العرش للذهبيصفحات 349-388

أقوال التابعين

صفحات 349-388

عمرو المكي1هذا من2 نظراء الجنيد3، ومن كبار الصوفية وأعيانهم، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد، وشهرته عند مشايخ الطرق تغني عن التعريف بحاله رضي الله عنه.
[ابن أبي عاصم النبيل (287هـ) ] 238- وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل4-أحد الأئمة والحفاظ و5 المصنفين بأصبهان، على رأس التسعين ومائتين-:

" [وجميع ما في] 1 كتابنا "كتاب السنة الكبير"2 الذي فيه الأبواب من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".
فذكر في ذلك النزول إلى سماء3الدنيا4، والاستواء على العرش5، وغير ذلك.
أخرجه6(ق63/أ) ابن بطة في "الإبانة"، فقال: حدثتنا عاتكة بنت أحمدابن [عمرو] 7 بن [أبي] 8 عاصم9، قالت: حدثنا أبي رحمه الله.

[أحمد بن عمر بن سريج (306هـ) ] 239- وقال أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني1الإمام المشهور: سألت أيدك الله بيان ما صح لدي من مذهب السلف، وصالح الخلف، في الصفات، فاستخرت الله، وأجبت بجواب بعض الفقهاء. وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج.2
وقد سأل ابن سريج عن صفات الله فقال: "حرام3على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف، إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو على4لسان رسوله؛ وصح عند جميع أهل

الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن1رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال2عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ 3 وقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 4 ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ 5 ونظائرها مما نطق بها القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلام الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول كل (ق/63 ب) ليلة" إلى أن قال: "اعتقادنا فيه وفي الآي6المتشابهة في القرآن، أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة7غير العربية، ونسلم الخبر لظاهره والآية لظاهر تنزيلها".

وذكر أشياء اختصرتها.1
توفي ابن سريج سنة ست وثلاثمائة ببغداد.
ذكره أبو إسحاق2في طبقات الفقهاء فقال: كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني.3
وسمعت أبا الحسن الشيرجي4يقول: إن فهرست5كتب أبي العباس تشتمل على أربعمائة مصنف، وكان أبو حامد الإسفرائيني6، يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون الدقائق.7

أخذ عن أبي القاسم الأنماطي1، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق.
رحمه الله.
[زكريا بن يحيى الساجي (307هـ) ] 240- وقال ابن بطة حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي2، قال: قال أبي3: "القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث، أن الله تعالى على عرشه، في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء" وذكر سائر الاعتقاد.4
توفي زكريا (ق64/أ) بن يحيى الساجي شيخ أبي الحسن الأشعري5في الفقه

والحديث، وإمام أهل البصرة في وقته سنة سبع وثلاثمائة.
ذكره أبو إسحاق1فقال: أخذ عن الربيع2والمزني3، وله كتاب "اختلاف الفقهاء"، وكتاب "علل الحديث".
[محمد بن إسحاق بن خزيمة (311هـ) ] 241- وقال الحاكم4سمعت محمد بن صالح بن هانيء5يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول6: "من لم يقر أن الله على عرشه، استوى فوق سبع7 سمواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على8مزبلة لئلا يتأذى برائحته أهل القبلة وأهل الذمة"9.

توفي [ابن] 1 خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش2، أنه قال: "ما قلدت أحداً منذ بلغت ست عشرة سنة".
أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني"3.
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث4، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في

زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين.
[محمد بن جرير الطبري (310هـ) ] 242- 1ـ أخبرنا1أحمد بن هبة الله بن عساكر2، أنبأنا زين الأمناء الحسن بن محمد3، أنبأنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الأسدي4سنة ثمان وأربعين (ق64/ب) وخمسمائة، أنبأنا ابن [أبي] العلاء5، أنبأنا ابن

أبي نصر1، أنبأنا أبو سعيد الدينوري2مستملي محمد بن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري3وأنا أسمع بعقيدته منها "وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن يجاوز4غير ذلك فقد خاب وخسر"5.
محمد بن جرير، هو أحد الأئمة الكبار في وقته، في التفسير، والحديث والفقه، والتاريخ، وأحد المجتهدين، توفي بغداد سنة عشر وثلاثمائة، وله التفسير والتاريخ6، والمصنفات الكثيرة.

ذكره أبو إسحاق فقال: كان على [مذهبه] 1 القاضي أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني2، ويعرف بابن [الطرار] 3، قال: وكان أبو الفرج هذا فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل علم.4
وذكره الخطيب -أعني الطبري- فقال5: كان أحد العلماء يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان عارفاً بالقرآن، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام، والحلال والحرام.6

سمعت علي بن عبد الله [اللغوي] 1، يحكي أن محمداً بن جرير مكث أربعين سنة (ق65/أ)، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.2
وقال أبو حامد الأسفراييني3الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً، أو كلاماً هذا معناه.4
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما على أديم الأرض أعلم من محمد ابن جرير".
قلت: فمن أراد الإنصاف فليطالع تفسيره في آيات الصفات والعلو، في مواردها.
فمن ذلك: قوله ﴿ُثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ 5، نقل فيه عن الربيع بن أنس6أنه

"بمعنى: ارتفع"1.
وقال في تفسير قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ 2 في كل مواضعه3"أي علا وارتفع"4. وقال في قوله ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ 5 قال: "يجلسه معه على العرش". رواه عن مجاهد من غير وجه.6
ثم قال: "ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا، لا7 من يقر أن الله فوق العرش، ولا من8ينكره من الجهمية وغيرهم9"10.

2ـ وقال في كتاب "التبصرة1في معالم الدين" له: "القول فيما أدرك علمه من الصفات [خبراً] 2، وذلك نحو إخباره تعالى أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ 3، وأن له وجهاً بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾(65/ب) وأن له قدماً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب فيها قدمه"5، وأنه يضحك بقوله: "لقي الله وهو يضحك إليه"

وأنه1يهبط إلى سماء2الدنيا لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن له أصبعاً بقول رسوله: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن"3.
فإن هذه المعاني التي وُصِفَتْ ونظائرَهَا، كما4وصف الله به نفسه، مما [لا تدرك] 5 حقيقة علمه بالفكر والرَّوِيَّةِ، لا نكفر6بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه"7.

أخرج هذا الكلام عنه القاضي أبو يعلى الفراء في "إبطال التأويل" له.1
[أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي (292هـ) ] 243- وقال أبو محمد بن ماسي2، حدثني أبو مسلم الكجي3، قال: خرجت يوماً، فإذا بحمَّام4قد فتح سَحَراً، فقلت للحمامي: أدخل أحد الحمام؟ فقال: لا، فدخلت، فساعة فَتَحْتُ الباب5قال قائل: أبو مسلم، أسلم تسلم، ثم أنشأ6يقول:

لك الحمد إما على نعمة... وإما على نقمة تدفع تشاء فتفعل ما شئته... وتسمع من حيث لا يسمع قال: فبادرت فخرجت وأنا جزع، فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس بالحمام أحد؟.
فقال لي: هل سمعت شيئا؟، فأخبرته بما (ق66/أ) كان، فقال لي: ذلك جني يترايا لنا في كل حين ينشدنا الشعر.
قال: فقلت هل عندك من شعره؟ قال: نعم، أنشد يقول: أيها المذنب المفرِّط مهلاً... كم تمادى وتكسب الذنب جهلاً كم وكم تسخط الجليل بفعل.1.. سمج وهو يحسن الصنع فضلاً كيف تهدا جفون من ليس يدري... أرضي عنه من على العرش أم لا؟ رواه الخطيب في "التاريخ"، عن عبد الله [بن علي] 2 بن محمد القرشي3عن ابن ماسي.4

[أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي (321هـ) ] 244- قال أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي1رحمه الله في العقيدة التي له: "ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة2، وأبي يوسف3، ومحمد بن الحسن4، رضي الله عنهم5نقول في توحيد الله معتقدين، أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، مازال بصفاته قديماً قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وحياً، وصدقت المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ليس بمخلوق ومن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، وكل ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله (66/ب) صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا

ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه". إلى أن قال: "والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه". وذكر سائر الاعتقاد.1
وذكر الطحاوي، أبو إسحاق2في طبقات الفقهاء فقال: "إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر بن أبي عمران3، وعن أبي خازم4وغيرهما5وكان شافعياً يقرأ على

المزني1، فقال له يوما والله لا جاء منك شيء، فغضب وانتقل إلى [ابن] 2 أبي عمران فلما صنف مختصره قال: " [رحم] 3 الله المزني لو كان حياً لكفر عن يمينه". وصنف اختلاف العلماء. مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، و [له] 4ثمانون سنة.5
[أبو بكر بن أبي داود السجستاني (316هـ) ] 245- وقال الحافظ ابن الحافظ6 أبو بكر بن أبي داود سليمان (ق67/أ) بن الأشعث السجستاني رحمه الله7شعراً:

تمسك بحبل الله واتبع الهدى... ولا تك بدعيا لعلك تفلح ودن بكتاب الله والسنن التيي... أتت عن رسول الله تنجو تربح وقل غير مخلوق كلام مليكنا... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً... كما قال1أتباع لجهم وأسمجوا ولا تقل القرآن خلق [قراءة] 2... فإن كلام الله باللفظ يوضح وقد أنكر الجهمي أيضا يمينه... وكلتا يديه بالفواضل تنفح وقل ينزل الجبار في كل ليلة... بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله... فتفرج أبواب السماء وتفتح روى ذلك قوم لا يرد حديثهم... ألا خاب قوم كذبوهموقبحوا3 في أبيات أخر اختصرتها.
قال ابن أبي داود: "هذا قولي، وقول أبي، وقول شيوخنا، وقول من لقيناهم من أهل العلم، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب".
روى هذا الاعتقاد والإجماع عنه غير واحد، منهم ابن بطة في

"الإبانة"، والآجري1، وصنف كذلك شرحاً.2
وأبو بكر هذا من كبار أئمة المحدثين، وهو مثل والده في الحفظ ومعرفة (ق67/ب) الحديث، وله كتاب "المصاحف"، وكتاب "شريعة المقاري"، أتى فيه بآثار وغرائب تدل على اتساع روايته وفضيلته رحمه الله، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.
[إبراهيم بن محمد بن عرفة (323هـ) ] 1- وقال الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة

246- النحوي نفطويه1، في كتاب "الرد على الجهمية" تأليفه: حدثنا داود بن علي2قال: "كنا عند ابن الأعرابي3فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: هو على عرشه استوى، كما أخبر.
فقال: هو ليس كذلك، إنما معناه استولى.
قال ابن الأعرابي: اسكت ما يدريك ما هذا، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه4 مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه، والله لا مضاد له، هو على عرشه كما أخبر"5.
2-[وذكر محمد بن أحمد بن النضر6، عن ابن أبي

دؤاد1] أنه طلب من ابن الأعرابي أن يطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها، أن الاستواء في حق الله بمعنى الاستيلاء، فذكر ابن الأعرابي أن ذلك لا يجده.2
3- وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي3يقول: سبحان ربي الأسفل، وهذا جهل من قائله، ورد لنص كتاب الله إذ يقول: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 4.
أبو عبد الله هذا من أئمة العربية واللغة المعروفين، وهو معاصر لابن أبي دؤاد5وذويه.

[يحيى بن محمد بن صاعد (318هـ) ] 246- وقال أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد1الحافظ: "هذه الفضيلة في القعود على العرش (ق68/أ) لا ندفعها، ولا نماري فيها، ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم بشيء". روى هذا الكلام عنه الآجري في كتاب "الشريعة" في باب ما خص الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من المقام المحمود، بعد حديث مجاهد هذا الذي تقدم.2
وابن صاعد هذا من كبار حفاظ الحديث المشهورين، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة رحمه الله.
[أبو الحسن الأشعري (324هـ) ]

كتابه الذي صنفه، في "اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين"1، بعد أن ذكر فيه فرق الروافض، والخوارج، والجهمية، وغيرهم -إلى أن قال-: "ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وجملة قولهم: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ " لا يردون من ذلك شيئاً ". إلى أن قال: "وأن الله على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 2، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 3، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾﴿وَمَا (ق68/ ب) تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ 5، وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا إنه لا يكون في

246- الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال ربنا: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ 1".
إلى أن قال: "ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن الله ينزل إلى سماء2الدنيا فيقول: "هل من مستغفر "3، كما جاء الحديث، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ 4، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء5، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ 6".
وذكر أشياء كثيرة من أصول السنة -إلى أن قال-: "فهذه7جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وأنه لا يجوز الاستواء بمعنى الاستيلاء.
وبكل ما ذكرنا8من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما

توفيقنا إلا بالله"1.
2- وذكر رحمه الله في هذا الكتاب في باب هل الباري عز وجل في مكان دون مكان أم لا في مكان؟ أم في كل مكان؟ 2 قال: اختلفوا في ذلك على3 سبع عشرة مقالة4: منها قال5أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم6، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 7 ولا نتقدم بين يدي الله (ق69/أ) بالقول، بل نقول استوى بلا كيف، وأن الله له يدين كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 8 وأنه ينزل إلى سماء9الدنيا كما جاء في الحديث.10

وقال المعتزلة: استوى على العرش بمعنى: استولى. وقالت المعتزلة: اليد بمعنى: النعمة، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ 1 أي بعلمنا.2
3- وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب "جمل المقالات"، رأيته بخط [أبي] 3 علي بن شاذان4، وقد كتبه5في سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، نحو هذا الكلام ومعناه في مقالة أصحاب الحديث تركته خوف الإطالة.
4- وقال رحمه الله في كتاب "الإبانة في أصول الديانة"، في باب الاستواء، إن قائلاً قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل نقول: إن الله مستو على العرش، كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 6 وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 7، وقال ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ 8، وقال حكاية عن

فرعون ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ.
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ 1، كذَّب موسى في قوله إن الله في السموات.
وقال عز وجل ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ 2 فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أنه ذكر السموات فقال ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ 3، ولم (ق69/ب) يرد أنه يملأهن جميعاً.
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم -إذا دعوا- نحو السماء، لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، وقد قال قائلون4من المعتزلة، والجهمية، والحرورية، إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون على العرش كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء

إلى القدرة، فلو كان كما قالوا، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء1، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مسشتويا على العرش بمعنى الإستيلاء، لجاز أن2يقال: مستو على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: "إن الله مستو على الحشوش والأخلية، فبطل أن يكون الإستواء على العرش الإستيلاء"3.
وذكر أدلة من الكتاب، والسنة، والعقل، وغير ذلك.
5- ونقل الإمام أبو بكر بن فورك4المقالة التي تقدمت عن أصحاب الحديث، عن الإمام أبي الحسن الأشعري، في كتاب "المقالات والخلاف بين الأشعري وأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب"5 تأليفه

فقال: "الفصل الأول؛ في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن رحمه الله، في كتاب "المقالات" في جمل مذاهب أصحاب الحديث، وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك".ثم سرد ابن فورك المقالة بعينها.
(ق70/أ) ثم قال في آخرها: "فهذا تحقيق لك من ألفاظه، أنه معتقد لهذه الأصول، التي هي قواعد أصحاب الحديث وأساس توحيدهم"1.
6- وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي2: قرأت في كتاب أبي الحسن الأشعري، [الموسوم] 3 "بالإبانة": " [أدلة] 4 على إثبات الاستواء، قال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله يقولون: يا ساكن العرش، ومن حلفهم: لا والذي احتجب بسبع سموات"5.
قال الطرقي: و6 هذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق سبع

سموات ثم اختار العليا فسكنها" 1.
7- وقال أبو القاسم القشيري2رحمه الله في شكاية3أهل السنة: "وما نقموا من أبي الحسن الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر لله، وإثبات صفات الجلال، من قدرته، وعلمه، وحياته، وسمعه، وبصره، ووجهه، ويده، وأن القرآن كلامه غير مخلوق"4. رواه عنه الفراوي.5
8- وروى عنه قال: سمعت أبا علي الدقاق6، يقول: سمعت زاهر

ابن أحمد الفقيه1، يقول: مات الأشعري ورأسه في حجري وكان يقول شيئاً في حال نزعه "لعن الله المعتزلة [موهوا ومخرقوا] 2"3. 9- وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر4في تبيين كذب المفتري5-تأليفه-: "فإذا كان أبو الحسن (ق70/ب) كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، يوافقه أكثر ما يذهب إليه أكابر أكثر6 العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلابد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتاب الإبانة فإنه قال: "الحمد لله الواحد، العزيز، الماجد، المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا يبلغه7صفات العبيد، وليس له مثل، ولا نديد، -وذكر أشياء-

إلى أن قال بعد أن رد في الخطبة على المعتزلة والقدرية والجهمية والرافضة1: "فإن2قال قائل: قد3أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة4، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.5
قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل -نضَّر الله وجهه- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس (ق71/أ) الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير [مفخَّم] 6، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله

إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة [حق] 1، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 2، وأن لله وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ] 3﴾ 4، وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ 5 وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 6، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ 7، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً8، وأن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ 9".

إلى أن قال: "وندين بأن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون1". إلى أن قال: "وندين بأنه يقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه2، وأنه يضع السموات على أصبع، والأراضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"3.
إلى أن قال: (ق71/ب) "ونصدق بجميع4الرواية التي يثتبها5أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول "هل من سائل، هل من مستغفر" 6 خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل،

ونُعَّول1فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين2، وما كان في معناه، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة3، كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ً﴾ 4، وأنه يقرب من عباده كيف يشاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ 5 وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ 6.
ونرى مفارقة كل داعية لبدعة، ومجانبة أهل الأهواء7، وسنحتج8لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه، [مما لم نذكره] 9 باباً باباً، وشيئاً شيئاً"10.
قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه

وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه.1
10- وقال الحافظ ابن عساكر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه "العمد في الرؤية": "ألفنا كتاباً كبيراً في الصفات، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية وفيه فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه لله، واليدين، وفي استوائه على العرش"2.
) ق72/أ) ولد الأشعري سنة ستين ومائتين3، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، بالبصرة رحمه الله، وكان معتزلياً ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما [ذكرناه] 4، عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك.
فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض5دون البعض، وكان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له ولسائر المسلمين.

[ابن غانم المقدسي] 246- قال القاضي أبو أحمد العسال (شعر) من1كلام ابن غانم المقدسي رحمه الله: قل لمن يفهم عني ما أقولل... أقصر القول فذا شرح يطول ثَمَّ سر غامض من دونه... ضربت والله أعناق الفحول أنت لا تعرف إياك ولا... تَدَّرِي من أنت ولا كيف الوصول لا ولا تدري صفات رُكِّبت... فيك حارت في خفاياها العقول أين منك الروح في جوهرها... هل تراها فترى كيف تجول؟ هذه الأنفاس هل تحصرها... لا ولا تدْري متى عنك تزول أين منك العقل والفهم إذا... غلب النوم فقل لي يا جهول (ق72/ب) أنت أكل الخبز ما تعرفه... كيف يجري منك أو كيف تبول فإذا كانت طواياك التي... بين جنبيك كذا فيها ضلول كيف تدري من على العرش استوى... لا تقل كيف استوى كيف النزول كيف تحكي أم ترى كيف ترى2... ولعمري ليس ذا إلا فضول

جارٍ التحميل