الإرشاد إلى سبيل الرشادصفحات 383-422
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإيلاء

صفحات 383-422
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
الكتاب
الإرشاد إلى سبيل الرشاد
المؤلف
محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
المحقق
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
الطبعة
الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

خارج الدار, فهو لمن اصَّاده.
وإن سقط في دارهم, فهو لهم, لأنه في حريمهم.
قال: ولا بأس بصيد الدالوية.
قال: ولو سمى ورمى صيدا, فمات الرامي ثم أصابت الرمية الصيد أُكل.
فإن منع الصيد من الماء حتى مات أكل وكره الصيد بالشِّباش, وهو طائر يخيط عينه, لأجل تعذيبه.
ولا بأس بصيد الفخ والشبكة.
ولو ألقى الخَرْبَق للطير ليأكله فيسكر ويصيده لم يكن به بأس.
وصيد السمك حلال طيب.
ولا بأس بإلقاء العلف للسمك في الماء ليجتمع فيُصاد.
ولا يصيد بالنجاسات, ولا بالمحرمات, فإن فعل كان مكروها عنده غير محرم.
وقيل عنه: بل هو حرام لا يصاد به.
ولا بأس بصيد الطير الوحشي بالليل من غير أوكارها, وكرهه من أوكارها من غير أن يحرمه.
ولا بأس بأخذ فراخ الطير من أوكاره.
ومن ترك التسمية على الصيد عند الإرسال عامدا أو ساهيا لم يؤكل.
وإذا نصب المناجل للصيد وسمى حال النصب, فأصاب صيدا وجرحه وقتله أكله.
فإن نصب قيودا لا حديد فيها, فوقعت في رجل صيد, فاضطرب فمات, لم يؤكل.
ولو رمى صيدا وسمى, فتردى من جبل, أو وقع في ماء, فمات, لم يؤكل.
وكذلك لو كان طائرا فأصابته الرمية من الهواء إلى الأرض ومات, لم يؤكل, لأن

التردي أعان على قتله.
وقد روي عنه: أنه يؤكل.
وما أدرك ذكاته من ذلك كله أُكل.
ولو ضرب صيدا فأبان منه عضوا, فمات الصيد في الحال, أو بالقرب, أكل الصيد قولا واحدا, ويأكل العضو المباين في الأظهر عنه, لأنها ذكاة واحدة.
فإن تباقى الصيد ولم يمت عن قرب, ذبحه وأكله قولا واحدا.
وهل يأكل العضو البائن أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه ميتة فلا يأكله.
والرواية الأخرى: يأكل الجميع.
فإن رماه فأبان رأسه, وقد سمى, أكله قولا واحدا.

باب الأطعمة

ولا بأس بادخار القوت للعيال.
ولحوم الحمر الأهلية حرام, وكذلك البغال.
وألبان ذلك محرمة, كتحريم لحمها.
ولحوم حمير الوحش حلال مباحة.
ولحوم كل ذي ناب من السباع, وخلب من الطير, ما يفرس ويصيد بمخلبه حرام.
وما قُطع من بهيمة حية, مثل الألية والسنام, وما في معنى ذلك من الأعضاء الثابتة, فهو ميتة حرام.
ولا يأكل الغدة, ولا أذن القلب.
وطعام الفجأة مكروه.
قال أحمد رضي الله عنه: هو الرجل يتعمد القوم حتى يضعوا طعامهم فيفجأهم, فأما على غير العمد, فلا بأس به.
وكل ما لفظه البحر من السمك فحلال.
وكذلك ما طفا منه وقفا.
ولا بأس بأكل السلحفاة والرق إذا ذكيا.
وكلب الماء مكروه أكله, وليس بمحرم إذا ذكي.
والسرطان يذكى ويؤكل.
وقد روي عنه: أنه يؤكل ولا يذكى.
والضفدع حرام, لما رواه عبدالرحمن بن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الضفدع.
واختلف عنه في التمساح, فقيل: إنه يحرم, وقيل: إنه مكروه غير محرم.
وفي الثعلب روايتان: إحداهما: أنه محرم, والأخرى: أنه مباح, واختياري: أنه

لا يؤكل.
وأكل اللحم النيء مما تعافه النفس, وليس بمحرم, وكذلك المذكى القابّ.
ولا بأس بأكل لحم الضب والضبع.
قد قُدِّم الضب على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم.
والجراد حلال, لقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان ودمان", يريد: السمك والجراد والكبد والطحال.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة أنه قال في الجراد: "لا آكله ولا أُحرمه", أو: "ولا أنهى عنه" أنا شككت.
ولم يختلف قوله في الجراد إذا صيد حيا ثم طرح في الماء والملح حتى مات وطبخ, فإنه حلال.
واختلف قوله إذا رأى في الصحراء جرادا ميتا, هل يجوز له أكله أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما, وأباحه في الأخرى, والعمل على إباحته, كالطافي من السمك والقافي.
وكذلك اختلف قوله فيمن اصاد سمكة فوجد في جوفها سمكة قد ابتلعتها, هل يأكل السمكة التي أصابها في جوف السمكة أم لا؟ على روايتين: أباح ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى.
وقال: لا يؤكل ما أُكل مرة.
ولم يختلف قوله في الجراد الموجود في حواصل الطير أنه لا يؤكل.
فأما اليربوع, فإنه نهى عنه في موضع, وأرخص فيه في موضع آخر.
قال: ولا بأس بطبخ اللحم بالعنب.

واختلف قوله في التنور تشوى فيه المحرمات, هل يخبز فيه أم لا؟ فقيل عنه: إذا لم يلتصق به ما شوي فيه, فلا بأس بالخبز فيه, وقيل عنه: لا, حتى يُغسل.
وأرخص في سجر التنور بالنجاسات في موضع, ونهى عنه في موضع آخر.
ولا بأس بالأرنب.
قال: ولا يؤكل القنفذ.
قال أبو هريرة: هو حرام.
والفأر محرم أكله.
وكذلك الوَرَل.
وابن آوى وابن عرس محرمان.
وكذلك الهر والفيل ليس من أطعمة المسلمين.
والدب إن لم يكن له ناب فلا بأس به.
وكره لحوم الحيات.
قال: لأن للحية نابا.
وكذلك كره أكل العقرب.
وكره من الطير ما يأكل الحية, كالرخم والغراب الأبقع.
ولا بأس بالصغار من الغربان, يعني الأسود منها, قال: ولا يأكل الكبير, ويأكل الزاغ.
قال: ولا يأكل الخفاش.
ولا بأس بأكل النعامة والزرافة.
ولا بأس بأكل لحوم الخيل.
وكره لحوم الجلالة وألبانها وبيضها, وأحب أن يتوقى عرقها حتى تحبس إلى أن يذهب ما في جوفها, فإن كانت دجاجة ونحوها حبست ثلاثا, وإن كان بعيرا, أو بقرة أو شاة حبس ذلك أربعين يوما, وقيل: إن الشاة تحبس سبعة أيام, وكذلك لو شرب بعير أو بقرة خمرا حبس أربعين يوما ثم أكل.
وقيل عنه: إن ذلك محرم حتى يحبس.
ولو سلق بيضا في خمر لم يتشقق أكل.
ولا يؤكل ما تشقق منه.
ولو غسل

بيضة وطرحها في قدر فلما قشرها وجد فيها فرخا ميتا.
فإن كانت انشقت في القدر لم يؤكل ما فيها, وإن كانت لم تنشق أكل ما في القدر.
قال: ولو سقط طائر في قدر, فمات فيها, طرح ما في القدر.
حكي عن عكرمة أنه قال: ألقوا الطير, وأهريقوا المرق, وكلوا اللحم بعد أن يغسل بالماء ثلاثا ويغلى.
قال أحمد رضي الله عنه: وتركه أعجب إلي؛ لأن اللحم قد يشرب النجاسة.
والذباب إذا سقط في الشراب, أو الثريد, أو القدر فمات فيه, غمس فيه, ثم ألقي, وأكل الطعام, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فامقلوه, فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء".
ولم يختلف قوله: إن الدم العبيط حرام.
قال: والدم المسفوح: هو الذي لا يخالطه شيء.
قال: ودم السمك ليس بعبيط.
واختلف أصحابنا فيه على وجهين: منهم من قال: إنه حلال طاهر.
ومنهم من قال: على أصل التحريم والتنجيس.
ولم يختلف قوله: إن اللحم إذا غسل وطبخ, فخرج على المرق حمرة الدم أنه لا بأس به ويؤكل.
قال: ولو ذبح بسكين, ثم مسحها بخرقة, ثم قطع بها جبنا رطبا أو غيره أُكل, ولم يكن به بأس, لأن ذلك مما عفي عنه.
قال: ولا بأس بتقطيع اللحم بالسكين عند أكله.
وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقطعوا اللحم بالسكين, فإن ذلك من صنع الأعاجم".
لا يعرف, وليس بصحيح.
والعمل على حديث عمرو بن

أمية الضَّمري, كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة, فقام, إلى الصلاة, وجاء عن جامع بن شداد, عن المغيرة بن عبدالله, عن المغيرة بن شعبة: ضِفتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة, فأمر بجنب فشوي, ثم أخذ الشفرة فجعل يحز, فجاء بلال يؤذن بالصلاة.
قال: فألقى الشفرة وخرج.
ولبن الشاة الميتة حرام نجس.
والبيضة المأخوذة من الدجاجة الميتة بعد استحكام قشرها حلال.
وما عجن من الخبز بالماء النجس, أو طبخ به لم يؤكل, ولم يتصدق به.
ويعلف للبهائم التي لا يؤكل لحمها.
ومن أصاب في حال الاضطرار ميتة وتمرا في حائط محوط, أو غنما, أو إبلا, أكل من الثمار, أو شرب من اللبن, ولم يأكل الميتة؟ قال: لا, هذا مما قد اختلف فيه, فإن أصاب شاة ميتة وأخرى ذكية أكل من الميتة ولم يتعرض للذكية.
وكذلك لو اضطر فوجد ثمرا قد أحرز في البيوت, أو إبلا قد أوت إلى المراح وميتة, أكل من الميتة, ولم يتعرض للثمر ولا لألبان الإبل.
فإن وجد في حال الاضطرار طعاما لآدمي, وعدم الميتة سأله إياه بالثمن, فإن أبى عليه رفق به, فإن أبي أن يعطيه وخاف الموت أخذه منه قهرا بالثمن ما لم يكن لصاحبه ضرورة إليه كضرورته.
فأما إن كانت به ضرورة إليه, فلا يتعرض له.
وكذلك في الماء يجده مع غيره, وقد خاف الموت من العطش ولا ضرورة بصاحب الماء إليه يجوز له أخذه منه بالثمن لإحياء نفسه به.
فإن لم يقدر على أخذه منه إلا بمقاتلته عليه لم يقاتله, فإن الله تعالى يرزقه, فإنه لا يأمن في قتاله أن يؤدي ذلك إلى قتله.
وأكل الطين مكروه, لأنه يضر بالصحة, فإن أكل منه اليسير أرخص فيه.

وما تساقط من الثمار فله أكله, وما كان منها محوطا عليه لم يدخله إلا بإذن ربه, فإن استأذنه ثلاثا فلم يأذن انصرف, لأن الحائط صار حريما له.
وما ليس بمحوط عليه منها, وهو في فضاء, فله أن يأكل منه لحاجة وغير حاجة.
وكذلك يأكل من السبيل القائم غير المحوط عليه, ولا يفسد, ولا يتخذ خُبْنَة.
وقال في موضع: إذا لم يجد تحت النخل شيئا من التمر وبه ضرورة, فله أن يصعد فيأكل قدر ما ينفي ضرورته.
فلا يختلف قوله في إباحة أكل ما تناثر من الثمار غير المحوط عليها لضرورة وغير ضرورة.
ولا يضمن قيمة ما يأكله من ذلك.
وما كان محوطا عليه, فلا يقربه لغير ضرورة إلا بإذن ربه قولا واحدا.
ويأكل من في حال الاضطرار ما يحيي به نفسه.
وهل عليه ثمن ما يأكله من ذلك أم لا؟ على وجهين.
فإن مر بإبل, أو بقر, أو غنم, وبه عطش, فهل له أن يشرب من ألبانها أم لا؟ على روايتين.
وكره نثار العرس, والنثار على الصبيان, لأنه في معنى النهبة.
وكان أحمد رضي الله عنه يفرق الجوز على الصبيان.
قال: ولا بأس بإجابة الداعي في الولائم, كالعرس والختان, وهو في النكاح آكد, لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على نسائه, وأمر بذلك.
فإن كان صائما دعا وانصرف.
فإن دعي إلى عرس فيه طبل, أو مزمار, أو تخنث, أو غناء لم يحضره.
ولا يأكل من طعام يُشرب عليه الخمر.
ولا يجيب دعوة من يُعرف بذلك.
وقال بعض أصحابنا: لا يجيب الداعي إلا في وليمة العرس خاصة.
ولا يجيب فيما سواها.

وإن دعي إلى طعام فرأى آنية ذهب أو فضة فلينصرف.
كذلك روي عن أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي مسعود الأنصاري, وحذيفة, وعبدالله بن يزيد, وأبي أيوب الأنصاري.
والضيافة حق على كل مسلم, فمن نزل به ضيف كان عليه أن يُضيفه ثلاثا, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الضيف حق واجب على كل مسلم".
ويلزمه أن يقدر له ما يمونه في الثلاثة الأيام.
ولا يلزمه بعد ذلك أن يضيفه, لما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الضيافة ثلاثة أيام, فما زاد فهو صدقة".

العقيقة

والعقيقة سنة مستحبة, تعق عن الولد يوم السابع, شاتان عن الغلام, وشاة عن الجارية.
وهي كالأضحية, وصفتها.
وتذبح ضحوة, وينوي أنها عقيقة.
ولو ذبح عن الغلام شاة واحدة جاز إذا لم يقدر على شاتين.
ويأكل منها ويتصدق.
ولا تكسر عظامها, وتقطع من المفاصل جداول كبارا.
ويحلق رأس الصبي ويتصدق بوزن شعره ورقا.
وإن خلق رأسه بخلوق مكان الدم, فلا بأس.
وقد روي عنه أنه قال: وإن لطخ رأسه بالدم, فهو السنة.
والختان سنة مؤكدة في الذكور, والخفاض في النساء مكرمة.
وكره أن يختن الغلام يوم السابع, لأن اليهود كانت تفعله, وأجازه في رواية أخرى.
ولم يختلف قوله: أنه بعد اليوم السابع مستحب.

باب الأشربة

قال الله عز وجل: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: 90].
وروى حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر, وكل مسكر حرام".
قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: تحريم المسكر من عشرين وجها عن النبي صلى الله عليه وسلم, في بعضها: "كل مسكر خمر" وبعضها: "كل مسكر حرام".
فالخمرة حرام, قليلها وكثيرها, وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب, فهوخمر.
وقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: الكرم والنخلة".
وقال أحمد رضي الله عنه: حرمت الخمرة يوم حرمت, وشرابهم الفضيخُ: التمر والبسر.
وما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام.
كذلك روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم, وعبيد الله بن عمر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".

وروي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث الزبير بن عدي عن ابن بريدة عن أبيه في حديث طويل أنه قال: "واجتنبوا كل مسكر".
فنهى صلى الله عليه وسلم عن جنس المسكر قليلا كان أو كثيرا.
والخمرة نجسة العين, ولا يجوز الانتفاع بها, وثمنها حرام.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخليطين من الأشربة.
وذلك أن يخلط عند الانتباذ أو عند الشرب.
قال أحمد: إذا شرب خليطين فسكر, فهو بمنزلة رجل اتخذ لحم خنزير ميت, فهو حرام من الوجهين جميعا.
وذلك أن الخنزير حرام أكله, والميتة حرام أكلها, فلما اجتمع المعنيان في شيء واحد كان حراما أكله من وجهين.
والخليطان شربهما حرام, وإن لم يسكر إلا أن المسكر عنده محرم قليله وكثيره.
قال: ويشرب نبيذ السقاية إذا لم يكن مسكرا.
وأما اليوم وقد وليه من وليه يعملون مسكرا فلا يشرب.
وقد قال في موضع آخر: إن ما أسكر من الأشربة وإن كان حراما, فإنه ليس كالخمرة بعينها, قال: لأن الذي يشرب الخمر مستحلا لها أرى حينئذ أن يُستتاب, فإن تاب وإلا قتل.
وأما إذا شربها غير مستحل لها وهو يرى أنها محرمة رأيت عليه الحد ويضعف عليه.
وكان الانتباذ في الدباء, والحَنتَم, والنقير, والمزفت, منهيا عنه, ثم أرخص في سائر الأوعية, ونهي عن المسكر.
وكره أحمد رضي الله عنه: أن ينبذ في الأوعية كلها إلا في السقاء إذا أوكي.
وهذا الظاهر عنه.
وقيل: إنه أرخص في انتباذ

غير المسكر في جميع الأوعية, وكره المزفت له, وكره أيضا أن يشرب نقيع الزبيب والعناب, ونقيع الزبيب والتمر هندي, ونحو هذا من الأدوية, وإن كان لا يسكر, لأجل النهي عن الخليطين.
وسواء بقَّاه أياما أو نقعه غدوة وشربه عشاء, أو نقعه عشاء وشربه غدوة, لأن الاسم يتناوله.
قال: ولكن إن طبخه وشربه لوقته لم يكن نبيذا, ولم ير به بأسا.
وقيل عنه: إنه كره ذلك إذا نقع وغلى, ولم يكرهه قبل أن يغلي.
وما كان من العصير لم يمض له ثلاثة أيام, ولم يغل, فحلال قولا واحدا.
وما مضى له ثلاثة أيام, فهو محرم غلى أو لم يغل.
وما نشر قبل الثلاث وغلا فقد اختلف عنه فيه.
فقيل عنه: إنه حرام, وهو الظاهر من قوله.
وقيل عنه: النبيذ عندنا على ثلاث: حلال, وحرام, وموقوف عنده, فأما الحلال: فنبيذ في سقاء يوكى وكاء شديدا, لأن لا يتنفس, وأما الحرام: فالذي يُسكر كثيره, وأما الموقوف عنده: فهو الذي ينشر.
وقطع في موضع آخر: أنه إذا غلى فقد حرم, وهو الصحيح من قوله.
وكره الخردل يطرح فيه الزبيب.
فإن مضى عليه ثلاث لم يؤكل.
قال: والسلجم إذا طرح عليه الدبس والزبيب ممن يأكله ويتخذ منه الناطف والعصائد والحلوى المباحات جائز, وممن يتخذه خمرا لا يجوز, كره سعد, وابن عمر بيع العصير ممن يتخذه خمرا, وحديث عمر: "لعن الله بائع الخمر وحاملها".

قال: وإذا علم القصاب أن من يشتري منه اللحم يدعو عليه, ويشربون عليه, فلا يبيعه.
قال: ولا يعجبني أن يباع النرجس ممن يشرب المسكر.
قال: وإذا خرط الرجل القناني والأقداح, فلا يبيعها ممن يشرب فيها مسكرا.
وما قلب الله عينه من الخمر فصارت خلا, طهر وحل أكله.
وما عولج من الخمر بفعل الآدمي حتى صار خلا لم يطهر ولم يحل, وكان باقيا على حالة التحريم والتنجيس.
قال: ولا بأس بشراء الخل خمرا من الخلال, لأنه على أصل الإباحة.
وما طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كان مباحا.
وما بقي منه بعد الطبخ أكثر من الثلث لم يحل.
قال: والمُرِّي الذي يعمل أهل الشام المعروف بمري النِّينان وهو السمك والملح يطرحان في الخمر, ويعمل منه المري, فهو على أصل التحريم والتنجيس, لا يحل بذلك الفعل, ولا يطهر, لأنها خمر أُفسدت بفعل الآدمي.

باب الجهاد

قال الله عز وجل: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ الآية [التوبة: 73] و [التحريم: 9] , وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ الآية [التوبة: 123]. فالجهاد من فروض الكفايات, يحمله من قام به عن غيره.
وغزو البحر أفضل من غزو البر.
ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة من العدو حتى يُدعى إلى الإسلام, إلا أن يعجلوا عن ذلك, بأن يغشوا المسلمين فيقاتلوا حينئذ.
ومن بلغته الدعوة لم يجب أن يدعى ثانية, وقوتلوا حتى يسلموا, أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولا تقبل الجزية إلا من اليهود والنصارى والمجوس, ولا يقبل من سواهم إلا الإسلام, أو السيف.
والفرار من العدو من الكبائر إن كان مثلي عدد المسلمين أو أقل, إلا أن يتحرف المسلمون للقتال أو يتحيزوا إلى فئة, فلا يحرجوا.
فإن كان من مثلي المسلمين ولم يطيقوا قتالهم لم يحرج من انهزم منهم.
ويقاتل العدو مع كل بر وغير بر من الولاة.
ولا يخرج أحد للقتال, ولا يبارز إلا بأمر الإمام أو الأمير, وإن فعل كان عاصيا, ولم يكن له في الغنيمة حق.
إلا أن يفجأهم من العدو ما إن تأخروا عن الخروج إليه هلكوا, فيجب ههنا أن يقاتلوه, ولا إذن في هذا المقام لأمير ولا لغيره.
ويقتل الرجل أباه وابنه, وأخاه وذا قرابته في المعترك, ولا يحرج, لقوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ الآية [المجادلة: 22].

ومن أسر من الأعلاج فالأمير فيه مخير, إن شاء قتلهم, وإن شاء من عليهم فأطلقهم بعوض وبغير عوض, وإن شاء فادى بهم, وإن شاء قتلهم.
أي ذلك فعل رأى أنه أحظ للمسلمين وأنكى للعدو, فله فعله.
ولا يُقتل أحد بعد أمان, ولا يُخفر لهم عهد.
ولا تقتل النساء والرهبان والصبيان, والأحبار, إلا أن يقاتلوا فيقتلوا في المعترك.
وكذلك لو علم من الراهب أنه يدل على عورات المسلمين قتل.
فإن لم يعلموا ذلك منه, ووقع في أنفسهم أنه يدل عليهم لم يقتل, وحملوه معهم, لأنه قد روي في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة.
ولا يقتل الشيخ الكبير الفاني الذي لا قدرة له على القتال, ولا الزمن, ولا المقعد.
ويجوز أمان أدنى المسلمين على أنفسهم.
وأمان المرأة والمملوك جائزان, ولا يجوز أمان الصبي إلا أن يكون مراهقا.
ولو أن علجا أدل المسلمين على قلعة على أن له جارية سماها, فلما انتهوا إليها صالحهم صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلوا بينه وبين أهله ففعلوا, فإذا أهله تلك الجارية, كان المستحق للجارية الأول, وللثاني قيمتها.
ويتوجه أن تكون الجارية لزوجها, ولا يفرق بينهما, ويكون للأول القيمة.
ومن منعه السلطان من الغزو معه فغزا, لم يسهم له.
وما غنم المسلمون من العدو بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه, فيقسمه على خمسة أسهم: سهم له يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين, وسهم

لبني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف أين كانوا, للذكر ضعف ما للأنثى, الغني منهم والفقير سواء, وسهم لليتامى, وسهم للمساكين, وسهم لأبناء السبيل.
وأربعة أخماس الغنيمة يقسمها الأمير بين الجيش الذين شهدوا الوقعة؛ للفارس ثلاثة أسهم, سهم له وسهمان لفرسه.
وللراجل سهم.
ويسهم لفارس الهجين سهمان, سهم له, وسهم لهجينه في إحدى الروايتين, وفي الرواية الأخرى أنه يسهم لفارس الهجين ثلاثة أسهم, كما يسهم لفارس الجواد العتيق.
والأول أظهر.
ويسهم لفارس البعير سهمان, سهم له وسهم لبعيره, ولا يسهم لبغل ولا حمار.
ويسهم لفرسين, ولا يسهم لأكثر منهما, ثبتت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم للزبير خمسة أسهم, أربعة أسهم لفرسيه, وله سهم.
ويسهم للأجير إذا قاتل.
وقيل عنه: لا يسهم له.
ويسهم لمن شهد القتال, ولمن تخلف عنه في شغل المسلمين من أمر جهادهم.
وكذلك يسهم للطليعة وللرسول وإن لم يشهدوا القتال.
أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن عفان رضي الله عنه, ولم يشهد بدرا, وكان استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في المقام على زوجته ابنة النبي صلى الله عليه وسلم, وكانت عليلة.
ولا يسهم لعبد, ولا امرأة ولا لصبي, ويرضخ لهم.
وإن قاتل العبد على فرس أسهم للفرس, وكان ذلك للسيد, ورضخ للعبد.
والذمي إذا قاتل مع المسلمين أسهم له في إحدى الروايتين, وفي الأخرى يرضخ له.
واختلف أصحابنا في قسمة الغنائم في دار الحرب؛ فمنهم من منع من ذلك, وقال: لا يقسم إلا في المأمن.
ومنهم من أجاز ذلك.
قال: وفي الأمن أحب إلي.

ولم يختلف قوله في جواز أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل أن تُقسم إذا احتيج إليه.
ومن تعلف من بلاد العدو أخذ منه قدر الحاجة, ورد الباقي على الجيش, وكذلك الطعام.
وإن خرجوا إلى العسكر ومعهم العليق والعليقان, والطبخة والطبختان من اللحم ومن الدارصيني, فهل يلزمه أن يرده في المغانم أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يرده استحبابا.
وإن أخذه فقد رخصوا فيه.
والرواية الأخرى: إذا خرجوا إلى المعسكر طرحوا كل ما معهم حتى الوتد فما فوقه.
وقد قيل عنه: إذا أخذ الطعام من بلد العدو رد قيمته من الغنائم.
والأظهر عنه أنه لا يلزمه قيمة ما أكل عند الحاجة إليه, وهو الصحيح من قوله.
ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فقد ملكه, ولا ينتزع من يده, قضى بذلك عمر بن الخطاب, ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما.
وما أحرزه العدو من أموال المسلمين ثم أخذه المسلمون في المغانم, فأدركه ربه قبل أن يقسم, فهو أحق به بغير ثمن.
وهو أحق به بعد القسم بالثمن.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه إذا قسم فقد ملكه من حصل له, ولا شيء لربه فيه.
وبذلك قال أبو عبيدة بن الجراح.
ومن اشترى من أموال المسلمين شيئا من المغانم لم يأخذه ربه إلا بالثمن.
ويتوجه أن لا يكون له فيه حق على الرواية التي تقول: إنه لا حق له فيه بعد القسم.
ومن ابتاع من المغانم في بلاد العدو شيئا ثم غلب العدو عليه, فلا ثمن على من ابتاعه.
وإن كان قد قبض من الثمن رد عليه.
وما أخذه مسلم من صيد أو حجارة في دار الحرب, فإنما أخذه بقوة من معه من المسلمين, فليرده في المقسم.
ولو أخذ المشركون أم ولد مسلم, ثم سباها المسلمون فقسمت, ثم عرفها

سيدها أخذها بالثمن.
ومن قال لجارية من السبي قبل القسم: أنت حرة, لم تعتق, فإن حصلت له بعد ذلك بالقسمة عتقت عليه, لأنه قال فيمن أعتق حصته من السبي وقيمة ماله ديناران أقل أو أكثر: إنه يعتق عليه قدر حقهمن ذلك.
فعلى هذا إذا أعتق حصته من السبي, فتعينت في عبد أو عبيد عتق جميعهم.
فإن تعينت في بعض عبد عتق عليه منه ما ملك, وقوم عليه ما بقي إن كان موسرا.
وإن كان معسرا لم يعتق منه إلا قدرحقه.
وإن كان في السبي أبواه أو ذو رحم محرم مسلما كان أو كافرا, عتق عليه إن كان بقدر حصته, وإلا عتق منه بقدر حصته منه.
ولا يفرق في السبايا بين الولد ووالديه, صغيرا كان أو كبيرا, ولا بين كل ذي رحم محرم.
وسواء كانوا رجالا كلهم أو نساء, أو رجالا ونساء.
قد اشترى عثمان ابن عفان رضي الله عنه أبياتا وأمر ألا يفرق بينهم.
وما قدر عليه الأسير من أموال العدو فله أخذه, ولا ربا بينه وبينهم في دار الحرب, فإن ائتمنوه على شيء من أموالهم لم يجز له أن يخونهم فيه, وإن استخدموه بغير ائتمان لم يحرج فيما خانهم فيه, أو أخذه من أموالهم.
وإن أكرهوه على ترك العبادات بذل دمه ولم يتركها.
فإن أكره على شرب الخمر ولم يمتنع من العبادات لم يحرج بشربها.
وإن أكره على شربها, ومنع من العبادات بذل نفسه, ولم يشربها, ولم يدع العبادات.
فإن أكره على الزنى لم يأته.
وإن فعله لم يسقط الحد عنه.
قال أحمد رضي الله عنه: الزنى لا يكون فيه إكراه, لأنه لا يتأتى إلا بالشهوة والاختيار.
وإن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان, لم يحرج وكان مؤمنا.
ومن أتى من المسلمين حدا في دار الحرب أقيم عليه إذا خرج إلى دار

الإسلام.
ولا تقام الحدودفي الجيش ببلاد العدو.
ولا تحرق بلادهم, ولا منازلهم, ولا أموالهم, ولا تقطع أشجارهم إلا أن لا يجد بدا من ذلك فيكون له فعله, أو يكونوا قد فعلوا ذلك بالمسلمين عند ظفرهم بهم, قال: ولم يثبت الحديث المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير.
ومن أصاب مسلما في دار الحرب لايعلم إسلامه, كان عليه عتق رقبة مؤمنة في ماله, ولا دية عليه.
ومن قتل مستأمنا فعليه ديته.
ومن دخل من المسلمين أرض العدو بأمان لم يخنهم, ولم يبتع منهم درهما بدرهمين.
قال: ومن غزا على فرس فغنم عليه, ثم باعه, فغزا المشتري عليه, وغنم, فالغنيمتان بينهما, إلا أن يعرف كل واحد منهما غنيمته فتكون له دون صاحبه, ومن أمنه الإمام فهو على أمانه حتى يرده إلى مأمنه.
ولو دخل التاجر الحربي إلينا بأمان فقتل, فعلى قاتله الدية, يوجه بها إلى ورثته.
وإن كان له مال أو عروض من تجارته في بلادنا أنفذ ذلك إلى ورثته.
كذلك فعل عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه.
ومن وقع على جارية من المغنم لم يحد, وكان عليه مهر مثلها, ويرفع عنه منه بقدر حصته منها.
فإن حملت منه كانت أم ولد له, وعليه قيمتها.
ويحط عنه من القيمة بقدر نصيبه منها.
ومن غزا ومعه مدبر, فقتل السيد, فقاتل الدبر مع المسلمين نظر, فإن كان

يخرج من الثلث, فهو حر بموت سيده ويقسم له.
وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث.
واختلف قوله فيما له من الغنائم, فقيل عنه: يرضخ له.
وقيل: يعطى من سهم الحر بقدر ما فيه من الحرية, ويرضخ له بقدر ما فيه من الرق حسب اجتهاد الإمام.
وهذا هو الصحيح, وهو أقيس على مذهبه, وأطرد على أصوله.
فما كان سهم الحرية فللعبد, وما رضخ له بحق العبودية فلورثة مولاه.
وإن كان غزا على فرس لسيده فسهم الفرس لورثة السيد.
ولو خرجت سرية فأخطأ منها رجل الطريق, أو قصرت به دابته فرجع إلى الجيش وغنمت السرية, لم يشاركها فيما لم يشهده معها, ويتوجه أن يشاركها, لأن أحمد قد قال: ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت, وتشركه فيما غنم.
والأول هو المنصوص عنه.
ولو لقي مسلم علجا يَجنُبُ فرسا فقتله, كان سلبه له غير مخموس, فأما الفرس, فإنه غنيمة لا يختص القاتل به دون الجيش.
فإن كان العلج على الفرس فاقتتلا وقتله المسلم, كان سلبه وفرسه له غير مخموس.
ومن قال لعلج: قف, أو ألق سلاحك.
فقد أمنه.
ولا بأس أن يفادى الجماعة بالواحد, ولا يفادى بالعين والورق.
ومن اشترى أسيرا من العدو, وأخرجه إلى دار الإسلام, لزم الأسير أن يرد عليه بمثل ما اشتراه به.
وأنفقه عليه إلى أن أوصله إلى مأمنه, وسواء اشتراه بأمره أو بغير أمره.
ولا يشتري المشركون من سبايا المسلمين شيئا, ولايباع نصراني من نصراني, ولا يهودي من يهودي.
ومن فعل ذلك رد البيع.
كذلك أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على نصارى الحيرة حين كتب لهم الأمان.

وإذا بارز مسلم مشركا بإذن الإمام, فاستظهر المشرك عليه, لزم المسلمين معونته على المشرك, قد أعان المسلمون بعضهم بعضا يوم بدر.
ولو أطلق المشركون أسيرا من المسلمين واستحلفوه أن لا يهرب منهم وفى لهم, ولم يهرب منهم.
وقال بعض أصحابنا: له الهرب منهم, إذا قدر.
والأول هو المنصوص عنه.
وكذلك لو أطلقوه ليمضي إلى بلده على مال ينفذه إليهم, وأحلفوه على ذلك وفى لهم, وبعث إليهم ما وافقهم عليه.
ولو حلف لهم أنه يخرج إلى بلاد الإسلام ثم يعود إليهم أحببت أن يفي لهم, لحديث حذيفة حين أحلفوه أن لا يقاتلهم, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء.
فإن خرج علج بمسلم يطلب به الفداء فداه الإمام من بيت المال.
فإن لم يفعل, اشتراه المسلمون, ولم يرد إلى بلاد العدو بحال, ومن لم يؤخذ عليه العهد ألا يهرب, فليهرب متى قدر.
لايقيم ذمي بالحجاز, ولا بأس أن يدخله مجتازا.
ولو لقي المسلمون تجارا مشركين ليس معهم سلاح, ولا آلة قتال, لم يبدؤوهم بالقتال, ولم يعرضوا لهم إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.
قال بعض أصحابنا: فإن كان معهم السلاح دل على أنم ليسوا تجارا, وغنموا.
ومن دخل من أهل الحرب بتجارة إلى بلاد المسلمين بويع, ولم يسأل عن شيء.
ولو ركب قوم من العدو البحر, فحملتهم الريح فألقتهم في بعض سواحل المسلمين, فقالوا: نحن تجار, فإن عرفوا بالتجارة ولا سلاح معهم قبل قولهم.
وإن يعرفوا بالتجارة وكان معهم آلة الحرب لم يقبل قولهم, ولم يغنموا, ولم يقتلوا, وحبسوا.
وإنما منع أحمد رضي الله عنه من قتلهم للشبهة.
والحدود تدرأ

بالشبهات.
وأجاز حبسهم بالتهمة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة.
والنفل بعد الخمس, كما جاء في الحديث: "في البداءة الربع بعد الخمس, وفي الرجعة الثلث بعد الخمس".
ومن نفل فليرد ذلك على أهل السرية, إذ بقوتهم صار إليه.
ومن قتل قتيلا من العدو مقبلا على قتاله, فله سلبه غير مخموس, والدابة وما عليها من آلتها, والسلاح, وثياب بدنه من السلب.
فإن كان مع السلاح عين أو ورق, فهل هو من السلب أو لا؟ على روايتين.
ونقل بعض أصحابنا في الدابة رواية أخرى: أنها ليست من السلب.
وفي الرباط فضل كبير, وذلك بقدر خوف أهل ذلك البلد, وكثرة تحرزهم من عدوهم.
ولا يغزون أحد بغير إذن أبويه المسلمين إلا أن يفاجئ العدو مدينة قوم, أو يغير عليهم, ففرض على كل من فيه فضل للقتال أن يقاتله ويدفعه, ولا إذن للأبوين في مثل هذا.
ومن سُبي من أطفال العدو مع أبويه كان على دينهما.
ومن سبي منهم وحده كان مسلما قولا واحدا.
ومن سبي مع أحد أبويه كان أيضا مسلما في الصحيح من قوله.
ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت, وتشاركه فيما غنم.
ومن قاتل من أهل الذمة مع المسلمين فسبي حتى قدر المسلمون عليه رد

إلى ما كان عليه من الذمة, ولم يسترق.
وما أخذه العدو من أموالهم وعبيدهم رد عليهم قبل القسم إذا أخذه المسلمون, ولم يرد عليهم بعده.
وإذا فودي بالمسلمين, فودي بعدهم بمن أسر من أهل الذمة.
ومن نقض العهد من أهل الذمة حورب, ولم تسب ذراريه, ولم يسترقوا.
ومن ولد له منهم بعد نقض العهد استرق ولده.
ومن غل من المغانم حرق رحله إلا المصاحف وذوات الأرواح.
ومن جاء من المدد لمعونة المسلمين قبل إحراز الغنائم أسهم له.
ولا يسهم له بعد إحرازها.
وما أخذ من أموال العدو بغير إيجاف, فهو فيء يأخذ الإمام خمسه, فيفرقه فيمن فرق فيه خمس مال الغنيمة, وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين الأحرار بالسوية بينهم, غنيهم وفقيرهم سواء.
وللإمام أن يهادن أهل الشرك إذا ضعف المسلمون عن قتالهم نظرا للمسلمين.
ولا يجاوز بالهدنة مدة الحديبية التي هادنهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي عشر سنين.
فأما إذا كان في المسلمين فضل وقوة على قتالهم ولم يضعفوا عنهم, فلهم أن يهادنوهم, ولا يجاوزوا بالهدنة أربعة أشهر, لقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: 1 - 2]. ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لصفوان بعد فتح مكة أربعة أشهر.
ومن جاءتنا من نساء أهل الحرب مؤمنة لم ترد إليهم على حال, فإذا انقضت عدتها جاز للمسلم أن يتزوجها, لقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا

ترجعوهن إلى الكفار} الآية: [الممتحنة: 10].
وهل على المسلم الذي يتزوجها أن يرد على من كان زوجها من الكفار المهر الذي كان ساقه إليها أم لا؟ على روايتين.
فأما الزكاة فلا يجاوز بها الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه وهم: الفقراء, والمساكين, والعاملون عليها, والمؤلفة قلوبهم, وفي الرقاب, وهم المكاتبون, والغارمون, وهم المدينون, وفي سبيل الله, وهو في الغزو, وابن السبيل, وهو المنقطع به الذي له اليسار في بلده.
وقد عدم في هذا الوقت المؤلفة والعاملون عليها.
ومن ملك من هؤلاء خمسين درهما أو قيمتها عينا, فهو غني لا تحل له الزكاة.
وليس بواجب صرف الزكاة إلى جميع الأصناف حتى لا يجوز أن يقتصر بها على فريق منهم, بل لو دفعها جميعها إلى صنف واحد منهم أو صنفين أو أقل أو أكثر أجزأته, كان من بقي منهم موجودا أو معدوما.
ولا يجوز أن يخرجها عن هذه الأصناف, وإن فعل لم تجزه.
ولم يعط من الزكاة لواحد أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما, فيقضي منها دينه, ثم يعطى منها بعد ذلك خمسون درهما.
ولا يبنى منها مسجد, ولا يكفن منها ميت, والأفضل أن تدفع إلى الإمام ليتولى إخراجها في أهلها, فإن تولى ربها إخراجها بنفسه أجزأته.
ومن كان له دين على فقير لم يجز أن يحاسبه به من زكاته, ويحلله منه.
ثم إن اختار بعد قبضه أن يتصدق به عليه ويجعله من زكاته جاز.

ولا يجوز صرف الزكاة في الحج عن بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: الحج من السبيل, ويجوز صرف الزكاة فيه.

باب الأيمان والنذور والكفارات

قال الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ الآية [البقرة: 224] وقال: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التحريم:2].
فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.
ويكره أن يحلف بطلاق أو عتاق, فإن فعل وحنث لزمه ما حلف به.
ولا كفارة إلا في يمين بالله, أو باسم من أسمائه, أو بصفة من صفاته.
ومن استثنى في يمين تدخلها كفارة, وقال: إن شاء الله.
موصولا باليمين, وأراد به الاستثناء, فله ثُنْياه, ولا كفارة عليه إن حنث, ولا إثم.
وإن لم يصل ذلك باليمين لم ينفعه الاستثناء.
وقد قال بعض أصحابنا: إن له الاستثناء في اليمين بالله تعالى ما لم يقم من المجلس الذي عقد يمينه فيه, وكان ذلك بالقرب, ولم يفصل بين الاستثناء واليمين بكلام, واحتج بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لأغزون قريشا, والله لأغزون قريشا" ثم سكت, ثم قال: "إن شاء الله".
قال: ولا يجوز الاستثناء في نفسه حتى يتكلم به, فإن كان الحالف مظلوما, فاستثنى في نفسه أو ورَّى في قلبه غير ما حلف عليه رجوت أن يجوز إذا خاف على نفسه.
قال: ولو أراد أن يحلف بالله تعالى, أو أن يتكلم بشيء غير يمين, فجرى الطلاق على لسانه عن غير قصد رجوت له.

والأيمان أربعة: يمينان تكفران: وهو أن يحلف بالله إن فعلت كذا, أو يحلف بالله تعالى ليفعلن كذا, ثم خالف ما يحلف عليه.
ويمينان لا تكفران: إحداهما: لغو اليمين, وهو أن يحلف بالله على شيء يظنه كما حلف, ثم تحقق أنه بخلاف ذلك.
أو يقول في حديثه وكلامه: لا والله, بلى والله, غير قاصد لليمين, ولا معتقد لها, فلا كفارة في هذا ولا إثم.
والأخرى: أن يحلف بالله متعمدا للكذب أنه فعل أو لم يفعل, وقد فعل, فهذا آثم ولا كفارة له لعظم إثمه, وليَتبْ إلى الله عز وجل من ذلك.
والكفارة: إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار, لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان برا, أو نصف صاع تمر أو شعير, أو كسوتهم, لكل واحد قميص صفيق, يجوز له الصلاة فيه.
وللمرأة قميص وخمار, أو عتق رقبة, فإن كانت مؤمنة أجزأته قولا واحدا, وإن كانت كتابية أجزأته في إحدى الروايتين, فإن لم يقدر على شيء من ذلك, فليصم ثلاثة أيام متتابعة.
وقيل عنه: إن فرقها أجزأته, والأول عنه أظهر.
وله أن يكفر قبل الحنث, وبعده أولى, ليخرج من الخلاف.
ولا يخرج قيمة الكفارة, فإن فعل لم يجزه.
فإن أطعم في كفارة اليمين خمسة مساكين, وكسا خمسة أجزأه, لأنه مخير بين الإطعام والكسوة.
قال: فإن حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر, لم تجزه الكفارة بالصوم وأطعم.
فإن كان وقت الحنث موسرا, ففرط في الكفارة حتى أعسر, لم يجزه الصوم.
ولا يعطي من الكفارة غير مسلم.
فإن فعل لم يجزه.
ويعطي منها الصغير إذا كان يأكل الطعام.
فإن كفر بالعتق فليعتق رقبة سليمة من العيوب.
فإن أعتق زمنا, أو مقعدا في كفارة اليمين أو الظهار, أجزأه في إحدى الروايتين.
فإن أعتق أعمى لم يجزه.
وإن أعتق ولد الزنى, أو مدبرا أجزأه قولا واحدا, فإن أعتق مكاتبا لم يعجز أجزأه في إحدى الروايتين, ولم يجزه في الأخرى.
وإن كان قد أدى نصف مال الكتابة

فأكثر ولم يعجز بما بقي, فالأظهر عنه أنه لا يجزئه عتقه عن كفارته, فإن أعتق أم ولده لم تجزه عن كفارته قولا واحدا.
فإن ابتاع عبدا فعتقه في كفارته, ثم ظهر على عيب به, فأخذ أرشه من البائع, فهل يلزمه صرف الأرش في الرقاب أم لا؟ على روايتين.
واختلف قوله فيمن تصدق عليه بالكفارة وبه فاقة إليها, فهل له أن يأكلها أم لا؟ على روايتين.
ولو قال له رجل: أنا أعتق عنك جاريتي هذه.
لم تجزه حتى يملكه إياها فيعتقها, فإن لم يفعل وعتقها المولى, فولاؤها له, ولا يجزئ المعتق عن كفارته, فإن أطعم عنه بأمره جاز.
ومن نذر أن يطيع الله فليطعه.
ومن نذر صدقة مال غيره, أو عتق عبد غيره لم يلزمه.
وهل عليه كفارة يمين أم لا؟ على روايتين.
فإن قال: إن ملكت عبد فلان فعلي عتقه.
لزمه الوفاء بنذره متى ملكه.
ولم يختلف قوله في الرجل يقول: عبد فلان حر.
في يمين حلف بها, أن عتقه غير جائز, واختلف قوله: هل عليه كفارة يمين أم لا؟ على روايتين.
فإن قال: كل مملوك لي حر.
وله عبيد, وأشقاص عبيد بينه وبين غيره, ثم حنث, عتق عليه كل مملوك خاص له, وما كان مملوكا مشتركا بينه وبين غيره, فإن كان أراده بالعتق عتق, وإن لم يرده لم يعتق.
وقيل عنه: يعتق عليه الأشقاص كما يعتق عليه الخواص.
فإن قال: إن ملكت مال فلان فعلي أن أتصدق به.
فملكه أجزأه أن يتصدق بثلثه.
ومن قال: إن فعلت كذا وكذا فعلي كذا من أبواب البر, كالحج والعمرة

والصلاة, والصوم, والصدقة, وما في معنى ذلك من القُرب, أو المباح, فكذلك يلزمه إن حنث, كما يلزمه لو نذره مجردا.
ومن نذر معصية من قتل أو شرب خمر, أو ما ليس بطاعة, فليتق الله عز وجل, ولا يفعل شيئا من ذلك, وليكفر كفارة اليمين.
ومن نذر أن يتصدق بجميع ماله أجزأه منه الثلث.
وقيل عنه: يلزمه أن يتصدق بجميع ماله, وإن كان له أرَضون ومواش وصامت, فإن نوى أن يتصدق بجميع ما يملكه من عقار ومواش وغير ذلك أخرج الثلث من جميعه.
وإن لم يكن له نية, فهل يتناول النذر جميع ما يمكله, أو الصامت خاصة؟ على روايتين.
ولو حلف بالله, أو بطلاق, أو عتاق ليفعلن محظورا, لم يفعله, فإن الله سبحانه أباح الطلاق وحرم الفواحش.
فإن أقدم على فعل ذلك عصى الله وأثم, ولم يحنث في يمينه.
قال أحمد رضي الله عنه فيمن حلف بالطلاق ليجامعن زوجته في وقت عينه فوجدها حائضا: فيطلقها, ولا يطؤها, فإن الله تعالى أباح الطلاق, وحرم وطء الحائض.
ومن قال: علي عهد الله أو ميثاق الله في يمين حلف بها, ثم حنث, فكفارة يمين.
وقد غلظ أحمد رضي الله عنه أمر العهد فقال: العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله عز وجل: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ [الإسراء: 34].
وقال: وليتقرب إلى الله عز وجل بكل ما استطاع إذا حلف بالعهد فحنث.
قال: وعائشة رضي الله عنها أعتقت أربعين رقبة ثم تبكي حتى يبتل خمارها, وتقول:

واعهداه.
قال: ويكفر إذا حنث بأكثر من كفارة يمين.
وليس على من وكَّد اليمين بالله تعالى يكررها في شيء واحد سوى كفارة واحدة, ومن حلف على أفعال, أو أشياء مختلفة إذا حنث في بعضها فكفر, ثم حنث في باقيها فعليه كفارة أخرى.
فإن حلف بأيمان تختلف موجباتها في الكفارات, ثم حنث فيها لزمه في كل يمين يحنث فيها كفارتها.
ومن قال: هو يهودي, أو نصراني, أو مجوسي, أو مشرك إن فعل كذا, ثم حنث, كفر كفارة يمين.
فإن حلف بذلك كله في يمين واحدة, فكفارة واحدة.
وإن حلف بواحد منها ثم حنث, فكفارة يمين.
ولو قال لعبده: إن بعتك من فلان فأنت حر, وقال الآخر: إن اشتريته فهو حر.
فاشتراه عتق من مال البائع.
فإن كان ثوبا بين رجلين, فقال أحدهما: إن بعتك فهو صدقة, وقال الآخر: إن ابتعته فهو صدقة, فابتاعه منه لزم كل واحد منهما كفارة يمين.
ومن قال: إن اشتريت هذا الغلام فهو حر.
فاشتراه, عتق عليه, وقيل عنه: لا يعتق, كما قال في الطلاق قبل النكاح, والعتق قبل الملك, فقال: العتق حق لله عز وجل, فيجب أن يقع, والطلاق ليس هو لله.
ومن حرم على نفسه شيئا من المباحات من طعام أو شراب أو لباس, ثم خالف ما عقد يمينه عليه, لزمه كفارة يمين.
وإن حرم زوجته, فعليه كفارة الظهار.
ومن جعل ماله في المساكين, أجزأه أن

يتصدق منه بالثلث.
ومن حلف بنحر نفسه أو ولده ذبح كبشا في موضعه.
وإن قال: أنا أهدي نفسي, أو ولدي.
لم يجزه أن يهدي الكبش إلا بالحرم.
وقد قيل عنه: يلزمه كفارة يمين.
ومن نذر أن يحج ماشيا فعجز, أو لحقته مشقة في المشي ركب وكفر كفارة يمين, لحديث أخت عقبة بن عامر حين نذرت إذا رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا أن تحج ماشية, فقال صلى الله عليه وسلم لأخيها عقبة: "إن الله ورسوله غنيان عن تعذيب أختك هذه نفسها, مرها فلتركب, ولتكفر كفارة يمين" أو كما قال.
فإن قال: علي المشي إلى المقام, أو إلى الحرم.
فهو يمين.
وكذلك لو قال: علي المشي إلى بيت المقدس.
وكذلك لو نذر أن يصلي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة, أو أن يصلي في بيت المقدس, وأن يأتيهما ماشيا أتاهما إن قدر كما نذر, ليوفي بنذره.
فإن عجز أو كان معدما ركب وكفر يمينه.
ومن حلف بالقرآن, أو أخذ المصحف وحلف بما فيه, ثم حنث, فعليه بكل آية كفارة يمين, إلا أن لا يجد, فتجزئه كفارة يمين واحد.
ومن قال: أحلف بالله, أو أقسم بالله, أو أشهد بالله, أو أعزم بالله, أو أمانة الله, أو قال: أقسم, أو أحلف, أو أشهد, ولم يقل: بالله, وقصد بذلك اليمين, أو قال: والأمانة, أو قال: والله, أو: تالله, أو: بالله أو: وحق الله, أو: وحق القرآن, في يمين عقدها ثم حنث, لزمه بكل واحدة منها كفارة يمين.
واختلف قوله فيمن قال: حلفتُ.
ولم يكن حلف, هل عليه كفارة يمين أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: عليه كفارة يمين.
وقال في الآخرى: هي كذبة,

وليس عليه يمين.
فإن قال: حلفت بالطلاق.
ولم يكن حلف ولا طلق, لزمه الطلاق في الحكم.
فإن قال: واحدة أو اثنتين كان القول قوله.
وكذلك لو قال: ثلاثا.
واختلف أصحابنا: هل يلزمه الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه, والآخر: لا يلزمه, وهي كذبة.
فأما إن قال: طلقت, ولم يكن طلق, فإنه يلزمه, لأنه قوله: طلقت, كقوله لزوجته: قد طلقتك.
ولا يختلف المذهب أنه يلزمه ههنا طلقة, إلا أن يقول: ثلاثا, لأن قوله: طلقتك, من ألفاظ الصريح, فيلزمه.
ومن حلف بعتق, أو طلاق, ثم حنث, لزمه ما حلف به.
فإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق.
أو قال: كل امرأة أتزوجها طالق.
فتزوج من عينها أو لم يعينها لم تطلق باليمين المتقدمة قولا واحدا.
وإن قال لزوجته: إن تزوجت فلانة عليك فهي طالق.
أو قال لها: كل امرأة أتزوجها عليك طالق, فتزوج عليها, فقد اختلف قوله ههنا على روايتين: إحداهما: لا تطلق باليمين المتقدمة, ولا طلاق إلا بعد نكاح, وقال في الرواية الأخرى: تطلق منه باليمين المتقدمة؛ لأن هذه اليمين لزوجته.
فإن قال: إن ملكت فلانا فهو حر, أو قال: كل عبد أملكه فهو حر, فملك, فهل يعتق عليه أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا يلزمه العتق إلا بعتق مجرد بعد الملك, وقال في الرواية الأخرى: يعتق عليه بالعتق المتقدم.
ولو حلف لا يتزوج فلانة, أو لا يملك فلانا, فتزوج نكاحا فاسدا, أو اشترى شراء فاسدا لم يحنث.
فإن حلف: لا اشتريت فلانا.
فاشتراه شراء فاسدا, فهل يحنث أم لا؟ على وجهين.
ويحتمل أيضا في قوله: لا تزوجت فلانة؛ أنه إذا تزوجها فاسدا, فإنه يحنث إذا كان النكاح مختلفا فيه.
ولو حلف لا يفعل شيئا ما, فأمر عبده بفعله حنث, إلا أن تكون عادته جارية

بمباشرة ذلك الفعل بنفسه, ويقصد بيمينه أن لا يتولى هو فعله, فأمر غيره بفعله, لم يحنث.
قال: ولو حلف أن لا يبيع رجلا شيئا فباعه من آخر, وهو يعلم أنه يبتاعه للمحلوف عليه, فإنه يحنث.
فإن حلف ألا يلبس من غزل امرأته فلبس ثوبا فيه من غزلها وغزل غيرها, لم يحنث في إحدى الروايتين, وحنث في الأخرى.
فإن حلف أن لا يسكن دارا هو ساكنها, فإنه يخرج منها في الحال, فإن أقام فيها ساعة حنث.
وكذلك لو حلف لا يلبس قميصا هو لابسه خلعه في الحال.
فإن مشى خطوات قبل خلعه وهو ذاكر لليمين حنث.
ولو حلف لا يلبس من غزل زوجته لأجل امتنانها عليه به, فإن أراد باليمين رفع المنة, لم يجز له أن يلبسه, ولا أن يبيعه, ويبتاع بقيمته ما يلبسه, ولا ينتفع به, فإن فعل حنث, وإن لم تكن اليمين لرفع المنة جاز له الانتفاع بثمنه في الكسوة وغيرها.
ولو حلف لا يدخل على زوجته دارا عينها مدة معلومة, فإن قصد باليمين البعد عنها وعقوبتها بإبعادها عنه, لم يدخل عليها فيها ولا في غيرها المدة التي ضربها, فإن فعل حنث, وإن كان قصده باليمين الكراهية للدار أو للمجاورين دخل عليها في غيرها ولم يحنث.
ولو حلف لا يكلم زيدا حينا, لم يكلمه ستة أشهر.
فإن حلف لا يكلمه فكتب إليه حنث, فإن حلف لا يكلمه فناداه: يا فلان, قاصدا لكلامه, حنث, وسواء سمع المحلوف عليه النداء أو لم يسمعه.
فإن راسله, فهل يحنث أم لا؟ على وجهين.
ولو حلف بالله تعالى لا يفعل شيئا, ففعله ناسيا, لم يحنث قولا واحدا.
فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق, فإنه يحنث بفعله ناسيا كان أو عامدا.
وقال بعض أصحابنا: إن فعل ذلك ناسيا لم يحنث, كما لا يحنث إذا كانت اليمين بالله تعالى.

ولو حلف لا يأكل لحما, ولم يقصد اجتناب الدسم, فأكل الدماغ والمخ والشحم, والألية لم يحنث.
فإن أكل المرق حنث, لأن فيه طعم اللحم.
ولو حلف لا يأكل فاكهة حنث بما أكل منها, ويحنث بأكل الرمان والعنب أيضا, لأنه من الفاكهة.
ولو حلف لا يأكل أدما فأكل الخل أو الزبيب أو المرق حنث.
والتمر من الأدم.
واللحم سيد الإدام.
ولو حلف لا يأكل لبنا فأكل زبدا, أو جبنا لم يحنث, وقيل: يحنث, والأول عنه أظهر.
فإن حلف لا يأكل لحما, فأكل رأسا, ولم يكن قصد بيمينه الرؤوس لم يحنث.
وإن أكل سمكا طريا ولم يكن نواه باليمين لم يحنث.
ولو حلف لا يأوي موضعا أو مع إنسان, فأوى معه ساعة من ليل أو نهار كان حانثا.
قال تعالى: ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾ [الكهف: 63] , قال أحمد رضي الله عنه: كم كان ذلك إلا ساعة أو ما شاء الله.
فإن قصد بالإيواء الليل دون النهار, وكان عنده أنه لا يكون إلا ليلا, فأوى مع المحلوف عليه نهارا توجه أن لا يحنث.
والأول هو المنصوص عنه.
والأيمان أبدا محمولة عنده على الأسباب وما هيجها.
فإن عدم السبب فعلى نية الحالف.
فإن عدمت النية, فعلى مقتضى ظاهر اللفظ وما يتناوله الاسم.
ومن حلف لا يدخل دارا فأدخلها بعض أعضائه, فقد اختلف قوله ههنا, فروي عنه أنه يحنث بذلك, وقيل عنه: لا يحنث, إلا أن يدخلها رجليه جميعا.
وقيل عنه: لا يحنث حتى يدخل بجملته.
ولو حلف ليدخلنها لم يبر حتى يدخل بجملته قولا واحدا.
ويمين المظلوم على نيته, ويمين الظالم على نية مستحلفه.

وأيمان المكره من طلاق, أو عتاق, أو غير ذلك غير لازمة له, ولا واقعة عليه, ولا يكون مكرها حتى يُنال بشيء من العذاب نحو الضرب أو الحبس, أو الخنق, أو عصر الساق, أو القيد, وما في معنى ذلك مما يعد إكراها.

باب

الوصايا, والمدبَّر, والمكاتَب, والعتق, وأم الولد, والولاء

ويستحب لمن له ما يوصي فيه أن يعد وصيته, لما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".
ولا وصية لوارث.
والوصايا خارجة من الثلث, ويُرد ما زاد عليه, إلا أن يجيزه الورثة.
والعتق بعينه مقدم على غيره من الوصايا في إحدى الروايتين, والمدبر في الصحة مقدم على المدبر في المرض إذا لم يحملهما الثلث, وما فرط فيه من الزكاة يخرج من صلب المال قبل الوصية والميراث.
وكذلك حجَّة الإسلام إذا فرط في فعلها بعد الوجوب, إذا كان في المال فضل كبير.
وكذلك كفارات الأيمان, وكفارات الظهار.
فإن وصى بحجة تطوع, فهي من الثلث.
والوصية بالصدقة أفضل منها بحج التطوع, وإذا مات أجير الحاج قبل الوصول كان له بحساب ما مضى من الطريق, ورد ما بقي, وإن كان مؤتمنا كان له ما أنفق في غير إسراف, ورد ما بقي, وإن كان ضمن الإتيان بالحجة فلم يأت بها رد جميع المال, وإن هلك المال من يد الأمين, فمن مال الدافع, وإن هلك من الأجير وضامن الحجة, فمن مالهما.
ووصية المجنون الذي يفيق أحيانا في حال إفاقته جائزة, فأما الموسوس والمطبق به الذي لا يفيق, فلا تجوز وصيتهما.

ووصية الغلام الذي لم يبلغ عشر سنين, والجارية التي لم تبلغ تسع سنين باطلة قولا واحدا.
فأما إذا بلغ الغلام عشرا فما زاد, والجارية تسعا فأكثر, فوصيتهما جائزة إذا وافقا الحق؛ لحديث عمرو بن سليم: أن غلاما من غسان كان له عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة, قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه يموت.
قال: مروه فليوص.
فأوصى ببئر جُشَم, فبيعت بثلاثين ألفا.
وفيه وجه آخر: أن وصيتهما قبل البلوغ لا تجوز إلا أن يجيزها الورثة بعد وفاة الموصي بناء على إقرارهما.
وعطية الحامل التي لم يمض لها ستة أشهر من حملها وهبتها جائزة من صلب مالها.
وبعد تمام الستة أشهر من ثلثها.
وكذلك إقرارها لوارث جائز قبل تمام الستة أشهر, وغير جائز بعد تمامها, إلا أن يجيزه الورثة بعد وفاتها إن توفيت في ذلك الحمل.
وإذا وصى بوصية ثم بأخرى, فالأولى على حالها إلا ما غير منها.
وإذا أوصى إلى رجل ثم إلى آخر, فهما وصياه إلا أن يُخرج أحدهما.
ووصية الرجل إلى المرأة, والمرأة إلى الرجل جائزة, قد وصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى حفصة.
ولا بأس أن يجعل للوصي قسطا معلوما من الوصية, أو مالا معلوما.
وإذا وصى بوصايا ضاق عنها الثلث تحاص أهل الوصايا في الثلث, إلا أن يكون فيها عتاقة, فيبدأ بالعتق في إحدى الروايتين.
ثم يتحاص أهل الوصايا فيما بقي.
والرواية الأخرى: لا يقدم العتق ويتحاصون فيه وفي غيره من الوصايا.
وللموصي الرجوع في وصيته وتغييرها, وإن كان فيها تدبير.

والوصية غير جائزة للقاتل والمرتد.
ولا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة.
والوصية للأقارب من أهل الكتاب جائزة, قد وصت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأقارب لها يهود.
ولو وصى بثلث ماله لرجل, ثم قتل الموصي خطأ, فهل للموصى له ثلث الدية أم لا؟ على روايتين" إحداهما: له ثلث المال وثلث الدية.
والرواية الأخرى: له ثلث المال ولا حق له في الدية.
فإن اكتسب الموصي مالا, فثلثه داخل في الوصية قولا واحدا ما لم تكن الوصية في مال بعينه.
ولمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث, لأن بيت المال له عصبة.
ومن وُصي إليه في شيء بعينه لم يكن وصيا فيما سواه.
فإن وصى إلى رجلين لم يجز تصرف أحدهما دون الآخر إلا باجتماع منهما.
فإن وصى إلى رجل بإخراج ثلثه وفي يد الوصي بعض المال, وفي يد الورثة بعضه, فامتنع الورثة من إخراج ثلث ما في أيديهم, فهل للوصي إخراج جميع المال مما في يده أم لا؟ على روايتين: جعل ذلك له في إحداهما, ومنعه منه في الأخرى.
وقال: لا يخرج إلا ثلث ما في يده, إلا أن يكون له بينة على الوصية أو يصدقه الورثة عليها, فيجيزهم الحاكم على إخراج الثلث من جميع المال.
فإن وصى لمن لا يعرف دفع ذلك إلى الحاكم ليصرفه فيما يرى من أبواب البر.
فإن جاء الموصى له وثبت أن الوصية له, فهل يضمن الحاكم ما فرقه من ماله أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: لا ضمان عليه.
وكذلك لو كان الوصي تولى تفريق ذلك في أبواب البر, فهل يضمن أم لا؟ على روايتين.

فإن وصى لغير معينين, كان للوصي تفريقها في أبواب البر حسبما يرى.
ومن كان مسافرا فمات في موضع لا حاكم به, وخلف متاعا وأثاثا, فإن قدر على حمل ذلك إلى ورثته حمل إليهم, وإن عجزوا عن حمله كوتب الورثة بالخروج لتسلمه.
فإن عجزوا جاز لمن يحضره من المسلمين بيع الرحل والأثاث وما يفسد على البقاء, وحفظ ثمنه على الورثة.
فإن ترك إماء وعبيدا حملوا إلى الورثة.
ولا يجوز أن يتولى بيع الإماء إلا حاكم.
ومن مات وعليه ديون وله ديون, ولا وارث له, جاز لمن عليه الدين أن يقضيه لغرمائه إذا عرف صحته.
فأما إن كان له ورثة, فإنه ليس لمن عليه حق أن يقضيه عنه لغرمائه, بل يدفعه إلى ورثته, ويكون الغرماء خصوما للورثة فيما يدعونه على الميت.
ولو وصى بعتق ثلاثة أعبد له لا مال له غيرهم, ولا فضل لأحدهم على صاحبه في القيمة, وترك أولادا ذكورا وإناثا فلم يُجز الورثة الوصية عتق منهم واحد ورق اثنان.
فإن تشاح العبيد في العتق أقرع بينهم, فعتق من وقع عليه سهم العتق منهم, ورق من بقي لجميع الورثة الذكور والإناث.
فإن أجاز الورثة عتق جميعهم, ففي الولاء وجهان: أحدهما: الولاء للذكور من الورثة دون الإناث, وهذا مبني على قولنا: إن الإجازة تنفيذ لفعل الموصي.
والوجه الآخر: أن ثلث الولاء للثذكور, وثلثان بين الذكور والإناث على الفرائض إذا قلنا: إن الإجازة ابتداء عتق الورثة فيما زاد على الثلث.
ومن وصى لرجل بسهم من ماله أعطي السدس.
وقيل عنه: له سهم مما تصح فيه الفريضة.
وقيل عنه: له أقل سهم امرأة من بناته.
فإن وصى لرجل بمثل نصيب أحد أولاده, وله ثلاثة بنين كان للموصى له الربع.
فإن ترك ذكورا وإناثا كان له مثل نصيب امرأة من بناته.
فإن وصى لرجل

بعبد من عبيده بغير عينه دفع إليه بالقرعة إذا حملهم الثلث.
وقيل عنه: يدفع إليه أدونهم قيمة.
ولو وصى لرجلين بمئة درهم, وكان أحدهما ميتا دفع إلى الحي خمسين درهما, وردت الخمسين الباقية إلى الورثة.
ولو قال: اشتروا عبد فلان بألف درهم, وأعتقوه عني.
فابتاعوه بخمس مئة, عتقوه عنه, وكانت الخمس مئة الباقية للورثة.
فإن قال: أعتقوا عني نسمة بألف.
فأعتقوا عنه نسمة بخمس مئة, لزمهم ابتياع نسمة أخرى بخمس مئة أخرى, وعتقها عنه إذا حمل ذلك الثلث.
ومن وصى بعتق ثلث عبده لزم الورثة عتث ثلث العبد, ولم تسر الحرية إلى باقيه.
فإن وصى لعبده بمئة درهم من ماله فعلى روايتين: إحداهما: تصح الوصية له, وتدفع المئة إلى العبد.
فإن باعه الورثة بعد ذلك, فالمئة لهم إلا أن يشترطها المبتاع.
والرواية الأخرى: لا تجوز له الوصية بمال معلوم؛ لأنه لا يملك.
والوصية له, كأنها وصية للورثة فلا تجوز, فإن أوصى لعبده بثلث ماله أو بربع ماله, فالعبد من جملة المال يعتق بالوصية إن كانت قيمته بقدرها, وإن كانت قيمته أقل من قدر الوصية عتق, وكان له تمام الوصية يدفع ذلك إليه.
وإن كانت قيمته أكثر, عتق منه بقدر الوصية, ورق باقيه.
فإن قال: حجوا عني بخمسين, فما فضل صُرف في الحج في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: ما فضل للورثة.
فإن قال: أحِجّوا عني بخمسين, فما فضل فللذي حج.
فإن وصى لرجل بجميع ماله, ولآخر بنصف ماله فلم يجز ذلك الورثة, قسم الثلث على ثلاثة أسهم, ثلثاه للموصى له بجميع المال, وثلثه للموصى له بالنصف.
فإن وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بجميع ماله, قسم الثلث على أربعة أسهم,

فصول الكتاب · 10 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل