كتاب الإيلاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو علي بن أبي موسى الهاشمي
- الكتاب
- الإرشاد إلى سبيل الرشاد
- المؤلف
- محمد بن أحمد بن أبي موسى الشريف، أبو علي الهاشمي البغدادي (المتوفى: 428هـ)
- المحقق
- د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
- الطبعة
- الأولى، 1419هـ - 1998م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فإن ترك ابنة أخت وعمة كان المال بينهما نصفين في إحدى الروايتين, كأنهما أخت وعم, وفي الرواية الأخرى: المال للعمة دون ابنة الأخت.
فإن ترك ابنة أخت وخالة, كان للخالة الثلث, ولابنة الأخت النصف, والباقي رد عليهما على قدر سهامهما, فيكون المال بينهما على خمسة أسهم, للخالة الخمسان, ولابنة الأخت ثلاثة أخماس.
فإن ترك ابنة أخ وابنة أخت, كان لابنة الأخ الثلثان, ولابنة الأخت الثلث.
فإن ترك ابنة ابن وابنة أخت, كان المال لابنة الابن بالفرض والرد, ولا شيء, لابنة الأخت.
فإن ترك ابنة أخت لأبوين, وابنة أخت لأب, وابني ابنة أخت أخرى, كان المال بين ابنة الأخت للأبوين وابنة الأخت للأب على أربعة أسهم بالفرض والرد: لابنة الأخت للأبوين ثلاثة أرباعه, ولابنة الأخت للأب ربعه, ولا شيء لابني ابنة الأخت الأخرى.
فإن ترك ابنتي عم وابني عمتين وخالا وخالة, فالثلثان بين ابنتي العم وابني العمتين للذكر مثل حظ الأنثيين في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: الثلثان بينهم بالسوية لا يفضل ذكرهم على أنثاهم, والثلث للخال والخالة بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين قولا واحدا.
فإن ترك ابنةَ ابنةٍ وابنةَ أخت, كان المال بينهما نصفين.
فإن ترك عمته وخالته, كان للعمة الثلثان, وللخالة الثلث, وكذلك لو ترك ابنة ابنة, وابنة أخ لأبوين أو لأب.
فإن ترك ثلاث عمات متفرقات, كان المال بينهن على خمسة أسهم, للعمة لأبوين ثلاثة أخماسه بالفرض والرد, وللعمة للأب الخمس, وللعمة للأم الخمس بالفرض والرد.
فإن ترك ثلاث خالات متفرقات, كان المال بينهن على خمسة أسهم بالفرض والرد على ما بينا.
فإن ترك ثلاث عمات متفرقات, وثلاث خالات متفرقات, فالثلثان بين العمات على خمسة أسهم, والثلث بين الخالات على خمسة أسهم.
فإن ترك أختا لأم وابنة أخ لأب وأم أو لأب, كان للأخت للأم السدس بالفرض, والباقي رد عليها, ولا شيء لابنة الأخ.
فإن ترك ولد خال وولد خالة, قال: أجعله بمنزلة أخ وأخت, المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وكذلك لو ترك ابنة عم وولد عمة.
وعنه رواية أخرى: أن المال بينهم بالسوية, لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.
فإن ترك ابنة ابنة وابنة أخ لأم, كان المال لابنة الابنة بالفرض والرد, ولا شيء لابنة الأخ للأم, لأن الأخ للأم لا ميراث له مع الابنة.
فإن ترك ابنة أخت وخالة, كان المال بينهما على خمسة أسهم بالفرض والرد, لابنة الأخت ثلاثة أخماسه, وللخالة الخمسان.
فإن ترك عمته وحدها, أو خالته وحدها, كان المال لها, وكذلك الخال إذا انفرد.
ولا يرث عبد إلا أن يكون فيه جزء من حرية, فيرث ويحجب بمقدار ما فيه من الحرية, وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد رواه ابن عباس رضوان الله عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن نصيبه من كل شيء بقدر العتق.
من ذلك: لو ترك أبا نصفه حر وأخا لأب حر, كان للأب النصف وللأخ النصف.
فإن كان مع الأب أخ لأم, كان للأب النصف وللأخ للأم نصف السدس, حجبه الأب عن استكمال السدس بما فيه من الحرية, والباقي للمولى.
ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ من دية ولا مال.
ولا يرث مسلم كافرا, ولا كافر مسلما إلا بالولاء خاصة, كرجل مسلم أعتق عبدا نصرانيا أو يهوديا ثم مات العبد ولم يخلف وارثا سوى مولاه الذي أعتقه.
فإن المسلم يرثه بالولاء.
قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: الولاء شعبة من الرق.
وهو قول علي بن أبي طالب, وابن عمر, وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم.
ولا ميراث للإخوة للأم, ولا لبني الإخوة للأبوين أو للأب, ولا للعم مع الجد للأب.
ولا يرث إخوة مع أب بحال.
وسواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم.
ولا يرث من لا يحجب, إلا الإخوة مع الأبوين, فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ولا يرثون.
والمطلقة في مرض الموت ثلاثا ترث قبل انقضاء عدتها وبعد انقضائها ما لم تتزوج, ولا يرثها الزوج.
وإن كان الطلاق أقل من ثلاث, ورثته قبل انقضاء العدة وبعد انقضائها, وورثها هو في العدة, ولم يرثها بعد انقضائها.
والصحيح إذا طلق أقل من ثلاث للمدخول بها, فمات أحدهما قبل انقضاء العدة لم يرثه الآخر.
ومن تزوج في مرضه نكاحا صحيحا توارثا فيه.
ولا ميراث لمرتدة, ولا لمختلعة, ولا لمخيَّرةٍ اختارت نفسها في مرض موت زوجها, ولا للمُمَلَّكة أمرها إذا جاء الفراق من جهتها, ولا لمن أحنثت زوجها في يمين كان حلفها عليها.
ومن طلق غير المدخول بها في مرض موته, كان لها مهر كامل والميراث, وعليها العدة أربعة أشهر وعشر.
وروي عنه رواية أخرى: لها نصف الصداق, ولا ميراث لها, ولا عدة علها.
وروي عنه: لها نصف الصداق والميراث, وعليها
العدة, وروي عنه رواية رابعة: لها الصداق كاملا والميراث, ولا عدة عليها.
وتورَّث الجدة للأم إذا انفردت السدس, لا تزاد عليه فرضا, وكذلك الجدة للأب.
فإذا اجتمعتا, فالسدس بينهما نصفين.
فإن كانت التي من قبل الأم أقعد, فالسدس لها قولا واحدا.
وإن كانت التي من قبل الأب أقعد, كان السدس بينهما في إحدى الروايتين.
وفي الرواية الأخرى: السدس أبدا للقربى من أي وجه كانت دون البعدى.
ولا ميراث لأكثر من ثلاث جدات.
فإذا اجتمعن, فالسدس بينهن بالسوية لا يُزدن عليه فرضا, وهن أم أم أم, وأم أم أب, وأم أب الأب.
وقد روى إبراهيم النخعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم من الجدات ثلاثا السدس: جدتَيْ أبيك, وجدة أمك من قبل أمها.
ولم يختلف قوله أن الأم تحجب جميع الجدات من أي وجه كن.
واختلف قوله في الأب: هل يحجب أمه أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: ترث الجدة أم الأب مع ابنها, لحديث الشعبي عن مسروق عن عبدالله في الجدة مع ابنها أنها أول جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنها حي, وبه قال عثمان بن عفان رضوان الله عليه.
وقال في الرواية الأخرى: إن الأب يحجب أمه عن الميراث, فلا ترث معه, كما حجبت الأم أمها عن الميراث.
وبذلك قال علي بن أبي طالب, وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.
وميراث الجد للأب إذا انفرد جميع المال.
وله مع الابن أو ابن الابن السدس, وكذلك مع البنين والبنات, وبني الابن وبنات الابن.
فإن كان مع الجد إخوة وأخوات قاسمهم الجد كأنه أخ, حتى يكون الثلث خيرا من المقاسمة,
فينفرد بالثلث.
فإن شركه غير الإخوة من ذوي السهام, فله السدس بالفرض, ولذي السهم سهمه, ثم ما بقي له.
فإن اجتمع الإخوة وذوو السهام مع الجد أخذ ذو السهم سهمه, ثم كان الجد مخيرا بين ثلاثة منازل فيما بقي, فيأخذ أفضلها له: إما مقاسمة الإخوة, أو ثلث ما بقي, أو سدس جميع المال, ولا ينقص من السدس أبدا.
والإخوة للأب معه كالإخوة للأبوين عند عدمهم.
فإذا اجتمع الإخوة للأب مع الإخوة للأبوين والجد عادُّوا الذين من قبل الأب والأم بالذين من قبل الأب, فمنعوه بهم كثرة الميراث, ثم كان الإخوة للأبوين أحق بذلك من الإخوة للأب.
بيانه: أن يجتمع أخ لأبوين وأخ لأب وجد, فيكون للجد الثلث, ولكل أخ الثلث, ثم يرجع الأخ للأبوين على الأخ للأب, فيأخذ ما في يده, فيصير له الثلثان.
فإن كان مع الجد أخ وأخت لأب وأم, أو لأب, كان للجد الخمسان, وللأخ الخمس, وللأخت الخمس.
فإن كان مع الجد أخت لأبوين, وأخت لأب, قسم المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين, فيكون للجد سهمان من أربعة, ولكل أخت سهم من أربعة, ثم ترجع الأخت للأبوين على الأخت للأب, فتأخذ ما في يدها لتستكمل النصف.
فإن كان مع الأخت للأب أخوها, قسمت الفريضة من ستة أسهم, للجد سهمان, وللأخ سهمان, ولكل أخت سهم, ثم ترجع الأخت للأبوين على الأخ والأخت للأب, فتأخذ ما في أيديهما تمام النصف, فتصبح المسألة من ثمانية عشر سهما, للجد سنة أسهم, وللأخت للأبوين تسعة أسهم, وللأخ للأب سهمان, وللأخت للأب سهم.
فإن كان مع الجد زوجة وابنة وأم وأخت, كان للزوجة الثمن, وللابنة النصف, وللأم السدس, وللجد السدس, وللأخت ما بقي.
فإن ترك ابنة وأما وثلاث أخوات وجدا, كان للابنة النصف, وللأم السدس, وللجد السدس, وللأخوات ما بقي.
فإن كان مع الجد زوجة وأم, كان للزوجة الربع, وللأم الثلث, وما بقي للجد.
فإن كان مع الجد زوجة وأم وأخ, كان للزوجة الربع, وللأم الثلث, وما بقي فبين الجد والأخ نصفين.
فإن ترك زوجة وأما وجدا وأختا, فللزوجة الربع, وللأم الثلث, وما بقي فبين الجد والأخت, للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك زوجة وأما وأختين, وجدا, كان للزوجة الربع, وللأم السدس, وما بقي بين الجد والأختين, للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن تركت زوجا وأخا وجدا, كان للزوج النصف, وما بقي بين الجد والأخ نصفين.
فإن كان زوجا وأختا وجدا كان للزوج النصف, والباقي بين الجد والأخت, للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن تركت زوجا وجدا وأختين, كان للزوج النصف, وما بقي بين الجد والأختين, للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإذا اجتمع من سمي له سهم معلوم في كتاب الله تعالى, وكانت سهامهم أكثر من المال أُدخل الضرر عليهم كلهم, وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم.
ولا يعاول لأخت مع جد إلا في الأكدرية وحدها, وهي: امرأة تركت زوجا وأما وأختا لأبويها, وجدا لأبيها, فللزوج النصف, وللأم الثلث, وللجد السدس, وللأخت النصف, ثم يجمع الجد مع نصف الأخت, فيقسم ذلك بينهما
على ثلاثة أسهم, للجد سهمان, وللأخت سهم, فتصح من سبعة وعشرين سهما: للزوج تسعة أسهم, وللأم ستة أسهم, وللجد ثمانية أسهم, وللأخت أربعة أسهم.
ولا يُفرض للجد مع الأخوات في غير هذه المسألة.
فإن تركت أما وأختا, وجدا, كان للأم الثلث, والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم, للجد سهمان, وللأخت سهم.
وهذه المسألة تسمى الخرقاء.
فإن كانت بنتا وأختا وجدا, كان للابنة النصف, والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم, للجد ثلثاه, وللأخت ثلثله.
فأما الخنثى المشكل, فله نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى, فأما إن سبق البول من أحد الفرجين, فإن له حكمه وليس بمشكل, فإن لم يظهر ذلك بالبول نُظر, فإن حاضت كانت امرأة, وإن أنزل المني كان رجلا, وإن نبتت لحيته فهو رجل, وإن سقط ثدياه فهو امرأة, وإن طلب النساء كان رجلا, وإن طلب الرجال كانت امرأة, وزال الإشكال, فإن عدم جميع ذلك اعتبر بعدد الأضلاع, فإن كانت أضلاعه ستة عشر ضلعا كان رجلا.
وإن كانت سبعة عشر ضلعا كانت امرأة.
كذلك قال الحسن البصري رضي الله عنه.
فإن كان أطلس الجنبين كان مشكلا.
فلو توفي رجل وخلف ابنتين, إحداهما خنثى مشكل, كان للابنة التي لا إشكال فيها الثلث, وكان للخنثى المشكل النصف, والباقي للعصبة.
فإن لم يكن عصبة, كان الباقي ردا عليهما على قدر سهامهما, فتكون التركة بينهما على خمسة أسهم, للخنثى ثلاثة أسهم, وللابنة سهمان.
فإن ترك خنثى وأبوين, فالمسألة من اثني عشر سهما, للخنثى سبعة منهم, وللأم سهمان, وللأب ثلاثة أسهم.
وبيان ذلك: أن فرض الأم السدس, وللخنثى النصف بمنزلة أنثى, وللأب السدس سهمان, ويبقى سهمان, فهما في حال للأب لو كان الخنثى أنثى, وفي حال هما للخنثى لو كان ذكرا.
فلما أشكل كان السهمان بينه وبين الأب نصفين, له سهم وللأب سهم.
ولا ميراث للحميل, وهم: السبي يُسلمون, فيقر بعضهم لبعض بالنسب, أو يدعي بعضهم نسب بعض, فإنهم لا يصدقون, ولا يقبل منهم إلا ببينة عادلة.
وهو قول عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.
فأما اللقيط فهو حر, وولاؤه لجماعة المسلمين, وميراثه في بيت مال المسلمين.
هذا هو المنصوص عنه.
وحكى بعض شيوخنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ولاؤه للملتقط.
قال: وروي عن أحمد نحو ذلك.
والأول هو الصحيح.
واختلف قوله في ميراث الملاعِنة من ابنها على روايتين: قال في إحداهما: جميع ميراثه لأمه, فن ماتت قبل فعصبته عصبة أمه.
واحتج لذلك بما رواه عبيدالله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للملاعِنة بجميع ميراث ولدها لما أصابها فيه من النصب.
والرواية الأخرى: أن لأمه الثلث من ميراثه والباقي لعصبة أمه.
من ذلك: لو أن ابن ملاعنة توفي وخلف أمه وخاله أخا أمه لأبويها أو لأبيها, كان للأم الثلث, وللخال الثلثان.
واحتج لذلك بما رواه شريك عن أبي بكر بن أبي الجهم عن خُليد بن سلمى قال: انتفى مني خباب فرافعته أمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال: فلاعن بينهما عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وألحقني بأمي, وقال: عصبته عصبة أمه.
فنُسبت إلى أمي
سلمى.
والأول عنه أظهر.
فإن كانت مولاة كان لها الثلث, والباقي لمواليها في إحدى الروايتين, وفي الأخرى جميع المال لها.
فإن ماتت أمه قبله, فميراثه لموالي أمه.
فإن ترك ابن الملاعنة خاله وخالته, كان المال للخال دون الخالة, لأنه العصبة دون أخته.
فإن ترك ابنة, وابن ابن, فللابنة النصف, ولابن الابن ما بقي.
وإن ترك ابنته, وأمه, وأخاه, وأخته, فللابنة النصف, وللأم السدس, والباقي للأم بالتعصيب لا بالرد.
فإن ترك ابنته, وأخته, وأخاه, فللابنة النصف, وما بقي فللأخ دون أخته, لأن الابنة تحجب ولد الأم, وأما الأخ فيرث بالتعصيب, لأنه عصبة الأم, والأخت ليست عصبة, كما قلنا في ابنة وابن عم هو أخ لأم: إن للابنة النصف, والباقي له بالتعصيب, فتحجبه الابنة من جهة الفرض, ويرث من جهة التعصيب.
فإن ترك جده وجدته, وخاله وخالته, كان للجدة السدس, والباقي للجد أبي الأم في هذا الموضع.
ولو ترك خال أمه, وخالتها, وجدتها, ومولاها الذي أعتقها, كان للجدة السدس, والباقي رد علياه, لأنها ذات سهم, وذو السهم عنده أحق ممن لا سهم له.
قال إسحاق بن منصور: أخبرنا أحمد بن حنبل, قال: حدثنا معاذ عن أشعث عن الحسن, قال: لا ترث النساء الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن, إلا الملاعنة, فإنها ترث من أعتق ابنها الذي انتفى منه أبوه.
قال أحمد رضي الله عنه: ما أحسن ما قال.
فإن ترك أمه وأخاه, فلأمه الثلث, ولأخيه السدس, والباقي للأم بالتعصيب.
فإن ترك أخاه وأخته.
كان الثلث بينهما نصفين بالسوية, ثم الباقي للأخ دون أخته؛ لأنه عصبة الأم.
وميراث ولد الزنى كميراث ولد الملاعنة, وهو قول علي, وعبدالله بن مسعود, ومعاذ بن جبل, وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم.
فإن ادعاه مدع فأقرت الأم له به, لم يلحقه بالدعوة ولم يرثه, لا أعلم فيه اختلافا في السلف, لقوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما رجل اعترف بولد حرة, أو أمة لا يملكها, فهو ولد زنى, لا يرث ولا يورث".
ولا ميراث لمرتد, ومن أسلم على ميراث قبل أن يقسم ورث في إحدى الروايتي, ولا يرث في الرواية الأخرى.
قال: لأن المواريث قد وجبت لأهلها.
وكذلك العبد يعتق على الميراث قبل أن يقسم يرث في إحدى الروايتين, ولا يرث في الأخرى.
ومن ارتد وقُتل على ردته, أو مات عليها, كان ماله فيئا لبيت مال المسلمين.
وكان بعض شيوخنا يرى أن ماله لورثته المسلمين.
والأول هو المنصوص عنه.
ولا ميراث للقاتل من الدية, ولا من المال, وسواء كان القتل عمدا أو خطأ, لما رواه عمر بن الخطاب, وأبو هريرة, وعمرو بن العاص, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لقاتل ميراث".
فإن شهد أربعة على أختهم بالزنى فرجمت, لم يكونوا قاتلين, وورثوها, وكذلك لو شهدوا عليها ورجموها مع من رجمها, ورثوها.
وكذلك الزوج يزني ويرجم, ترثه زوجته وإن رجمته, والمرأة تزني, فترجم يرثها زوجها وإن رجمها.
ومن ضرب ابنه ضربا يسيرا على وجه التأديب فمات, لم يرثه, فإن كان به جرح احتاط إلى بطِّه فبطَّه, فمات, فهل يرثه أم لا؟ على وجهين.
والجنين إذا سقط حيا واستهل, ورِث ووُرِث.
فإن لم يستهل لم يرث ولم يورث, لما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبدالله والمسور بن مخرمة, قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا", واستهلاله: أن يبكي, أو يصيح, أو يعطس.
ومن مات وترك حملا لم يقسم الميراث حتى تضع الحمل, فإن اختاروا قسمته قبل الوضع, فأقل ما يوقف حق ذكرين ثم يقسم الباقي.
ولو كان في الورثة من يدخل الحمل عليه نقصا من فرض إلى فرض, فطلب ميراثه أعطي أقل النصيبين, كالزوجة تعطى الثمن, والزوج الربع, والأم السدس, والأب يعطى السدس, لأن ذلك لهم مع وجود الولد, ويُمنعون ما يُعلم أن الولد يحجبهم عنه إلى أن تضع المرأة ما بها من الحمل.
وكل شخص أدلى بقرابتين إلى الميت, متى اجتمعتا فيه لم تُسقط إحداهما الأخرى, ويرث بكل واحدة منهما إذا انفردت فيه, وإن يرث بهما جميعا إذا اجتمعتا فيه, كمجوسي ترك أخته وهي أمه, فإنها ترث بأنها أم الثلث.
وبأنها أخت النصف, ويكون الباقي للعصبة, فإن عدموا كان ردا عليها.
فإن تركت مجوسية ابنتها, وهي أختها, كان لها النصف بأنها ابنة, والباقي بأنها أخت, لأن الأخوات عصبة البنات.
فإن تركت ابنتها, وهي ابنة ابنها, كان لها النصف بأنها بنت, والسدس بأنها ابنة ابن تكملة الثلثين, والباقي للعصبة, فإن عُدموا رُد ذلك عليها.
فإن ترك مجوسي أخته, وهي زوجته, ورثت بأنها أخت, ولم ترث بالزوجية شيئا, لأن الزوجية لو انفردت فيها لم ترث بها إجماعا.
بيانه: أن يتزوج مجوسي أخته, وله ابن من غيرها, ثم يموت, فإن الابن يحجبها عن الميراث بالنسب, ولا ترث بالزوجية شيئا بالاتفاق.
ولو تزوج مجوسي ابنته فرُزق منها ابنتين ثم مات, كان للبنات الثلاث الثلثان, والباقي للعصبة.
فإن ماتت إحدى البنات, وخلفت أمها, وهي أختها لأبيها, وأختها لأبيها وأمها, كان لأختها لأبويها النصف, ولأختها التي هي أمها السدس, بأنها أم حجبت نفسها بنفسها عن الثلث إلى السدس, ولها السدس, بأنها أخت لأب, والباقي للعصبة.
فإن تزوج مجوسي بأمة فرزق منها ابنتين ثم توفي, كان للابنتين الثلثان وللأم السدس, والباقي للعصبة.
فإن ماتت إحدى الابنتين وتركت أختها, وهي خالتها, وأمها, وهي جدتها, كان لأختها النصف, ولأمها الثلث بأنها أم, ولا ترث بأنها جدة شيئا؛ لأنها حجبت نفسها بنفسها.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه كان يورث المجوس من وجه واحد بالحلال, وهو أقوى القرابتين.
والأول عنه أظهر وأصح وأشهر, لأنه قول عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم, وبه أقول.
وكذلك من أدلى من المسلمين بقرابتين من النسب, أو من السبب يورث بإحداهما بالفرض وبالأخرى بالتعصيب, ورث بهما جميعا, كرجل مات وترك
ابني عم أحدهما أخ لأم, فإن لابن العم الذي هو أخ لأم السدس بالأخوة, والباقي بينه وبين ابن العم الذي ليس بأخ نصفين.
وبذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكالمرأة تموت وتخلف ابني عم, أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها, قال: لزوجها النصف, ولأخيها لأمها السدس, ثم الباقي بينهما نصفين.
وبه قال زيد بن ثابت.
فلو ترك ابني عم, أحدهما أخ لأم, وابنة, كان للابنة النصف, والباقي لابني العم بينهما نصفين بالتعصيب, ولا يرث بالأخوة شيئا, لأن الأخ للأم يسقط مع الابنة.
فأما ميراث أهل الملل بعضهم من بعض, فإن الأظهر عنه: أن الكفر كله ملة واحدة, وأنه يورث اليهودي من النصراني, والنصراني من اليهودي.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا القول, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "الناس حيز ونحن حيز".
وقال بعض أصحابنا: إن الأديان أربعة, وإن كل ملة من الكفر لا ترث الأخرى.
قال: وكذلك مخرج عندي على المذهب.
قال: وكل من لا كتاب له ملة واحدة.
والأول أظهر عنه وأصح.
وقال بعض أصحابنا: فإذا ورثنا بعضهم من بعض لم نورث أهل الذمة من أهل الحرب, ولا أهل الحرب من أهل الذمة, وهذا الصحيح.
فأما الأسير من المسلمين فإنه يرث ويورث.
والكلالة عنده: من عدا الوالد والولد من سائر الورثة.
وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وعبدالله بن عباس, وعبدالله بن مسعود, وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
وقال بعض أهل العلم: الكلالة في اللغة: هو قول الرجل: قد كللت, فأنا كلُّ وكلالة, أي جللوه وأحاطوه به بنسبهم, ومنه سمي الإكليل إكليلا؛ لإحاطته بالرأس وتجلله إياه, فسمي المنعطفون على الرجل بأرحامهم كلالة؛ لتكللهم واجتماعهم في قرابة واحدة.
وأنشد عمرو بن أبي عمرو الشيباني يمدح بني هاشم:
ورثتم قناة المُلك غير كلالة عن ابني منافٍ عبد شمس وهاشم
وقال بعض أهل اللغة: الكلالة من القرابة: من انتسب إليك.
كما انتسبت إليه, كالإخوة وبني العمومة.
وقال أبو عبيدة: هو مصدر من كلله النسب, أي: أحاط به.
والأب والابن طرفان, فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه, فسمي ذهاب الطرفين كلالة.
ومنه قيل: كلَّ السيف, إذا ذهب حده, وكل البصر؛ إذا أدام نظره, فقيل: كل النسب؛ إذا لم يكن فيه والد ولا ولد, أي ضعف.
فأما الموتى بالغرق, أو تحت الهدم, ولا يعلم أيهم مات قبل صاحبه, فإنه ورث بعضهم من بعض من تِلاد أموالهم دون ما ورثوه بعضهم من بعض.
وبذلك قال عمر بن الخطاب رض الله عنه, وهو في إحدى الروايتين عنه.
وهو قول علي بن أبي طالب.
وإياس بن عبدالمزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبه قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
من ذلك: لو أن أخوين غرقا, أو انهدم عليهما بيت, ولكل واحد منهما ابنة, وتركا ثمانية دراهم بينهما, ورثنا ابنة أحدهما من أبيها النصف مما ترك وهو درهان, وجعلنا الباقي وهو درهمان لأخيه الميت, ثم ورثنا بنت الآخر من مال أبيها الذي خلفه دون ما ورثناه من أخيه النصف, وهو درهمان من أربعة دراهم,
وجعلنا الدرهمين الباقيين لأخيه الميت, ثم ورثنا ابنة كل واحد منهما مما جعل في يد أبيها النصف, وهو درهم, فيصير في يد كل ابنة ثلاثة دراهم, وما بقي في يد كل واحدة من الميتين, وهو درهم واحد, فهو للعصبة, لأننا لا نورث أحدا منهما من شيء ورثه عن صاحبه.
ولا يختلف القول عنه في وجوب الرد على أهل الفرائض الوارثين بالنسب عند عدم العصبة, فيرد على كل واحد يرث بقدر سهمه.
فأما من ورث بسبب, فإنه لا يرد عليه شيئا, ولا يزاد على فرض المسمى له, كالزوج والزوجة.
ولا يختلف قوله في صحة العول والقول به, ونحن نوضحه في باب الحساب وتصحيح المسائل إن شاء الله.
ومن تزوج في مرض موته تزويجا صحيحا, ورثته المرأة.
ومن طلق في مرض موته ثلاثا, ورثته الزوجة ما كانت في العدة, وبعد انقضائها ما لم تتزوج, فإن تزوجت فلا ميراث لها, وإن ماتت قبله لم يرثها.
وإن كان الطلاق أقل من ثلاث في المرض, فأيهما مات قبل صاحبه وقبل انقضاء العدة ورثه الآخر.
فإن ماتت المرأة بعد انقضاء العدة لم يرثها الزوج, وإن مات هو بعد انقضاء عدتها قبل أن تتزوج ورثته.
وإن كان الطلاق في الصحة توارثا جميعا قبل انقضاء العدة, ولم يرث واحد منهما صاحبه بعد انقضاء العدة.
وقد ذكرت ذلك في باب الطلاق.
باب معرفة أصول المسائل وشيء من الحساب
يخرج حساب الصلب من سبعة أصول: منها ثلاثة تعول, وأربعة لا تعول.
فإذا كان في المسألة نصف ونصف, فأصلها من اثنين, وإذا كان فيها ثلث وثلثان, فأصلها من ثلاثة, وإذا كان فيها ربع وما بقي, أو ربع ونصف وما بقي فأصلها من أربعة.
وإذا كان فيها ثمن وما بقي, أو ثمن ونصف فأصلها من ثمانبة.
وهذه الأصول التي لا تعول.
وإذا كان في المسألة نصف معه ثلث أو سدس, فأصلها من ستة, ويعول هذا الأصل إلى سبعة, أو ثمانية, أو تسعة, أو عشرة.
فإذا كان في المسألة ربع معه ثلث أو سدس, فأصلها من اثني عشر, وتعول إلى ثلاثة عشر, وخمسة عشر, وسبعة عشر.
وإن كان فيها ثمن معه ثلث, أو سدس, فأصلها من أربعة وعشرين, وتعول إلى سبعة وعشرين, ولا تعول إلى أكثر من ذلك.
وإذا ألقيت عليك مسألة فانظر أهي من اللاتي تعول, أو من اللاتي لا تعول.
فإن استقامت غير منكسرة, فاقسمها, وإن انكسرت ولم تنقسم سهام فريق عليهم, فاضرب عددهم في أصل الفريضة وفيما عالت إليه إن كانت عائلة, مثل امرأة وأخوين, فللمرأة الربع سهم, وللأخوين ثلاثة أسهم لا تنقسم عليهما فاضرب اثنين في أصل المسألة تكن ثمانية, ومنها تصح, للمرأة سهمان ولكل أخ ثلاثة أسهم.
وإن وافق سهامهم عددهم فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة, مثل امرأة
وستة إخوة؛ للمرأة الربع سهم, وللإخوة ثلاثة أسهم توافقهم بالأثلاث, فاضرب ثلث عددهم, وهو اثنان في أصل الفريضة تكن ثمانية.
فإن لم تنقسم سهام فريقين أو أكثر, فاضرب أحد الفريقين في الآخر, ثم ما اجتمع في الفريق الثالث, ثم ما اجتمع في أصل المسألة, مثل: ثلاثة نسوة وأخوين, فاضرب النسوة في الأخوين تكن ستة, ثم في المسألة تكن أربعة وعشرين, ومنها تصح.
فإن تساوت الأعداد أجزأ أحدها على الباقي, مثل: امرأتين وأخوين, فاضرب اثنين في المسألة, فإن كان أحد العددين يخرج من الآخر, أغناك الأكثر عن الأقل, مثل: أربع نسوة وأخوين, فالأخوان نصف الأربعة, فاضرب الأربعة في المسألة تكن ستة عشر سهما, ومنها تصح.
فإن وافق أحد العددين الآخر, ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر في صحيح المسألة, مثل: أربع نسوة وأخت وستة أعمام.
فالستة توافق الأربعة بالأنصاف, فاضرب نصف أحدهما في الآخر, ثم في أصل المسألة, تكن ثمانية وأربعين سهما, ومنها تصح.
فإذا أردت قسمة التركة, فاضرب سهام كل وارث في التركة, ثم اقسم ما اجتمع على ما صحت منه الفريضة, فما يخرج, فهو نصيبه, مثل: زوج وأم وأختين, للزوج النصف ثلاثة أسهم, وللأم السدس سهم واحد, وللأختين الثلثان أربعة, فأصلها من ستة, وتعول إلى ثمانية.
فإن كانت التركة عشرين دينارا, فاضرب سهام الزوج في عشرين تكن ستين, واقسمها على الثمانية يخرج له سبعة دنانير ونصف, وللأم سهم في عشرين مقسوم على ثمانية يخرج لها ديناران ونصف, ولكل أخت سهمان في عشرين تكن أربعين مقسومة على ثمانية يخرج لها خمسة.
ومن صولح على شيء فأخذه بميراثه, فأسقط سهامه من الفريضة, واقسم باقي التركة على سهام الباقين.
مثاله: زوج وأم وأخ, والتركة ثلاثون دينارا وثوب, صولح الزوج على الثوب, الفريضة من ستة, أسقط سهام الزوج, بقي ثلاثة أسهم؛ سهمان للأم, وللأخ سهم.
فاضرب سهمي الأم في الثلاثين تكن ستين, واقسمها على ثلاثة, يخرج لها عشرون دينارا, وللأخ سهم في ثلاثين مقسوم على ثلاثة, يخرج له عشرة دنانير.
باب المناسخات
فإن مات ميت فلم يقسم ميراثه حتى مات بعض ورثته فانظر, فإن كان ورثة الميت الثاني هو ورثة الميت الأول, ويرثون منه مثل ما ورثوا من الأول, فاجعل الميت الأول كأنه مات آخرهم, وألق من بعده, وكذلك في الميت الثالث والرابع وما زاد على ذلك, واقسم ما ترك الميت الأول على من بقي من الورثة, كرجل توفي وترك أربعة بنين وأربع بنات, مات أحد البنين, ثم ماتت ابنة, ثم مات ابن, ثم ماتت ابنة, ثم مات ابن, ثم ماتت ابنة, وجميعهم لأب وجد وأم واحدة, فجميع الميراث بين الابن والابنة الباقين للذكر مثل حظ الأنثيين, لأن ميراثهم في جميع المواريث كذلك, ليس معهم من غيَّر الفريضة ولا حجبهم عن بعضها, فلم يحتج فيها إلى ضرب.
فأما إذا كان الهالكون من غير هذا الجنس, فانظر في فريضة الهالك الأول ومن فيها من الورثة, فخذ سهامهم حتى تتفق من أقل من تخرج منها واحفظها, ثم انظر في الفريضة الثانية فاعلم ما فيها من الورثة, فخذ سهامهم حتى تتفق بينهم من أقصر ما تخرج وأقربه, ثم انظر هل لما أصاب الميت الثاني في ميراث الميت الأول جزء يوافق سهام فريضته؟ مثل أن يوافق بالأنصاف, أو الأثلاث, أو الأرباع.
فإن كان كذلك, فاضرب وفق فريضة الثاني في أصل فريضة الميت الأول, فمنها تصح.
وإن لم تكن كذلك, فاضرب جميع فريضة الميت الثاني في أصل فريضة الميت الأول, فما يصح منها فاقسم منه فريضة الميت الأول ثم فريضة الميت الثاني.
وكذلك إن كان ثالثا ورابعا فلم يوافق, فاضرب جميع فريضة الميت الثالث فيما استقر في يدك من سهام الميت الأول والثاني, ثم اعمل في الميت الرابع والخامس, وما زاد على ذلك, ثم اقسم كما وصفت.
من ذلك: لو هلك هالك وترك أبويه, فمات الأب قبل قسمة التركة, ففريضة الابن من ثلاثة أسهم, وفريضة الأب من أربعة أسهم, فلم ينقسم ما ورث الأب من ابنه على فريضته, ولما ورث نصف ولفريضته نصف, فاضرب نصف فريضته, وهو سهمان في فريضة الابن, وهي ثلاثة أسهم, تكن ستة أسهم, للأم من ذلك الثلث سهمان, وما يبقى وهو أربعة أسهم للابن.
توفي عنها وترك زوجته, لها من ذلك الربع سهم, وما بقي للعصبة.
وقد يمكن اختصار مثل هذا, لأن الذي حصل في يد الأم ثلاثة أسهم, سهمان من قبل ابنها, وسهم من قبل زوجها.
وفي يد العصبة ثلاثة أسهم ورثوها عن الأب, وهي متفقة بالأثلاث, فاجعل الفريضة من ثلثها, فتصير من سهمين, للأم نحو الثلث والربع سهم, والعصبة ثلاثة أرباع الثلثين سهم.
وعلى هذا فاعمل فيما يأتي من مثل هذا الباب.
فأما الباب الآخر الذي لا يوافق؛ فكرجل هلك وترك ثلاث بنات, أمهم واحدة, فلم تقسم التركة حتى ماتت إحداهن, ثم ماتت أخرى قبل القسمة, ففريضة الميت الأول من ثلاثة أسهم, للبنات منها الثلثان سهمان, وذلك غير منقسم, ولا موافق, فاضرب عدد البنات, وهو ثلاثة في أصل الفريضة, وهو ثلاثة, تصبح من تسعة أسهم, للبنات منها الثلثان ستة أسهم, لكل واحدة سهمان, والباقي وهو ثلاثة أسهم للعصبة, ماتت إحدى البنات عن سهمين, فلأختيها من تركتها الثلثان, غير منقسم عليهما ولا موافق, وأصل فريضتها من ثلاثة أسهم, فاضرب أصل فريضة الابنة الميتة, وهو ثلاثة, في أصل فريضة الميت الأول, وهو تسعة, تصير سبعة وعشرين سهما, ثلثاها للبنات الثلاث, وهو ثمانية عشر سهما, لكل واحدة ستة أسهم, والباقي وهو تسعة أسهم للعصبة.
ماتت إحدى البنات عن ستة أسهم, لأختيها من ذلك الثلثان أربعة أسهم, لكل واحدة سهمان, ولها ميراثها عن أبيها ستة أسهم, فيصير لها بالميراثين ثمانية أسهم.
فإذا توفيت واحدة منهما وخلفت أختها, فلأختها النصف أربعة
أسهم, والباقي وهو أربعة أسهم للعصبة, فيصير للأخت الباقية بالمواريث الثلاثة عن أبيها وأختيها اثنا عشر سهما, ويصير للعصبة بالمواريث الثلاثة خمسة عشر سهما, تسعة عن الأخت وسهمان عن الابنة الميتة أولا, وأربعة عن الميتة أخيرا.
فإن كانت العصبة جماعة, فدعها على ما قسمتها من سبعة وعشرين سهما, وإن كان واحدا وأردت الاختصار, فإنه لما اجتمع للعصبة ثلث صحيح, وهو خمسة, ولما اجتمع للابنة ثلث صحيح, وهو أربعة, فاجعل الفريضة من ثلثها, وافعل فيما يأتيك من هذا الباب كذلك ترشد إن شاء الله.
باب الحجر
قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ الآية [النساء: 5 - 6].
ففي الآية الأولى دلالة على جواز الحجر على الكبير السفيه, وفي الثانية دلالة على جواز الحجر على الصغير.
وقد روي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه أنه قال: ويحجر على السفيه.
وهو مذهب عثمان, وعلي, والزبير, رضوان الله عليهم.
قيل لأحمد ابن حنبل رضي الله عنه: ويُحجر على الرجال؟ قال: أي لعمري, لولا الحجر لذهب أموال الناس.
وبيع المحجور عليه, وهبته, وشراؤه, وصدقته, باطل قولا واحدا.
وإقراره بالحقوق لا يصح إذا كان الحجر عليه لسفه.
وفي عتقه روايتان: إحداهما: لا يقع عتقه ولا ينفذ, والرواية الأخرى: يقع؛ لأنه استهلاك.
وطلاق المحجور عليه يقع, وإقراره بما يوجب حدا, أو قصاصا يلزمه.
وعقوده كلها في حال الحجر عليه غير جائزة, إلا في النكاح إذا كان محتاجا إليه.
وشراؤه للشيئ اليسير بالدرهم ونحوه جائز.
ولا يحجر على أحد من السفهاء غير الحاكم إلا الأب, فله الحجر على ابنه
السفيه, وإن كان بالغا, حاكما كان الأب أو غير حاكم.
وقد روي عنه في الأب إذا كان خرفا أو سفيها: أن للابن أن يحجر عليه.
وذلك محمول من قوله: إذا كان الابن حاكما.
قال: ومن أنفق ماله في الفساد وفي ابتياع المغنيات رأيت أن يحجر عليه, ويُمنع من ذلك أشد المنع.
فإن كان يشتري الجواري للتسري والتمتع بهن, لم يمنع من ذلك.
ولم يختلف قوله في الغلام إذا بلغ الحلم وأونس منه الرشد: أنه يدفع إليه ماله إذا اختاره, ويُفك حجره كما قال الله تعالى.
وإن استظهر عليه بعد بلوغه بالحول والحولين, ليختبر ويظهر منه ما يستدل به على إيناس رشده فلا بأس.
وإن دفع إليه شيئا من ماله بعد البلوغ لبتجر به, وينظر كيف ضبطه وحفظه لماله, ثم يفك حجره بعد ظهور رشده كان حسنا, اتباعا لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: 6] وهو الاختبار لهم.
ويُشهد عليه إذا دفع ماله إليه, كما قال الله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء: 6].
فأما الجارية إذا كانت محجورا عليها, فبلغت, وأُنس بها الرشد, فهل يدفع إليها مالها, كما قال في الغلام أم لا؟ اختلف قوله فيه, والظاهر عنه: أن حكم الجارية حكم الغلام.
قال: وينبغي أن يحفظ عليها مالها, وقل امرأة يقع في يدها شيء إلا وأفسدته.
قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: 5] النساء والصبيان.
فينبغي أن يحفظ عليها.
واحتج لذلك بحديث هشيم عن زكريا عن الشعبي عن شريح قال: عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا أجيز
لجارية عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولا, أو تلد بطنا, وهذا من قوله محمول على الاختبار والاحتياط, لأن الغالب من أحوال النساء قلة الضبط.
فأما من تحقق رشدها, وعرف صلاحها, وضبطها, وحفظها لمالها, وإصلاحها له, فإنه يدفع إليها عند وجود ذلك منها وظهوره عنها, نكحت أم لا, ولدت أو لم تلد.
ولا معنى لقول من يقول: إذا تم الغلام خمس وعشرون سنة فقد خرج من الحجر, لأنه هذا يوجب أن يدفع إليه ماله, وإن كان سفيها, والله تعالى نهى عن ذلك.
قال أحمد ابن حنبل رضي الله عنه: لا يدفع إليه حتى يؤنس منه الرشد وإن شمط.
فأما العبد المحجور عليه؛ فمن عامله عالما بحاله, فهو المتلف لماله, ولا مطالبة له عليه ما دام رقيقا, فإن عتق أتبعه به.
ومن عامل عبدا مأذونا له في التجارة وداينه كان ذلك على مولاه, لأن عليه غرمه.
ويلزمه جميع ما يثبت على العبد من الديون, وإن كان ذلك أكثر من قيمته في الأظهر عنه.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه لا فرق بين أن يكون العبد مأذونا أو غير مأذون في أن جميع ما ادان في رقبته, ولا يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته أو يُسلمه.
باب الوكالة
والتوكيل لإثبات الحجج واستيفاء الحقوق جائز, حاضرا كان الموكل أو غائبا.
وكذلك التوكيل بالشراء, والبيع والعتق, والطلاق, والقسمة, وسائر الحقوق والعقود جائز.
واختلف عنه: هل يجوز التوكيل باستيفاء الحد والقصاص أم لا؟ على روايتين.
وإقرار الوكيل على موكله غير جائز, وصلحه عنه غير ماض, إلا أن يجعل إليه لامصالحة, فيجوز حينئذ صلحه.
وكذلك لو جعل إليه أن يقر عليه, جاز إقراره عليه.
وشراؤه لنفسه من نفسه من مال موكله باطل.
وكذلك شراؤه لموكله من نفسه.
واختلف قوله: هل للوكيل أن يوكل به غيره بغير إذن موكله أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما, ومنع منه في الأخرى, إلا بإذن الموكل, وبهذا أقول.
فإن وكل الوكيل وكيلا, وابتاع منه لنفسه من مال موكله, أو باعه لموكله من مال نفسه, فإن كان الموكل الأول جعل للوكيل أن يوكل فيما وكله به غيره؛ فالابتياع في الوجهين جائز.
وإن كان لم يجعل إليه توكيل غيره؛ فالابتياع في الوجهين غير جائز في إحدى الروايتين, إذا قلنا: إن وكالة الوكيل لا تجوز, إلا بإذن موكله.
وإذا قلنا: إن وكالته جائزة, وإن لم يجعل ذلك إليه, كان الابتياع جائزا في الوجهين.
والوكيل أمين ما لم يتعد أو يخن.
فإن خالف أو خان كان ضامنا.
ولو باع الوكيل بالوكالة بيعا, ثم ادعى تلف المال, كان القول قوله, فإن اتُّهم لم يلزمه غير اليمين.
ولو وكله في طلاق زوجته, كان الطلاق بيد الوكيل, ما لم يفسخ وكالته, أو يطأ الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق, وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق, وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل, كما لو وكله في بيع دار ثم سكنها الموكل, فإن ذلك يكون عزلا للوكيل من الوكالة.
ومن وُكِّل في شيء مخصوص لم يكن وكيلا في غيره, ولا خصما في سواه.
فإذا أطلق وكالته جاز تصرفه في سائر حقوقه, وجاز بيعه عليه, وابتياعه له, وكان خصما في كل ما يدعيه لموكله ويُدّعى عليه بعد ثبوت وكالته منه.
ولو وكل وكيلا ثم وكل غيره, فهما وكيلاه حتى يخرج أحدهما من وكالته.
ومن وكل وكيلين على الاجتماع لم يجز انفراد أحدهما بالتصرف دون صاحبه, فإن جعل لهما التصرف في حالة الاجتماع والانفراد, جاز تصرفهما على الاجتماع وتصرف كل واحد منهما على الانفراد في الوكالة.
ولو دفع إلى رجل عشرة دراهم, فقال: ابتع لي بها ثوبا.
فابتاع له الثوب, ولم ينقد الثمن, فهلك الثوب والثمن في يده, فالوكيل أمين في الثوب, ومن مال الموكل هلك, ويضمن الوكيل للبائع ثمن الثوب, لأنه خالف حين لم ينقده ثمنه عند عقد البيع, فضمن بالمخالفة, إلا أن يكون لم يفرط, مثل أن يبتاع الثوب, والثمن في بيته ويقبضه ويقول للبائع: امض لأفيك الثمن, فيهلك الثوب منه, ويكون الثمن قد هلك من حرزه, فيكون هلاك الثوب والثمن جميعا من الموكل, ويلزمه ضمان الثمن للبائع دون الوكيل.
ولو وكله في قبض ورق له, فصارف عليها الوكيل, لم يجز فعله, إلا أن يكون الموكل جعل إليه المصارفة, فيجوز فعله.
قال: ولو كان له على رجل خمسون دينارا, فوكل المدين صاحب الحق في
بيع داره أو متاعه, فباعه بورق, لم يجز له أن يصارف نفسه ويأخذ الدراهم بحقه, ولكن يبيعها من غيره بعين, ويستقصي فيها ويحتاط, ثم يأخذ من العين قدر حقه.
فإن وكله في قبض خمسين فقبض مئة, ثم هلك الجميع منه, كان ضامنا للباعث قدر الزيادة, لأنه خالف فيها وقبضها بغير حق.
فإن خلط الوكيل مال موكله بماله فيما لا يتميز, فهلك المالان, لم يضمن, وإن هلك أحدهما ضمن مال موكله, وكان الهالكمن ماله, لأنه لا يعلم هذا الهالك ماله أو مال موكله.
ولو وكله في قبض مال فأخذ به رهنا, وهلك الرهن في يده كان مسيئا, وكان الرهن هالكا من ماله, ولا ضمان على الوكيل ما لم يجن عليه, أو يفرط في حفظه.
ولو وكله في ابتياع سلعة, فابتاعها, ثم باعها بغير إذن الموكل, فعلى روايتين: إحداهما: البيع باطل, والرواية الأخرى: البيع موقوف على إجازة الموكل ورده, فإن أجاز صح, وإن رده بطل.
وكذلك لو باع السلعة وابتاع للموكل بثمنها سلعة أخرى, كان ذلك باطلا في إحدى الروايتين, وفي الأخرى: موقوف على إجازة الموكل ورده, لحديث عروة البارقي الذي يرويه عبدالله بن أحمد بن أبيه, قال: حدثنا أبو كامل, حدثنا سعيد ابن زيد, حدثنا الزبير بن الخريت, حدثنا أبو لبيد عن عروة بن أبي الجعد البارقي, قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جَلَب, وأعطاني دينارا, وقال لي: "أي عروة: ائت الجلب فاشتر لنا منه شاة", فأتيت الجلب فساومت صاحبه, فاشتريت منه شاتين بدينار, فجئت أسوقهما, قال: أو أقودهما, فلقيني رجل بالطريق, فساومني, فابتعته الشاة بدينار, فجئت بالدينار وجئت بالشاة, فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم, وهذه شاتكم.
قال: "وصنعت كيف؟ " قال: فحدثته الحديث, فقال: "اللهم بارك له في صفقة يمينه".
قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن
أصل إلى أهلي.
قال: وكان يشتري الجواري ويبيع.
باب في
الضحايا, والذبائح, والعقيقة, والصيد, وما يحرم من الأطعمة والأشربة
قال الله عز وجل: ﴿لن ينال اللهَ لحومها ولا دماؤها.
ولكن يناله التقوى منكم﴾ الآية [الحج: 37].
فالأضحية سنة مؤكدة, فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وندب إليها, فهي مستحبة لكل من استطاعها, لحديث زيد بن أرقم أنهم قالوا: يا رسول الله, هذه الأضاحي ما هي؟ قال: "سنة نبيكم", قالوا: فما لنا فيها: قال: "بكل شعرة حسنة", قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل صوفة حسنة".
وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان: الجذع من الضأن, وهو: ابن ستة أشهر إذا كان سمينا نبيلا.
والثني من المعز, وهو: ما أوفى سنة, ودخل في الثانية.
ولا يجزئ من غير الضأن من الأزواج الثمانية إلا الثني.
والثني من البقر: ما دخل في السنة الرابعة, ومن الإبل: ما كان له ست سنين.
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها, وإناثها أفضل من المعز.
ويستحب الأقرن الأملح من الضأن, والبياض أعجب إليه من السواد.
ويجزئ في الضحايا الخصي المشدوخ غير المجبوب, فإنه أسمن.
والإبل والبقر أفضل من الغنم.
والبدنة تجزئ عن سبعة, وكذلك البقرة, والجواميس في الأضاحي كالبقر.
والشاة تجزئ عن واحد, وقد قيل عنه: ولو ضحى بشاة عن أهل البيت جاز, للحديث المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح كبشين, قرب أحدهما, فقال: "بسم الله, هذا عن محمد وعن أهل بيته".
فإذا اشترك جماعة في بدنة أو بقرة على أنهم سبعة, فإذا هم ثمانية ذبحوا معها شاة وأجزأتهم.
ومن أراد أن يضحي, فإذا دخل العشر لم يأخذ من شعره, ولا من أظفاره, حتى ينحر.
واستحب له أن يحلق رأسه عقيب النحر, لحديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي, فلا يأخذ من شعره, ولا من أظفاره".
ولا يجوز في الأضاحي ولا في الهدايا عوراء بين عورها, وهي المخسوفة العين.
فإن كانت العين صحيحة وفيها اليسير من البياض, لم يكن بها بأس.
ولا العرجاء البين ظلعها, ولا المريضة البين مرضها, ولا العجفاء التي لا تنقي, وهي التي لا مخ لها, ولا البتراء, لأنه نقص في الخلق, ولا الجداء التي قد يبس ضرعها, ولا العضباء, وهي التي انكسر نصف قرنها فما زاد, ولا الشرقاء وهي التي خرمت السمة أذنها, ولا الخرقاء وهي المشقوقة الأذن, ولا المُقابَةَ, وهي: المقطوعة الأذن من أعلاها, ولا المدابرة, وهو: قطع الأذن من أسفل, فإن كان قطع الشيء اليسير من الأذن فلا بأس بها.
ولا يضحي ببقر الوحش ولا بحمير الوحش.
ويستحب أن يتولى ذبح أضحيته بيده إن استطاع, رجلا كان أو امرأة, فإنه أفضل.
فإن لم يستطع, فلا يضحيها له, إلا مسلم.
فإن ذبح أضحيته ذمي كره له
ذاك وأجزأته, إن كانت من البقر, أو الغنم في الظاهر من قوله.
وقيل عنه: لا تجزئه.
فأما إن كانت من الإبل, فلا يجوز أن ينحرها ذمي قولا واحدا, فإن فعل لم تجزه على حال.
ولا يذبح أحد قبل صلاة العيد, فإن فعل لم تجزه, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ذبح إلا بعد التشريق" يعني بعد الصلاة, كذلك فسره شعبة.
ولا يضحي أحد قبل أن ينحر الإمام, فمن فعل لم يجزه, لحديث أبي بردة بن نيار أنه ذبح يوم النحر قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعد ذبحا", وذكر باقي الحديث.
ومن كان بعيدا عن المصر انتظر حتى يمضي من الوقت بعد صلاة العيد ما يغلب على ظنه أن الإمام قد نحر ثم ينحر أو يذبح.
ومن نحر في أول يوم قبل طلوع الشمس لم يُجزه قولا واحدا, فأما في اليوم الثاني واليوم الثالث, فله أن يذبح بعد طلوع الفجرالثاني وقبل طلوع الشمس قولا واحدا, وفي أي وقت شاء من النهار.
واختلف قوله: هل يجوز أن يضحي في اليومين ليلا أم لا؟ على روايتين: منع منه في إحداهما, وأجازه في الأخرى.
وزمان النحر يوم الأضحى ويومان بعده, ينحر فيها إلى غروب الشمس.
واليوم الثالث من أيام التشريق هو زمان للتكبير إلى أن يصلي العصر, وليس بزمان للأضحية.
وهو قول خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر, وعلي, وابن عمر, وأبي هريرة رضوان الله عليهم.
وأفضل أيام النحر أولها.
ولا يباع شيء من الأضاحي.
واختلف قوله في بيع جلود الإبل والبقر من الأضاحي, فروي عنه أنه قال: إذا باع الجلد واشترى بثمنه أضحية, فلا بأس.
وروي عنه كراهة ذلك.
ولا يعطى الجازر منها شيئا, وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وتوجه الضحية إلى القبلة, وإن ذبحها إلى غير القبلة غير متعمد جاز.
وليقل الذابح: بسم الله والله أكبر.
وإن زاد فقال: ربنا تقبل منا, فلا بأس.
ومن نسي التسمية عند ذبح الأضحية وغيرها لم يضره, وأُكلت قولا واحدا.
وإن ترك التسمية عليها عامدا لم تؤكل في الظاهر من قوله, وقيل عنه: تؤكل.
ويأكل المضحي الثلث, ويهدي الثلث, ويتصدق بالثلث.
ويستحب له أن يتصدق بأفضلها, ويهدي الوسط, ويأكل الأدون.
وله الادخار منها ما شاء.
وإن زاد على ذلك, أو نقص, أو تصدق بجميعها, فكل جائز.
ومن أوجب أضحية ثم مات قبل أن يذبحها ضحى بها عنه ورثته, لا يسعهم غير ذلك.
ولا بأس أن يضحي عن اليتيم وليه إذا كان في ماله فضلة.
وله شرب لبن أضحيته إذا لم يعجفها, ويكره جز صوفها.
ولم يختلف قوله: إن الأضحية لا تباع بعد إيجابها إلا أن يريد إبدالها, فيبيعها, ويصرف ثمنها فيما هو خير منها من الأضاحي.
وقيل عنه: إني لأستوحش منه, يعني من بيعها.
وقيل عنه: له أن يبدلها بما هو خير منها, ولا يبدلها بما هو دونها, فصح من قوله: أن بيعها بعد الإيجاب لغير بدل لا يجوز.
وإذا أراد الإبدال بما هو خير منها جاز.
وإن باعها بشرط أن يضحي بها, صح بيعه قولا واحدا.
وإن
باعها لغير ضحية كان بيعه باطلا في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى: بيعه جائز.
وإذا ضاعت أضحيته فاشترى غيرها ثم وجدها ذبحهما جميعا, كما قلنا في البدنة.
وإذا اشتراها سليمة, وأوجبها, فحدث بها عيب لو كان بها منع من أن يضحي بها, كان له ذبحها وتجزيه, لأنه أوجبها سليمة.
ولو أوجب سبعة أنفس بقرة أو بدنة, فنُتجت, ذبحت وولدها عن السبعة.
فإن اشترك ثلاثة نفر في بقر أضحية, وقالوا: من جاءنا يريد أضحية شاركنا, فجاء قوم فشاركوهم, لم تجز, ولا تجزئ إلا عن الثلاثة الأول؛ لأنهم أوجبوها عن أنفسهم.
فإن اشترى رجل سُبع بقرة ذبحت للحم على أن يضحي به, لم يجزه.
قال أحمد رضي الله عنه: هذا لحم اشتراه, وليس بأضحية.
باب الذبائح
والذكاة في الحلق, والنحر في اللَّبَّة.
والذكاة: قطع الحلقوم, والمريء, والوَدَجَين.
فإذا قطع ذلك وأنهر الدم أُكلت.
فإن ذبحها فأبان رأسها غير متعمد أكلت قولا واحدا, فإن ذبحها من قفاها فلم تمر السكين على موضع الذبح حتى ماتت, لم تؤكل قولا واحدا.
فإن مرت السكين على موضع الذبح وهي حية أكلت, وقد أساء في ذلك.
وقد روي عنه: أن كل ذبيحة تذبح من غير مذبحها لغير تردّ ولا مانع من الذبح في المذبح, لا تؤكل.
والبقر والغنم تذبح, والإبل تنحر.
فإن نحر ما يذبح, وذبح ما ينحر أكلت.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه توقف عن ذبح البعير.
والأول عنه أظهر.
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا تم خلقه, أشعر أو لم يشعر, فإن خرج حيا ثم مات في الحال أكل.
وإن تباقى أقل القليل فلا بد من تذكيته.
فإن مات قبل أن يذكى لم يؤكل.
ولا ينبغي أن تسلخ الذبيحة حتى تموت وتبرد, ولا يقطع رأسها قبل السلخ.
فإن فعل أساء وأكلت.
ولو قطع منها بعد الذبح قطعة وهي تختلج كرهتُ ذلك, ولم تحرم.
قال: وأكره نفخ اللحم.
وقد روى كليب الأودي عن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه أنه مر باللحامين فقال: من نفخ فليس منا.
ولا يفرِسُ الذبيحة, والفَرْس: كسر عنقها عقيب الذبح قبل أن تموت, فإن فعل أساء وأكلت.
والمنخنقة بحبل وما في معناه, والمتردية من جبل, والتي تتردى في بئر فيقع رأسها في الماء ولا يمكن إخراجها منه, والموقوذة بالبندق, أو بالعصا, أو الحجر, والنطيحة, وأكيل السبع إذا ماتت, أو بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش لمثله لم تؤكل.
وإن قطع منها ما يقطعه من المذكى.
وما ندَّ من الإبل والبقر واستوحش فلم يقدر عليه, فحكمه حكم الصيد, إن طعنه فأسال دمه أو رماه بسهم فجرحه, وذكر اسم الله عليه فمات من ذلك أكل؛ لحديث رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما غلبكم من هذه البهائم فاصنعوا به ما يُصنع بالوحش".
وما سقط في بئر لا ماء فيها ولم يقدر على ذبحه ولا نحره جرحه حيث أمكن من بدنه وسمى الله عليه وأكله.
ومتى ترك مسلم التسمية على الذبيحة ناسيا أكلت قولا واحدا.
فإن تركها عامدا لم تؤكل في الصحيح من قوله.
وقيل عنه: تؤكل.
وما عقره الذئب أو السبع وأدرك حيا ولم يتيقن أنه يموت من ذلك العقر ذكي وأكل.
قال أحمد رضي الله عنه: إذا مصعت بذنبها, وطرفت بعينها, وحركت يدها أو رجلها بعد الذبح وانهار الدم أكلت, إلا أن يكون السبع أو الذئب شق جوفها وأخرج حشوتها, فإنها لا تؤكل وإن ذكاها.
وكذلك لو نطحت شاة شاة, فشقت جوفها وأخرجت قُصبها -يريد بذلك
معاها- لم تؤكل, وإن أدرك ذكاتها.
وذبائح اليهود والنصارى تؤكل إذا ذكروا اسم الله عليها إلا البعير, فلا تصح فيه ذكاة اليهودي.
ولا تؤكل ذبيحة المجوسي على حال.
فإن ترك يهودي أو نصراني التسمية على الذبيحة عامدا أو ساهيا, فإنها تؤكل.
وقد قيل عنه: إنهما إن تعمدا ترك التسمية عليها لم تؤكل.
ولا بأس بذبيحة الأخرس إذا نظر إلى السماء وأشار بيده إليها بالتوحيد لله تعالى.
واختلف قوله في ذبيحة الأقلف على روايتين: أجازها في إحداهما, ومنع منها في الأخرى.
قال: والمجنون إذا ذبح في حال زوال عقله لم تؤكل ذبيحته.
ولا تؤكل ذبيحة المرتد على حال.
قال: ويُجتنب أكل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم.
ولا يؤكل ما ذُبح للزهرة.
قال: والسامرة من أهل الكتاب, فلا بأس بأكل ذبائحهم.
واختلف قوله في ذبيحة الصابئ, والأظهر من قوله: أنها تؤكل؛ لأنهم يسبتون, فهم بمنزلة اليهود, ولهم كتاب.
وتؤكل ذبيحة نصارى العرب.
ولا بأس بذبيحة الصبي والمرأة إذا أطاقا الذبح.
وتوجه الذبيحة إلى القبلة.
ولو انحرف عنها قليلا أساء وأكلت.
وتوارى السكين عنها, ولا يُظهرها إلا عند الذبح.
كذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نواري الشفرة.
ولا يحد الشفرة وهي تنظر إليه, ويقول عند تحريك يده: بسم الله والله أكبر, كما ذكرنا في الأضاحي.
ولا تجوز الذكاة بالسن ولا بالظفر منزوعين, ولا متصلين بالخلقة, وتجوز بغير ذلك.
ولا بأس بالذبح بالليل والنهار.
قال: ولو ذبحها فوقعت بعد الذبح في ماء فماتت لم يأكلها, وكذلك لو ذبح طائرا فوقه في ماء, أو تردى من جبل لم يأكله, لأن الماء والتردي أعان على خروج نفسه, لأنه تردى وفيه بقية روح, ولم تزهق نفسه.
ولا بأس أن يأكل المضطر من الميتة بقدر ما يزيل الاضطرار, ويأمن معه الموت قولا واحدا.
وهل يأكل منها حتى يشبع أم لا؟ على وجهين.
ولا ينتفع بجلود الميتة دبغت أو لم تدبغ, لأن الدباغ لا يطهرها.
ولا تباع, ولا تؤكل, ولا يستجمر لها.
ولا يصلى في جلود السباع ولا عليها وإن دبغت.
وما لا يؤكل لحمه لا تعمل الذكاة في طهارة جلده, كما لا تعمل في إباحة لحمه.
ولا بأس بصوف كل ميتة تعمل الذكاة في إباحتها.
وكذلك شعرها ووبرها وريشها, لأنه طاهر لا روح فيه لا يحله موت.
وله أخذه منها حية وميتة, فإن كان عليه نجاسة وجب غسله, وإن لم تصبه نجاسة أحببت غسله من غير أن تجب.
وناب الفيل وعظامه نجسة أخذت منه حيا أو ميتا.
وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح جميعه, ولم يؤكل, ولا يباع.
فإن كان جامدا طرحت وما حولها, وأكل ما بقي.
واختلف أصحابنا في الاستصباح بالدهن النجس, فأجازه بعضهم, ومنع منه بعضهم.
وبالمنع أقول.
ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم.
ولا تؤكل شحوم ما ذكوه في إحدى الروايتين, وتؤكل في الأخرى.
ولا يؤكل ما ذكاه مجوسي بكلبه.
فإن أخذ مسلم كلب مجوسي غير معلم فعلمه المسلم واصاد به أكل صيده أيضا.
وقيل عنه: لا يؤكل, لأن تعليم المجوسي كذكاته.
ولا بأس بأكل ما اصاده المجوسي من السمك والجراد.
باب الصيد
والصيد للهو مكروه وليس بمحرم, ولغير اللهو مباح مستحب.
ومن أرسل كلبه المعلم وذكر اسم الله عليه, فاصاد فقتل, ولم يأكل من الصيد, جاز أكله قولا واحدا.
قال: ولتكن التسمية مع الإرسال.
وكل ما قتله الكلب المعلم بغير إرسال لم يؤكل, وما قتله عن إرسال أكل.
فإن أكل الكلب من الصيد لم يؤكل, لأنه أمسك على نفسه.
وقد روي عنه رواية أخرى أنه قال: إذا أرسل سمى وقتل فكل, وإن أكل منه الكلب, لأن التسمية له ذكاة.
ولا يؤكل صيد الكلب الأسود البهيم, لأنه شيطان, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله, والأمر بذلك يفيد النهي عن اقتنائه والاصطياد به.
والنهي يقتضي فساد المنهي.
وكل ما قتله البازي والصقر المعلم من الصيد عن إرسال أكل, وإن أكل البازي منه قولا واحدا.
وما أدرك من ذلك حيا لم يؤكل إلا أن يذكى, إلا أن يكون به الرمق اليسير, فيموت في الحال قبل أن يدرك ذكاته, فلا بأس بأكله.
وكذلك لو أدركه يتشحط في دمه ثم مات بالقرب أكل, لأن الكلب قتله.
فإن كان فيه قوة لم يأكله حتى يذكيه.
فإن أدرك الصيد حيا ولم يكن معه مُذية ولا ما يذكيه به أشلى الكلب عليه حتى يقتله ثم أكله.
ولو أرسل كلبه على صيد بعينه وسمى, فاصاد غيره أكل, وكذلك لو أرسله
على صيد فاصاد اثنين أكلهما.
ولو رمى طائرا وسمى فأصاب غيره أكله.
وكذلك لو رماه فأصابته الرمية, وأنفذته صيدا آخر أكلا جميعا.
قال: ولو رمى هدفا, فأخطأه وأصاب صيدا لم يأكله.
وسواء سمّى عند رمي الهدف أو لم يسم, لأن هذا رمي لا يفتقر إلى تسمية, فوجودها كعدمها.
ولو أرسل كلبه فوجد معه كلب غيره, وقد أثبتا صيدا لم يأكله, لأنه سمى على كلبه ولم يسم على غيره.
وكل ما قتل من الصيد برمح, أو سهم, أو معراض أصاب بحده وجرحه أكله.
وإن أدركه حيا ذكاه ثم أكله.
وما أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل, لأنه وقيذ.
ومن رمى صيدا بسهم نهارا فأصابته الرمية, ثم غاب عنه, فوجده من يومه ميتا, وسهمه فيه, ولا أثر به غير سهمه أكله.
وإن كان رماه ليلا, فغاب عنه ثم وجده ميتا لم يأكله.
وإن رماه, فغاب عنه يومه ولم يجده إلا من بعد الغد لم يأكله, لأنه لا يدري ما حدث به.
وقد قيل عنه: إذا وجده وبه سهمه, ولا أثر به غيره فإنه يأكله.
والأول أظهر.
وقيل عنه: إذا رماه رميا ظن أنه يموت منه أكله.
وإن كان يخشى أن يكون شركه غيره فلا يأكله.
يريد بذلك: أنه إذا رماه فغاب عنه, ثم وجد سهمه في موضع منه, الغالب من حاله أنه بعمله أكله, وإن كان السهم في موضع لا يموت من مثله غالبا لم يأكله, لجواز أن يكون قد شركه غيره.
قال: ولو رمى رجلان صيدا, وسميا, فأصاباه جميعا بحديد أكلاه.
فإن رماه أحدهما بسهم والآخر بمعراض فأصابه السهم وجرحه, وأصابه المعراض بعرضه, لم يأكله واحد منهما, قال: لأني لا آمن أن يكون المعراض قتله.
فإن أصابه المعراض بحده وجرحه أكلاه جميعا.
فإن رمى أحدهما بسهم, والآخر ببندقة وأصابه, فسقط ميتا لم يؤكل, لأن البندقة تقتل.
ومن رمى صيدا على شجرة أو نخلة في دار قوم, فحمل الصيد نفسه وسقط