الإرشاد إلى سبيل الرشادصفحات 303-342
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإيلاء

صفحات 303-342
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
الكتاب
الإرشاد إلى سبيل الرشاد
المؤلف
محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
المحقق
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
الطبعة
الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الله عز وجل: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم.
وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة 226 - 227]. فكل حالف بالله عز وجل, أو باسم من أسمائه, أو بما يدخله الكفارة من الأيمان, على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر, فهو مول, ولا مطالبة لها عليه قبل مصي أربعة أشهر.
ولها مطالبته بعد مضيها بالفيئة.
ولا يقع عليها طلاق, وإن مضت المدة حتى ترافعه إلى الحاكم, وتطالبه بالفيئة, فيأمره الحاكم بها.
فإن فاء سقط الإيلاء, ولزمته كفارة اليمين التي حلف بها إن كانت المدة لم تنقض.
وإن أبى أن يفيء, واختارت الزوجتة فراقه أمره الحاكم بالطلاق, فإن طلق وإلا طلق الحاكم عليه إذا سألته ذلك الزوجة.
فإن قال الحاكم: قد فرقت بينكما, فهل يكون ذلك بغير طلاق, أم يكون طلقة؟ على روايتين: أظهرهما: أنها فرقة بغير طلاق.
والرواية الأخرى: أنها طلقة.
فإن قلنا إنها فرقة, فلا رجعة فيها قولا واحدا.
ومتى اختار مراجعتها احتاجا إلى تجديد عقد النكاح.
وإذا قلنا: إنها طلقة, فهل تكون رجعية أو بائنة؟ على روايتين: إذا قلنا إنها رجعية, كان له ارتجاعها في العدة, وإذا قلنا: إنها بائنة, لم تحل له إلا بعقد جديد في العدة وبعد انقضائها.
فإن تزوجها بعد الفرقة, وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر, فالإيلاء ثابت, والحكم فيه بعد مضي أربعة أشهر من وقت العقد الثاني كما مضى إن لم يطأ.

فإن كان مريضا مرضا يمنعه من الفيئة بالفعل, ففاء بلسانه كانت فيئة.
قال: وكذلك لو آلى من زوجته, وهي صغيرة لا يوطأ مثلها, أو كانت كبيرة رتقاء, ففقاء بقلبه وبلسانه بعد مضي المدة أو قبلها, كانت فيئة, وسقط الإيلاء.
وكذلك لو كانت حائضا بعد مضي المدة, فطالبته بالفيئة, ففاء بلسانه كانت فيئة.
وكذلك لو كان مسافرا بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر.
ولو قال: والله لا أقربك حتى أموت, أو تموتي, أو ما دام فلان حيا.
فلم يطأها حتى مضت أربعة أشهر, كان موليا.
فإن قال: والله لا قربتك في هذه الدار سنة.
فليس بمول, لأنه يقدر على وطئها في غير تلك الدار, ولا يحنث.
فإن قال: والله لا أقربك حتى تضعي حملك, فمضت أربعة أشهر قبل وضع الحمل, لزمه الإيلاء.
وإيلاء العبد شهران, فإن وطئ قبل مضيها كفر يمينه بالصيام, إذ لا ملك له.
ومن حلف بالطلاق ألا يطأ زوجته مدة طويلة أو قصيرة لم يدخل عليه بذلك إيلاء, ولزمها الصبر إلى أن تنقضي مدة اليمين, ولا مطالبة لها عليه بالفيء.
فإن قال: إن قربتك فكل مملوك اشتريته حر.
كان له وطؤها, ولا يعتق عليه ما يبتاعه من العبيد.
ولو آلى منها فلم توقفه حتى مات, ورثته, وسواء مات قبل مضي المدة أو بعدها, لأنها زوجته والنكاح ثابت.
فإن قال لها: والله لا أكلمك سنة.
لم يكن بمول, لأنه يقدر على وطئها ولا يكلمها.

ولو قال لأجنبية: والله لا أطؤك أبدا, ثم تزوجها, ولم يطأها أربعة أشهر, فليس بمول, لأن عقد اليمين, وليست بزوجة, فإن آلى منها ثم طلقها, وقع الطلاق, فإن ارتجعها وقد بقي من مدة الإيلاء أربعة أشهر فأكثر كان الإيلاء باقيا, وكان لها أن توقفه بعد مضي أربعة أشهر من يوم العقد الثاني.
ولو اختلفا في الوطء بعد الإيلاء قبل مضي المدة أو بعدها, فقال: قدوطئت, وقال: لم تطأ.
كان القول قوله.

باب الظهار

قال الله عز وجل: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير.
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ الآية [المجادلة: 3 - 4]. فمن تظاهر من امرأته, فقال: أنت علي كظهر أمي, أو كأمي, أو كبعض جسدها, يريد بذلك الظهار أو التحريم, فلا كفارة عليه حتى يريد العود لما قال, وهو الوطء, فيلزمه أن يكفر قبل أن يطأ بعتق رقبة مؤمنة كاملة الرق سليمة من العيوب, وإن كانت ذمية أجزأته في إحدى الروايتين عن كفارته, فإن لم يجد, فليصم شهرين متتابعين لا يطأ فيهما ليلا ولا نهارا.
فإن وطئ في خلالهما ليلا مضى في صيامه, وبنى عليه, والصحيح الأول.
فأما لإن وطئ نهارا, فإنه يستأنف قولا واحدا.
فإن لم يستطع, فليطعم ستين مسكينا من المسلمين لكل مسكين مد بر, أو نصف صاع من تمر, أو شعير, ولا يحرم عليه الوطء في خلال الإطعام.
ولا يجزئه إخراج الكفارة إلى أقل من ستين مسكينا مع وجودهم في الحال.
فإن لم يجد إلا أقل من يتبن, فهل يكرر عليهم إطعام الستين, ويجزئه أم لا؟ على روايتين.
ومن وطئ قبل الكفارة فليتب إلى الله عز وجل, وليس عليه إلا كفارة واحدة.
ويجزئ في الكفارة الصبي, ومن قدصلى أفضل, ويجزئ فيها ولد الزنى

أيضا.
والظهار لا يكون طلاقا وإن نوى الطلاق به, لأنه ليس بمكني ولا صريح.
وعليه ما على المُظاهر.
ولو قال: أنت علي كظهر عمتي, أو خالتي, أو جدتي, أو بنت أخي, أو بنت أختي, أو كظهر امرأة لا تحل له بحال من نسب, أو رضاع, أو سبب, كزوجة أبيه, أو زوجة ابنه, كان بذلك مظاهرا.
وإن قال: أنت علي كظهر امرأة تحل له بحال, لم يكن بذلك مظاهرا.
فإن قال لها في غير غضب: أنت علي مثل أمي, أو أنت عندي مثل أمي, يريد بذلك الإجلال لها, والإعظام, ولم يرد الظهار, ولا نواه, لم يكن بذلك مظاهرا.
فإن قال: أنت علي مثل الميتة, والدم, ولحم الخنزير.
فعلى روايتين: قال في إحداهما: عليه كفارة يمين, وقال في الأخرى: عليه كفار الظهار.
والظهار من كل زوجة, مسلمة أو ذمية, حرة كانت أو أمة.
فإن تظاهر من أمته فليس بظهار, لأنها ليست زوجة, وعليه كفارة يمين.
واختلف قوله في ظهار السكران على روايتين: قال في إحداهما: يلزمه الظهار, وقال في الأخرى: لا يلزمه.
فإن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي, لزمه كفارة للظهار متى تزوجها.
ولو تظاهر من امرأته مرارا في مجلس واحد, أو في مجالس متفرقة , لم يكن عليه إلا كفارة واحدة ما لك يكفر.
فإن تظاهر من نسائه الأربعة بكلمة واحدة, فعلى روايتين: إحداهما: عليه كفارة واحدة, والرواية الأخرى: عليه أربع كفارات, وإن تظاهر من كل واحدة منهن ظهارا مفردا, فعليه أربع كفارات قولا واحدا.

ولو تظاهر من ارمأة من نسائه, ثم قال لأخرى: قد شركتك معها, لزمه الظهار من الزوجتين, وكان عليه كفارتان.
ولو قال لزوجته: أنت علي حرام, لزمه كفار الظهار.
واختلف قوله: هل للمظاهر أن يقبِّل, أو يباشر قبل الكفارة, أم لا؟ على روايتين: منع من ذلك في إحداهما, وأباحه في الأخرى.
ولو تظاهر منها ثم طلقها, ثم ارتجعها في العدة أو بعدها, كان الظهار باقيا.
ولو تظاهر منها فلم يطأ حتى لاعنها من قذف قذفها, وفرق الحاكم بينهما, فلا ظهار عليه.
فإن ظاهر, ثم ارتد, ثم رجع إلى الإسلام , وهي في العدة, فالظهار عليه, ولا يطأ حتى يكفر كفارة الظهار, فإن رجع بعد انقضاء عدتها, فقد بانت منه, ولا ظهار عليه, فإن تزوجها, فعليه الظهار.
فإن تظاهر منها ثم جن فوقع عليها في حال جنونه, ثم أفاق, فعليه كفارة الظهار.
والعبد إذا تظاهر من زوجته الحرة أو الأمة, ثم أراد العود, كفر بالصوم, فصام شهرين متتابعين من قبل أن يطأ.
والمرأة إذا تظاهرت من زوجها كان عليها كفارة الظهار.
وليس على زوجها الامتناع عن زطئها قبل أن تكفر.

باب اللعان

قال الله عز وجل: ﴿والذين يرون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين.
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾.
[النور: 6 - 9] فمن قذف أجنبية بالزنى, وطالبته المقذوفة ببيان ما قال فلم بأت ببينة, جلد ثمانين جلدة, ولم تقبل له شهادة أبدا حتى يتوب.
فإن تاب قبلت شهادته.
وسواء تاب قبل الحد أو بعده.
وكذلك المرأة إذا قذفت.
قال الله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾.
[النور: 4 - 5] ومن قدف زوجته بالزنى, ولم يأت على ذلك بشهود, وطالبته المرأة وجب عليه أن يلاعن, فيقول أربع مرات: أشهد بالله لقد زَنَت, وإني لصادق فيما رميتها به من الزنى.
ويخمّس باللعنة, فيوقل: لعنة الله عليه إن كان فيما رماها بع من الزنى كذبا.
ثم تلتعن علي, فتقول أربع مرات: أشهد بالله ما زنيت, وإنه فيما رماني به من الزنى لكاذب, ثم تخمس بالغصب, كما قال الله تعالى, فتقول: وغضب الله عليها إن كان فيما رماني به من الزنى صادقا.
وإن رماها بالزنى ونفى ولدها حين وضعته, ذكره في التعانه, فقال في كل مرة: وما هذا الولد ولدي.
وقال هي في كل مرة من التعانها: وهذا الولد ولده.
وينتفي عنه الولد بعد ذلك, ولا يلحقنسبه به, ويلحق بأمه.

ولا يصح نفي الحمل في حال الالتعان قبل وضعه.
فإن التعن ولم يذكر الولد ثبت اللعان, ووقعت به الفرقة, ولحق به الولد, ولم ينتف عنه.
فإن نكل عن الالتعان أو أكذب نفسه جلد حد القذف ثمانين جلدة, والنكاح ثابت له.
وإن نكلت المرأة عن الالتعان لم تجلد, ولم ترجم, إلا أن تقر بعد النكول بالزنى.
واختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال بعضهم: إذا أقرت بعد النكول عن اللعان أربع مرات جلدت.
وقال بعضهم: أقيم النكول مقام إقرار مرة.
فإذا أقرت بعده ثلاثا حددتها.
واختلف قوله إذا لزمها الحد: هل تجلد مئة جلدة, ثم ترجم, أم ترجم ولا تجلد؟ على روايتين.
واللعان بين زوجين مسلمين كانا أو كافرين, أو مسلما وذمية, أو عبدين, غير أن حد العبد في القذف أربعون, وكذلك الأمة.
وحد الأمة في زنى خمسون, وكذلك العبد.
ولا رجم على واحد منهما.
ومن قذف زوجته وهو صحيح, ولاعنها وهو مريض, ثم مات من مرضه ذلك, فإن كان الحاكم فرق بينهما بعد تمام اللعان وقعت الفرقة قولا واحدا, وإن كان لم يفرق بينهما, فهل تقع الفرقة بنفس تمام اللعان من غير تفريق الحاكم أم لا؟ على روايتين.
فإن كان موته بعد تفريق الحاكم, فهل ترثه أم لا؟ على روايتين.
فإن كان موته قبل تفريق الحاكم بينهما, فإذا قلنا: إن الفرقة لم تقع, ورثته على هذه الرواية وجها واحدا, وكذلك لو ماتت هي قبل تفريق الحاكم ورثها, وإذا قلنا: إن الفرقة تقع بنفس تمام اللعان, ولا يحتاجان إلى تفريق الحاكم, ورثته في إحدى الروايتين, ولم ترثه في الأخرى, وإن ماتت هي لم يرثها قولا واحدا إذا فرق الحاكم بنيهما, وإذا قلنا: إن الفرقة تقع بنفس تمام اللعان, فإن التعن الزوج ونفى ولدها, وأبت هي أن تلتعن لم يجلد, ولم ينتف نسب الولد من أبيه, ولا ينتفي إلا

بالتعانهما جميعا.
ولو لاعنها ونفى ولدها, ثم أكذب نفسه بعد تمام اللعان, ثبت نسب الولد, ولا يجتمعان أبدا إن كان الحاكم فرق بينهما بعد تمام اللعان, وإن كان لم يفرق بينهما حاكم, فهي زوجته في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: لا يجتمعان أبدا, وهل يجلد الزوج أو لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه يجلد ثمانين جلدة.
وإذا لاعنها ونفى ولدها نُسب الولد إلى أمه, وكان ميراثه لها في حال حياتها, ولعصباتها من بعد وفاتها.

باب الخلع

قال الله عز وجل: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة 229]. فللمرأة الكارهة لزوجها, المخوف عليها الإثم والعصيان افتداء نفسها منه بما ساقه إليها من الصداق, أو بأقل منه, فإن امتنع من مخالعتها إلا بأكثر مما ساقه إليها لم تطب له الزيادة إن بذلتها له.
ولا رجعة في الخلع على قول من جعله فسخا, ولا على قول من جعله طلاقا.
ولا تحل له المختلعة منه إلا بنكاح جديد برضائها, فإن اختارا ذلك جاز له العقد عليها في العدة, وبعد انقضاء العدة, وإن لم يختارا ذلك لم يجز لها أن تتزوج غيره إلا بعد انقضاء عدتها منه.
ولو خلعها على عبد بعينه, فعتقته كان عتقها باطلا, لأنها أعتقت ما لا تملك, والعبد للزوج.
فإن قالت: اخلعني على هذا العبد, ففعل, ثم باعت العبد وهو لا يعلم, كان عليها قيمته, فإن كان لها عليه مهر قاصصها منه بقيمة العبد, ويتوجه وجه آخر: أن بيعها باطل, والعبد للزوج.
فإن اختلعت منه, وهي مريضة بأقل من مهر مثلها جاز, وإن كان بأكثر من ميراثه منها لم يجز, ويتوجه وجه آخر: إن كان ميراثه منها بقدر ما ساقه إليها من الصداق أو أقل, صح الخلع, وطاب له ما بذلته له, وإن كان ما اختلعت به أكثر مما ساق إليها من الصداق, لم تطب الزيادة.
واختلف قوله: هل الخلع طلقة بائنة, أم فسخ للنكاح؟ على روايتين: إحداهما: أنه طلقة بائنة, وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والرواية

الأخرى: أنه فسخ, وهو قول عبدالله بن عباس رضي الله عنه.
فإن تزوجها بعد الخلع قبل أن تنكح زوجا غيره, فإذا قلنا: إنه طلقة.
كانت عنده على ما بقي من الطلاق قولا واحدا.
وإذا قلنا: إنه فسخ.
ملك عليها ثلاث طلقات.
فإن طلقها طلقتين ثم خالعها, فإذا قلنا: إن الخلع طلاق.
فقد بانت منه بالخلع, ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره, وإذا قلنا: إنه فسخ, وقع الخلع, وكان له أن يتزوجها إن شاء, وتكون عنده على طلقة واحدة.
ولو خلعها, ثم طلقها في حال اعتدادها من الخلع, لم يلحقها الطلاق قولا واحدا, وهو قول ابن عباس, وابن الزبير رضي الله عنهما.
والمعتقَة تحت العبد لها الخيار بين فراقه, والمقام معه ما لم يطأها, ولا خيار لها في فراقه إن وطئها بعد العتق, علمت أن لها الخيار أو لم تعلم, ولا ينقطع خيارها قبل الوطء إلا بالرضا, والمقام معه.
ولا خيار للمعتقة تحت الحر بحال.

باب الرضاع

قال الله عز وجل: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ [النساء:23].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
فكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن, فإن كان خمس رضعات فصاعدا حرم قولا واحدا, وصارت المرضعة أم الصبي المرتضع, وأولادها إخوته من الرضاعة.
وإن كان الرضاع أقل من خمس رضعات, فقد اختلف عنه في ذلك, فقيل: لا يحرم من الرضاع إلا ثلاث رضعات فصاعدا, وما دونها لا يقع به تحريم, وقيل عنه: إن الرضعة الواحدة تحرم, كتحريم الكثير من الرضاع, وكذلك المصة والإملاجة والوَجور.
ومن لم يرتضع من امرأة في الحولين, أو ارتضع منها بعد أن تم له حولان فأكثر, لم تصر بذلك الرضاع أمه, ولم يقع به التحريم.
ورضاع الكبير غير محرم, وهو قول عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.
والسَّعوط الواصل إلى الدماغ, والحقنة باللبن يحرمان.
ومن أرضعت صبيا بلبن زوجها, فبنات تلك المرأة, وبنات زوجها, منها ومن غيرها -ما تقدم الرضاع وما تأخر عنه- إخوة له, يحرم عليه نكاحهن ونكاح بناتهن, ويحرمن على بنيه وبني بناته, ولا يحرمن على إخوته الذين لم يشاركوه في

الارتضاع منها.
ولبن الميتة يحرم كما يحرم لبن الحية.
ولو كان لرجل امرأتان, فأرضعت هذه صبية, وأرضعت الأخرى صبيا بلبن أولاد الرجل صارا أخوين, ولم يجز أن يتزوج أحدهما بالآخر, لأنه لبن الفحل.
وللرجل أن يتزوج أخت ولده من الرضاعة, كامرأة ترضع صبيا ولها ابنة, فلأب الصبي الرضيع أن يتزوج ابنة المرأة التي أرضعت ابنه.
فأما حد الرضعة, فإن أحمد رضي الله عنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي, فإذا أدركه النفس أمسك عن الثدي, ليتنفس أو يستريح, فإذا فعل ذلك, فهي رضعة.
وسواء أخرج الثدي من فيه أو لم يخرجه.
واختلف قوله في المرأة لا يكون لها بعل لا ولد, فتطرح صبيا على ثديها فيدر لها لبن فتسقيه الصبي, وهل يكون ذلك رضاعا يحرم, ويصير الصبي ولدها من الرضاعة أو لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه رضاع صحيح يقع به التحريم.
وكذلك اختلف قوله في الوجور هل يحرم أم لا؟ على روايتين: أصحهما: أنه يحرم.
قال: ولو كان لرجل زوجات أصاغر أرضعتهن كلهن امرأة, صرن بذلك أخوات, وحرمن كلهن على الزوج, ثم له أن يتزوج بعد ذلك أيتهن شاء في معنى قوله.
وكره رضاع الذمية لمسلم, قال: لأن اللبن يشبه عليه.
وكذلك كره رضاع الزانية.
وكره أيضا أن تقبل ذمية مسلمة.

باب

العدة والنفقة والاستبراء والسكنى

قال الله عز وجل: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
[البقرة: 227]. فعدة الحرة المطلقة التي من ذوات الأقراء ثلاثة قروء, مسلمة كانت أو كتابية, كان الزوج حرا أو عبدا.
وكذلك عدة المختلعة, والملاعنة, وزوجة العنين إذا فرق بينهما.
والأقراء: الحيض في الصحيح عنه.
فإن كانت صغيرة لم تبلغ المحيض, أو مؤيسة من المحيض لكبر, فعدتها ثلاثة أشهر, بدليل قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق:4].
والبكر الكامل التي لم تحض عدتها سنة في إحدى الروايتين, وفي الرواية الأخرى: عدتها ثلاثة أشهر, كالصغيرة والآيسة.
وعدة الأمة في الطلاق حيضتان إن كانت من ذوات الأقراء قولا واحدا.
فإن كانت صغيرة أو مؤيسة من المحيض, فشهران في إحدى الروايتين, وفي الرواية الأخرى: عدتها شهر ونصف.
وعدة التي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه سنة إن كانت حرة, وأحد عشر شهرا إن كانت أمة.
وقيل: عدتها عشرة أشهر ونصف.
فإن علمت ما الذي رفع حيضها,

تربصت أبدا حتى تزول العلة الموجبة لرفع الحيض, فتعتد بالأقراء, أو تصير في عداد المؤيسات, فتعتد بعد الإياس بالشهور.
وعدة الحامل وضع الحمل, من الوفاة والطلاق جميعا, حرة كانت أو أمة, مسلمة كانت أو كتابية, لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:4].
ولا عدة على المطلقة قبل الدخول والخلوة.
وعدة الحرة الحائل من الوفاة أربعة أشهر وعشر صغيرة كانت أو كبيرة, دخل بها أو لم يدخل, مسلمة كانت أو كتابية, لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة:234]. فإن كانت أمة, فعدتها من الوفاة شهران وخمسة أيام.
فإن كانت معتقة بنصفها, فعدتها ثلاثة أشهر وثمانية أيام, منها شهران وخمسة أيام نصف عدة حرة, وشهر وثلاثة أيام نصف عدة أمة, وجبرنا عليها فضل نصف يوم, لأنه لا يتبعض.
ومن اعتدت من الطلاق بالشهور لصغر أو إياس, فقبل تمام العدة بالشهور رأت الحيض, استأنفت العدة بالأقراء.
ومن وضعت ولدين, فعدتها من الثاني منهما في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: العدة من الأول.
والصحيح: القول الأول.
وعدة أم الولد في العتق ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الأقراء, أو ثلاثة أشهر إن كانت مؤيسة.
وفي الوفاة أربعة أشهر وعشر.
وقد روي عنه رواية أخرى: أن عدتها في العتق والوفاة حيضة واحدة.
وعدة الزانية كعدة الموطوءة وطأ صحيحا.
وكالموطوءة بشبهة.
وقيل عنه: ليس عليها عدة, بل عليها الاستبراء بثلاث حيض.
وقيل عنه: عليها الاستبراء

بحيضة واحدة.
والصحيح: أن عليها العدة.
وعدة من يموت زوجها, أو يطلقها في الغيبة, من يوم يموت أو يطلق, لا من حين يبلغها.
فإن طلقها ثلاثا وهو مريض, ثم مات من مرضه ذلك قبل انقضاء عدتها, لزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر, فيها ثلاث حيض, فتجمع بين العدتين قولا واحدا, فإن لم يمت حتى حاضت بعد الطلاق ثلاث حيض, ثم مات من مرضه ذلك, فقد اختلف قوله ها هنا, قيل عنه: عليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر بعد الحيض.
قال: لأني إذا ورثتها ألزمتها عدة الوفاة, وقيل عنه: ليس عليها أن تعتد بالشهور, لأنها إذا اعتدت بالحيض قبل وفاته بانت منه, فلا يلزمها الاعتداد بالشهور, ولها منه الميراث.
والإحداد في عدة الوفاة هو: لبس الأسود والكحلي والأزرق, وعليها اجتناب الزينة والطيب والكحل والدهن والخضاب, وأن لا تمتشط بما يختمر في رأسها ولا تلبس شيئا من الصبغ غير ما ذكرنا.
وسواء في ذلك الحرة والأمة, والكبيرة والصغيرة المسلمات.
فأما المطلقة ثلاثا, فلا إحداد عليها, وعليها اجتناب الزينة, كما ذكرت في العدة من الوفاة.
ولها في الطلاق الرجعي أن تكتحل, وتدهن, وتطيّب, وتمتشط, وتلبس أفخر ما تقدر عليه, وتتزين لتنفق نفسها على زوجها.
وتجبر الكتابية على العدة من المسلم في الطلاق والوفاة.
واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة واحدة, وسواء في ذلك البيع والهبة والميراث والسبي.
ومن كانت في حيازته أمة ملكها لغيره, فابتاعها من ربها, لزمه أن يستبرئها, وسواء كانت قد حاضت عنده قبل أن يبتاعها, أو لم تحض.
واستبراء الصغيرة التي يوطأ مثلها, والآيسة, من المحيض, ثلاثة أشهر.
وقيل

عنه: إن استبراء الصغيرة والآيسة, شهر واحد.
واختلف قوله في وجوب استبراء الصغيرة التي لا يوطأ مثلها, على روايتين: قال في إحداهما: لا يجب استبراؤها.
وقال في الأخرى: عليه أن يستبرئها.
والأول أظهر.
واختلف قوله هل للمشتري أن يقبلها ويباشرها, أو يطأ دون الفرج أم لا؟ على روايتين: أباحه ذلك في إحداهما, ومنعه منه في الأخرى.
قال: ولو اشترى جارية فذكر بائعها أنها لم تحض قط إلا حيضة واحدة, فإنه ينتظر بها تسعة أشهر للحمل, ثم ثلاثة أشهر, كالتي تطلَّق, فتحيض حيضة أو حيضتين, ثم يرتفع حيضها لا تدري ما رفعه, أنها تعتد سنة على ما بينا.
وروي عنه رواية أخرى: أنها تتربص عشرة أشهر, منها تسعة للحمل, وشهر واحد مكان الحيضة؛ لأنه استبراء.
قال: ولا يجوز الحيلة لإبطال الاستبراء, كرجل يبتاع جارية, ثم يعتقها في الحال, ثم يتزوجها ليستبيح وطأها قبل الاستبراء.
قال أحمد: سبحان الله! لا يطأها وإن عتقها وتزوجها إلا بعد أن يستبرئها.
ومن أجاز ذلك فقد احتال لإبطال سنن النبي صلى الله عليه وسلم, وإزالة الأحكام عن مواضعها, فلا يجوز ذلك.
فإن استبرأ صغيرة, فلما مضى من مدة استبرائها شهران حاضت, وجب أن يسبرئها بحيضة.
هذا إذا قلنا: إن استبراءها بثلاثة أشهر.
فأما إذا قلنا: إنها تُستبرأ بشهر واحد, فإنه إذا مضى الشهر حل له وطؤها.
ولا فرق بين البكر والثيب في وجوب الاستبراء.
قال: فإن اشترى جارية, ثم وطئها قبل أن يستبرئها, فأتت بولد من ستة أشهر لم يلحق به ولا يبيعه, بل يعتقه, لأنه قد شركه في مائه, لأن الماء يزيد في الولد.

ومن ملك حاملا من غيره, لم يطأها حتى تضع الحمل قولا واحدا, ولا يتلذذ منها بشيء في حال الحمل في الصحيح من المذهب.
ومن تزوج أمة غيره فأولدها, ثم ملكها انفسخ النكاح.
وهل تكون بذلك أم ولد له أم لا؟ على روايتين: إحداهما: قد صارت أم ولد له, والاستيلاد في ملك غيره.
والرواية الأخرى: لا تكون أم ولد إلا بولد حادث منه بعد ملكه لها.
قال: ولو تزوجت امرأة بصبي, فظهر بها حمل, ثم توفي زوجها عنها, كان أجلها أن تضع حملها.
ولا يلتحق الولد بزوجها, ولو كانت حائلا اعتدت بالشهور أربعة أشهر وعشرا.

باب السكنى والنفقات

ولا سكنى ولا نفقة لكل حائل طلقت ثلاثا, ويلزمها العدة, عبادة مفروضة عليها, كالصلوات وغيرها من العبادات المفروضات, وكذلك المختلعة.
وقد روي عنه أنه قال: السكنى للمطلقة ثلاثا آكد من النفقة, لقوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ الآية [الطلاق:6].
فصار له في السكنى للحائل المطلقة ثلاثا روايتان: إحداهما: أنها واجبة, والأخرى: لا تجب بالحديث.
ولا يختلف قوله: إن النفقة لها غير واجبة.
ولا نفقة لصغيرة لا يوطأ مثلها, ولا لناشز, ولا نفقة للملاعن الحائل, ولها النفقة إن كانت حاملا.
والسكنى والنفقة لكل مطلقة حامل, ولكل من طلقت أقل من ثلاث, حائلا كانت أو حاملا.
وكذلك المختلعة الحامل لها النفقة, إلا أن تُبرئه منها في حال الخلع.
والمعتدة من الوفاة بالحمل أو الشهور لا نفقة لها من تركة زوجها المتوفى, لأن المواريث قد وقعت لأهلها, ونفقتها من نصيبها.
وقد روي عنه رواية أخرى فيمن طلق زوجته وهي حامل, ثم توفي عنها قبل أن تضع حملها: أن نفقتها من جميع المال.
والأول: أظهر عنه, وأصح على أصوله.

ولا تخرج المرأة من بيتها في الوفاة ولا في الطلاق البائن حتى تنقضي عدتها, إلا فيما لا غنى بها عنه نهارا.
ولا تنتقل عن منزلها الذي توفي عنها فيه إلا أن يخرجها رب الدار عنها, أو لا يقبل من الكراء ما يشبه, فلتخرج حينئذ, وتقيم بالمكان الذي تنتقل إليه لتمام عدتها.
والتي يتوفى عنها زوجها وقد خرجت للحج ترجع ما كانت قريبة, فإن بعدت مضت.
وعلى الرجل نفقة زوجته التي يوطأ مثلها, غنية كانت أم فقيرة, وعليه نفقة ولده, وولد ولده, الصغار والكبار, الذكور والإناث, الفقراء, وعليه نفقة أبويه, الفقيرين وإن علوا, وعليه نفقة كل عصبة له, فقير, يقع التوارث بينه وبينه, بقدر ميراثه منه إذا كان غنيا في حالة فضل الإنفاق عليهم.
ومن كان من سائر هؤلاء غنيا, فلا نفقة له إلا الزوجة.
وتجب النفقة على مولى النعمة إذا كان المولى المعتَق فقيرا, ليس له عصبة أغنياء, لأنه يرثه.
ولا تجب النفقة على المولى من أسفل؛ لأنه لا يرث.
ولا نفقة لذوي الأرحام وإن كانوا فقراء.
ويتوجه على معنى قوله: أن يكون لهم النفقة إذا كانوا فقراء, لأنه يورثهم عند عدم العصبة وذوي السهام, كما يورث العصبة مع وجودهم.
والأول هو المنصوص عنه.
وعلى العصبة الوارثين رضاع الصغير الفقير.
وعلى المولى من فوق رضاع ولد مولاه من أسفل بعد موت أبيه إذا كان فقيرا.
قال: وليس على الابن نفقة زوجة أبيه, ولا على الأب نفقة زوجة ولده البالغ.
فإن زوج الأب ابنه الصغير وله مال, فهل على الابن نفقة زوجته أم لا؟ على

روايتين.
فأما الأب, فلا نفقة لها عليه.
فإن مات وخلف أمة حاملا منه, فهل يُنفق عليها من جميع المال أو من حصة ولدها؟ على روايتين.
واختلف قوله في نفقة أم ولد النصراني تسلم على روايتين: إحداهما: أنه يُجبر على نفقتها, ويُمنع من غشيانها, فإذا مات, فهي حرة.
والرواية الأخرى: قال: تنفق من حيث كانت تنفق لو مات عنها سيدها.
وهل له أن يستسعيها في قدر قيمتها أم لا؟ على روايتين: إحداهما: له أن يستسعيها في مقدار قيمتها, ثم تعتق بعد الأداء إليه.
والرواية الأخرى: ليس له أن يستسعيها, ولا يجوز له بيعها قولا واحدا.
فإن زوج رجل عبده أمة غيره, فنفقتها على العبد من ضريبته في حال كونها عنده في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: نفقتها على مولى العبد.
ولا نفقة عليه في حال كونها في بيت مولاها.
وكذلك إن حملت منه, فإذا ولدت, فأولادها ملك لمولاها دون مولى العبد, ولا نفقة على العبد لولده, ونفقتهم على سيد الأم.
فإن تزوج العبد بغير إذن سيده, فعلى روايتين: إحداهما: النكاح باطل, والأخرى: قال لا نفقة على السيد.
وإن شاء أن يفرق بينهما فرق.
فعلى هذه الرواية: إن أقرهما المولى على النكاح, فهل النفقة على المولى أم على العبد؟ على وجهين.
فإن تزوج حر أمة فأولدها, فنفقة ولده منها على مولى الأم دون أبيهم.
وعلى الرجل إخدام زوجته التي لا يخدم مثلها نفسه, ولا يلزمه لها أكثر من نفقة خادم واحد.

وعليه نفقة عبيده وإمائه بقدر كفايتهم بالمعروف, وعليه كسوتهم عند حاجتهم إليها, وعليه تكفينهم إذا ماتوا.
والناشز الحامل لها النفقة على زوجها لأجل الحمل.
وكفن الزوجة الموسرة من مالها, فإن كانت فقيرة لا مال لها ولا عصبة أحببنا للزوج أن يكفنها والممتنعة من تسليم نفسها لأجل صداقها, لها النفقة إذا طالبته بها.
ما لم تكن سلمت نفسها قولا واحدا, فإن كانت سلمت نفسها فدخل بها برضائها, ثم امتنعت بعد ذلك من التسليم لأجل الصداق, فهل لها نفقة مع الامتناع أم لا؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: منهم من قال: ليس لها الامتناع بعد التسليم, ولها المطالبة بالصداق, فإن أبت أن تسلم نفسها فلا نفقة لها.
ومنهم من قال: إذا كان الصداق حالا, فلها الامتناع بعد التسليم حتى تقبضه, كما كان ذلك لها قبل التسليم, ولها النفقة في حال الامتناع حتى تستوفي مهرها.
ومن طالبت بنفقة ماضية قد كان قدرها حاكم وفرضها لها, فهي واجبة لها, وعلى الزوج الخروج إليها منها, وإن كان لم يفرضها لها حاكم ولا قدرها الزوج لها, وألزمها نفسه, فلا نفقة لها لما مضى, ويحكم لها بالنفقة من يوم ترافعه إلى الحاكم.
ومن غاب عن زوجته فاستدانت عليه قدر كفايتها لنفقة مثلها, لزم الزوج قضاء ما استدانته, فإن استدانت أكثر من نفقة مثلها كان الزيادة عليها دون الزوج.
ومن ادعت بعد الطلاق حملا من مطلقها, فلينفق عليها ثلاثة أشهر, فإن استبان الحمل, وإلا قطع النفقة بعد مضي الشهور الثلاثة.
وإن امتنع من الإنفاق عليها إلى أن يتبين الحمل, لم يُجبر على النفقة.
فإن ادعت حملا فأنفق عليها ثم تفشى وبطل أن يكون حملا, فهل له أن يرجع عليها بما أنفق أم لا؟ على روايتين: جعل له ذلك في إحداهما, ولم يجعله له في الأخرى.

ومن عجز عن قدر قوت زوجته, وما يجوز لها أداء الصلاة فيه, من الكسوة, فاختارت فراقه أُمر بذلك, فإن فعل, وإلا فرق الحاكم بينهما إذا سألته الزوجة ذلك.
وإذا بذلت الزوجة تسليم نفسها, فأبى الزوج أن يتسلمها, فطلبت النفقة كانت لها واجبة عليه.
وإن كان الامتناع من التسليم من قبلها بغير حق يبيحها ذلك, فلا نفقة لها.
وإذا قصر الزوج بزوجته وولده عن قدر كفايتهم, كان للزوجة أن تأخذ من ماله تمام كفايتها وكفايته ولده منها بالمعروف, بأمره وغير أمره, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوجة أبي سفيان حين قالت: يا رسول الله, إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي, فقال: "خذي من ماله قدر ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وإذا أسلمت ذمية, ولها ولد صغار من ذمي, كان الأولاد مسلمين بإسلام أمهم, وأُجبر الأب على نفقتهم, أسلم أو لم يسلم, إذا كانوا فقراء.

باب

من أحق برضاع الصغير

قال الله عز وجل: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ الآية.
[البقرة: 233]. والأم أحق برضاع ولدها, زوجة كانت أو مطلقة, إذا اختارت ذلك.
فإن امتنعت من إرضاعه إلا بأجر, فلها أجر مثلها.
فإن أبت أن ترضعه بأجر وغير أجر, وجب على الأب استئجار من ترضعه.
فإن التمست الأم أجرا, فوجد الأب من يرضعه بدونه, ويقوم له مقام الأم, فالأم أحق برضاعه بذلك الأجل إن اختارت, وإلا كان للأب أن يسترضع له غيرها, إن أبت إرضاعه بما بذلته الأجنبية.
وكذلك لو بذل غير الأم إرضاعه بأجر مثله, كانت الأم أحق بالرضاع بذلك الأجر إذا اختارت.
فإن وجد الأب من يتطوع بإرضاع ولده بغير أجر, واختارت الأم أن ترضعه بأجر مثله, كانت الأم أحق برضاعه بالأجر.
ولو تزوج رجل امرأة, ولها ولد رضيع من غيره, كان لها منعها من إرضاعه, ولزم الأب أن يسترضع له غيرها, إلا أن تشترط الأم على الزوج عند العقد أنها ترضع ولدها, فيكون لها شرطها.

باب الحضانة

الأم أحق بحضانة ولدها الطفل من أبيه, ذكرا كان أو أنثى, ما لم تتزوج.
فإذا بلغ الغلام سبع سنين خُير بين أبويه, وكان مع من اختار منهما.
وأما الجارية فإنها إذا بلغت سبع سنين كان الأب أحق بحضانتها من الأم, تزوجت الأم أم لم تتزوج في إحدى الروايتين, وفي الرواية الأخرى: الأم أحق بحضانتها إلى أن تحيض.
والأب أحق بحضانته من الأم إذا تزوجت قولا واحدا.
فأما الجارية إذا تزوجت أمها فهل تسقط حضانتها أم لا؟ على روايتين: أصحهما: أنها تسقط, ويكون الأب أحق بها, وعليه العمل.
وفي الرواية الأخرى: أن الأم أحق بالحضانة حتى تبلغ الجارية.
وذلك بعد الأم, إن ماتت أو نكحت زوجا للجدة للأم الخالية من زوج غريب من الطفل, ثم الخالة.
واختلف قوله في مستحق حضانة الطفل بعد الأم من القرابات على روايتين: قال في إحداهما: إن قرابات الأب أولى بحضانته من قرابات الأم.
وقال في الأخرى: قرابات الأم أولى بذلك من قرابات الأب.
وبهذا أقول.

باب الحوالة

ومن أُحيل بدينه على مليء, فرضي المحال عليه, فقد برئ المحيل من الدين, ولا رجوع له عليه أبدا.
وإن أفلس المحال عليه, أو مات فإن غره منه بأن كان المحال عليه مفلسا, والمحتال يظن أنه مليء, فله الرجوع على المحيل بحقه.
فإن أحاله على مفلس والمحتال يعلم ذلك فرضي بالحوالة عليه مع علمه بإفلاسه, فهو المتلف حق نفسه, وليس له الرجوع على المحيل.

باب الضمان

والضامن غارم, فمن ضمن عن رجل ما عليه بأمره رجع عليه بما يؤديه عنه من الحق, قولا واحدا.
وإن ضمن عنه بغير أمره, وأدى ما ضمنه, فهل له الرجوع عليه بما أدى عنه أم لا؟ على روايتين: إحداهما: له الرجوع, وهو الصحيح.
ولصاحب الحق مطالبة الضامن والمضمون عنه, لأن الضمان زيادة وثيقة, وليس كالحوالة.
وأيهما أدى برئ الآخر.
ومن قال لرجل: ما لك على فلان فهو علي, لزم الضامن ما يثبت أنه كان عليه قبل الضمان, ولا يلزمه ما يحصل له عليه من الحق في المستقبل بعد الضمان.
فإن قال له: ما دفعت إلى فلان من شيء فهو علي, كان فيها وجهان: أحدهما: يلزم الضامن ما يثبت أنه دفعه إليه بعد الضمان, ولا يلزمه ما كان له عليه قبل الضمان.
وسواء عين المضمون أو لم يعينه.
والوجه الثاني: يلزمه ضمان ما كان عليه قبل الضمان, ولا يلزمه ما كان له عليه بعد الضمان؛ لأن قوله: ما دفعت إليه, بمنزلة قوله: مالك عليه.
فإن قال له: ما تدفع إلى فلان من شيء فهو لك علي, لزمه ما يثبت أنه دفعه إليه بعد الضمان, ولا يلزمه ما كان له عليه قبل الضمان, قولا واحدا.
ولو كان له على ميت دينا, فقال له الوارث: مالك عليه فهو علي, لم يبرأ الميت من الحق حتى يقبض الغريم جميع حقه في إحدى الروايتين, والرواية الأخرى: إذا ضمن الحي ما على الميت من الحق, ورضي به صاحب الحق برئ

الميت بالضمان قبل الأداء, بدليل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أذن بالصلاة على رجل, فقال: "أعلى صاحبكم دين؟ " قالوا: نعم يا رسول الله درهمان, وروي: ديناران.
فقال: "صلوا على صاحبكم".
فقال علي عليه السلام: هما علي يا رسول الله .. فقال: "فك الله أسرك كما فككت أسر أخيك".
وروي أنه قال: "فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك" أو كما قال.
ثم تقدم فصلى عليه.
فأخبر أنه قد فُك رهانه بنفس الضمان.
ومن ادعى على رجل أنه ضمن على رجل مالا معينا, فأنكر الضمان, فإن القول قوله مع يمينه عند عدم بينة مدعي الضمان.
فإن نكل عن اليمين لزمه الحق المدعى بالضمان.
والضمان لا يبطله الموت.
ومن ضمن عن رجل لم يكن للمضمون له مطالبة الضامن بالحق قبل محل الأجل, إن كان المضمون عنه مفلسا.
فإن كان غنيا, وخلف وفاء بالحق, فهل يحل بالموت أم لا؟ قال في موضع: إذا وثق الورثة للغريم فالدين إلى أجله.
ووجه آخر: أن الدين يحل بالموت, لأن الذمة تخرب, فينتقل الحق إلى المال, فلا يكون إلا حالا.
والصحيح من المذهب: أنه لا يحل.

باب الكفالة

كفيلٌ بالنفس كفيل بالمال إلى أن يأتي بالمكفول.
فإن مات المكفول قبل أن يسلمه الكفيل بطلت الكفالة, ولم تلزم الكفيل.
وحميل الوجه: ضامن للمال إن لم يأت به في أحد الوجهين, إلا أن يشترط أن لا مال عليه, فلا يلزمه المال قولا واحدا, ويؤخذ بالإتيان به.
ومن كفل برجل ثم جاء به لم يبرأ من الكفالة حتى يقول للمكفول له: قد برئت إليك منه, فيبرأ, أو يقول: قد سلمته إليك, وأخرجت نفسي من كفالته.
ولو كفل به كفيلان أحدهما بعد الآخر, لم يبرأ واحد منهما من الكفالة إلا بالإتيان به والتبري من كفالته على ما بينا, فإن سلمه أحدهما كان للمكفول له مطالبة الكفيل الآخر حتى يسلمه إليك.
ولا كفالة في حد ولا في قصاص.
قال: ولو كان له على رجل ألف درهم, فكفل له بها رجلان, ثم أحال المكفول صاحب الحق بالألف على مليء وقبِلَ الحوالة برئ المكفول والكفيلان, مات المحال عليه, أو أفلس, أو أدى.
قال: ولو كفل لرجل بنفس رجل, فقال: إن توافِ به غدا, فما لزمه فهو عليك, فلم يأت به لم يكن عليه شيء مما على المكفول.
فإن قال: إن لم توافِ بع فما عليه لازمٌ لك.
لزمه ما ثبت أنه كان له عليه إن لم يأت به, إذا كفل به على ذلك.

باب الإقرار بالحقوق

قال الله تعالى: ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: 81].
فإقرار الحر, البالغ, العاقل على نفسه جائز.
وإقرار العبد, والصبي, والمجنون, والمحجور عليه, والمكره, غير جائز.
فإن كان الصبي مأذونا له في التجارة, كان إقراره جائزا في قدر ما أُذن له فيه إذا كان يسيرا.
وإقرار العبد المأذون له في التجارة جائز.
وإقرار الصحيح للوارث وغير الوارث جائز.
وإقرار المريض لغير وارث جائز في إحدى الروايتين, وللوارث غير جائز قولا واحدا, إلا أن يجيزه الورثة بعد وفاة المقر.
وإقرار المريض لزوجته في قدر مهر مثلها فما دون جائز, وفيما زاد عليه غير جائز, إلا أن يجيزه الورثة.
وإقرار السكران غير جائز.
ومن أقر بالزنى لم يجلد حتى يقر أربع مرات يُرد فيها, كما رد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا.
فإن أقر بقتل عمد فهل يقتل بإقراره مرة, أو يرد مرتين؟ على روايتين.
فإن أقر بسرقة لم يُقطع حتى يُقر مرتين.
ويلزمه ما أقر بسرقته من المال على كل حال.

ومن أقر بأنه عبد فبيع, ثم ثبت أنه حر كان بيعه باطلا, وأُدّب, وأُلزم رد الثمن إلى المشتري من قبضه منه.
وإن كان المقرُّ بالرق أخذ من الثمن شيئا لزمه رده.
فإن أقرت امرأة حرة بأنها أمة فابتاعها من لا علم له بحريتها, وأولدها, فلا حد عليه, ويلحق به الولد, ولا مهر لها, وعليها حد الزنى إن كانت عالمة بالتحريم, تجلد مئة إن كانت بكرا وتغرب سنة, وإن كانت محصنة رُجمت.
وإن كانت جاهلة بالتحريم لم يُبلغ بها الحد الكامل, وعُزرت بكرا كانت أو محصنة, وعوقب بائعها عقوبة شديدة, ويجاوز به التعزير, ولا يبلغ به الحد.
ومن أقر لرجل بنخلة في أرضه فهي له بأصلها.
فإن ماتت النخلة أو سقطت لم يكن لمالكها موضعها من الأرض.
ومن أقر بدين وعليه دين ببينة, بدأ بقضاء الدين الذي بالبينة, ثم بدين الإقرار في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: هما سواء, ويؤخذ بهما جميعا, ولا يقدم واحد منهما على الآخر.
ومن أقر بولد لزمه إقراره وثبت به نسبه منه.
وكذلك إن أقر به اثنان عدلان من ولد الميت بعد موت الأب ثبت نسبه, وورث أباه مع باقي ورثته.
فإن أقر به واحد, وأنكره الباقون, لم يثبت نسبه من المتوفى, وشارك المقر في نصيبه من الميراث بقدر سهمه.
واستثناء القليل من الكثير يجوز قولا واحدا.
وكذلك استنثاء النصف فما دونه.
واستثناء الكثير من القليل لا يجوز.
ومن أقر بشيء واستثنى من جنسه صح استثناؤه قولا واحدا.
ومن استثنى من غير جنسه لم يجز في الصحيح عنه, ولزمه جميع ما أقر به.
فإن استثنى عينا من ورق, أو ورقا من عين صح استثناؤه في إحدى الروايتين, ولم يصح في الأخرى.

ومن أقر بدين, وقال متصلا: وقد قضيته جميعه, لم يقبل ذلك منه إلا ببينة, ولزمه الخروج من جميع ما أقر به, وله على المقر له اليمين, فإن أقر بحق, وقال: قد قضيته بعضه.
قبل ذلك منه في إحدى الروايتين, ولم يقبل في الأخرى, وأخذ بالكل.
ومن ادعى على رجل حقا فقال: قد برئت إليه منه.
كان مقرا, وكلف البينة على ما يدعيه من البراءة, فإن عدمها لزمه الحق, وله على المدعي اليمين.
ومن ادُّعيَ عليه حق, فقال: كان له علي وقضيته, لم يكن ذلك جوابا صحيحا عن الدعوى, وطولب برد الجواب.
وقيل عنه: إنه جواب صحيح, وإنه قد أقر, وادعى البراءة, فالحكم فيه على ما تقدم.
ومن أقر وادعى الحلول كان القول قول المقر في الأجل, مع يمينه عند عدم بينة مدعي الحلول.
ومن أقر بحق, وقال: إن شاء الله, كان إقراره صحيحا, ولزمه من أقر به, ولم يرفعه عنه الاستثناء.
ومن مات وعليه دين مؤجل حل دينه, وقد روي عنه أنه لا يحل, ويكون إلى أجله إذا وثق الورثة للغريم.
ومن أقر لامرأة أجنبية بحق في مرضه, ثم تزوجها, ثم توفي, ثبت الإقرار لها, لأنه أقر وهي غير وارثة.
فإن أقر لزوجته في مرضه بحق, ثم طلقها, ثم مات من مرضه ذلك, لم يجز إقراره لها إلا أن تجيزه الورثة.
قال: ولو قالت امرأة في مرض موتها: قد قبضت صداقي من زوجي, أو: لا مهر لي عليه, لم يقبل قولها إلا ببينة تشهد على قبضها ذلك منه, أو على إقرارها في صحتها بقبضها منه مهرها.

ومن أقر لرجل بحق عند السلطان, ثم رجععنه, وادعى أنه كان مكرها, لم يقبل قوله, وأخذ بما أقر به, إلا إن أتى بالبينة على ما يدعيه من الإكراه.
قال: ولو ادعى عند القاضي على رجل ألف درهم, فأقر له بثلاثين دينارا لزمه ما أقر به إذا قبل ذلك منه المقر له, ولم يكن إقراره بذلك جوابا عن الدعوى, ولزمه الجواب عما ادعي عليه.
واختلف أصحابنا فيمن أقر لرجل, فقال: له علي درهم ودرهم ودرهم, على طريقين: منهم من قال: يلزمه ثلاثة دراهم, لأنه كلام معطوف بعضه على بعض, فهو بمنزلة قوله: له علي ثلاث دراهم, ومنهم من قال: يلزمه درهمان, لأن إقراره بهما غير محتمل, وإقراره بالثالث محتمل, والأول أوجه.
فإن قال: له علي درهم بل درهم, لزمه درهمان عند بعض أصحابنا, وقال بعضهم: لا يلزمه إلا درهم واحد.
فإن قال: له علي كُرُّ حنطة لا بل كر شعير, قال بعضهم: يلزمه كُرَّان: أحدهما حنطة, والآخر شعير, وقال بعضهم: يلزمه المقر به أخيرا, وهو كر شعير, ولا يلزمه الحنطة.
فإن قال: له علي درهم فدرهم, أو درهم ثم درهم, لزمه درهمان قولا واحدا.
وإقرار العبد المأذون له في التجراة جائز, وما ادَّان فعلى مولاه دونه, ولا يُحبس العبدبه, وإن لم يكن مأذونا له فإقراره غير جائز, وما ثبت أنه ادانه ففي رقبته, أو يفديه السيد, فإن لم يفده بيع في ديونه, فإن زادت ديونه على قدر قيمته, لم يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته.
ويحبس من عليه الحق إذا التمس ذلك صاحب الحق ولم يخرج منه المقر.
فإن ادعى المقر الإعسار, لم يقبل قوله إلا ببينة.
ولا يجوز حبسه بعد ثبوت البينة بعسرته, ولا وقت الحبس.
ومتى أقام البينة على العسر سُمعت وأطلق, وقال بعض أصحابنا: أرى إحلافه مع بينته أنه

معسر غير قادر على ما عليه من الحق, ولا مال له, قال: لأن البينة تشهد بالظاهر من حاله, وقد يجوز أن يكون له مال لا يعلمه الشهود.
وإن علم صاحب الحق أنه معسر لم يحل له حبسه, ولزمه إنظاره إلى ميسرته, فإن لم يفعل كان ظالما.
قال الله عز وجل: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: 280].

باب الفرائض

روى أبو الأحوص, عن عبدالله بن مسعود.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا القرآن وعلموه الناس, وتعلموا الفرائض وعلموها الناس, فإني امرؤ مقبوض, والعلم مرفوع, ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة والمسألة, فلا يجدان أحدا يخبرهما".
فالوارثون من الرجال عشرة: الابن, وابن الابن وإن سفل, والأب والجد للأب وإن علا, والأخ لأبوين أو للأب, وابن الأخ وإن بعد, والعم للأبوين أو للأب, وابن العم وإن بعد, والزوج, ومولى النعمة.
والموالي على ذوي الأرحام عنده أبدا.
والوارثات من النساء سبع: الابنة, وابنة الابن, والأم, والجدة, والأخت, والزوجة, ومولاة النعمة.
فميراث الزوج من الزوجة النصف, إن لم تترك ولدا أو ولد ابن.
فإن تركت ولدا أو ولد ابن منه أو من غيره, ذكرا كان أو أنثى فله الربع.
وترث هي منه الربع, إن لم يكن له ولد أو ولد ابن.
فإن كان له ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها فلها الثمن.
وميراث الأب -إذا انفرد- جميع المال.
فإن ترك الولد مع الأب ولدا ذكرا, كان للأب معه السدس, والباقي للابن, فإن كانت ابنة كان لها النصف, وللأب السدس بالفرض, والباقي له بالتعصيب.

وترث الأم من ولدها الثلث إن لم يترك ولدا, ذكرا كان أو أنثى, أو اثنين من الإخوة فأكثر من أي وجه كانوا, إلا في فريضتين: في زوج وأبوين: فللزوج النصف, وللأم ثلث ما بقي, وما بقي فللأب.
وفي زوجة وأبوين: فللزوجة الربع, وللأم ثلث ما بقي, وما بقي للأب.
والابن له جميع الميراث إذا انفرد.
وللابنة منه النصف, والباقي للعصبة.
وللابنتين فأكثر منه الثلثان, وما بقي للعصبة.
وابن الابن في عدم الابن كالابن.
وابنة الابن في عدم الابنة كالابنة.
وبنات الابن كالبنات عند عدمهن.
ولبنات الابن, واحدة كانت أو أكثر مع ابنة الصلب الواحدة, السدس تكملة الثلثين, والباقي للعصبة.
ولا شيء لبنات الابن مع الاثنتين من بنات الصلب فأكثر, إلا أن يكون بإزائه أو أسفل منهن ذكر فيعصبهن, ويكون الباقي بينهم, للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك ابنة وابن ابن, كان للابنة النصف, والباقي لابن الابن.
وميراث الأخت للأبوين النصف.
وللأختين فأكثر الثلثان.
فإن كانوا إخوة وأخوات, أبوهم واحد وأمهم واحدة, أو كانوا لأب كلهم, فالمال بينهم للذكر ضعف ما للأنثى.
والأخوات مع البنات عصبة, لهن ما فضل عن فرض البنات.
ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب, ولا مع الولد الذكر, ولا مع ابن الابن.
والإخوة للأب في عدم الإخوة للأبوين, كهم ذكورهم وإناثهم.

فإن كانت أختا لأبوين.
وأختا أو أخوات لأب, فالنصف للأخت لأبوين, ولمن بقي من الأخوات للأب السدس.
ولو كانتا أختين لأب وأم أو أكثر, لم يكن للأخوات للأب شيء, إلا أن يكون معهن ذكر, فيأخذون ما بقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك أخوات لأبوين وأخوات لأب [وابن أخ] كان للأخوات للأبوين الثلثان, والباقي لابن الأخ دون الأخوات للأب.
فإن ترك أختا لأبوين, وأختا لأب, وابن أخ لأبوين أو لأب, كان للأخت للأبوين النصف, وللأخت للأب السدس, والباقي لابن الأخ.
ولكل واحد من الإخوة والأخوات للأم السدس, لا يزاد عليه فرضا, وللاثنين منهم فأكثر الثلث بينهم بالسوية, ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.
ويحجبهم عن الميراث الولد ذكرا كان أو أنثى, وبنوا الابن, والأب, والجد للأب.
والأخ يرث جميع المال إذا انفرد, كان لأب وأم, أو لأب, وكذلك ابن الأخ.
فإن كان مع الأخ ذو سهم بُدئ بذي السهم, ثم كان الباقي للأخ.
فإن كانوا إخوة جالا ونساء كان الفاضل عن ذوي السهام بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين, فإن لم يفضل عن ذوي السهام شيء, فلا شيء لهم.
فإن كان الورثة زوجا, وأما, وإخوة لأب وأم, [وإخوة لأم] , كان للزوج النصف, وللأم السدس, وللإخوة للأم الثلث, ولا شيء للإخوة للأب والأم؛ لأنهم عصبة يأخذون ما بقي بعد فرض ذوي السهام, ولم يبق شيء فيكون لهم.
وهذه المسألة يسميها أهل العلم: المشتركة, وتسمى الحمارية أيضا.

فإن كان من هو من قبل الأم واحدا, كان له السدس, وكان السدس الباقي للأخوة للأبوين بالتعصيب.
فإن كان مكان الإخوة للأبوين أخت أو أخوات لأب وأم أو لأب ولا ذكر معهن أُعيل لهن, فكان للزوج النصف, وللأم السدس, وللإخوة للأم الثلث, وللأخت للأبوين أو للأب النصف إن كانتا واحدة.
وإن كانتا اثنتين أو أكثر كان لهن الثلثان.
وابن الأخ كالأخ عند عدمه, كان لأب وأم أو لأب.
ولا ميراث لابن الأخ للأم مع ذي سهم ولا عصبة.
والأخ للأبوين يحجب الأخ للأب.
والأخ للأب يحجب ابن الأخ للأبوين.
وابن الأخ للأبوين يحجب ابن الأخ للأب.
وابن الأخ للأب يحجب العم, والعم للأبوين يحجب العم للأب.
والعم للأب يحجب ابن العم للأب والأم.
وابن العم للأبوين يحجب ابن العم الأبعد.
وابن العم أولى من عم الأب, ثم هكذا أبدا حتى يكون الأقرب أولى.
وكل ذكر يعصب الأنثى التي في درجته, فيأخذان المال بينهما, للذكر ضعف ما للأنثى, كالبنين والبنات, وبني الابن وبنات الابن, والإخوة والأخوات.
فأما ابن الأخ وابنة الأخ فيرثان عمهما, فإن المال لابن الأخ دون أخته.
وكذلك العم والعمة في ميراث ولد أخيهما, المال للعم دون العمة.
وكذلك ابن العم وابنة العم في ميراث ابن عمهما, يكون المال لابن العم دون أخته.
ومن ترك ثلاثة إخوة متفرقين, كان للأخ للأم السدس, وللأخ للأبوين الباقي, ولا شيء للأخ للأب.
فإن كن ثلاث أخوات متفرقات, كان للأخت للأبوين النصف, وللأخت للأب السدس, وللأخت للأم السدس, والباقي للعصبة.

ومتى انفرد بالميراث ذو سهم يرث بالنسب لا يحوز جميع المال, ولم يكن معه عصبة, كان له سهمه المفروض, والباقي يرد عليه, فيصير له جميع الميراث بالفرض والرد.
فإن كان يرث بالسبب دون النسب, كان له سهمه المفروض, ولم يرد الباقي عليه, وكان الفاضل عن سهمه لذي سهم إن كان, أو عصبة, أو لذي رحم, أو لبيت مال المسلمين عند عدم جميع من ذكرت.

ومن لم يكن من العصبات, ولا من ذوي السهام, وكان من ذوي الأرحام, مثل أولاد البنات, وأولاد الأخوات, وبنات الإخوة وبنات الأعمام وولد العمات, والجد أبي الأم, والعم أخي الأب لأمه, والعمات, فإنهم لا يرثون مع ذي فرض مسمى يرث بالنسب, ولا مع عصبته بالإجماع.
فإذا لم تكن له عصبة ولا من له سهم مسمى فإنهم يرثون, لحديث راشد بن سعد, عن أبي عامر الهوزني, عن المقدام ابن معدي كرب الكندي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك دَيْنا فإلي, ومن ترك مالا فهو لورثته, وأنا ولي من لا ولي له, أفُكُّ عنه وأرث ماله, والخال وارث من لا وارث له يفك عنه ويرث ماله".
وبذلك قال عمر بن الخطاب, وعلي بن أبي طالب, وعبدالله بن مسعود, وعائشة أم المؤمنين رضوان الله عليهم في جماعة من الصحابة والقرابة والتابعين.
واختلفت الرواية عنه في كيفية توريثهم, فروي عنه: أنهم يورَّثون الأقرب فالأقرب منهم على ترتيب تورث العصبات.
وروي عنه: أنهم يورثون بالتنزيل, فيرث كل واحد منهم بالرحم التي أدلى بها.
ومتى اجتمع قرابتان من ذوي الأرحام: إحداهما من قبل الأب, والأخرى من قبل الأم, كان لقرابة الأب الثلثان, واحدا كان أو أكثر, ذكرا كان أو أنثى, ولقرابة الأم الثلث.

فقرابات الأب: العمات وأولادهن, وبنات الأعمام وأولادهن, وبنات الإخوة وأولادهن.
وقرابات الأم: الخال, والخالة وأولادهما, والجد أبو الأم.
واختلف في قوله في تنزيل العمة, فروي عنه: أنه يجعلها بمنزلة الأب, وروي: أنه جعلها بمنزلة العم.
فإذا قلنا: إنها بمنزلة الأب لم يرث معها من ذوي الأرحام إلا من حل محل الأم, كالخال والخالة.
ومن حل محل الولد من أولاد البنات وأولاد بنات البنين, ويسقط من سواهم معها.
وإذا قلنا: إنها بمنزلة العم شاركها سائر ذوي الأرحام إذا ورثناهم بالتنزيل.
وإذا ورثنا الأقرب فالأقرب منهم أسقطها بنات الإخوة ومن هو أقرب منها, وشاركت أولاد الأخوات في الميراث.
فإن ترك قرابتين من ذوي الأرحام, إحداهما من قبل الأم, والأخرى من قبل الأب, وقرابة الأب أقرب من قرابة الأم, أو قرابة الأم أقرب من قرابة الأب, فالميراث للقربى منهما في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: الميراث بينهما على ما بينا, ولا تسقط البعدى منهما بالقربى.
فأما إن كانت القرابة من وجه واحد من قبل الأم أو من قبل الأب, وفيهم من هو أقرب إلى الميت, كخالة وابنة خالة أخرى, أو عمة وابنة عمة أخرى, فالميراث للقربى منهما دون البعدى في الصحيح من قوله.
واختلف قوله في تفضيل ذكور ذوي الأرحام على إناثهم في الميراث على روايتين: إحداهما: أنه لا يفضل الذكر منهم على الأنثى, كما قال في الإخوة والأخوات للأم, إلا في الخال والخالة إذا اجتمعا, فإنه قال: للخال الثلثان, وللخالة الثلث, لا أعلم عنه ها هنا خلافا, والرواية الأخرى أنه ورثهم للذكر مثل حظ الأنثيين, كتوريث العصبات.
فإن ترك ابنة أخ وعمة كان المال للعمة دون ابنة الأخ على الرواية التي نزلها فيها منزلة الأب, كان الميت ترك أبا وأخا, وعلى الرواية التي قال فيها: إن العمة بمنزلة العم يكون المال لابنة الأخ دون العمة, كأن الميت ترك أخاه وعمه.

فصول الكتاب · 10 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل