الإرشاد إلى سبيل الرشادصفحات 234-273
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القرض

صفحات 234-273
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
الكتاب
الإرشاد إلى سبيل الرشاد
المؤلف
محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
المحقق
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
الطبعة
الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: والقرض معروف, ومن سُئل فلم يقرض لم يأثم.
وليش القرض من المسألة التي لا تحل.
قال: ولا أُحب أن يتحمل الإنسان بأمانته ما ليس عنده.
وقضاء الدين مقدم على الصدقة.
قال: ومن كان فقيرا فأراد أن يستقرض, فليُعلم من يسأله القرضَ بحاله ولا يغره من نفسه, إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله.
وكذلك: لا يتزوج الرجل الفقير المرأة الموسرة ولا يعلمُها بحاله.
ولا يغر مسلم مسلمة.
قال: ولا بأس أن يقول رجل لرجل: اسقرض لي من فلان ألف درهم ولك عشرة دراهم.
ولو قال: اكفلني لفلان ولك أجرة كذل, لم يجز.
قال: ولو أقرض رجلا دراهم إلى أجل, لم يكن القرض مؤجلا, وكان حالا, وينبغي له أن يفي له بما وعده.
قال: ولو استقرض من رجل دراهم مكسرة وهي جائزة, فأتلفها, ثم حرم السلطان التعامل بالمكسرة, ونادى فيها, كان للمقرض قيمتها يوم اقترضها.
وكذلك لو كانت باقية بعينها بعد أن حُرمت ونودي فيها, لم يكن له أن يردها؛ لأنه أخذها وهي جائزة, وفسدت في يده, فعليه قيمتها يوم أخذها ذهبا.
قال: ولو استقرض دراهم, أو حبوبا, أو خبزا, فردَّ أجود مما أخذ, لم يكن به بأس, إذا كان بغير شرط.
قال: ولو أقرض رجلا فضة فرد أرجح منها, وحلله منها, طاب ذلك له, ولم

يكن ربا, قد اقترض ابن عمر قرضا, فرد أكثر من ذلك, وقال للمقرض: هذا نيل منا لك.
وروى أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم اقترض بعيرا, فأعطاه أفضل من سِنِّه.
قال: لا بأس بذلك في القرض, ولا يجوز في السلم.
وعن ابن مسعود: أن أقرض رجلا دراهم, فرد عليه أجود منها.
قال: ولو أقرض رجلا دراهم فأعطاه بها طعاما وحاباه في السعر, لم يكن به بأس.
هذا كل يجوز عنده إذا لم يكن شرط ولا تشوف نفس.
فإن أقرض رجلا عشرة دراهم غلَّة, فقضاه صحاحا جاز في أول مرة, فإن عاد يلتمس منه قرضا ثانيا لم يقرضه, وإن فعل لم يأخ منه إلا مثل ما أقرضه, وإن أخذ زيادة أو أجود كان حراما قولا واحدا.
ولو كان له على رجل بر معلوم, ولم يكن عنده, لم يجز أن يعطيه شعيرا أكثر كيلا من الطعام, إلا أن يقوم الطعام دراهم ويبيعه بها شعيرا.
فإن أعطاه بطعامه شعيرا قفيزا بقفيز من غير زيادة جاز.
فإن كان له على رجل دراهم مكسرة, فجاءة بدراهم صحاح أقل منها, لم يأخذها بجميع حقه, ولكن يأخذها بمثلها من حقه, وإن أحب أن يهب له الباقي جاز.
ولا يجوز أن يأخذها على وجه الصرف قولا واحدا.
قال: ولو كان له على رجل ألف درهم, فأعطاه دراهم فيها مكحَّلة أو مزبَّقة, لم يكن قد وفاه حقه؛ لأنه أعطاه كحلا وزئبقا.
قال: ولا يكسبها المعطي إلا بأمره, وعلى المعطي أن يعطيه ما نقص.
قال: ولا خير في الخبز قرصا بقرصين, ولا عظيما بصغير, إذا كان بعض

ذلك أفضل من بعض.
فأما إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل, فلا بأس به, وإن لم يوزن, قال: والوزن في الخبز والخمير أحب إلي.
قال: وقد سهل قوم في أن يأخذ الأصغر ويعطي الأكبر, فإذا لم يكن على مواطاة, فلا بأس.
ولا خير في قرضِ جر منفعة, إلا أن يعطيه صاحبه بطيب من نفسه على غير مواطأة أول دفعة على ما بينا.
ولو أقرض رجلا قرضا, فأهدى إليه هدية, لم يقبلها إلا أن يكافئه أو يحبسها من دَينه, إلا أن يكونا ممن جرت العادة بينهما أن بتهاديا قبل ذلك, فليس به بأس, وهو قول أنس.
ولو استضاف رجلٌ غريما له, ولم تكن العادة جارية بينهما قبل القرض بذلك, حسب له ما أكل.
ومن كان له على رجل قمح أو زيت, فطلبه ولم يكن عنده, لم يُقرضه دراهم يبتاع ذلك بها ويقضيه, فإن فعل كان مكروها غير محرم.
قال: فأما إن كان له على رجل ألف درهم أفلس, فأقرضه صاحب الحق ألفا أخرى على أن يردها عليه والألف الأولى في كل شهر شيئا معلوما جاز.
وكذلك لو كان له على رجل مال فأفلس, فقال صاحب الحق له: أعطني رهنا, وأعطيك مالا تعمل به وتقضيني.
جاز ذلك.
ولو أقرضه قرضا, ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض, كان ذلك قرضا جر منفعة.
وكذلك لو قال له رجل: أقرضني درهما لأسكن دراك, وأزيدك في الأجرة.
لم يجز؛ لأنه قرض جر منفعة.

قال: ولو كان لرجل أكّارٌ يعمل في أرضه, فقال له: أقرضني ما أبتاع به بقرا, لم يقرضه.
قال: ولو قال له رجل: أقرضني ألف درهم, وادفع إلي أرضك أزرعها على الثلث.
كان خبيثا.
قال: ولو أقرضه طعاما ببغداد, فقضاه طعاما بالكوفة على غير شرط جاز.
فإن أقرضه طعاما ببغداد, وشرط عليه أن يقضيه الطعام بالكوفة؛ لأن الطعام بها أغلى, كان مكروها.
ومن كان له على رجل طعام قرضا, لم يبعه من غيره قبل قبضه قولا واحدا.
واختلف قوله في بيعه من الذي عليه الطعام قبل قبضه منه على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى إلا بعد قبضه.
قال: ولو استقرض منه فلوسا وقيمة كل عشرين فلسا دانق, فصارت قيمة كل عشرة فلوس منها دانقا كان له عليه عشرون فلسا.
ولا بأس باستقراض سائر الحيوان, وكُره استقراض بني آدم.
قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلف بعيرا, ولم يستسلف عبدا ولا جارية.
قال: ولو استقرض من رجل عشرة دراهم وزنها كعددها, لم يجز أن يأخذ منه عشرة دراهم, عددها أكثر من وزنها, إذا كانت تجوز في ذلك البلد برؤوسها.
قال ولا بأس بتسعين دينارا بمئة دينار والوزن واحد, إذا كانت لا تنفُق في مكان إلا بالوزن.
فأما إن كانت تنفُق في مكان برؤوسها فلا.
قال: ولو أراد رجل أن ينقد نفقة عياله, فأقرضها رجلا على أن يدفعها إلى عياله, فلا بأس, إذا لم يأخذ عليها شيئا.

باب الحبس

ولا يتم الحبس حتى يخرجه المحبس عن يده.
فإن مات قبل إخراجه وحيازته بطل وكان ميراثا.
ومن وقف جميع ماله في صحته على وارث وغير وارث جاز.
وإن وقف في مرض موته جاز ذلك في ثلثه.
وسواء وقفه على وارث أو أجنبي.
ولا يحل ذلك محل الوصية التي لا تجوز لوارث.
قال: ومن أوقف وقفا على ولده, وولد ولده, ونسله, وعقبه, أو على أجانب, وجعل آخره بعد انقراضهم لفقراء المسلمين ومساكينهم, وأخرجه إلى غيره عن يده في حال إيقافه, كان وقفا صحيحا على ما شرط قولا واحدا.
فإن وقفه على قوم, ولم يجعل آخره للمساكين, فعلى روايتين: إحداهما: يكون وقفا على أقرب عصبات الميت المُوقِف بعد انقراض من وُقف عليه.
والرواية الأخرى: يرجع بعد وفاة الموقف عليه إلى ورثة الموقِف ملكا بينهم على الفرائض.
فإن وقفه على نفسه أيام حياته, فإذا مات فعلى المساكين, كان باطلا, ولم يكن وقفا صحيحا, وكان باقيا على ملك ربه, فإذا توفي كان لورثته.
فإن وقف وقفا وشرط لنفسه سُكنها أيام حياته, أو شرط لنفسه النفقة من بعض أرفاقه, أو شرط النظر لنفسه أيام حياته, أو صرف غلَّته فيما جعهل وقفا عليه, جاز, بعد أن يخرجه عن يده إلى يد غيره, ثم يرتجعه لينظر فيه, كما اشترط.
وكذلك لو اشترط لأولاده أو لبعضهم سُكنى الوقف, أو سُكنى بعض أيام حياته جاز ذلك.

ومن اشترط لنفسه تغيير وقفه متى شاء عن الوقف, أو بيعه عند الحاجة, أو الرجوع فيه, كان باطلا, ولم يكن وقفا صحيحا.
ومن وقف وقفا جعل آخره للمساكين, وأخرجه عن يده, فقد خرج عن ملكه, وانقطع ملكه منه على ما بينت, فلا يباع ولا يوهب ولا يُملك ولا يورث, وليس لأحد أن يجع فيه, ولا أن يغيره عن حالته التي وُقف عليها.
ومن وقف وقفا على ولده, وولد ولده لصلبه, لم يدخل فيهم البنات.
ولو وقف على ولده ونسله وعقبه, وله أولاد, ثم رُزق بعدهم أولادا, دخل من حدث له من الولد في الوقف, وشاركوا فيه من قبلهم من ولده.
ولو قال: هذه الضيعة وقف على ولدي.
فمات الأولاد الموقوف عليهم, وتركوا نسودة حوامل, فكل ما كان من أولاد الذكورمن ذكر وأنثى, فالضيعة وقف عليهم, وما كان من ولد البنات فليس لهم في الوقف شيء.
وكذلك لو جعلها وقفا على ولده, وولد بنيه لم يكن لولد البنات فيها شيء.
فإن قال: ولدي وولد ولدي فهي على ولد الذكور والإناث, وعلى ولد ولده الذكور والإناث.
ولو وقف ضيعة أو نخلا على ولده وولد ولده, فحصل فيها زرع قد استحصد, أو تمر قد أبرت, ثم رزق ولدا آخر بعد الحصاد والتأبير, فلا حق للولد الحادث في الزرع ولا في الثمرة.
وإن كان قبل تأبير الثمرة وقبل حصاد الزرع شرِك الولد الحادث من كان قبله من الولد في الزرع وفي الثمرة.
ولو حبس حبسًا على ولده الصغير, كانت حيازتع له صحيحة إلى أن يبلغ, وكان والده قيما له به ما دام صغيرا.
فإن وقفا وقفا على ولده, وفيهم ذكور وإناث وبيّن قدر ما لكل واحد

منهم, كان ذلك بينهم على ما شرط, فإن لم يبين قدر ما لكل واحد منهم, كان الذكور والإناث فيه سواء, لا يفضل ذكر عن أنثى, إذا كان قال: وقفا على ولدي الذكور والإناث, فإن قال: بينهم على فرائض الله عز وجل.
كان للذكر منهم ضعف الأنثى.
فإن فضّل بعضهم على بعض كان بينهم على ما شرط.
فإن ماتوا ولهم أولاد, كان ما كان وقفا عليهم, وعلى أولادهم, وإن ماتوا ولا ولد لهم رجع الوقف إلى عصبة الموقف وقفا عليهم.
فإن لم يكن للموقِف عصبة ولا ولد, وكان الواقف جعل آخر الوقف بعد انقراض الموالي للمساكين, كان وقفا على مساكين المسلمين أبدا كما شرط.
وإن لم يكن آخره للمساكين بيع الوقف, وجُعل ثمنه في المساكين, وعلى الرواية الأخرى: يرجع ملكا لورثة الواقف.
ولا يجوز وقف العين والورق والثياب, وما في معنى ذلك, ولا بأس بوقف السلاح والخيل.
والوقف لا يباع ولا يوهب, ولا تُغير شروطه, ولا يُناقل به, إلا أن يخرب ولا يَرُدَّ شيئا, ولا يتمكن أربابه من عمارته, فيجوز حينئذ بيعه, ويُجعل ثمنه في وقف مثله.
وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو والطراد جاز بيعه, وصرف ثمنه في مثله يكون حبيسا.
وكذلك المسجد إذا خرب موضعه, ولم يبق له مجاور يصلي فيه, وخيف هلاكه, جاز أخذ آلته وبُني بها مسجد في موضع عامر يُصلى فيه.
وكذلك ما تكسر من خشبه, ولم يصلح للعمل بيع واشتري بثمنه آلة تصلح للعمل, فجعلت في المسجد.
ومن مات من أهل الوقف, رجع ما كان له منه على من شرط الواقف رجوعه إليه من بعده من ولد أو غيره.
ومن وقف وقفا على بطن أعلى, وجعل غلته بعد انقراض البطن الأعلى على البطن الأسفل, ولم يشارك البطن الأسفل البطن الأعلى في شيء من غلة الوقف مع وجودهم, أو وجود بعضهم.
والولاية على الوقف إلى من جعلها الموقف من أرباب الوقف, أو من غيرهم,

فإن أخلاه من وال, كان النظر فيه إلى الحاكم.
وإذا حصل لأهل الوقف من غلته خمسة أوسق فصاعدا, لكل واحد منهم, كانت الزكاة عليه واجبة قولا واحدا.
فإن كان الذي حصل من الوقف خمسة أوسق, فقُسم بين جماعة أهل الوقف, فهل فيها زكاة أم لا؟ على وجهين.
فإن وقف وقفا على مساكين المسلمين وفقرائهم, فلا زكاة عليهم فيما يحصل لهم منه.
قال: لأن ذلك صار جميعة لجماعة المساكين, فلا أرى عليهم فيه صدقة, إلا أن يوفق الرجل على ولده, أو على قوم أغنياء, فتجب الزكاة على من تبلغ حصته منهم خمسة أوسق فما زاد.
قال: ومن وقف وقفا على قوم, وشرط أنَّ من مات منهم رجع نصيبه من الوقف إلى ورثة الموقِف, كان جائزًا على من شرط, وكان ما يرجع إلى الورثة من ذلك وقفا على سُبُله المشروطة.
ولا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الموقف أمر الوقف إذا كان أمينا.
ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى عمله من أمر وقفهم, حتى يستوي علمه فيه وعلمهم.
قال: ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف, لتكون نسخة في أيديهم وثيقة لهم.
وإن كان الموقف جعل للناظر في الوقف أجرا على قيامه به ونظره, وكان الوقف يحتاج إلى أجر أمناء وغيرهم, وكلفة النظر فيما جُعل للقيم من الأجر على نظره, فإن كان ذلك زائدا على قدر أجر مثله, كانت المؤنة التي تلزم الأمناء وغيرهم عليه مما جُعل له, دون أرباب الوقف, حتى يصير الباقي له مقدار أُجرة مثله.
فإن احتيج إلى كلفة بعد ذلك كانت من غلة الوقف, إلا أن يكون الواقف شرط له ذلك خالصا.
وشرط أن ما يلزم من الكلفة للوقف للأمناء وغيرهم من جُملة غلة الوقف دون ما جعلها للقيم, فيكون ذلك على ما شرط.

قال: وإن كان الوالي على الوقف غير أمين, ولم يرضَ به أرباب الوقف لم تنتزع يده, ولكن يجعل الحاكم معه أمينا يحتاط على الوقف ويحفظ غلته.
ووقف المشاع جائز, كما يجوز وقف الحاضر, لا فرق بينهما عنده.
وإذا جعل الرجل بيتا من داره مسجدا, فأذن فيه وأقام, ودعا الناس إلى الصلاة فيه, خرج بذلك عن ملكه, وانقطع ملكه عنه, وصار لله عز وجل, ولم يعد إلى ملك من كان له أبدا, قيل له: فإن بنى في دار مسجدا ونوى أن يصلي فيه حياته, فإذا مات كان ميراثا لورثته؟ قال: لا يجوز ذلك, إذا أذّن فيه ودعا الناس للصلاة فيه, خرج عن ملكه, ولم يعد إليه ولا إلى ورثته, ولا تأثير للنية في ذلك بعد الأذان والصلاة فيه, قد صار لله عز وجل.
وكذلك من بنى سقاية وجعلها للسبيل, أو سبَّل أرضا وجعلها مقبرة, وأذن في الدفن فيها, لم يعُد ذلك إلى ملكه أبدا.
قال: ومن غرس في مسجد نخلة كرهتُ ذلك, فإذا فعل, فثمرتها لمساكين الدرب.
وكذلك لو كانت نَبْقة, أكل ثمرتها مساكين الجيران.
ويخرج أهل المسجد من عندهم ما يحتاج المسجد من بواري وغيرها, فأما إن وقف على المسجد نخلا, أو حوانيت, فإن غلة ذلك بعد عمارته تكون مصورفة إلى عمارة المسجد, كما شرط الوقف.
قال: وما كان من خُلقَان بواري المسجد تُصُدق به على المساكين, إنما هو لله عز وجل, فلا يأخذه أحد.

باب العمرى

ومن أعمر رجلا داره في حياته, كانت له ولورثته من بعده, ولم ترجع إلى المُعمِر الأول أبدا؛ لأنها تخرج بذلك عن مِلكه, كالوقف.
وكذلك الرقبى.
وليس كذلك السكنى.
فإن قال لرجل: داري لك سكنى عمرك أو عمري.
كان له ارتجاعها ممن جعل له سكناها أي وقت شاء في حياته, فإن لم يرتجعها إلى أن توفي, فهي لورثته من بعده, موروثة على الفرائض دون الساكن, والله أعلم.

باب الرهن

قال الله عز وجل: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:283]. والرهن جائز في الحاضر والمشاع, والسفر والحضر.
ولا يصح الرهن إلا مقبوضا.
وضمان الرهن من الراهن ما لم يجنِ عليه المرتهن, أو يفرط في حفظه.
فإن فعل, فضمانه عليه.
ونماء الرهن رهنٌ معه, إن كان لا يفسُدُ بالبقاء, وإن كان مما يفسد بالبقاء باعه المرتهن, إن كان الراهن جعله وكيلا في البيع, أو الحاكم إن لم يكن الراهن جعل ذلك للمرتهن, وكان ثمنه رهنا.
وولدُ الأمة الرهن الحادث بعد رهنها رهن معها, وكذلك نتاج الماشية.
وما هلك من الرهن بيد أمين, فمن مال الراهن.
ومن رهن سلعتين صفقة واحدة لم تخرج إحداهما من الرهن بقضاء نصف الدين, وكذلك الرهن الواحد يُقضى أكثر ما عليه يكون رهنا بما بقي.
وكذلك لو رهن رجلان دارا لهما عند رجل صفقة واحدة على ألف درهم, ثم جاء أحدهما بخمس مئة درهم فأقبضها المرتهن كانت الدار كلها رهنا على ما بقي, ولم تخرج حصة الدافع من الرهن.

ولو رهنه عبدا فقُتل العبد, فأخذ مولاه قيمته كانت رهنا مكانه.
فإن جنى العبد الرهنُ جنايةً تحيط بقيمته, فهي في رقبته.
فإن فداه المولى, فهو رهنٌ بحاله.
وإن سلمه بجنايته كان عليه بقدر قيمته تكون رهنا مكانه.
فإن مات العبد الرهن كان دين المرتهنبقايا في ذمة الراهن, وليس له مطالبته برهن يكون في يده مكانه.
فإن أعتق المولى العبد الرهن نفذ عتقه, ولزمه أن يجعل بقدر قيمته رهنا مكانه.
ورهنُ الشجر دون الأرض والولد دون الأم, والثمرة دون الأصل جاز.
ومتى هلك الرهن هلاكا يتعلق ضمانه بالمرتهن, واختلفا في قيمته, كان القول قول المرتهن في القيمة, مع يمينه عند عدم بينة الراهن على ما يدعيه من القيمة.
وإن هلك الرهن بغير جناية من المرتهن عليه كان من مال صاحبه, ودين المرتهن باق بحاله, وله المطالبة.
فإن اختلفا في رهنه, فقال المالك: هووديعة, وقال مَن هو في يديه: بل هو رهن عندي, كان القول قول المالك مع يمينه, إلا أن يأتي الآخر ببينة على ما يدعيه من الرهن.
وكذلك لو اختلفا في قدر ما عليه من الحق, فقال الراهن: رهنته عندك على مئة.
وقال المرتهن: على مئتين.
كان القل قول الراهن مع يمينه عند عدم بينة المرتهن على ما يدعيه من الزيادة.
ولا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن, إلا ما كان مركوبا, أو محلوبا, فيركب ويحلب بمقدار العلف, بيد أن لا يُعجفه, ولا يُنهكه بالحِلاب والركوب.
فإن كانت قيمة اللبن أكثر من قدر العلف, كان الفضل للراهن.
وإن كانت قيمة ذلك أقل من قدر العلف, كان الفضل على الراهن.
قال: ولا يحلب ولا يركب إلا بإذن مالكه.
وما عدا ذلك من الرهون إذا احتاجت إلى مؤنة من طعام, أو أجرة مخزن, وما في معنى ذلك, فعلى الراهن.
وكفن العبد الرهنِ إذا مات على الراهن دون المرتهن.

وبيع الرهن غير جائز؛ لأنه وثيقة بحق المرتهن, فإن اتفقا على بيعه ليقضيه حقه من ثمنه جاز.
فإن كان الدين مؤجلا, فأذن المرتهن للراهن في بيعه قبل محل أجل الدين, فقد خرج بذلك من الرهن, ولا يستحق المطالبة بدينه, إلا عند محل أجله.
ولا يستحق أخذ ثمنه ليكون رهنا في يده, ولا مطالبة الراهن برهن يكون مكانه؛ لأن المرتهن اختار إخراجه من الوثيقة, فإن شاء الراهن تعجيل قضاء الدين قبل محله كان ذلك له, وكان به متطوعا.
ولو وكل الراهن المرتهن في بيع الرهن, إن حل الأجل ولم يقضه, كان له بيعه عند محل أجل الدين, إذا امتنع الراهن من الأداء بعد المحل, وقبض حقه من ثمنه.
فإن لم يوكله في بيعه لم يجز له أن يبيعه, وإن حل أجل الدين, إلا بإذن الراهن أو الحاكم.
فإن وكله ببيعه, ثم فسخ وكالته قبل محل الأجل بغير علمه, كان فسخا صحيحا.
قال: ولا ينبغي له أن يحتال له ويخدعه, وفيه وجه آخر؛ لأنه ليس له فسج الوكالة, ولا إخراجه عنه؛ لأن فيه إبطال حقه من التصرف واستيفاء الدين.
وقد منع أحمد بن حنبل رضي الله عنه من الحيلة في غير موضع من كتبه, والأول هو المنصوص عنه.
ولو تصدق الراهن بالدار الرهن, أو وقفها لم يجز, وكان فعله باطلا.
ولو قيل: إن عتق العبد الرهن لا يجوز, كما لم يجز وقف الدار الرهن, كان وجها.
ولو رهنه رهنا بدين, وله عنده دين آخر بغير رهن, كان الرهن وثيقة بما رهن به دون غيره, ولم يكن للمرتهن حبسه بالدين الذي لا رهن به.
ويُمنع الراهن من وطء الأمة الرهن, فإن أقدم على ذلك أساء, فإذا أتت بولد خرجت من الرهن, ولزمه أن يأتي بقدر قيمتها لتكون رهنا مكانها.
قال: فإن رهنه رهنا وأذن له في إعارته وإكرائه جاز له أن يعيره ويكريه.
والأجرة

للراهن رهن مع الأصل.
ولا يخرج الرهن بالعارية والإجارة من الرهن على معنى قوله.
ولو آجره الراهن بإذن المرتهن خرج من الرهن في أحد الوجهين؛ لأن المرتهن حين أذن للراهن بالتصرف فيه يصير مخرجا بذلك عن عقد الرهن.
والوجه الثاني: لا يخرج بذلك من الرهن, كما لو أخرجه المرتهن بإذن ربه, فيكون الأجر في الموضعين رهنا مع الأصل.

باب العارية

والعارية مضمونة مؤداة, تعدى فيها المستعير أو لم يتعد, فإن اختلفا في قيمتها بعد هلاكها, كان القول في القيمة قول المستعير مع يمينه, إلا أن يأتي المعير ببينة على قدر ما يدعيه من القيمة.
ومن استعار عارية, واستأذن ربها في رهنها, فأذن له, ثم هلكت في يد المرتهن, كان على المستعير ضمان قيمتها لربها, ولا ضمان على المرتهن إذا لم يخت ولم يتعدَّ فيها, ويرجع المرتهن على المستعير الراهن بدينه, فإن هلكت بيد المرتهن هلاكا يتعلق عليه به ضمانها كان المستعير خصمه فيها دون المعير, والمعير خصم المستعير فيها, ولا خصومة بينه وبين المرتهن.

باب الوديعة

والمودَع أمين, وقوله مقبول في رد الوديعة, وإن أنكرها ربها, إن كان أودعها بغير بينة قولا واحدا.
وإن كان أودعها ببينة لم يقبل قوله إلا ببينة في الظاهر من قوله.
والمودَع مصدَّق في هلاكها قولا واحدا إذا هلكت مع متاعه, ولا ضمان عليه فيها إلا أن يتعدى, أو يخون, أو يخالف, أو يفرط في حفظها, فيضمن بالتعدي.
فإن هلكت وحدها من بين متاعه, فهل يضمن أم لا؟ على روايتين؛ فإن كانت عينا, أو ورقا فأنفق بعضها, ثم رده, ثم هلكت جميعها ضمن قدر ما أنفقه منها.
فإن كانت الوديعة غلة, فخلطها بصحاح, أو صحاحا, فخلطها بغلة, لم يضمنها إن هلكت؛ لأنها تتميز من ماله.
ولو أودع الوديعة غيره بغير إذن ربه ضمنها إن هلكت, فإن سلمها إلى زوجة ربها أو غلامه الذي جرت عادته بقبض أمواله لم يضمنها.
وكذلك لو سلمها المودع إلى من جرت عادته بحفظ ماله من خادمه أو زوجته ليحرزها فهلكت, فلا ضمان عليه.
ومن تَجَر بالوديعة, فقد تعدى, والربح كله لربها, وعليه ضمانها له متى هلكت.
ومن باع الوديعة اعتدى, وكان بيعه باطلا, وعليه ردها مع وجودها, أو ضمان

مثلها إن هلكت, أو قيمتها عند عدم العين والمثل.
وتُعتبر القيمة يوم التعدي.
فإن اختلفا في القيمة, كان القول فيها قول الغارم مع يمينه, عند عدم بينة ربها على ما يدعيه من قيمتها.
ولو أودعه ورقا, ثم قال: صرِّفه لي بعين.
ففعل ثم هلكت العين بغير جنايته, لم يضمن؛ لأنه أمين.
ولو فرض القاضي على غائب فرضا لزوجته وولده, وله وديعة, فأمر المودَع بدفع ما فرضه من النفقة من الوديعة, ففعل, برئ مما يدفعه إليهم, ولم يكن لرب الوديعة مطالبته.

باب اللقطة

ومن وجد لقطة من عين أو ورق عرفها في الأسواق على أبواب المساجد في أوقات الصلوات سنة, فإن جاء ربها فوصف عفاصها, ووكاءها, ونقدها, دُفعت إليه بغير بينة, وإن لم يأت ربها بعد تمام الحول كان للاقط التصرف فيها إن شاء بالإنفاق لها, وإن شاء بالصدقة بشرط الضمان في الموضعين, في الصحيح من قوله.
وقد لوَّح في موضع أنه إذا أنفقها بعد الحول والتعريف لم يضمنها؛ لحديث مطرف بن عبدالله عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة, فقال: " يُعرِّف, ولا يُغيِّب ولا يكتم, فإن جاء صاحبها, وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء".
والصحيح أن يضمنها؛ لحديث الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن بُسر ابن سعيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة, فقال: " عرِّفها سنة, فإن جاء باغيها, فأدِّها إليه".
وهذا الحيث أولى؛ لأن حديث عياض بن حمار ليس فيه بيان مدة التعريف, ولا فيه أيضا بيان سقوط الضمان عن الملتقط بعد الإنفاق لها, فهو أولى.
فمتى جاء ربها وقد أنفقها المتلقط كان عليه غرامة مثلها.
وإن كان قد تصدق بها, خُير ربها بين غرامتها له وبين الأجر, فكان له ما اختار منهما.

وعلى من وجد لُقطة أن يُشهد عليها ذوَي عدل ولا يكتم, فإن فعل فهلكت من يده قبل تمام الحول أو بعد ذلك قبل تصرفه فيها من غير تعد منه, لم يضمنها قولا واحدا.
وإن لم يُشهد حين وجدها, لكنه عرفها, وأظهر التعريف, فهل يضمنها أم لا؟ على روايتين.
فإن كانت اللقطة عروضا, فهل حكمها حكم العين والورق في تعريف السنة, وجواز التصرف فيها بعد ذلك أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: أن حكمها حكم العين والورق.
والرواية الأخرى: أن حكم لُقطة العروض بخلاف لُقطة العين والورق في التعريف.
وعلى من التقط عروضا أن يُعرِّفها أبدا, ولا يباح له التصرف فيها قبل الحول ولا بعده.
قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الدراهم والدنانير: "هي له بعد سنة" وهذا المتاع يعرفه.
قال: فلم يجعل له التصرف بعد الحول, كما جعل ذلك في العين والورق.
والأول أظهر.
واختلف قوله فيمن وجد عروضا هل يبيعها بعد السنة والتعريف, ويتصدق بثمنها أم لا؟ على روايتين؛ قال في إحداهما: يبيعه ويتصدق بثمنه, بشرط الضمان على ما بينَّا.
وقال في الأخرى لا يبيعه, ويعرفه أبدا.
هذا إذا كان لا يفسد على البقاء.
فإن كان مما يفسد بالبقاء, وخاف هلاكه باعه.
وهل يتصدق بثمنه أم لا؟ على روايتين كما ذكرنا.
وقد منع أحمد رضي الله عنه في موضع, من الصدقة باللقطة, سواء كانت عينا, أو ورقا, أو عروضا, فقال: كيف يتصدق بمالٍ ليس له؟! ولا زكاة على الملتقط في اللقطة في زمان لزوم التعريف لها, وكونه ممنوعا من التصرف فيها, فإذا جاز الحول من حين التقطها وأبحناه التصرف فيها

استقبل حينئذ بها حولا, ثم زكاها.
فإن جاء ربها فوصفها وأخذها كان عليه أن يزكيها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها.
وقيل عنه: لا زكاة عليه فيها لما مضى؛ لأنها كانت في معنى المال التَّوي.
ولا يأخذ ضالة الإبل, ولا ضالة البقر؛ لحديث زيد الجهني أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة, فذكر الحديث إلى أن قال: يا رسول الله, فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت عيناه, أو احمر وجهه, ثم قال: "ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها".
ويأخذ ضالة الغنم, وعليه تعريفها سنة؛ فإن جاء ربها سلمها إليه.
فإن أقدم على أخذ الإبل والبقر أساء, ولزمه تعريفها سنة ودفعها إلى ربها من جاء فوصفها.
ومن وجد شاة بمهلكة من الأرض لم يملكها بأخذه لها, وكانت لقطة, وعليه تعريفها سنة.
قال: والحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم: "هي لك, أو لأخيك, أو للذئب" فقد لا تكون للذئب.
وكذلك لا تكون لك, عرِّفها سنة, فإن جاء صاحبها ردها عليه, وإلا فهي لك.
وقد جاء في الحديث في ضالة الشاة عند قوله: "أو للذئب": "واجمعها حتى يأتيها باغيها" رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
فإن وجد ضالة من غنم أو غيرها, فأنفق عليها محتسبا, ثم جاء ربها, فهل له مطالبته بما أنفق عليها أم لا؟ على روايتين.
وإن كان غير متطوع بالنفقة كان له الرجوع بما أنفق, إذا لم يتعد, وأنفق عليها نفقة مثلها.
وما نُتجت الشاة, أو الناقة, أو البقرة, وهي في يده قبل الحول أو بعده كان ولدها لربها معها متى حضر.
قال أحمد رضي الله عنه: طيرةٌ سقطت عند قوم فاصطادوها, وفرَّخت عندهم,

ثم جاء ربها, فعليهم ردها, ورد فراخها معها إلى ربها.
فجعل الولد لمالك الأم.
وحكم لقطة الحرم, كحكم اللقطة في الحل في التعريف على ما بينَّا.
ومن التقط لقطة في أرض العدو أو من أموالهم طرحها في المقسم, وكانت كمالِ الغنيمة؛ لأنه بقوة جيش المسلمين صار إلى بلاد العدو.
فإن وجد لقطة لا يعلم هل هي من مال مسلم أو كافر, فهي لقطة, عليه تعريفها سنة كما ذكرنا.
واختلف قوله في الرجل يبتاع الشاة, فيجد في بطنها عينا أو ورقا في روايتين: قال في إحداهما: لقطة يعرفها حولا.
وقال في الأخرى: هي لرب الشاة البائع لها, فليردها إليه.
فإن ابتاع سمكة فوجد في بطنها درة, فالدرة للصياد.
فإن وجد في بطنها عينا أو ورقا, كانت لقطة.
فإن اصطاد سمكة فوجد في بطنها درة أو ما يكون البحر معدن له, كان ذلك له, فإن كانت عينا, أو ورقا, أو ما ليس البحر له معدنا, كان ذلك لقطة, والسمكة له.
ولو وثبت سمكة من البحر فسقطت في حجر رجل جالس في السفينة كانت له دون رب السفينة.
فإن سقطت في السفينة كانت لربها دون الراكب.
ولو نصب رجل شَرَكًا, فوقع فيه صيد وثبت فيه, ولم يقلعه ويذهب به, فأدركه غير صاحب الشرك, لم يكن له أخذه.
فإن أخذه, لزمه رده إلى صاحب الشرك؛ لأنه قد ملكه بذلك, فهو كصاحب السفينة.
فإن طرح شبكته في الماء فوقعت فيها السمكة فقطعت الحبل, وذهبت بالشبكة في الماء, فأصابها غير ربها, كانت السمكة لمن أصابها, والشبكة لقطة, وإنما كان ذلك؛ لأن صاحب الشبكة لم يحز السمكة, وصاحب الشرك أثبت الصيد وحازه.
وكذلك لو قلع الشرك وطار به فاصاده غير رب الشرك كان له, وكان الشرك لقطة.
فإن وجد مملوك لقطة فاستهلكها قبل الحول كانت جناية, وهي في رقبته متى

جاء ربها فوصفها , وعلى سيده أن يعرفها لربها أو يسلم العبد بها.
وإن عرفها حولا ثم أنفقها ثم جاء ربها, كانت في ذمته يتبع بها إذا عتق, ولا تكون في رقبته, ولا يلزم مولاه أن يفديه ها هنا؛ لأنه لم يتعد.
وهل يلزم ها هنا مدعي اللقطة على العبد أن يقيم عليه بلقطها البينة أنه التقطها أم لا؟ على وجهين؛ أوجههما: تلزمه؛ لأن إقرار العبد لا يجوز فيما يتعلق برقبته.
ومن أحيا دابة رجل قد تركها بفلاة مهلكة من الأرض عند إياسه منها, فقام عليها الذي أصابها وعلفها حتى قويت, كانت لمن أحياها دون ربها, ويتوجه أن يكون له ما أنفق عليها, وتكون الدابة لربها, كما قال فيمن وجد الشاة بمهلكة من الأرض, وقد قال فيمن أسلم غلامه للموت وتركه فأحياه رجل: إن الغلام لربه, ولمن أحياه ما أنفق عليه.
ومن وجد لقطة لها قيمة كثيرة أو يسيرة, كان ممنوعا منها قبل الحول, وعليه تعريفها حولا, ثم له التصرف فيها بشرط الضمان على ما بينا, إلا أن يجد ما لا قيمة له, كالخرقة والكسرة والتمرة, فلا يلزمه تعريف ذلك, ولو تناوله وأكله في الحال, قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي أصاب التمرة وأكلها: "لو لم تأتها لأتتك", فجعلها عليه الصلاة والسلام رزقا لواجدها.
ومن أتلف ما لا يُكال ولا يوزن, فعليه مثله إن وجد المثل, أو قيمته يوم استهلكه عند عدم المثل.
وقيل: ليس عليه مثله, وعليه قيمته.
فأما إن كان مكيلا أو موزونا, فعليه مثله إذا استهلكه قولا واحدا, فإن عدم المثل فعليه قيمته.

باب اللقيط

واللقيط حر, ينفق عليه الإمام من بيت المال, وميراثه في بيت المال لجماعة المسلمين.
وهو مسلم.
فإن ادعاه مسلم وكافر, فعلى وجهين: أحدهما: أنه مسلم بحكم الدار, فلا يلتفت إلى دعوى الكافر, إلا ببينة عادلة من المسلمين.
والوجه الآخر: أنه يُرى القافة, فيُلحق بمن ألحقوه به منهما.

باب الغصب

الغاصب ظالم معتد ضامن لما غصب.
فإن رد ذلك بعينه, فلا شيء عليه غيره, إلا أن يكون لمثله أجرة, فيلزمه أجرة مثله لمدة كونه في يده, انتفع به أو لم ينتفع.
فإن استعمله فأخلقه لزمه مع أجرته ما نقص من قيمته, فإن كانت له قيمة يوم غصبه, فنقصت في يده, ثم رده, فعليه رد ما نقص من قيمته.
وقيل عنه: إن لم يتغير في عينه, وإنما نقصت قيمته لنقصان السعر, رده كما غصبه, ولم يلزمه رد نقصان القيمة معه.
فإن كان حيوانا, فزاد عند الغاصب في يده, أو زادت قيمته عنده, رده زائدا.
فإن زادت قيمته في يده بزيادة في بدنه, أو بتعلم صناعة, ثم نقصت قيمته في يد الغاصب بنقصان بدنه, أو بنسيان تعلمه, رده ورد ما نقص من قيمته.
وقيل عنه: إذا رده بعينه لم يلزمه غير ذلك.
فإن كان استغله, رده ورد غلته معه قولا واحدا.
فإن اغتصب أمة, وقيمتها يوم الغصب ألف, فزادت قيمتها في يده حتى بلغت ألفين, ثم ماتت في يد الغاصب, أُخذ بألفين.
فإن كانت أرضا فزرعها الغاصب, ثم أدركها ربها والزرع فيها, فهي والزرع له, وعلى ربها أن يرد على الغاصب ما أنفق على الزرع.
وإن لم يكن الزرع قائما فيها, فله الأرض وأجرة مثلها على الغاصب.
وإن كان الغاصب غرسها, فليس لعرقٍ ظالمٍ حق, ويؤخذ بقلع غرسه منها.
فإن نقصها القلع عما كانت عليه قبله كان عليه مع الأجر ما نقصها.
فإن اصطلحا

على ترك الغرس فيها, وأعطاه الغاصب قيمته, كان له قيمة الغرس مقلوعا.
فإن كان الغاصب باعها ممن غرسها, والمشتري غير عالم بالغصب, ثم استُحقت, كان للمشتري قيمة غرسها, غير مقولع؛ لأنه غير متعد, ولا أجرة عليه لمدة كونها في يده.
ولا يلزمه رد ما حصل له من غلتها, ولرب الأرض قلع الغرس من أرضه, وأجرة مثلها على الغاصب إلى يوم رجعت إلى ربها, وإن كان قلع الغرس نقصها, كان له مع الأجر ما نقصها القلع.
وإن كان الغاصب بنى فيها بناءً أُمر بقلع بنائه, وردها وأجرة مثلها.
فإن كانت حين بنائها آجرها, كان الأجر بين الغاصب ورب الأرض نصفين.
ومن غصب ماشية فنتجت عنده فهي وولدها لربها.
فإن هلكت أو ولدها في يده بفعله, أو بغير فعله ضمن قيمة الهالك.
وإن كانت أمة فوطئها الغاصب, كان عليه عُقرها, وعليه الحد.
فإن أتت بولد كان رقيقا لسيدها معها.
وإن كان الغاصب باعها فأولدها المشتري, ثم ردت إلى ربها, كان له قيمة ولدها يوم يحكم له بها على أبيهم, فهم أحرار, ويرجع المشتري على الغاصب بما يغرمه من قيمة ولده, وبما أخذ من الثمن.
فإن اغتصب أمةً فوطئها زنىً حتى قتلها بالوطء, كان عليه الحد, وعليه قيمتها لسيدها.
ومن اغتصب مالا وتجر به, فربحه لرب المال يرده معه.
ومن اغتصب ساجَةً فبنى عليها حائطا, أو جعلها في سفينة, قُلعت من الحائط أو السفينة, وإن استهدمها بالقلع إن اختار ذلك ربها.
فإن اغتصب حديدا فعمله سيوفا أو سكاكين, ثم رده, أعطي ما لزمه من النفقة عليه للصنعة.

فإن اغتصب خيطا وخاط به جرحه, لم يؤمر بفتق الجرح وإخراج الخيط منه, وأُلزم قيمة الخيط, ولم يُعرض للتلف.
ومن اغتصب حرة فوطئها, فإن كانت بكرا؛ فعليه عقرها والحد قولا واحدا.
وإن كانت ثيبا؛ فعليه الحد قولا واحدا.
وفي وجوب العقر روايتان.
وردُّ المظالم واجب.
قمن رد مظلمة على ربها, وبيّن له أنها المظلمة التي كانت له عنده, برئ منها قولا واحدا.
وإن تاب برئ من الإثم أيضا.
فإن ردها إلى ربها علي طريق الصلة والهدية ولم يُعلمه أنها المظلمة, فهل يبرأ منها أم لا؟ على روايتين؛ أظهرهما: أنه لا يبرأ منها حتى يبينها له, ويقول: هذه مظلمتك كانت لك عندي.
وكذلك إن كانت المظلمة تتعلق بغير المال, فاستحله منها بعد أن بينها له, برئ إذا حلله المظلوم, فإن قال: لك عندي مظلمة فحللني منها.
ولم يبينها له, ففعل, فهل يبرأ منها أم لا؟ على روايتين.
فأما حقوق الله تعالى, فإنها تسقط بالتوبة النصوح, وهي التي يعتقد في حال التوبة أن لا يعود في الذنب أبدا: ﴿إن الحسنات يُذهبن السيئات﴾ [هود:114]. وقال أحمد رضي الله عنه فيمن كان عليه مظلمة تتعلق بحقوق الله عز وجل: إذا حج وصلى وتصدق رجوتُ له.
قال الله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم﴾ [التوبة:102]. قال: فإن اغتصب مالا من رجل, ثم أداه إلى ورثة المغصوب منه بعد وفاته, برئ منه, ولم يبرأ من إثم الغصب.
ولو مات الغاصب قبل رد المظلمة, فقال وارثه للمغصوب: هي لك علي وحلله منها.
ففعل, فهل يبرأ الغاصب منها قبل أن يقبضها المغصوب من الوارث أم لا؟ على الوجهين.
وتوبةُ الربا: أن يأخذ رأس ماله, ويرد الفضل الذي كان بينه وبين صاحبه.

باب المفلس

روى أبو بكر بن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وصلم قال: "أيما رجل أفلس فأدرك رجلٌ متاعه بعينه عنده, فهو أحق به من غيره".
وروى الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وقال فيه: " فإن كان قضاه من ثمنها شيئا, فما بقي فهو أسوة الغرماء, وأيما رجل هلك وعنده متاع امرئ بعينه, قبض منه شيئا أو لم يقبض, فهو أسوة الغرماء".
ولا يختلف قول أحمد رضي الله عنه فيمن باع سلعة, ولم يقبض من ثمنها شيئا, ثم أفلس المشتري, فوجد البائع سلعته بعينها, لم يُحدث المشتري بها حدثا, فإن البائع أحق بها من جميع الغرماء.
وكذلك لو كان باعها بثمن مؤجل, فأفلس المشتري قبل محل الأجل, كان البائع أحق بها, وله أخذها في الحال.
وسواء كانت السلعة قد زادت قيمتها أو نقصت.
وإن كان البائع قد قبض بعض ثمنها لم يكن له أخذها, وكان أسوة الغرماء, كما جاء في الحديث.
وكذلك لو وجد البائع بعض سلعته لم يكن له أخذه, قبض من ثمنها شيئًا أو لم يقبض, وكان أسوة الغرماء.
قال: ولو باعه ثلاثين ثوبا, ثم أفلس المشتري فوجد البائع عنده خمسة عشر ثوبا, لم يكن له أخذها, وكان أسوة الغرماء.
فإن باعه ثوبا فصبغه المشتري صبغا لا ينقلع منه, أو أحدث فيه صنعة أو غيَّره عما كان عليه, ثم أفلس, كان البائع أسوة الغرماء.

فإن مات المشتري المفلس, فوجد البائع سلعته بعينها, لم يكن له أخذها سواء كان قبض بعض ثمنها أو لم يقبض منه شيئا, وكان أسوة الغرماء؛ لأنها انتقلت بالموت إلى ورثة المفلس.
فإن باعه جارية ثيبا, فوطئها المشتري, ثم أفلس, فوجدها البائع ولم يكن قبض من ثمنها شيئا, فهل له أخذها دون الغرماء, أم يكون فيها أسوء الغرماء؟ على وجهين؛ أحدهما: ليس له أخذها, وهو أسوة الغرماء.
والوجه الثاني: أن الوطء, كالخدمة؛ لأنه لم ينقصها عما كانت عليه قبله, فله أخذها؛ إذ هو أحق بها من جميع الغرماء.
فإن كانت بكرا فافتضها المشتري, ثم أفلس, فالبائع أسوة الغرماء وجها واحدا؛ لأنه لم يُصبها كما كانت حين باعها.
وقد جعل أحمد بن حنبل رضي الله عنه أمر البكر أغلظ من أمر الثيب.
قال: فإن باعه أمةً, فولدت عنده, أو دابة, فنتجت عنده, ثم أفلس المشتري, كان البائع أحق بها وبولدها من جميع الغرماء؛ لأنها ماله, وقد استحقها.
وهذا صحيح, وهو محمول عليه إذا كان ابتاعها حاملا؛ لأن الولد حادث في ملك البائع داخل تحت العقد.
فأما إن كان المشتري ابتاعها غير حامل ثم زوَّجها, فأتت بولد, فليس للبائع أخذها, ولا أخذ ولدها, وهو أسوة الغرماء.
وقد يتوجه: إن كان باعها ثيبا غير حامل, ثم أتت بولد في ملك المشتري من زوج, ثم أفلس, أن يكون البائع أحق بها, ويكون الولد للمشتري, كما قلنا في نتاج الماشية, وغلة الأرض الحادثة في ملك المشتري, إذا استحقت أنها للمشتري بضمانه.
والأول أظهر وأصح.
فإن ابتاع أمةً فهزُلت عنده, أو دابة فعجفت ونقصت قيمتها, أو سمنت عنده, فزادت قيمتها, ثم أفلس, فالبائع أحق بها؛ لأنها عين ماله.
وقال بعض أصحابنا:

إن كانت السلعة متزيدة بما لا تنفصل زيادتها, كان البائع فيها أسوة الغرماء.
ولا يختلف قوله: أن تصرف المفلس في أمواله قبل إيقافه وحجر الحاكم عليه بالبيع, والهبة, والعتق, والصدقة جائز ماض, وتصرفه في أمواله بعد حجر الحاكم عليه, بالهبة, والعطية, والصدقة, باطل قولا واحدا, وفي عتقه في هذا الحال روايتان؛ إحداهما: عتقه ماض؛ لأنه استهلاك.
والرواية الأخرى: عتقه باطل؛ لأن فيه إتلاف حقوق الغرماء, فلا يجوز.
فإن كثر غرماء المفلس, ولم يف ماله بما عليه, فُضّ ماله بين غرمائه بالحصص.
وإقراره قبل الحجر عليه وبعده للأجانب, جائز لازم.
فإن كان عليه دين ببينة, ثم أقر بعد الإفلاس بدينٍ لأجنبي لزمه إقراره, وبدأ بقضاء دين البينة, ثم بالذي أقر به.
فإن تقاعد بحقوق الناس, فاختاروا حبسه حُبس لهم.
فإن امتنع من الخروج إليهم من حقوقهم, باع الحاكم عليه ما يثبت عنده من أمواله, وقسّم الثمن بين غرمائه.
قال: ويبيع عليه سائر أمواله وعقاره, إلا المسكن الذي لا غنى به عنه, وما يواريه من كُسوة, أو كان شيخا كبيرا أو مكفوفا.
وله خادم لا غنى به عن خدمته لم يبعه عليه.
قال: ويدع له بلاغا من القوت.
وإن له عيال ترك لهم قوتا.
واختلف قوله: هل للحاكم أن يشفع للمفلس حتى يضع عنه الغرماء بعض حقوقهم أم لا؟ على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما, لحديث كعب بن مالك الذي يرويه الزهري عن عبدالله بن كعب: أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَد شيئا كان له عليه في المسجد, فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته, فخرج إليهما حتى كشف سَجْفَ حجرته, ونادى: "يا كعب".
قال:

لبيك يا رسول الله, فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن ضع الشطر من دينك.
قال كعب: قد فعلت يا رسول الله.
قال عليه الصلاة والسلام: "قم فأعطه".
ومنع منه في الرواية الأخرى, وقال: ذلك حكم من النبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك لغيره.
فأما إن كان على وجه المسألة, فلا بأس.
واختلف قوله في المفلس إذا كان صانعا يقدر على كسب أكثر من مؤنته, هل يؤجره الحاكم إذا لم يبق له مال, ويقضي فاضل أجرته بعد مؤنته على غرمائه أم لا؟ على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى, وقال: إذا قُسّم ماله بين غرمائه, فليس عليه أكثر من ذلك.
وإذا وضح أمر المفلس, ولم يبق له مال, لم يجز حبسه, ولا تعدي الحاكم عليه.
ومن عامله بعد ظهور إفلاسه, فهو المتلف لماله, ولا تحل ديونه المنجمة ولا المؤجلة بالإفلاس.
وكذلك لا يحل ما عليه من دين منجم أو مؤجل بالإفلاس.
ويحل ما عليه من الديون بموته.
وإن كانت له سلعة مرهونة كان المتهن أحق بها من جميع الغرماء حتى يستوفي ماله عليها.
ثم إن فضل من ثمنها شيء كان للغرماء.
وكذلك إن كان له دار فآجرها ثم أفلس, كان المستأجر أحق بالتصرف فيها مدة الغجارة.
ولو أذن لعبده في التجارة, فادّان دينا, فعتقه, كان على المولى جميع ما ادّان العبد في إحدى الروايتين.
وإن لم يكن مأذونا, كان على العبد, وأدّى عن سيده جميع الدين.
فإن أفلس العبد المأذون له, ولم يعتقه المولى, كان عليه جميع ما ادان العبد, وقيل عنه: لا يلزمه من الدين إلا بقدر قيمة العبد أو يسلمه للغرماء.

وإقرار العبد المأذون جائز.
إقرار غير المأذون لا يجوز, وتكون في ذمته, يتبع بها إذا عتق.

باب الصلح

والصلح جائز بين المسلمين, إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلال.
كذلك روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما, أو حرم حلالا.
والصلح على الإقرار, هضم للحق, وإلزام الذمة ما ليس عليها, فإن تطوع المقَر له بإسقاط بعض حقه على طريق الترك بطيبة من نفسه, أو التزم المنكر بعض ما ادعي عليه بطيبة من نفسه, جاز في الوجهين, غير أن ذلك ليس بصلح, ولا هو من باب الصلح بسبيل.
فإن أُلزم المقر له ترك بعض حقه, فتركه عن غير طيبة من نفسه, أو ألزم المنكر بعض الدعوى بغير طيبة من نفسه, لم يطب ذلك للآخذ في الوجهين جميعا.
فأما الصلح الجائز؛ فهو صلح الورثة للزوجة من صداقها الذي لا بينة لها به, ولا علم للورثة بمبلغه, فيصح الصلح فيه لتخليص الميت.
وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمان الطويل, ولا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه, فيجوز الصلح بينهما.
وكذلك من كان عليه حق لا علم له بقدره جاز أن يصالح عليه.
وسواء كان صاحب الحق يعلم قدر حقه ولا بينة له به, أو لا علم له بقدره.
ويقول القابض: إن كان قد بقي لي عليك حق, فأنت منه في حل.
ويقول الدافع: إن كنت أخذت مني أكثر من حقك, فأنت منه في حل.
والصلح جائز بالنقد والنسيئة.

ويجوز أخذ الكفيل والضمين والرهن بالصلح, فإن أعطاه ضمينا بألف, فصالح الضمين صاحب الحق على بعض الألف, وأبرأه من باقيه, لم يكن للضمين أن يرجع على المضمون, إلا بقدر ما وقع الصلح عليه.
ومتى اختلفا في قدر الصلح, ولا بينة لواحد منهما, بطل, وعاد إلى أصل الخصومة والدعوى.
ولو غصب رجل أرضا, وفع إلى ربها بعض ثمنها صلحا, وأشهد عليه بذلك, والشهود يعلمون ذلك ويعرفون الحال, لم تسعهم إقامة الشهادة للغاصب بالأرض, وكذلك لو علموا على رجل حقا لرجل قد جحده إياه, ثم صالحه على بعضه وأشهدهم على البراءة, لم تحل لهم إثامة الشهادة بالإبراء, مع علمهم ببقاء شيء من الحق في ذمة المبرأ.
قال: ولو صالحه على ألف درهم, ولم يقل: صحاحا أو مكسرة ثم اختلفا, قُضي بينهما بها ألفا صحاحا, إلا أن يتواضعا على شيء فيلزم ذلك.
ومن صالح على شيء رضيه وطابت به نفسه, لم يحل له الرجوع فيه, ولزمه إمضاؤه.
والله أعلم بالصواب.

باب في النكاح, والطلاق,

والرجعة, والظهار, والإيلاء واللعان, والخلع, والرضاع.

قال الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية [النساء: 3].
فالنكاح مرغب فيه, واختلفت الرواية عن أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: هل هو واجب على القادر المستطيع له, أم مسنون؟ على روايتين؛ أظهرهما: وجوبه.
ولا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل.
فإن عدم الولي فيه, فالنكاح باطل.
وإن عدم الشهود في العقد, فلا نكاح.
ولا ولاية لفاسق ولا بدعي ولا معلن ببدعته, وإن عقدا لم يصح النكاح.
ولا تجوز شهادة الفساق في النكاح, ولا ينعقد لحضورهم.
ومن زوج معتزليا, أو جهميا, أو قدريا, أو حروريا, فرق بينه وبين المرأة.
ومن سب السلف من الروافض, فليس بكفء, ولا يزوج.
وشارب الخمر ليس بكفء, ولا يزوج, سكر منها أم لم يسكر.
وكذلك من سكر من خمر أو غيرها من المسكر, لم يكن كفئا.
ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله عنه, مرق من الدين, ولم ينعقد له نكاح على مسلمة, إلا أن يتوب وتظهر توبته.
ومن شرب مسكرا قد اختلف فيه, ولم يسكر, كرهنا أن يزوج.
فإن زوج لم يفرق

بينهما في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: ليس بكفء أيضا.
والكفاءة عنده معتبرة في النكاح.
والكفء: ذو الدين والمنصب, فقريش بعضها لبعض أكفاء, والعرب بعضها لبعض أكفاء, والناس أكفاء بعضهم لبعض إلا حائك, أو حجام.
وغير قريش ليس بأكفاء لقريش.
فإن تزوج من ليس بقرشي بقرشية, فرق بينهما في الصحيح من مذهبه.
وقيل عنه: لا يفرق.
والأول أظهر عنه, وأصح على أصله.
وأقل الصداق ما اتفق عليه الزوجان من حلال, له قيمة صحيحة, وإن قل.
وللأب إنكاح أولاده الصغار الذكور والإناث, ولا خيار لهم إذا بلغوا, وليس ذلك لغير الأب.
واختلف قوله في الأب يزوج ابنته البالغ البكر بغير إذنها على ثلاث روايات: قال في إحداهن: النكاح صحيح جائز عليها, وإن كرهت.
وقال في الأخرى: إن النكاح موقوف على إجازتها, فإن أجازته صح, وإن ردته بطل.
وقال في الثالثة: لا يجوز عقد الأب عليها إلا بإذنها.
وفي تزويج غير الأب من العصبات للصغيرة روايتان: إحداهما: النكاح باطل.
والأخرى: هو موقوف, فإذا بلغت تسع سنين فأجازته جاز, وإن ردته بطل.
فإن مات أحدهما قبل الإجازة أو الرد ورثه صاحبه على هذه الرواية.
فإن زوج أجنبي ليس من العصبات صغير, كان النكاح باطلا من أصله قولا واحدا, أيهما مات لم يرثه الآخر.
فإن زوج رجل من العصبات كبيرة بغير إذنها, ولا ولي لها أقرب منه, كان فيها وجهان: أحدهما: النكاح باطل.
والآخر: هوموقوف على إجازتها وردها.
والوصي كالأب يزوج في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى قال: النكاح إلى الأولياء, وليس ذلك للأوصياء.
فإن زوج الوصي لم يجز.

وإذن البكر الصمات, ولا يزوج الثيب أبوها, ولا غيره حتى تأذن بالكلام.
ومتى عقدت امرأة نكاحها على نفسها كان باطلا, ولا تلحقه الإجازة من جهة الولي وإن أجازه.
ومتى زوج الأب ابنته الصغيرة بدون صداق مثلها ثبت النكاح, ولم يكن لها إلا المسمى.
فإن زوج غير الأب من الأولياء ونقص لها عن مهر مثلها فلم ترض به, ثبت النكاح, وكان لها مطالبة الزوج بتمام مهر مثلها.
ولا يزوج المرأة إلا ولي عصبة.
فإن لم يكن لها ولي من عصباتها زوجها الحاكم, أو من يوليه الحاكم ذلك بإذنها.
وللحاكم أن يزوج الصغيرة التي لها تسع سنين فصاعدا بإذنها, إذا كان في ذلك نظر لها.
وأحق الناس بإنكاح المرأة الحرة أبوها ثم ابنها.
واختلف قوله في الجد للأب والأخر إذا اجتمعا, فقيل عنه: الجد أولى بإنكاحها.
وقيل عنه: الأخ أولى.
وإذا اجتمع الأخ للأبوين والأخ للأب كان الأخ للأبوين أولى.
فإن زوج الأخ للأب لم يفسخ النكاح وثبت.
وابن الأخ أولى من العم, والعم أولى من ابن العم ومن عم الأب.
والجد أولى من ابن الأخ وأولى من العم ومن ابن العم.
ومن عم الأب, ثم أقرب العصبة.
ومن لم يكن من العصبات, وكان من ذوي الأرحام, فليس بولي.
ومتى زوج الولي الأبعد مع القدرة على الولي الأدنى, كان النكاح باطلا.
وإذا أذن الوليان أحدهما قبل الآخر ثبت النكاح الأول, وبطل الثاني.
فإن كان الثاني دخل بها نزل عنها بغير طلاق, وكان عليه المهر بما استحل منها, وهي زوجة الأول.
ولا يطؤها الأول حتى تنقضي عدتها من وطء الثاني.
فإن أتت بولد لحق بالثاني.
فإن جهل أولهما نكاحا بطل النكاحان جميعا.
وقيل عنه: يُقرع

بينهما, فمن قَرَعَ صاحبه فهي له, والأول عنه أظهر وأصح.
ومن تزوج أختين في عقدين بطل نكاح التي بها وقع الجمع بينهما, وهي الثانية.
فإن جهل أولاهما نكاحا بطل النكاحان, ونزل عنهما.
ثم هو المخير في العقد على أيتهما شاء بإذنها.
وكذلك لو تزوجهما في عقد واحد بطلا جميعا.
وقيل عنه: إن تزوج أختين في عقدين, وجهل أولاهما نكاحا أقرع بينهما.
والأول أصح.
وإذا عضلها الأقرب من عصباتها, فهل للأبعد أن يزوجها أم لا.
على روايتين: إحداهما: يزوجها, ولا ولاية معه للحاكم.
والرواية الأخرى: لا يزوجها الأبعد, ويزوجها الحاكم.
فإن كان الأقرب من عصباتها طفلا, أو غائبا غيبة منقطعة زوجها الأبعد من عصباتها بولاء وإذن.
وإن لم يكن لها عصبة سوى الغائب أو الطفل زوجها الحاكم بإذنها.
ولم يختلف قوله في المرأة تزوج نفسها بغير شهود أن النكاح باطل.
واختلف قوله: هل لها أن تتزوج, وإن لم ينزل هذا الزوج عنها, ولا فرق بينهما حاكم أم لا.
على روايتين: قال في إحداهما: ليست له بامرأة! كيف يخلي سبيلها؟ وقال في الأخرى: لا تتزوج حتى يطلقها أو يفرق حاكم بينهما.
ولم يختلف قوله: إنهما إن ماتا قبل التفريق بينهما لم يتوارثا.
فأما المرأة تزوج نفسها بغير ولي بحضرة شهود, فلا يختلف قوله أنها لا تتزوج إلا أن يطلقها هذا, أو يفرق بينهما حاكم, مع قوله: إن النكاح فاسد.
وللسيد أن يزوج عبده, وأمته, وأم ولده بحق المِلك.
وله أن يزوج معتقته التي

لا ولي لها من عصباتها بالولاء.
وله أن يزوج إماءه بغير إذنهن, ولا يزوج عبده إلا بإذنه.
فإن فعل لم يجز العقد عليه.
فإن رضي العبد به بعد العقد فهل يصح, أم يحتاج إلى استئناف عقد بإذنه أم لا؟ على وجهين.
وللمرأة أن تزوج أمتها ومعتقتها التي لا عصبة لها في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى قال: تأمر من يزوجها؛ فإن النساء لا يلين عقود الأنكحة.
قال: ولو ولت أمرها رجلا فزوجها بحضرة شهود, ثم مات الزوج, اعتدت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا, وتوارثا على هذه الرواية.
وكذلك من زوجت نفسها بحضرة شهود, فإن طلقها في هذا النكاح وهو مريض ثم مات, فإن بعض الناس قال: لا ترث.
والنكاح في العدة لا يجوز.
ومن تزوج امرأة في عدتها نزل عنها بغير طلاق, ولا مهر لها إن لم يكن دخل بها.
فإذا انقضت عدتها جاز له أن يتزوجها بإذنها على شروط النكاح الصحيح قولا واحدا.
وإن كان دخل بها وهو جاهل بحالها أو جاهل بالتحريم أُدب فنزل عنها, ولها المهر بما استحل من فرجها.
وعليها أن تقضي تمام عدة الأول.
وتقضي عدة كاملة من الثاني.
فإذا قضت العدتين جميعا, فهل تحل للثاني بعقد جديد أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا تحل له, وقد صارت من المحرمات على التأبيد, كتحريم ذوات المحارم, وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
والرواية الأخرى: أنه يكون خاطبا من الخطاب, وتحل له بعقد جديد, وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها أمر من يزوجه بها بإذنها, كما فعل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
ومن طلق في نكاح مختلف فيه وقع طلاقه قولا واحدا.
فإن طلق في نكاح متفق على بطلانه, كالنكاح في العدة, والعقد على الأخت الثانية والأولى تحته, لم يقع طلاقه في الصحيح من القول عنه.
وقيل عنه: أحتاط وأجيز طلاقه.
والأول أصح عنه وأظهر له.
ومن تزوج على مال بغير عينه, ثم ساق إليها مالا مغصوبا ثبت النكاح قولا واحدا, وعليه رد الغصب أو مثله.
فإن تزوجها على عين المال المغصوب, أو على محرم بعينه, كالخمر والخنزير فعلى روايتين: إحداهما: النكاح باطل, كالشغار, والرواية الأخرى: النكاح ثابت, ولها مهر مثلها إن دخل بها, أو المتعة إن طلقها قبل الدخول بها؛ لأنها في معنى من لم يسم لها مهرا.
فإن تزوجها على تعليمها سورة من القرآن ثبت النكاح قولا واحدا.
وهل يكون القرآن مهرا أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يكون مهرا, ولها مهر مثلها إن دخل بها, أو المتعة إن طلقها قبل الدخول.
والرواية الأخرى: يكون ذلك مهرا صحيحا.
فإن طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف أجر من يعلم تلك السورة إن كان قد لقنها هي وحفظتها.
فإن لم يكن علمها رجعت عليه بنصف أجر من يعلمها.
فإن تزوجها على عبد بعينه فاستُحق, أو كان حرا ثبت النكاح وكان لها قيمة العبد.
وعلى هذه الرواية يجب إذا تزوجها على مال مغصوب أن يستحق عليه مثله, وأن يستحق المثل بعد الدخول, والمتعة قبله إذا كان الصداق محرما

لا قيمة له.
فإن تزوجها على عبد من عبيده بغير عينه كان لها أوسطهم إلا أن يشاء أن يعطيها الأفضل.
فإن تزوجها على حكمها, فأسقطت مهرها كان لها مهر مثلها.
فإن تزوجها على عبدين فخرج أحدهما حرا فعلى روايتين: إحداهما: لها قيمة العبدين جميعا.
والرواية الأخرى: لها قيمة الحر منهما, والآخر ملك لها.
ولو تزوجها على دار على أن ذرعها ألف ذراع, فكانت تسع مئة ذراع, فهي بالخيار بين أن تأخذ الدار, ولا شيء لها غيره, وبين أن تأخذ منه قيمة ألف ذراع, ولو قيل: إنها إذا اختارت الدار كان لها معها قيمة مئة ذراع, كان وجها.
فإن تزوجت على أن يخدمها في ضياعها حولا, ويكون ذلك مهرا, لم يجز, وكان لها مهر نسائها.
وقيل عنه: يجوز, كما لو تزوجها على خياطة ثوب بعينه جاز.
ولو تزوجها على أمة فزوجها عبده, فولدت منه, ثم طلقها قبل الدخول, كان لها نصف قيمة الأمة وقيمة ولدها.
وفيه وجه آخر: أن الولد لها؛ لأنه حدث في ملكها, ولها نصف قيمة الأمة؛ لأنه قال في رجل تزوج امرأة على أمة ثم عتق الأمة: إن عتقه باطل؛ لأنها ملكتها بالعقد.
ولو تزوجها على مسمى, فطلبت منه الخيار قبل الدخول, واختارت نفسها, بانت.
وهل لها نصف المسمى أم لا مهر لها؟ على روايتبن: إحداهما: لا شيء لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها.
والرواية الأخرى: لها نصف ما سماه لها.
ولو تزوجها على ألف درهم ساقها إليها, فوهبتها له, ثم طلقها قبل الدخول, رجع عليها بخمس مئة في إحدى الروايتبن, وفي الرواية الأخرى: لا يرجع عليها بشيء.
والذي بيده عقدة النكاح هو الزوج في الصحيح عنه, وقيل: هو الأب.
والأول اختياري.
فإن تزوجها على عاجل وآجل كان العاجل حالا, ولم يحل الآجل إلا بالموت أو الطلاق, إلا أن يضرب له أجلا معلوما, فيحل عند حلول أجله.
وقد يتوجه إذا كان

فصول الكتاب · 10 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل