كتاب الإيلاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
- الكتاب
- الإرشاد إلى سبيل الرشاد
- المؤلف
- محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
- المحقق
- د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
- الطبعة
- الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يده بالخيار بين أن يأخذ من القاطع دية كاملة ولا قصاص, وبين أن يقتص منه, فيقطع إحدى يديه ويأخذ نصف الدية.
قياسا على ما قاله في عين الأعور.
وقال في الرواية الأخرى: ليس له إلا نصف الدية أو القصاص, ولا يكون ذلك إلا في العين دون غيرها, لأنه يدرك بالعين الواحدة ما يدركه بالعينين, وليس كذلك في غيرها, لأنه لا تقوم إحدى يديه مقام اليدين, وهذا هو الصحيح, وبه أقول.
ومن قتل عبده أدب ولم يقتل.
ولو قال حر لعبد: شجني.
ففعل, لم يكن عليه شيء.
وكذلك لو أمر حر حرا أن يشجه فشجه, لم يكن عليه شيء.
وقد قيل عنه: بل يضمن أرش الجناية في ماله, ولا يقاد منه قولا واحدا.
فإن قال عبد لحر: شجني.
ففعل, ضمن أرش الجناية لمولاه قولا واحدا.
ولو أرسل صبيا في حاجة فما جنى في تلك الحال, فعلى عاقلته في الأنفس, وما بلغ ثلث الدية من الجراح, وفي ماله ما أتلف من الأموال, وما لم يبلغ أرشه ثلث الدية من الجراح.
وإن جُني عليه فالذي أرسله ضامن.
والقائد والراكب ضامنون ما وطئت الدابة بيدها دون ما نفحت برجلها, لأنه يقدر على ضبطها من بين يديه, ولا يقدر على ضبطها من ورائه, ولا ضمان على الردف, إذ لا قدرة له على ضبط ولا غيره.
فإن نخسها إنسان, أو هيجها فجنت على آدمي, لم يضمن راكبها.
ولو ربطها في الطريق لزمه ما جنت.
وما كان منها بغير فعلهم أو في حال الإفلات, فهو جُبَار.
فإن كان راكبا فكبح الدابة أو حنكها باللجام, فأصابت شيئا بيدها أو برجلها ضمنه.
وإن أرسل فِلْوَ الدابة وراءها, فجنى على آدمي ذمن, لأنه يقدر على ضبطه بالشد.
وما مات في بئر أو معدن, فهو جبار.
ولو استأجر صانعا يحفر له بئرا فوقع عليه فتلف, فلا ضمان على مستأجره.
ومن حفر بئرا في ملكه, فوقع فيه إنسان فمات, فهو هدر.
فإن حفرها في غير ملكه ضمن ما هلك بها.
وكذلك لو ألقى حجرا في الطريق ضمن ما أصيب به.
وكذلك لو صب ماء في الطريق فزلق فيه بعير أو غيره فهلك, أو أصابه كسر, ضمنه في ماله.
فإن أصيب بذلك آدمي, فديته على عاقلته.
ولو حفر رجل من بئر أذرعا في غير حقه, ثم جاء آخر فحفرها إلى القرار, فأصيب بها إنسان أو مال, ضمناه جميعا, فما كان من مال, ففي أموالهما, وما كان من نفس فعلى عواقلهما.
وكذلك ما كان من جرح حتى يبلغ عقله ثلث الدية, كان على عواقلهما.
وإن نقص عقله عن ثلث الدية, ففي أموالهما.
وكذلك لو حفر رجل بئرا في غير حقه, وألقى فيها آخر سكينا, فسقط فيها إنسان, فإن أصيب بالبئر والسكين, ضمناه جميعا, وكانت ديته على عواقلهما.
ولو حفر بئرا لماء المطر ينتفع المسلمون بها, لم يضمن ما أصيب بها.
ولو حفر بئرا في أرض موات ملكها, ولم يضمن ما أصيب بها.
ومن بنى حائطا في غير ملكه فسقط ضمن البنَّاء والآمر ما أصيب, وينظر, فإن كان البناء يعلم أن الآمر أمره بالبناء في غير حقه, لم يرجع عليه بما يغرم.
وإن كان لم يعلم ذلك, فله أن يرجع عليه بما يغرم, لأنه قد غره.
وإذا مال الحائط واستهدم لزم نقضه ويأمره بنقضه, فإن فعل وإلا أشهد عليه.
فإن سقط بعد الإشهاد فأتلف مالا ضمنه مالكه, وإن أتلف إنسانا, فعلى عاقلة مالكه.
وإن لم يكن أشهد عليه, لم يضمن ما أصيب به.
ولو سقط رجل على رجل فمات الأسفل, كان على عاقلة الأعلى ديته, وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله.
وإن مات الأعلى لم تضمن عاقلة الأسفل شيئا من ديته.
وإذا اصطدم الفارسان فماتا, ومات الفرسان, فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر, وقيمة الفرسين في أموالهما.
فإن صدم فارس يركض فارسا واقفا, فمات الفارسان والدابتان, ضمن السائر قيمة دابة الواقف في ماله, وكان على عاقلته دية الفارس الواقف, وليس على عاقلة الواقف ضمان دية السائر, ولا في ماله ضمان قيمة فرسه.
وصاحب السفينة المنحدرة ضامن لما أصاب السفينة الصاعدة, إلا أن تكون ريح عظيمة غلبته لا يمكنه معها ضبطها, فلا يضمن.
وإذا رمى قوم بالمنجنيق فأصاب الحجر مسلما فقتله, فديته في بيت المال.
فإن لم يده الإمام فديته على عواقل الذين مدوا المنجنيق.
وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة في ماله.
فإن رجع الحجر فقتل واحدا منهم, فعلى روايتين: قال في إحداهما: ديته على عواقلهم؛ لأنها جناية واحدة, كما قال فيمن ضرب حاملا فتلفت والجنين: إنها جناية واحدة على العاقلة.
وقال في الرواية الأخرى: الدية عليهم في أموالهم, إن كان ما يصيب كل واحد منهم أقل من ثلث الدية, فإن كان أكثر, كانت على عواقلهم.
ولو اقتتل قوم فتلف بعضهم, وجرح بعضهم, كانت دية من قُتل على من جرح يرفع عنه منها بمقدار ديات الجراح.
والديات موروثة على الفرائض.
وفي جنين الحرة غرة: عبد أو وليدة قيمتها خمسون دينارا, أو ست مئة درهم, ويورث على كتاب الله عز وجل.
ولو ضربتها فألقت جنينين أو أكثر كان في كل واحد غرة: عبد أو وليدة, قيمتها عشر دية الأم.
وهل عليه عتق رقبة واحدة للجميع, أو لكل واحد عتق رقبة مؤمنة؟ فيه وجهان.
فإن ضربها فألقت جنينا حيا ثم مات, ففيه دية كاملة على عاقلة الضارب.
وسواء استهل أو لم يستهل.
وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله.
ومن شربت دواء فألقت جنينا حيا ثم مات, فديته على عاقلتها لا ترث هي منها شيئا.
وإن ألقته ميتا فالغرة عليها في مالها, وعليها عتق رقبة مؤمنة في مالها في الوجهين جميعا.
ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ من دية المقتول ولا غيرها.
وفي جنين الأمة من سيدها ما في جنين الحرة.
وإن كان من غيره, ففيه عشر قيمة أمه في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: فيه نصف عشر قيمة أمه.
والأول عنه أظهر.
وفي جنين اليهودية والنصرانية عشر دية أمه, وكذلك جنين المجوسية.
ومن قتل عبدا, فعليه قيمته بالغة ما بلغت.
وكفارة قتل الخطأ واجبة في مال القاتل, عتق رقبة مؤمنة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله عز وجل.
وإن عفي عنه في قتل العمد فأعتق إن وجد, أو صام إن لم يجد كان أفضل, وليس ذلك بواجب عليه.
ويقتل الزنديق ولا يستتاب في الأظهر من القول عنه.
والزنديق هو: الذي يُظهر الإيمان ويستر الكفر.
ويقتل الساحر إلا أن يتوب, وكذلك الكاهن والعراف.
ويقتل المرتد إلا أن يتوب, ويؤجل للتوبة ثلاثة أيام, رجلا كان أو امرأة, وكذلك كل من وجبت استتابته أجل ثلاثا.
ومن جحد وجوب الصلاة, أو خصلة من دعائم الإسلام الخمس, كان مرتدا لا أعلم فيه خلافا, ويقتل إلا أن يتوب.
ومن ترك الصلاة غير جاحد لها توانيا وكسلا, دُعي إليها في وقت كل صلاة ثلاثة أيام؛ فإن صلى, وإلا قتل.
وهل يكفر بترك فعل الصلاة مع الإقرار بها واعتقاد وجوبها أم لا؟ الظاهر من قوله المنصوص عنه: أنه يكفر بترك الصلاة جاحدا أو غير جاحد إذا تركها تعمدا حتى يخرج وقتها ويدخل وقت غيرها لغير عذر.
فعلى هذا من قوله, إذا قتل لأجل تركها بعد الثلاثة أيام, كان ماله فيئا.
واختلف في قدر الترك الذي يكون به كافرا على ثلاث روايات, إحداها: ما ذكرته, والأخرى: إذا ترك صلاتين.
والرواية الثالثة: إذا ترك ثلاث صلوات فصاعدا حتى تخرج أوقاتها كلها.
وقال بعض أصحابنا: إنه لا يكفر بالترك مع الإقرار بها, واعتقاد وجوبها, والعزم على قضائها.
وقد نص أحمد رضي الله عنه على ذلك في موضع, فقال: الكفر لا يوقف عليه أحد, ولكن يستتاب, فإن تاب وإلا قتل.
وهل تبين منه زوجته أم لا؟ المنصوص عنه أنه قال: تختلع منه, ولم يقل: إنها تبين منه.
ويتوجه إذا حكمنا بردته, أن تبين منه الزوجة.
فإن تاب وهي في العدة فهي زوجته, وإن لم يتب حتى انقضت عدتها بانت.
وإذا قلنا: إنه لا يكون كافرا, فإن تاب, فلا مسألة, ويقضي ما ترك من الصلوات.
وإن لم يتب وقتل لأجل تركها, لم تبن منه الزوجة, وكان ماله لورثته من المسلمين.
ولا يكفر بمنع الزكاة مع الإقرار بها واعتقاد وجوبها, في الأظهر من قوله؛ لأن الإمام يأخذها منه قهرا وتجزئه.
فإن منع الزكاة عصبة ذوو منعة جحودا لها, قاتلهم الإمام, ولم يسب ذراريهم, ولم يسترقهم.
وإن منعوها بخلا من غير جحود لها, فهل يقاتلون عليها أم لا؟ على روايتين.
ومن ترك فعل الحج مع الإقرار به, واعتقاد وجوبه, وقدرته على فعله, لم يكفر
قولا واحدا.
قال: ولكن لا تقبل له شهادة ما لم يحج.
فإن مات ولم يحج حجة الفرض حج عنه وليه من صلب ماله, قبل الوصية والميراث إذا كان في ماله فضل.
ومن ترك صوم شهر رمضان, مقرا به, معتقدا لوجوبه, أجبر على الصيام ولم يقتل.
وقيل عنه: يستتاب من ذلك ثلاثا, فإن تاب, وإلا قتل.
ولا يكفر بذلك في الصحيح عنه.
ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب.
ومن سبه صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة قتل وإن أسلم.
ومن ادعى النبوة, ومن سب الباري تعالى من مسلم وكافر قتل.
ومال المرتد لبيت مال المسلمين دون ورثته.
والمحارب القاطع الطريق, المخيف السبيل, الذي يعترض الناس خارج المصر, فيأخذ مالهم مجاهرة, إذا أُخذ على محاربته, وظُفر به, قتل إن كان قد قتل ولم يأخذ مالا, ولم يُصلب.
فإن كان قد قتل, وأخذ المال, قتل ثم صلب, وإن كان لم يقتل بل أخذ من المال ما يجب القطع في مثله قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف في مقام واحد وحُسِمَتا.
وإن كان لم يقتل ولا أخذ مالا, حبس ولم يقم عليه شيء من الحدود.
والحبس: النفي من الأرض.
وقيل عنه: بل نفيه: أن يشرد من بلد إلى بلد.
ولا عفو فيه إذا أخذ على محاربته وقد قتل.
وإن تاب من قبل أن يُقدر عليه وجاء تائبا, وضع عنه كل حق لله تعالى كان أتاه في حال المحاربة, وأخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال, إلا أن يُعفى له عنها.
وقد روي عن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى: أن آية المحاربة
منسوخة, وأنها نزلت في العرنيين الذين استاقوا الإبل وقتلوا الراعي, وكانوا ارتدوا, فأنزل الله تعالى فيهم الآية, وأن ذلك قبل نزول الحدود.
قال: فأما اليوم فحكم من خرج لقطع الطريق مرتب على ما نزل في آية الحدود.
ولولا قيام الدليل على وجوب قطع الرجل مع اليد للمحارب إذا أخذ المال لكنّا نقول: لا تقطع إلا يده اليمنى كما نقول في السارق.
وعلى هذا من قوله, يجيء أن يصح عفو ولي الدم عن المحارب القاتل إذا أُخذ على المحاربة ولا يكون الإمام مخيرا فيه.
واللصوص ضامنون لما أخذوه من الأموال وإن قُطعوا.
ومن قاتل منهم وقتل ثم ظفر بهم قتل القاتل منهم دون من لم يقتل.
ومن زنى من حر محصن رجم حتى يموت, ولا يكون محصنا إلا أن يكون الزوجان حرين, بالغين, عاقلين, مسلمين, أو كتابيين, أو الزوج مسلم والزوجة كتابية, ويطؤها في الفرج وطئا صحيحا في نكاح صحيح.
وحد البلوغ الذي تجب به الحدود: الإنزال من الرجال, والحيض من النساء, أو بلوغ خمس عشرة سنة من كل واحد منهما, أو الإنبات.
والحرة الصغيرة تحصن الحر البالغ إذا وطئها, ولا يحصنها هو حتى تبلغ المحيض.
والحر المراهق يحصن الزوجة الحرة البالغة إذا وطئها ووصل إليها في النكاح الصحيح على ما بينت, ولا تحصنه حتى يبلغ.
ومن زنى من بكر لم يُحصن جلد مئة جلدة, وغرب إلى بلد آخر, وحُبس فيه سنة.
وقد روي عنه رواية أخرى: أن المحصن يجلد مئة ثم يرجم.
وذهب في ذلك إلى حديث عبادة بن الصامت أنه لما نزلت آية الجلد رقي النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: "خذوا عني, قد جعل الله لهن سبيلا, البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام, والثيب بالثيب جلد مئة والرجم".
وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه جلد شُراحة ثم رجمها, وقال: جلدتها بكتاب الله, ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا رجم على عبد ولا أمة إذا زنيا, وحدهما الجلد, فيجلد كل واحد منهما خمسون جلدة, ولا تغريب عليهما.
والبكر الحرة إذا زنت غربت, كما يغرب الرجل, فإن لم يكن لها محرم, غربت إلى بلد لا يكون بينه وبين بلدها ما تقصر في مثله الصلاة.
والعبد لا يحصن الحرة, والأمة لا تحصن الحر, وإن كان وطئها بنكاح.
ولا يجلد أحد في زنى إلا أن يقر أربع مرات طوعا, ويرد, كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بماعز, ولا يرجع عن الإقرار, أو يشهد عليه أربعة رجال أحرار عقلاء, بالغين, مسلمين, عدول مرضيين, يرون فرجه في فرجها, كالمرود في المكحلة, ويشهدون في مقام واحد, فإن جاؤوا متفرقين واحدا بعد واحد, والحاكم جالس لم يقم من مجلسه حتى تمت الشهادة, قبلت شهادتهم, وأقيم الحد على المشهود عليه.
وإن جاء بعضهم والحاكم جالس فشهد, ثم جاء من بقي منهم بعد قيام الحاكم من مجلسه فشهد, لم تقبل شهادتهم قولا واحدا, والأظهر عنه أنهم قذفة.
ولو شهد منهم ثلاثة, فوصفوا الزنى ولم يتم الرابع الصفة في شهادتهم, جلد
الثلاثة حد القذف.
وإن شهد أربعة عميان بالزنى لم تقبل شهادتهم قولا واحدا.
وهل يجلدون أم لا؟ على روايتين, قال في إحداهما: هم أربعة قد أحرزوا ظهورهم, وقال في الأخرى: هم قذفة, لأن الشهادة بالزنى تفتقر إلى المعاينة, وعليهم حد القذف.
ولو شهد أربعة على رجل بالزنى, فرجم, ثم رجعوا عن الشهادة, وقالوا: تعمدنا الشهادة عليه بالزور حتى قتل, قتلوا به.
وإن قالوا: أخطأنا أغرموا الدية في أموالهم.
فإن رجع بعضهم ألزم حصته من الدية, ولا شيء على من لم يرجع.
وإن رجع منهم واحد قبل أن يقام الحد على المشهود عليه, جلد الثلاثة حد القذف.
ولا حد على من لم يبلغ الحلم.
فإن زنى بالغ بصبية, ووصل إليها حُدَّ وحده.
وإن أمكنت امرأة من نفسها غلاما لم يبلغ الحلم ووصل إليها حُدَّت وحدها.
ومن زنى بأمة والده حد, وقيل: يعزر, ولا يبلغ به الحد, وتحرم الأمة على الأب أبدا, فلا يحل له وطؤها, وله استخدامها وبيعها.
ولا يحرم على الابن وطؤها إن ملكها بعد ذلك, إلا أن يكون الأب قد كان وطئها قبل وطء الابن لها, فيحرم وطؤها عليهما أبدا.
وكذلك لو أقدم الأب على وطئها بعد وطء الابن لها جاهلا بالتحريم, أو متأولا حرم وطؤها عليهما أبدا.
فإن أتت بولد من وطء الابن لم يلحق نسبه به, وكان حرا.
ولا حد على من وطئ أمة ولده, فإن كان الأب قبضها قبضا نوى به التملك لها ثم وطئها, ولم يكن الابن وطئها قبل ذلك بحال, فقد ملكها الأب.
وإن أتت بولد منه لحق به, وصارت أم ولد له.
ويؤدب الشريك في وطء الأمة التي بينه وبين شريكه, ولا يبلغ به الحد, وعليه حصة شريكه من عقرها إن لم تحمل.
وإن حملت منه كان عليه مع العقر قيمة حق شريكه فيها, والولد حر, وصارت الأمة أم ولد للواطئ.
ولو وقع الشريكان عليها في طهر واحد, فأتت بولد وادعياه, نظر إليه القافة, فإن ألحقوه بأحدهما كان الحكم فيه كما لو كان وطئها واحد إلا في العقر, فلا يلزمه.
وإن ألحقوه بهما كان ابنهما والأمة أم ولدهما, ولا يحل لأحدهما وطؤها بعد ذلك بالملك.
فإن أعتقاها, تزوجها من شاء منهما بإذنها وأمر الآخر.
وإن أعتقها أحدهما بعد الاستيلاد منهما, وهو موسر, سرت الحرية إلى جميعها, ولم يضمن لشريكه شيئا, لأن القيمة تلفت بالاستيلاد, ويحتمل أن لا تسري الحرية إليها موسرا كان المعتق أو معسرا, ولا يعتق منها إلا حصته دون حصة شريكه, ثم لا طريق لأحدهما إلى وطئها في هذا الموضع بملك ولا نكاح.
وإن قالت امرأة بها حمل ولا بعل لها: استُكرهت.
صدقت.
والذمي إذا غصب مسلمة فوطئها, قتل أسلم أو لم يسلم؛ لأن القتل قد وجب عليه قبل الإسلام بالفعل.
وإن رجع من أقر بالزنى عن إقراره قُبل رجوعه وأقيل وترك ولم يجلد.
ويقيم المولى حد الزنى على عبده وأمته إذا ثبت ذلك عنده بما يثبت به الزنى من بينة أو إقرار.
وقيل عنه: لا يقيم الحدود بحال على حر ولا عبد إلا السلطان.
ومن عمل عمل قوم لوط ببالغ رجما أحصنا أو لم يحصنا في إحدى الروايتين, وهو قول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.
وفي الأخرى: حكمهما حكم الزاني, إن كانا محصنين رجما, وإن كانا بكرين حُدا مئة مئة وغربا, وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وإن فعل ذلك بالغ بصبي كان الحد على البالغ خاصة على ما بينا من الاختلاف عنه فيه.
وإن فعل ذلك دون الدبر لم يحد واحد منهما, وأدبا, ولا يجاوز بهما عشر جلدات.
وإذا أتت المرأة المرأة أدبتا ولم يبلغ بهما الحد.
ولا حد على من أتى ميتة ويعزر.
ومن أحلت فرج جاريتها لزوجها فوطئها جلد مئة.
فإن وطئها بغير إذنها رجم إن كان محصنا.
فإن أتت بولد في هذا الموضع لم يلحقه.
فإن وطئ جارية زوجته بعد وفاتها لم يحد, ولحق به الولد إن أتت به؛ لشبهة ملكه فيها, ويغرم لشركائه فيها قيمة حقوقهم منها.
ومن تزوج ذات محرم ووطئها مستحلا لذلك قتل.
وروي عنه أنه يقتل ويؤخذ ماله إلا أن يكون يرى ذلك مباحا, أي: يظن أنه مباح بالعقد, فيُدرأ عنه القتل ويجلد الحد, وكذلك المرأة.
فإن أتاها زنى, فعلى روايتين, قال في إحداهما: يقتل ويؤخذ ماله فجر بها أو تزوج.
وقال في الرواية الأخرى: عليه حد الزاني ولا يقتل.
والذمي إذا زنى بذمية ثم أسلم أقيم عليه الحد, ولم يدرأه عنه الإسلام.
وعلى القاذف الحر ثمانون جلدة إذا طلب ذلك المقذوف ولم يكن للقاذف بينة, فإن كان القاذف عبدا جُلد أربعين جلدة.
فإن قذف رجلا فجُلد له, ثم عاد فقذفه ثانية فهل يجلد له حدا ثانيا أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا يعاد الجلد عليه وإن عاد إلى قذفه.
وقال في الأخرى: إن عاد إلى قذفه بعد ما جُلد له يُعاد الجلد عليه.
فأما إذا قذفه مرارا ولم يجلد, فليس عليه إلا حد واحد قولا واحدا.
والكافر إذا قذف كافرا, ورفع إلينا حددناه ثمانين.
فإن قذف كافر مسلما فقد برئت منه الذمة.
فإن أسلم جلد له إذا طلب المقذوف ذلك.
وإن أبى أن يُسلم قتل.
وروي عنه رواية أخرى: أنه يضرب الحد ولا يقتل, وإن لم يسلم.
فإن قذف ذمي عبدا مسلما نكل به.
وضرب حسب ما يراه الحاكم, ولم يبلغ به الحد.
ولا حد على قاذف الكافر ويعنف.
وقيل عنه: يؤدب.
والأول اختياري.
فإن قذف مسلم ذمية ولها ولد مسلم, أو هي تحت مسلم, فهل يجلد قاذفها الحد أم لا؟ على روايتين: إحداهما: عليه الحد لحرمة الولد المسلم أو الزوج
المسلم.
والأخرى: لا حد عليه ويؤدب.
ولا حد على من قذف غلاما, له أقل من عشر سنين.
فإن كان له عشر فصاعدا جلد قاذفه, قال: لأنه يضرب على ترك الصلاة إذا تمت له عشر سنين.
ولا حد على قاذف جارية, لها دون تسع سنين.
فإذا كان لها تسع فصاعدا, أو مثلها تحمل الرجال حُد قاذفها.
ولا حد على من لم يبلغ الحلم في قذف ولا وطء.
ويتوجه إذا أسقطنا عنه الحدود قبل البلوغ أن لا يحد قاذفه.
ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد ثمانون جلدة.
وفي التعريض بالقذف الحد في إحدى الروايتين, وفي الرواية الأخرى: لا حد إلا بالتصريح بالقذف.
ومن قذف مسلما بما أتاه في حال الكفر حد لحرمة الإسلام.
ومن ادعى على رجل أنه قذفه وأنكر المدعى عليه, فهل عليه اليمين عند عدم بينة المدعي أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: يحلف له, فإن نكل عن اليمين أقيم عليه الحد.
وقال في الأخرى: لا يمين عليه في ذلك.
وهو الأظهر من قوله.
ولا يختلف قوله: أن اليمين لا تجب في دعوى القتل.
وكل موضع لم تجب فيه اليمين لا يحكم فيه بالنكول.
ومن قال لرجل: يا لوطي, كان قاذفا, وحد له, إلا أن يقول: أردت أنه من قوم لوط.
وقد قيل عنه: إنه يجلد ولا يسأل ما أراد.
ومن قذف مجنونا حد له.
ومن قال لرجل: يا ناكح أمه.
والأم حية جلد حدين.
وكذلك لو قال: يا بن الزانيين, وروي عنه رواية أخرى فيمن قال لرجل: يا بن الزانيين.
أنه ليس عليه إلا
حد واحد.
فإن قال له: يا زاني ابن الزاني.
جلد حدين في الأظهر عنه.
فإن قال له: يا معفوج جلد له الحد.
ومن قذف ولد زنى, أو ولد ملاعنة, أو ذات رحم محرم حد.
فإن قذف الأب ابنه لم يجلد, وإن قذف الابن أباه جلد الحد.
ومن قذف زانية قد جلدت لم يحد.
ومن قال لابنه: يا ابن الفاعلة, والأم حية, فإنما قذف زوجته, يلاعنها إن طالبته ويفارقها.
وإن أكذب نفسه حد لها ثمانين, وهي زوجته.
فإن قذف حر عبدا لم يحد وأدب.
ومن قال لرجل: لست لأبيك.
حد.
فإن قال له: لست لأمك.
لم يكن قاذفا ولم يحد.
ومن قذف زوجته الصغيرة, أو المجنونة, أو الخرساء, لم يحد لها, لأن المطالبة لا تصح منها, ولعلها تعفو أو تترك.
ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فحد واحد يلزمه لمن قام به منهم, ثم لا شيء عليه.
وقيل عنه: إن قدموه جميعا إلى الحاكم وطالبوه, ضربه لهم حدا واحدا, وإن قدموه إلى الحاكم واحدا بعد واحد, ضربه لكل رجل منهم حدا كاملا.
فإن قذفهم متفرقين جلد لكل واحد حدا كاملا قولا واحدا.
فإن قال لرجل: يا حروري, يا كافر, يا ديوث, يا مرابي, يا كشخان, يا شارب خمر, يا عدو الله, يا جائر, يا ظالم, يا كذاب, يا خبيث الفرج, فعليه في ذلك كله أدب, ما بين ثلاث جلدات إلى عشر جلدات.
فإن قال له: يا مخنث.
فلا
شيء عليه فيه.
فإن قال لغير سوادي: يا نبطي.
أدب.
فإن كان سواديا فلا شيء.
ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب.
ومن كرر شرب الخمر, أو كرر الزنى فحد واحد ما لم يكن قد حد.
فإن حد لذلك ثم عاد إلى فعله حد أيضا.
ومن لزمه حد وقتل, فالقتل يأتي على ذلك كله, إلا في القذف, فليحد حد القذف, إذا طلب المقذوف ذلك, ثم يقتل.
ومن شرب خمرا أو مسكرا جلد ثمانين جلدة, سكر أو لم يسكر, في إحدى الروايتين.
والرواية الأخرى: قال: حد الشارب أربعون جلدة.
ولا يحد السكران حتى يفيق.
ومن احتقن بالخمر, أو استعطَ الخمر وليس بسكران, هل يحد أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: إذا علم أن ما شربه يسكر حد بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال في الرواية الأخرى: أرى عليه الأدب.
والأول عنه أظهر.
قال: ومن شرب مسكرا في شهر رمضان غلظت عليه الحدود, كمن يأتي الحد في الحرم.
ومن شرب مسكرا غير الخمر على تأويل, ولم يسكر, قبلت شهادته في إحدى الروايتين, وصلي خلفه, وحد ثمانين.
وفي الرواية الأخرى: لا تقبل شهادته, ولا تجوز إمامته وعليه الحد, وبهذا أقول.
وعلامة السكر عنده: إذا وضع الشارب ثوبه مع ثياب غيره, فلم يعرفه, أو
وضع نعله مع نعال, فلم يعرفها, فهو سكران.
وكذلك إذا كان قبل الشرب معروفا بقلة الكلام والتماسك فهذى بعد أن شرب, وأكثر كلامه, وخلط, فهو سكران.
ولا يجرد المحدود في القذف, وينزع عنه رداؤه, ويضرب على قميصه سوطا بين السوطين, وضرب الزنى أشد من ضرب القذف, ويضرب الزاني على سائر جسمه؛ ليعطى كل عضو من الضرب حقه.
ويتوقى الوجه والرأس والمذاكير, فلا يضربه على ذلك.
ولا يقام الحد في القذف إلا بمشهد من المقذوف, لكيلا يكون قد عفا.
وتجلد المرأة جالسة, وهذا من قوله, دليل على أن الرجل يجلد قائما.
ويجلد المريض إذا وجب عليه الحد؛ فقد أقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد على قدامة وهو مريض.
وقال بعض أصحابنا: فإن كان مُدْنَفًا ضرب بأثكال النخل.
وقال بعضهم: لا فرق بين أن يكون مدنفا, أو أن يكون المرض خفيفا, ويضرب الحد في الحالين.
ولا حد على حامل حتى تضع.
ولا يقتل واطئ البهيمة ولا البهيمة.
وقيل: بل تقتل البهيمة, ويعاقب واطئها, ولا يبلغ به الحد.
وقيل عنه: عليه حد الزاني.
ومن أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم, فهل يقام عليه الحد في الحرم أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا تقام الحدود عليه في الحرم, ولكن لا يبايع, ولا يشارى, ولا يعامل, ولا يكلم, حتى يضيق به الأمر, فيخرج من الحرم فتقام عليه الحدود.
وقال في الأخرى: تقام الحدود كلها عليه في الحرم إلا القتل, فلا يقتل في
الحرم.
فأما إذا أتى حدا في الحرم, فإنه يقام عليه في الحرم, ما كان من حد وقتل وغيره, قولا واحدا.
باب القطع في السرقة
قال الله جل وعز: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ [المائدة: 38].
فمن سرق ربع دينار ذهبا عينا فصاعدا, أو ورقا ثلاثة دراهم فضة, أو ما قيمته يوم السرقة ربع دينار فأكثر, أو ثلاثة دراهم فضة من العروض, قطع إذا سرق ذلك, وهتك الحرز, فأخرج ذلك منه.
وتقطع في السرقة اليد اليمين من السارق, رجلا كان أو امرأة, حرا أو عبدا, من الزند ثم تحسم.
فإن عاد فسرق ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت.
فإن عاد فسرق ثالثة, فهل تقطع يده اليسرى أم لا؟ على روايتين.
وكذلك لو سرق رابعة قطعت رجله اليمنى, في إحدى الروايتين.
وإذا قلنا بقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى, احتججنا له بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قطع بعد يد ورجل يدا.
قال أحمد: إليه أذهب.
والرواية الأخرى قال: لا يقطع منه أكثر من يد ورجل, ويدع له ما يأكل به ويتوضأ به للصلاة.
وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فإن سرق بعذ ذلك أدب, وحبس, ولو سرق ألف مرة
ولم يقطع, ثم قدر عليه بعد ذلك لم يقطع منه إلا يده اليمنى فحسب.
ومن أقر بسرقة ما يوجب القطع قطع ما لم يرجع عن الإقرار.
ولا يقطع حتى يقر مرتين.
فإن رجع عن الإقرار قبل القطع لم يقطع, وأغرم ما أقر بسرقته, إذا طلب ذلك المسروق منه.
فإن قامت البينة عليه بسرقة ما يوجب القطع وجحد, لم يلتفت إلى جحوده وقطع.
فإن أقر عند شهود بسرقة أو بزنى, ثم جحد عند الحاكم, فقامت البينة على إقراره, فهل يقطع أو يقام الحد عليه أم لا؟ على روايتين إحداهما: تقام الحدود عليه من القطع والحد, ولا يُلتفت إلى جحوده بعد قيام البينة على إقراره.
والرواية الأخرى: لا تقام الحدود عليه وإن شهد الشهود على إقراره, كما لو أقر ثم رجع أو جحد.
ومن جمع المتاع في الحرز ولم يخرجه منه, ثم قدر عليه, لم يقطع.
ومن أخرج المتاع من البيت إلى الدار, والدار حرز لمثله, لم يقطع.
وإن لم تكن الدار حرزا عند ربها, فهل يقطع أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: يقطع, وقال في الأخرى: لا يقطع, ما لم يخرج المتاع من الدار.
والنباش إذا أخذ في القبر قبل إخراج الكفن منه لم يقطع, فإن أخذ بعد إخراجه من القبر قطع, كما لو جمع اللص المتاع في الحرز, ثم أخذ قبل إخراجه لم يقطع, وإن أخذ بعد إخراج المتاع من البيت قطع.
وإذا اشترك جماعة في إخراج نصاب من الحرز قطعوا.
وكذلك لو دخل بعضهم الحرز, وقام بعضهم خارج الحرز, فأخرج إليهم ما قيمته ربع دينار فأكثر, فكلهم سراق, وعلى جماعتهم القطع, من دخل الحرز ومن لم يدخله.
وقد روي عنه رواية أخرى في رجل سرق من شريكين أو من رجلين ليسا مشتركين خمسة دراهم أو ما قيمتة خمسة دراهم من حرز أنه قال: لا يقطع حتى يسرق من كل واحد منهما قيمة ربع دينار.
فعلى هذه الرواية: إذا اشترك جماعة في
سرقة لم يقطعوا حتى يحصل لكل واحد منهم قيمة ربع دينار فأكثر.
ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع.
ولا قطع على من سرق من بيت المال.
ولا قطع على مختلس, ولا على منتهب, ولا خائن, ولا غاصب.
ولا قطع في ثمر معلق في رؤوس النخل, ولا في كثر, وهم الجمار في النخل, ويؤدب ويغرم القيمة تضعف عليه, إن أخذ ما قيمته درهم ألزم درهمين, فإن آوى ذلك الجرين, وهو الحرز, فأخرج منه ما قيمته ربع دينار قطع, روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ما تقول في الثمر المعلق؟ قال: "غرامته, ومثله معه وجلدات نكال".
قال: "فإذا آواه الجرين فما بلغ ثمن المجن فعليه القطع".
ولا قطع في الغنم الراعية تسرق من السرح حتى تسرق من مراحها.
ولا قطع على من سرق من المغنم, بل يؤدب ويحرق جميع رحله إلا المصحف وذوات الأرواح.
ولا قطع على من سرق من ذي رحم محرم.
ولا قطع على الزوج يسرق من زوجته, ولا عليها إذا سرقت منه.
وقيل عنه: إن كان لكل واحد منهما حرز لماله, منفرد به دون صاحبه, ففتح أحدهما حرز صاحبه, وسرق منه ربع دينار فأكثر قطع.
وقيل عنه: لا يقطع أحدهما ما سرق من صاحبه على كل حال.
ولا قطع في محرم, ولا قطع على العبد يسرق من سيده.
ويقطع المستعير إذا جحد العارية ثم أقر بها, وكان ذلك متكررا من فعله, معروفا من حاله؛ بحديث المدلجية.
ولا يشفع الإمام في حد الزنى والسرقة إذا رفع ذلك إليه؛ لأن ذلك من حقوق الله تعالى, فأما حد القذف, فهو حق للمقذوف, فله إسقاطه إن كان قد رفع إلى الإمام.
ويتبع السارق بمثل ما فات من السرقة إن كان له مثل, أو بقيمته عند عدم المثل.
ولا قطع على من سرق أقل من ربع دينار, أو أقل من ثلاثة دراهم, أو من المتاع ما قيمته أقل من ثلاثة دراهم من حرز, أو من غير حرز, ولا على من سرق ربع دينار فأكثر من غير حرز.
ولا قطع على السارق من الحمام إلا أن يكون قد جعل على المتاع حافظا.
ولا قطع على من سرق من خان مشترك له يد فيه, ولا من موضع مستطرق عليه حافظ؛ لأنه ليس بحرز.
ولا قطع على سارق السارق.
بيانه: أن يسرق رجل متاعا من حرز يجب في مثله القطع, ويضعه في حرزه, فيفتح حرز السارق سارق آخر ويأخذ منه المتاع المسروق, ثم يُقدر عليه, والمتاع معه, فلا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير مالك, ويرد المتاع إلى ربه.
ولا يجب القطع إلا باجتماع أشياء: أن يكون السارق بالغا, عاقلا, ويسرق من حرز ربع دينار فأكثر, من مالك صحيح الملك, ويحضر المالك ويدعي المسروق, فإن عدم شيء من ذلك, فلا قطع.
ولو سرق أقل من ربع دينار ذهبا وقيمته أكثر من ثلاثة دراهم ورقا لم يقطع.
قال: ولو قال رجل لرجل: قد سرقت منك عشرين درهما, لم يقطع, وضمن العشرين درهما.
ولو وجد رجل مع عبد كيسا فيه دراهم, فقال: سرقتها مني؟ فقال العبد: نعم, هذه دراهمك سرقتها منك, فحضر سيد العبد, فأكذب عبده, وقال: بل هذه
دراهمي, كان القول قول السيد, والدراهم له, ولا قطع على العبد.
قال: ويقطع الطرار إذا كان يطر سرا, ويأخذ المال.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه سئل عن الذي يأخذ من كم الرجل وجيبه ويطر؟ فقال: لا يقطع.
هذا بمنزلة المختلس, وليس هذا بحرز.
ومن سرق عبدا صغيرا من حرز قطع.
فإن سرق حرا صغيرا من حرز وغير حرز لم يقطع.
وإذا قطعت يد السارق علقت في عنقه.
كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث فضالة بن عبيد: أنه علق اليد في عنق السارق, وهو قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه.
وإن لم يفعل فلا بأس.
ولو كانت يمين السارق شلاء قطعت في إحدى الروايتين.
وسواء كان يحركها, أو لا يحركها.
والرواية الأخرى, قال: الأشل بمنزلة الأقطع اليد, فلا تقطع يمينه الشلاء, وتقطع رجله اليسرى.
وقد روي عنه في السارق يسرق المتاع, ثم يتوب لنفسه من قبل أن يقدر عليه, أنه قال: لا يقطع, ويرد ما سرق إلى ربه.
باب القضاء
كره أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه القضاء وشدد فيه؛ للحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: "من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين".
ولما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليأتين على القاضي العدل ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة".
وروي أيضا عن مكحول أنه قال: لأن أُقام فتضرب عنقي أحب إلي من أن أكون قاضيا.
فإن افتقر أهل بلد إلى رجل منهم ليس في بلدهم أعلم منه, ولا من يقوم في الحكم مقامه لديانته وعلمه ومعرفته وصناعته, ودعت الحاجة إليه, فقد رخص فيه في هذا الموضع, وقال: لا بد للمسلمين من حاكم, أتذهب حقوق الناس؟!
وذكر أحمد معاذ بن معاذ العنبري, فقال: كان قرة عين مع ما يلي به من القضاء.
وكره أن يسأل الإنسان القضاء وإن كان من أهله, فإن أجبر عليه عند الحاجة إليه كان أسهل, للحديث الذي يرويه أنس بن مالك, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل القضاء وكل إلى نفسه, ومن جبر عليه نزل عليه ملك يسدده".
ويجب على كل من ولي القضاء أن يقدم كتاب الله عز وجل أمامه, ويجعله نصب عينيه, ولا يقضي في نازلة بما يخالفه مع وجود الحكم فيه.
فإن لم يجد ذلك, فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم عند عدمهما بما أجمع المسلمون عليه, فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
فإن لم يجد شيئا من ذلك اجتهد رأيه, فحكم بما تقوم الدلالة عنده أن الحق فيه, فإن أصاب فله أجران, وإن أخطأ فله أجر.
كذلك روى محمد بن إبراهيم التيمي عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع سول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم أحدكم فاجتهد فأصاب, فله أجران, وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر".
وكذلك روى أبو سلمة عن أبي هريرة.
وليحذر العدول عن ذلك, فقد روى سعيد بن عبدالعزيز عن إسماعيل بن عبدالله, قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء, يوم يأتونه إلا من أمَّ بالعدل, ولم يقض على رغبة ولا رهبة, وجعل كتاب الله عز وجل مرآة بين عينيه.
وروى الحسن بن عرفة قال: حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة, رجل عرف الحق فقضى به, فهو في الجنة, ورجل قضى
على جهالة, فهو في النار, ورجل عرف الحق فقضى بغيره, فهو في النار".
ولا يحل لمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم أن يتقلد الحكم, لذلك قال أحمد: لا يجوز الاختيار, إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة مميز.
فإن أراد أن يختار نظر إلى أقرب الأمور وأشبهها بالكتاب والسنة, فيعمل به.
قال: وينبغي أن يكون عالما بوجوه القرآن, عالما بالأسانيد الصحيحة, عالما بالسنن.
والنوازل على ضربين: منصوص ومدلول, فما كان منها منصوصا لا يجوز خلافه.
ومن حكم بما يخالف النص نقض حكمه.
وسواء كان النص من كتاب أو سنة أو إجماع.
والمدلول على ضربين: ضرب متفق على تأويله, فهو كالمنصوص, لا يسوغ خلافه.
وضرب اختلف في تأويله السلف رضوان الله عليهم على مذهبين, والناس فيه إلى اليوم قائلان.
فيجب على الحاكم اعتبار النوازل المتحاكم إليه فيها, فما كان منها منصوصا, فقد كفي مؤنة الاجتهاد فيه.
وكذلك ما كان منها مدلولا متفقا على تأويله.
وما كان منها مختلفا في تأويله لزم العمل فيه بما دلته الدلالة على صحته, وادان لله تعالى بأن الحق فيه, فلم يسعه العدول عنه إلى غيره, ولا أن يحكم بخلافه وإن كان مذهبا لغيره, لأنه يرى أنه غير صحيح, ويعتقد أن الحق في سواه, ومتى فعل ذلك كان عاصيا عادلا عن الحق, آثما مستحقا للوعيد.
وإن كنا لا ننقض حكمه, كما ننقضه إذا خالف المنصوصات, لوجود الخلاف في المدلولات, غير أن الله تعالى يعلم منه أنه اتبع الهوى, وحكم بما يرى أن الحق في غيره.
وقد قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه في كتاب المتأولين, في من صلى في جلود الثعالب المدبوغة وهو يرى أن الدباغ يطهر أهب الميتة: إن صلاته صحيحة.
قال: ولا بأس أن يأتم به من يرى خلاف رأيه ممن يذهب إلى أن الدباغ لا يطهر أهب الميتة.
قيل له فإن صلى في جلود الثعالب المدبوغة من يرى أن الدباغ لا يطهر أهب الميتة يجوز الائتمام به؟ فقال: سبحان الله؛ يصلي فيما يعتقد أنه ميتة, صلاته باطلة, وصلاة من ائتم به غير جائزة.
وكذلك مذهبه في جميع المتأولين.
وإنما عينت هذه المسألة تنبيها على مذهبه في غيرها, وقد بينت مذهبه في المتأولين في كتاب الصلاة من كتابي هذا بما أغنى عن إعادته.
فيجب على الحاكم النظر لنفسه, والاحتياط لدينه, والاجتهاد في فكاك رقبته, وإعطاء الجهد من نفسه في طلب الحق والعمل به, اتباعا لقول الله عز وجل: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ الآية [المائدة: 49].
وحذرا من قوله عز وجل: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: 47] , وقال تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: 26].
وقد روى ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس القاضي في مكانه هبط عليه ملكان يسددانه, ويوفقانه, ويرشدانه ما لم يجُر, فإذا جار عرجا وتركاه".
باب الأقضية والشهادات والدعوى والبينات
"البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحكم بالنكول في كل موضع يجب فيه اليمين, قضى بذلك عثمان بن عفان على عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
واختلف أصحابنا: هل يحكم بالنكول في دعوى الكفالة أم لا؟ على وجهين: أوجههما عندي: أن يحكم به.
وإذا تداعى نفسان شيئا في أيديهما تحالفا, وكان بينهما نصفين عند عدم بينتهما.
فإن أقام أحدهما بينة على دعواه, فهو له.
وإن أقام كل واحد منهما بينة على دعواه, قضي بأعدلهما, فإن تساويا اطرحتا, وكانا كمن لا بينة له.
وإن كان ذلك في يد أحدهما كان له مع يمينه عند عدم بينة من لا يد له.
فإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه من الملك, فالبينة بينة الخارج منهما.
وكذلك في دعوى البهيمة, القول قول صاحب اليد, والبينة بينة من لا يد له.
فإن كانت بهيمة في يد رجل ادعاها آخر, فأقام صاحب اليد البينة أنها له, وفي يده, نتجت في ملكه, وأقام الخارج البينة أنها له, ولم تذكر بينة الخارج أنها
نُتجت في ملكه, فعلى روايتين: أظهرهما: أنه لا تأثير لذكر النتاج, والبينة بينة الخارج.
والرواية الأخرى: أن البينة بينة من ثبت له النتاج وإن كانت في يده.
فإن أقام من لا يد له البينة أنها له نُتجت في ملكه, وأقام صاحب اليد البينة أنها له نُتجت في ملكه, فالبينة بينة الخارج قولا واحدا.
وإن كان المدعي في يد غيرهما ولا بينة لهما أقرع بينهما, فكان لمن قرع صاحبه منها مع يمينه.
واليمين بالله الذي لا إله إلا هو.
ويحلف حيث كان, فإن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أحلف عند منبره صلى الله عليه وسلم, وإن كان بمكة أحلف عند الكعبة تعظيما وتغليظا, وليس ذلك بواجب, وحيث أحلف جاز.
وأما الكافر فيحلفه الحاكم حيث يعظم؛ فإن كان يهوديا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو, منزل التوراة على موسى بن عمران.
وإن كان نصرانيا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو, منزل الإنجيل على عيسى بن مريم.
وإن كان مجوسيا أحلف بالله وبالأنوار وبما يعظم.
وإذا قال الطالب: لا أعلم لي بينة أم لا.
وسأل الحاكم إحلاف المطلوب ساغ له إحلافه.
فإن أحضر الطالب بعد ذلك بينة قضي له بها.
وكذلك لو قال: لي بينة غائبة عن البلد وسأل إحلاف المطلوب جاز إحلافه, ويحكم له بالبينة متى حضرت.
فإن قال الطالب: لا بينة لي.
وسأل إحلاف المطلوب فحلف, ثم أحضر بينة بعد ذلك لم تُسمع ولم يُحكم له بها؛ لأنه صار مكذبا بالبينة.
وكذلك لو ادعى شيئا فشهدت له البينة بغير ما ادعاه, لم يحكم له بها.
ويقضى بالشاهد الواحد مع يمين الطالب في الأموال خاصة, عند عدم الشاهدين والرجل والمرأتين, مسلما كان الطالب أو كافرا, رجلا أو امرأة.
وهل يقضى بذلك في الجراح الموجبة للمال دون القصاص, وفي قتل الخطأ أم لا؟ على وجهين.
واختلف هل يقضى بشهادة امرأتين ويمين الطالب عند عدم الشاهد من الرجال؟ على مذهبين: منهم من أجاز ذلك, ومنهم من منع منه.
وبالمنع أقول.
ولا تقبل في الوصايا إلا شهادة رجلين, ولا تقبل فيها شهادة النساء مع الرجال ولا شهادة رجل واحد ويمين الطالب, لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: 106].
ولا يحكم بالشاهد واليمين, ولا بشهادات النساء في حد ولا قصاص ولا نكاح ولا طلاق قولا واحدا.
وهل يحكم بالشاهد واليمين في العتق أم لا؟ على روايتين.
ولا يمين في حد ولا نكاح, ولا طلاق, ولا ولاء, ولا رق, ولا نسب, ولا رجعة, ولا فيئة, في إيلاء.
ولا ينقض الحاكم حكم من تقدمه وإن خالف رأيه ومذهبه, إلا ما خالف فيه النص من كتاب, أو سنة, أو إجماع.
ولا يحكم بقول صحابي في حادثة فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف قول الصحابي, لحديث القاسم عن عائشة رضي الله عنها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا, فهو رد".
ولا يحكم بقول تابعي فيما يخالف فيه قول الصحابي.
وما اختلف فيه الصحابة من الحوادث التي لا نصوص فيها على مذهبين, ساغ الحكم بأحد المذهبين إذا أدى اجتهاد الحاكم إليه, وساغ الحكم بالمذهب
الآخر لمن أداه اجتهاده إليه, ومن حكم بأحد المذهبين نفذ حكمه, ولم يكن لغيره ممن ذهب إلى المذهب الآخر نقض حكمه.
وكذلك ما اختلف التابعون فيه من الحوادث التي لا نص فيها, ولا قول لصحابي, على مذهبين.
ولا يُحكم بالحديث الضعيف السند مع وجود الحديث الصحيح السند إذا كان موجبهما يختلف, وليحكم بالحديث الصحيح.
ولا يُنقض التأويل بالتأويل, وينقض التأويل بالنص, وبقول النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا يحكم بين اثنين وهو غضبان, لما رواه عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".
وإذا حكم في نازلة باجتهاد, ثم حدث مثلها ثانية, فاجتهد فيها فأداه اجتهاده إلى خلاف ما حكم فيه فيما مضى, قضى في الثانية بما أداه اجتهاده الثاني إليه, ولم ينقض حكمه الأول, كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المشركة, أنه لم يشرك بين الإخوة للأبوين والإخوة للأم في عام, وشرك بينهم في عام ثان, فقيل له: إنك لم تشرك بينهم في العام الماضي, فقال: تلك على ما قضينا, وهذه على ما قضينا.
وكذلك روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قضى بشيء ثم رجع إلى غيره ولم يرد القضاء الأول.
وينبغي للقاضي أن يقضي في موضع بارز للناس, لا يكون دونه حجاب, ولا يقضي إلا وهو شبعان ريان, كما جاء الحديث.
وإذا عزم على الجلوس للحكم
لم يدع شيئا تتبعه نفسه إلا وأتاه قبل ذلك, ليحصل له سكون النفس والطبع, واجتماع الهمة, وحضور الفهم والعقل, لما يأتيه في الحكم, لكيلا يتعلق همه بغير ما هو بسبيله.
وليصل ركعتين, ويفزع إلى الله عز وجل بالمسألة والافتقار والرغبة إليه في تسديده وتوفيقه للصواب.
ثم ينظر, فإن حدث به في خلال النظر مرض, أو جوع, أو نعاس, أو ضجر, أو ملالة, ترك النظر.
قال: وله عيادة المرض, وتشييع الجنائز, وقضاء الحقوق في التهاني والتعازي.
قال: ولا بأس أن يقضي القاضي في المساجد, فما زال الناس يقضون فيها, ولكن لا تقام فيها الحدود, وليكن جلوسه مستقبل القبلة.
وينبغي للقاضي أن يشاور أهل العلم وذوي الفهم والدين فيما ينزل به؛ قد كان محارب بن دثار مع فضله وعلمه إذا جلس للحكم كان الحكم عن يمينه, وحماد عن شماله, فكان ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة.
ومتى التبس عليه أمر أخر الحكم فيه إلى أن يتضح له الحق فيمضيه.
وليتق الله تعالى, ولا يحكم بجور مع العلم به ولا بجهل.
ولا يجوز قضاء جهمي, ولا قدري, ولا معتزلي, ولا ساب السلف من الروافض, ولا مرجئ, ولا أهل البدع المتظاهرين بأهوائهم المضلة وبدعهم, الدعاة إليها, ولا التقدم إليهم, ولا الشهادة عندهم.
ولا تجوز ولا يتهم في إنكاح من لا ولي لها من الأيامى.
ولا يأخذ القاضي أجرا على القضاء إلا عند الحاجة إليه بقدر شغله من بيت المال, وقد روي عنه: أنه كره أن يأخذ القاضي أجرا على القضاء على حال.
ولا يقبل الهدية ممن لم تجر العادة منه بمهاداته قبل ولايته.
ولا يحكم الحاكم بعلمه في الأظهر عنه.
وقيل: يحكم بعلمه في الحقوق.
ولا خلاف عنه أنه لا يحكم بعلمه في الحدود.
واختلف قوله في الحكم على الغائب على روايتين.
أجازه في إحداهما, ومنع منه في الأخرى, إلا أن يحضر أو وكيله, وبهذا أقول.
قال: والقاضي مخير في الحكم بين أهل الذمة فيما يدعيه بعضهم على بعض إذا ارتفعوا إليه, فإن لم يختر النظر بينهم لم يحرج, وإن حكم بينهم فليحكم بحكم الإسلام.
قال الله عز وجل: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 42] يريد: بالعدل.
ولو استعدى إليه بعضهم على بعض لم يلزمه استدعاء من لم يحضر منهم إلا أن يشاء النظر بينهم.
قال: فإن اختصموا إلينا في أعيان المحرمات, كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر, وما في معنى ذلك لم يعجبني أن أحكم بينهم في ذلك.
قيل له فإن اختصموا في أثمانها؟ قال: يُحكم بينهم فيها.
فإذا اختصم إلى القاضي مسلم وذمي لزمه النظر بينهم.
ولا فرق بين أن يكون الحق للمسلم أو للذمي.
ولو مات رجل وخلف ابنين مسلما ونصرانيا, وكل واحد منهما معترف بأخوة الآخر, فادعى المسلم أن أباه مات مسلما, وادعى الذمي أنه مات نصرانيا, ولا بينة على إسلامه, كان ميراثه لابنه النصراني مع يمينه, دون ابنه المسلم, لأن المسلم معترف بكفر أبيه مدَّع لإسلامه, فلا يقبل منه إلا ببينة.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنهما في الدعوى سواء, فالميراث بينهما نصفين عند عدم بينة كل واحد منهما.
وكذلك لو أقام المسلم بينة أنه مات مسلما, وأقام الكافر بينة أنه مات كافرا
كانا كمن لا بينة له.
ولو لم يعترف المسلم بأخوة النصراني وأيديهما جميعا على التركة, ولا بينة لواحد منهما, وادعى كل واحد منهما جميع التركة, كان الميراث بينهما نصفين, لتساويهما في الدعوى.
فإن شهد شاهدان أنهما يعرفانه مسلما, وشهد شاهدان أنهما يعرفانه نصرانيا ولم يؤرخ الشهود الشهادة, قضي بإسلامه؛ لأنه طارئ على الكفر, وكان الميراث للمسلم دون الابن الكافر.
ومن ثبت عليه حق فطولب به, فتوارى في منزله, لم يدمر عليه, ولم يهجم على منزله, بل يضيق عليه, ويختم الحاكم بابه بعد الإعذار بالنداء على بابه ثلاثة أيام, فإن امتنع من الحضور بعد الإعذار, فهل يُقضى عليه وهو غائب بما يثبت لخصمه من الحق عليه أم لا؟ على روايتين.
ومن ادعى دينا على ميت, فصدقه بعض الورثة, ولا بينة, لزم الوارث المقر من الدين بقدر نصيبه من الإرث.
ومن مات وخلف ابنين, فأقر أحدهما بأخوة ثالث, وأنكر الابن الآخر, دفع المقِر للمقَر له ثلث نصيبه من الميراث, ولم يثبت بذلك نسبه من الميت.
فإن خلف ثلاثة بنين, فأقر اثنان منهم بأخوة رابع, وأنكر الثالث, ثبت نسب المقر له, وشاركهم في الميراث.
ومن ادعى زوجية امرأة وأنكرته, ولا بينة له, فرق الحاكم بينهما, ولم تحلف المرأة.
قال بعض أصحابنا: وأرى للحاكم أن يفسخ النكاح بينهما, فإن كان الزوج كاذبا لم يضر ذلك, وإن كان صادقا انفسخ العقد بذلك, وجاز للمرأة أن تتزوج بعد انقضاء العدة.
وهذا وجه صحيح, وقد لوح أحمد رضي الله عنه في موضع بأن لحكم الحاكم تأثيرا في فسخ عقد النكاح.
وكذلك لو ادعت امرأة زوجية رجل وأنكرها, ولا بينة لها, كان القول قوله, ولا يمين عليه.
ولو ادعى رجل زوجية امرأة ميتة, وأحضر معه ولدا, فقال: هذه زوجتي, وهذا ابني منها, لم يقبل منه إلا أن يأتي ببينة تشهد بأصل النكاح, وأنه تزوجها بولي عصبة وشهود, ويكون الولد يولد لمثله, فيثبت حينئذ النكاح, ويستحق الميراث, ويثبت نسب الولد منه.
هذه المسألة منقولة عنه على ما بينت, وليس عنه بيان هل يثبت نسب الولد من الميتة أم لا؟
والذي يقتضيه الحكم عندي: أن البينة إن شهدت بأصل النكاح, وأن هذا الولد ولده منها, ثبت نسب الولد منها واستحق الزوج والولد ميراثها.
وإن شهد الشهود بأصل النكاح فقط, وللمرأة ورثة معروفون ينكرون نسب الولد منها افتقر الزوج إلى إقامة بينة تشهد أن الولد منها, فإن عدم ذلك ثبت نسب الولد منه بإقراره به, وكان للزوج الربع من الميراث, لأن قوله مقبول على نفسه, ولم يثبت نسب الولد من المرأة ولم يرثها.
وكذلك لو ادعت امرأة زوجية ميت, وأقامت البينة على أصل النكاح على ما بينا, ورثته.
ولو ادعى رجلان زوجية امرأة, فأقرت لأحدهما, وأنكرت الآخر, لم يُلتفت إلى إقرارها, ولم تسلم إلى المقرة له إلا أن يحضر البينة على أصل النكاح, والولي العاقد له, فإن عدم ذلك فرق بينهما جميعا.
وإن أقام كل واحد منهما بينة على دعواه, كان الحكم لأعدلهما.
فإن تساويا في العدالة على دعواهما حكم بأقدمهما.
فإن جهل الأقدم منهما روي عنه: أنه يرجع في ذلك إلى قول الولي.
فإن جهل الولي الأقدم من النكاحين فسخ النكاحان جميعا.
فإن أقام أحدهما
البينة على عقد الولي النكاح له عليها على شروط النكاح الصحيح ولا ولي لها من عصباتها غيره, وأقام الآخر بينة بالعقد عليها بولاية أجنبي, ثبت النكاح الذي عقده الولي إن كان متقادما على الآخر, قولا واحدا.
وإن كان النكاح الآخر هو المتقادم, فسخا جميعا, وتزوجت من اختارته منهما, إن كان قبل الدخول, في الحال, وإن كان بعد الدخول فبعد انقضاء العدة.
ومن ادعت طلاق زوجها وأنكر, ولا بينة لها, فهي زوجته في الحكم, ولا يمين عليه.
فإن ادعت أن الطلاق كان ثلاثا, لزمها الهرب منه, ولم يسعها تمكينه من نفسها بعد سماعها طلاقه لها ثلاثا.
قال: وتفتدي نفسها منه بما أمكنها, ولا تمكنه من نفسها على حال.
واليمين تلزم من ادعي عليه حق وأنكره على البتات, وتلزمه فيما يدعى على ميته على العلم.
واختلف قوله فيمن باع سلعة, وظهر المشتري على عيب بها, وأنكره البائع, هل عليه اليمين على علمه أم على البتات؟ على روايتين.
واختلف قوله فيمن باع عبدا فأبق عند المشتري, روي عنه أنه يحلف على علمه, وروي عنه أنه يحلف أنه لم يأبق عنده منذ اشتراه.
قال: إلا أن يكون العبد ولد عنده, فيلزمه أن يحلف بالله على البتات أنه لم يأبق قط.
وقد روي عنه أنه قال: على كل حال, واليمين على علمه فيما يدعي عليه في نفسه, أو فيما يدعى على ميته.
وبالأول أقول.
ولا يحكم الحاكم برد اليمين في الصحيح من قوله.
قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي, واليمين على المدعى عليه, فلا
تحول عن الموضع الذي جعلها فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: والقسامة ليست أصلا في رد اليمين؛ لأن حكم الأيمان في القسامة يخالف حكم الأيمان في الحقوق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل اليمين في القسامة على المدعين, وأقامها مقام بيناتهم, فلما نكلوا قال للمدعى عليهم: "تحلفون وتبرؤن".
فلا يجوز اعتبار أحد الحكمين بالآخر.
ومن ادعى على رجل دعوى فأنكر, ولا بينة للمدعي لم تجب ملازمته قبل ثبوت الحق عليه, ولا مطالبته بكفيل.
فإن ذكر المدعي أن له بينة يحضرها في المجلس, فله ملازمته إلا أن يحضر بينته.
فإن لم يحضرها حتى قام الحاكم من مجلسه صرفه.
وإن قال المدعي: إن بينته بالبعد منه, كان له مطالبته بكفيل بنفسه إلى وقت حضور بينته.
ويضرب لذلك أجلا متى جاء بطلت الكفالة.
ومن ادعى عليه ما يعلم أنه لا يستحق عليه, وسعه أن يحلف على ذلك بالله تعالى: أنه لا يستحق عليه ليدفع الظلم عن نفسه.
ومن أحلف رجلا على دعوى لم يسعه أن يدعيها عليه ثانيا, ولا أن يحلفه عليها يمينا ثانية, إلا أن يجد بينة تشهد له بها.
ومن ادعى على رجل ورقا, فأقر له بذهب أو بغيره وقبل المدعي إقراره, لم يكن ذلك جوابا عن الدعوى, ولزمه رد الجواب والخروج إليه مما أقر له به.
ومن ادعي عليه حق وهو معسر به لزمه الإقرار, ولم يجز له أن يجحده, ولا يسعه أن يحلف عليه, ويورِّي في نفسه أن يقضيه متى قدر, وإن فعل ذلك عامدا
وحلف استوجب النار إلا أن يتوب.
وإذا علم صاحب الحق أنه معسر لم تحل له مطالبته في حال عسرته, ولزمه إنظاره إلى ميسرته.
ولا يسع من عليه الحق منعه, ولا المطل به إذا كان قادرا على أدائه, والتمسه منه صاحبه, فإن منعه منه كان آثما وحل حبسه والتضييق عليه حتى يخرج منه.
قد روى عمرو بن الشريد عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته".
قال وكيع بن الجراح: عرضه شكايته, وعقوبته بحبسه.
وقال ابن مسعود: كفى بالمعك ظلما.
قال أحمد: المعك: المطل.
ومن كان له حق على رجل بشهود فقبض بعضه, وأشهد الشهود على ما قبضه منه ثم جحد الباقي, فقدمه إلى القاضي شهد الشهود له بدينه, وعليه بما قبضه منه.
وإن لم يعلم الشهود أنه قبض من حقه شيئا لزمهم أن يشهدوا بجميع الحق, ولزم صاحب الحق الإقرار بما قبضه من حقه, ويأخذ بقيته.
ومن كان عليه دين مؤجل فأراد سفرا بعيدا, الغالب من حاله أنه لا يعود إلا بعد حلول الدين, كان لصاحب الحق منعه منه إلا أن يوثقه, أو يعطيه كفيلا بحقه يؤديه إليه عند محله.
فإن أراد سفرا قريبا, فهل له مطالبته بكفيل أم لا؟ قيل عنه: له ذلك؛ لأنه لا يأمن ما يحدث عليه.
وقيل عنه: ليس له ذلك, لأن الكفيل لا يلزم إلا بعد حلول الحق وتوجه المطالبة به, وها هنا لم يجب بعد, فلا يلزمه.
ولا يمين واجبة مع ثبوت البينة الكاملة إلا في دعوى البراءة من الحق, وفيما يدعى على ميت وارثه غائب, والحاكم يرى الحكم على الغائب, فيحلفه بالله على ما يراه من بقاء الحق واستحقاقه إياه في تركه المتوفى, وأنه لم يقبضه, ولا
قبض له, ولا أبرأه من شيء منه, ولا أحاله له, ولا بشيء منه, ولا حلله منه, ولا من شيء منه, وإنه لمستحق له في تركته وقته ذلك, ثم يحكم له به.
وكذلك لو خلف المتوفى ورثة صغارا.
ولو أقام رجل شهودا بحق له, فقال المشهود عليه: يحلف ويأخذ.
لم يلزم المشهود له اليمين, وحكم له ببينته.
واليمين الكاذبة لا تسقط الحق, وإنما تقطع الخصومة في الظاهر, فمن حلف يمينا كاذبة على حق لرجل ثم راجع الحق وجاء بما عليه, وسع المحلوف له أخذه.
ولو كانت دار في يدي رجلين, فادعى أحدهما نصفها وادعى الآخر جميعها, ولا بينة لواحد منهما كانت الدار بينهما نصفين مع أيمانهما لتساوي أيديهما عليها.
ولو كانت الدار في يد غيرهما وادعى كل واحد منهما جميعها, فأقر بها صاحب اليد لأحدهما, وقال: لا أعرفه عينا.
أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كانت له مع يمينه.
فإن ادعى أحدهما نصفها, وادعى الآخر جميعها, فأقر بها صاحب اليد لهما, فقد سلم النصف لمدعي الكل, ويقرعان على النصف الآخر, فمن قرع صاحبه منهما كان له مع يمينه.
فإن كانت دار في يد رجل, فادعاها آخر, فأقر بها صاحب اليد لغائب, كان الخصم فيها الغائب دون صاحب اليد, ولا يقضى بها للحاضر على الغائب ببينة ولا غيرها, إلا أن يحضر أو وكيله في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى, قال: يقضى على الغائب إذا أقام الحاضر البينة العادلة على ملك الدار, ويجعل الغائب على حجته متى حضر.
ولو كانت دار في يد رجل, فادعى رجل نصفها, وادعى آخر جميعها وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه, كان لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار, ولمدعي النصف
ربعها, ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يحكم به له من ذلك.
وحكى بعض أصحابنا: أن أحمد رضي الله عنه سوَّى بين كون الدار في أيديهما, وكونها في يد غيرهما إذا ادعى أحدهما جميعها, وادعى الآخر نصفها في أنها بينهما نصفين.
والمنصوص عنه ما ذكرته, ولم يقع إلي عنه بما ذكره, ولا رأيت عنه إلا التفريق بين الموضعين, فإن كان الأمر, كما قال, فالمسألة على روايتين.
ولو كانت الدار في يد أحدهما فادعاها كل واحد منهما, وأقام الخارج البينة أنها له, وأقام صاحب اليد البينة أنها له وفي يده, فالبينة بينة الخارج, ولا حكم لبينة صاحب اليد؛ لأنه مدعى عليه, والخارج هو المدعي, والنبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة بينة المدعي دون المدعى عليه.
فإن كان عبد في يد رجل فادعاه آخر, وأقام صاحب اليد بينة أنه له وُلد في ملكه, وأقام المدعي بينة أنه له, فالبينة بينة من لا يد له في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: البينة بينة صاحب اليد الذي يثبت أن العبد ولد في ملكه, كما قلنا في النتاج في إحدى الروايتين.
فإن أقام كل واحد منهما البينة أن العبد له ولد في ملكه, كانت البينة بينة من لا يد له قولا واحدا.
وكذلك اختلف قوله في رجل ادعى دارا في يد غيره, وأقام بينة أنها له, وأقام صاحب اليد بينة أنها قطيعة له, فروي عنه أن البينة بينة الخارج, وروي عنه أن الدار لصاحب اليد الذي ثبت أنها قطيعة.
ولو أقامت امرأة بينة على زوجها أنه أصدقها هذه الدار وقبضتها, وأقام رجل بينة أنه ابتاعها من الزوج, ونقده الثمن وقبضها, وجهل أولهما ابتياعا, ولم يوقت الشهود الشهادة, أقرع بينهما, فإن خرجت القرعة للرجل قضي بالدار له, وكان للمرأة على زوجها قيمة الدار, وإن خرجت القرعة للمرأة كانت الدار لها, ولزم الزوج أن يرد على المشتري الثمن الذي قبضه منه.
ولو مات رجل وترك زوجة مسلمة, وأخا مسلما, وولدا كافرا, فادعى الأخ والزوجة أنه مات مسلما, وادعى الولد أنه مات كافرا, كان فيها وجهان: أحدهما: أن الميراث للولد الكافر إلا أن يقيم الأخ والزوجة البينة على إسلامه, والوجه الآخر: أن للزوجة الثمن, والباقي بين الأخ والولد نصفين لتكافئهما في الدعوى.
فإن توفيت امرأة رجل وابنها منه, وتركت أخاها وزوجها, فقال الأخ: مات ابنها قبلها فورثته, ثم ماتت, فورثتها أنا وزوجها.
وقال الزوج: بل ماتت هي, فورثتها أنا وابني منها, ثم مات ابني فورثته.
ولا بينة على أسبقهما موتا أقرع على ما تداعياه من الوفاة, فإن وقعت القرعة للأخ كان ميراث الزوجة بينه وبين الزوج نصفين.
وإن وقعت للزوج كان ميراثها له دون الأخ, ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يقضى به له في معنى قوله.
قال: ولو كان لرجل ثوب, فأقام رجل البينة أنه ابتاعه منه بمئة, وأقام آخر البينة أنه اشتراه منه بمئتين, والبائع يقول: بعته بمئتين, والثوب في يد البائع, فإن كان ذلك قبل الافتراق بالأبدان, كان للبائع أن يفسخ العقدين أو أيهما شاء.
وإن كان الافتراق قد وقع, فالمشتريان بالخيار, إن شاءا فسخا البيع, ويرجع كل واحد منهما بما قدمه من الثمن.
وإن كانا لم يختارا الفسخ كان الثوب بينهما نصفين لكل واحد منهما نصفه بنصف الثمن الذي ثبت أنه ابتاعه به.
قيل لأحمد رضي الله عنه: فإن كان الثوب في يد أحدهما ولا يُدرى أيهما ابتاعه أولا؟ قال: لا ينفعه كونه في يده إذا كان مقرا أنه اشتراه من فلان.
وروي عنه أنه فرق بين كون الثوب في يد البائع, أو في يد أحد المشتريين, فقال: إذا كان في يد أحدهما, وهما جميعا يقران به للبائع, ويدعي كل واحد منهما أنه ابتاعه منه قبل الآخر, وأقام كل واحد منهما البينة أنه الأول, أقرع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له.
ولو كان لرجل عبد فأقام رجل البينة أنه ابتاع العبد من سيده بألف, والعبد في يد السيد, وأقام العبد بينة أنه سيده أعتقه, فالحكم لأقدمهما, فإن جهل ذلك ولم يوقت الشهود الشهادة, فعلى روايتين: قال في إحداهما: يقرع بينهما, فإن وقعت القرعة للعبد كان حرا, ورجع المشتري على السيد بالثمن, الذي ساقه إليه.
وإن وقعت القرعة للمشتري بطل العتق, وكان العبد له.
وقال في الرواية الأخرى: إذا أقام العبد البينة على العتق كان حرا, ورجع المشتري بالثمن على السيد.
قيل له: وإن لم يوقت الشهود متى أعتقه؟ قال: وإن لم يوقتوا, فجعل العتق ها هنا مقدما على الابتياع, وجعل الحكم له ما لم يثبت أن الابتياع متقدم عليه.
والأول أظهر عنه وأتبع لأصوله.
قال: ولو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده هذا, فأنكر السيد والعبد جميعا العتق, لم يلتفت إلى إنكارهما, وكان العبد حرا.
ولو ادعى ثلاثة أنفس عبدا, فأقام أحدهم البينة أن فلانا باعه هذا العبد بكذا, وهو يملكه, وأقام آخر البينة أن فلانا وهب له هذا العبد, وهو يملكه, وأقام الثالث البينة أن فلانا تصدق عليه بهذا العبد, وهو يملكه, ولم يوقت الشهود الشهادة, أقرع بينهم, فمن قرع منهم صاحبه كان العبد له.
قال: ولو ابتاع رجل من رجلين ثوبين: أحدهما بعشرين, والآخر بعشرة, فادعى كل واحد منهما الثوب الذي بعشرين ولا بينة, أقع بينهما, فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له مع يمينه, والثوب الآخر للآخر.
ولو كان عبدا بين رجلين, فشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق حصته منه, لم يقبل قوله, ولم يعتق العبد من واحد منهما.
قال بعض أصحابنا: إن كان كل واحد من الشريكين موسرا يملك قيمة حصة شريكه من العبد, لم يجز له بيع حصته من العبد, وإن كنت لم أحكم بعتقه؛ لأن