الإرشاد إلى سبيل الرشادصفحات 423-462
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإيلاء

صفحات 423-462
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
الكتاب
الإرشاد إلى سبيل الرشاد
المؤلف
محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
المحقق
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
الطبعة
الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

للموصى له بجميع المال ثلاثة أرباع الثلث, وللموصى له بثلث المال ربع الثلث.
فإن وصى لرجل بثلث ماله, ولآخر بنصف ماله, ولآخر بربع ماله, قُسم الثلث على ثلاثة عشر سهما, للموصى له بنصف المال ستة أسهم من ثلاثة عشر سهما, وللموصى له بالثلث أربعة أسهم من ثلاثة عشر سهما, وللموصى له بالربع ثلاثة أسهم من ثلاثة عشر سهما من الثلث.
ومن وصى بثلث ما يملك, وله أرض من أرض السواد, لم يدخل في الوصية, إلا أن يكون فيها بناء, فيدخل البناء في الوصية دون الأرض.
ولو كان معه مئتان وله عبد قيمته مئة, فوصى بالعبد لرجل ثم سُرق المال بعد موت الموصي, فمن مال الورثة هلك, والعبد للموصى له؛ لأن المال سُرق بعد استقرار العبد للموصى له.
ولا نظر للحاكم مع الوصي إذا كان أمينا كافيا, وله أن يجعل معه أمينا يحتاط على المال إذا كان متهما أو عاجزا, ولا يُخرجه من الوصية.
ولا يجوز شراء الوصي لنفسه من مال مَن يلي عليه, ولا شراء ليتيم من نفسه.
وشراؤه له, وبيعه عليه من غيره جائز, فيما فيه الحظ والنظر لليتيم.
وله مكاتبة عبيده وإمائه إذا كان في ذلك نظر له.
وهل له دفع مال اليتيم مضاربة أم لا؟ على روايتين: إحداهما: ليس له ذلك.
فإن فعل فهلك المال ضمن.
والرواية الأخرى: له أن يفعل لك, والربح كله لليتيم, وللمضارب أجر مثله, ولا ضمان على الوصي إن هلك المال.
وكذلك اختلف قوله: هل يجوز للوصي أن يقرضض مال اليتيم أم لا؟ على روايتين: منع من ذلك في إحداهما.
وأجاز في الأخرى أن يقرضه من مليء, ويحتاط بالإشهاد عليه, ويرتهن منه على ذلك رهنا.
ولا يستقرض الوصي لنفسه من مال اليتيم قولا واحدا.
فإن كان الوصي فقيرا محتاجا جاز له أن يأكل من مال اليتيم بقدر شغله معه بالمعروف.
فأما إذا كان

غنيا, فلا يحل له أن يأكل من ماله شيئا بحال.
وهل للوصي أن يعتق على اليتيم عبيده أم لا؟ على روايتين: أصحهما: ليس له ذلك, لأنه إتلاف ماله.
ومن وصى بما وصي به إليه إلى غيره, ولم يكن الموصي جعل له ذلك لم تجز وصيته في إحدى الروايتين: والرواية الأخرى: وصيته جائزة.
والوصية تستقر بالموت, فمن وصى لوارث, ثم حدث من حجبه عن الميراث, ومات الموصي وهو غير وارث تثبت له الوصية.
وإن وصى لغير وارث, فلم يمت الموصي حتى صار الموصى له وارثا, بطلت الوصية له, إلا أن يجيزها الورثة.
وله إفراد أقاربه عن الوارثين بالوصية, وله صرف جميعها إلى الأجانب دون الأقارب, أي ذلك فعل جاز.
وله الرجوع في وصيته متى شاء, وتغييرها والزيادة فيها والنقصان منها.
فإن وصى إلى رجل بوصيته, وعين سبلها, وقبلها الوصي, ثم غيرها, فللوصي أن لا يقبلها بعد التغيير.
وفي هذا من قوله, دليل على أن الوصي إذا قبل الوصية لم يكن له إخراج نفسه منها.
وإن عين وصيته لمسمى البر فقد اختلف عنه في ماذا تصرف.
فقيل عنه: يجزئها الوصي أربعة أجزاء, فيصرف منها جزءا في أقارب الموصي غير الوارثين, وجزءا في الجهاد, وجزءا في الحج, وجزءا إلى الأجانب من فقراء المسلمين ومساكينهم.
وقيل عنه: بل تجزأ الوصية ثلاثة أجزاء, فيصرف جزءا في الجهاد, وجزءا في أقارب الموصي غير الوارثين.
والجزء الثالث قيل عنه: يصرف في الحج, وقيل: بل يصرف في الفدي إذا كان في المال فضل لذلك.
فإن قال: ثلثي في قرابتي.
لم يجاوز بها أربعة أبناء ممن ينسب إلى الموصي من قبل الرجال والنساء, قربوا أو بعدوا غير الوارثين.
وكذلك لو قال: ثلثي لعترتي.
وإن قال: ثلثي لأهل بيتي, نظر إلى من كان يصله في حال حياته من أهل بيته من

قبل أبيه, ومن قبل أمه, فجعل بينهم.
وإن كان لا يصل قرابة من قبل أمه, كان ثلثه لأهل بيته من قبل أبيه.
وهل يجازو بها أربعة آباء أم لا؟ قيل عنه: لا يجاوز بها أربعة آباء.
وقيل عنه: هو لمن كان يصل من أهل بيته في حياته وإن جاوز الأربعة.
قال: والحُجة في الأربعة آباء أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى على أربعة آباء في بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف, ولم يجاوز به عبد مناف.
وقد كانت له قرابة غير أولئك من قريش, وقال زيد بن أرقم: أهل البيت: آل العباس, وآل علي, وآل عقيل, وآل جعفر.
وإذا وصى لذوي أرحامه كان الرجال والنساء فيه سواء, لا يفضل ذكورهم على إناثهم, إلا أن يفاضل هو في الوصية بينهم.
فإن وصى لأقاربه وفيهم مسلمون وأهل ذمة, ولم يسم أهل الذمة, كانت الوصية للمسلمين خاصة.
وإن ذكر أهل الذمة فيهم جاز, ودفع إليهم ما وصى به لهم.
فإن قال: ثلثي لبني فلان, كان للذكور من ولده دون الإناث, فإن قال: ثلثي لولد فلان, كان للذكور والإناث بينهم بالسوية.
فإن وصى لجيرانه ففي حد الجوار عنه خلاف.
وروي عنه أن حد الجوار أبعون دارا حواليه عن يمينه وشماله وقبالته ومن ورائه.
وروي عنه: أربعون دارا من كل ناحية.
فإن قال: ثلثي لأهل سكة فلان.
فكذلك لمن كان ساكنها وقت الوصية دون من طرأ إليها بعد ذلك.
فإن قال: ثلثي لعقب فلان.
كان لولده الذكور والإناث, ولولد بنيه الذكور والإناث, دون ولد بناته.
فإن وصى لبني هاشم لم يشركهم مواليهم في الوصية.

ولو أعتق عبده في مرض موته وقع العتق لوقته من الثلث, وكان اعتبار الثلث بعد الوفاة.
فإن أوصى بعتق شركة له في عبد يحمله الثلث, عتق منه ما عتق, ولم تسر الحرية إلى باقيه.
فإن قال: أعتقوا عني عبدا بعشرين دينارا, لم يجز أن يعتقوا عنه إلا مسلما.
ولو أعتق عبده ثم مات, فقال الورثة: أعتقك في مرضه.
وقال العبد: أعتقني في صحته, كان القول قول الورثة, إلا أن يأتي العبد ببينة على ما يدعيه من العتق في الصحة.
فإن قال: ثلثي لفلان, لا بل لفلان.
كان للأخير منهما.
فإن قال: إن أمت من مرضي هذا, أو في سفرتي هذه, فثلثي لفلان.
فتوفي من ذلك المرض, أو قدم من تلك السفرة, بطلت الوصية لمن وصلى له.
فإن وصى لرجل بثوب, فلبسه الوارث, كان الثوب للموصى له, وله أرض ما نقصه اللبس على الوارث.
فإن وصى لرجل بدار, فبنى فيها الوارث بناء, كانت الدار للموصى له إذا حملها الثلث, ويرجع الوارث عليه بقيمة ما أحدثه فيها.
قال: ولا بأس أن يزوج الوصي عبد اليتيم إذا خاف عليه الفساد, ولا يزوج أمته, قال: لأن الأمة تخدمه, فإذا زوجها اشتغلت بزوجها عن خدمة اليتيم.
وللوصي إسلام اليتيم إلى الكتاب, ودفع الأجرة من ماله.
فإذا بلغ اليتيم وأنس من الرشد جاز للوصي أن يدفع إليه ماله بغير إذن الحاكم, ويشهد عليه.
قال: ولو أودع رجلا ألف درهم, وقال: إذا أنا مت فادفع الألف إلى ابني فلان, وله ولد غيره, كان الألف ميراثا.
وإن دفعه إلى الموصى له ضمن حقوق باقي الورثة منه.

باب المدبر

والتدبير: أن يقول لعبده: قد دبرتك, أو أنت مدبر أو أنت حر بعد موتي.
فيصير بذلك مدبرا, ويعتق بعد الموت من الثلث إذا احتمله.
فإن قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر.
لم يكن مدبرا, وكان عبدا للورثة.
وروي عنه رواية أخرى: أنه يكون بذلك مدبرا إذا حمله الثلث.
وله بيع البعد المدبر في الدين وغيره قولا واحدا.
وهل له بيع الأمة المدبرة أم لا؟ على روايتين.
وله الرجوع في التدبير؛ لأنه بمنزلة الوصية.
وله استخدام المدبر, ووطء المدبرة اشترط ذلك أو لم يشترطه.
قال: ولو دبر أمته وهي ذات زوج, فأتت بابنة بعد التدبير كان حكمها حكم أمها, تعتق بعتقها إذا حملها الثلث, غير أنه قال: ليس له أن يطأ ابنة مدبرته.
وما كان لها من ولد قبل التدبير فهم رقيق غير مدبرين.
كذلك روي عن عثمان بن عفان, وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
وجناية المدبر في رقبته, إما أن يفديه السيد, أو يسلمه.
وكذلك المدبرة.
فإذا دبر جماعة لا يحتملهم الثلث, عتق منهم مقدار الثلث, إلا أن يجيز الورثة عتق جميعهم, فإن لم يجيزوه وتشاح العبيد في العتق أقرع بينهم, فعتق منهم بالقرعة مقدار الثلث ورق من بقي.
وعدة الدبرة من وطء السيد حيضة, ومن الطلاق حيضتان, ومن وفاة زوجها شهران وخمسة أيام ما لم تعتق.
فإن كان للمدبر مال, فهل يكون له بعد عتقه أم لورثة السيد؟ حكى أحمد ابن حنبل رضي الله عنه عن ابن عمر رضوان الله عليه, وعن ابن مسعود, وأنس بن

مالك رضي الله عنه أنهم قالوا: هو للسيد.
ثم أبان عن رأيه فقال: اختياري أن المال للسيد, لأن المدبر عبد.
والمعتقة إلى أجل له بيعها قبل الأجل ووطؤها.
ولو مات السيد قبل الأجل كانت ميراثا.
وإذا لم يخرج المدبر من الثلث, ولم يجز الورثة عتق جميعه عتق منه بمثدار الثلث, ورق باقيه.
والعبد والمدبر وأم الولد قبل أن تعتق لا يملكون في إحدى الروايتين.
ولو قال شريكان في عبد: أنت حر متى متنا.
فإن ماتا معا عتق العبد في ثلثيهما.
وإن مات أحدهما قبل صاحبه عتقت حصته من العبد في ثلثه, ولم تسر الحرية إلى نصيب شريكه معسرا كان أو موسرا.
ولو دبر عبده, ثم ارتد السيد بطل التدبير, فإن كات على ردته كان العبد فيئا.
وإن عاد السيد إلى الإسلام استأنف التدبير إن اختار.
ولو دبر المرتد عبده في حال ردته كان تدبيره باطلا, لأنه ممنوع من ماله في حال الردة, ولا ينفذ تصرفه فيه.
ولو أعتق المدبر عن الكفارة الواجبة أجزأ.
ووقيل عنه: إن المدبر من صلب المال لا من الثلث.
والأول عنه أصح.

باب المكاتب

قال الله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33] فإذا كان في العبد خير وسأل الكتابة أحببنا لسيده أن يكاتبه.
وقال بعض أصحابنا: يلزم السيد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا واختار العبد الكتابة.
ويضع له الربع أو نحوه من المال بعد الأداء, لقوله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: 33] وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والكتابة جائزة على ما يتراضيا به -السيد والعبد- من مال مؤجل أو منجم, قلت نجومه أو كثرت, والمكاتب عبد ما بقي عليه دراهم في إحدى الروايتين, وهي المشهورة عنه, وقيل عنه: إذا أدى أكثر مال الكتابة ثم عجز لم يرد إلى الرق, واتبع بما بقي.
وإذا كان المال منجما فأخر أداء نجم واحد لم يعجِّزه بذلك.
فإن أخر أداء نجمين فأكثر نجما بعد نجم, فقد عجز وعاد رقيقا.
وقيل عنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت.
وإن كان في يد العبد مال قبل الكتابة كان للسيد, إلا أن يستثنيه العبد.
وإذا عجز وقد أدى بعض مال الكتابة عاد رقيقا, وكان ما أدى من المال للسيد.
ولو عجز وعليه ديون كانت في رقبته, إما أن يؤدي عنه السيد أو يُسلمه بما عليه إلى

غرمائه.
وليس له وطء مكاتبته إلا أن يشترط ذلك عليها, فإن وطئها بغير اشتراط أدب, وكان عليه عقرها يضعه من مال كتابتها, فإن أتت بولد كانت من أمهات الأولاد, قيلزمه أداء باقي مال كتابتها, فإن أدته قبل السيد وصارت حرة بالأداء, وإن مات السيد قبل أن تؤدي عتقت بموته.
وهل عليها أداء ما بقي من مال الكتابة إلى ورثة مولاها أم لا؟ على روايتين.
وقد قيل عنه: إن المكاتبة إذا علقت من سيدها كانت مخيرة بين العجز وتكون أم ولد, وبين المضي على الكتابة.
نقل ذلك أبو القسام الخرقي رحمه الله.
ولو كاتب أمته, واشترط ما في بطنها جاز, وكان له شرطه, كما قلنا في العتق إذا أعتقها دون ما في بطنها, وهو قول ابن عمر, وأبي هريرة رضي الله عنهما.
ولا يتسرى المكاتب بغير إذن سيده.
وما حدث له من ولد في حال الكتابة من أمة له دخل في الكتابة معه, فعتق بعتقه ورق برقه.
وما كان له من ولد قبل الكتابة من أمة لسيده, فهم عبيد للسيد إلا لمن يشترط إدخالهم في كتابته.
وكذلك الأمة إذا كوتبت ولها ولد.
ولو عجل المكاتب مال كتابته قبل محله لزم السيد أخذه.
فإن امتنع أجبره الحاكم على أخذه, وصار العبد حرا.
واختلف قوله في المكاتب إذا ملك قدر مال الكتابة هل يصير حرا قبل الأداء؟ أم لا يعتق إلا بالأداء؟ على روايتين.
وليس له إتلاف ماله, ولا عتق عبيده وإمائه قبل الأداء.
ولا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده.
ولا يجمع بين أكثر من زوجتين.
وحكمه في طلاقه وإيلائه, وظهاره, وقذفه, وحدوده وجناياته حكم العبيد ما لم يعتق.
فإن تزوج بغير إذن السيد كان المهر عليه دون سيده.
وله أن يسافر في مصالحه, ويحترف لفكاك رقبته, وليس للسيد منعه من ذلك.

ولو مات المكاتب وخلف وفاء كتابته, قام ورثته مقامه في أداء باقي مال الكتابة.
وهل يصير ذلك حالا بموته أم لا؟ الظاهر من القول عنه: أنه على نجومه.
ووجه آخر: أنه يصير حالا في ماله بعد موته؛ لأنه سئل عن الرجل يموت أو يفلس يحل دينه؟ قال: إذا وثق له الورثة فهو أحب إلي, وإذا أفلس لم يحل دينه, الموت أحرى أن يحل دينه, ففرق بين الموت والإفلاس, وقطع أن الإفلاس لا يحل ما عليه من دين مؤجل أو منجم, وأن بالموت أحرى أن يحل, وهذا هو الصحيح عندي.
فعلى هذه الرواية: يؤخذ باقي مال الكتابة من تركته حالا, وما يبقى فلورثته إن كانوا ممن يحوز جميع المال.
وإلا كان لهم منه بقدر الفرض, ثم الباقي للسيد بالولاء.
وقد روي عنه رواية أخرى: إذا مات المكاتب قبل الأداء, فهو عبد وميراثه للسيد.
وإن كان له ولد من أمة كان رقيقا, وإن كان له ولد من حرة كان حرا, ولا ميراث منه, وماله للسيد.
وإن لم يترك وفاء بباقي كتابته, وكان قد أدى الأقل منها, فهو عبد قولا واحدا.
وما ترك من مال وولد من أمة فللسيد, وإن كان قد أدى أكثر مال الكتابة, ولم يترك وفاء بباقيها, فهل يكون عبدا وولده رقيقا, أم لا يرجع أولاده إلى الرق ويسعون في أداء باقي مال الكتابة وهم أحرار؟ على وجهين: أحدهما: أنه يصير حرا, ويكون ولده رقيقا بناء على قوله: إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
والوجه الآخر: أن أولاده لا يعودون إلى الرق بل يسعون في أداء باقي مال المكاتبة وهم أحرار؛ لأن المكاتب إذا أدى أكثر مال الكتابة ثم عجز, لم يكن عنده في حكم من لم يؤد شيئا, ولا في حكم من أدى الأقل منها في إحدى الروايتين عنه؛ لأنه قال في المكاتب الذي لم يؤد شيئا من مال كتابته: يجوز عتقه عن الواجب.
وإذا كان قد أدى من كتابته النصف أو الثلثين لم يعجبه أن يعتق عن الواجب, وإن فعل لم يجزه.
وقد صرح في موضع آخر أنه إذا أدى الأكثر من مال الكتابة, لم يرد إلى الرق.

ولو مات السيد كانت الكتابة بحالها, يؤديها المكاتب إلى ورثة سيده على نجومها.
فإذا عتق كان ولاؤه للذكور من الورثة دون الإناث.
وإن عجز عاد رقيقا للذكور والغناث من الورثة.
فإن مات السيد وله وصية, وقد بقي على المكاتب بقية احتسب له ما بقي عليه من ثلث السيد وعتق.
ولو كاتب رجلان عبدا لهما, فأدى إلى أحدهما وفاء حصته من مال الكتابة, ولم يؤد إلى الآخر شيئا, ثم مات المكاتب رجع المولى الذي لم يقبض شيئا على شريكه في العبد بنصف ما قبض من العبد, ثم ميراثه بينهما, وما اكتسبه في مدة الكتابة بينهما.
هذا إذا كاتباه كتابة واحدة.
وقيل عنه: إن كان قد ترك وفاء بما بقي من مال الكتابة لم يكن للسيد إلا ما بقي من الكتابة, وما فضل لورثة المكاتب, فإن لم يكن له ورثة كان للسيد بالولاء.
ولو اختلف السيد والمكاتب في قدر مال الكتابة, كان القول قول السيد, أو يرجع العبد رقيقا.
ولو ملك المكاتب أباه أو ابنه أو ذا رحم منه, ولم يعتق عليه حتى يوفي مال كتابته, فيعتقون بعتقه, ويرقون برقه.
ولا يختلف قوله في جواز بيع المكاتب رجلا كان أو امرأة إذا بين السيد ذلك, ويكون على كتابته, وولاؤه لمشتريه الذي أوى إليه.
ود اختلف قوله: هل للسيد أن يبيعه بأكثر مما كاتبه عليه أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, قال: لأنه ملك السيد ما بقي عليه درهم.
وقال في الأخرى: لا, ليس له أن يبيعه بأكثر؛ لأن جابر بن عبدالله يقول: هم على

شروطهم.
ولأن بريرة إنما بيعت على مكاتبتها.
ومن كان له شقص في عبد فكاتبه عليه, فأدى إليه, عتق نصيبه منه, ثم ينظر, فإن كان المعتق موسرا قوم عليه حصة شركائه منه, وكان العبد حرا في ماله, وولاؤه له.
وإن كان معسرا؛ عتق منه ما عتق وكان باقيه على الرق للشركاء, وكان كسب البعد له, ولباقي مواليه بقدر ما فيه من مواليه.
ويعتق إذا أدى لبقية الشركاء, وولاؤه لسائر مواليه.
والأول عنه أظهر.
واختلف قوله في عبد بين رجلين كاتباه على ألف درهم, فأدى إلى كل واحد منهما أربع مئة وخمسين درهما, ثم أعتق أحدهما نصيبه منه, فروي عنه أنه قال: إن كان المعتق موسرا أدى إلى شريكه نصف قيمة العبد ولا يحاسبه بما أدى إليه؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
ويعتق كله من مال المعتق, وولاؤه له.
وروي عنه قال: يؤدي المعتق إلى الذي لم يعتق خمسين درهما, ويصير العبد كله حرا.
والولاء على هذه الرواية بينهما في معنى قوله.
واختلف قوله في رجل كاتب عبده على مال, ثم مات السيد وخلف ابنا وابنة, فأدى العبد إليهما بعض مال الكتابة, ثم توفي العبد وعليه بقية مال الكتابة, هل ترث الابنة من ولائه شيئا أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: الولاء للابن والابنة؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وقال في الأخرى: الولاء للابن خاصة؛ لأن المكاتب لا يعود رقيقا إلا بالعجز.
فأما الوفاء إذا ترك وفاء بمال الكتابة, فلا.
فعلى هذه الرواية: يكون للابنة قسطها من باقي مال الكتابة تقبضه من

تركة العبد.
وما فضل بعد أداء الكتابة كان للابن بالولاء.
ولو كاتب رجل جماعة من عبيده كتابة واحدة على مال معلوم, ولم يبين حصة كل واحد منهم من المال جاز, ولم يعتق واحد منهم إلا بأداء جميع مال الكتابة.
فإن مات بعضهم قبل الأداء سقط من مال الكتابة حصته منه.
واختلف أصحابنا في قدر المسقط على وجهين: منهم من قال: يكون المال مفرقا عليهم بالسوية على عدد رؤوسهم, إن كانوا ثلاثة سقط ثلث المال, وإن كانوا أربعة سقط ربعه, ولا ألتفت إلى قدر قيمتهم.
ومنهم من قال: بفضِّ ذلك على أثمانهم, فيسقط منه بقدر قيمة الميت.
ولو مات المكاتب وترك مالا, وعليه ديون للناس, وبقية من مال كتابته بدئ بقضاء ديونه قبل الكتابة في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: يكون السيد غريما من الغرماء, ويحاص أصحاب الدين في تركته إن لم يترك وفاء بالجميع, والأول عنه أظهر.
ولو كاتب عبدا وولده كتابة واحدة, ثم أعتق السيد ابن المكاتب نفذ عتقه, ووضع عن أبيه بقدر حصته من مال الكتابة.
ولا تصح الكتابة على مخبول لا يعقل, كما لا تصح عن المجنون والصبي.
ولو ورث رجال ونساء مكاتبا لم يعجز فعتقه جميعهم نفذ العتق, وسقط عنه مال الكتابة, وكان ولاؤه للذكور دون الإناث, لأن الولاء موروث عن الأب.
ولو كاتب عبده على عروض فأداها إليه وعتق العبد, ثم ظهر السيد على عيب في العروض كان له أرش العيب, ولا يرجع العبد رقيقا.
ولو وطئ الشريكان مكاتبتهما واحدا بعد واحد في زمانين مختلفين, كان على كل واحد منهما مهر مثلها يضعه عنها من مال كتابتها.
فإن حملت وجاءت

بالولد لأقل من ستة أشهر منذ وطئها الثاني, ولستة أشهر فأكثر من وطء الأول, ولم يكن الأول استبرأها من وطئه, فالولد للأول, وعليه نصف قيمتها قولا واحدا.
وقال بعض أصحابنا: وعليه نصف مهر مثلها, وعندي لا يلزمه لأجل وطء الشريك.
ولو حكمنا عليه بنصف المهر لشريكه حكمنا على شريكه بنصف المهر أيضا له.
فأما الولد, فهل عليه نصف قيمته للشريك أم لا؟ على روايتين: إحداهما: عليه نصف قيمته, كما لو كانت الأمة لغيره, فأولدها بشبهة, أن عليه مهر مثلها, وعليه أن يفدي ولده منها.
والرواية الأخرى: ليس عليه قيمة الولد لشبهة ملكه فيها؛ ولأن العتق به وجب, وولاؤها لمن صارت أم ولد له.
وإن كانا وطئاها في طهر واحد, وأتت بولد وادعياه جميعا أُري القافة, فإن ألحقوه بأحدهما كان الحكم فيه كما تقدم, وإن ألقوه بهما, فهو ابنهما يرثهما ويرثانه, وهي أم ولد لهما, ولا سبيل لواحد منهما إلى وطئها في هذه الحال لا بملك, ولا بنكاح, إلا أن يعتقاها جميعا ثم يتزوجها بعد ذلك من شاء منهما بإذنها.
ولو كان للسيد على المكاتب ألف درهم قد حلت عليه من مال كتابته, وللمكاتب على مولاه مئة دينار, فجعل الألف قضاء بالمئة دينار من غير أن يحضر أحد النقدين جاز؛ لأنه لا ربا بينهما, بخلاف ما قلنا في الحُرين؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم في الأظهر من قوله.
ولو أغار المشركون على مكاتب ثم استنقذه المسلمون, كان باقيا على كتابته.
ولو كاتب المرتد عبده كان الكتابة باطلة في معنى قوله؛ لأن المرتد ممنوع من ماله في حال ردته.
ولو أنكح السيد ابنته من مكاتبه برضائها, ثم مات السيد, فالكتابة بحالها, ويتوجه على معنى قوله, أن يكون النكاح ثابتا ما لم يعجز المكاتب, فإن أدى مال الكتابة كان لورثة السيد وعتق.
وإن عجز عاد رقيقا وانفسخ النكاح, لأن الزوجة

تملك بعضه بالعجز.
ولو وصى برقبة مكاتبه, وبين أنه مكاتب, كانت الوصية جائزة, كما يجوز له بيعه على مكاتبته, ويبين, حكى ذلك عنه بعض أصحابنا, ولم يسم راوي المسألة, فعلى هذا: لا يكون للموصى له بالعبد إلا مال الكتابة, ما لم يعجز.
فإذا أدى عتق, وكان ولاؤه للموصى له به, وإن عجز, كان رقيقا للموصى له به إذا حمله الثلث.
ولو ادعى المكاتب أنه أدى إلى مولاه جميع مال الكتابة, وأنكر السيد, فجاء المكاتب على ذلك بشاهد واحد, حلف مع شاهده, فبرئ وصار حرا.
واختلف قوله: هل يجوز أخذ الضمين والكفيل من المكاتب أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى.
فإن ضمن رجل عن المكاتب ثم عجز سقط الضمان.
قال: ولو سرق المكاتب من مولاه درأت عنه الحد.
وجناية المكاتب مقدمة على كتابته, فإن عجز عاد رقيقا, وفداه السيد إن شاء, وإلا سلمه بالجناية.
وقد قيل: إن جناية المكاتب في رقبته وإن لم يعجز.
وعلى السيد أن يفديه إن أحب أو يسلمه.
قال: لأني أرى بيع المكاتب, وإذا كان له بيعه وإن لم يعجز, لزمه أن يفديه أو يسلمه وإن لم يعجز؛ لأنه عبد لم يوف مال كتابته.
ولو مات ونصفه حر ونصفه رقيق, وخلف مالا وابنا من حرة, كان ماله بين ابنه ومالك نصفه نصفين.
وإن كان الزوجة باقية, فلها أيضا ثمن النصف.
فإن خلف ابنة, كان ربع ماله لابنته, وربعه لمعتق نصفه بالولاء, ونصفه لمالك نصفه.
فإن لم يخلف ولدا, كان ماله بين معتق ومالك نصفه.
وكل ذات رحم محرم ولدها بمنزلتها إلا ولد العم والعمة, وولد الخال

والخالة.
بيان ذلك: أن من ابتاع أخاه, أو ولده, أو أخته, أو ولدها, أو أباه, أو جده, وإن علا, أو ولده وولد ولده وإن سفلوا, أو أمه, أو أمها وإن علت, أو جده لأمه, أو جد أمه وإن علا, أو جدته لأبيه, أو أمهاتها وإن علون عتقوا جميعا عليه.
وإن ابتاع أولادهم لم يعتقوا عليه.
وكذلك لو ابتاع خاله أو خالته عتقا عليه.
فإن ابتاع أولادهما لم يعتقوا عليه.
فإن ملك ذا رحم محرم بالميراث, فهل يعتق عليه أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا يعتق عليه إلا بعتق مجدد منه.
وقال في الأخرى: يعتق عليه بنفس دخوله في ملكه, كما يعتق عليه في البيع بنفس تمامه.
فإذا قلنا: يعتق, فلا كلام.
وإذا قلنا: لا يعتق, فهل يجبر على عتقه أم لا؟ على روايتين.
وولد أم الولد بمنزلتها.
وأموال العبيد والمدبرين وأمهات الأولاد لمواليهم.
ولو ابتاع العبد عبدا بإذن السيد جاز ابتياعه, وكانا جميعا ملك السيد.
ومن استولد أمته حرم عليه بيعها.
وله الاستمتاع ووطؤها واستخدامها مدة حياته, وإنكاحها واستخدام ولدها من غيره من غيره استمتاع, وتعتق من رأس المال بوفاة سيدها.
وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد, قد استبان فيه خلق الإنسان أو بعض خلقه, فهي به أم ولد, وتنقضي به العدة من الوفاة والطلاق.
ولا ينفعه العزل عن أمته, ومتى أقر بوطئها لحق به ولدها.

باب العتق

ومن أعتق بعض عبده عتق جيعه.
فإن أعتق شعر أمته أو ظفرها أو سنها لم تعتق, كما قلنا في الطلاق.
ومن أعتق شركا له في عبد قوم عليه حصة شريكه منه إن كان موسرا قولا واحدا, وإلا عتق ما عتق إن كان معسرا, ورق ما بقي.
وفي استسعاء العبد لباقي مواليه روايتان: قال في إحداهما: يسعى في فكاك رقبته, وقال في الأخرى: لا يُستسعى.
وهل تعتبر القيمة إن كان المعتق موسرا يوم أعتق أو يوم يقع التقويم؟ على وجهين.
فإن كان عبدا بين جماعة عتقوه جميعا معا عتق, وكان ولاؤه بينهم بالحصص.
ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا بعتقها قولا واحدا.
فإن أعتق الحمل دونها عتق الجنين ولم تعتق.
فإن أعتقها دون جنينها عتقت دون ولدها في الظاهر من قوله.
ويتوجه أن يعتق الولد بعتقها, ولا يصح استثناؤه؛ لأنه بضعة منها, كبعض أعضائها؛ ولأنه نهي عن بيع الحمل دون أمه؛ لدخول الغرر والجهالة فيه.
ونهي عن استثناء المجهول من المعلوم, وكذلك هذا.
والأول هو المنصوص عنه.
ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه جزء من حرية, ولا أقطع اليدين, ولا إحداهما, ولا أقطع الرجلين ولا إحداهما, ولا أعمى, ولا أعور, ولا تجزئه في كفارة القتل إلا الرقبة المؤمنة, السليمة من العيوب قولا واحدا.
وهل تجزئه الكتابية في

سائر الكفارات الواجبات سوى القتل أم لا؟ على روايتين.
وليس للسفيه المحجور عليه, ولا الصبي إتلاف أموالهما.
فإن أعتق المحجور عليه فعتقه باطل في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى قال: إن أعتق البالغ المحجور عليه نفذ عتقه؛ لأنه استهلاك.
وبالأول أقول.
فإن أعتق الصبي وله أقل من عشر سنين, كان عتقه باطلا قولا واحدا.
وكذلك الجارية إذا كان لها أقل من تسع سنين.
فإن كان للغلام عشر سنين فصاعدا, وللجارية تسع فصاعدا, فعتقا وهما يعرفان العتق ويعقلانه, صح عتقهما في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: لا يقع عتقهما حتى يبلغا الحلم.
وبهذا أقول.
ومن قال لعبده: أنت حر, عتق عليه.
وكذلك لو قال له: أنت لله, صار حرا, وكذلك لو قال له: لا ملك لي عليك.
فإن قال: لا سبيل لي عليه, فهل يعتق أم لا؟ على روايتين.
ومن أعتق نسمة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار.
وقيل عنه: إذا عتق الرجل أمتين أعتق الله بكل عضوين منهما عضوا منه من النار.
وأفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها.
ومن قال لعبد غيره: أنت حر في مالي.
فلم يجز ذلك المولى, لم يعتق العبد قولا واحدا.
وإن أجاز المولى ذلك, فالأظهر عنه أنه لا يعتق.
ويتوجه أن يعتق بالإجازة, كما قال في النكاح الموقوف على الإجازة في إحدى الروايتين عنه.
فإن قال الرجل: أعتق عبدك وعلي ثمنه.
فعتقه المولى نفذ عتقه, وكان له الثمن على الآمر, والولاء للمعتق.
فإن قال له: أعتق عبدك هذا عني, وعلي ثمنه.
ففعل عتق, وكان على الآمر ثمنه, وولاؤه للمعتق عنه.
ولو قال: أنت حر رأس الشهر.
لم يعتق حتى يحل الأجل.
وله بيعه قبل أن

يحل الأجل إن شاء.
ومن أعتق عبدا واستثنى خدمته شهرا أو سنة كان جائزا؛ فقد أعتقت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سفينة على أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم.
واختلف قوله: هل للمعتِق أن يبيع خدمة عبده التي استثناها أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى.
فإن قال: إذا خدمتني سنة فأنت حر.
لم يعتق حتى يوفي خدمة السنة ثم يعتق.
فإن مات السيد قبل تمام السنة, كان العبد ميراثا لورثة السيد.
فإن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر.
فمتى أوجبه بالبيع عتق.
فإن قال ذمي لعبده: إذا خدمت البيعة سنة فأنت حر.
فخدمها بعض السنة ثم أسلم, فقد اختلف قوله ههنا على روايتين: قال في إحداهما: على العبد أجرة ما بقي من خدمة السنة, وهو حر, وقال في الأخرى: إذا أسلم فقد عتق ولا يرجع المولى عليه بشيء.
وكذلك اختلف قوله في الرجل يقول لعبيده: أيكم يأتيني بخبر كذا, فهو حر.
فأتاه بذلك الخبر اثنان معا أو أكثر, على روايتين: قال في إحداهما: قد عتق واحد منهم فيقرع بينهم, فمن قرع منهم صاحبه عتق.
وقال في الأخرى: قد عتقوا جميعا.
فإن قال لجاريته: إذا خدمت ابني هذا حتى يستغني, فأنت حرة.
لم تعتق حتى يكبر الغلام ويستغني عن الرضاع, ويحتمل أن لا تعتق حتى يستغني عن الرضاع, وعن أن يُلقم الطعام, وعن أن ينجى من الغائط.
ومن أعتق صبيا أو شيخا لا حرفة له, ولا وارث له غير سيده, لزم مولاه الإنفاق عليه والقيام بجميع مؤنته مما لا غنى به عنه, لأنه وارثه.

فإن قال لعبده: قد عتقتك على أن تعطيني ألفا.
فقال العبد: لا أرضى, عتق ولم يلزمه شيء من الألف, فإن قال له: قد عتقتك على ألف.
فقال: لا أرضى, لم يعتق.
ومن أعتق عبدا من عبيده بغير عينه, أقرع بينهم, فأخرج المعتق بالقرعة.
وكذلك لو قال: أعتقوا عني أحد عبدي هذين.
فتشاحا أقرع بينهما فمن وقع عليه منهما سهم حرية عتق.
ولا اعتبار بالنية في العتق في الظاهر من قوله, فإن قال لعبيده: أنتم أحرار, وفيهم من لا يريده بالعتق ولا قصده عتق جميعهم, وإن كان قد نوى بالعتق بعضهم.
وقد روي عنه أنه اعتبر النية في العتق وأنه لا يعتق منهم إلا من أراده بالعتق دون من لم يرده, فقال في رجل قال: كل مملوك لي حر.
وله عبيد وأشقاص من عبيد بينه وبين غيره, قال: يعتق عليه كل مملوك له خاصة, ولا يعتق ما له من الأشقاص إلا أن يقصدهم ويريدهم بالعتق.
ومن قال: كل عبد لي حر, وله عبيد ومكاتبون ومدبرون, فإذا قلنا: إن النية غير معتبرة في العتق, فقد عتق جميعهم.
وإذا قلنا: إنها معتبرة فيه.
فإن كان نوى عتق جميعهم, أو لم تكن له نية في عتق بعضهم دون بعض, عتق جميعهم, وإن نوى عتق بعضهم, عتق من نواه منهم دون من لم ينوه.
ومن قال لعبيده: أقدمكم عندي حر.
عتق منهم من له في ملكه سنة.
واحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم﴾ [يس: 39].

فإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله.
عتق.
ولو دفع عبد إلى رجل مالا, فقال له: ابتعني من مولاي وأعتقني.
فإن ابتاعه المأمور بمال من عنده وأعتق صح الشراء ونفذ العتق قولا واحدا, وولاؤه للمعتق.
وعليه رد ما أخذه من العبد من المال إلى مولاه.
وإن اشتراه المأمور بعين المال الذي دفعه العبد إليه وعتقه, فعنه في ذلك روايتان: أظهرهما: أن الشراء والعتق باطلان, والعبد للمولى والمال جميعا.
والرواية الأخرى: قال: الشراء والعتق جائزان ويغرم المعتق للمولى الثمن الذي ابتاع به العبد؛ لأن الذي قبضه المولى منه كان ملكا له, وولاء العبد للمعتق, والولاء لمن أعتق.
وإن اختلف الدينان, كمسلم عتق عبدا يهوديا أو نصرانيا, فمتى مات العبد ولا وارث له, ورثه المولى بالولاء, ولا يجوز هبة الولاء ولا بيعه.
ومن أعتق عبدا وله مال, فماله للمعتق في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: المال للعبد, بخلاف ما قلنا في البيع.
ومن أسلم على يد رجل لم يستحق بذلك ميراثه, وكان ماله لبيت مال المسلمين إن لم يكن له وارث.
وولاء ما أعتقت المرأة لها, وكذلك من أعتق من أعتقته أو كاتبته أو كاتب من كاتبته.
ولا ترث ولاء من أعتق غيرها من أب أو غيره من سائر قراباتها من الأنساب والأسباب غير ما ذكرنا.
وقد قيل عنه: إن ابنة المعتق ترث ولاء من أعتقه أبوها خاصة إذا لم يكن للأب عصبة؛ لحديث ابنة حمزة.
والأول عنه أظهر.
وولاء معتق ابن الملاعنة له, وبعد وفاته لأمه؛ لأنها عصبته, وعصبة أمه عصبته أيضا.

واختلف قوله في المرأة تشتري أباها فتعتقه ثم يموت, ويخلفها وابنة أخرى, فروي عنه: أن للابنتين الثلثان بينهما نصفين, والباقي للعصبة.
فإن لم يكن له عصبة, فالباقي رد عليهما.
وقد قيل عنه: لهما الثلثان, ثم الباقي لابنته المعتقة له عند عدم العصبة ولم يختلف قوله في العبد يتزوج مولاة قوم أو حرة الأصل, فيولدها أولادا ثم يعتقه مولاه: أن العبد يجر أولاده.
فإن مات الأب وخلف أولاده ثم ماتوا ورثهم معتق أبيهم إن لم يكن لهم عصبة, فإن مات العبد بعد أن يعتق وخلف أباه وأولاده, فهل يجر الجد ولاء أولاد ابنه أم لا؟ على روايتين.
وولاء السائبة لجميع المسلمين.
والولاء للأبعد من عصبة الميت الأول.
فإن ترك المعتق ابنين فورثا ولاء مولى أبيهما, كان بينهما نصفين, فإن مات أحدهما عن بنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه؛ لأن الولاء للكبر.
فإن مات أحدهما وترك ابنا, ومات الآخر وترك عشرة بنين فالولاء بينهم على أحد عشر سهما, لكل واحد منهم سهم واحد من أحد عشر سهما.
وليس ذلك كقسمة المواريث.
فإن مات عبد وخلف أخا معتقه, وجد معتقه كان الولاء بينهما نصفين.
فإن خلف أبا معتقه, وابن معتقه كان للأب السدس, وللابن ما بقي.
وكذلك لو ترك جد معتقه, وابن معتقه كان للجد سدس الولاء, وللابن ما بقي.
ولو اشترك جماعة في عتق عبد جاز, وكان الولاء بينهم على قدر أنصبائهم منه, فإن كان أحدهم عتق نصفه, وثلاثة أعتقوا النصف بينهم بالسوية, كان

ميراثه بينهم على ستة أسهم, لمعتق النصف ثلاثة أسهم, وللشركاء الثلاثة النصف, ثلاثة أسهم لكل واحد منهم سهم.
فإن مات العبد ولم يترك عصبة ولا ذا سهم, ولا كان لمعتقه عصبة, ورثه الرجال من ذوي أرحام معتقه دون نسائهم.

باب

أحكام الدماء والحدود والديات

قال الله عز وجل: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45] وقال تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ الآية [البقرة: 178]. فمن قتل عمدا قتل, ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة, أو اعتراف القاتل طوعا, أو بالقسامة إذا وجبت, يُقسم ولاة الدماء خمسين يمينا ويستحقون الدم.
ولا تجب القسامة إلا أن يكون هناك عداوة أو لوث من بينة.
ولا يقبل بالقسامة أكثر من واحد.
وإذا نكل مدعو الدم عن اليمين حُلِّف عليهم المدعى عليهم خمسين يمينا بالله تعالى ما قتلوه ولا علموا له قاتلا, وبرئوا.
فإن لم يوجد من يحلف من ولاته معه غير المدعى عليه وحده حلف خمسين يمينا وبرئ.
ويحلف من ولاة الدم في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا.
فإن كانوا أقل من خمسين قسمت الأيمان عليهم.
وإن لم تنقسم عليهم إلا بزيادة جبر الكسر عليهم.
ولا يحلف النساء ولا الصبيان في القسامة.
ولو قال المجروح: دمي عند فلان.
لم يكن ذلك موجبا للقسامة ما لم يكن هناك عداوة.
وسواء كان المقتول مسلما أو ذميا, حرا أو عبدا إذا كان دمه يكافئ

دم المدعى عليه.
فإن وجد رجل عبده قتيلا, فادعى على رجل أنه قتله, وجاء بشاهد واحد حلف المولى مع شاهده يمينا واحدة أنه قتله, واستحق قيمته على المدعى عليه.
وإن لم يكن له بينة, وكان بين المدعى عليه وبين العبد أو السيد ما يوجب القسامة حلف السيد خمسين يمينا واستحق قيمة عبده على المدعى عليه.
ولا يُقسم على أكثر من واحد كما قلنا.
والعفو عن دم العمد جائز.
وإذا عفا بعض الأولياء عن الدم بطل القود, وصاروا إلى الدية.
وعفو البنات صحيح كعفو البنين.
وكذلك لو كان فيهم مجنون لا يفيق, أو أبله لم يكن إلى القتل سبيل, وصاروا إلى الدية.
ولو كان في الأولياء صغار وكبار لم يجز القود حتى يكبر الصغير.
وكذلك الزوجات.
وليس على قاتل العمد حد واجب, ولا شيء واجب إذا عفي عنه.
والدية على أهل الإبل مئة من الإبل, وعلى أهل الذهب ألف دينار, وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم.
وأسنان دية العمد: خمس وعشرون بنت مخاض, وخمس وعشرون بنت لبون, وخمس وعشرون حقة, وخمس وعشرون جذعة.
ودية الخطأ عشرون بنت مخاض, وعشرون ابن مخاض, وعشرون بنت لبون, وعشرون حقة, وعشرون جذعة.
ودية الخطأ شبه العمد أرباع مثل دية العمد سواء, غير أنها منجمة في ثلاث سنين, وهي على العاقلة.
وروي عنه: أن دية الخطأ والعمد مغلظة: ثلاثون حقة,

وثلاثون جذعة, وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وهي في مال القاتل على هذه الرواية.
وكذلك تغلظ الدية في الحرم بالإحرام عنده, فدية المحرم المقتول في الحل دية وثلث, ودية المحرم المقتول في الحرم شهر حلال دية وثلثا دية, ودية المحرم المقتول في الحرم في شهر حرام ديتان, ودية الحلال المقتول في الحرم دية وثلث.
قضى بذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ودية العمد حالة في مال القاتل قولا واحدا.
ودية الخطأ منجمة على العاقلة في ثلاث سنين قولا واحدا.
والعاقلة: الإخوة وأولادهم, والعمومة وأولادهم.
والأب من العاقلة في إحدى الروايتين, والابن ليس من عاقلة أمه إلا أن يكون من عصباتها.
فإن اجتمع في قتل الخطأ جماعة, فعلى عواقلهم دية واحدة, وعلى كل واحد من القاتلين عتق رقبة مؤمنة في ماله كفارة لفعله.
وقيل عنه: على جماعتهم عتق رقبة واحدة, والأول عنه أظهر.
وقيل عنه: إن كان نصيب كل واحد منهم قدر ثلث الدية حمل ذلك عاقلته.
وإن كان أقل, فذلك عليه في ماله, لأن العاقلة لا تحمل أقل من ثلث الدية.
وعاقلة العبد المعتق عصبته.
فإن لم يكن له عصبة, فعاقلة سيده المعتق له.
وعاقلة ابن الملاعنة عصبة أمه.
ومن لا عاقلة له لا دية عليه في قتل الخطأ, وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله.
وهل يؤدى المقتول من بيت المال أم لا.
على روايتين: أظهرهما: لا يلزم الإمام أن يديه من بيت المال.

واللقيط إذا قتل خطأ لم يعقل عنه أحد, لأنه لا عاقلة له.
ومن قتل مسلما في دار الحرب, قد كان أسلم وكتم إيمانه حتى يقدر على الخروج إلينا يحسبه القاتل كافرا, فلا دية عليه, ولا على عاقلته, وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله, لقوله تعالى: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ولو أسلم معاهد فقتل خطأ, ولا وارث له من المسلمين, كانت ديته على عاقلة القاتل لبيت مال المسلمين.
وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة في ماله.
ومن قتل ذميا في دار الإسلام خطأ, فديته على عاقلة القاتل, وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله, كما لو قتل مسلما خطأ.
ومن قتل حاملا خطأ, فلم تلق جنينها لم يكن على العاقلة أكثر من دية الأم.
فإن ألقت جنينا حيا ثم مات ولم يستهل, كانت دية الأم والجنين على عاقلة القاتل.
ولا يرث من لم يستهل, ولا يورث.
وإن استهل ورث وورث.
فإن ضربها فألقت جنينا ميتا, ثم ماتت, كانت ديتها ودية الجنين على العاقلة؛ لأنها جناية واحدة.
ولو وجد قتيل بالطواف وداه الإمام من بيت المال.
ومن مات من الزحام يوم الجمعة فديته في بيت المال في إحدى الروايتين.
ودية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم.
ودية اليهودي أو النصراني نصف دية الحر المسلم.
وديات نسائهم نصف دياتهم.
وقيل عنه: إن دية كل واحد من اليهود والنصارى ثلث دية الحر المسلم.
ودية المجوسي ثمان مئة درهم.
ودية المرأة المجوسية أربع مئة درهم.
وقد روي عنه أنه غلظ دية الذمي إذا قتله المسلم عمدا, فقال فيمن قتل يهوديا أو نصرانيا عمدا: أدرأ عنه القود, وألزمه دية مغلظة ألف دينار.
فإن كان مجوسيا لزمته ألف وست مئة درهم.
قال: وكل من درأت عنه الحد غلظت عليه الدية, وهو قول عمر وعثمان

ومعاوية رضي الله عنهم.
وكل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه إذا أتلف الدية, وما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية, وفي كل واحد منهما نصف الدية, وما فيه منه ثلاثة ففي جميعها الدية, وفي كل واحد منها ثلث الدية.
وما فيه منه أربعة ففيها كلها الدية, وفي كل واحد منها ربع الدية؛ ففي العقل الدية, وفي البصر الدية, وفي السمع الدية, وفي اللسان الناطق الدية, وفي الأنف الدية, وفي المَشامِّ الدية, وفي الطعوم الدية, وفي اللحية إذا لم تنبت الدية.
وفي الشارب إذا لم ينبت حكومة, وفي قرع الرأس الدية, وفي الصعر الدية, وهو أن يضربه فيتحول وجهه إلى جانب ثم لا يعود.
وفي كسر الصلب الدية, وفي البطن إذا لم يستمسك الدية.
وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية.
وروي عنه في المثانة إذا لم تستمسك: ثلث الدية.
والأول عنه أظهر.
وفي انقطاع النسل الدية.
وفي الذكر الدية.
وفي الحشفة مثل ما في جميعه, فإن قطع الحشفة لزمه دية, فإن قطع بعد ذلك باقية كانت فيه حكومة.
ويتوجه أن يكون فيه ثلث الدية.
وفي الأنثيين الدية, ولو ضربه فحال لونه عن البياض إلى غيره ولم يعد, كان عليه الدية, وفي اليدين الدية, وفي الرجلين الدية, وفي الأذنين الدية, وفي الأليتين الدية, وفي الثديين الدية, وفي الشفتين الدية, وفي العينين الدية.
وفي الحاجبين الدية.
وفي إسكتي المرأة الدية.
وفي كل واحد من هذه نصف الدية.
وفي أشفار العين الأربعة الدية, وفي كل واحد منها ربع الدية.

وفي الحرمات الثلاث في الأنف الدية.
وفي كل واحد منها ثلث الدية.
وفي عين الأعور دية كاملة.
وفي الموضحة خمس من الإبل, وفي السن إذا ثغر خمس من الإبل, وكذلك في الضرس.
وفي كل أصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل.
وفي كل أنملة إصبع ثلث دية الإصبع, وفي أنملة الإبهام نصف دية الإبهام, لأنها مفصلان.
وفي الظفر إذا اسود خمس دية الإصبع.
وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل, وهي التي تنقل العظام من مواضعها.
والموضحة: ما أوضح العظم ولم ينقله.
وفي الهاشمة عشر من الإبل, وهي التي تشق اللحم, وتهشم العظم, ولا تنقله.
والسمحاق دون الموضحة, وهو الذي يشق اللحم ويبقى بينه وبين العظم جلدة رقيقة, وفيه أربع من الإبل.
والمأمومة التي تؤم الرأس فتكسر العظام, ولا تخرق جلدة الدماغ, وفيها ثلث الدية.
وفي الجائفة ثلث الدية, وهي التي تصل إلى الجوف, فإن نفذت فهي جائفتان, وفيهما ثلث الدية.
وفي العين القائمة ثلث ديتها, وفي السن السوداء ثلث ديتها, وفي لسان الأخرس ثلث الدية.
فإن قطع من اللسان الناطق بعضه لزمه من ديته ما نقص في كلامه من حروف المعجم.
وفي اليد الشلاء ثلث ديتها.
وفي ذكر الخصي ثلث الدية, وكذلك في ذكر العنين.
وقيل عنه: إن في ذكر الخصي حكومة.
وروي عنه رواية أخرى: إن في ذكر العنين دية كاملة, وفي السن السوداء حكومة, وكذلك في الإصبع الزائدة.
وفي الترقوة بعير.
وفي كسر الساق بعيران, وفي الفخذ بعيران, وفي الضلع بعير, وفي الزند بعيران في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: في الزند الواحد أربعة أبعرة, لأنه عظمان.
ولو قطع يده من الزند فاندملت ووداها, ثم عاد فقطع ذراعه, فعليه ثلث الدية.

ولا يجتمع قصاص ودية إلا أن يفقأ عين أعور, فيكون المجني عليه بالخيار عنده بين أن يقلع إحدى عيني الجاني ويأخذ منه نصف الدية, وبين أن يأخذ دية كاملة ولا قصاص.
ولا دية لمن مات من القصاص, ولا لمن أقيم عليه الحد فمات فيه.
وأول الشجاج التي لا توقيت فيها وفيها حكومة: الحارصة, وهي: التي تشق الجلد قليلا, ثم الباضعة, وهي: التي تشق الجلد وتبضع اللحم, والدامية, وهي: التي تدمي, والمتلاحمة, وهي: التي تشق الجلد وتعمل في اللحم, ولا توضح العظم.
ففي كل واحدة من هذه الجراح الأربعة حكومة.
وكذلك كل ما لم توقت ديته من الجراح, ولا هو نظير لما وقتت ديته, فليس فيه غير الحكومة بحسب اجتهاد الحاكم.
وصفة ذلك أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به, ثم يقوم وبه الجناية, فما نقص من القيمة بين الصحة والجناية كان له بحسابه من الدية.
وفي الجراح العمد القصاص إلا المتالف منها, كالمأمومة والجائفة, والمنقلة, والفخذ, والأنثيين, والصلب, ونحوه.
وكذلك لا قصاص في كسر عظم الساق والذراع, لأنه لا يعلم ما قدره وليس له غاية, ولا قصاص عن مفصل.
وفي ذلك كله الدية بعد الاندمال والبرء.
ولا تحمل العاقلة عمدا, ولا عبدا, ولا اعترافا, ولا صلحا, ولا ما دون الثلث.
وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر ثلث الدية فصاعدا.
وما كان دون الثلث ففي مال الجاني.
ولا تحمل العاقلة من قتل نفسه عمدا, ولا من قطع بعض أعضائه عمدا.
فإن قتل نفسه خطأ, أو قطع بعض أعضاء نفسه خطأ مما ديته قدر ثلث الدية فأكثر, حمل ذلك العاقلة في الأظهر من قوله, وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما, ولا مخالف لهما في الصحابة.

ولو استعدى على امرأة بالشُّرط, فأسقطت جنينا ميتا, كانت دية الجنين على المستعدي في ماله.
وإن أسقطت حيا فاستهل أو لم يستهل ثم مات, فديته على عاقلة المستعدي, وعليه عتق رقبة مؤمنة في ماله في الوجهين جميعا.
وتعادل المرأة الرجل إلى ثلث الدية, فإذا بلغت جراحها ثلث دية الرجل رجعت إلى ديتها, فكان دية جراحها على النصف من دية الرجل.
بيانه: أن من قطع إصبع امرأة كان فيها عشر من الإبل, فإن قطع منها إصبعين فعشرين من الإبل, فإن قطع ثلاث أصابع, ففيها ثلاثون من الإبل.
فإن قطع أربع أصابع منها, ففيها عشرون من الإبل.
وإذا قتل النفر رجلا عمدا قتل جميعهم به في الظاهر من قوله, وهو قول عمر, وعلي عليهما السلام.
وقيل عنه: لا يقتل بنفس أكثر من نفس.
وهو قول عبدالله ابن عباس, ومعاذ بن جبل رضوان الله عليهما.
فعلى هذه الرواية لا يقتلون, وعليهم الدية.
وهل يلزم جماعتهم دية واحدة أم على كل واحد منهما دية كاملة؟ على روايتين.
وإذا قتل السكران عمدا قتل.
وعمد الصبي والمجنون خطأ, فإذا قتلا, فالدية على عواقلهما, وإذا اجتمع على القتل صبي وبالغ, أو عاقل ومجنون قتل العاقل والبالق, وكان على عاقلة الصبي أو المجنون نصف الدية في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى قال: إذا اجتمع على القتل من يقاد, ومن لا يقاد, فلا قود.
وعلى العاقل نصف الدية في ماله, وعلى عاقلة من لا قود عليه من صبي أو مجنون نصف الدية.

فإن قطع جماعة يد رجل عمدا قطعوا كلهم به.
ويتوجه أن لا يقطع واحد منهم على الرواية التي قال فيها: لا تقاد الجماعة بالواحد, ولزمهم دية اليد بينهم.
وتقتل المرأة بالرجل, والرجل بها, وكذلك يقتص لبعضهم من بعض في الجراح, ويقتل البالغ بالصبي, والعاقل بالمجنون, ويقتل الكافر بالمسلم, والعبد بالحر.
فإن قتل ذمي مسلما عمدا, ثم أسلم, لم يدرأ عنه الإسلام القتل, وقتل.
فإن قتل حربي مسلما ثم دخل إلينا مسلما, لم يقد بالمسلم.
ولا يقتل مجنون بعاقل, ولا صبي ببالغ, ولا والد بولده قولا واحدا.
واختلف قوله في الابن يقتل أباه عمدا, هل يقاد به أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: لا أقتل والدا بولده, ولا ولدا بوالده, خطأ كان القتل أو عمدا.
وقال في الرواية الأخرى: الابن إذا قتل أباه فإنه يقاد به.
وسئل عن المرأة تقتل ابنها, فقال: لم يبلغني فيها شيء.
ولم يقل: إنها تقاد به أو لا تقاد.
واختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: منهم من قال: لا تقاد به, كالأب, ومنهم من قال: تقاد به, كالابن يقاد بأبيه.
ومن لم يقد بعضهم ببعض من أصحابنا غلظ الدية.
واختلفوا في التغليظ؛ فمن أصحابنا من جعل التغليظ في الأسنان, وجعل الدية ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها, كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تغليظ الدية على المدلجي الذي قتل ابنه, فأخذ منه عمر رضي الله عنه ثلاثين حقة, وثلاثين جذعة, وأربعين خلفة في بطونها أولادها, ودفعها إلى أم المقتول وأخيه, ولم يورث الأب منها شيئا لأنه قاتل.

ومن أصحابنا من جعل التغليظ ههنا الزيادة في الدية, فجعلها دية وثلثا, كما قال أحمد رضي الله عنه في تغليظ الدية بالحرم والإحرام والبلد الحرام.
ومنهم من قال: التغليظ أن تضعف الدية فتصير ديتين, كما قال أحمد رضي الله عنه في من قتل ذميا عمدا: أدرأ عنه القود؛ لأني لا أقتل مسلما بكافر, ولكني أغلظ عليه الدية, فألزمه دية رجل حر مسلم.
وكما قال في قاطع التمر والكثر من النخل إذا سرقه: أن لا يقطع وتضعف عليه القيمة ويؤدب.
وكذلك الجد أبو الأب وإن علا لا يقتل بابن ابنه, وابن الابن وإن سفل لا يقتل بجده.
وكذلك اختلف أصحابنا في الجد للأم يقتل ابن ابنته, وابن الابنة يقتل جده لأمه, هل بينهما قصاص أم لا؟ على وجهين: فقال بعضهم: لا يقتص من الجد للأم, كما لا يقتص من الجد للأب, تغلظ عليه الدية, ويقتص من ابن الابنة إذا قتل جده لأمه, كما يقتص من الابن إذا قتل أباه.
وقال بعضهم: لا يقتل أحدهما بالآخر, كما لا يقتل أب بابن, ولا ابن بأب.
ويقاد من سوى هؤلاء من ذي رحم محرم بصاحبه في القتل العمر إذا اجتمع الأولياء على طلب القصاص.
فإن قتل عبد حرا, فأولياء المقتول بالخيار بين قتل العبد وبين أخذ قيمته.
فإن أبى المولى أن يفديه لم يلزمه إلا تسليمه, فإن تسلمه الأولياء فلم يختاروا قتله واستحقوه, فهل يصير ملكا لهم أم يكون باقيا على ملك مولاه ويرد إليه؟ على روايتين.
فإن لم يختر الأولياء قتله واختاروا القيمة وبذلها السيد نُظر, فإن كانت دية العبد بقدر دية المقتول أو أقل, فالقيمة للأولياء قولا واحدا.
وإن كانت قيمة العبد أكثر من الدية, فهل يلزم المولى قدر الدية أم جميع قيمة العبد؟ على روايتين: قال

في إحداهما: ليس على السيد إلا الدية؛ لأن الأولياء إذا عفوا عن القود سقط, ولم يكن لهم أكثر من الدية.
وقال في الأخرى: قد استحق الأولياء رقبة العبد, فإذا اختار المولى أن يفديه, فعليه جميع قيمته قلت أو كثرت, أو يسلمه, كما لو كانت قيمة العبد بعض الدية لم يكن على السيد إلا القيمة قولا واحدا أو يسلمه.
فإن قتل عبد حرا فقال الأولياء: قد عفونا عن دمه وهو حر, لم يعتق بذلك, وكان باقيا على ملك سيده, ولا قود ولا قيمة على السيد, وروي عنه رواية أخرى أنه قال: أذهب إلى أن العبد إذا قتل عمدا يدفع إلى أولياء الدم, فإن شاؤوا قتلوه, وإن شاؤوا عفوا واسترقوه.
فوجه قوله في الرواية الأولى: إن عتق الأولياء له باطل, هو: إذا عفوا عن دمه قبل أن يسلمه المولى إليهم, لأنه في هذه الحال باق على ملك السيد, ما لم يختر الأولياء أخذه, لجواز أن يختاروا القيمة, فلا يستحقوا العبد.
وأما إذا اختاره الأولياء وسلمه السيد إليهم, فإنهم يملكون رقبته بالقبض.
وإذا ملكوه كان لهم قتله إن أحبوا, ولهم أيضا استحياؤه واسترقاقه.
ففي هذا الموضع إذا أعتقوا نفذ عتقه وصح.
وقد قيل عنه: إنهم إذا استحقوا دمه, فعفوا عن القتل لا إلى القيمة, كان باقيا على ملك السيد, فلا يصح عتق الأولياء له في هذه الحال.
لأن المستحق بقتل العمد هو النفس, وإنما ينتقل إلى الدية بمعنى آخر, والأول أظهر.
والذي بين ذلك من قوله, ما روي عنه في أمة قتلت ابنا لرجل, فسلمها سيدها إلى أبي المقتول ليقتلها, فوقع عليها وحملت منه, قال: لا شيء عليه, هي له.
فهذه أوجه الروايتين عندي.
وجراح العبد في قيمته يوم يصاب.
فإن قتل حر وعبد حرا قتلا به, إن كان القتل عمدا.
وإن قتلاه خطأ, فعلى روايتين: قال في إحداهما: على عاقلة الحر نصف دية المقتول.
فأما العبد فإن

اختار سيده تسلميه بجنايته فذا إليه, وإن لم يختر أن يسلمه, فداه بنصف دية المقتول, إلا أن تكون قيمته أقل من نصف الدية, فلا يلزم السيد إلا قدر قيمته.
والرواية الأخرى: قال في حر وعبد قتلا حرا خطأ: إن كان العبد يسوى نصف دية الحر لزم السيد أن يفديه بها أو يسلمه, وإن كان يسوى ألفا أخذ الأولياء من السيد ألفا, وكان باقي الدية عل عاقلة القاتل الحر.
فإن قتل حر وعبد عبدا عمدا, فلا قود على الحر قولا واحدا, وعليه نصف قيمة العبد في ماله.
وأما العبد, فإن شاء سيده فداه بنصف قيمة العبد المقتول, وإن شاء سلمه, ويتوجه أن يكون عليه نصف قيمة عبده لا نصف قيمة العبد المقتول.
وقد روي عنه: أن الخيار في أخذ القيمة أو العبد إلى الأولياء لا إلى السيد.
وروي عنه: بل الخيار للسيد دون الأولياء, وهذا صحيح.
أما إذا كان القتل عمدا, فالخيار للأولياء, وإذا كان خطأ, فالخيار لسيده, ويتوجه أن يكون الخيار للسيد في الوجهين جميعا؛ لأن الذي يستحقه الأولياء في قتل العمد رقبة العبد, وليس للسيد منعهم منه.
فإن قالوا: نختار القيمة.
كان السيد بالخيار بين أن يدفعها إليهم, أو لا يختار ذلك, فلا يلزمه إلا تسليم العبد.
فإن قطع رجل يد عبد وشجه آخر, ثم مات قبل الاندمال, ولا يعلم من أي الجنايتين تلف, فقيمته عليهما نصفين.
فإن قطع حر يد عبد وقتله آخر في الحال, فعلى قاتله قيمة كاملة, وعلى قاطع يده نصف قيمته في ماله.
فإن شج حر عبدا ثم أعتق, ثم شجه آخر, فمات قبل اندمال الجراحتين, فعلى الجاني الأول نصف قيمة العبد لمولاه, وعلى الجاني الثاني نصف دية حر لورثة العبد, فإن لم يكن له ورثة, فلمعتقه بالولاء.
فإن فقأ حر عين عبد فأُعتق العبد ثم مات من السراية, كان فيه قيمته للسيد ولا دية.
فإن قطع مسلم يد نصراني, فأسلم, ثم مات من السراية, فلا قود بينهما؛ لأن الجناية كانت وهو ممن لا قصاص بينه وبين مسلم, وعلى القاتل دية حر مسلم.

ويتوجه أن لا يكون فيه إلا نصف دية مسلم, كما قال في العبد يجرح, ثم يعتق, ثم يموت: إن فيه قيمته, وإن كان مات حرا.
وعلى قياس قوله في النصراني, يتوجه أن يكون في اعتبار ديات الجراح روايتان: إحداهما: حال الإصابة.
والثانية: حال السراية.
ولو جرح مسلم مسلما عمدا, فارتد المجروح, ثم أسلم, ثم مات من السراية, فالقصاص بينهما ثابت.
ولو قتل مرتد نصرانيا أقيد به.
ولو أمسكه رجل وقتله آخر قتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت في إحدى الروايتين, وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقال في الرواية الآخرى: يقتلان جميعا.
ولو ضربه بما الغالب أنه لا يقتل مثله فمات, لم يقتل به.
وإن ضرب بعض أعضائه بشيء لا يقطع مثله, فأتلف العضو اقتص منه.
قال بعض أصحابنا: لأن العضو يتلف بأيسر مما تتلف به النفس.
ولو قتل خنثى مشكلا لزمه نصف دية رجل ونصف دية امرأة.
وبه قال عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما.
وأولياء الدم: كل وارث بالغ, وصغير, وزوجة, وولد, وأخ, وأخت.
ولا قود حتى يختاروه جميعا.
ويُنتظر بالصغير البلوغ, وبالغائب القدوم, وبالمجنون أن يفيق.
وإذا مات من الأولياء من ليس له مطالبة بالقود في الوقت, كالصغير قبل البلوغ, والمجنون قبل الإفاقة, والغائب قبل القدوم, بطل القود, وصاروا إلى الدية.
ولو قتل عمدا وعليه ديون وله وصايا, فعفا الورثة عن القاتل صح عفوهم, ولم يكن لأهل الديون والوصايا منعهم.
قال بعض أصحابنا: لأن المال لا يملك

بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إن كان حيا, وبمشيئة ورثته إن كان ميتا.
ولا تقتل حامل حتى تضع حملها وتفطم ولدها, إلا أن يوجد له مرضعة.
ولو قتل رجل جماعة كان أولياؤهم بالخيار, إن أحبوا جميعا قتله قتلوه, ولم يكن لهم غير ذلك, وإن أحب أحد الأولياء القود, واختار أولياء الباقين الدية كانت الدية لمن اختارها, والقود لمن اختاره.
فإن قطع يد رجل, وقتل آخر, لم يقتل حتى يندمل الجرح, فإن اندمل اقتص منه للمقطوعة يده إذا اختار, ثم قتل بالآخر.
ولو قتل رجل رجلا عمدا, فعدا عليه بعض الأولياء فقتله, لم يكن عليه شيء, لأنه قتل من قد استحق دمه.
هذا إذا لم يكن قد عفا بعض الأولياء عن القود.
فإن قطع يد رجل من مفصل الكوع, فلم تندمل حتى قطعها آخر من المرفق ثم مات المجني عليه من السراية, كان القود على الجانيين جميعا في النفس, ولا يقطعان.
فإن اندمل الجرحان كان للمجني عليه قطع يد الجاني الأول من الكوع, ولم يكن بينه وبين الجاني الثاني قصاص, وكان له حكومة في إحدى الروايتين, والرواية الأخرى: له عليه ثلث دية يد؛ لأنه قطع ذراعا لا يد فيها.
ولو قتل رجل رجلا فاختار الأولياء القود, وتشاحوا فيه, فقال كل واحد منهم: أنا أتولى استيفاءه بيدي.
كان ذلك إلى الإمام يأمر من يشاء باستيفائه للأولياء.
ولو قطع بعض أعضائه, ثم شدخ رأسه فقتله, أو خنقه بحبل وما في معنى ذلك, فعلى روايتين: قال في إحداهما: القتل يأتي على ذلك كله فيقتل ولا يفعل به كما فعل.
وقال في الرواية الأخرى: إنه يفعل به مثل ما فعل ثم يقل.
فإن طرحه في النار فقتله, لم يطرح فيها, وقتل بالسيف.

ولو قطع أصبعه فسرت إلى كفه قطعت كف الجاني.
ولو اختار المجني عليه القصاص قبل الاندمال, فاقتص من الجاني فقطع إصبعه, ثم سرت الجناية الأولى إلى نفس المجني عليه أو كفه, لم يكن فيها قصاص؛ لأن رضاه بالقصاص قبل الاندمال إسقاط لما يحدث من السراية.
ولو جرحه موضحة فذهب منها شعره وعيناه, كان عليه القصاص في الموضحة, وكانت دية الشعر والعين على عاقلة الجاني.
قال ذلك بعض أصحابنا.
ويتوجه فيها: أن تكون الدية في مال الجاني, لأن ذهاب الشعر والبصر كان من السراية, والجنابة عمد.
وقال بعض أصحابنا أيضا: إنه يجب القصاص في العين أيضا إذا ذهبت من السراية, وهو أن يطرح فيها الكافور, أو تحمى له المرآة وتُدنى منها ليذهب البصر, ولا تقلع الجارحة.
ولو قطع يد رجل فيها إصبعان شلَّاوان, فلا قصاص بينهما, ويكون له دية اليد, يضع منها ثلثي دية إصبعين.
فإن كان فيها أصبعان مقطوعتين, فلا قصاص أيضا, ويكون عليه دية اليد يضع منها دية أصبعين.
فإن ضرب يده فأشلها فعليه دية اليد كاملة, كما لو ضرب عينه فذهب نظرها وهي قائمة: أن عليه ديتها.
فإن قطع يدا فيها ست أصابع, أو كان للقاطع ست أصابع لم يكن بينهما قصاص عند بعض أصحابنا.
قال: وكذلك لو قطع أنملة لها طرفان, فإن كان للقاطع مثل ذلك اقتص منه, وإلا كان له دية الأنملة, وحكومة للطرف الزائد.
فإن قطع أذنه فألصقها فالتحمت, فلا قصاص, وعلى الجاني حكومة.
فإن سقطت في أي حال علم أنها كانت ميتة, وكان القصاص فيها ثابتا, ويلزم المجني عليه إعادة كل صلاة صلاها من حين ألزقها إلى وقت سقوطها.
فإن قطع يده وقال الجاني: كان شلاء, وقال المجني عليه: بل كانت

صحيحة, فالقول قول المجني عليه, إلا أن يأتي الجاني ببينة على ما ادعاه.
ومن جُني عليه جناية عمد, فقال المجني عليه: عفوت عن جراحتي وما يحدث منها, فمات منها صح عفوه, ولم يكن للورثة قصاص, لما عفا صار لا حكم للجراحة, فلا حكم لما يحدث منها أيضا.
ولو كانت الجراحة خطأ, فقال: عفوت عن جراحتي وما يحدث منها, كان ذلك في ثلثه؛ وذلك أن المستحق بجراحة الخطأ هو المال, وليس له عند العفو على نفسه التصرف في أكثر من ثلثه, وجراحة العمد لا يستحق بها إلا القصاص, وهو حق له, فإذا عفا عنه سقط, ولأن الحد عندنا لا يورث مع عدم المطالبة به, فكيف يورث بعد العفو عنه؟ ولو جرح عبد حرا فمات, فابتاعه ولي الدم بأرش الجناية أو بغيرها, كان ذلك عفوا منه عن القود.
ولو شجه موضحة فاقتص منها, أو أخذ ديتها, فشجه آخر عليها بعد الاندمال فأوضحها, فلا قصاص, ولا دية, وفيها حكومة.
فإن قطع لسانه فأخذ ديته فنبت وعاد صحيحا, لزمه أن يرد الدية, وكان له أرش القطع.
فإن قطعه قاطع ثان, كان فيه القصاص أو الدية, ولا يشبه ذلك ما قلناه في الموضحة؛ لأن الجلد فيها لا يعود إلى ما كان عليه, واللسان يعود كما كان, فإن نبت لسانه ونقص بعض حروف الكلام رد الدية, واحتسب بقدر ما نقص من حروف المعجم.
فإن قطع قاطع لسانه ثانية, فلا قصاص فيها للنقصان, وله من الدية بحساب ما يكلم به من حروف المعجم.
ولو ضربه على سنه فاسودت, كان فيها حكومة, ولا قصاص؛ لأن منفعتها قائمة, كما لو ضربه على عينه فاسود بياض عينه, كان فيها حكومة ولا قصاص؛ لأن منفعة النظر باقية.
وقد قيل عنه: إذا شرب سنه فاسودت, كان فيها ثلث ديتها.
فإن قطع يد رجل من مرفقه أو من كفه أو كوعه, لم يكن فيها إلا دية واحدة,

فإن قطع أصابع إحدى يديه, كان فيها نصف الدية.
فإن قطع الكف بعد ذلك, كان فيها حكومة.
ولو صاح برجل فمات, كانت ديته على عاقلة الصائح.
ولو استعدى بالشرط على رجل فمات, كانت ديته على عاقلة المستعدي.
وعلى كل واحد من الصائح والمستعدي عتق رقبة مؤمنة في ماله.
فإن أمر رجل عبده بقتل رجل, فقتله, فعلى روايتين: قال في إحداهما: يقتل السيد ويخلد العبد في السجن.
قال: لأن العبد بمنزلة سوط السيد وسيفه.
وقال في الرواية الأخرى: يقتل العبد القاتل, ويؤدب السيد.
قال بعض أصحابنا: إن كان العبد أعجميا لا يعرف تحريم القتل قتل المولى, وإن كان العبد فصيحا يعرف تحريم القتل, فعلى روايتين.
فإن أمر حرا بقتل رجل ففعل, قتل القاتل دون الآمر, وأدب الآمر.
وقد يتوجه في الحر المأمور أيضا إن كان أعجميا لا يعرف تحريم القتل أن يُقتل الآمر, ويؤدب المأمور.
قال: فإن قتل عبد حرا خطأ, فعتقه السيد بعد علمه بجنايته نفذ عتقه, ولزم السيد دية المقتول في ماله.
وإن كان عتقه غير عالم بجنايته نفذ عتقه, ولم يكن عليه إلا قيمة العبد.
ومن أمر عبده أن يجرح رجلا ففعل, كان على السيد أرش الجناية, وإن كانت أكثر من قيمة العبد.
وإذا جنى العبد المأذون له في التجارة جناية, وادَّان دينا, ولحق بدار الحرب, لزم السيد ما ادان دون الجناية, إلا أن يكون أمره بالجناية, فيلزمه حكمها أيضا.
وجناية أم الولد في رقبتها, وعلى السيد أن يفديها بقدر قيمتها ليس عليه أكثر من ذلك, ولا يسلمها, فإن جنت جناية ثانية, فهل عليه أن يفديها أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: عليه أن يفديها كلما جنت.
وقال في الأخرى: ليس عليه أن يفديها ثانية, وجنايتها في رقبتها تُتبع بها إذا عتقت.

فإن حفر عبد بئرا في طريق المسلمين بغير أمر سيده, فوقع فيها آدمي فالجناية في رقبة العبد يفديه السيد أو يسلمه.
وإن كان حفرها بأمره, فما أصيب بتلك البئر فعلى السيد, كان ذلك بقدر قيمة العبد أو أكثر.
ومن استعان بعبد غيره بغير إذن سيده ضمنه.
وإن جنى العبد في حال اشتغاله بخدمته كانت جنايته على مستخدمه دون سيده, وعلى مستخدمه لسيده أجرة ما عمل.
ومن جرح عبدا جراحة قد وقتت ديتها من الحر, كان لسيده بحساب ذلك من قيمة العبد على الجاني, وما لم توقت ديته من الحر, كان في ذلك ما نقص من قيمة العبد.
ولا قصاص بين حر وعبد في نفس, ولا جراح, ولا بين مسلم وكافر.
وجراح أهل الذمة في دياتهم بحساب جراح المسلمين في دياتهم.
وإذا فقأ أعور عين صحيح عمدا, فلا قصاص بينهما, وعليه دية كاملة, وهو قول عمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.
وإذا كان فقأها خطأ لم يكن فيها إلا نصف الدية على عاقلة الجاني.
فإن فقأ عين أعور عمدا كان المجني عليه بالخيار, إن شاء أخذ دية كاملة, ولا قصاص, كذلك يروى عن عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم, وإن شاء اقتص منه وأخذ منه بعد القصاص نصف الدية.
واختلف قوله في رجل قطعت إحدى يديه في سبيل الله عز وجل, أو في غير ذلك, ثم عدا عليه من قطع يده الأخرى على روايتين: قال في إحداهما: المقطوعة

فصول الكتاب · 10 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل