كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
- الكتاب
- الإرشاد إلى سبيل الرشاد
- المؤلف
- محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
- المحقق
- د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
- الطبعة
- الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وشهادات النساء العدول جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الولادة, والاستهلال, والحيض, وعيوب النساء الغامضة, والرضاع, وما أشبه ذلك.
وأقل من يحكم بشهادته منهم في ذلك امرأة واحدة عادلة.
وقيل عنه: امرأتان.
ويقبل في الأموال شهادة رجلين, أو رجل وامرأتين, أو رجل واحد ويمين الطالب عند عدم الرجلين والرجل والمرأتين, مسلما كان الطالب أو ذميا, رجلا كان أو امرأة.
وشهادة ذميين على وصية المسلم في السفر جائزة, عند عدم الشهود من المسلمين, لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ الآية [المائدة: 106]. وما يقبل لهم في غير ذلك شهادة على مسلم بحال.
وهل تقبل شهادات بعضهم على بعض أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: لا تقبل, والأخرى: تقبل.
ولا يقبل في الشهادة على الزنى أقل من أربعة رجال أحرار مسلمين عدول مرضيين, يصفون الزنى, ويشهدون أنهم عاينوا فرجه في فرجها, كالمرود في المكحلة.
فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى, أحدهم زوجها, فعلى روايتين: قال في إحداهما: هم أربعة قد أحرزوا ظهورهم, فلا حد عليهم ولا على المرأة.
وقال في الأخرى: الرجل قاذف وليس بشاهد؛ لأنه خصم, وعليه جلد ثمانين, وعلى كل واحد من الشهود الثلاثة ثمانون جلدة.
فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى, فقال اثنان: زنى بها في هذا البيت.
وقال الاثنان الآخران: بل زنى بها في هذا البيت, لبيت آخر, قيل عنه: إن الشهادة صحيحة, وليس هذا اختلافا في الفعل, وإنما هو اختلاف في الصفة.
وقيل عنه: إن هذه ليست بشهادة صحيحة.
وهذا اختياري, وهو الصحيح؛ لأن العلم محيط أن ظاهر هذه الشهادة يعطي: أن الشهود الأربعة لم يعاينوه على فعلة واحدة, وإنما شهد اثنان على فعل, وشهد اثنان على فعل آخر, لأن الفعلة الواحدة لا يجوز أن تقع في بيتين مخصصين, فصاروا قذفة, وعليهم الحد.
ولا يقبل فيما سوى الأموال والزنى إلا شهادة رجلين حرين مسلمين عدلين.
وشهادة الطبيب العدل في الموضحة وما في معناها مقبولة إذا لم يقدر على طبيبين, لأنها حال ضرورة, وكذلك شهادة البيطار في داء الداية.
ولا تقبل شهادات النساء في نكاح, ولا طلاق, ولا إيلاء, ولا ظهار, ولا في شيء من الحدود.
ولا تقبل لهن شهادة إلا في الأموال, وفيما لا يطلع عليه الرجال على ما بينت.
والعتق من الأموال يجوز فيه شهادات النساء مع الرجال.
وشهادة العبد العدل جائزة في كل شيء سوى الحدود.
كذلك روي عن علي ابن أبي طالب, وأنس بن مالك رضي الله عنهما.
قال أحمد: من تزوج بشهادة عبدين أو مكفوفين صح نكاحه.
ولا تجوز شهادة ظنين, ولا خصم, ولا جار إلى نفسه, ولا دافع عنها.
ولا تقبل شهادة القاذف, حد أو لم يحد, إلا أن يتوب.
ولا تجوز شهادة الابن للأبوين وإن علوا.
وقيل عنه: تجوز.
ولا تجوز شهادة الوالدين للولد وإن سفل قولا واحدا.
وهل تقبل شهادة والد على ولده أو شهادة
ولد على والده أم لا؟ على روايتين.
ولا تجوز شهادة زوج لزوجته, ولا شهادتها له, ولا شريك لشريكه, ولا وصي ليتيمه, ويجوز شهادة بعضهم على بعض.
وشهادة الأخ العدل لأخيه وعليه, جائزة.
ولا تجوز شهادة مجرب في كذبه, ولا مظهر لكبيرة؛ لأنها تجرح وتخرج من العدالة.
ولا تقبل شهادات الصبيان في الجراح وإن لم يفترقوا, في الصحيح من المذهب.
وهو قول عبدالله بن عباس رضي الله عنه, وقيل عنه: إنها تجوز.
وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولا تجوز شهادة قدري؛ لأنه مجوسي, ولا شهادة جهمي, ولا معتزلي, ولا شهادة مرجئ, يعتقد أن الإيمان قول بلا عمل, ولا شهادة رافضي يسب السلف, لأنه مشرك, ولا شهادة مبتدع يعلن ببدعته, ولا شهادة شارب الخمر, إلا أن يتوبوا وتظهر توبتهم.
ولا تقبل في شيء من الأحكام إلا شهادة العدول.
واختلف قوله في صفة العدول, فقيل عنه: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة, رجل مستور.
وروي عنه أنه قال: وينبغي للعدل أن يكون فيه ست خصال: يكون فقيها, عالما, ورعا, زاهدا, عفيفا, بصيرا بما يأتي, بصيرا بما يذر.
قال: ولا يقبل القاضي قول من لا يعرفه حتى يسأل عنه أهل الخبرة.
قال: وينبغي للقاضي أن يسأل عن الشهود كل قليل؛ لأن الرجل قد يتغير من حال إلى حال.
والعدل مخير بين تحمل الشهادة وترك تحملها, ما لم تدع إليه ضرورة,
ويفتقر الناس إليه.
فإذا تحمل الشهادة وتعينت عليه, لزمه إقامتها, ويأثم في كتمان ما يعلم منها كما يأثم في قول ما لا يعلم.
وشهادة الزور من الشرك, قال الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: 30] وقال: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان: 72].
وروى شعبة بن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: "الإشراك بالله, وعقوق الوالدين, وقتل النفس, وشهادة الزور".
ومن شهد بشهادة ثم رجع عنها قبل الحكم بها لم يُعمل بها, ولم يكن على الشاهد شيء, ومن حكم بشهادته ثم رجع عنها لم ينقض الحكم, وأغرم الشاهد ما أتلف بشهادته إن كان مالا, وإن كان دما فقال الشهود: سهونا أو شبه علينا.
أغرموا الدية في أموالهم دون عواقلهم.
وإن قالوا: تعمدنا.
اقتص منهم في النفس وفيما دونها, كذلك روى يحيى بن زكريا عن أشعث عن الحكم وحماد عن إبراهيم: أن رجلين شهدا عند علي رضي الله عنه على رجل أنه سرق فقطعه, ثم أتي برجل آخر فقالا: ليس الأول, ولكنه هذا.
فأبطل شهادته على الآخر وضمنهما دية الأول.
قال أحمد: وذكر الشعبي عن علي في اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطعت يده, ثم رجعا, أي: أخطآ, قال: فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما.
ثم أغرمهما الدية وتركهما.
ولو كانا شهدا على رجل بمال ثم رجع أحدها بعد الحكم بالشهادة أغرم نصف المال, ولم يكن له أن يرجع به على المحكوم له.
ولو شهدا على رجل أنه طلق زوجته قبل الدخول بها, ففرق الحاكم بينهما, ثم رجعا, لزمهما نصف المسمى, وإن كان بعد الدخول ألزما جميع المسمى.
فإن لم يكن سمى لها مهرا كان عليهما ما يحكم به على الزوج من مهر مثلها.
وقد قيل: إنهما إن شهدا بالطلاق بعد الدخول ثم رجعا بعد التفريق, لم يلزمهما المهر؛ لأنه قد استحق على الزوج بعد الدخول.
فإن شهد اثنان على ميت أنه أعتق عبده هذا في وصيته, وهو الثلث, وشهد آخران أنه أعتق عبده هذا -لعبد آخر- في وصيته, وهو الثلث, ثبت العتق لهما, وتحاص العبدان العتق, ولا يقرع بينهما ها هنا, لأن العتق قد وجب لكل واحد منهما بقدر الثلث, وإنما القرعة تجب إذا كان العتق لأحدهما بغير عينه, وتشاح العبدان فيه.
فإن شهد شاهدان لرجل بالثلث, وشهد آخران لآخر بالثلث, وشهد آخران أن الموصي رجع عن أحدهما ولم يعيناه, أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كانت الوصية له.
ولو ادعى رجل على رجل أنه فتح حرزه, وسرق منهما يجب القطع في مثله, وجاء بشاهد واحد يشهد له على ذلك, لم تثبت هذه الشهادة له حقا, ولم يجب بها حد ولا مال, وجلد الشاهد عشر جلدات.
وقد روى حجاج بن أرطأة عن مكحول أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب في شاهد الزور أن يُضرب ظهره, ويحلق رأسه, ويسخم وجهه, ويطاف به, ويطال حبسه.
ولو أقام رجل شاهدي زور, فشهدا على رجل بطلاق زوجته, ففرق الحاكم بينهما, ثم ثبت أنهما شهدا بزور لم يقع التحريم بين الزوجين, ولم يحل للحاكم ولا لكل واحد من شهود الزور أن يتزوج بتلك المرأة, وهي باقية على حكم النكاح مع زوجها, لم تحرم عليه بذلك التفريق.
وقد قيل عنه: إن لحكم الحاكم تأثيرا في التفريق.
فعلى هذا من قوله, لا تعود إلى زوجها, ولا يحل للحاكم ولا لأحد شهود الزور أن يتزوجها قولا واحدا.
والأول عنه أشهر, وفي مذهبه أظهر.
وقد احتج أحمد رضي الله عنه لذلك بما رواه: أن يحيى بن سعيد حدثه عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تختصمو إلي, ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي له بما يقول, فمن قضيت له من حق أخيه, فإنما أقطع له قطعة من النار, فلا يأخذها".
قال: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا لم يكن له الحق, فإنما هو نار, فكيف يكون قول بعضنا أو حكم بعضنا يرد أمر الله عز وجل وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام؟!.
وهذا هو الصحيح, غير أننا نكره له المراجعة ظاهرا, وإن كانت حلالا فيما بينه وبين الله تعالى, خوفا عليه من مكروه يناله ممن لا يعرف حقيقة الحال.
ومن قال: رددت إليك أمانتك, أو ما وكلتني بيعه, أو: دفعت إليك ثمنه.
فالقول قوله مع يمينه.
فإن قال: رددت إليك إقراضك.
لم يقبل منه إلا ببينة أو إقرار صاحب الحق بالقبض.
ولو قال: دفعت إلى فلان ما أمرتني بدفعه إليه, فأنكر فلان, فالقول قوله.
وعلى مدعي الدفع البينة وإلا ضمن, وله على المنكر اليمين.
وقول ولي الأيتام الذي في كفالته وحضانته في الإنفاق عليهم مقبول فيما
يشبه وكذلك قول الوصي, إذ هو كالأب, وتصرفه فيما فيه الحظ لليتيم من بيع وابتياع جائز غير أن لا يبتاع له من نفسه, فإن فعل كان البيع في الوجهين باطلا.
والقرض معروف إذا لم يجر منفعة.
ومن سئل الإقراض فلم يفعل, لم يأثم.
ومن كان عليه دين قدم قضاؤه على الصدقة.
وإذا استقرض جاز له أن يرد خيرا مما أخذ إذا لم يكن شرط.
وكذلك لو أقرضه دراهم فأعطاه بها طعاما أرخصه عليه, لم يكن به بأس.
ولو أقرضه مكسرة فأعطاه عند القضاء صحاحا أقل منها على وجه الصرف, لم يجز.
فإن دفع إليه صحاحا مثلها وكان على غير شرط جاز.
فإن عاد يسأله أن يقرضه ثانية لم يفعل خوفا من أن يطمع منه في مثل ما مضى.
فإن شرط ألا يأخذ إلا مثل ما يُعطي, جاز.
وكل قرض جر منفعة ربا, وهو أن يقصد به الانتفاع حال الإقراض, فلا يجوز ذلك, وما ذكرناه إذا لم يكن على شرط ولا تشرف نفس, فموسع.
ومن أقرض قرضا لم يقبل عليه هدية.
ولا يكون القرض إلا حالا.
وإن أجله فله الرجوع في الأجل.
ولا يجوز أن يجعل القرض مضاربة إلا بعد قبضه.
ويجوز أن يجعل الوديعة مضاربة مع من هي مودعة عنده قبل أن يقبضها.
والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة, فلسيدها أخذها, فإن كانت ولدت من الزوج وثبت أنها أمة, كان لمستحقها بعد أخذها قيمة الولد يوم الحكم له بها, وهم أحرار.
فإن لم يعلم أنها أمة إلا من إقرارها, فهل يقبل قولها, ولزم الزوج أن
يفدي ولده منها؟ أم لا يقبل ولا يلزمه أن يفديهم؟ على روايتين: أظهرهما: لا يقبل قولها.
والأخرى: يقبل, وهم أحرار في كلا الوجهين.
وإن كان غره منها غيرها, فما لزمه من فدى وغيره, رجع له على الغار, إلا عقرها, فلا يرجع به.
أحكام الجوار
وإصلاح السفل على صاحب السفل حتى يضع صاحب العلو خشبه, وتعليق الغرف عليه إذا وهي السفل فهدم حتى يصلحه, ويجبر على البناء, لأن في تركه إتلاف حق صاحب العلو, ولا ضرر ولا ضرار.
وقد روي عنه رواية أخرى: إذا كان السفل لواحد والعلو لآخر, كان بناء السفل عليهما إذا وهى إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم البناء على صاحب العلو.
وكذلك لو كان السفل لواحد والوسط لآخر, والعلو لثالث, كان على هذه الرواية بناء السفل على الثلاثة إلى أن يضع الأوسط خشبه, ثم على الأوسط وصاحب العلو البناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد صاحب العلو ببناء ما بقي, وبذلك قضى أبو الدرداء رضي الله عنه.
وعلى الرواية الأولى ينفرد صاحب السفل بالبناء إلى أن يضع صاحب الوسط خشبه, ثم ينفرد الأوسط بالبناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد الأوسط بالبناء إلى أن يضع صاحب العلو خشبه, ثم ينفرد صاحب العلو ببناء ما بقي.
ويمنع من فتح كوة قريبة ليستضيء بها ويشرف منها على جاره.
وقيل: يمنع أيضا من فتح باب قبالة باب جاره, ويمنع من حفر بئر بإزاء بئر جاره, فإن فعل, فانقطع ماء بئر الجار أمر حافر البئر الثانية بسده, فإن عاد ماء بئر الجار فذاك, وإن لم يعد كلف صاحب البئر الأول حفر البئر التي سدت لأجله من ماله.
وقد روي عنه رواية أخرى: أن الثاني إذا حفر في حقه لم يكلف سد بئره, وإن انقطع ماء بئر جاره.
قال: ويمنع من بناء حمام إلى جانب دار جاره, أو أن يحفر كنيفا إلى جانب حائط جاره إذا كان ذلك مضرا به, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
ويقضى بالحائط إذا تداعاه نفسان ولا بينة لأحدهما لمن إليه القمط والعقود في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: لا يحكم بمعاقيد القمط.
ولا يحكم بالحائط لمن له عليه طروح خشب إذا نوزع فيه, ولم يكن له بينة؛ لأنه يجوز لمن لا ملك له في حائط أن يطرح خشبه عليه إذا لم يكن ذلك مضرا بمالكه, وليس لرب الحائط منعه منه إذا كان الحائط وثيقا, إلا أن يكون مضرا به فيمنع.
وليس له البناء على حائط جاره بغير أمره, ولا على حائط مشترك بينه وبين غيره إلا بإذن شريكه.
ولولا الحديث الوارد في طرح الخشب لمنعنا منه كما منعنا من البناء, ولكن اتباع السنة أولى.
روى مال عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره".
ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ لأرمين بها بين أكتافكم.
وإذا استهدم الحائط المشترك جبر على نقضه قولا واحدا, فمن امتنع من النقض أشهد عليه الشريك, فما تلف له بسقوط الحائط بعد الإشهاد ضمنه
الممتنع من النقض.
وإن لم يشهد عليه, لم يضمن ما تلف بالحائط.
وإذا نقضاه فأراد أحدهما البناء, وامتنع الآخر, أجبر الممتنع في إحدى الروايتين على المباناة, وفي الرواية الأخرى: لا يجبر, ويبنيه المختار للبناء, ويمنع الآخر من الانتفاع به حتى يعطي له حصته مما لزمه عليه.
ولو كان بيتا سفله لرجل وعلوه لآخر فدفع صاحب العلو لصاحب السفل من ثمن الأرض بقيمة حقه من المتاع, ويحصل المتاع مع نقصان من الأرض لشريكه, جاز ذلك.
وما كان من حيوان, أو سيف, أو جوهرة, أو فص, أو حجر, أو حمام, وما في معنى ذلك لا يقسم.
وسواء كان الفساد في القسمة حاصلا فيه أو في قيمته.
وإذا أقر جماعة عند حاكم أن بينهم أرضا هي ملكهم على سهام ذكروها وسألوه قسمتها بينهم, قسمها, وذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بينهم بإقرارهم لا بثبوت بينة عنده على ملكهم.
ولو ادعى أحد الشركاء غلطا في القسمة كلف البينة, فإن جاء بها, رد الغلط.
ولو اقتسموا أرضا ثم استحق بعضهم المقسوم, ردت القسمة في الكل.
وكذلك لو كانت الأرض ميراثا, فاقتسمها الورثة, ثم ثبت أن المتوفى كان أوصى بإخراج ثلثها, ردت القيمة, وكذلك لو كان المتوفى لا ملك له غيرها, ثم ثبت عليه دين فبيع بعضها في الدين بعد القسمة ردت القسمة, إلا أن يشاء جميع الورثة قضاء الدين من أموالهم وإقرار القسمة على حالها, فيكون ذلك لهم.
فأما الوصية إذا قال الورثة بعد القسمة: نحن نخرج قمية ثلث الأرض بيننا بالحصص ونقر القسمة على حالها, فهل يجوز ذلك لهم أم لا؟ على وجيهن: أحدهما: يجوز, كما جاز في الدين.
والوجه الثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن المستحق بالوصية بعض الأرض, فتبطل القسمة, ثم إن اختار الورثة ابتياع الثلث
بعد ذلك وإعادة القسمة, كان جائزا, إلا أن يكون الموصي وصى ببيع الثلث وإخراج ثمنه في الوجوه التي ذكرها في كتاب وصيته, فيجوز للورثة ابتياعه من الوصي على الإشاعة, ووزن ثمنه بالحصص, وإقرار القسمة على حالها وجها واحدا.
ولا يقسم إلا على بالغ عاقل حاضر, أو على وكيل له ثابت الوكالة منه جعل إلى المقاسمة عنه.
ولا يقسم على غائب لا وكيل له حاضر, ولا على يتيم إلا أن يقاسم عنه وليه أو وصيه, إذا كان في القسمة مصلحة له.
قتال أهل البغي
قال الله عز وجل: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: 9].
فإذا خرجت فئة على الإمام العادل, وبغت عليه, ونصبت إماما, أو خرجت عن طاعته, وأظهرت مشاققته, اجتهد في استصلاحها وردها عن بغيها بأرفق الأمور, وسئلت: ماذا نقمت, وما دعاها إلى الخروج؟ فإن ذكرت ما يوجب مظلمة أزيلت, وإن لم تذكر شيئا من ذلك أمرت بالعود إلى طاعة الإمام, فإن أبت لم تقاتل حتى تؤذن بالقتال.
فإن أقامت على البغي بعد ذلك حل قتالها.
قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: السلطان ولي من حارب الدين كالخرمية ونحوهم.
فإذا قوتل البغاة, فمن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين.
ولا تخمس أموالهم, ولا تسبى ذراريهم, ولا تباح أموالهم, ولا يجاز على جريحهم.
ومن قعد من الفئة الباغية عن القتال لم يقاتل ولم يقتل.
كذلك روي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ألا لا يتبع مدبر, ولا يذفف على جريح.
وإن رجع البغاة عن البغي بعد القتال قبل منهم, كما لو رجعوا قبل القتال.
وما أصابوه من دم أو مال في حال المعترك لم يطلبوا به, إلا أن يوجد المال بعينه.
ومن قتل من أصحاب الإمام العادل كان شهيدا.
وما جباه البغاة من خراج بلد تغلبوا عليه احتسب بذلك الإمام لأهل البلد إذا قدر عليه, ولم يعد عليهم به.
ولا ينقض من أحكامهم ما لم يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع.
قال أحمد: وكذلك يقاتل الإمام الحرورية إذا دعت إلى دينها وما هي عليه.
فأما إذا اجتمعت فئة ممتنعة غير متأولة لا تدعو إلى نفسها, ولا إلى الإمام, فأصابت مالا أو دما, فليس حكمها حكم الفئة الباغية, بل حكمها حكم قطاع الطريق على ما بينت من أمرهم, لا يسقط عنهم ما أصابوا من الأموال والأنفس.
والخوارج كلاب أهل النار.
كذلك قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه, لحديث فيهم من عشرة أوجه: "الخوارج كلاب أهل النار".
والحكم فيهم ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سمع رجلا في ناحية المسجد يقول: لا حكم إلا لله, فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.
لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم مساجد الله تذكرون فيها اسم الله عز وجل, ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نبدؤكم بقتال.
ولو كان على البغاة وال من قبل الإمام العادل, فقتلوه من قبل أن ينصبوا إماما, كان عليهم في ذلك القصاص في معنى قوله.
وهو قول علي عليه السلام.
ولو أسر بالغ من الرجال الأحرار من الفئة الباغية, وحبس إذا خشي منه, ليكف شره عن المسلمين, جاز.
ولو خاف الإمام العادل الضعف كان له تأخير قتالهم حتى تمكنه القوة عليهم.
ولو استعان أهل الفئة الباغية بأهل الحرب على قتال أهل العدل, قتل أهل الحرب وسبوا, ولا تكون استعانة البغاة بهم على قتال أهل العدل, أمانا لهم.
قال أصحابنا: ولو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل, كان نقضا لأمانهم.
فإن استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتال أهل العدل, فقاتلوا معهم, فعلى وجهين: أحدهما ذلك نقض لعهدهم؛ لأن من قاتل المسلمين من أهل العهد فقد عاد حربيا.
والوجه الآخر: لا يكون ذلك نقضا لعهدهم.
والأول أظهر, إلا أن يدعوا الجهل, فيقولوا: كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن قتالها مباح, كما إذا حملنا المسلمون على قتال قطاع الطريق.
أو قالوا: لم نعلم أن من حملونا على قتالهم مسلمون, فلا يكون هذا نقضا للعهد وجها واحدا.
ويؤخذون بكل ما أصابوا من دم أو مال.
وإن قتل رجل من أهل العدل ذا رحم محرم من أهل البغي, أو قتله الباغي في المعترك, قال بعض أصحابنا: إنهما يتوارثان.
وحكاه عن أحمد ولم يسم ناقل المسألة عنه.
والذي يقتضيه المذهب عندي: أن العادل إذا قتل الباغي في المعترك ورثه؛ لأن التأويل يسعه, كما لو أقاده بوليه لم يكن القود مانعا من الميراث.
وكما قال أحمد فيمن شهد على ذي رحم محرم منه بالقتل أو الزنى فقتل بشهادته: إنه لا يكون بذلك قاتلا ويرثه.
ومن أريد ماله أو دمه أو حريمه, فله أن يقاتل ويدفع عن نفسه, وإن أتى ذلك الدفع على نفس من أراده, وإن قتل هو كان شهيدا, قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "من قتل دون ماله, فهو شهيد".
قتال أهل الردة
وإذا أسلم فريق من الكفار, ثم ارتدوا عن الإسلام إلى أي كفر كان في دار الإسلام أو دار الحرب وهم مقهورون, أو قاهرون في موضعهم الذي أريدوا فيه, أو في غيره, فعلى المسلمين أن يبدؤوا بجهادهم قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط, فإذا ظفروا بهم استتابوهم ثلاثا على ما بينت, فمن تاب منهم حقن دمه, ومن لم يتب قتل بالردة, وسواء في ذلك الرجل والمرأة والعبد.
وما أصاب أهل الردة من المسلمين في حال الردة, أو بعد إظهار التوبة وهم ممتنعون في قتال أو غير قتال فسواء.
والحكم عليهم كالحكم على المسلمين, لا يختلف في فعل ولا قود.
وعليهم ضمان ما يصيبون من الأموال.
وما أصاب منهم المسلمون في حال ردتهم من نفس ومال, فلا ضمان عليهم.
فإن أسلموا وقد قتلوا منا مسلما خطأ, ودوه, وإن كان عمدا, كان عليهم القصاص.
صَوْل الفحل
وإذا صال الفحل على رجل وطلبه, فلم يقدر على دفعه عنه نفسه إلا بقتله, لم يكن عليه ضمان قيمته, ولا تكون حرمته أعظم من حرمة مالكه لو طلب نفس رجل أو ماله, أن له أن يدفعه عن نفسه, وإن أتى الدفع على نفسه بضرب أو غيره.
فإن عض قفاه فلم تنله يداه, ولم يقدر على ضرب فيه لتخليص نفسه منه, فبعج بطنه بسكين.
أو فقأ عينيه بيديه, ليتخلص منه, لم يكن عليه ضمان.
قد رفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية كانت تحتطب, فاتبعها رجل, فراودها عن نفسها, فرمته بفهر أو حجر فقتلته, فقال عمر عليه السلام: هذا قتيل الله, والله لا يودى أبدا.
باب جمل من الفرائض
والسنن المؤكدات والرغائب والآداب
الوضوء للصلاة عن حدث فريضة, وهو مشتق من الوضاءة, والمضمضة والاستنشاق فريضة في الأظهر من قوله.
وقيل عنه: إنها سنة.
والمبالغة في الاستنشاق لغير الصائم سنة.
ومسح الأذنين بماء جديد سنة.
والسواك سنة, مرغب فيها في سائر أوقات الصلوات, مكروه للصائم بعد الزوال.
والمسح على الخفين رخصة وتخفيف.
والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة.
وغسل الإسلام فريضة.
وغسل الجمعة والعيدين سنة.
وغسل الميت فريضة, يحمله من قام به, وكذلك حمله, والصلاة عليه, ودفنه.
والصلوات الخمس في كل يوم وليلة فريضة, وتكبيرة الإحرام فريضة, لا يختلف قوله فيها, وباقي التكبير سنة في الأظهر من قوله.
والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة.
ولا يصح الأداء بنية القضاء, ولا القضاء بنية الأداء.
ورفع اليدين في الصلاة إلى فروع الأذنين أو إلى حذو المنكبين سنة.
ورفع اليدين في دعاء الاستسقاء في حالة التوجه مسنون.
وقراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على الإمام والمنفرد فريضة, وما زاد عليها سنة.
والقراءة على المأموم غير واجبة, مستحبة له في حال الإسرار وسكتات الإمام, مأمور بالإنصات في حال الجهر.
والتوجه إلى الكعبة؛ والقيام في الصلاة, والركوع والرفع منه, والسجود, والجلسة بين السجدتين فريضة.
والجلسة الأولى, والتشهد الأول مسنون.
وقيل عنه: إن ذلك فريضة.
والجلسة الثانية فريضة قولا واحدا, والتشهد الثاني فريضة, والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه فريضة في إحدى الروايتين.
والسلام فريضة.
وترك الكلام في الصلاة فريضة.
والقنوت في صلاة الصبح بغير سبب محدث.
وصلاة الجمعة, والسعي إليها فريضة.
والوتر سنة مؤكدة.
وصلاة العيدين من فروض الكفايات.
وقيل عنه: إنها وصلاة الخسوف والاستسقاء من السنن المؤكدات.
وصلاة الخوف واجبة أمر الله تعالى بها, وهو مما يستدركون به فضل الجماعة.
والجمع بين الصلاتين ليلة المطر تخفيف قد فعله الخلفاء.
والجمع بعرفة ومزدلفة سنة مؤكدة, وجمع المسافر إذا جد به السير رخصة, وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف.
وجمع المستحاضة إذا اختارت الجمع بالغسل يجوز.
وقصر الصلاة في السفر, والفطر فيه رخصة مستحبة عنده, وهي أفضل من الإتمام والصوم.
والأمران جائزان.
وركعتا الفجر من السنن المؤكدات.
وكذلك الركعتان بعد الظهر وبعد
المغرب.
وكذلك الركعتان بعد العشاء قبل الوتر.
وركعة الوتر مفصولة مما قبلها.
والقنوت فيها بعد الركوع.
وصلاة التطوع بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس, وبعد صلاة العصر قبل غروب الشمس منهي عنها, وسواء أكان لها سبب أو لا سبب لها.
وقيام شهر رمضان سنة حسنة, فيها فضل كبير.
ومن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
ومن أوتر في قيام رمضان مع إمامه كتب له قيام ليلة.
وقيام الليل من النوافل المرغب فيها.
وأفضل الليل آخره.
و "من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب".
وفي قيام أول ليلة من رجب, وليلة النصف من شعبان, وليلة عاشوراء فضل عظيم.
ومن صلى بعد صلاة المغرب ست ركعات حاز فضلا كبيرا.
والصلاة على موتى المسلمين من فروض الكفايات.
وطلب العلم فريضة يحملها من قام بها.
وعلم أصول التوحيد فريضة على الأعيان, والأخذ فيه بما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما ثبت من قبول أئمة السلف عليهم السلام, وترك القول بما أحدثه المحدثون.
والجهاد فريضة يحملها من قام بها, إلا أن يغشى العدو محلة قوم, فيجب على جماعتهم قتاله فرضا.
والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به.
وصوم شهر رمضان فريضة على الأعيان.
والاعتكاف سنة, والتنفل بالصوم مرغب فيه, وهو جنة.
وروي: "إن للجنة بابا يقال له: الريان, لا يدخل منه إلا
الصائمون".
وفي صوم رجب وشعبان فضل كبير.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الجنة نهر يقال له: رجب, من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر".
والاختيار عن أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: أن يصوم بعضه ويفطر بعضه؛ لكيلا يشبَّه بالفرض.
وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة, وصوم يوم عرفة كفارة سنتين ماضية ومستقبلة, وصوم عرفة والتروية لغير الحاج أحسن منه للحاج.
وزكاة العين والورق والحرث والماشية والثمار فريضة, وزكاة العروض المبتغى بها التجارة فريضة.
وزكاة الفطر فريضة.
والحج والعمرة فريضة مرة واحدة في العمر كله.
والنية بالحج فريضة, والتلبية سنة, وطواف الإفاضة فريضة, والسعي بين الصفا والمروة فريضة, وقيل عنه: إنه سنة, والإهلال بالحج فريضة.
وقيل عنه: سنة.
وطواف الورود سنة, وكذلك طواف الوداع, والمبيت ليلة عرفة بمنى سنة, والجمع بعرفة واجب, وقيل: سنة مؤكدة, والوقوف بعرفة فريضة في يوم عرفة, أو ليلة مزدلفة إلى قبل طلوع الفجر الثاني, وبه إدراك الحج.
ومن لم يدرك الوقوف بها أحد هذين الزمانين ولو أقل القليل وهو يعقلها, فقد فاته الحج.
ومبيت مزدلفة سنة, ووقوف المشعر سنة, ورمي الجمار سنة.
والحلاق سنة.
وتقبيل الركن سنة, والغسل للإحرام سنة, والركوع عند الإحرام مستحب,
والغسل لدخول مكة مستحب, والطيب قبل الإحرام, وعند الإحلال مستحب.
والصلاة في الجماعة واجبة على القادر على إتيانها, وهي تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة, وروي: بخمس وعشرين, والصلاة في المسجد الحرام بمكة بمئة ألف صلاة, والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين ألف صلاة, والصلاة في بيت المقدس بخمس وعشرين ألف صلاة.
وصلاة النوافل في البيوت أفضل منها في غيرها, لقوله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم, ولا تتخذوها قبورا".
وفضل الصلاة النافلة بمكة والمدينة وبيت المقدس على غيرها من المواضع كفضل صلاة الفرض فيها على غيرها, إن شاء الله.
والصلاة في المقبرة, والمنحرة, والحمام, وأعطان الإبل والحُشِّ, وظهر الكعبة, وقوارع الطرق منهي عنها.
والطواف بالبيت صلاة لا يجوز على غير وضوء.
ومن الفرائض: غض البصر عن المحارم, وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج, ولا في النظر إلى العجوز البرزة الهمة, ولا في النظر إلى الشابة لعذر عند الشهادة عليها للشيوخ المأمومين, وقد أرخص في ذلك للخاطب.
ومن الفرائض: صون اللسان عن الكذب, والزور, والفحشاء, والغيبة, والنميمة, والباطل كله.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها.
ولا يحل دم المسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه, أو يزني بعد إحصانه, أو يقتل نفسا بغير نفس أو يمرق من الدين.
وواجب على كل أحد كف يده عما لا يحل له من مال, أو جسد, أو دم, ولا يسعى بقدمه فيما لا يحل له, قال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾.
[المؤمنون: 1 - 7].
وحرم الله سبحانه وتعالى الفواحش ما ظهر منها وما بطن, وأن تقرب النساء في دم حيضهن, أو دم نفاسهن, وأباح الاستمتاع في تلك الحال بهن فيما دون فروجهن, فيما فوق الإزار وتحته.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
إتيانهن في أعجازهن.
وأباح إتيانهن في حال الطهر في فروجهن من بين أيديهن ومن خلفهن.
وحرم صلى الله عليه وسلم متعة النساء.
وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا له بما يغني عن إعادته.
وأمر الله تعالى بأكل الطيب, وهو الحلال, فلا يحل لأحد أن يأكل إلا طيبا, ولا يشرب إلا طيبا, ولا يركب إلا طيبا, ولا يستعمل سائر ما ينتفع به إلا طيبا.
ومن وراء ذلك أمور متشابهات من تركها سلم, ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وحرم الله تعالى أكل المال بالباطل, ومن الباطل الغصب, والتعدي, والخيانة, والربا, والسحت, والقمار, والغرر, والغش, والخديعة والخلابة, وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير, وما أهل لغير الله به, وما ذبح على النصب, وما أعان على موته ترد من جبل, أو وقذة ببندقة, أو عصا أو حجر, وما في معنى ذلك.
والمنخنقة بحبل أو غيره, إلا أن يضطر إلى ذلك, كالميتة.
وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حيلة بعده, فلا ذكاة فيها.
ولا بأس للمضطر في السفر أن يأكل من الميتة بقدر ما يزيل الاضطرار ويأمن معه الموت.
وقيل: بل له أن يأكل منها حتى يشبع.
والأول عنه أظهر وأصح.
والخنزير نجس العين حيا وميتا, وشعره وكل شيء منه حرام ونجس.
وكذلك الكلب حرام نجس العين.
والخمرة حرام نجسة العين, وحرم الله سبحانه شرب قليلها وكثيرها, وكان شرابهم يوم حرمت الفضيخ: التمر والبسر.
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام.
وكا ما خامر العقل فأسكر من كل شراب فهو خمر.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها".
ونهى عن الخليطين من الأشربة.
وذلك أن يخلط عند الانتباذ وعند الشرب.
وقال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: من شرب خليطين فكأنه أكل لحم خنزير ميت؛ لأن المسكر حرام.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الانتباذ في الدباء والحنتم, والنقير والمزفت, وأرخص في الانتباذ في الأسقية غير المسكر.
ثم روي عنه عليه السلام أنه أرخص في الانتباذ في سائر الأوعية, وقال: "ألا إن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه فانتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر".
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع, ومخلب من الطير, وعن أكل لحوم الحمر الأهلية.
والبغال في معناها محرمة أيضا.
ولا ذكاة في شيء منها.
وكل ما لا تعمل الذكاة في إباحة لحمه لا تعمل في طهارة جلده.
وتصح الذكاة في الحمر الوحشية وأكلها حلال.
ومن الواجب بر الوالدين وإن كانا فاسقين.
وطاعتهما في غير معصية الله عز وجل.
فإن كانا كافرين فليصاحبهما في الدنيا معروفا, ولا يطعهما في كفر, ولا في
معصية الله عز وجل, فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق.
وعلى الوالد أن يعلم ولده الكتاب, وما يقيم به دينه من فرائضه وسننه, والسباحة, والرمي, وأن يورثه طيبا.
وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين, وأن يصل رحمه؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن ينسأ في أثره, أو يزاد في رزقه, فليصل رحمه".
وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم.
وفرض عليه النصيحة لإمامه, وطاعته في غير معصية الله عز وجل, والذود عنه, والجهاد بين يديه إذا كان فيه فضل لذلك, واعتقاد إمامته, فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وإن بات ليلة لا يعتقد فيها إمامته, فمات على ذلك, كانت ميتته ميتة جاهلية.
ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه.
كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه, ويعوده إذا مرض, ويشمته إذا عطس فحمد الله, ويشهد جنازته إذا مات, ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية.
ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.
والسلام عليه يخرجه من الهجرة.
ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام عليه.
والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو مجاهر بالكبائر, ولا يصل إلى عقوبته, ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها.
ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما, ولا فيما يشاور فيه من النكاح, أو مخالطته.
ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك, وتعطي من حرمك, وتصل من قطعك.
وأفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح.
يريد -والله أعلم- المعادي المباغض.
وحسن الجوار مأمور به مرغب فيه.
فإن للجار حقا وحرمة.
وليس حسن الجوار كف الأذى عن الجار, ولكن تحمل الأذى من الجار ما لم يعص الله عز وجل.
ولا يحل لأحد أن يتعمد سماع الباطل كله, ولا أن يتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل له, ولا يسمع شيئا من الملاهي والغناء, ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة, كترجيع الغناء, وليجل كتاب الله عز وجل العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار, وترتيل, وحضور الهمة, وما يوقن أن الله سبحانه يرضى به, ويقرب منه, مع إحضار الفهم لذلك, وقراءة الإدارة, وتقطيع حروف القرآن مكروه عنده.
ومن الفرائض الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, على كل من بسطت يده في الأرض, وعلى كل من تصل يده إلى ذلك, فمن عجز عن ذلك بيده فبقلبه, ولسانه, فإن لم يقدر, فبقلبه.
وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمر وجه الله الكريم.
ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله.
والرياء: الشرك الأصغر.
والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار.
والإصرار: المقام على الذنب, واعتقاد العود إليه أو إلى مثله.
ولا صغيرة مع إصرار, ولا كبيرة مع استغفار.
وقد روي: "هلك المصرون قدما قدما إلى النار".
ومن التوبة: رد المظالم, واجتناب المحارم, والنية ألا يعود, ويستغفر ربه, ويرجو رحمته, ويخاف عذابه, ويتذكر نعمته, ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه, وترك ما يكره فعله, ويتقرب إليه بما يسره له من نوافل الخير.
وكلما ضيع من فرائضه فليتب إلى الله عز وجل من ذلك, وليفعله الآن, ويرغب إلى الله عز وجل في تقبله, ويتوب إليه من تضييعه, وليلجأ إليه جل اسمه فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره, موقنا أنه المالك لصلاح شأنه, وتوفيقه وتسديده, لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح.
ولا ييأس من رحمة الله والفكر في أن الله تعالى مفتاح العبادة, ويعلم أنه لا يقدر على شيء إلا ما قدره الله عليه ويسره له.
واستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده, وفي نعمة الله عليك, وإمهاله لك, وأخذه لغيرك بذنبه, وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك والمبادرة بالتوبة فعسى أن يكون قد قرب أجلك.
باب
في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك
ومن الفطرة عشر, خمس منها في الرأس, وخمس في الجسد.
فأما التي في الرأس: فالمضمضة, والاستنشاق, والسواك, وقص الشارب, وهو طرف الشعر المستدير على الشفة.
وإحفاؤه أحب إلينا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحفوا الشوارب", وفرق الرأس.
وأما التي في الجسد: فقص الأظافر, وحلق العانة, ونتف الجناحين, والاستنجاء, والختان, وهو سنة للرجال, والخفاض, وهو مكرمة للمرأة.
وأمر بإعفاء اللحى, فالأفضل أن توفر ولا تنقص إلا ما زاد منها على القبضة, فلا بأس بأخذ الزيادة لمن أحب ذلك.
ويكره صباغ الشعر بالسواد, ولا بأس به بالحناء والكتم.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد.
ولا بأس بالفضة في حلية خاتم الرجل,
وسيفه, ومنطقته, ولا يجعل ذلك في لجام, ولا سرج, ولا في سكين, ولا آنية, ولا في غير ما ذكرنا, فإنه من السرف والخيلاء.
وقد جاء الحديث: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
فإن كان إناء عليه ضبة يسيرة من فضة على موضع كسر فيه, ولم يقع شربه على ذلك الموضع فموسع.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح مضبب بفضة.
وللنساء أن يتختمن بالذهب, ويلبسن الحلي والحرير, ولا يتختمن بالحديد.
وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه, وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حلال لنسائها".
والاختيار: التختم في الشمال, إذ هو آخر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولأن تناول الشيء باليمين.
ومن كان في يده خاتم عليه ذكر الله سبحانه, فليدره إلى يمينه عند دخوله لقضاء حاجته, وليجعل فصه في باطن راحته, فإذا خرج أداره إلى يسراه.
ولو خلعه قبل دخول الخلاء إجلال لاسم الله تعالى وتوقيرا كان أحسن وأفضل.
ويعود للبسه إذا خرج, والأول موسع.
ولا بأس للرجال بلباس الخز, وإن كان عند بعضهم مكروها.
وكذلك العلم في الثوب والطراز, ويكره إذا كان عريضا, ولا بأس بالدقيق منه.
ولا يلبس النساء إذا خرجن من الرقيق ما يصفهن, ولا تبدي المرأة زينتها إلا لبعلها, أو من كان ذا رحم محرم منها.
ولا يجر الرجل إزاره بطرا, ولا ثوبه من الخيلاء, وليكن إلى الكعبين, فهو
أنظف وأنقى لثوبه.
ونهي عن اشتمال الصماء على غير ثوب؛ لأن عورته تبدو, وعن السدل في الصلاة؛ لأنها لبسة اليهود.
وفرض على كل أحد ستر عورته, وهي ما بين السرة والركبة في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: العورة: القبل والدبر.
والأول أصح.
وأزرة الرجل إلى أنصاف ساقيه.
والفخذ عورة, وليس كالعورة نفسها؛ للخلاف فيه.
والمرأة الحرة عورة كلها إلا وجهها.
ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر, ولا تدخله المرأة إلا من علة أو نفاس, والحيض من النفاس.
ولتدخل بقميص خفيف لا يمنع وصول الماء إلى جسمها إذا أفاضته عليها من فوقع, ولا تتجرد في الحمام, ولا بأس أن تستعمل النخالة الخالية من الدقيق على جسمها في الحمام مكان الأشنان.
ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد متجردين.
ومن بلغ من الإخوة عشر سنين فرق بينه وبين أخته في المضجع.
ولا تخرج امرأة من بيتها إلا مستترة فيما لا بد لها منه.
ولا تتبع جنازة, ولا تشهد مقبرة, لقوله صلى الله عليه وسلم: "ارجعن مأزورات غير مأجورات, مفتِّنات الأحياء مؤذيات الأموات".
وقيل: "مؤثمات الأحياء" أو كما قال.
وقد أرخص بعضم لها في شهود موت أبيها وولدها وذي قرابتها على نحو ما ذكرنا في التخفر والستر.
وحرام على الرجال والنساء حضور نياحة أو لطم خد في مصيبة وغيرها, أو
اتخاذ لهو من مزمار, أو طبل, أو عود, أو معزفة, أو طنبور, وما أشبه ذلك من الملاهي الملهية وما أُرخص في شيء من ذلك بحال, إلا في الدف في النكاح.
ولا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم.
ولا بأس أن ينظر إليها لعذر من شهادة عليها إذا كان مأمونا, وإذا خطبها للنكاح.
وأما العجوز الهمة الهرمة البرزة فمرخص في النظر إلى وجهها.
وينهى النساء عن وصل الشعر, وعن الوشم.
ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه, وإذا خلع بدأ بشماله.
ولا بأس بالانتعال قائما, ويكره المشي في نعل واحد.
وتكره التماثيل والصور في الأسرة والقبا والجدران والبيوت, وهو في الرقم أيسر, وتركه أفضل وأحسن؛ لأن التماثيل والصور كلها مكروهة عنده.
باب في الطعام والشراب
وإذا أكلت, أو شربت, فواجب عليك أن تقول: بسم الله, وتتناول بيمينك, وإذا فرغت فقل: الحمد لله, وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها.
ومن أدب الأكل أن تجعل بطنك: ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس.
ولو أكل كثيرا لم يكن به بأس.
قال الحسن: ليس في الطعام إسراف, والحديث المرفوع ورد بالأول تأديبا لا تحديدا.
وإذا أكلت مع غيرك فكل مما يليك, ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ من التي قبلها, ولا تتنفس في الإناء عند شربك منه, ولكن أبن القدح عن فيك عند التنفس, ثم عاود إن شئت.
وقطع الماء ثلاثا, فإنه أهنأ, وأمرأ, وأبرأ, وسم الله عند كل ابتداء واحمده عند كل قطع.
ولا تعب الماء عبا, بل مصه مصا, ولطف لقمك, وأجد مضغ طعامك حتى تنعمه قبل أن تبلعه, ففيه بركة, ونظف فاك بعد طعامك, وغسل اليدين من الغمر بتنظيف وأدب حسن.
وخلل ما تعلق بأسنانك من طعامك, فإنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: ترك الخلال يوهن الأسنان.
وإياك والتخلل بالقصب؛ فإنه روي أنه يورث الأكلة في الفم.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب بالشمال.
وناول
إذا شربت من عن يمينك, والنفخ في الطعام والشراب والكتاب منهي عنه, والشرب في آنية الذهب والفضة محرم.
ومتخذ الآنية من ذلك عاص.
ولا بأس بالشرب قائما.
وقيل: إنه مكروه.
ومن أكل الكراث أو البصل أو الثوم نيئا حتى وجد منه ريحه, فلا يدخل المسجد.
ولا يأكل متكئا فقد نهي عنه.
ويكره الأكل من رأس الثريد, ونهي عن القران في التمر, وقيل: ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه, فلا بأس بذلك إذا كان الآكل وحده أو مع أهله أو مع قوم هو أطعمهم, وتركه مع كل أحد أولى وأفضل وأحسن.
وغسل اليدين قبل الطعام تنظيف وبركة, وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر ويمضمض من اللبن, ولا يغسل اليد بشيء من الأطعمة, ولا يحب ذلك بالقطاني أيضا, مثل العدس ونحوه, فإنه مكروه.
ولا بأس به بالنخالة الخالية من الدقيق.
قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: لا بأس بغسل اليد بالنخالة, ونحن نفعله.
ومن دعي إلى وليمة عرس ليس فيها لهو ولا منكر فليجب, وهو مخير بين أن يأكل أو لا يأكل, ولا يأكل من طعام يشرب عليه المسكر, ولا يأكل من حلال امتزج به محرم.
باب
في السلام والاستئذان
, والتناجي, وفي ذكر القراءة, وفي الدعاء,
وذكر الله عز وجل, والقول في السفر
رد السلام واجب, والابتداء به سنة مرغب فيها.
والسلام: أن يقول الرجل: السلام عليكم ورحمة الله.
وإن اقتصر على قوله: السلام عليكم, جاز.
ويقول الراد: وعليكم السلام ورحمة الله.
أو يقول: وعليكم السلام, كما قيل له, وهو قوله تعالى: ﴿أو ردوها﴾ [النساء: 86].
وأكثر ما ينتهي السلام إليه من البركة أن تقول في ردك: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ولا تقل في ردك: سلام الله عليك.
وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأهم, وكذلك إن رد واحد منهم, ويسلم الراكب على الماشي, والماشي على الجالس.
والمصافحة سنة, روي فيها فضل كبير.
والمعانقة عند القدوم من السفر حسنة أيضا.
ولا يبدأ أهل الذمة بالسلام.
وإذا سلم يهودي أو نصراني على مسلم فليقل: عليك.
وإذا لقي المسلم يهوديا في طريق, فليضطره إلى أضيقها.
وإن سلم الذمي على المسلم, فقال: عليك السلام, بكسر السين وهي الحجارة, فقل مثل ذلك.
والاستئذان واجب, ولا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا, فإن أذن لك
وإلا رجعت.
وإذا دخلت بيتك فسلم على أهل بيتك يكثر خيرك.
ويرغب في عيادة المرضى, لما فيه من الفضل.
وأكثر من ذكر الله تعالى, فقد روي عن معاذ بن جبل أنه: صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وأفضل من ذكر الله باللسان ذكره عند أمره ونهيه.
ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أصبح, وأمسى: "اللهم بك نصبح, وبك نمسي, وبك نحيا, وبك نموت".
يقول في الصباح: "وإليك النشور".
وفي المساء: "وإليك المصير".
وروي مع ذلك: "اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك نصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده, في نور تهديني به, أو رحمة تنشرها, أو رزق تبسطه, أو ضر تكشفه, أو ذنب تغفره, أو شدة ترفعها, أو فتنة تصرفها, أو معافاة تمن بها برحمتك, إنك على كل شيء قدير".
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم عند النوم, يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن, والأخرى على خده الأيسر, ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه, إن أمسكت نفسي فاغفر لها, وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك".
"اللهم إني أسلمت نفسي إليك, ووجهت وجهي إليك, رهبة منك ورغبة إليك, لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك, أستغفرك وأتوب
إليك, آمنت بكتابك الذي أنزلت, وبنبيك الذي أرسلت, فاغفر لي ما قدمت وأخرت, وأسررت وأعلنت, أنت إلهي لا إله إلا أنت, رب قني عذابك يوم تبعث عبادك".
ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل, أو أُضل أو أزل, أو أزل, أو أظلم, أو أظلم, أو أجهل أو يجهل علي".
وإذا أراد دخول مسجد قدم رجله اليمنى وأخر اليسرى, وقال: بسم الله, والسلام على رسول الله.
"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, واغفر لي ذنبي, وافتح لي أبواب رحمتك".
فإذا أراد الخروج منه قدم اليسرى وأخر اليمنى, وقال: بسم الله, والسلام على رسول الله, "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, واغفر لي ذنوبي, وافتح لي أبواب فضلك".
وروي في دبر كل صلاة أن يسبح ثلاثا وثلاثين, ويحمد الله ثلاثا وثلاثين, ويكبر ثلاثا وثلاثين, ويختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وعند إرادة الدخول إلى الخلاء يقدر الرجل اليسرى, ويؤخر اليمنى ويقول: بسم الله, "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وإن قال: "اللهم إني
أعوذ بك من الخبيث النجس الرجس الشيطان الرجيم" كان حسنا.
فإذا خرج منه قدم اليمنى وأخر اليسرى, وقال: "الحمد لله الذي أطعمني الطعام فبقّى علي حله, وأذهب عني غله".
وإذا قال: "الحمد لله الذي رزقني لذته, وأخرج عني مشقته, وأبقى في جسمي قوته فحسن.
وإن قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني", كان حسنا أيضا.
وينبغي أن يكون اعتماده في حال جلوسه على الخلاء على رجله اليسرى, ولا يستقبل القبلة, ولا يستدبرها بغائط ولا بول في الصحارى قولا واحدا.
وفي المنازل في إحدى الروايتين.
ويتعوذ من كل شيء يخافه, وعندما يخلو بموضع, أو يجلس في مكان, أو ينام فيه, فيقول: "أعوذ بالله وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر, وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ, ومن شر ما ينزل من السماء, ومن شر ما يعرج فيها, ومن شر ما ذرأ في الأرض, ومن شر ما يخرج منها, ومن فتن الليل والنهار, ومن طارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير, يا أرحم الراحمين, ومن كل دابة ربي آخذ بناصيتها, إن ربي على صراط مستقيم".
ويستحب لمن دخل منزله أن يقول: ما شاء الله, لا حول ولا قوة إلا بالله, ويسلم على أهل بيته إذا دخله يكثر خير بيته.
قد روي عن أنس بن مالك أنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "دم على الطهور, يزيد في عمرك, وصل بالليل والنهار ما استطعت, يحبك الحفظة, وصل صلاة الضحى, فإنها صلاة الأوابين, وصلى على أهل بيتك إذا دخلت, يكثر خير بيتك, ووقر كبير المسلمين وارحم
صغيرهم, ترافقني في الجنة" أو نحو ذا, أو كما قال.
ويكره العمل في المساجد من خياطة أو غيرها من الصنائع, لما روى عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنبوا مساجدكم صناعكم".
ولا تقرأ في الحمام فإنه مكروه, لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: بئس البيت الحمام ينزع فيه الحياء, ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله.
ويقرأ الراكب والماشي, والجالس والمضطجع, والمتوضئ والمحدث, على كل حال, إلا الجنب والحائض والنفساء؛ فقد روى عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن.
ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن.
وأقل ما ينبغي أن يقرأ في ثلاثة أيام؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأه في أقل من ثلاث.
والتفهم فيه والاعتبار به مع قلة القراءة أفضل من إدراجه بغير تفهم.
ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: "بسم الله, اللهم أنت الصاحب في السفر, والخليفة في الأهل والمال والولد, اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر, وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال" ويقول الراكب إن استوى على الدابة: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: 13 - 14].