلى قطع مسافة، فأشبه الحج.
وإن كان القتال قريباً من البلد، لم يشترط ذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى ركوب، ولا نفقة طريق، والاستطاعة: وجدان الزاد، والسلاح، وآلة القتال، ومركوب يبلغه إذا كان على مسافة القصر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] .
فصل ويتعين الجهاد في موضعين: إحداهما: إذا التقى الزحفان، تعين الجهاد على من حضر؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] . وقوله سبحانه: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]
الآية.
الثاني: إذا نزل الكفار ببلد المسلمين، تعين على أهله قتالهم، والنفير إليهم، ولم يجز لأحد التخلف، إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ الأهل، والمكان، والمال، ومن يمنعه الأمير الخروج؛ لقول الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] ولأنهم في معنى حاضر الصف، فتعين عليهم، كما تعين عليه.
فصل وأقل ما يفعل الجهاد مرة في كل عام؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام مرة، وهي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها، وهو الجهاد، إلا لعذر من ضعف بالمسلمين، أو انتظار مدد، أو مانع في الطريق من قلة علف أو غيره، أو طمعه في إسلامهم بتأخير قتالهم، ونحو هذا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد صالح قريشاً عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده، وإن دعت الحاجة إلى فعله في العام أكثر من مرة، وجب؛ لأنه فرض كفاية، فكان على حسب الحاجة.
فصل:
ومن كان أحد أبويه مسلماً، لم يجز له الجهاد إلا بإذنه؛ لما روى ابن العباس قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله أجاهد؟ قال: لك أبوان قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد» ، قال الترمذي: هذا حديث صحيح؛ ولأن الجهاد فرض كفاية، وبرهما فرض عين، فوجب تقديمه.
فإن كانا كافرين، فلا إذن لهما؛ لأن أبا بكر الصديق، وأبا حذيفة بن عتبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وغيرهما كانوا يجاهدون بغير إذن آبائهم، ولأنهما متهمان في الدين.
وإن كانا رقيقين، ففيه وجهان:
أحدهما: يعتبر إذنهما؛ لأنهما كالحرين في البر والشفقة والدين.
والثاني: لا إذن لهما؛ لأنه لا ولاية لهما، ولا نفقة ولا إذن لهما في أنفسهما، ففي غيرهما أولى، ولا إذن لغيرهما من الأقارب، كالجدين، وسائر الأقارب؛ لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لتأكيد حرمة الوالدين في البر، والتقديم في الإرث، والنفقة، والحجب، والولاية وغيرها.
ومتى تعين الجهاد، فلا إذن لأبويه، لأنه صار فرض عين، فلم يعتبر إذنهما فيه، كالحج الواجب.
وكذلك كل الفرائض، لا طاعة لهما في تركه؛ لأن تركه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله
تعالى، كالسفر لطلب العلم الواجب الذي لا يقدر على تحصيله في بلده، ونحو ذلك.
وإن أراد سفراً غير واجب، فمنعاه منه، لم يجز له؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، قال: ارجع إليهما فأضحكهما، كما أبكيتهما» . من المسند.
فصل:
ولا يجوز لمن عليه دين الجهاد إلا بإذن غريمه إلا أن يقيم به كفيلاً، أو يعطي به رهناً، أو يكون له من يقضيه عنه؛ لما روى أبو قتادة «أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله، كفر الله خطاياي؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر كفر الله عنك خطاياك، إلا الدين كذلك قال جبريل» رواه مسلم؛ ولأن فرض أداء الدين متعين عليه، فلا يجوز تركه لفرض على الكفاية يقوم غيره فيه مقامه.
والمؤجل، كالحال؛ لأنه يعرض نفسه للقتل، فيضيع الحق.
فإن كان له مال غائب، فهو كالمعسر؛ لأنه قد يتلف، فيضيع الحق.
وإن تعين عليه الجهاد، فلا إذن لغريمه؛ لما ذكرنا في الوالدين.
وإن أذن له الغريم، جاز له الجهاد؛ لأن الحق له، فجاز بإذنه.
فإن رجع عن الإذن، أو أذن له أبواه في الغزو، ثم رجعا، أو كانا كافرين فأسلما، أو رقيقين فعتقا قبل التقاء الزحفين، لم يجز الخروج إلا بإذن مستأنف.
وإن كان بعده، فلا إذن لهما؛ لأنه صار متعيناً، فقدم؛ لما ذكرناه.
فصل:
وأفضل التطوع الجهاد في سبيل الله، نص عليه أحمد، وذكر له أمر الغزو، فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه، وأي عمل أفضل منه؟ والذين يقاتلون في سبيل الله: هم الذين يدفعون عن الإسلام، وعن حريمهم، وقد بذلوا مهج أنفسهم، الناس آمنون، وهم خائفون.
وقد روى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» . متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أي الأعمال أفضل؟ أو أي الأعمال خير؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد سنام العمل، قيل: ثم أي؟ قال: ثم حج مبرور» حديث صحيح؛ ولأن نفعه عظيم، وخطره كبير، فكان أفضل مما دونه.
وغزو البحر أفضل من غزو البر؛ لما روى أبو داود عن أم حرام عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المائد في البحر الذي يصيبه القيء، له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين» وروى ابن ماجه بإسناده عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر، كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين، كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح، إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها، إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب والدين» ولأن غزو البحر أعظم خطراً، فإنه بين خطر القتل والغرق، ولا يمكنه الفرار دون أصحابه.
فصل:
وفي الرباط فضل عظيم: وهو المقام بالثغر مقوياً للمسلمين.
والثغر: كل مكان يخيف العدو ويخافه.
قال أحمد: ليس يعدل الرباط والجهاد شيء.
وعن سلمان قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» أخرجه مسلم.
وعن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» . حديث صحيح.
وليس لأقله وأكثره حد، وتمامه أربعون يوماً؛ لأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «تمام الرباط أربعون يوماً» أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب.
ويروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفاً؛ لأنه أنفع للمسلمين، وأشد خطراً، ولا يستحب نقل أهله إلى الثغر المخوف.
نص عليه أحمد وقال: أخاف عليه الإثم؛ لأنه يعرض ذريته للمشركين.
وقد قال عمر: لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر.
ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم لصلواتهم، ليكون أجمع لهم إذا حضر النفير.
فيبلغ الخبر جميعهم، وتراهم عين الكفار، فتخافهم وتخوف منهم.
قال الأوزاعي: لو أن لي ولاية على المساجد، يعني التي في الثغر، لسمرت أبوابها، يريد أن تكون صلاتهم في موضع واحد.
فصل
ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] ولأنهم أهم، فتجب البداءة بهم، إلا أن تدعو الحاجة إلى البداءة بغيرهم.
إما لانتهاز فرصة فيهم أو خوف الضرر بتركهم، أو لمانع من قتال الأقرب، فيبدأ بالأبعد لذلك، ويستحب التحريض على القتال؛ لقول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 84] ويستحب ذكر الله، والدعاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45] ، ويستحب أن يدعو الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم؛ لما روى سهل بن سعد الساعدي قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي كرم الله وجهه يوم خيبر: إذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق عليه.
ولا تجب الدعوة.
نص عليه أحمد.
وقال: إن الدعوة قد بلغت كل أحد، ولا أعرف اليوم أحداً يدعى، إنما كانت الدعوة في أول الإسلام.
وقد روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أغار على بني المصطلق وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية.» متفق عليه، وإن اتفق في الجزائر البعيدة، من لم تبلغه الدعوة، وجبت دعوته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] . فلا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم.
فصل ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ولا لجماعة أن يفروا من مثليهم؛ لقول الله تعالى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] . وهذا أمر بلفظ الخبر؛ لأنه لو كان خبراً بمعناه، لم يكن تخفيفاً، ولوقع الخبر بخلاف المخبر، والأمر يقتضي الوجوب ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: 16] وهو أن ينصرف من ضيق إلى سعة، أو من سفل إلى علو، أو من مكان منكشف إلى مستتر، أو من استقبال ريح أو شمس إلى استدبارهما، ونحو ذلك مما هو أمكن له في القتال ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] ينضم إليهم ليقاتل معهم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 16] .
وسواء قربت الفئة أو بعدت؛ لما «روى ابن عمر: أنه كان في سرية من سرايا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فحاص المسلمون حيصة عظيمة، وكنت فيمن حاص، فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بغضب من الله؟! فجلسنا لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا فقلنا له: نحن الفرارون.
فقال: لا بل أنتم العكارون أنا فئة كل مسلم» أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أنا فئة كل مسلم، وقال: لو أن أبا عبيد تحيز إلي، لكنت له فئة وكان أبو عبيد بالعراق.
وإن كان العدو أكثر من المثلين، لم تجب مصابرتهم؛ لأن الله تعالى لما فرض مصابرة المثلين، دل على إباحة الفرار من الزائد عليهما.
وقال ابن عباس: من فر من اثنين، فقد فر.
ومن فر من ثلاثة، فما فر.
لكن إن غلب على ظنهم الظفر، فالأولى لهم الثبات، ليحصل لهم الأجر والغنيمة ومسرة المسلمين بظفرهم.
وإن غلب على ظنهم الهلاك بالإقامة، والنجاة في الفرار.
فالفرار أولى؛ لئلا يكسروا قلوب المسلمين بهلاكهم.
وإن ثبتوا جاز؛ لأن لهم غرضاً في الشهادة.
وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فالأولى الثبات؛ ليحصل لهم ثواب الشهداء الصابرين المقبلين؛ ولأنه يجوز أن يظفروا فيسلموا ويغنموا، فإن الله تعالى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249] وإن خشوا الأسر، قاتلوا حتى يقتلوا لينالوا شرف الشهادة، ولا يتسلط الكفار على إهانتهم وتعذيبهم.
وإن استأسروا جاز؛ لأن عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة في عشرة رهط كانوا سرية لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنفرت إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام، فعرضوا عليهم أن يستأسروا فأبوا، فقتلوا عاصماً في سبعة، ونزل إليهم خبيب وزيد على العهد والميثاق، فلم يذم أحداً منهم.
وإن ألقى الكفار ناراً في سفينة فيها مسلمون، فما غلب على ظنهم السلامة فيه، فالأولى فعله؛ لأن فيهم صيانتهم عن الهلاك.
وإن ثبتوا جاز.
قال أحمد: كيف شاء صنع.
وإن تساوى الأمران، فهم بالخيار بين المقام بالسفينة، وإلقاء نفوسهم في الماء؛ لأنهما موتتان، فيختار أيسرهما.
وعنه: أنه يلزمهم المقام، لئلا يكون موته بفعله، فيكون معيناً على نفسه.
باب ما يلزم الإمام وما يجوز له
يجب عليه أن يشحن ثغور المسلمين بجيوش يكفون من يليهم، ويقويها بالعدد، والآلات ويؤمر عليهم أميراً ذا رأي، وشجاعة، ودين؛ لأنه إذا لم يفعل، لم يأمن
دخول الكفار من بعض الثغور، فيصيبون المسلمين.
وإن احتاج إلى بناء حصن، أو حفر خندق، فعل؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حفر خندق على المدينة في غزوة الأحزاب.
وإذا بعث جيشاً، أو سرية، لزمه أن يولي عليهم أميراً على الصفة المذكورة، ويوصيه بجيشه؛ لما روى بريدة قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا بعث أميراً على سرية، أو جيش، أمره بتقوى الله في خاصته، ومن معه من المسلمين» ، ولما بعث أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جيوشه إلى الشام، خرج مع أمرائهم يشيعهم، ويوصيهم، ويعهد إليهم.
فصل
وإذا أراد الإمام، أو الأمير الغزو، لزمه أن يعرض جيشه، ويتعاهد الخيل والرجال، فلا يدع فرساً حطماً، وهو الكسير، ولا قحماً، وهو الكبير، ولا ضرعاً وهو الصغير، ولا هزيلاً يدخل معه أرض العدو، لئلا ينقطع فيها، وربما كانت سبباً للهزيمة.
ولا يأذن لمخذل من الناس، وهو الذي يفند الناس عن الغزو، ولا لمرجف، وهو الذي يحدث بقوة الكفار، وضعف المسلمين، وهلاك بعضهم، ويخيل لهم أسباب ظفر عدوهم بهم، ولا لمن يعين العدو بمكاتبتهم، بأخبار المسلمين، والتجسس لهم، ولا لمن يضر المسلمين بإيقاع الاختلاف بينهم، ولا لمن يعرف بالنفاق والزندقة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: 83] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: 47] قيل: معناه: لأوقعوا بينكم الاختلاف، وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم؛ ولأن في حضورهم ضرراً، فيجب صيانة المسلمين عنه.
ولا يأذن لطفل ولا مجنون؛ لأن دخولهم تعرض للهلاك، لغير فائدة.
ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان؛ لأن فيهم معونة ونفعاً، ولا يأذن لمشرك؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين، قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: فارجع فلن نستعين بمشرك» . حديث حسن.
فإن دعت حاجة إليه، ولم يكن حسن الرأي في المسلمين، لم يستعن به أيضاً؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما يرجى من نفعه، وإن كان حسن الرأي فيهم، جاز؛ لأن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على شركه.
ولا يأذن للمرأة الشابة الجميلة؛ لأنها ليست من
أهل القتال، ولا يؤمن الضرر عليها وبها، ويجوز أن يأذن للطاعنة في السن، لسقي الماء، ومعالجة الجرحى؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين الجرحى.» وهذا حديث صحيح.
فصل
ويستحب أن يخرج يوم الخميس؛ لما روى كعب بن مالك قال: «قلما كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج في سفر إلا يوم الخميس.» ويعبئ جيشه، ويرتب في كل جانب كفؤاً؛ لما «روى أبو هريرة قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجعل خالداً على إحدى المجنبتين، وجعل الزبير في الأخرى، وجعل أبا عبيدة على الساقة» ؛ ولأن ذلك أحوط للحرب، وأبلغ في إرهاب العدو.
ويعقد الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة لواء؛ لما روى ابن عباس: «أن أبا سفيان حين أسلم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للعباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال: فحبسته على الوادي، حيث أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومرت به القبائل على راياتها.
وهو متحير في ألوانها» . لكنه يغاير ألوانها، ليعرف كل قوم راياتهم، ويعرف عليهم العرفاء، ويجعل لكل طائفة أميراً، ويكلفهم من السير ما يقدر عليه ضعيفهم؛ لئلا ينقطع عنهم، أو يشق عليه إلا أن تدعو حاجة إلى الجد في السير لمصلحة رآها، فيجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، جد في السير حين بلغه قول عبد الله بن أبي: ليخرجن الأعز منها الأذل.
ليشغل الناس عن الخوض فيه.
ويتخير لهم من المنازل أصلحها لهم، ويتتبع مكامنها فيحوطها عليهم، ولا يغفل الحرس والطلائع، ليحفظهم من البيات.
وقد «روى سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم حنين، فأطنبوا السير حتى إذا كان عشية، قال: من يحرسنا الليلة؟ فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: فاركب فركب فرساً له، وجاء إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فقال له: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة، فلما أصبحنا، خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: هل أحسستم فارسكم قالوا: لا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاته قال: أبشروا فقد جاءكم فارسكم فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسلم، فقال: إني انطلقت، حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما أصبحت، اطلعت الشعبين كليهما فنظرت، فلم أر أحداً، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل نزلت الليلة قال: لا، إلا مصلياً، أو قاضياً حاجة، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قد وجبت، فلا عليك ألا تعمل بعدها.» رواه أبو داود.
ويذكي العيون، ليعلم أخبار
عدوه، فيتحرز منهم، ويتمكن من الفرصة فيهم، ويستشير ذوي الرأي من أصحابه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] . وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكثر الناس مشاورة لأصحابه.
ويمنع جيشه من المعاصي، والتشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال، ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب الظفر، ويعد ذا الصبر منهم بالأجر والنفل، ويخفي من أمره ما أمكن إخفاؤه؛ لئلا يعلم به عدوه، فقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أراد غزوة، ورى بغيرها، ولا يميل مع أهله وموافقيه في مذهبه على مخالفيه؛ لئلا تنكسر قلوبهم، فيخذلوه عند الحاجة، ويعد لهم الزاد، ويراعي من معه، ويرزق كل واحد بحسب حاجته.
فصل
ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون؛ لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا، في ظاهر المذهب.
ولا يجوز قتل نسائهم، وصبيانهم؛ لما روى ابن عمر «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه نهى عن قتل النساء والصبيان» ، متفق عليه؛ ولأنهما يصيران رقيقاً ومالاً للمسلمين، فقتلهما إتلاف لمال المسلمين.
ولا قتل شيخ فإن؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة» رواه أبو داود؛ ولأنه لا نكاية له في الحرب، أشبه المرأة.
ولا قتل زمن ولا أعمى؛ لأنهما في معنى الشيخ الفاني.
ولا راهب؛ لما روي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام، فقال: لا تقتلوا الولدان، ولا النساء، ولا الشيوخ، وستجدون قوماً حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا له أنفسهم، ولا قتل خنثى مشكل، لأنه يحتمل أنه امرأة، فلا يجوز قتله مع الشك.
ومن قاتل من هؤلاء كلهم، قتل؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل يوم قريظة امرأة ألقت حجراً على محمود بن مسلمة.
ومن كان ذا رأي يعين به في الحرب، جاز قتله؛ لأن الرأي في الحرب، أبلغ من القتال؛ لأنه الأصل.
وعنه يصدر القتال.
قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان
وإن تترس الكفار بصبيانهم ونسائهم، جاز رميهم، بقصد المقاتلة؛ لأن المنع من رميهم، يفضي إلى تعطيل الجهاد.
وإن تترسوا بأسارى المسلمين، أو أهل الذمة، لم يجز رميهم إلا في حال التحام الحرب، والخوف على المسلمين؛ لأنهم معصومون لأنفسهم، فلم يبح التعرض لإتلافهم من غير ضرورة.
وفي حال الضرورة، يباح رميهم؛ لأن حفظ الجيش أهم.
فصل
ويجوز بيات الكفار، ورميهم بالمنجنيق والنار، وقطع المياه عنهم، وإن تضمن ذلك إتلاف النساء والصبيان؛ لما «روى الصعب بن جثامة، قال سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأل عن الدار من ديار المشركين، نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم» متفق عليه.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نصب منجنيقاً على أهل الطائف.» والتغريق بالماء في معناه.
فإن كان فيهم مسلمون، فأمكن الفتح بدون ذلك، لم يجز رميهم؛ لأنه تعريض لقتلهم من غير حاجة، وإن لم يمكن بدونه، جاز؛ لأن تحريمه يفضي إلى تعطيل الجهاد.
فصل
ويجوز قتل ما يقاتلون عليه من دوابهم؛ لأن قتلها وسيلة إلى الظفر بهم، فإذا صارت إلينا، لم يجز قتلها؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتل شيء من الدواب صبراً» ولأنها مال المسلمين.
ولا يجوز ذبحها إلا لأكل لا بد لهم منه.
ولا يجوز تحريق النحل، ولا تغريقه؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتل النحلة.» وقال أبو بكر: لا تحرقن نحلاً ولا تغرقنه.
ويجوز أخذ الشهد، وفي أخذه كله روايتان:
إحداهما: لا يجوز؛ لأن فيه قتل النحل وهلاكه.
والثانية: يجوز؛ لأن هلاكه إنما يحصل ضمناً غير مقصود، فأشبه قتل النساء في البيات.
ويجوز هدم بنيانهم، وقطع شجرهم، وحرق زرعهم إذا احتيج إليه، للتمكن من قتالهم ونحوه، ولا يجوز إذا كان فيه ضرر بالمسلمين، لحاجتهم إلى الاستظلال أو الاستتار به، أو الأكل منه، أو علف دوابهم.
وما عدا ذلك، ففيه روايتان:
إحداهما: جوازه؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5] .
وروى ابن عمر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: 5] ولها يقول حسان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
رواه مسلم.
» وروى أسامة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان عهد إليه فقال: أغر على أُبْنَى صباحاً وحرق» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
والثانية: لا يجوز إلا أن يكونوا يفعلون ذلك بنا؛ لما روي أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد لا تقتل صبياً، ولا امرأة، ولا هرماً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شجراً مثمراً، ولا دابة عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن.
رواه سعيد.
فإن كانوا يفعلونه في بلدنا، جاز فعله بهم، لينتهوا، وإن أخذنا منهم مالاً، فعجزنا عن تخليصه إلى دار الإسلام.
جاز إتلافه كيلا ينتفعوا به.
فصل
ويخير الإمام في الأسرى من أهل القتال بين أربعة أشياء؛ القتل، والفداء، والمن، والاسترقاق.
فأما الفداء والمن، فقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] ؛ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ على أبي عزة الجمحي الشاعر ومَنَّ على أبي العاص بن الربيع، ومَنَّ على ثمامة بن أثال الحنفي.
وفادى أسيراً برجلين من أصحابه أسرتهما ثقيف، وفادى أُسارى بدر بالمال.
وأما القتل، «فلأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط صبراً» ، «وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحي» ، وقتل قريظة؛ ولأنه أنكى فيهم وأبلغ في إرهابهم، فيكون أولى.
وأما الاسترقاق فيجوز في أهل الكتاب والمجوس؛ لأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية، فالرق أولى؛ لأنه أبلغ في صغارهم، وإن كان من غيرهم، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز إرقاقه.
اختارها الخرقي؛ لأنه لا يقر بالجزية، فلم يجز إرقاقه، كالمرتد.
والثانية: يجوز؛ لأنه كافر أصلي، فأشبه الكتابي.
وإن أسلم الأسير، حرم قتله؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ويتخير فيه بين المن عليه؛ لأنه إذا جاز المن عليه حال كفره، ففي حال إسلامه أولى، بين إرقاقه وفدائه.
وقال أصحابنا: يصير رقيقاً بنفس الإسلام، ويسقط التخيير؛ لأنه ممن يحرم قتله، فأشبه المرأة.
وأما النساء والصبيان، فإنهم يصيرون رقيقاً بنفس السبي؛ لأنهم مال لا ضرر في اقتنائه، فأشبهوا البهائم.
وأما الرجال الذين يحرم قتلهم، كالشيخ الفاني ونحوه، فلا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع من استرقاقهم، ولا يحل قتلهم.
إذا ثبت هذا.
فإن التخيير الثابت في الأسرى تخيير مصلحة واجتهاد، لا تخيير شهوة،
فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعينت عليه
، ولم يجز له غيرها؛ لأنه ناظر للمسلمين فلم يجز له ترك ما فيه الحظ لهم، كولي اليتيم، فمتى رأى القتل، ضرب عنقه بالسيف؛ لقول الله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالذين قتلهم، فضربت أعناقهم، ولا يجوز التمثيل به؛ لما روى بريدة، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أمر أميراً على جيش، أو سرية قال: اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تغلوا» وإن اختار الفداء، جاز أن يفاديهم بأسارى المسلمين، وجاز بالمال؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل الأمرين.
وقال أبو الخطاب: لا يجوز فداؤهم بالمال في أحد الوجهين، فإن فادى بالمال، أو استرقهم، كان الرقيق، والمال للغانمين.
وليس له إطلاق الأسارى ولا المال إلا برضاهم؛ لما روى مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما جاءه وفد هوازن مسلمين قال: إن إخوانكم جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك، فليفعل، ومن أحب أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله.» أخرجه البخاري.
فصل:
ومنع أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فداء النساء بالمال؛ لأن في بقائهن في الرق تعريضا لهن للإسلام، لمعاشرتهن للمسلمين، وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع رجلين من المسلمين؛ ولأن في ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه.
وإن أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار، بفداء ولا غيره، لقول الله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] ، ولا يجوز المفاداة بالصبيان بحال؛ لأنهم يصيرون مسلمين بإسلام سابيهم.
فصل:
ولا يجوز بيع رقيق المسلمين لكافر.
نص عليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه كتب إلى أمراء الأمصار: ينهاهم عنه؛ ولأن في بقائهم رقيقا للمسلمين، تعريضا لهم للإسلام، وفي بيعهم لكافر، تفويت ذلك، فلم يجز.
فصل: وإن أسر من يقر بالجزية فبذلها، لم يلزم قبولها؛ لأنه قد ثبت حق التخيير فيه بين الأمور الأربعة، فلم يسقط ببذله، ويجوز للإمام إجابته إليها إذا رأى ذلك؛ لأنه بمنزلة المن عليه.
فصل:
ويكره نقل رءوس الكفار من بلد إلى بلد، ورميها في المنجنيق؛ لأن فيه مُثْلَة، وقد روى عقبة بن عامر: أنه قدم على أبي بكر برأس بَنَّاق البطريق، فأنكر ذلك، فقيل: يا خليفة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إنهم يفعلون بنا هذا، قال: فَاسْتِنَانٌ بفارس والروم؟ لا يحمل رأس، وإنما يكفي الكتاب والخبر.
رواه سعيد.
فصل:
إذا حصر الإمام حصنا، فرأى المصلحة في مصابرته، لزمه ذلك؛ لأن عليه فعل ما فيه الحظ للمسلمين.
وإن كانت المصلحة في الانصراف، انصرف لذلك.
وقد روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتتحه؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اغدوا على القتال فغدوا عليه، فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنا قافلون غدا فأعجبهم، فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه.
وإن أسلم أهل الحصن قبل فتحه، عصموا دماءهم وأموالهم؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .
وإن طلبوا النزول على حكم حاكم، جاز؛ «لأن بني قريظة حين حصرهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم: بقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
» ويجب أن يكون الحاكم بالغا عاقلا حرا مسلما ذكرا عدلا عالما؛ لأنه ولاية حكم، فأشبه ولاية القضاء، ولا يشترط أن يكون بصيرا؛ لأن الذي يقتضي الحكم فيهم هو الذي يشتهر من حالهم، وذلك يُدرك بالسمع، فأشبه الشهادة فيما طريقه السمع.
ويكره أن يكون حسن الرأي فيهم؛ لأنه يخشى ميله إليهم.
ويجوز حكمه؛ لأنه عدل في دينه.
فإن نزلوا على حكم من يختاره الإمام، جاز؛ لأنه لا يختار إلا من يجوز حكمه.
ولا يجوز أن ينزلوا على حكم من يختارونه؛ لأنهم قد يختارون من لا يصلح.
ويجوز أن ينزلوا على حكم اثنين، أو أكثر؛ لأنه تحكيم في مصلحة طريقها الرأي، فأشبه التحكيم في اختيار الإمام.
وإن نزلوا على حكم من لا يجوز حكمه، أو حكم من يجوز، فمات قبل الحكم، وجب ردهم إلى حصنهم؛ لأنهم نزلوا على أمان، فلا يجوز أخذهم، ولا يجوز للحاكم الحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين؛ لأنه نائب الإمام، فقام مقامه في اختيار الأحظ من الأمور الأربعة.
فإن حكم بالمن، فقال القاضي: يلزم حكمه كذلك.
وقال أبو الخطاب: لا يلزم؛ لأن الإمام إذا لم يره، تبين أنه لا حظ فيه، فلم يلزم حكمه به.
فإن حكم بعقد الذمة، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزم حكمه؛ لأنهم رضوا بحكمه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه عقد معاوضة، فلم يجز إلا برضا الفريقين، فإن حكم بالقتل والسبي، جاز؛ لأن سعدا حكم به في بني قريظة، فصادف حكم الله تعالى.
وللإمام أن يمن على من حكم عليه بالقتل؛ لأن ثابت بن قيس بن شماس سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يهب له الزبير بن باطا اليهودي بعد الحكم عليهم، فوهبه له، وأطلق له أهله وماله.
وإن حكم باسترقاقهم، لم يجز أن يمن عليهم، إلا برضا الغانمين؛ لأنهم صاروا مالا لهم.
وإن حكم بالقتل فأسلموا، عصموا دماءهم؛ لأن قتل المسلم حرام، ولم يعصموا أموالهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم.
وفي استرقاقهم روايتان:
إحداهما: لا يسترقون، ذكره القاضي؛ لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم، فأشبه ما لو أسلموا قبل القدرة عليهم.
والثانية: يسترقون؛ لأنهم أسلموا بعد القدرة عليهم، ووجوب قتلهم، فأشبهوا الأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله.
فصل:
ومن أسلم قبل القدرة عليه، عصم نفسه وماله، وأولاده الصغار، للخبر المذكور.
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حاصر بني قريظة، فأسلم ابنا سبيعة، فأحرز إسلامهما أموالهما وأولادهما؛ ولأن الأولاد تبع لوالدهما في الإسلام، فكذلك في العصمة.
وإن كان للمسلم منفعة بإجارة، لم تملك عليه؛ لأنها مال.
ولا يعصم زوجته؛ لأن النكاح ليس بمال.
ولا يجري مجراه، وإن كانت حاملا منه، فولده مسلم معصوم.
ويجوز استرقاقها؛ لأنها حربية، لا أمان لها ولا يعصم أولاده البالغين؛ لأنهم لا يتبعونه في دينه فكذلك في عصمته.
وإذا ادعى الأسير أنه أسلم قبل الأسر.
لم يقبل إلا ببينة.
فإن شهد له مسلم وحلف معه، ثبت ذلك له؛ لأن ابن مسعود شهد لسهيل بن بيضاء أنه سمعه يذكر الإسلام، فقبل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شهادته وأطلقه من الأسر.
فصل:
ومن أسلم من الأبوين، كان أولاده الأصاغر تبعا له في الإسلام، رجلا كان أو امرأة، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] ، ويتبعه الحمل؛ لأنه لا يصح إسلامه بنفسه، فتبعه كالولد.
وإن لم يسلم واحد منهما، فولدهما كافر؛ لأنه لا حكم لنفسه، فتبع أبويه، كولد المسلم.
فإن مات الأبوان أو أحدهما في دار الإسلام، حكم بإسلام الولد، لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فجعل التبعية لأبويه معا.
فإذا مات أحدهما، انقطعت التبعية، فوجب بقاؤه على حكم الفطرة؛ ولأن الدار يغلب فيها حكم الإسلام، بدليل الحكم بإسلام لقيطها.
وإنما منع ظهور حكمها اتباعه لأبويه، فإذا مات أحدهما، اختل المانع، فظهر حكم الدار.
والحكم في المجنون الذي يبلغ مجنونا، كالحكم في الصبي؛ لأنه لا حكم لقوله، فتبع في الإسلام كالطفل؛ ولأنه يتبع والديه في الكفر، ففي الإسلام أولى؛ وإن بلغ عاقلا ثم جن، ففيه وجهان:
أحدهما: يتبع أباه؛ لأنه لا حكم لقوله.
والثاني: لا يتبع؛ لأنه زال حكم التبعية، ببلوغه عاقلا، فلا يعود.
فصل:
وإن سبي الطفل منفردا عن أبويه، تبع سابيه في الإسلام؛ لأنه زال حكم أبويه، لإفراده عنهما، واختلاف الدار بهما، فأشبه ما لو ماتا؛ ولأن سابيه، كأبيه في حضانته، فكان مثله في استتباعه، وإن سبي معهما، تبعهما، لخبر أبي هريرة؛ ولأنه لم ينفرد عنهما، أشبه ما لو كان ذميا.
وإن سبي مع أحد أبويه، حكم بإسلامه؛ لأنه انقطع اتباعه لأحد أبويه، فأشبه ما لو أسلم، أو مات، وقال أبو الخطاب: يتبع أباه، وقال القاضي: فيه روايتان:
أشهرهما: أنه يحكم بإسلامه، لما ذكرنا.
والثانية: يتبع أباه.
فصل:
ولا يجوز التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، ولا بين الوالد وولده، ولا بين ذوي رحم محرم، إذا كان أحدهما صغيرا.
فإن كانا بالغين، فعلى روايتين، ذكرناهما في البيع.
فإن اشترى من المغنم اثنين على أنه يحرم التفريق بينهما، فتبين أنه جائز، وجب رد الفضل الذي حصل بإباحة التفريق؛ لأنه تبين له فضل لم يعلم به البائع، فوجب رده، كما لو قبض الثمن على أنه عشرة، فبان أحد عشر.
ولو اشترى من المغنم جارية معها مال، أو حلي، أو ثياب غير لباسها، لزمه رده.
نص عليه؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من باع عبدا وله مال، فماله للبائع» لأن البيع إنما وقع عليها دونه.
فصل:
إذا سبيت المرأة دون زوجها، انفسخ نكاحها، لقول الله تعالى: « ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] . قال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية في سبي أوطاس، أصبنا سبايا ولهن أزواج في قومهن، فذكر ذلك لرسول الله، فنزلت الآية» . قال الترمذي: هذا حديث حسن؛ ولأنه استولى على محل حق الكافر الحربي، فأزاله، كما لو سبيت أمته.
وقال أبو الخطاب: عندي لا ينفسخ.
وإن سبي الرجل وحده، لم ينفسخ نكاحه؛ لأنه لم يستول على محل حقه، أشبه ما لو لم يسب؛ وإن سبي الزوجان، لم
ينفسخ نكاحهما؛ لأن الرق لا يمنع ابتداء النكاح، فلم يقطع استدامته، كالعتق.
ويحتمل أن ينفسخ نكاحهما؛ لأنه استولى على محل حقه، فزال ملكه عنه، كماله، أو كما لم يسب معها.
فصل:
وإن أسلم عبد الحربي ولم يخرج إلينا، فهو على رقه؛ لأن يد سيده لم تزل عنه، فلم يزل ملكه، كما لو لم يسلم، وإن خرج إلينا، صار حرا؛ لأنه أزال يد سيده قهرا، فزال ملكه، كما لو استولى عليه مسلم.
وإن أسر سيده، وأخذ ماله وعياله، فالمال له، والسبي رقيقه؛ لأن دار الحرب دار قهر، فما استولى عليها فيها، فهو للمستولي.
وقد روى أبو سعيد الأعشم قال: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن العبد، إذا أخرج من دار الحرب قبل سيده، أنه حر، فإن خرج سيده بعد، لم يرد إليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، رد على سيده» ، رواه سعيد.
فصل:
وليس للإمام أن يقيم حدا في أرض الحرب، ولا يستوفي قصاصا، لما روي عن بسر بن أرطاة، أنه «أتى برجل في الغزاة، قد سرق بختية، فقال: لولا أني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعتك» . رواه أبو داود.
وروى سعيد بإسناده عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير جيش، ولا سرية، رجلا من المسلمين حدا وهو غاز، حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالكفار؛ ولأنا لا نأمن أن يحمله الخوف من الحد، فيلحق بالكفار، فيجب تأخيره.
فإذا قفل وخرج من دار الحرب، أقيم عليه حد ما فعل في دار الحرب؛ لأنه واجب لوجود سببه، تأخر لعارض زال بقفوله، فتجب إقامته، كما لو أخر لمرض.
وأما الثغور، فتقام بها الحدود والقصاص؛ لأنها دار إسلام.
وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن يجلد من شرب الخمر عنده ثمانين.
وكتب إلى خالد يأمره بمثل ذلك.
ما يلزم الجيش من طاعة الإمام
باب ما يلزم الجيش من طاعة الإمام يلزم الجيش طاعة أميرهم، وامتثال أوامره، والانتهاء عن مناهيه، لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري، فقد عصاني» رواه النسائي.
ولا يجوز الخروج إلى الغزو إلا بإذنه؛ لأنه أعلم بمصالح الحرب، والطرقات، ومكامن العدو، وكثرتهم وقلتهم، فيجب الرجوع إلى رأيه، إلا أن يعرض ما يمنع، من استئذانه من مفاجأة عدو يخاف الضرر بتأخير حربه، أو فرصة يخاف فوتها بانتظار رأيه، فيجوز من غير إذنه.
قال أحمد: وإذا نادى الإمام: الصلاة جامعة، لأمر يحدث يشاور فيه، لم يتخلف أحد إلا من عذر.
وإن غضب على رجل، فقال: اخرج، عليك ألا تصحبني، فلا يصحبه حتى يأذن له.
فصل:
ويُغْزَى مع كل بر وفاجر، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا.» رواه أبو داود؛ ولأن تركه مع الفاجر يُفضي إلى تعطيل الجهاد وظهور العدو.
وقال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع القائد إذا عرف بالهزيمة، وتضييع المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر، والغلول، يغزى معه إذا كان له شفقة وحيطة على المسلمين.
إنما فجوره على نفسه، ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» متفق عليه
فصل:
وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يخرج من المعسكر لتعلّف، ولا احتطاب، ولا غارة، ولا غير ذلك إلا بإذنه، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62] ؛ ولأن الأمير أعرف بحال الناس، ومكامن العدو، وقربه وبعده، ومواضع الأمن، فلا يأذن لهم، إلا مع أمنه عليهم، وإن خرجوا من غير أمره، لم يأمنوا كمينا للعدو.
أو مهلكة يهلكون بها، وربما رحل الجيش فيضيع الخارج.
فصل: وتجوز المبارزة في الحرب، وهو: أن يخرج الرجل من المسلمين، إلى الرجل من الكافرين بين الصفين، ليقاتل كل واحد منهما صاحبه؛ لأن حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، بارزوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، بأمر
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] الآيات ولا يجوز إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر القتال موكول إليه، وهو أعلم برجاله، فلا يؤمن مع مخالفته، أن يتم ما ينكسر به الجيش.
ومتى خرج كافر يطلب البراز، جاز رميه وقتله؛ لأنه مشرك لا أمان له، إلا أن تجري العادة بينهم بترك التعرض لمن يطلب البراز، فلا يجوز التعرض له؛ لأن ذلك يجري مجرى الشرط، ويستحب لمن يعلم من نفسه الشدة والشجاعة مبارزته؛ لأن في ترك مبارزته كسرا على المسلمين.
ويكره للضعيف الخروج إليه لأن القصد إظهار القوة.
والظاهر من مبارزة الضعيف خلاف ذلك.
فإن طلب الشجاع المبارزة ابتداء، أبيح له؛ لأن فيه إظهار القوة، ولا يستحب؛ لأنه لا حاجة إليه، ولا يأمن الغلبة، فيكسر قلوب المسلمين.
ومتى تبارزا بشرط أن لا يعين واحدا أصحابه، لم يجز رمي الكافر، وفاء بشرطه.
فإن ولى مثخنا، أو محتازا، أو ولى عنه المسلم، جاز رميه؛ لأنه شرط الأمان حال القتال، وقد انقضى القتال فزال الأمان.
وإن استنجد الكافر أصحابه، أو بدءوا بإعانته، فلم يمنعهم، انتقض أمانه لنقضه إياه.
وإن منعهم فلم يقبلوا منه، فهو على أمانه؛ لأنه لم ينقضه.
وإن شرط أن لا يرميه أحد حتى يرجع إلى صفه، وفي له بشرطه.
فإن ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله، جاز رميه؛ لأنه نقض الشرط، فسقط أمانه.
فصل:
ومن أسر أسيرا، لم يكن له قتله حتى يأتي به الإمام، فيرى فيه رأيه؛ لأنه إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام.
وعنه: ما يدل على إباحة قتله؛ لأنه في وقت الحرب، فأشبه قتله حال القتال.
وإن امتنع الأسير أن ينقاد معه.
فله إكراهه بالضرب وغيره، فإن لم يمكنه إكراهه، أو خافه على نفسه، أو خاف انقلابه، فله قتله؛ لأنه كافر لا أمان له، يخاف شره، فأبيح قتله، كما قبل الأسر.
وإن كان امتناعه لمرض، أبيح قتله، كما يجوز أن يذفف على جريحهم.
وقد توقف أحمد عن قتله، والأولى إباحته.
ومتى قتل أسيره، أو أسير غيره قبل بلوغه إلى الإمام، أو بعده قبل الحكم باسترقاقه، لم يضمنه؛ لأنه ليس بمال، ولذلك أبيح للأمير إتلافه.
وإن قتل امرأة أو صبيا قبل الاستيلاء عليهم، لم يضمنهم؛ لأنهم لم يصيروا مالا للمسلمين وإن قتلهم بعد الاستيلاء عليهم ضمنهم لأنهم يصيرون رقيقا بنفس السبي.
فصل:
وإذا وجد المسلمون بأرض الحرب طعاما أو علفا، فلهم الأكل منه، وعلف دوابهم مع الحاجة وعدمها من غير إذن الإمام، لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه، ثم ينصرف.
وروي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنا فتحنا أرضا كثيرة الطعام والعلف، وكرهنا أن نقدم في شيء من ذلك.
فكتب إليه: دع الناس يعلفون، ويأكلون، فمن باع منهم شيئا، بذهب أو فضة، ففيه خمس الله، وسهام المسلمين.
رواهما سعيد؛ ولأن الحاجة تدعو إليه، ففي المنع ضرر بالجيش؛ لأنه يشق عليهم حمل الزاد والعلف.
ولآخذه أن يعطيه لمن يحتاج إليه، فيكون أحق به.
وليس له بيعه؛ لأن الحاجة تدعو إلى الأكل دون البيع، فإن باعه لبعض الغانمين، صار الآخذ أحق به؛ لأنه صار في يده، وهو من الغانمين الذين لهم الأكل منه.
وله أخذ ما دفع من ثمنه؛ لأنه دفعه إلى من لا يستحق، فإن رد الطعام إلى البائع، صار البائع أحق به؛ لأنه صار إليه.
وإن باعه لغير الغانمين، فالبيع باطل، ويرد المبيع إلى الغنيمة؛ لأنه لا يملك بيعه.
فإن تعذر رده، رد ثمنه، لخبر عمر؛ ولأنه تعذر رد المبيع، فوجب رد قيمته، كالمغصوب.
وإن وجد دهنا مأكولا، فله أكله؛ لأنه من الطعام.
وقد روى عبد الله بن مغفل قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر، فأتينه فالتزمته وقلت: هذا لي، فالتفت فإذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبتسم لي، فاستحييت منه» . متفق عليه.
وإن أراد أن يدهن به، أو يدهن به دابته، فقال أحمد: إذا كان من ضرورة، أو صداع، فلا بأس، وإن كان للزينة، فلا يعجبني.
وذلك لأن ما تدعو الحاجة إليه من هذا، فهو مثل الطعام في الحاجة إليه، فأبيح، ولا حاجة إلى الزينة، فلم تبح، كلبس الثوب.
وليس له غسل ثيابه بالصابون؛ لأنه للزينة والتحسين , قال القاضي: وليس له إطعام الجوارح، كالفهد والكلب، والصقر؛ لأنه لا حاجة إليه.
وما يحتاج إليه من المشروبات للدواء، أبيح له تناوله؛ لأنه طعام احتاج إليه، فأشبه الفاكهة.
فصل:
وإن أحرزت الغنيمة، فقال الخرقي: لا يؤكل منها إلا أن تدعو الضرورة، بأن لا يجدوا ما يأكلون.
ونص عليه أحمد؛ لأن المسلمين ملكوها بحيازتها، فلم يجز الأكل منها، كما لو حيزت إلى بلد الإسلام.
وقال القاضي: لهم الأكل منها ما لم تحرز بدار الإسلام، أو تقسم؛ لأن الحاجة تدعو إلى الأكل منها، فأشبه ما قبل الحيازة.
ويحتمل أن الخرقي أراد بالإحراز إدخالها دار الإسلام، فيكون معنى القولين واحدا.
وإذا وجد في دار الحرب حيوانا مأكولا، فقال الخرقي: لا تعقر شاة، ولا دابة إلا لأكل لا بد
منه؛ لأنها تقتنى لغير الأكل، فأشبهت الفرس.
وقال القاضي: يجوز ذبح ما جرت العادة بذبحه للأكل، كالشاة وما دونها؛ لأنها مما تؤكل عادة، فأشبه الطعام.
فأما الطيور، كالدجاج ونحوها، فيباح ذبحها وأكلها.
نص عليه أحمد؛ لأن هذا مما لا يمكن حمله إلى دار الإسلام.
فأشبه الطعام.
فصل:
ومن فضل معه من الطعام والعلف كثير، فأدخله البلد، فعليه رده إلى المغنم؛ لأنه إنما أبيح للحاجة وقد زالت الحاجة.
وإن كان يسيرا، ففيه روايتان:
إحداهما: يجب رده؛ لأنه أبيح للحاجة وقد زالت.
والثانية: له أخذه؛ لأنه أخذ ما له أخذه، فلم يجب رده، كالسلب؛ ولأن اليسير تجري المسامحة فيه.
قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون من أرض العدو.
بفضل الطعام والعلف، فيعلفون دوابهم، ويهديه بعضهم إلى بعض، لا ينكره إمام، ولا عامل ولا جماعة، وكانوا يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض.
فصل:
ولا يجوز أخذ إبرة، ولا خيط، ولا شعر، ولا صوف، لما روي «أن رجلا أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكبة من شعر الغنم، فقال: يا رسول الله، إنا نعمل الشعر فهبها لي، قال: نصيبي منها لك» رواه سعيد.
ولا يجوز أخذ جلد، سواء كان جلد ما نذبحه، أو غيره؛ لأنه إذا لم يجز أخذ الشعر، فالجلد أولى؛ ولأنه ليس بمأكول، أشبه الثياب.
ولا يجوز ركوب دابة من المغنم، ولا لبس ثوب، لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلق رده فيه» وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أن له ركوب الفرس عند الحاجة حتى تنقضي الحرب، ثم يردها؛ لأنها من آلات الحرب، فأشبهت السلاح.
فصل:
ومن أخذ من مباحات دار الحرب شيئا، كالصيد، والحجر، والحشيش والشجر ونحوها، فاحتاج إليه للأكل والعلف، انتفع به.
وإن لم يحتج إليه لذلك، وله قيمة في موضعه، فهو غنيمة؛ لأنه وصل إليه بقوة الجيش.
وإن لم يكن له قيمة في موضعه،
وإنما يصير له قيمة بنقله، فهو لآخذه؛ لأنه إنما صارت له قيمة بفعله، وكذلك الركاز.
وإن وجد لقطة يعلم أنها للكفار، فهي غنيمة.
وإن احتمل أن تكون لمسلم، عرفها حولا، ثم ردها في الغنيمة إن لم تعرف لذلك.
وإن ترك صاحب المغنم شيئا عجز عن حمله، فقال: من أخذ منه شيئا، فهو له، فهو لمن أخذه.
نص عليه؛ لأنه بمنزلة ما لا قيمة له في دارهم.
وإن لم يقل ذلك، فأكثر الروايات عن أحمد أنه لآخذه كذلك.
وعنه: يكون غنيمة؛ لأنه ذو قيمة، فهو كالصيد.
فصل:
ومن وجد كتبا فيها كفر، فعليه إتلافها؛ لأن قراءتها والنظر فيها معصية، وكذلك كتب التوراة والإنجيل؛ لأنها مبدلة منسوخة منهي عن قراءتها.
وإن أمكن الانتفاع بجلودها، أو رقها إذا غسل، فعل ذلك.
وإن وجد خمرا، وجبت إراقته؛ لأن شربه معصية.
وإن وجد خنزيرا، قتله.
وإن وجد كلبا لا يباح اقتناؤه تركه، وإن أبيح اقتناؤه، فله أخذه لنفسه ودفعه إلى من ينتفع به من الغانمين، أو أهل الخمس؛ لأن الكلب لا قيمة له.
وإن وجد فهدا معلما، أو بازيا، فهو غنيمة؛ لأن له قيمة.
باب الأنفال والأسلاب
النفل: ما يعطاه زيادة على سهمه.
وهو نوعان:
أحدهما: ما يستحق بالشرط، وهو ضربان:
أحدهما: أن الأمير إذا دخل دار الحرب غازيا، بعث سرية بين يديه تغير على العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس.
فإذا قفل، بعث سرية تغير، ويجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها، ثم قسم الباقي في الجيش والسرية معه، لما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال: «شهدت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة» . وفي لفظ: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس، إذا قفل» ، رواهما أبو داود.
وعن عبادة بن الصامت «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى الأثرم عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال لجرير بن عبد الله لما قدم عليه في قومه يريد الشام: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس
من كل أرض وسبي؟ ولا تجوز الزيادة على الثلث؛ لأن نفل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انتهى إليه ويجوز النقص منه؛ لأنه إذا جاز أن لا ينفل شيئا، فلأن يجوز تنفيل القليل أولى، ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط.
نص عليه؛ لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق.
الضرب الثاني: أن يجعل الأمير جعلا لمن يعمل عملا فيه غناء عن المسلمين، مثل أن يقول: من طلع هذا الحصن، فله كذا أو من نقبه، أو من جاء بأسير، فله كذا، ومن جاء بعشرة رءوس، فله رأس، وأشباه هذا مما يراه الإمام مصلحة للمسلمين، فيجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل قتيلا، فله سلبه» ويجوز أن يجعل الجعل من مال المسلمين، ومما يؤخذ من المشركين، فإن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلوما مقدرا، كالجعل في المسابقة، ورد الضالة.
وإن كان من الكفار، جاز مجهولا؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل الثلث والربع، وسلب المقتول، وهو مجهول؛ ولأنه ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة، كسلب القتيل.
النوع الثاني: أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء، لغنائه وبأسه، أو لمكروه تحمله، ككونه طليعة، أو عينا، فيجوز من غير شرط، لما روى سلمة بن الأكوع قال: «أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتبعتهم، وذكر الحديث إلى قوله: فأعطاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سهم الفارس والراجل» ، وعنه: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أبا بكر، فبيتنا عدونا، فقتلت منهم تسعة أهل أبيات، فأخذت منهم امرأة، فنفلنيها أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فوهبتها له» ، رواهما أبو داود؛ ولأن في هذا تحريضا على القتال، ونفعا للمسلمين، والدفع عنهم، فجاز، كإعطاء السهم.
فصل:
إذا قال: من دلني على القلعة الفلانية، أو من دلني على طريق سهل، ونحو ذلك، فله كذا - جاز.
فإن كان الجعل جارية من القلعة، جاز أن تكون معينة، وغير معينة كجارية مطلقة.
فإن لم تفتح القلعة، فلا شيء له؛ لأن تقدير الكلام: من دلني على القلعة ففتحها الله علينا، فله جارية منها، لتعذر تسليمه جارية منها قبل فتحها، فإن فتحت، فلم يكن فيها جارية، أو لم يكن فيها المعينة، فلا شيء له؛ لأنه شرط
معدوما.
وإن كانت فيها فماتت قبل الفتح، فلا شيء له؛ لأنها غير مقدور عليها، أشبهت المعدومة.
وإن كانت باقية، سلمت إليه؛ لأنه استحقها بالشرط.
فإن كانت قد أسلمت قبل الفتح، عصمت نفسها بإسلامها، وله قيمتها؛ لأنه تعذر تسليمها مع وجودها، والقدرة عليها.
وإن أسلمت بعد الفتح، سلمت إليه إن كان مسلما، وإن كان مشركا، انتقل إلى قيمتها، لتعذر تسليمها إليه مع القدرة عليها فإن أسلم بعد ذلك، احتمل أن لا يستحقها؛ لأن حقه انتقل إلى قيمتها، واحتمل أن يستحقها؛ لأن تعذر تسليمها إليه لمانع زال فأشبه من غصب عبدا، فأبق، ثم قدر عليه.
وإن فتحت القلعة صلحا، فاستثنى الأمير الجارية وسلمها، جاز.
وإن وقع مطلقا، فرضي مستحقها بقيمتها، أعطيها.
وإن أبى وامتنع صاحب القلعة من بذلها بقيمتها، فسخ الصلح، لتعذر إمضائه، لسبق حق الدال، وتعذر إيصاله إليه مع تمام المصلحة، ويحتمل أن يعطى مستحقها قيمتها؛ لأنه تعذر دفعها إليه، فأشبه ما لو أسلمت.
فصل:
ومن قتل في وقت الحرب كافرا، فله سلبه، لما روى أبو قتادة، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه» متفق عليه.
وعن أنس «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم حنين: من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم» .
ولا يقبل دعوى القتل إلا ببينة، للخبر.
ولا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، نص عليه؛ لأنه دعوى القتل، فأشبه قتل المسلم.
وقياس المذهب أن يقبل فيها ما يقبل في الأموال؛ لأن مقصوده المال، فأشبه الشهادة على الغصب، والجناية الموجبة للمال.
ويحتمل أن يقبل فيه قول واحد؛ لأن أبا قتادة، لما شهد له الرجل الذي أخذ سلبه، دفعه إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله وحده، ولا يخمس السلب؛ لأن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فله سلبه» يتناول جميعه.
وقد روى عوف بن مالك، وخالد بن الوليد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس السلب» . رواه أبو داود.
فصل:
ولا يستحقه إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون القاتل ذا حق في المغنم، حرا كان أو عبدا، رجلا أو صبيا، أو امرأة لعموم الخبر.
وإن لم يكن ذا حق، كالمخذل، والمرجف، والكافر إذا حضر
بغير إذن، لم يستحقه؛ لأنه لا حق له في السهم الثابت، فغيره أولى.
والثاني: أن يغرر بنفسه في قتله، كالمبارز، فإن قتله بسهم رماه من صف المسلمين ونحوه، لم يستحقه؛ لأنه إنما ورد الخبر في المبارز ونحوه.
الثالث: أن يقتله وهو مقبل على الحرب، فإن قتل أسيرا، أو مثخنا، أو منهزما إلى غير فئة، لم يستحقه؛ لأن ابن مسعود ذفف على أبي جهل يوم بدر، فلم يعط سلبه؛ ولأن استحقاق السلب للمخاطرة، والتغرير بالنفس، ولا خطر هاهنا.
وإن قتل موليا ليكر، أو متحيزا إلى فئة، فله سلبه؛ لأن سلمة بن الأكوع، أدرك طليعة للكفار موليا، فقتله، «فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: فله سلبه أجمع» ؛ ولأن القتال كر وفر.
الرابع: أن يقتله لأن الخبر خص القاتل بالسلب، فاختص به دون غيره، فإن أسره لم يستحق سلبه كذلك.
وقال القاضي: له سلبه، سواء قتله الإمام، أو من عليه، أو فاداه، وله فداؤه؛ لأن مال حصل بسبب تغريره في تحصيله، أشبه سلب القتيل.
وظاهر كلام أحمد أنه يشترط أن ينفرد بقتله؛ لأنه قال في رواية حرب: له سلبه إذا انفرد بقتله؛ ولأنه يستحق للتغرير بالنفس، ولا يحصل مع الاشتراك، وإن قطع أحدهما يده، أو رجله وقتله الآخر، فكذلك؛ لأنهما شريكان فيه.
وإن قطع أحدهما أربعته وقتله الآخر، فسلبه للقاطع؛ لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل، وتمم عليه ابن مسعود، فقضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسلبه لمعاذ؛ ولأن القاطع كفى شره، فأشبه القاتل، وإن قطع يديه أو رجليه، فكذلك لأنه قد عطله، ويحتمل أن لا يستحقه؛ لأنه إن قطع رجليه، قاتل بيديه، وإن قطع يديه فهو يعدو، ويكثر ويهيب، فما كفى شره.
وإن عانق رجلا فقتله الآخر فالسلب للقاتل للخبر؛ ولأنه قاتل لمن لم يكف المسلمون شره، أشبه المطلق.
وظاهر المذهب أنه يستحق، وإن لم يشرطه الإمام له، للخبر، إلا أنه أعجب أحمد أن لا يأخذه إلا بإذن الإمام؛ لأنه أمر مجتهد فيه، فلا يأخذه إلا بإذنه كالسهم.
وعنه: لا يستحقه إلا بجعل الإمام قبل قتله، أو تنفيله بعده؛ لأنه نفل فلا يستحقه إلا بإذنه، كسائر الأنفال.
فصل: والسلب: ما على القتيل من ثيابه، وحليه، وسلاحه، وإن كثر، لما روي أن عمرو بن معديكرب حمل على أسوار، فطعنه، فدق صلبه، فصرعه، فنزل إليه، فقطع
يديه، وأخذ سوارين كانا عليه، ويلمقا من ديباج وسيفا ومنطقة، فسلم ذلك له.
وبارز البراء مرزبان الزارة، فقتله، فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفا.
وفي الدابة وآلتها روايتان:
إحداهما: هي من السلب، اختارها الخرقي؛ لأنها يستعان بها في الحرب، فهي كالسلاح.
والثانية: ليست منه، اختارها الخلال، وأبو بكر؛ لأن السلب ما كان على البدن، والدابة ليست كذلك.
فإن كان يقاتل وهو ممسك بعنانها، فعن أحمد أنها من السلب؛ لأنه يركبها إذا احتاج إليها.
وعنه: ليست منه؛ لأنه ليس بمستعين بها في حال قتاله، أشبهت التي في رحله.
فإن كان معه فرس مجنوبة إلى فرسه، فليست من السلب كذلك، وكذلك المال الذي في كمرانه، وغيره، ورحله، وسلاحه الذي ليس معه حال قتله، ليس من السلب؛ لأن سلبه ما عليه حال قتله، أو ما يستعان به في القتال.
باب قسمة الغنائم
الغنيمة: ما أخذ من مال الكفار بإيجاف، فخمسها لأهل الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين، لقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية.
فأضافها إليهم ثم جعل خمسها لله فدل على أن أربعة أخماسها لهم.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم الغنائم كذلك.
والإمام مخير بين قسمتها في دار الحرب، وبين تأخير القسمة إلى دار الإسلام، أي ذلك رأى المصلحة فيه فعل؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل الأمرين جميعا، فقسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء، قريبا من بدر، وغنائم بني المصطلق على مياههم، وغنائم حنين بأوطاس واد من حنين، وقسم فداء أسارى بدر بالمدينة، وهو غنيمة؛ ولأن المسلمين قد ملكوا الغنيمة بالاستيلاء التام في دار الحرب، فجازت قسمتها، كما لو جاوزها إلى دار الإسلام.
فصل: فإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب، فدفعها إلى أهلها وإن كان فيها مال المسلم، دفع إليه لأنه استحقه بسبب سابق، ثم يدفع منه أجرة الحافظ، والناقل، والقاسم،
والحاسب؛ لأنه لمصلحة الغنيمة.
وفي الرضخ وجهان:
أحدهما: هو من أصل الغنيمة؛ لأنه يستحقه للمعاونة في تحصيلها، أشبه أجرة النقال.
والثاني: من أربعة الأخماس؛ لأنه استحق بحضور الوقعة، أشبه السهمان.
فعلى الأول يعطى الرضخ لأهله، ثم يقسم الباقي على خمسة أسهم، سهم منها لأهل الخمس، ثم يدفع الأنفال مما بقي، ثم يقسم الباقي بين الغانمين، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسهم يوم خيبر، للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له» . متفق عليه، وعن ابن عباس «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الفارس ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهما» . رواه الأثرم.
فصل:
ويقسم ما بين الغانمين، كقسمة المتاع بين الشركاء، فيقوم ما عدا الأثمان، ويدفعها إليهم بقيمتها، فإن أمكن تخصيص كل إنسان بعين، كجارية وفرس وثوب، فعل، وإن لم يمكن، شرك بين الجماعة في العين الواحدة.
ويقسم الغنيمة بين من شهد الوقعة من أهل القتال، من قاتل ومن لم يقاتل، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
ولأن غير المقاتل ردء له ومعين فيشاركه، كرد المحارب.
فأما غير أهل القتال، كالطفل، والمجنون، ومن ينبغي للإمام منعه كالمرجف والمخذل، والمعين للعدو، فلا شيء له وإن قاتل؛ لأن ضره أكثر من نفعه.
ومن كان مريضا مرضا يمنعه القتال، فلا سهم له، كالمجنون، وإن لم يمنعه القتال، كالحمى الخفيفة والصداع، والسعال، أسهم له؛ لأنه من أهل القتال.
فصل:
ولا يسهم لفرس ينبغي للإمام منعه كالقحم، والحطم، والضرع، والأعجف لما ذكرنا في الرجل، ولا لغير الخيل من البغال والحمير، والإبل لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسهم لغير الخيل؛ ولأنها لا تلحق بالخيل في التأثير في الحرب والكر والفر، فلم تلحق بها في السهم.
وهذا اختيار أبي الخطاب.
وروي عن أحمد فيمن غزا على بعير لا يقدر على غيره، قسم له ولبعيره سهمان، لقول الله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] ولأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض، أشبه الفرس.
فصل:
وفي غير العربي من الخيل أربع روايات:
إحداهن: أنه كالعربي في سهمه، اختارها الخلال؛ ولأن اسم الفرس شامل له؛ ولأنه حيوان ذو سهم، فاستوى العربي وغيره، كالرجال.
والثانية: له سهم واحد، اختارها الخرقي، لما روى أبو الأقمر قال: غارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبي حميضة فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك، ففضل الخيل، فقال عمر: هبلت الوداعي أمه، امضوها على ما قال.
أخرجه سعيد؛ ولأنهما تختلف غناؤهما فاختلفت سهمانهما، كالفارس والراجل.
الثالثة: ما أدرك منها إدراك العراب، فله سهمها؛ لأنه عمل عملها، وساواها في جنسها، فساواها في سهمها، كما لو اتفق نوعهما.
والرابعة: لا سهم له؛ لأنه لا يعمل عمل العراب أشبه البغال.
فصل:
ومن غزا على فرسين، قسم لهما أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، ولا يسهم لأكثر من فرسين، لما روى الأوزاعي «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس» . وعن أزهر بن عبد الله: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن أسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهما، فذلك خمسة أسهم.
وما كان فوق الفرسين، فهو جنائب.
فصل:
ومن غزا على فرس حبيس، فله سهمه؛ لأنه استحق نفعه، فملك سهمه، كالمستعار.
ومن غصب فرسا، فقاتل عليه، فسهم الفرس لمالكه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل للفرس سهمين، فكانا لمالكها، كما لو كان راكبها.
وإن كان الفرس عارية أو بأجرة، فسهمها لراكبها لأنه ملك نفعه.
وهذا من نفعه.
وعنه: أن سهم المستعار لمالكه؛ لأنه من نمائه، أشبه ولده.
وإن قاتل العبد على فرس سيده، قسم للفرس لأنه قوتل عليه في الحرب فاستحق السهم، كما لو قاتل عليه حر، ويكون سهمه لمالكه.
ومن دخل أرض الحرب فارسا، وحضر الوقعة غير فارس لموت فرسه، أو بيعه، أو إجارته، أو إعارته أو غصبه أو ضيعته، فله سهم راجل.
وإن دخل راجلا، فملك فرسا، أو استأجره فحضر به الوقعة فله سهم فارس؛ لأن الفرس حيوان ذو سهم، فاعتبر وجوده
حال القتال فيسهم له مع وجوده، ولا يسهم له مع العدم، كالآدمي.
فصل:
ولا يسهم لامرأة ولا صبي ولا مملوك؛ لأنهم من غير أهل القتال.
ويرضخ لهم دون السهم، لما روى ابن عباس قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة.
وأما سهم، فلم يضرب لهن» . رواه مسلم.
وقال سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة في صدر هذه الأمة.
وقال تميم بن قرع: كنت في الجيش الذي فتح الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يسهم لي عمرو شيئا وقال: غلام لم يحتلم، فسألوا أبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقالا: انظروا، فإن كان قد أشعر فاقسموا له، فنظر إلي بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت، فقسم لي.
وقال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مصر، وجيده.
وعن عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمرني فقلدت سيفا، فإذا أنا أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع.» رواه أحمد، وأبو داود والترمذي.
والمكاتب والمدبر، كالقن؛ لأنه عبد، فأما المعتق بعضه، فظاهر كلام أحمد أنه يرضخ له؛ لأنه لم تكمل له الحرية، أشبه القن.
وقال أبو بكر: يسهم له بقدر ما فيه من الحرية والرق؛ لأنه يتجزأ، فقسم على قدر ما فيه كالميراث.
قال ابن أبي موسى: هذا هو الصحيح.
ومن أعتق قبل انقضاء الحرب، أو بلغ، أسهم له؛ لأنه صار من أهل الاستحقاق، فأشبه المدد إذا لحق.
والرضخ غير مقدر لكنه يرجع فيه إلى اجتهاد أمير الجيش، فيفضل ذا الغناء على من دونه في النفع؛ لأن الشرع لم يرد بتقديره، فرجع في تقديره إلى الاجتهاد كالتعزير.
ولا يبلغ بالرضخ لراجل سهم راجل؛ لأنه تابع لمن له سهم فنقص عنه، كالتعزير عن الحد.
والحكومة لا يبلغ بها أرش العضو.
ويكون الرضخ من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنهم من المجاهدين، فكان حقهم من أربعة الأخماس، كذوي السهمان.
فصل:
وإذا غزا الكافر معنا من غير إذن الأمير فلا سهم له؛ لأنهم ممن يستحق المنع من الغزو، فأشبه المخذل.
وإن غزا بإذنه ففيه روايتان:
إحداهما: لا سهم له؛ لأنه من غير أهل الجهاد، فلم يسهم له، كالعبد.
فعلى هذا يرضخ له كالعبد.
والثانية: يسهم له.
اختارها الخرقي، لما روى سعيد بإسناده عن الزهري «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم لهم» . وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم حنين وهو على شركه، فأسهم له» ؛ ولأن الكفر نقص دين، فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق.
فصل:
ومن استؤجر على الجهاد من غير أهل القتال، كالكافر والعبد، لم يستحق غير الأجرة.
وهكذا الأجير للخدمة، والذي يكري دابته.
فأما المسلم الحر إذا استؤجر للجهاد، فقال القاضي: لا يصح استئجاره؛ لأن الغزو يتعين بحضوره على من هو من أهله، فلا يصح أن يفعله عن غيره، كالحج.
فعلى هذا: يرد الأجرة وله سهمه؛ لأن غزوه بغير أجرة.
وظاهر كلام أحمد والخرقي صحة الإجارة لمن لم يتعين عليه الجهاد؛ لأنه مما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فجاز استئجار الحر المسلم عليه، كبناء المساجد؛ ولأن ما صحت إجارة العبد والكافر عليه، صح إجارة الحر المسلم عليه، كالبناء.
فعلى هذا إذا حضر القتال، فظاهر نص أحمد والخرقي أنه لا يسهم له، لما روى «يعلى بن منية أنه استأجر أجيرا يكفيه من الغزو، قال: فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمة، أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت له أمره، فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى» رواه أبو داود؛ ولأن غزوه بعوض، فكأنه واقع من غيره، فلم يثبت له حكمه وفائدته، كما له حج عن غيره.
واستحقاق الغنيمة من أحكامه وفوائده، وروي عن أحمد أنه يسهم له.
قال الخلال: وهو الذي أعتمد عليه من قول أبي عبد الله، لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: «للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي» . رواه أبو داود.
وعن جبير بن نفير قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مثل الذين يغزون عن أمتي، ويأخذون الجعل، ويتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . رواه سعيد؛ ولأنه حاضر للوقعة من أهل القتال، فأشبه أهل الديوان.
فأما التاجر والصانع وأشباههما، فيسهم لهم إذا حضروا القتال، نص عليه أحمد،
لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الغنيمة لمن حضر الوقعة.
قال القاضي: هذا إذا كان قصدهم الجهاد، ويقاتلون إذا احتيج إليهم وأمكنهم، وكذلك من يكري دابته.
ومن لم يكن كذلك، لم يسهم له؛ لأنه لا نفع في حضوره، أشبه المخذل.
فصل:
وإذا لحق الجيش مدد، أو أسير أفلت، أو فودي به قبل انقضاء الحرب، أسهم لهم، وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة لم يسهم لهم، لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
ولما روى أبو هريرة «أن أبان بن سعيد وأصحابه قدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخيبر بعد أن فتحها، فقال: اقسم لنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجلس يا أبان ولم يقسم له» . رواه أبو داود؛ ولأنهم إذا قدموا قبل انقضاء الحرب، فقد شاركوا الغانمين في السبب، فشاركوهم في الاستحقاق، كما لو قدموا قبل الحرب.
وإذا قدموا بعد ذلك، فلا شيء لهم؛ لأنهم لم يشاركوهم في السبب ولأنهم حضروا بعد أن صارت الغنيمة للغانمين، فأشبه ما لو حضروا بعد القسمة.
وإن حضروا بعد تقضي الحرب، وقبل إحراز الغنيمة، فظاهر كلام الخرقي أنهم يشاركونهم؛ لأن الغنيمة تملك بحيازتها، والاستيلاء عليها، ولا يتم إلا بحيازتها، وظاهر قول القاضي: أنهم لا يشاركونهم؛ لأنه ذكر أن الغنيمة تملك بتقضي الحرب قبل الحيازة؛ لأنها صارت مقدورا عليها بإزالة يد الكفار عنها، فأشبه ما بعد الحيازة، وإن حازها الغانمون، ثم جاءهم الكفار يقاتلونهم عليها فأدركهم المدد، فقاتلوا معهم حتى سلموا الغنيمة، فنص أحمد: أنه لا شيء للمدد؛ لأن الأولين ملكوها، والمدد يقاتلون عن الغانمين بعد ملكهم للغنيمة، فأشبهت سائر أموالهم، وإن استنقذها الكفار من أيديهم، ثم جاءهم المدد، فقاتلوا معهم حتى استنقذوها، فقال أحمد: أعجب إلي أن يصطلحوا.
فصل:
وإذا غزا الأمير بجيش، فأسرى سرية، أو سرايا إلى جهة مقصده، أو غيره، فغنمت، شاركهم الجيش وإن غنم الجيش، شارك سراياه؛ لأنه يروى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين هزم هوازن بحنين، أسرى قبل أوطاس سرية، فغنمت، فقسم غنائمهم بين الجميع.
وفي تنفيل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السرية الثلث والربع، دليل على مقاسمة الجيش لها الباقي؛ ولأن الجميع جيش واحد، فلم يختص بعضهم بغنيمة، كأحد جانبي الجيش، وإن بعث السرايا، وأقام الجيش في بلد الإسلام، فلكل سرية غنيمتها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث السرايا من المدينة، فلم يشاركهم أهل المدينة في غنائمهم.
وإن خلف الأمير قوما في بلد
العدو لضعف، أو غيره، وغزا فغنم، فأقاموا في بلد العدو حتى رجع، شاركوهم.
نص عليه.
سواء رجع عليهم، أو من غير طريقهم؛ لأنهم كالسرية، وإن رجعوا إلى حصون المسلمين، أو بلادهم، فلا سهم لهم؛ لأنهم برجوعهم صاروا كالمقيمين بدار الإسلام.
فصل:
ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش، كالبريد، والطليعة، والجاسوس، فلم يحضر الغنيمة أسهم له؛ لأنه في مصلحة الجيش، أشبه السرية؛ ولأنه إذا أسهم للمتخلف عن الجيش، فلهؤلاء أولى.
وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسهم لعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من بدر ولم يحضرها، لاشتغاله بتمريض رقية ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فصل:
ومن مات بعد إحراز الغنيمة قام وارثه مقامه في سهمه؛ لأنه ثبت ملكه فيه، فقام وارثه مقامه، كما بعد القسمة.
وإن أسر، فله سهمه كذلك.
وإن أسر، أو مات قبل تقضي الحرب، فلا شيء له لأنه لم يملك شيئا.
فصل:
وإذا قال الإمام: من أخذ شيئا، فهو له، ففيه روايتان:
إحداهما: يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم بدر: «ومن أخذ شيئا فهو له» ولأنهم غزوا على هذا ورضوا به.
والثانية: لا يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقسم الغنائم، والخلفاء بعده؛ ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، فيفضي إلى ظفر العدو بهم، وقصة بدر منسوخة بقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] .
فصل:
فأما تفضيل بعض الغانمين على بعض، فإن كان على سبيل التنفيل لبعضهم، فقد ذكرناه.
وإن كان على غير ذلك، لم يجز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سوى بينهم؛ ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية، فيجب التسوية بينهم، كسائر الشركاء.
فصل: ومن غل من الغنيمة وهو أن يكتم ما غنمه، أو شيئا منه، وجب إحراق رحله،
إلا السلاح والمصحف، وما فيه روح، لما روى صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل فسأل سالما عنه، فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل، فأحرقوا متاعه واضربوه» قال: فوجدنا في متاعه مصحفا، فسألنا سالما عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه.
ولا يحرق المصحف والحيوان لحرمته، ولا ثيابه؛ لأنه يبقى عريانا، ولا ما غله لأنه للمسلمين.
وإن مات قبل إحراق متاعه، لم يحرق؛ لأنه عقوبة فسقط بموته، كالحد؛ ولأن ماله ينتقل إلى وارثه فيصير إحراقه عقوبة لغير الجاني، ولا يحرم الغال سهمه؛ لأن سبب استحقاقه متحقق.
فصل:
وإذا كان في السبي، من يعتق على بعض الغانمين بالملك، أو عتق عبدا من الغنيمة عتق عليه كله، وعليه قيمته، يرد في المقسم إن كان موسرا؛ لأنه ملك جزءا منه بفعله، فعتق عليه جميعه، كما لو اشترى جزءا منه.
وإن كان معسرا، لم يعتق عليه، إلا ما ملك منه كذلك.
ومن وطئ جارية من المغنم، ممن له فيها حق أو لولده، فلا حد عليه للشبهة ويعزر، وعليه مهرها؛ لأنه وطء سقط فيه الحد عن الواطئ للشبهة، فوجب به المهر، كالوطء في نكاح فاسد، وإن أحبلها، ثبت نسب الولد، وينعقد حرا للشبهة، وتصير أم ولد له، وعليه قيمتها ترد في المغنم.
وهل يلزمه قيمة الولد؟ فيه روايتان:
إحداهما: تلزمه لأنه فوت رقه.
والثانية: لا يجب؛ لأنه ينعقد حرا، فلم يدخل في ملك الغانمين.
فصل:
ويجوز للأمير البيع من الغنيمة قبل القسمة للغانمين، ولغيرهم إذا رأى المصلحة فيه؛ لأن الولاية ثابتة له عليها، وقد تدعو الحاجة إلى ذلك لإزالة كلفة نقلها، أو لتعذر قسمتها بعينها، ويجوز لكل واحد من الغانمين، بيع ما يحصل له بعد القسم، والتصرف فيه كيف شاء؛ لأن ملكه ثابت فيه.
فإن باع الأمير، أو بعض الغانمين في دار الحرب شيئا، فغلب عليه العدو قبل إخراجه إلى دار الإسلام، ففيه روايتان:
إحداهما: هو من ضمان المشتري.
اختارها الخلال وصاحبه؛ لأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه التصرف فيه، فكان من ضمانه، كما لو اشتراه في دار الإسلام.
والثانية: ينفسخ البيع، ويسقط الثمن عن المشتري، أو يرد إليه إن كان أخذ منه.
اختارها الخرقي؛ لأنه لم يكمل قبضه، لكونه في دار الحرب، في خطر قهر العدو، فلم يضمنه المشتري كالثمر في الشجر.
هذا إذا أخذ بغير تفريط من المشتري، فإن أخذ منه لخروجه من العسكر، فهو من ضمانه؛ لأنه ذهب بتفريطه، أشبه ما لو أتلفه.
فصل:
قال أحمد [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : ولا يجوز لأمير الجيش، أن يشتري من مغنم المسلمين شيئا؛ لأنه يحابي؛ ولأن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] رد ما اشتراه ابنه، في غزوة جلولاء، فأما إن وكل من يشتري له، ممن لا يعرف أنه وكيله، صح الشراء، لعدم المحاباة.
ورخص أبو عبد الله، فيما إذا قوم أصحاب المقاسم، فقالوا: جلود الماعز بكذا، والخرفان بكذا، فاحتاج أحد الغانمين إلى أخذ شيء منه بتلك القيمة أن يأخذه، ولا يأتي المقاسم، لأجل المشقة في استئذانهم في جميع ذلك.
فصل:
وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين، أو أهل الذمة، ثم ظهر عليه المسلمون، فأدركه صاحبه قبل قسمه، وجب رده إليه، لما روى ابن عمر أنه ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وعنه: «أن غلاما له أبق إلى أرض العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ابن عمر، ولم يقسم» . رواهما أبو داود.
فإن لم يرده إليه الإمام، وقسمه مع العلم، لم تصح قسمته؛ لأنه قسم مال مسلم، يجب رده إليه فأشبه المغصوب، ولصاحبه أخذه بغير شيء.
فأما إن أدركه صاحبه بعد القسم ففيه روايتان:
إحداهما: لا حق له فيه، لما روي أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما أحرز المشركون من المسلمين، ثم ظهر المسلمون عليهم بعد، قال: من وجد عين ماله بعينه، فهو أحق به ما لم يقسم.
وقال سلمان بن ربيعة: إذا قسم، فلا حق له فيه.
رواهما سعيد.
وروى أصحابنا عن ابن عمر، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدرك ماله قبل أن يقسم، فهو له.
وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء» .
والثانية: هو أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن رجلا وجد بعيرا له، كان المشركون أصابوه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن أصبته قبل القسمة، فهو لك، وإن أصبته بعدما قسم، أخذته بالقيمة» ؛ ولأن امتناع أخذه خشية ضياع حق آخذه من الغنيمة أو تضييع الثمن على المشتري، وهذا ينجبر بأداء الثمن، فوجب أن يأخذه بالثمن، كالشقص المشفوع.
وإن أخذ أحد الرعية مال المسلم من الكفار بغير عوض، كالهبة، والسرقة، فصاحبه أحق به، لما روي: «أن قوما أغاروا على سرح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذوا ناقته، وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما، ثم خرجت في بعض الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة، إلا رغت، حتى وضعتها على ناقة ذلول، فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذها، فقلت: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحرها، فقال: بئس ما جازيتها، لا نذر في معصية» وفي لفظ: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم» ؛ ولأنه حصل في يده بغير عوض ولا قسمة، أشبه ما لو أدركه في الغنيمة، قبل القسمة.
وإن أخذه من الكفار بثمن فحكمه حكم المقسوم.
هل يكون صاحبه أحق به بالثمن، أو لا يستحقه؟ يحتمل وجهين؛ لما روى الشعبي قال: أغار أهل ماه وأهل جلولاء على العرب، فأصابوا سبايا العرب، فكتب السائب بن الأقرع، إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب عمر فيمن أصاب رقيقه، ومتاعه في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل إليه، وأيما حر اشتراه التجار، فإنه ترد إليهم رءوس أموالهم.
فإن الحر لا يباع، ولا يشترى.
رواه سعيد.
فصل:
وإن استولى حربي على مال مسلم، ثم أسلم، أو دخل إلينا بأمان، فهو له.
نص عليه أحمد.
وإن كان قد أتلفه أو باعه فلا شيء عليه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلم على شيء فهو له» ، وإن كان أخذه من المستولي عليه بسرقة، أو هبة، أو شراء، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه قد حصل منه الاستيلاء، والأخرى صاحبه أحق به بالقيمة؛ لأنه كالمقسوم.
فإن استولى على جارية، فاستولدها، فهي أم ولد له.
فإن غنمها المسلمون فأدركها صاحبها، أخذها، وكان أولادها غنيمة؛ لأنهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها.
فصل:
وإن استولى الكفار على حر من المسلمين، أو أهل الذمة، لم يملكوه.
وإن اشتراه رجل منهم فعلى الأسير أداء ما اشتراه به، لما ذكرنا من خبر عمر.
وإن استولوا على عبد، فحكمه حكم الأموال، قنا كان أو مدبرا، أو مكاتبا أو مدبرا؛ لأنه يضمن بالقيمة.
وهل يكون سيده أحق به بالثمن بعد القسمة؟ على الروايتين.
وإن استولوا على أم ولد، فأدركها صاحبها بعد القسمة، أو في يد مشتريها من الكفار، فهو أحق بها بالقيمة بكل حال؛ لأنه قد حصل فيها سبب للحرية لازم، فأثر ذلك في منع إقرار اليد عليها.
فإن لم يحب سيد المكاتب أخذه.
فهو في يد مشتريه، أو من أعطيه من الغانمين فبقي على ما بقي عليه من كتابته، يعتق بالأداء.
وولاؤه لمن يؤدي إليه.
فصل:
وإن غنم المسلمون من الكفار شيئا عليه علامة المسلمين، ولم يعرف صاحبه، فهو غنيمة، تجوز قسمته؛ لأنه قد وجد سبب الملك وهو الاستيلاء، ولم يتحقق ما يمنعه.
فإن كان فيها شيء موسوم عليه، حبيس، رد إلى أهله؛ لأنه قد عرف مصرفه، وإن كان فيها عبد فقال: أنا لفلان، قبل منه ورد إلى صاحبه، وإن أصابوا مركبا، كان للمسلمين، وفيه النواتية، فقالوا: هذا لفلان، وهذا لفلان، لم يقسم.
نص أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على هذا كله.
فصل:
وإذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فغنموا، ففي غنيمتهم ثلاث روايات:
إحداهن: فيها الخمس وسائرها لهم؛ لعموم قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] .
والثانية: هي لهم من غير خمس؛ لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، فأشبه الاحتطاب.
والثالثة: هي فيء لا شيء لهم فيها؛ لأنهم عصاة بفعلهم، فلم يملكوه، كالسرقة من المسلمين.
وإن كانت الطائفة ذات منعة فكذلك، لما ذكرنا من التعليل، وقيل: لا يكون لهم بغير خمس، رواية واحدة لأنها غنيمة، فلا يستحقونها بغير خمس للآية، وكسائر الغنائم.
فصل:
ومن أجر نفسه على حفظ الغنيمة أو سوق دوابها، أو رعيها أو حملها، فله أجرته؛ لأنه فعل بالمسلمين إليه حاجة لم يتعين عليه فعله، فأبيح له إجارة نفسه فيه، كالدلالة على الطريق.
وليس له ركوب دابة من المغنم، ولا حبيس؛ لأنه يستعمل دابة المسلمين فيما يختص نفعه به، فلم يجز، كما لو أجر نفسه لأجنبي.
فإن فعل فعليه أجرة مثل الدابة، يرد في المغنم إن كانت من الغنيمة، أو تصرف في نفقة دابة الحبيس، إن كانت حبيسا.
وإن شرط له في الإجارة ركوب دابة من المغنم، جاز؛ لأن ركوبها من الأجرة، فجازت من المغنم، كما لو أجر نفسه بدابة من المغنم.
فصل:
وما أهداه أهل الحرب لأمير الجيش، أو غيره من أهل الجيش في دار الحرب، فهو غنيمة؛ لأنه يغلب على الظن أنه بذله خوفا من المسلمين.
وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام، فهي لمن أهدي إليه؛ لأنه تبرع له بذلك من غير خوف، فأشبه هدية المسلمين.
فصل:
وإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد، وإن حصلت غنائم، قسمها أهلها بينهم على موجب الشرع؛ لأنها مال لهم مشترك، فجاز لهم قسمته كسائر الأموال.
فإن كان فيها إماء، أخروا قسمتهن حتى يظهر إمام؛ لأن في قسمتهن إباحة الفروج، فاحتيط في بابها.
باب قسمة الخمس
يقسم الخمس على خمسة أسهم: سهم لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، لقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] . فسهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصرف في مصالح المسلمين، لما روى جبير بن مطعم «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تناول بيده وبرة من بعير ثم قال: والذي نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» فجعله لجميع المسلمين.
ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم، من سد الثغور، وكفاية أهلها، وشراء
الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم، على ما سنذكره في الفيء.
وعنه: أن سهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يختص بأهل الديوان؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استحقه لحصول النصرة، فيكون لمن يقوم مقامه في النصرة.
وعنه: أنه يصرف في الكراع والسلاح.
فصل:
وسهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، لما روى جبير بن مطعم، قال: «لما كان يوم خيبر، وضع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، جئت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، إن إخواننا بني هاشم لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهلية وإسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ثم شبك بين أصابعه» . رواه أبو داود.
ويجب تعميمهم به حيث كانوا، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] ولأنه حق يستحق بالقرابة، فوجب تعميمهم به كالميراث.
ويعطى الغني والفقير والذكر والأنثى كذلك؛ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى منه العباس وهو غني، وأعطى صفية عمته.
ويقسم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه يستحق بقرابة الأب بالشرع، أشبه الميراث، ويحتمل أن يسوى بينهما، كالمستحق بالوصية للقرابة.
فصل:
وأما سهم اليتامى، فهو لصغير لا أب له، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتم بعد احتلام» . ويعتبر أن يكون فقيرا؛ لأن غناه بالمال أكثر من غناه بالأب، وسهم المساكين للفقراء، أو المساكين الذين يستحقون من الزكاة؛ لأنه متى أفرد لفظ المساكين أو الفقراء، تناول الصنفين، بدليل مصرف الكفارات، والوصايا والنذور.
وسهم ابن السبيل للصنف المذكور في أصناف الزكاة.
فصل: ولا حق في الخمس لكافر؛ لأنه عطية من الله، فلم يكن لكافر فيه حق كالزكاة، ولا للعبد؛ لأن ما يعطاه لسيده، فكانت العطية لسيده دونه.
باب قسمة الفيء
باب قسم الفيء
فصل:
وهو: كل مال أخذ من المشركين بغير قتال كالجزية، والخراج، والعشور المأخوذة من تجارهم، وما تركوه فزعا وهربوا، أو بذلوه لنا في الهدنة، ونحو ذلك، فذكر الخرقي: أنه يخمس، فيصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة، لقول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7] وهؤلاء أهل الخمس، وهذا إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وظاهر المذهب أنه لا يخمس، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] ... الآيات.
فجعله كله لجميع المسلمين.
قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لما قرأها: هذه استوعبت المسلمين، ولئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه.
وعلى كلتا الروايتين يبدأ فيه بالأهم فالأهم.
وأهم المصالح كفاية أجناد المسلمين بأرزاقهم، وسد الثغور بمن فيه كفاية.
وكفايتهم بأرزاقهم، وبناء ما يحتاج إلى بنائه منها، وحفره الخنادق، وشراء ما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم من عمارة القناطر والطرق والمساجد، وكري الأنهار، وسد البثوق، وأرزاق القضاة، والأئمة، والمؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه إلى المسلمين، ثم ما فضل قسمه على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وذكر القاضي: أن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من الأعراب، ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأنه ذلك كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون غيرهم.
فصل:
ويفرض للمقاتلة من المسلمين قدر كفايتهم؛ لأنهم كفوا المسلمين أمر الجهاد فيجب أن يكفوا المؤنة، ويتعاهد عدد عيالهم لأنهم قد يزيدون وينقصون، ويتعرف أسعار ما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة؛ لأنه قد يغلو ويرخص، لتكون أعطيتهم على قدر كفايتهم، ولا يفرض في المقاتلة لصبي ولا مجنون، ولا عبد ولا امرأة، ولا ضعيف عاجز عن الجهاد، ولا لمريض لا يرجى برؤه؛ لأنهم من غير أهل الجهاد.
ويفرض للمريض المرجو برؤه؛ لأن أحدا لا يخلو من عارض.
وإن مات مجاهد وله