[أبو بكر الباقلاني (403هـ) ] 261- وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني1الذي ليس في متكلمي2الأشاعرة أفضل منه، لا قبله ولا بعده في كتاب "الإبانة"3 -تأليفه-: "فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ 4، وقوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 5، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.
فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذا كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً6إلا جارحة؟
قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب [إذا لم نعقل] 1 حياً، عالماً، قادراً إلا جسماً، أن نقضي نحن وأنتم على الله سبحانه وتعالى؛ وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته، أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجده قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب2أن (ق81/ب) يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود.
فإن قيل: هل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال:3 ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 4، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 5، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 6، ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان، وفمه، والحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة7
الأماكن، إذا خلق منها ما لم يكن، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا، وإلى يميننا، وشمالنا1، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. ثم قال بعد ذلك: وصفات ذاته لم تزل ولا يزال موصوفاً بها، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضا.2
وقال رحمه الله في كتاب "التمهيد"3 مثل هذا القول وأكثر.
وشهرته تغني عن التعريف به، وهو بصري سكن بغداد، وسمع بها من القطيعي4، وابن ماسي5، وكان أعرف الناس بالكلام، وله التصانيف الكثيرة في الرد على المخالفين، من الرافضة، والمعتزلة،
والجهمية، وغيرهم.
قاله1الخطيب.2 توفي سنة (ق82/أ) ثلاث وأربعمائة، كما أن أبا3 العباس بن سريج4عُدَّ على رأس الثلاثمائة، والشافعي على رأس المائتين، وعمر بن عبد العزيز على رأس المائة رحمة الله عليهم.5
[هذا تكرار] [أبو بكر بن فورك (410هـ) ] وقال الإمام أبو بكر بن فورك6، المتكلم، فيما حكاه7عنه البيهقي في "الصفات" له، أنه قال: "استوى بمعنى علا، وقال في قوله ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 8 أي: فوق السماء.9
ثم احتج البيهقي كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة "لقد حكمت فيهم بحكم الله الذي حكم به من10 فوق سبع سموات" 11، [وقول] 12 ابن عباس الذي تقدم "أن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور، وهو فوق ذلك" 13.
وأما الأستاذ ابن فورك فإنه أفضل المتكلمين بعد القاضي أبي بكر، ألف في أصول الدين، والفقه، ومعاني القرآن قريباً من مائة مصنف.
[ابن أبي زيد القيرواني (386هـ) ] 264- 1- وقال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المالكي المغربي1في رسالته2في مذهب مالك3، أولها: "وأنه فوق عرشه المجيد بذاته4، وأنه في كل مكان بعلمه"5.
وقد تقدم هذا القول، عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، إمام أهل الكوفة في وقته1ومحدثها2.
2- وممن قال إن الله على عرشه بذاته، يحيى بن عمار3، شيخ أبي4إسماعيل الأنصاري5شيخ الإسلام، قال ذلك في رسالته.6
3- وكذلك الإمام أبو (ق82/ب) نصر السجزي7الحافظ، في كتاب "الإبانة"8 له، فإنه قال: "وأئمتنا الثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن
سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وفضيل بن عياض1، وأحمد، وإسحاق، متفقون 2 على أن الله فوق عرشه بذاته، وأن علمه بكل مكان"3.
4- وكذلك قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "في أخبار شتى إن الله في السماء السابعة، على العرش بنفسه"4.
5- وكذلك قال [صاحبه] 5 الكرجي6في عقيدة أصحاب
الحديث، فإنه قال فيها: عقائدهم أن الإله بذاته... على عرشه مَعْ علمه بالغوائب1وموجود بها الآن نسخ من بعضها نسخة بخط الشيخ2تقي الدين ابن الصلاح3، على أولها مكتوب: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث، بخطه4رحمه الله.
6- وكذلك قال الحافظ أحمد الطرقي5، وشيخ الإسلام المتفق على هدايته وتواتر كرامته الشيخ عبد القادر الجيلي6، وعبد العزيز
ا [بن] 1 محمد القحيطي2، وغيرهم.
كما سيأتي إن شاء الله.
وأما ابن أبي زيد، فإنه من كبار الأئمة [بالمغرب] 3، وشهرته تغني عن ذكر فضله، وكان يلقب مالكاً الصغير4، واجتمع [فيه] 5 العقل والدين والورع والعلم، وكان نهاية في علم الأصول.
ذكره ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" فيما نسبه إلى الأشعري، ولم يذكر له وفاة، ثم وجدته قد توفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة بالقيروان.
[الإمام أبو القاسم هبة الله اللالكائي (418هـ) ] 264- وقال (ق83/أ) الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن6اللالكائي الشافعي، في كتاب "شرح أصول السنة"7 له: "سياق ما روي في قوله:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 1، و [أن] 2 الله على عرشه في السماء، قال عز وجل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 3، وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 4، وقال ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ 5، قال: فدلت هذه الآيات أنه في السماء وعلمه محيط بكل مكان، وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين ربيعة، وسليمان التيمي، ومقاتل [بن] حيان6، وبه قال مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل.7
قلت: توفي اللالكائي8 سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وكان إماماً، حافظاً، ذكره النواوي9، في طبقات الفقهاء الشافعية، وألف كتاباً في
"السنن"1، وكتاباً في "معرفة أسماء من في الصحيحين"2، وكتاب "كرمات الأولياء"3، وغير ذلك.
أثنى عليه الخطيب في تاريخه4والذهلي5وغيرهما.
[أبو نعيم الأصبهاني (430هـ) ] 265- وقال الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني6، في مصنف7"حلية الأولياء"، في الاعتقاد الذي جمعه: "طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه: أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول8، لم9يزل عالماً بعلم، بصيراً ببصر، سميعاً بسمع، متكلماً بكلام، ثم أحدث الأشياء (ق83/ب) من غير شيء، وأن
القرآن كلامه، وكذلك سائر كتبه المنزلة، كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءاً، ومتلواً، ومحفوظاً، ومسموعاً، ومكتوباً، وملفوظاً، كلام الله حقيقة، لا حكاية، ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة، واللفظية1، من الجهمية، وأن من2 قصد القرآن بوجه3من الوجوه [يريد به] 4 خلق كلام الله، فهو عندهم من الجهمية5، وأن الجهمي عندهم كافر".
وذكر أشياء إلى أن قال: "إن الأحاديث التي ثبتت6عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش، واستواء الله عليه، يثبتونها، من غير تكييف، ولا تمثيل، وأن الله تعالى7 بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج [بهم] 8، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه"9.
وذكر سائر اعتقاد السلف1وإجماعهم على ذلك.
وأبو نعيم هذا سبط2محمد بن يوسف البنا3الزاهد، شيخ أصبهان بلا مدافعة4، جمع الله له بين العلو في الرواية والحفظ5 والدراية، فكان يشد إليه الرحال ويهاجرُ إلى بابه6الأئمة والحفاظ.
ذكره ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" في أصحاب أبي الحسن الأشعري، فقال: كتب إلي عبد الغافر بن إسماعيل7
يذكر1، قال أحمد بن عبد الله بن أحمد بن [إسحاق] 2 بن3 موسى بن مهران، الإمام أبو نعيم الحافظ، واحد4عصره، (ق84/أ) في فضله، وجمعه، ومعرفته، صنف التصانيف المشهورة.5
كحلية الأولياء، وغير ذلك من الكتب الكثيرة في أنواع علوم الحديث والحقائق وشاع ذكره في الآفاق، واستفاد الناس من تصانيفه، توفي في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة وله أربع وتسعون سنة إلا شهرا.
وسمعت من يحكي عن ألفاظ أبي بكر الخطيب قال: لم ألق من شيوخي أحفظ من أبي نعيم وأبي حازم العبدوي، كتب إلي عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، سمعت أبا صالح المؤذن6يقول: كتبت عن عشرة من
شيوخي عشرة آلاف جزء، سوى ما اشتريته، فذكر منهم أبا بكر [الإسماعيلي] 1، وأبا أحمد الحاكم2، قال عبد الغفار: وانتخب عليه أبو عبد الله الحاكم3، وحدث عنه، وتوفي في ثاني شوال4 سنة سبع عشرة فجأة رحمه الله.
[الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (442هـ) ] 266- وقال الإمام الأوحد أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني5، في رسالته: "لا نقول كما قال الجهمية، إنه مداخل للأمكنة، وممازج لكل شيء ولا نعلم أين هو، بل هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، و [علمه] 6، وسمعه، وبصره، وقدرته، مدركة لكل شيء، وهو معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وهو بذاته على
شيخ الصوفية في عصر يحيى بن عمار، وأبي نعيم، وقبيل ذلك: "أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه1أهل الحديث، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين".
فذكر أشياء في الوصية، إلى2أن قال فيها: "وإن الله استوى على3 عرشه، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا ملاصقة، وأنه سبحانه سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويتعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا4 كيف شاء بلا كيف5 ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو ضال مبتدع"6.
[أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449هـ) ] 268- وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل (ق85/أ) بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري 1، في كتاب "الرسالة في السنة" له: "ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون، أن الله فوق سبع سمواته، على عرشه2 كما نطق به كتابه3وعلماء الأمة، وأعيان الأئمة من السلف، لم يختلفوا أن الله عز وجل على عرشه، فوق سمواته.
وإمامنا4أبو عبد الله محمد5بن إدريس الشافعي احتج في كتابه المبسوط6، في مسألة إعتاق7الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن الرقبة الكافرة
لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم، فإنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، فسأل رسول1صلى الله عليه وسلم عن إعتاقه إياها2، فامتحنها ليعرف3أنها مؤمنة أم لا، فقال لها أين ربك؟، فأشارت إلى السماء، فقال اعتقها فإنها مؤمنة، فحكم بإيمانها لما أقرت4 بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية.5
وأبو عثمان الصابوني هذا من كبار الأئمة، كان فقيهاً، محدثاً حافظاً، صوفياً، واعظاً، شيخ نيسابور في وقته6، توفي سنة بضع وأربعين وأربعمائة رحمه الله، وله تصانيف حسنة.
[أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي (447هـ) ] 269- وقال7الإمام الفقيه أبو الفتح8 سليم بن أيوب الرازي9،
صاحب الشيخ أبي حامد الإسفراييني1، في تفسير القرآن له2 في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 3: "قال أبو عبيدة4: علا، وقال غيره استقر".
وقال في قوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ 5: "عن6 قتادة7قال: اليوم السابع8". وقال في (ق85/ب) قوله ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 9: "أي ربكم الذي في
السماء إن عصيتموه أن يخسف بكم الأرض".
وذكر1مثل هذا القول في باقي الآيات الدالة على أن الله فوق العرش.2
وأبو الفتح سليم3 هذا إمام كبير عالم بالتفسير، والحديث، والفقه، وغير ذلك، شيخ أبي الفتح نصر4المقدسي5، توفي في حدود الأربعين وأربعمائة.
[أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444هـ) ] 270- وقال الإمام أبو نصر [عبيد الله بن سعيد] 6 السجزي7، في كتابه "الإبانة" الذي ألفه في السنة: "أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، متفقون على أن الله سبحانه وتعالى بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يُرَى8يوم
القيامة بالأبصار، وأنه ينزل إلى سماء1الدنيا، وأنه2يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء3"4. وأبو النصر هذا إمام5، حافظ، فقيه جليل، أقام6بمكة مدة، روى عن شيخ الإسلام وغيره، توفي في حدود الأربعين وأربعمائة رحمه الله.
[الحافظ البيهقي (458هـ) ] 271- وقال الإمام أبو بكر بن الحسين البيهقي7-صاحب السنن الكبير، وغيره- في كتاب "الاعتقاد"8: "في باب القول في الاستواء"
قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 1، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ 2 ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ 3، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِنْ فَوْقِهِم﴾ 4، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 5، ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 6، وأراد من فوق السماء، كما قال ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ (ق86/أ) فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ 7 بمعنى على جذوع النخل، وقال: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ 8 بمعنى على الأرض9 وكل ما علا فهو سماء، والعرش على السموات، فمعنى الآية أأمنتم من على العرش، كما صرح [به] 10 في سائر الآيات.
وفيما كتبنا1من الآيات دلالة على إبطال [قول] 2 من زعم من الجهمية أن الله بذاته في كل مكان.
وقوله3﴿وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَمَا كُنْتُم﴾ إنما أراد [به] 4 بعلمه لا بذاته"5.
شهرة البيهقي تغني عن التعريف به، توفي في6 سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله أربع وثمانون سنة رحمه الله.
[الإمام أبو عمر بن عبد البر (463هـ) ] 272- 1- وقال الإمام، حافظ المغرب، أبو عمر بن عبد البر7، صاحب "الإستيعاب"، و"التمهيد"، والمصنفات النفيسة، لما شرح "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا... " الذي8 في الموطأ قال: "هذا الحديث لم
يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو [من] 1 حجتهم على المعتزلة2، وهذا أشهر عند العامة وأعرف من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم [يؤنبهم] 3 عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم"4.
وقال أيضاً: "أجمع5علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ هو على العرش، وعلمه بكل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله"6 (ق86/ب).
2- وقال أيضاً: "أهل السنة [مجمعون] 7 على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم
يكيفوا شيئاً من ذلك.
وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيء على الحقيقة، [ويزعمون] 1 أن من أقر بها مشبه، وهم2عند من أقر بها نافون للمعبود"3.
أبو عمر هذا إمام أهل المغرب، من أعيان الحفاظ والأئمة القائمين بمذهب مالك رحمه الله، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة.
[أبو بكر الخطيب (463هـ) ] 273- وفيها توفي حافظ المشرق أبو بكر الخطيب4، وهو القائل ما أخبرناه إسماعيل بن عبد الرحمن5، أنبأنا عبد الله بن أحمد المقدسي6سنة سبع عشرة وستمائة، عن المبارك بن علي الصيرفي7، أنبأنا أبو الحسن
محمد بن مرزوق الزعفراني1، أنبأنا أبو بكر الخطيب قال: " [أما] 2 الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها3، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ونحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات4تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته فإنما هو إثبات وجود (ق87/أ) لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول إن معنى اليد: القدرة، ولا نقول: إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح وأدوات الفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب
نفي التشبيه عنها، لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ 1، وقوله ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ 2"3. [أبو سليمان الخطابي (388هـ) ] 274- وقال مثل هذا القول4قبله5الإمام أبو سليمان الخطابي6في "الغنية عن الكلام" له، وهو: "فأما7 ما سألت
عنه من1الكلام في الصفات، وما جاء2منها في الكتاب وروي في السنن الصحاح".
وقال: "مذاهب3السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها"4.
[الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي (535هـ) ] 275- وقال مثل هذا القول بعدهما، الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي5، صاحب "الترغيب والترهيب"، وقد سئل عن صفات الرب تعالى فقال: "مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد6،
وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه1بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيه، ولا تشبيه ولا تأويل، قال (ق87/ب) سفيان بن عيينة: "كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره"2 أي على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل"3.
[القاضي أبو يعلى الفراء (458هـ) ] 276- 1- وقال القاضي أبو يعلى الفراء4في كتاب "إبطال التأويل" له: "لا يجوز [رد] 5 هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها،
والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله لا تُشبَّه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق.1
ويدل على إبطال التأويل، لأن 2 الصحابة و3 من بعدهم من التابعين حملوها على [ظاهرها] 4، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه"5 يعني على زعم من قال إن ظاهرها التشبيه.6
2- وقال بعد أن ذكر حديث الجارية: "اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء"7.
وذكر أشياء، إلى أن قال: "وقد أطلق أحمد بذلك فيما أخرجه في "الرد على الجهمية" فقال8: فقد أخبرنا
بأنه1في السماء فقال ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ 2، وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ 3، وقال ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ 4 فقد أخبر الله عز وجل أنه في السماء وهو على عرشه"5.
وذكر كلاماً طويلاً ليس هذا موضعه.
وأما (ق88/أ) القاضي هذا فهو أجل الحنابلة في وقته، وأعلم بمذهب أحمد، وباختلاف العلماء، صنف كتباً كثيرة في المذهب، والخلاف، والأصول، رحمه الله، توفي قبل الستين وأربعمائة.
[أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني (471هـ) ] 277- وقد تقدمت فتيا الإمام أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني6،
وأنه أجاب بنص قول الإمام أبي العباس بن سريج.1
أبو القاسم هذا إمام كبير، حافظ، فقيه، صوفي، ذكره ابن الجوزي2في "صفة الصفوة" فقال: "سعد بن علي، طاف الآفاق، ورأى المشايخ، وسكن مكة فصار شيخ الحرم، وكان إذا خرج إلى الحرم يترك الناس الطواف ويقبلون يده أكثر من تقبيل الحجر، وكانت له كرامات، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة"3.
لكن في النفس شيء من عزو الفتيا التي ذكرها إلى ابن سريج، فإني لا أرى عليها لوائح صحة الإسناد والله أعلم، على4 أنني أجزم أن ابن سريج لم يكن يخالف تيك5الأصول.
[أبو المعالي الجويني (478هـ) ] 278- وقال الإمام أبو المعالي الجويني6في كتاب "رسالة النظامية":
"اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في [آي] 1 الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب عز وجل2.
والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به (ق88/ب) عقيدةً، اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشرع، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه3 المتبع"4.
انتهت معرفة مذهب الشافعي إلى أبي المعالي هذا، وصنف كتباً كثيرة وكان بحراً في دقائق الفقه وفروعه، ومعرفة أصوله، توفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
[الإمام أبو إسماعيل الأنصاري (481هـ) ] 279- و [قال] 1 الإمام العارف شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله ابن محمد الأنصاري2في كتاب "الصفات" له: "باب إثبات استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة، بائناً من خلقه، من الكتاب والسنة".
فذكر رحمه الله دلالات ذلك من الكتاب والسنة، إلى أن قال: "في أخبار شتى أن الله عز وجل في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، علمه، وقدرته، واستماعه، ونظره، ورحمته، في كل مكان"3.
أبو إسماعيل الأنصاري هذا معروف عند مشايخ الطريق، مصنف4
"منازل السائرين (ق89/أ) إلى الله"، كان عالماً بالحديث صحيحه وسقيمه، وآثار السلف، وبلغات العرب واختلافها، وتفسير الكتاب ومعانيه، وأقوال المفسرين، وبأحوال القلوب، وكان له كرامات معروفة، وقد جمع عبد القادر الرهاوي كتاباً سماه "المادح والممدوح" لعل معظم الكتاب1في ترجمته، فمن طالع ذلك عرف منزلته وجلالته في الأمة، افتتح القرآن يفسره إلى قوله ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ 2 فافتتح تجريد المجالس في الحقيقة والمحبة وأنفق على هذه الآية مدة طويلة من عمره، وكذا في قوله عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى﴾ 3 بقي يفسر فيها ثلاثمائة وستين مجلساً، وقد كان في وقته، مثل الجنيد4في وقته، وبشر الحافي5في وقته، توفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وله خمس وثمانون سنة.
[الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (510هـ) ] 280- 1- وقال الإمام محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود
البغوي1في تفسيره "معالم التنزيل"، عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ 2: "قال الكلبي3، ومقاتل4: استقر.
وقال أبو عبيدة5: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء (ق89/ب) على العرش صفة لله، بلا كيف، يجب الإيمان به"6. 2-وقال رحمه الله تعالى في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي َدُخَانٌ﴾ 7 قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ارتفع إلى السماء.8
3- وقال في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ 9:"الأولى10 في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل
علمها إلى الله تعالى ويعتقد أن الله منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة"1.
4- وقال في قوله ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ 2: "يعني وهو إله في السموات والأرض، قال الزجاج3: فيه تقديم وتأخير تقديره، وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض4"5. 5- وقال في قوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ 6: " [في العلم] 7"8. أبو محمد البغوي هذا من كبار الأئمة والفقهاء الشافعية، مصنف "شرح السنة"، وكتاب "التفسير" وغير ذلك، شهرته تغني عن التعريف
به، توفي رحمه الله سنة خمس عشرة وخمسمائة.
[أبو إسحاق الثعلبي (427هـ) ] 281- وقال أبو إسحاق الثعلبي1في تفسيره2لهذا الموضع نحواً من هذا القول.
[الإمام أبو الحسن الكرجي (532هـ) ] 282- وقال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك [الكرجي] 3 صاحب (90/أ) شيخ الإسلام4في عقيدته المعروفة التي أولها: محاسن جسمي بدلت بالمعايب... وشيب [فَوْدي] 5شيب وصل إلى أن قال: وأفضل زاد في المعاد عقيدة... على منهج في الصدق [عقيدة أصحاب الحديث فقد... بأرباب دين الله أسنى المراتب] 6
عقائدهم أن الإ له بذاته... على عرشه مع علمه بالغوائب وأن استواء الرب يعقل كونه... ويجهل فيه الكيف جهل من مائتي بيت.
وكان أبو الحسن هذا إماماً، زاهداً1، شافعي المذهب، معاصراً للشيخ أبي محمد البغوي2وذويه، وهذه القصيدة مشهورة عند الخاصة والعامة في بلاد المشرق.
[الإمام عبد القادر الجيلي (561هـ) ] 283- وقال الإمام شيخ الإسلام صفوة العارفين، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي3الحنبلي4، في كتاب "الغنية" له، الموجود بأيدي الناس: "أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن [يعرف ويتيقن] 5 أن الله واحد أحد".
إلى أن قال: "وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه
بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ 1، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (ق90/ب) مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ 2، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 3، وينبغي إطلاق صفة الاستواء4من غير تأويل، وأنه استواء5الذات على العرش، وكونه سبحانه وتعالى على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف"6.
وذكر كلاماً طويلاً اختصرته.
رحمة الله عليه.