كِتَابُ الزَّكَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الكلوذاني
- الكتاب
- الهداية على مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني
- المؤلف
- محفوظ بن أحمد بن الحسن، أبو الخطاب الكلوذاني
- المحقق
- عبد اللطيف هميم - ماهر ياسين الفحل
- الناشر
- مؤسسة غراس للنشر والتوزيع
- الطبعة
- الأولى، 1425 هـ / 2004 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي] __________أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة
1
وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمُلْكِ 2 فأمَّا العَبْدُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وإِنْ قُلْنَا انَّهُ يَمْلِكُ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتِب، وأمَّا الكَافِرُ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ أصْلِيّاً كَانَ أو مُرْتَدّاً وما لَمْ يتم مُلْكُهُ عَلَيْهِ كالدَّيْنِ الذي عَلَى الْمكَاتبِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَتَجِبُ الزَّكَاةُ في الصِّدَاقِ، وَعِوَضِ الْخلعِ، والأُجْرَةِ قَبْلَ القَبْضِ، وَكَذَلِكَ تَجِبُ في الْمَالِ الضَّالِّ، والْمَغْصُوبِ، والدَّيْنِ عَلَى الْمُمَاطل في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ 3 ولا يُلْزِمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ.
وَفِي الأُخْرَى لا تَجِبُ الزَّكَاةُ في ذَلِكَ ولا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلاَّ في السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيْمَةِ الأنْعَامِ وَهِيَ الإِبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وَفِي النَّاضِّ وَهِيَ الذَّهَب والفِضَّة، وفيما يُكَالُ ويُدَّخَرُ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمَارِ، وَفِي قِيَمِ عروض التِّجَارَةِ، وَفِي الْخَارِجِ مِنَ الْمَعْدِنْ.
وتَجِبُ الزَّكَاةُ في غَيْرِ الْمَالِ لا في الذِّمَّةِ؛ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الفَقَرَاءِ مِنَ النِّصَابِ بِقَدرِ الغَرَضِ فإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ الآخَرُ لَمْ تَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فَتَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ سَوَاءٌ قُلْنَا الزَّكَاة تتَعَلَّقُ بالغَيْرِ أو بِالذِّمَّةِ.
وَيَمْنَعُ الدَّينُ وُجُوْبَ الزَّكَاةِ في الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كَالْمَوَاشِي، والْحُبُوْبِ، والبَاطِنَةِ كالأثْمَانِ.
وَعَنْهُ: أنَّهُ يَمْنَعُ في البَاطِنَةِ دُوْنَ الظَّاهِرَةِ (1).
والكَفَّارَةُ: هَلْ تَمْنَعُ الزَّكَاةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَأْخُوْذٌ مِنَ الدَّيْنِ هَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَ الكَفَّارَةِ؟
عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الكَفَّارَةِ؛ فَلاَ تَمْنَعُ الكَفَّارَةُ الزَّكَاةَ لِضَعْفِهَا عَنِ الدَّيْنِ.
والأُخْرَى لا / 58 ظ / يَمْنَعُ وُجُوبَهَا فَتَمْنَعُ الكَفَّارَةُ الزَّكَاةَ؛ لأنَّهَا أَقْوَى مِنَ الدَّيْنِ (2). ولا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ إمْكَانُ الأدَاءِ، ولا تَسْقُطُ بِهَلاكِ الْمَالِ بَعْدَ الْحَوْلِ، ولا بِمَوْتِ الْمَالِكِ وما نَتَجَ مِنَ النِّصَابِ في أثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَحَوْلُهُ حَوْلُ النِّصَابِ، والْمُسْتَفَادُ في أَثْنَاءِ الْحَولِ بإرْثٍ أو عَقْدٍ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ.
ولا يَبْنِي الوَارِثُ حَوْلَهُ عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ، وَإِذَا نَقَصَ النِّصَابُ في أثْنَاءِ الْحَوْلِ فَلا زَكَاةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا بِاعَهُ إلاَّ أنْ يَقْصِدَ بِبَيْعِهِ الفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
فإِنْ بَادَلَ نِصَاباً تَجِبُ الزَّكَاةُ في عَيْنِهَ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى حَوْلَ الثَّانِي عَلَى حَوْلِ الأَوَّلِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَقْطَعَ الْحَوْل وَتَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بالنِّصَابِ دُوْنَ العَفْوِ.
بَابُ صَدَقَةِ الإِبِلِ
وَلا شَيءَ في الإِبِلِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْساً فَتَجِبُ فِيْهَا شَاةٌ.
فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْها بَعِيْراً لَمْ يُجْزِهِ.
وَفِي العَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي العِشْرِيْن أرْبَعُ شِيَاهٍ.
ولا يُجْزِيء في الغَنَمِ الْمُخْرَجَةِ في الزَّكَاةِ دُوْنَ الْجَذْعِ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، والثَنيّ مِنَ الْمَعْزِ وَهُوَ مَا لَهُ سَنَةٌ، وَفِي خَمسٍ وَعِشْرِينَ بِنْت مَخَاض وَهِيَ التِي كَمَلَ لَهَا سَنَةٌ، فَإنْ عُدِمَهَا قُبِلَ مِنْهُ ابنٌ لَبُونٌ وَهُوَ مَا لَهُ سَنَتَانِ وَقَدْ حَلَّ في الثَّالِثَةِ، فَإنْ عُدِمَهُ وأَرَادَ الشِّرَاءَ اشْتَرَى بِنْتَ مَخَاض، وَفِي سِتٍ وثَلاَثِيْنَ بِنْتٌ لَبُونٌ وَهِيَ مَا لَهَا سَنَتَانِ، وَفِي سِتَّةٍ وأرْبَعِيْنَ حُقَّةٌ وَهِيَ مَا كَمَلَ لَهَا ثَلاَثَةُ سِنِيْنَ، وَفِي إحْدَى وسِتِّيْنَ جَذَعَةٌ وَهِيَ مَا كَمَلَ لَهَا أرْبَعُ سِنِيْنَ، وَفِي سِتَّةٍ وسَبْعِيْنَ بِنْتٌ لَبُونٌ، وَفِي إحْدَى وتِسْعِيْنَ حُقَّتَانِ.
ولا شَيْءَ في زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ عِشْرِيْنَ وَمِئَةً، فإِذَا زَادَتْ اسْتَوْفَت الفَرِيْضَةَ، فَوَجَبَ في كُلِّ أرْبَعِيْنَ بِنْتٌ لَبُونٌ، وَفِي كُلِّ خَمْسِيْنَ حُقَّةٌ.
وَفِي قدرِ الزِّيَادَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا وَاحِدَةٌ فَتَجِبُ ثَلاَثُ بَناتٍ لَبُون.
والثَّانِيَةُ عَشْرَةَ، فَتَجِبُ حُقَّةٌ وبِنْتا لَبُون، ثُمَّ يَحْسِبُ عَلَى ذَلِكَ كُلّمَا زَادَتْ عَشَرَةٌ جُعِلَ مَكانَ ابنةِ لبون حُقَّةٌ 3. وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سنٌّ وَلَيسَ عِنْدَهُ، أَخَذَ12
مِنْهُ السَّاعِي سنّاً أَعْلَى (1) مِنْهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ شَاتَيْنِ أو عِشْرِيْنَ دِرْهَماً، أو يَأْخُذَ سنّاً أَسْفَلَ مِنْهُ، وَمَعَهُ شَاتَيْنِ أو عِشْرِيْنَ دِرْهَماً.
ولا يَنْتَقِلُ إلاَّ إلى سنٍّ يلي الوَاجِبَ فإمَّا أنْ يَنْتَقِلَ منْ /59 و/ بِنْتِ لبون إلى الْجَذَعَةِ أو مِنْ حُقَّةٍ إلى بِنْتِ مَخَاض لَمْ يجزْه.
والاخْتِيارُ في الصُّعُودِ والنُّزُوْلِ أو الشَّاتَيْنِ والعِشْرِيْنَ دِرْهَماً إلى رَبِّ الْمَالِ، ولا مَدْخَلَ لِلْجِيْرَانِ في غَيْرِ الإِبِلِ؛ لأنَّ النَّصَّ فِيْهَا وَرَدَ.
وَإِذَا اتَّفَقَ في الْمَالِ فَرْضَانِ كالْمِئَتَيْنِ، فِيْهَا خَمْسُ بَنَاتِ لبون أو خَمْسُ حُقَّاتٍ فَيَنُصُّ أَحْمَدُ - رضي الله عنه -: أنَّهُ يَجِبُ الْحِقَاقُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وابْنُ حَامِد: يُخْرِجُ رَبُّ الْمَالِ أيَّ الفَرْضيْنِ أَرَادَ، وإنْ كَانَ الآخَرُ أفْضَلَ مِنْهُ.
بَابُ صَدَقَةِ البَقَرِ
ولا شَيْءَ في البَقَرِ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ، فَتَجِبُ فِيْهَا تَبِيْعٌ أو تَبِيْعَةٌ، وَهُوَ مَا كَمَل لَهُ سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِيْنَ مسنَّةٌ، وَهِيَ مَا كَمَلَ لَهَا سَنَتَانِ، إلى سِتِّيْنَ فَفَيْهَا تَبِيْعَانِ.
وعلى هَذَا أبداً في كُلِّ ثَلاثِيْنَ تَبِيْعٌ، وَفِي كُلِّ أرْبَعِيْنَ مسنَّةٌ.
وَتَجِبُ الزَّكَاةُ في بَقَرِ الوَحْشِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، ولا تَجِبُ في الأُخْرَى (2). ولا تَجِبُ الزَّكَاةُ في الظِّباءِ رِوَايَة وَاحِدَة، وتَجِبُ الزَّكَاةُ في الْمُتَولدِ بَيْنَ الوَحْشِيِّ
والأهْلِيِّ، والْجَوامِيْسُ جِنْسٌ مِنَ البَقَرِ.
بابُ صَدَقَةِ الغَنَمِ وغير ذَلِكَ
ولا شَيْءَ في الغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ أرْبَعِيْنَ، فَتَجِبُ فِيْهَا شَاةٌ، وَفِي الْمِئَةِ وإِحْدَى وعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَفِي مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَة ثَلاثَةُ شِيَاهٍ إلى أرْبِعِ مِئَةٍ، فَتَكُونُ في كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ.
وَعَنْهُ أنَّهَا إذَا بَلَغَتْ ثلاثُمِئَةٍ وَوَاحِدَة فَفِيْهَا أرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ في كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ.
والفُصْلانُ 3 والعَجَاجِيْلُ 4 والسِّخَالُ 5 تَتبعُ الأُمَّهَاتِ في الْحَولِ، إذَا كَانَتْ الأُمَّهَاتُ نِصاباً فإن لَمْ تَكُنْ نصاباً لَكِنْ كَمَلَتْ بأَوْلادِهَا في أثْنَاءِ الْحَوْلِ احْتُسِبَ حَولُ الْجَمِيْعِ مِنْ حِيْنِ الكَمَالِ.
وَعَنْهُ أنَّهُ يُحْتَسَبُ حَولُ الْجَمِيْعِ مِنْ حِيْنِ مُلْكِ الأُمَّهَات، فإنْ12
مَلَكَ نِصَاباً مِنْ صغار بَهِيْمَةِ الأَنْعَامِ انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَولُ الزَّكَاةِ مِنْ حِيْنِ مُلْكِهِ.
وَعَنْهُ 1 لا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ سنّاً يُجْزِئُ مِثْلَهُ في الزَّكَاةِ.
وَتُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيْرَةٌ، ومِنَ الكِبَارِ كَبِيْرَةٌ، ومِنَ الْمِرَاضِ مَريْضَةٌ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لا يُؤْخَذُ إلاَّ صَحِيْحَةٌ كَبِيْرَةٌ تُجْزِي في الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّ أَحْمَدَ - رضي الله عنه - قَالَ فِي رِوَايَة ابنِ القاسمِ: لاَ يُؤْخَذُ إلاَّ مَا يَجُوْزُ فِي الأَضَاحِي.
وإنَّمَا يتَصَوَّرُ أخْذ الصَّغِيْرَةِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنَ الكِبَارِ أكْثَر الْحَولِ، فَتَوَالَدَتْ نِصَاباً، ثُمَّ مَاتَتْ الأُمَّهَاتُ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الصِّغَارِ.
فإِنْ اجْتَمَعَ / 60 ظ / صِغَارٌ، وكِبَارٌ، وصِحَاحٌ ومِرَاضٌ لَمْ يُؤْخَذْ إلاَّ صَحِيْحَةٌ كَبَيْرَةٌ، قِيْمَتُهَا عَلَى قَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ.
مِثْل أنْ كَانَ قِيْمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إذَا كَانَ جَمِيْعُ الْمُزَكَّى كِباراً صِحَاحاً عِشْرُوْنَ، وقيْمَتُهُ إذَا كَانَ جَمِيْعُهُ صِغَاراً مِرَاضاً عَشَرَةً، فتخرجُ كَبِيْرَةٌ صَحِيْحَةٌ تُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ في مَاشِيَتِهِ كِراماً ولِئاماً وسِماناً ومَهَازِيْلَ أُخِذَتْ الفَرِيْضَةُ مِن الوَسَطِ عَلَى قَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ، فَإنْ كَانَتْ بَخَاتِي 2 وعِرَاباً 3 وَبَقَراً وَجَوَامِيسَ 4 ومَعْزاً وَضَأْناً أُخِذَ الفَرْضُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ.
وَقَالَ أبو بَكْرٍ: يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ أيِّهِمَا شَاءَ لأنَّهُ جِنْسٌ وَاحدٌ.
فَإِنْ كَانَتْ ماشيته ذُكُوراً وإنَاثاً لَمْ يُؤْخَذْ في فَرضِهَا إلاَّ الإنَاثُ إلا في الثَّلاَثِيْنَ مِنَ البَقَرِ، فإنَّهُ يُجْزِئُ الذكر، فإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُوراً جَازَ أنْ يَخْرُجَ مِنْها ذَكَراً في الغَنَمِ وَجْهاً وَاحِداً، وَفِي الإبِلِ والبَقَرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
والآخَرُ لا يُجْزِئُ إلاّ الأُنْثَى، كَمَا وَرَدَ النَصُّ.
ولا يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ الرُّبَّى وَهِيَ الَّتِي تَرَى وَلَدَهَا، ولا الْمَاخِضُ وَهِيَ الْحَامِلُ، ولا مَا طَرَقَهَا الفَحْلُ لأنَّ الغَالِبَ أنَّ مَا طَرقَهَا الفَحْلُ تَحْبَلُ، ولا الأَكُولةُ وَهِيَ السَّمِيْنَةُ، ولا فَحْلُ الغَنَمِ وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِلضِّرَاب، ولا حَزَرَاتِ الْمَالِ وَهِيَ خِيَارُهُ تَحْزُرُهَا العَيْنُ لِحُسْنِهَا 5، ولا الْهَرِمَةُ وَهِيَ الكَبِيْرَة، ولا ذَاتِ عَوَرٍ وَهِيَ الْمَعِيْبَةُ 6.
ولا يَجُوْزُ أَخْذُ القيمِ في شَيءٍ مِنَ الزَّكَاة، فَإِنْ أخرجَ شَيئاً أعْلَى (1) مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ، مِثل أَنْ يُخْرِجَ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ بِنْتَ لَبُون جازَ ذَلِكَ.
وَعَنْهُ: أنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ القِيْمَةِ في الزَّكَاةِ (2).
بَابُ حُكْمِ الْخِلْطَةِ
3
وَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَان، أو أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ في نِصَابٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ حَوْلاً.
فَحُكْمُ زَكَاتِهُمْ كَحُكْمِ زَكَاةِ الوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْخِلْطَةُ خِلْطَةَ عيان.
مِثْل: أنْ يَسْتَفِيدُوا مالاً مُشَاعاً بِشِرَاءٍ، أو هِبَةٍ، أو إرْثٍ، أو كَانَتْ خِلْطَةُ أوْصَافٍ مِثْل: أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَمَيِّزاً فَخَلَطُوهُ واشْتَرَكُوا في: الْمُرَاحِ 4، والْمَسْرَحِ 5، والْمَشْربِ، والْمحْلَبِ 6، والرَّاعِي، والفَحْلُ فإنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا في خِلْطَةِ الأَوْصَافِ بطل حُكْمُهَا 7. ونِيَّةُ الْخِلْطَةِ لَيْسَتْ شَرْطاً 8.
وَقَالَ شَيْخُنا: هِيَ شرط ومَتَى اخْتَلَطَ نَفَسَان فَلَمْ يَثْبُتْ لأحَدِهِما حُكْمُ الانْفِرَادِ بِحَالِ، مِثْلَ أنْ يَشْتَرِكَا، أو يُوْهَبُ لَهُمَا، أو يَرِثَا نِصَاباً مَعاً فَزَكَاتُهُمَا زَكَاةُ الْخِلْطَةِ في كُلِّ حَوْلٍ / 61 و / فَإِنْ ثَبَتْ لَهُمَا حُكْمُ الانْفِرَادِ بِالْحَوْلِ مِثْلُ أنْ يَكُونَ لكل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ وَمَضَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَوْلِ ثُمَّ خَلَطَاهُ لَمْ يحلْ.
أمَّا أنْ يَتَّفِقَ حَوْلاَهُمَا، فإِنْ يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعِيْنَ مِنَ الغَنَمِ في الْمُحَرَّمِ واخْتَلَطَا في صَفَرٍ، وَحَالَ الْحَوْلُ فإِنَّهُما يزكيان فِي الحول الأول زكاة الإنفراد فيخرج كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا شاة وفيما بَعْدَ ذَلِكَ من السنين12
زكاة الخلطة أَوْ يختلف حولاهما بإن يملك أحدهما فِي أول المحرم والآخر فِي أول صفر ويختلطان فِي أول ربيع فإنه يجب عَلَى كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الأَوَّلِ شَاة، وما بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْخِلْطَةِ كُلَّمَا تَمَّ عَلَيْهِ حَوْلة نِصْفُ شَاةٍ.
فإِنْ ثَبَتَ لِمَالِ أحَدِهِمَا حُكْمُ الانْفِرَادِ دُوْنَ الآخَر بأَنْ يَمْلِكَ أَحَدُهُمَا أرْبَعِيْنَ شَاةً في الْمُحَرَّمِ، ويَمْلِكُ الآخَرُ أرْبَعِيْنَ في صَفَرٍ، ويَخْلُطُهُا بِغَنِمِ الأوَّلِ، ثُمَّ يَبِيْعُهَا مِنْ آخَرَ في أوَّلِ رَبِيْعٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي مَلَكَ أرْبَعِيْنَ مُخْتَلِطَةً لَمْ يثبت لَهَا حُكْمُ الانْفِرِادِ.
فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الأوَّلِ زَكَّى زَكَاةَ الانْفِرَادِ شَاةً، وإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي زَكَّى زَكَاةَ الْخِلْطَةِ نِصْفَ شَاةٍ، ثُمَّ يُزَكِّيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ خِلْطَةٍ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا وَجَبَ نِصْفُ شَاةٍ.
فَإِنْ مَلَكَ إنْسَانٌ أرْبَعِيْنَ شَاةً وَمَضَى عَلَيْهِ نِصْفُ حَوْلٍ ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهَا مُشَاعاً؛ فَقَالَ أبو بَكْرٍ 1: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ الأَوَّلُ وَيَسْتَأْنِفَانِ حَوْلاً مِنْ حِيْنِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لا يَنْقَطِعُ، فإذَا تَمَّ حَوْلُ البَائِعِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ 2.
وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمُشْتَرِي، فإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ، وإِنْ قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ بِالعين - وَهُوَ الصَّحِيحُ - فإنْ كَانَ البَائِعُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لأنَّ نِصَابَ الْخِلْطَةِ نَقَصَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، وإِنْ كَانَ أخْرَجَهَا مِنْ غَيْرهِ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا عَلِم عَلَى نِصْفِهَا وَبَاعَهُ في بَعْضِ الْحَوْلِ.
فأمَّا إنْ أَفْرَدَ عِشْرِيْنَ وَبَاعَهَا ثُمَّ خَلَطَ هُوَ والْمُشْتَرِي، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يسْتَأنفَانِ الْحَوْلَ.
وَقَالَ شَيْخُنا: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا مُخْتَلِطَةً؛ لأنَّ هَذَا زَمَانٌ يَسِيْرٌ 3.
وَإِذَا مَلَكَ إنْسَانٌ أرْبَعِيْنَ شَاةً في الْمُحَرَّمِ وأَرْبَعِينَ في صَفَرٍ، فإِذَا حَالَ حَوْلُ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ.
وَإِذَا حَالَ حَوْلُ الثَّانِي فَعَلَى وَجْهَيْنِ 4: أَحَدُهُمَا: لا زَكَاةَ فِيهِ، والآخر: فِيهِ زَكَاةٌ.
وَما مِقْدَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: شَاةٌ / 62 ظ / والثَّانِي: نِصْفُ شَاةٍ 5.
فإِنْ مَلَكَ في صَفَرٍ مَا يُغَيِّرُ الفَرْضَ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدَ وَثَمَانِيْنَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ في الثَّانِي إذَا تَمَّ حَولُهُ وَجْهاً وَاحِداً.
وَإِذَا كَانَ لإِنْسَانٍ أرْبَعُونَ شَاةٍ في بَلَدٍ، وأَرْبَعُونَ في بَلَدٍ آخَرَ وبَيْنَهُمَا مَسَافَة تقْصرُ فِيْهَا الصَّلاَةَ فَنَصَّ أَحْمَدُ - رضي الله عنه -: أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَانِ 6.
وإنِ كَانَ في كُلّ بَلَدٍ عِشْرُوْنَ فَلاَ زَكَاةَ، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ في البَلَدَيْنِ كالتَّفْرِقَةِ في الْمُلْكَيْنِ، وهذا في الْمَاشِيَةِ خَاصَّةً دُوْنَ بَقِيَّةِ الأَمْوَالِ، فأَمَّا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لا تقْصُرُ فِيْهَا الصَّلاَةَ ضَمَّ أَحَدَ الْمُلْكَيْنِ إلى الآخَرِ، وعِنْدِي 1: أنَّهُ يَضُمُّ مُلْكَ الإنْسَانِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ سَوَاءٌ قَرُبَتِ البُلْدَانُ أو تَبَاعَدَتْ.
فَعَلَى هَذَا: إذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً في كُلِّ بَلَدٍ، مِنْها عِشْرُونَ خِلْطَةً مَعَ عِشْرينَ لِرَجُلٍ آخَرَ، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْجَمِيْعِ، فإنَّهُ يَجِبُ في الْجَمِيْعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّيْنَ ونِصْفُهَا عَلَى الْخُلَطَاءِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سُدسُ شَاةٍ، وعلى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - إنْ كَانَ بَيْنَ البُلْدَانِ مَسَافَةٌ لا تقْصُرُ فِيْهَا الصَّلاَةَ فالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، تَجِبُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمْ مسَافَةٌ تُبِيْحُ القَصْرَ وَجَبَ ثَلاثُ شِيَاهٍ؛ عَلَى صَاحِبِ السِّتِّيْنَ شَاةٌ ونِصْفٌ، وعلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخُلَطَاءِ نِصْفُ شَاةٍ.
ولا تُؤثِّرُ الْخِلْطَةُ في غَيْرِ الْمَواشِي مِنَ الأَمْوَالِ والأَثْمَانِ والْحُبُوبِ والثِّمَارِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 2، وَفِي الأُخْرَى: تُؤَثِّرُ كَمَا تُؤَثِّرُ في الْمَاشِيَةِ.
ويَجُوزُ لِلسَّاعِي أنْ يَأْخُذَ الفَرْضَ مِنْ أي مَالِ الْخَلِيْطَيْنِ شَاءَ، سَواءٌ دَعَتِ الْحَاجَةُ إلى ذَلِكَ، بِأَنْ يَكُونَ مَالُ أَحَدِهِمَا صِغَاراً وَمَالُ الآخَرِ كِبَاراً، فإنَّهُ يَجِبُ كَبِيْرَةٌ، أو يَكُونُ مُلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعِيْنَ أو سِتِّيْنَ فإِنَّهُ يَأْخُذُ شَاةً، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلاَّ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا.
أو لَمْ تَدَعْ الْحَاجَةُ بأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ واحِدٍ مِئَتي شَاةٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَانِ.
فَإِذَا أَخَذَ الفَرْضَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى خَلِيْطِهِ بِالْقِيْمَةِ، فإِنْ اخْتَلَفَا في قِيْمَةِ الفَرْضِ، فَالْقَولُ قَولُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ إذَا عُدِمَتِ البَيِّنَةُ، فإِنْ أَخَذَ المصدقُ أَكْثَرَ مِنَ الفَرْضِ بِغَيْرِ تأْوِيْلٍ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادةِ عَلَى خَلِيْطِهِ، وإِنْ كَانَ بِتَأْوِيْلٍ مِثْلُ أَخْذِ الكَبِيْرَةِ مِنَ السِّخَالِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ 3، وَالصَّحِيْحَةِ عَنِ الْمِرَاضِ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ العَزِيْزِ 4 أو أخذ
قِيمَة الفَرْضِ عَلَى قَوْلِ النُّعْمَانِ (1) رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ.
بابُ زَكَاةِ الزُّرُوْعِ والثِّمَارِ
/63 و/ وَتَجِبُ 2 الزَّكَاةُ في كُلِّ زَرْعٍ يُكَالُ ويُدَّخَرُ سَواءٌ أَكَانَ مُقتاتاً كَالْحِنْطَةِ والشَّعِيْرِ والذُّرَةِ والدُّخْنِ والأَرُزِّ 3 والقِطْنِيَّاتِ كُلِّهَا وَهِيَ: البَاقِلاَّءُ، والعَدَسُ، والْمَاشُ، والْهُرْطُمَانُ 4، واللُّوْبِيا، والْحِمَّصُ، والتُّرْمُسُ، والسِّمْسِمُ، والشَّهْدَانَجُ 5، وما أشْبَهَهُ أو غَيْرَ مُقْتَاتٍ كَبَزْرِ الكتَّانِ وَبَزْرِ الفُجْلِ والرَّشَادِ وحَبِّ القُثَّاءِ والْخِيَارِ والبِطِّيْخِ والْخَرْدَلِ والقُرْطُمِ 6 ونَحْوِهِ، والأَبَازِيْرِ 7 مِنَ الكسفرة 8 والكَمُّونِ والكَرَاوْيَا 9 ومَا أشْبَهه.
وسَوَاءٌ كَان مِمَّا يُنْبِتُهُ الآدَمِيُّونَ كَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أَو كَانَ مِمَّا يُنْبِتُ بِنَفْسِهِ كبَزْرِ فَطُوْنَاءَ 10، وحَبَّةِ الخَضْرَاءِ والصَّعْتَرِ 11 والأُشْنَانِ وغَيْرها، وكَذَلِكَ في الثِّمَارِ الَّتِي تُكَالُ وتُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ والزَّبِيْبِ واللَّوْزِ والفُسْتُقِ والبُنْدُقِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
ولاَ تَجِبُ في بَقِيَّةِ الفَوَاكِهِ كَالخَوْخِ والمِشْمِشِ والإِجَّاصِ والكُمَّثْرَى والتِّيْنِ، ولاَ شَيءَ في الخَضْرَاوَاتِ كَالبِطِّيْخِ والقُثَّاءِ والخِيَارِ والبَاذِنْجَانِ والجَزَرِ والسَّلْجَمِ 12 والبَقُوْلِ كُلِّهَا.1
واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في القُطْنِ 1 والزَّيْتُونِ 2 والعُصْفًرِ والزَّعْفَرَانِ 3، فَرُوِيَ عَنْهُ: فِيْهَا الزَّكَاةُ، وَرُوِيَ عَنْهُ: لا زَكَاةَ فِيْهَا، ويَتَخَرَّجُ الوَرْسُ والعُصْفُرُ عَلَى وَجْهَيْنِ قِيَاساً عَلَى الزَّعْفَرَانِ، ولاَ زَكَاةَ في جَمِيْعِ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَاباً قَدَرُهُ - بَعْدَ التَّصْفِيَةِ في الحُبُوبِ، والجَفَافِ في الثِّمَارِ - خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، والوَسقُ 4: سِتُّوْنَ صَاعاً، والصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْفاً وسِتَّمِئَةِ رَطْلٍ 5، إلاَّ أَنَّ الأرُزَّ والعَلَسَ - هُوَ نَوعٌ مِنَ الحِنْطَةِ يُدَّخَرُ في قِشْرِهِ 6 - فَإِنَّ نِصَابَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ مَعَ قِشْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ الأَثْرَمُ: أنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ والكَرْمِ رُطَباً وعِنَباً 7، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنا، والأَوَّلُ أَصَحُّ.
ويَجِبُ في العَسَلِ العُشْرُ سَوَاءٌ كَانَ في أَرْضٍ خِرَاجِيَّةٍ أو غَيْرِهَا، وسَوَاءٌ أَخَذَهُ
مِنْ مَوْضِعٍ يَمْلِكُهُ أو لاَ يَمْلِكُهُ كَرُؤُوسِ الجِبَالِ والمَواتِ كُلِّهَا، ويُعْتَبَرُ قَدْرُ النِّصَابِ ومِقْدَارُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: الفَرْقُ 1: سِتُّونَ رَطْلاً، وَقَالَ شَيْخُنَا: سِتَّةٌ وَثَلاَثُوْنَ رَطْلاً 2، وأمَّا نِصَابُ الزَّعْفَرَانِ والقُطْنِ والزَّيْتُونِ فَلاَ نَصَّ فِيْهِ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللهُ - 3، وَقَالَ شَيْخُنَا 4: يَتَوَجَّه أَنْ يَجْعَلَ نِصَابَهُ مَا يَبْلُغُ قِيْمَتُهُ قِيْمَةَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ أدْنَى مَا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ مِمَّا تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ 5، وكَذَلِكَ عِنْدِي: الوَرْسُ والعُصْفُرُ، وَقَالَ شَيْخُنَا: العُصْفُرُ تَبَع القُرْطُمِ 6 فَإِنْ بَلَغَ القُرْطُمُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ / 64 ظ /. والعُصْفُرُ تَبَعٌ لَهُ، وإِلاَّ فَلاَ زَكَاةَ في وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وتُضَمُّ الحُبُوبُ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ في إِكْمَالِ النِّصَابِ في إِحْدَى الرِّوَايَاتِ 7، وفي الثَّانِيَةِ: تُضَمُّ الحِنْطَةُ إلى الشَّعِيْرِ، والقُطْنِيَّاتُ كُلُّهَا بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ.
وفي الثَّالِثَةِ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ في كُلِّ نَوْعٍ عَلَى انْفِرَادِهِ.
وتُضَمُّ ثَمَرَةُ العَامِ الوَاحِدِ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إِطْلاَعِهَا وَإِدْرَاكِهَا أو اخْتَلَفَ، فَيُقَدِّمُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ في ذَلِكَ، وسَوَاءٌ كَانَتْ في بَلَدٍ وَاحِدٍ أو في بَلَدَيْنِ، وكَذَلِكَ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ فَإِنْ كَانَ نَخْلٌ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: لاَ يُضَمُّ أحَدُ الحِمْلَيْنِ إلى الآخَرِ في إِكْمَالِ النِّصَابِ، وعِنْدِي أنَّهَا تُضَمُّ 8؛ لأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ كَمَا يُضَمُّ زَرْعُ العَامِ الوَاحِدِ، ولاَ يُعْتَبَرُ في الحُبُوبِ والثِّمَارِ حَوْلَ الحَوْلِ.
وإذَا اخْتَلَفَ ثِمَارُهُ فكَانَ مِنْهَا الجَيِّدُ والرَّدِيءُ والوَسَطُ، أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوعٍ مَا يَخُصُّهُ إِلاَّ أَنْ يَشُقَّ [عَلَيْهِ] 9 ذَلِكَ؛ لِكَثرَةِ الأَنْوَاعِ واخْتِلاَفِهَا فَيُؤْخَذُ مِنَ الوَسَطِ.
ويَجِبُ العُشْرُ فِي مَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ كَالسُّيُوْحِ والغُيُوثِ ومَا يُشْرَبُ بِعُرُوْقِهِ
كالبَعْلِ 1، ونِصْفُ العُشْرِ فِيْ مَا سُقِيَ بالمُؤَنِ كالدَّوَالِي والنَّوَاضِحِ، فَإِنْ سُقِيَ نِصْفُهُ بِهَذَا ونِصْفُهُ بِهَذَا وَجَبَ فِيْهِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ العُشْرِ، فَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي رِوَايَةِ المَرْوَذِيِّ 2: يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِمَا، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ 3: يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ بالقِسْطِ.
فَإِنْ جَهِلَ المِقْدَارَ غلّبنَا إِيْجَابُ العُشْرِ احْتِيَاطاً نَصَّ عَلَيْهِ 4، ويَجِبُ فِيْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ، ويَجِبُ إِخْرَاجُ الوَاجِبِ مِنَ الحُبُوبِ مُصَفّى 5 ومِنَ الثِّمَارِ [يَابِساً] 6، سَوَاءٌ قُلْنَا: يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ تَمْراً وزَبِيْباً ورَطْباً وعِنَباً.
وَإِذَا بَدَا الصَّلاَحُ في الثِّمَارِ واشْتَدَّ الحَبُّ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ 7، فَإِنِ احْتِيْجَ إلى قَطْعِ ذَلِكَ قبلَ كَمَالِهِ للخَوْفِ مِنَ العَطَشِ، ولِضَعْفِ الجِمَارِ، أو كَانَ رَطْباً لاَ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ [كَالحَسْنَوِيِّ] 8 والبرنبا 9، أو عِنَباً لاَ يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيْبٌ كالخمريِّ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَاباً، ولاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ إلاَّ يَابِساً، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ 10 - رَحِمَهُ اللهُ - واخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ في الخِلاَفِ 11.
وقَالَ شَيْخُنَا 12: يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ قِسْمَتِهَا مَعَ رَبِّ المَالِ / 65 و / قَبْلَ الجَذاذ
وبَعْدَهُ، وبَيْنَ بَيْعِهَا مِنْهُ أو مِنْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَطَعَ رَبُّ المَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا لِغَرَضٍ
صَحِيْحٍ، مِثْلُ: أَنْ يَأْكُلَهَا أَوْ يَبِيْعَهَا خِلاَلاً أو يُخَفِّفَ عَنِ النَّخْلِ لِيَحْسُنَ بَقِيَّةُ الثَّمَرَةِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْمَا قَطَعَهُ 1، وإِنْ قَطَعَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيْحٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ.
وَإِذَا أَرَادَ رَبُّ المَالِ أَنْ يَتَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ قَبْلَ الجَذاذِ خَرَصَ 2 عَلَيْهِ، وضَمِنَ نَصِيْبَ الفُقَرَاءِ ثُمَّ يَتَصَرَّفُ، فَإِنِ ادَّعَى هَلاَكَهَا لِحَاجَةٍ أو نَهْبٍ أو سَرِقَةٍ، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنٍ 3، فَإِنْ جَذَّهَا وَجَعَلَهَا في الجَرِيْنِ 4، وضَمِنَ للسَّاعِي نَصِيْبَ الفُقَرَاءِ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ.
ويَنْظُرُ الخَارِصُ في النَّخْلِ، فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعاً خَرَصَ عَلَيْهِ كُلَّ نَخْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وإِنْ كَانَ نَوْعاً واحِداً جَازَ أَنْ يَخْرُصَ الجَمِيْعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وأَنْ يَخْرُصَ كُلَّ نَخْلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ.
ويَجِبُ عَلَى الخَارِصِ أنْ يَتْرُكَ لِرَبِّ المَالِ الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ لِرَبِّ المَالِ أَنْ يَأْكُلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ولاَ يُحتَسبُّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا الثُّلُثَ أو الرُّبُعَ، فَإِنَّ في المَالِ العُرْيَةَ والأَكلَةَ والوَصِيَّةَ)) 5.
ويَجُوزُ لأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرِيُّ الأَرَاضِي العُشْرِيَّةِ ولاَ عُشْرَ عَلَيْهِمْ في الخَارِجِ مِنْهَا في
إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (1). وفي الأُخْرَى (2): لاَ يَجُوزُ لَهُمْ شِرَاؤهَا، فَإِنْ خَالَفُوا واشْتَرَوا صَحَّ الشِّرَاءُ، وضُرِبَ عَلَيْهِمْ عَلَى زُرُوْعِهِمْ وثِمَارِهِمْ عُشْرَيْنِ، وإِذَا ضَرَبَ الإِمَامُ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلُبَ مَكَانَ الجِزْيَةِ عُشْرَيْنِ في زُرُوعِهِمْ وثِمَارِهِمْ، ثُمَّ أسْلَمُوا أو بَاعُوا الأَرْضَ مِنْ مُسْلِمٍ سَقَطَ أَحَدُ العُشْرَيْنِ، ويُؤْخَذُ الأَجْرُ عَلَى سَبِيْلِ الزَّكَاةِ، ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَرَاجُ في كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَيَكُونُ الخَرَاجُ في رُقْبَتِهَا، والعُشْرُ في غَلَّتِهَا.
وإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضاً فَزَرَعَهَا فَالعُشْرُ عَلَى المُسْتَأْجِرِ دُوْنَ مَالِكِ الأَرْضِ، وإِذَا أَعْطَى عُشْرَ زَرْعِهِ وَثَمَرَتِهِ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ آخَرُ، وإنْ حَالَ عِنْدَهُ أَحْوَالاً.
بَابُ زَكَاةِ النَّاضِّ
3
لاَ زَكَاةَ في الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً، فَيَجِبُ فِيْهِ رُبْعُ العُشْرِ - نِصْفُ مِثْقَالٍ -، ولا في الفِضَّةِ حَتَّى يَبْلُغَ مِئَتَي دِرْهَمٍ / 66 ظ / فَيَجِبُ فِيْهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ومَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ فِيْهِمَا فَبِحِسَابِهِ.
فَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ عَنْ ذَلِكَ نُقْصَاناً يَسِيْراً كَالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ وجَبَتِ الزَّكَاةُ؛ لأنَّهُ لاَ يُضْبَطُ في الغَالِبِ، فَهُوَ كَنُقْصَانِ الحَوْلِ سَاعَةً وسَاعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ نُقْصَاناً بَيِّناً كَالدَّانَقِ 4 والدَّانَقَيْنِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ 5:
إحَداهُمَا: تَسْقُطُ، والأُخْرَى: لاَ تَسْقُطُ، ويُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّصَابِ في جَمِيْعِ الحَوْلِ في النَّاضِّ والمَوَاشِي وعُرُوْضِ التِّجَارَةِ، فَإِنْ نَقَصَ في بَعْضِهِ لَمْ تَجِبْ فِيْهِ الزَّكَاةُ، ولاَ يُضَمُّ الذَّهَبُ إلى الفِضَّةِ في إِكْمَالِ النِّصَابِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 6، وفي الأُخْرَى: يُضَمُّ، ويَكُونُ ضَمُّهُ بِالأَجْزَاءِ لاَ بالقِيْمَةِ، وقِيْلَ: يَكُوْنُ ضَمُّهُ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ مِنَ الأَجْزَاءِ أو12 = للخرص: لا تخرصوا العرايا)).
والحديثان كلاهما مرسل.
وَقَالَ ابن حجر في التلخيص 2/ 182: ((ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر في (التمهيد 6/ 472) من طريق ابن لهيعة، عَنْ أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً: ((خففوا في الخرص، فإن في المال العرية والواطئة والأكلة)).
القِيْمَةِ.
فَإِنْ مَلَكَ ذَهَباً مَغْشُوشاً، أو فِضَّةً مَغْشُوشَةً فَلاَ زَكَاةَ فِيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ مِقْدَارُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصَاباً، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدَرَ مَا فِيْهِ مِنْهُمَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْبِكَهُمَا لِيَعْرِفً قَدَرَ الوَاجِبِ فَيُخْرِجَهُ، وبَيْنَ أنْ يَسْتَظْهِرَ ويُخْرِجَ؛ لِيَسْقُطَ الغَرضُ بِيَقِيْنٍ.
ويُخْرِجُ عَنِ الصِّحَاحِ الجِيَادِ جِيَاداً صِحَاحاً مِنْ جِنْسِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ مُكَسَّرَةً أو بَهْرَجَةً زَادَ في المُخَرَّجِ مِقْدَارَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الفَضْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ (1)، ولاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ عَنِ الآخَرِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (2)، والأُخْرَى: يَجُوزُ ذَلِكَ (3).
بَابُ زَكَاةِ الحِلِيِّ
ولاَ زَكَاةَ في الحِلِيِّ المُبَاحِ في حَقِّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ إِذَا كَانَ مُعَدّاً للاسْتِعْمَالِ 4، فَالمُبَاحُ للرَّجُلِ مِنَ الفِضَّةِ الخَاتَمُ وقَبِيْعَةُ السَّيْفِ، فَأَمَّا حلية المِنْطَقَةِ 5 فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ 6، وعَلَى قِيَاسِها الجَوْشَنُ 7 والخُوْذَةُ والخُفُّ والرَّانُ 8 والحَمَائِلُ 9، ومِنَ الذَّهَبِ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُوْرَةُ كَالأَنْفِ 10، ومَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانُهُ 11.123
والمُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كُلُّ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ لَهُنَّ بِلِبْسِهِ كَالخَلْخَالِ والسِّوَارِ والدُّمْلُوجِ (1) والطَّوْقِ والتَّاجِ والقُرْطِ (2)، والخَاتَمِ، ومَا أَشْبَهَهُ، وسَوَاءٌ قَلَّ ذَلِكَ أو كَثُرَ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَإِنْ بَلَغَهَا فَهُوَ مُحَرَّمٌ وفِيْهِ الزَّكَاةُ (3).
فَإِنْ لَمْ تُعَدَّ للاسْتِعْمَالِ لَكِنْ لِلْكَرْي والنَّفَقَةِ إِذَا احتاج إِلَيْهِ/ 67 و / فَفِيْهِ زَكَاةٌ.
وفي الأَوَانِي المُتَّخَذَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ الزَّكَاةُ (4).
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى (5): تَجِبُ الزَّكَاةُ في الحِلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ مُبَاحاً أو مُحَرَّماً، ذَكَرَهَا ابنُ أبي مُوْسَى في " الإِرْشَادِ " (6)، وهَلْ يُخَرَّجُ مِنْهُمَا زَكَاةُ قِيْمَتِهِمَا أو وَزْنِهِمَا، فَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ - رضي الله عنه -: اعْتِبَارُ وَزْنِهِمَا، وَقَالَ شَيْخُنَا: الاعْتِبَارُ بِقِيْمَتِهِمَا، فَإِذَا كَانَ الوَرِقُ مِئَتَينِ والقِيْمَةُ لأَجْلِ الصِّنَاعَةِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وجبت زكاة ثلاث مئة سَبْعَةً ونِصْفاً.
بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ
تَجِبُ الزَّكَاةُ في قِيَمِ عُرُوْضِ 7 التِّجَارَةِ، ويُؤْخَذُ مِنْهَا لاَ مِنْ العُرُوضِ 8، ولاَ تَصِيْرُ العُرُوضُ للتِّجَارَةِ إلاَّ بِشَرْطَيْنِ:
أحَدهُمَا: أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ، ولاَ فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُقَابِلَ ذَلِكَ عِوَضاً كَالبَيْعِ ونَحْوِهِ، أو لاَ يُقَابِلَهُ عِوَضاً 9 كَالاحْتِشَاشِ والهِبَةِ والغَنِيْمَةِ.
والثَّانِي: أنْ يَنْوِيَ عِنْدَ تَمَلُكِهِ أنَّهُ للتِّجَارَةِ، فَأمَّا إِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ، أو كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ123456
لِلْقُِنْيَةِ وَنَوَاهُ للتِّجَارَةِ، أو تَمَلَّكَهُ بالشِّرَاءِ، وَلَمْ يَنْوِهِ للتِّجَارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجَارَةِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ ابنُ مَنْصُوْرٍ 1: أنَّ العُرُوضَ تَصِيْرُ للتِّجَارَةِ لِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
ويُعْتَبَرُ النِّصَابُ في قِيْمَةِ العُرُوضِ في جَمِيْعِ الحَوْلِ، كَمَا يُعْتَبَرُ في جَمِيْعِ نُصبِ الزَّكَاةِ.
وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضاً للتِّجَارَةِ بِنِصَابٍ مِنَ الأَثْمَانِ أو بِمَا قِيْمَتُهُ نِصَابٍ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بَنَى حَوْلَهُ عَلَى حَوْلِ الثَّمَنِ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بنصاب من السائمة لَمْ يبنِ حولهُ عَلَى حولها لإنهما مختلفان فإن إشتراه بِعُرُوضٍ للنَّفَقَةِ، أو بِمَا دُوْنَ النِّصَابِ مِنَ الأَثْمَانِ انْعَقَدَ الحَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ يَومِ تَصِيْرُ قِيْمَتُهُ نِصَاباً، ويُقَوَّمُ مَالُ التِّجَارَةِ بِمَا هُوَ أحَظُّ لِلْمَسَاكِيْنِ مِنْ عَيْنٍ أَو وَرَقٍ، ولاَ يُعْتَبَرُ ما اشْتَرَاهُ بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيْمَتُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبْلُغُ نِصَاباً قومهُ يما شَاءَ مِنْهُمَا، وإذا ملك للتجارة نصاباً مِنَ السَّائِمَةِ وحَالَ الحَوْلُ، والسَّوْمُ ونِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُوْدَانِ وَجَبَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُوْنَ السَّوْمِ 2، فَإِنْ وُجِدَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا دُوْنَ الآخَرِ، مِثْلُ: إِنْ كَانَتْ ثَلاَثِيْنَ مِنَ الغَنَمِ قِيْمَتُهَا مِئَتَا دِرْهَمٍ، أو أَرْبَعِيْنَ قِيْمَتُهَا دُوْنَ المِئَتَيْنِ قَدَّمْنَا مَا وُجِدَ نِصَابُهُ / 68 ظ / وسَقَطَ اعْتِبَارُ الآخَرِ.
وإِذَا اشْتَرَى أَرْضاً أو نَخْلاً للتِّجَارَةِ فَزُرِعَتِ الأَرْضُ وأَثْمَرَتِ النَّخْلُ زَكَّى الْجَمِيْعَ زَكَاةَ القِيْمَةِ 3، وَقِيْلَ 4: يُزَكَّى الأَصْلُ زَكَاةَ القِيْمَةِ، والثَّمَرُ والزَّرْعُ زَكَاةَ العُشْرِ 5.
وإِذَا اشْتَرَى عَرْضاً بِنِصَابٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَقْوِيْمُهُ إِذَا تَمَّ الحَوْلُ، فَإِنْ زَادَ بَعْدَ الحَوْلِ أو نَقَصَ أو تَلَفَ المَالُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ في الواجِبِ.
وإِذَا دَفَعَ إلى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً عَلَى أنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَحَالَ الحَوْلُ وقَدْ صَارَتْ أَلْفَيْنِ، وَجَبَ عَلَى رَبِّ المَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ وخَمْسِ مِئَةٍ؛ لأنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ، وعَلَى العَامِلِ زَكَاةُ خَمْسِ مِئَةٍ 6 يُحْسَبُ حَوْلُهَا مِنْ حِيْنِ ظُهُورِ الرِّبْحِ؛ لأنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ - رضي الله عنه -: إنَّ العَامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ، فَإِذَا مَلَكَهُ جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ أبو بَكْرِ بنِ جَعْفَرٍ، وشَيْخُنَا أبو يَعْلَى: يُحْسَبُ حَوْلُهُمَا 7
مِنْ حِيْنِ القِسْمَةِ والقَبْضِ (1)؛ لأنَّ بِذَلِكَ يَسْتَقِرُّ مُلْكُهُ، وهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةٍ ضَعِيْفَةٍ، وَهُوَ أنَّ المَالَ الضَّالَّ والمَغْصُوبَ والصِّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لاَ تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ويَسْتَقِرَّ مُلْكُهُ عَلَيْهِ (2)، والصَّحِيْحُ مِنَ المَذْهَبِ: أنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ إلى مدة مَظْنُوناً، كَذَلِكَ هَذَا الرِّبْح، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالدَّيْنِ، وإِنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ، وإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَهُ مِنْ مَالِ المُضَارَبَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ المَالِ ويُحْتَمَلُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لأنَّهُمَا دَخَلاَ عَلَى حُكْمِ الإِسْلاَمِ، ومِنْ حُكْمِهِ وُجُوْبُ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجُهَا مِنَ المَالِ.
وإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ شَرِيْكَي العِنَانِ (3) لِصَاحِبِهِ في إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَأَخْرَجَاهَا مَعَاً، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ (4)، فَإِنْ أَخْرَجَهَا أحدهما قَبْلَ الآخَرِ (5) /69 و/ ضَمِنَ الثَّانِي نَصِيْبَ الأَوَّلِ، عَلِمَ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (6).
بَابُ زَّكَاةِ المَعْدِنِ
7 مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ في أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، أو مَمْلُوْكَةٍ نِصَاباً مِنَ الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ، أو مِمَّا يبْلُغُ قِيْمَتُهُ نِصَاباً مِنْ سَائِرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ المَعْدِنِ 8 كَاليَاقُوْتِ والزَّبَرْجَدِ والعَقِيْقِ والفَيْرُزَجِ والزُّجَاجِ والصُّفْرِ والزِّئْبَقِ والمُومِيا 9 والكُحْلِ123456
والقَارِ والنِّفْطِ والنّوْرَةِ والزِّرْنِيْخِ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ في الحَالِ رُبْعُ العُشْرِ سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ في دُفْعَةٍ أو في دُفُعَاتٍ بَعْدَ أنْ لاَ يَتْرُكَ فِيْهَا العَمَلَ تَرْكَ إِهْمَالٍ، ولاَ يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ والتَّصْفِيَةِ، ومَصْرَفُهُ مَصْرَفُ الزَّكَوَاتِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيْمَا يُصِيْبُهُ مِنْ البَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجَانِ والعَنْبَرِ والسَّمَكِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَنْهُ: قِيْمَتُهُ قِيْمَةُ المَعْدِنِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ فِيْهِ شَيءٌ بِحَالٍ (1).
بَابُ حُكْمِ الرِّكَازِ
(2)
الرِّكَازُ: مَا وُجِدَ مِنْ دَفْنِ الجَاهِلِيَّةِ في مَوَاتٍ أَو مَمْلُوْكٍ لاَ يُعْرَفُ مَالِكُهُ، ويَجِبُ فِيْهِ الخُمْسُ في الحَالِ، أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ المَالِ، قَلَّ أوْ كَثُرَ.
فَإِنْ وَجَدَهُ في مَكَانٍ يَعْرِفُ مَالِكَهُ، وكَانَ المَالِكُ مُسْلِماً أو ذِمِّيّاً، فَهُوَ لِمَالِكِ المَكَانِ، وإِنْ كَانَ المَكَانُ لِحَرْبِيٍّ وَقَدِرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ رِكَازٌ، وإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلاَّ بِجَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فَهُوَ غَنِيْمَةٌ.
فَإِنْ وَجَدَهُ في مُلْكٍ انْتَقَلَ إِلَيْهِ فَهُوَ لَهُ بالظُّهُورِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفي الأُخْرَى هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لأَوَّلِ مَالِكٍ (3).
والرِّكَازُ مَا كَانَ عَلَيْهِ عَلاَمَاتُ الجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلاَمَاتُ الإِسْلاَمِ، أو فِيْهِ مَا عَلَيْهِ عَلاَمَاتُ الإِسْلاَمِ، أو لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلاَمَةٌ لأَحَدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ (4).
ومَصْرَفُ خُمْسِ الزَّكَاةِ مَصْرَفُ خُمْسِ الفَيءِ، وَعَنْهُ: أنَّ مَصْرَفَهُ مَصْرَفُ الزَّكَوَاتِ (5).
بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ
/70 ظ/ زَكَاةُ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ 6 عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَضَلَ عَنْ قُوْتِهِ وقُوْتِ عِيَالِهِ يَوْمَ العِيْدِ12345
وَلَيْلَتَهُ صَاعٌ، وإِنْ فَضَلَ بَعْضُ صَاعٍ فهَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 1.
وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ إذَا وَجَدَ مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يُؤَدَّى عَنْ بَعْضِهِمْ بَدَأَ بِمَنْ يَلْزَمُهُ البِدَايَةُ بِنَفَقَتِهِ، فَيَبْدَأُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ بِرَقيْقِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ، ثُمَّ بِأُمِّهِ، ثُمَّ بِأَبِيْهِ، ثُمَّ بِإِخْوَتِهِ، ثُمَّ بِبَنِي إِخْوَتِهِ، ثُمَّ بِأَعْمَامِهِ، ثُمَّ بِبَنِي أَعْمَامِهِ عَلَى تَرْتِيْبِ الأَقْرَبِ في المِيرَاثِ، فَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفَقَتِهِ شَخْصٌ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا - وَهُوَ المَنْصُوصُ -: تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ 2؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يُمَوَّنُ، وعِنْدِي لاَ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ 3؛ لأنَّهُ لاَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وتلزم المكاتب فِطرة نفسه وفِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
وَإِذَا تَزَوَّجَتِ المُوسِرَةُ بِحُرٍّ مُعْسِرٍ، أو زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ أو بِحُرٍّ مُعْسِرٍ لَزِمَ الحُرَّةَ فِطْرَةُ نَفْسِهَا، والسَّيِّدَ فِطْرَةُ أَمَتِهِ، ولاَ تَلْزَمُ الزَّوْجَ والعَبْدَ فِطْرَتُهُمَا؛ لأنَّهُ لاَ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، وَهِيَ آكَدُ مِنْ فِطْرَتِهِمَا عَلَيْهِ.
ويُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الفِطْرَةِ عَنِ الجَنِيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا: في وُجُوبِ الفِطْرَةِ عَلَى الجَنِيْنِ رِوَايَتَانِ 4.
وَإِذَا كَانَ العَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ لَزِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفِطْرَةِ بِقَدرِ حِصَّتِهِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يَلْزَمُ 5
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاعٌ (1). وكَذَلِكَ الحُكْمُ فِيْمَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرّاً وبَعْضُهُ رَقِيْقاً، ومَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ إِخْرَاجُ فِطْرَتِهِ كَالزَّوْجَةِ والنَّسِيْبِ المُعْسِرِ إِذَا أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ المُخْرَجِ عَنْهُ، فَهَلْ يُجْزِيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (2).
ومَنْ كَانَ لَهُ نَسِيْبٌ غَائِبٌ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ فَشَكَّ في حَيَاتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ فِطْرَتِهِ، فَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ ثُمَّ عَلِمَ بِحَيَاتِهِ لَزِمَهُ الإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى (3).
وتَجِبُ صَدَقَةُ الفِطْرَةِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ أَسْلَمَ أوْ تَزَوَّجَ أو مَلَكَ عَبْداً، أو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلاَ فِطْرَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حِيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ نَاشِزاً، أو المَمْلُوكُ آبِقاً لَزِمَ الزَّوْجَ والسَّيِّدَ فِطْرَتُهُمَا (4)، وَقَالَ شَيْخُنَا: لاَ يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزَةِ، ويَلْزَمُ السَّيِّدَ فِطْرَةُ الآبِقِ.
والأَفْضَلُ إِخْرَاجُ الفِطْرَةِ قَبْلَ صَلاَةِ العِيْدِ، ويَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ العِيْدِ بِيَوْمَيْنِ، وإِذَا أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ العِيْدِ أَثِمَ ولَزِمَهُ القَضَاءُ (5). /71 و/
بَابُ مَا يَلْزَمُ في الفِطْرَةِ
الوَاجِبُ في صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ قَدَرُهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلُثٍ بالعِرَاقِيِّ 6 يُخْرَجُ مِنَ التَّمْرِ12345
والزَّبِيْبِ والبُرِّ والشَّعِيْرِ ودَقِيْقِهِمَا وسُوَيْقِهِمَا، فأَمَّا الأَقِطُ (1) فَعَنْهُ: أنَّهُ لاَ يُخْرَجُ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الأَصْنَافِ، وَعَنْهُ: أنَّهُ يُخْرَجُ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أبي بَكْرٍ (2)، وما عَدَا هَذِهِ الأَصْنَافِ فَلاَ يُجْزِيء إِخْرَاجُهُ مَعَ وُجُوْدِهَا سَواءٌ كَانَتْ قُوْتَهُ وقُوتَ بَلَدِهِ، أو لَمْ تَكُنْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الأَصْنَافَ المَنْصُوصَ عَلَيْهَا، فَقَالَ ابن حَامِدٍ: يُخْرِجُونَ مِمَّا يَقْتَاتُونَ (3). وَقَالَ أبو بَكْرٍ عَبْد العزيز (4): يُحْتَمَلُ أنْ يُجْزِيَهُ كُلُّ مَكِيْلٍ مَطْعُومٍ، وَيُحْتَمَلُ أنْ لاَ يُجْزِيَهُ غَيْرُ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَدَمَهُ أَعْطَى مَا قَامَ مَقَامَ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهُوَ الأَقْيَسُ عِنْدَهُ ويُجْزِي إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ عَنِ المَنْصُوصِ، ولاَ يُخْرِجُ في الفِطْرَةِ حَبّاً مَعِيْباً ولاَ خُبْزاً، وأَفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ الزَّبِيْبُ، ثُمَّ البُرُّ، ثُمَّ الشَّعِيْرُ.
بَابُ أَحْكَامِ الصَّدَقَةِ وإِخْرَاجِهَا
لاَ يَجُوزُ تَأْخِيْرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الإِخْرَاجِ، فَإِنْ تَلَفَ المَالُ قَبْلَ إمْكَانِ الإِخْرَاجِ وبَعْدَ حُلُولِ الحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ.
فَإِنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ جَاحِداً لِوُجُوبِهَا كُفِّرَ وأُخِذَتْ مِنْهُ وقُتِلَ 5، وإِنْ مَنَعَهَا بُخْلاً بِهَا وقَدَرَ الإِمَامُ عَلَى أَخْذِهَا أَخَذَهَا مِنْهُ وعَزَّرَهُ، وإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا إِمَّا بِأَنْ يُقَاتِلَهُ أَوْ يُغَيِّبَ المَالَ أَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهَا، وَاسْتُتِيْبَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَابَ وأَخْرَجَ وإِلاَّ قُتِلَ وأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، وكَذَلِكَ يُسْتَتَابُ مَنْ تَرَكَ الصِّيَامَ 6 والحَجَّ تَهَاوُناً ثَلاَثاً، فَإِنْ تَابَ وإلاَّ قُتِلَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا 7: إنَّهُ إذا امْتَنَعَ وَقَاتَلَ الإِمَامَ عَلَى الزَّكَاةِ كُفِّرَ، وإِذَا غَلَّ مَالَهُ1234
وَهُوَ أنْ يَكْتُمَهُ 1 حَتَّى لاَ يَأْخُذَ الإِمَامُ زَكَاتَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً بِتَحْرِيْمِ ذَلِكَ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بالإِسْلاَمِ عُرِّفَ ذَلِكَ، وإِنْ كَانَ عَالِماً بالتَّحْرِيْمِ عَزَّرَهُ الإِمَامُ وأَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ 2، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَأْخُذُهَا وشطْرَ مَالَهُ 3.
وإِذَا طَالَبَهُ السَّاعِي بالزَّكَاةِ، فَقَالَ: مَا حَالَ عَلَى المَالِ الحَوْلُ، أَوْ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ إلاَّ مُنْذُ شَهْرٍ، أو هَذَا المَالُ في يَدِي وَدِيْعَةً إلى أَمْسِنَا اشْتَرَيْتُهُ، أو قَالَ /72 ظ/: قَدْ بِعْتُهُ في بَعْضِ الحَوْلِ وعُدْتُ اشْتَرَيْتُهُ، وما أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ صَالِحٍ، وابنِ مَنْصُوْرٍ.
والنِّيَّةُ شَرْطٌ في أَدَاءِ الزَّكَاةِ 4 فَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ أنَّهَا زَكَاةُ مَالِهِ، أو زَكَاةُ مَنْ تُخْرَجُ عَنْهُ كالصَّبِيِّ والمَجْنُوْنِ، والأَوْلَى أنْ يُقَارِنَ النِّيَّةَ حَالَ الدَّفْعِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ عَلَى حَالَ الدَّفْعِ بالزَّمَانِ اليَسِيْرِ جَازَ، وَإِذَا دَفَعَ المَالَ إلى وَكِيْلِهِ، فَإِنْ نَوَيَا مَعاً أنَّهَا زَكَاةٌ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا لَمْ يَجُزْ، وإن نوى رب المال وَلَمْ ينوِ الوكيل جاز وإن نوى الوكيل وَلَمْ ينو رب المال لَمْ يَجُزْ وإِذَا دَفَعَهَا إلى الإِمَامِ ونَوَاهَا، وَلَمْ يَنْوِ الإِمَامُ جَازَ، وإِنْ نَوَى الإِمَامُ وَلَمْ يَنْوِ رَبُ المَالِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: يُجْزِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الخِرَقِيِّ 5، وعِنْدِي أنَّهُ لاَ يُجْزِي 6؛ لأنَّهُ لاَ يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُوْنَ الإِمَامُ وكِيْلَهُ، أو وَكِيْلَ الفُقَرَاءِ، ووَكِيْلُ أَيُّهُمَا كَانَ لاَ تَجْزِي نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ رَبِّ المَالِ 7.
وَإِذَا دَفَعَ زَكَاتَهُ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَقُوْلَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَماً ولاَ تَجْعَلْهَا مَغْرَماً 8.
ويَقُولُ الآخِذُ: آجَرَكَ اللهُ فِيْمَا أَعْطَيْتَ، وبَارَكَ لَكَ فِيْمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُوْراً 1.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَلَمْ تَفِ التَّرِكَةُ اقْتَسَمُوا بالحِصَصِ نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ.
ويَجُوزُ تَقْدِيْمُ الزَّكَاةِ عَلَى الحَوْلِ إِذَا كَمَّلَ النِّصَابَ، ولاَ يَجُوزُ تَقْدِيْمِهَا لأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 2، والأُخْرَى يَجُوزُ.
وإِذَا عَجَّلَهَا فَتَمَّ الحَوْلُ والنِّصَابُ نَاقِصٌ مِقْدَارَ مَا عَجَّلَ أَجْزَأَتْهُ زَكَاتُهُ 3، وإِذَا مَلَكَ مِئَتَيْنِ مِنَ الغَنَمِ، فَجَعَلَ زَكَاتَهَا شَاتَيْنِ، ثُمَّ تَمَّ الحَوْلُ وَقَدْ نَتَجَتْ سَخْلَةً، لَزِمَهُ إِخْرَاجُ شَاةٍ ثَالِثَةٍ 4.
وَإِذَا عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ، ثُمَّ هَلَكَ المَالُ قَبْلَ الحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى المَسَاكِيْنِ في قَوْلِ أبي بَكْرٍ وشَيْخِنَا أَبُو 5 يَعْلَى 6، ولاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهَا زَكَاتُهُ أَوْ يُطْلِقَ، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: لَهُ أَنْ يُرَجِّعَ 7، فَإِنْ / 73 و / عَجَّلَهَا إلى فَقِيْرٍ فَاسْتَغْنَى أَوْ مَاتَ أَو ارْتَدَّ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ، وتَمَّ الحَوْلُ أَجْزَأَتْ عَنِ المُزَكِّي، وإِذَا تَسَلَّفَ الإِمَامُ الزَّكَاةَ فَهَلَكَتْ في يَدِهِ
لَمْ يَضْمَنْهَا، وكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الفُقَرَاءِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ سَأَلَهُ الفُقَرَاءُ ذَلِكَ، أو سَأَلَهُ رَبُّ المَالِ، أو لَمْ يَسْأَلْهُ الجَمِيْعَ؛ لأنَّ يَدَهُ كَيَدِ الفُقَرَاءِ.
وإِذَا كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ ما يَسْتَفِيْدُهُ في الحَوْلِ، أَجْزَأَهُ عَنِ النِّصَابِ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنِ الزِّيَادَةِ 1.
وإِذَا عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الطَّلْعِ والحِصْرَمِ 2، أو عُشْرَ الزَّرْعِ قَبْلَ نبات الزرع لَمْ يُجْزِهِ 3.
وإِذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ فَدَفَعَهَا إلى غَنِيٍّ فَافْتَقَرَ عِنْدَ الوُجُوبِ لَمْ يُجْزِهِ 4، فَإِنْ دَفَعَهَا إليهِ ثُمَّ بَانَ أنَّهُ كَافِرٌ أو عَبْدٌ أو مِنْ ذَوِي القُرْبَى لَمْ يُجْزِهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ 5. فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَظُنُّهُ فَقِيْراً ثُمَّ عَلِمَ أنَّهُ غَنِيٌّ أَجْزَأَهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى: لاَ يُجْزِيْهِ 6.
ويَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أنْ يَتَوَلَّى تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ كالمَوَاشِي والزُّرُوعِ وبَيْنَ البَاطِنَةِ كَالنَّاضِّ والتِّجَارَةِ والمَعْدَنِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إلى الإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ (1) في رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ، وعِنْدِي: أنَّ دَفْعَهَا إلى الإِمَامِ العَادِلِ أَفْضَلُ (2)؛ لأنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الخِلاَفِ وتَزُوْلُ عَنْهُ التُّهْمَةُ.
ولاَ يَجُوزُ (3) نَقْلُ الصَّدَقَةِ عَنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيْمَا بَيْنَهُمَا الصَّلاَةُ (4)، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يُجْزِيْهِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ ابنِ حَامِدٍ وشَيْخِنَا (5).
والأُخْرَى: تُجْزِيْهِ، وَهِيَ الصَّحِيْحَةُ عِنْدِي (6).
وإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ المَالِ في بَلَدِهِ، ومَالُهُ في بَلَدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يُفَرِّقُهَا في بَلَدِ المَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ (7). وإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الفِطْرِ، ومَالُهُ في بَلَدٍ آخَرَ، فَرَّقَهَا في بَلَدِ بَدَنِهِ.
وإِنْ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ ومَالُهُ بِبَادِيَةٍ فَرَّقَهَا عَلَى أَقْرَبِ البِلاَدِ إِلَيْهِ.
وإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الإِمَامِ مَاشِيَةٌ، فَالمُسْتَحَبُّ أنْ يَسِمَ الإِبِلَ والبَقَرَ في أُصُولِ أَفْخَاذِهَا، والغَنَمَ في آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الزَّكَاةِ كَتَبَ ((زَكَاةً)) أو ((للهِ))، وإِنْ كَانَتْ مِنَ الجِزْيَةِ كَتَبَ ((صَغَاراً)) أو ((جِزْيَةً)).
بَابُ ذِكْرِ الأَصْنَافِ
ومَنْ تَجُوْزُ / 74 ظ / دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ ومَنْ لاَ يَجُوْزُ الأَصْنَافُ الَّذِيْنَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ ثَمَانِيَةٌ 8:1234567
أَحَدُهَا: الفُقَرَاءُ، وهُم: الَّذِيْنَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى ما يَقَعُ مَوْقِعاً مِنْ كِفَايَتِهِمْ، وهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ المَسَاكِيْنِ 1، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِمْ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُمْ، وَلاَ تُدْفَعُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يحَصَلَ بِهِ الغِنَى، فَإِنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بالغِنَى لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ إلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
والثَّانِي: المَسَاكِيْنُ، وهم: الَّذِيْنَ يَقْدِرُونَ عَلَى مُعْظَمِ كِفَايَتِهِمْ، فَيُدْفَعُ إِليْهِمْ مَا تَتِمُّ بِهِ الكِفَايَةُ، فَإِنَّ رِآهُ جَلِداً، وذَكَرَ أنَّهُ لاَ كَسْبَ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ 2؟ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِيْنٍ، بَعْدَ أنْ يُخْبِرَهُ: أنَّهُ لاَ حَظَّ فِيْهَا لِغَنِيٍّ ولاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ.
فَإِنِ ادَّعَى أنَّ لَهُ عِيَالاً قُلِّدَ في ذَلِكَ وأُعْطِيَ.
والثَّالِثُ: العَامِلُ عَلَيْهَا، ومِنْ شَرْطِهِ: أنْ يَكُونَ بَالِغاً عَاقِلاً أَمِيْناً، وإِنْ كَانَ غَنِيّاً أَوْ كَافِراً أَو عَبْداً أو مِنْ ذَوِي القُرْبَى؛ لأنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً يُقَاطِعُهُ الإِمَامُ عَلَيْهَا.
فَإِنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ في يَدِهِ أَعْطَاهُ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَعَنْهُ: لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَافِراً، اخْتَارَهَا شَيْخُنَا 3.
والرَّابِعَةُ: المُؤَلَّفَةُ، وهُمْ: /السَّادَةُ المُطَاعُونَ [فِي] 4 عَشَائِرهِمْ، وهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارٌ ومُسْلِمُونَ، فَأَمَّا الكُفَّارُ فَضَرْبَانِ: مَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُمْ، ومَنْ يُخَافُ شَرُّهُ، فَيَجُوزُ أَنْ تَتَأَلَّفَهُمْ بِمَالِ الزَّكَاةِ، إِنْ كَانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الإِسْلاَمِ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ 5. ونَقَلَ حَنْبَلٌ 6: أنَّ حُكْمَهُمْ قَدِ انْقَطَعَ 7.
وَأَمَّا مُؤَلَّفَةُ المُسْلِمِيْنَ فَعَلَى ضُرُوبٍ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُ شَرَفٌ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ إِسْلاَمُ نَظِيْرِهِ، ومِنْهُمْ: مَنْ يُشَكُّ في حُسْنِ إِسْلاَمِهِ ويُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ الإِيْمَانِ مِنْهُ والمُنَاصَحَةُ في الجِهَادِ، ومِنْهُمْ: قَوْمٌ في طَرَفِ بِلاَدِ الإِسْلاَمِ إِنْ أُعْطُوا دَفَعُوا عَنِ المُسْلِميْنَ، ومِنْهُمْ: قَوْمٌ إِنْ أُعْطُوا مِنْهَا جَبَوا الزَّكَاةَ مِمَّنْ لاَ يُعْطِيْهَا إلاَّ أَنْ يَخَافَ.
فَكُلُّ هَؤُلاَءِ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ.
والخَامِسُ: الرِّقَابُ، وهُمُ المُكَاتِبُونَ فَقَطْ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 1، وإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَا يُؤَدُّوْنَ دُفِعَ إِلَيْهِمْ / 75 و / بِقَدْرِ مَا يُؤَدُّونَ، ولاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أنَّهُ مُكَاتِبٌ إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ المَوْلَى، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ 2. ويَجُوزُ للسَّيِّدِ أنْ يَدْفَعَ مِنْ زَكَاتِهِ إلى مُكَاتِبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ المَرْوَذِيِّ.
وأَمَّا الرِّوَايَةُ الأُخْرَى: فَالرِّقَابُ جَمِيْعُ الرَّقِيْقِ مِنَ المُكَاتِبِيْنَ وغَيْرِهِمْ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ زَكَاتِهِ رَقَبَةً فَيَعْتِقَهَا إِذَا كَانَتْ مِمَّنْ لاَ تُعْتَقُ عَلَيْهِ بالرَّحِمِ، ويَجُوزُ أَنْ يَفُكَّ 3 بِزَكَاتهِ أَسِيْراً مُسْلِماً في يَدِ المُشْرِكِيْنَ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ 4.
والسَّادِسُ: الغَارِمُونَ، وهُمْ ضَرْبَانِ:
ضَرْبٌ غَرِمَ؛ لإِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ وإِنْ كَانَ غَنِيّاً.
وضَرْبٌ غَرِمَ؛ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ، فَيُعْطَى مَعَ العَجْزِ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، ولاَ يُعْطَى مَعَ الغِنَى.
ولاَ يُقْبَلُ أنَّهُ غَارِمٌ إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الغَرِيْمُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ 5، فَإِنْ غَرِمَ في
مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ 6.
ولاَ يُزَادُ الغَارِمُ والمُكَاتِبُ عَلَى مَا يَقْضِي دَيْنَهُمَا.
والسَّابِعُ: في سَبِيْلِ اللهِ، وهُمْ الغُزَاةُ الَّذِيْنَ لاَ حَقَّ لَهُمْ في الدِّيْوَانِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ
مَا يَكْفِيْهِمْ لِغَزْوِهِمْ وإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَغْزُوا اسْتُرْجِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الحَجِّ، فَنَقَلَ عَبْدُ اللهِ 1 وغَيْرُهُ: أنَّهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَحُجُّ بِهِ 2 أو يُعِيْنُهُ في حِجَّتِهِ وهَذَا مَعَ الفُقَرَاءِ، ونَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ وغَيْرُهُ: أنَّهُ لاَ يُصْرَفُ مِنَ الزَّكَاةِ في الحَجِّ 3.
والثَّامِنُ: ابنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: المُسَافِرُ المُنْقَطِعُ بِهِ دُوْنَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى بِقَدَرِ مَا يُوصِلُهُ إلى بَلَدِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
ولاَ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ في مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ شَيءٌ، ولاَ يُعْطَى حَتَّى تَثْبُتَ حَاجَتُهُ، وإِذَا فَضَلَ مَعَهُ بَعْدَ وُصُوْلِهِ إلى
بَلَدِهِ شَيءٌ مِمَّا أَخَذَ اسْتُرْجِعَ مِنْهُ.
والمُسْتَحَبُّ أنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إلى جَمِيْعِ الأَصْنَافِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 4، وَهِيَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا، قَالَ: لأَنَّ اللهَ تَعَالَى بَيَّنَ بالآيَةِ الجِهَاتِ الَّتِي تُصْرَفُ إِلَيْهَا الزَّكَاةُ 5، والأُخْرَى: لاَ تُجْزِيْهِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أبي بَكْرٍ.
وإِذَا قُلْنَا لَهُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا مِسْكِيْناً وَاحِداً، فَإِنْ
قُلْنَا 6: لاَ يَقْتَصِرُ، فَلاَ يُجْزِيْهِ / 76 ظ / مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَقَلُّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إلاَّ العَامِلَ، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً فَيَجُوْزُ أنْ يَكُوْنَ وَاحِداً.
والمُسْتَحَبُّ أنْ تُصْرَفَ صَدَقَتُهُ إلى أَقَارِبِهِ الَّذِيْنَ لاَ تَلْزِمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وإنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدَرِ حَاجَتِهِمْ، فَأَمَّا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَهُوَ: مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أو تَعْصِيْبٍ فَلاَ يَجُوزُ أنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُ وَلاَ كَفَّارَتَهُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ 7، وفي الأُخْرَى: يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلى جَمِيْعِ أَقَارِبِهِ إلاَّ الوَالِدَيْنِ وإنْ عَلَوْا، والوَلَدَ وَإِنْ سَفَلَ 8.
ولاَ يَجُوزُ للرَّجُلِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلى زَوْجَتِهِ، وهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دَفْعُ زَكَاتِهَا إلى زَوْجِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (1).
ولاَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلى فَقِيْرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ.
ولاَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلى بَنِي هَاشِمٍ ولاَ إلى مَوَالِيْهِمْ، وهَلْ يَجُوْزُ دَفْعُهَا إلى بَنِي المُطَّلِبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (2). ويَجُوزُ أنْ يَأْخُذُوا مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومِنَ الوَصَايَا لِلْفُقَرَاءِ، ومِنَ النُّذُورِ ويُخَرَّجُ لأَحَدِهِمْ في الكَفَّارَةِ وَجْهَانِ (3).
وأمَّا الغِنَى المَانِعُ مِنَ أَخْذِ الزَّكَاةِ فَهُوَ: أنْ يَكُوْنَ لَهُ كِفَايَةٌ عَلَى الدَّوَامِ، إمَّا
مِنْ تِجَارَةٍ، أو صِنَاعَةٍ، أو أُجْرَةِ عَقَارٍ، أو غيرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ مَلَكَ خَمْسِيْنَ دِرْهَماً
أو قِيْمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ، وَهِيَ لاَ تَقُومُ بِكِفَايَتِهِ جَازَ لَهُ الأَخْذُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، نَقَلَهَا
مُهَنَّأٌ (4) - وَهِيَ الصَّحِيْحَةُ عِنْدِي (5) - ونَقَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: لاَ يَجُوزُ لَهُ
الأَخْذُ (6)، وَهِيَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (7) وشَيْخِنَا.
وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ أنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ عُرُوضٌ بِأَلْفِ دِيْنَارٍ أو أَكْثَرَ لاَ تَقُومُ بِكِفَايَتِهِ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وكُلُّ مَنْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ الزَّكَاةَ مِنْ ذَوِي القُرْبَى وغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا؛ لِكَوْنِهِ غَازِياً أو عَامِلاً أو مُؤَلَّفاً أو لإِصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ
تُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ في جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ، ويُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنْهَا في شَهْرِ رَمَضَانَ، وأَمَامَ الحَاجَاتِ، ويُتُصَدَّقُ بالفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ عَلَى الدَّوَامِ، فَإِنْ خَالَفَ1234567
فَتَصَدَّقَ وأَضَرَّ بِنَفْسِهِ أو بأَهْلِهِ أَثِمَ، وإِذَا أَرَادَ أنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيْعِ مَالِهِ نَظَرَ في حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ /77 و/ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وقُوَّةَ النَّفْسِ والصَّبْرَ عَلَى المَسْأَلَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وإن لَمْ يثق من نفسهِ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، ويُكْرَهُ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى الإِضَاقَةِ أَنْ يُنْقِصَ نَفْسَهُ عَنِ الكِفَايَةِ التَّامَةِ.