ذمَّة له وتجب الصلاة على الحائض ونحوِها إذا انقطع الدم قبل خروج الوقت لزوالِ المانع ونظائر ذلك كثيرة وما نحن فيه كذلك كما تقدم بيانه الثامن أن هذا نفي المانع والمعارض لكن المانع إذا كان ظاهرًا مشهورًا فلابدَّ من الاحتراز عنه حَذَرًا من انفتاح باب الكلام وخروج الأمر إلى الانتشار الخصام ولهذا كلّ من نمسَّك بالاستصحاب ونحوِه من الأدلة التي كثر تخلُّف مدلولاتِها عنها فلابدّ أن يضمّ إليه عدم المعارض التاسع أن عدم الاحتراز من هذا المانع يُفضِي إلى انتقاضِ أكثرِ صُورِ هذا الدليل والاستدلالِ بما لا يدلُّ أكثر من الاستدلال بما يدلّ وذلك أكثر مشقةً على أهل الحق وأعظمُ ضررًا على المعترض على الباطل بيان ذلك أن المعاني العامة لموارد الاستعمال وهي حقيقة اللفظ أضعافُ أضعافِ المعاني العامة التي هي حقيقة اللفظ بألوفٍ مؤلَّفةٍ وذلك أنه ما من معنى عام إلاّ ومعناه يعمُّ موارد استعمال كل لفظ أخص من الأخص حتى ينتهي إلى ما لا شركةَ فيه وفي ذلك من الدرجاتِ والتفاوت ما لا يَعلمه إلاّ الله فإن لفظ شيء وموجود ومعلوم ومذكور وذات عين ونفس وحقيقة وماهية يعمُّ موارد استعمال كل لفظٍ من الألفاظ وليس حقيقة إلاّ في معنى واحدٍ فإذا كان الشيء الواحد يدلُّ
على مدلولِه في صورٍ ويَدُلُّ على غيرِ مدلولِه في أضعافِ تلك الصور كان عدمُ دلالتِه أغلبَ على القلب من دلالته فإن الكثرة دليل الرجحان والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب وقد احتجَّ هؤلاء الجدليون على أن عموم المعنى موارد الاستعمال يدلُّ على كون اللفظ حقيقةً بأشياءَ أحدها أن حقيقة اللفظ موصوفةٌ بأنها واحدةٌ وبأنها عامة لموارد الاستعمال وبنحو ذلك فإذا رأينا هذا المعنى موصوفًا بهذه الصفات غلبَ على ظنِّنا أنه هو القاضي ولهذا لو كتب قاضٍ إلى قاضٍ بحقّ على فلان بن فلان الفلاني فقامت البينةُ بأنه فلان بن فلان الفلاني فادَّعى أن له شركاء في هذا الاسم لم يُقبَل منه حتى تقوم البينةُ بشريكٍ ولولا أنه يُستدلُّ على عينٍ بكثرة الصفات التي لم يُعلَم فيها شريكٌ لم يكن كذلك الثاني أن جَعْلَه حقيقةً في المعنى العام يَدفَعُ عن اللفظ فسادَ الاشتراك والمجاز والتعطيل لأنه لو لم يكن حقيقةً في ذلك المعنى فإن كان حقيقةً فيما يختصُّ بكلِّ فردٍ من الأفراد لَزِمَ الاشتراكُ وإن كان حقيقةً فيما يختصُّ ببعض تلك الأفراد دون بعضٍ لزمَ أن يكون مجازًا في الباقي وإن لم يكن حقيقةً في شيء لزمَ تعطيلُ اللفظ فإذا جعلناه حقيقةً في الجميع اندفعَ الاشتراك والمجاز وإذا كان دفعُ هذا الفساد مطلوبًا وهذا الطريق يخصُّه لدفع هذا الفساد كان سلوكُه جائزًا وإن
كان له طريقٌ آخر كسلوك طريقٍ من الطُّرق المُفضِية إلى المطلوب الثالث أن هذا المعنى عامٌّ والأصل عدم معنى آخر عام وحقيقة اللفظ لابدّ أن تكون عامَّةً فهذا المعنى حقيقة اللفظ والجواب عن الأول أن الظن الذي ذكروه مشروطٌ بعدمِ العلم بالشريك وقد بيَّنا وجودَ الشركاء في المعنى العامّ لموارد الاستعمال فهو نظير ما إذا كان الحق على محمد بن علي أو عبد الله بن محمد ونحو ذلك من الأسماء التي وقعت فيها الشركة وكذلك أيضًا لو وصف القاضي الفردَ بصفاتٍ قد عُلِمَ فيها الشركة فقوله حقيقة اللفظ واحدة عامة لموارد الاستعمال قلنا وهذه صفة أشياء ليست حقيقة وهي كل معنى أعمّ من حقيقة اللفظ والجواب عن الثاني أن دفع الفساد لا يكون مقصودًا إلاّ بعد قيام المقتضي موجودًا ويكون معدومًا لعدم المقتضي فدفعُ المجاز والاشتراك والتعطيل لا يكون مقصودًا إلاّ إذا قام المقتضي له والمقتضي له انعقادُ السبب الموجب للمجاز أو الاشتراك أو التعطيل ولا يسلّم وجود السبب وأيضًا فإن هذا المحذور قد تعيَّن لدفعِه طريقٌ واحد وهو حمل اللفظ على حقيقته لأن حَمْلَه على بعض الحقيقة محذور فلِمَ قلتَ إن هذا الطريق هو طريق دفعه بخلاف ما إذا ذكر النظائر فإن الغرض يحصل بكل طريق وهنا لا يحصل إلا بطريقٍ واحدٍ
وأيضًا فإن جَعْله حقيقةً في المعنى العام المدَّعَى كما أنّ فيه دفعَ هذه المفاسد ففيه أيضًا المفاسدُ التي قدَّمناها أو احتمالُ تلك المفاسد وليس في تركِ جَعْلِه حقيقةً إلاّ السكوت ومَن خُيِّر بين ركوبِ طريقٍ فيها دفعُ مفسدةٍ واحتمالُ مفسدة بين تركِها كان التركُ أولى بها ولهذا سُئِل ابن عباس عن رجلين أحدهما كثير الطاعة والذنوب والآخر قليل الطاعة والذنوب فقال لا أَعدِلُ بالسلامة شيئًا وعن الثالث أن الأصل النافي إنما يحتج به في موضعٍ لم يكثر الوجود بخلافه أو موضعٍ لم يُعلم أن هناك وجودًا يخالف الاستصحاب وقد بيّنا انه ما من لفظٍ إلاّ وهناك معاني كثيرة كلُّها عامٌّ لمواردِ استعماله فتخصيص أحدها بكونه حقيقةً يحتاج إلى دليل فيقال في مثل هذه الصورة كونه لم يرد مع تناول اللفظ معنى يعمّ استعمال لفظ الخصوص ويعمّه أيضًا كونه معنى لفظٍ وكونه مخرجًا وكونه غير مدلولٍ عليه وكونه غيرَ مرادٍ باللفظ ونحو ذلك وشيء من ذلك ليس بحقيقة لفظ التخصيص وإنما حقيقة لفظ التخصيص واحدٌ من هذه الأشياء وذلك لأن هذه المعاني أعمُّ من مواردِ استعمال لفظ العموم وحقيقة اللفظ لابدّ أن تكون مساويةً لموارد الاستعمال كما تقدم واعلم أن التخصيص عدم إرادة المعنى من اللفظ مع تناوله له بالطريقة التي ذكرناها وهو مطابقة المعنى لموارد الاستعمال عمومًا
وخصوصًا لأنّ كلَّ مورد للّفظ المخصّص عُدِمَتْ فيه الإرادة واللفظ متناولٌ له سُمِّي تخصيصًا كعدم إرادة من لا يَرِث من قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء 11] ونظائِره من العمومات وكلّ موضع سُمِّي تخصيصًا فقد عُدِمت فيه الإرادة مع تناول اللفظ لجميع التخصيصات فإثباتُ حقيقةِ اللفظِ ومسمَّاه يَثبتُ بهذا الذي ذكرناه من الطرد والعكس وهو الدوران والتلازم والمطابقة والمساواة عمومًا وخصوصًا ومَن أنصفَ عَلِمَ أن مستند العلم بجميع اللغات هو ما ذكرناه من الدوران لا مجرّد عمومِ المعنى والكلام في ذلك يطول واعلم أن قولهم عموم موارد الاستعمال إنما يَصحُّ في حقيقة الألفاظ الكلية وهو ما لا يمنع نفسُ معناه من ووقوع الشركةِ فيها بل في الألفاظ العامة وهو مالها موردانِ وأكثر حتى تكون هناك موارد يمكن دعوى عمومِ المعنى لها فأما المعنى الجزئي كما دَلّ عليه لفظ العَلَم والإشارة والمعرَّف بلام العهد إذا كان معيّنًا ونحو ذلك فهنا لا يمكن إثبات المسمَّى بذلك وأما على ما ذكرناه من مطابقة المعنى لموارد اللفظ فيمكن ذلك واعلم أيضًا أن قولهم موارد الاستعمال فيه إشكال وهو أن مورد استعمال اللفظ هو الموضع الذي استعمل اللفظ فيه فإمّا أن يكون هو المعنى الذي ادُّعِي أنه مسماه أو غيره فإن كان هو الأول كان التقدير عموم المعنى موارد المعنى وإن كان غيره لم يكن ما استعمل فيه اللفظ وهو معنى اللفظ
وجوابه أن يقال معنى عموم المعنى الموارد أن هذا المعنى موجود في كلّ موضع وردَ فيه اللفظُ ويَحصُل التغايُر بين المعنى وبين الموارد باعتبار المعنى ذهني والموارد خارجة أو باعتبار أن المعنى كليٌّ والموارد جزئيّة أو باعتبار أن المعنى المدَّعى هو جملة الموارد والجملة من حيث هو جملةٌ مغايرةٌ لأجزائها وهذا قريب من التقدير الثاني والله أعلم واعلم أن على المصنّف هنا استدراكًا واضحًا بعد تسليم صحة هذه القاعدة لأنا لم نقصد بالكلام على هذه القاعدة مُحاقَّتَه وإنما حَاقَقْنا فيها من عدَّها قاعدةً من نظرائه الجدليين أصحابِ الجدل المحدث وأما ما يختصّه فقوله وعمومه موارد استعمال اسم التخصيص في الشرع وذلك أن الألفاظ الشرعية هي ما كانت موجودةً في القرآن أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظة التخصيص بهذا المعنى ليست موجودة في الكتاب والسنة لأنها من باب الألفاظ الاصطلاحية في أصول الفقه كالحقيقة والمجاز والاشتراك والتواطؤ والمنطوق والمفهوم والعموم والخصوص والمطلق والمقيّد والنقض والقلب والكَسْر وفساد الوضع وفساد الاعتبار والمناسبة والدوران والتلازم وغير ذلك وهذه الألفاظ مستعملةٌ في كلام العلماء فَيُوْجِد عمومُ ما يدّعى أنه معناها وخصوصه في
كلامهم فإن قال هو موجودٌ بهذا المعنى في ألفاظ العلماء وهم أهل الإجماع وقولهم دليلٌ من أدلة الشرع قلنا وليس هو موجودًا في كلام أهل الإجماع على وجهٍ ارتبطَ به حكمٌ شرعي حتى يُستدلَّ بتفسيره على مقصودهم قال المصنِّف ولئن مَنَع العموميَّة فنقول إنه ثابت في صورة التخصيص غير ثابت بدونه بالنافي للتخصيص أو لأن أحد الأمرين لازم وهو إما عدمُ النصِّ العام أو تحقُّق موجبِه إما بالضرورة أو بالنصّ فإن الحال لا يخلو عن وجود النصّ أو عدمِه وإذا كان عامًّا يكون حقيقةً له فإن الغير لا يكون حقيقةً له وإلاّ يلزم الاشتراك أو المجاز اعلم أولاً أنَّ لغةَ العرب المُورَثة عنها المتداولة في كلامِها وكلامَ الفصحاء الذي ينحو نحوها وهي لغة القرآن والسنة وسلف الأمة أن الكلمة إذا لم يكن لها فعلٌ وأرادوا أن يَنطِقوا لها بمصدرٍ يَدلُّ على ما يدلُّ عليه مصادرُ الأفعال صاغوا منها لفظًا على مثال الفُعُولة
أو الفعوليّة أو نَسَبُوا الاسم منها وأَنَّثُوه فيقولون العبودة والعبودية والذكورة والأنوثة والذكورية والأنوثية والمروءة والإنسانية تارةً يقتصرون على تأنيث اللفظ المشتق منها وتارةً ينسبون التأنيث وكأنّهم والله أعلم إذا صاغوه على مثال الفُعولة فلأنّ هذه البنية مثالٌ من أمثلة مصادر الأفعال الثلاث اللازمة فزادوا إلهاء وإشعارًا بالفرق بين مصدر الأفعال والمصدر المأخوذ من الأسماء لأنه فرعٌ على الأول وتَبَعٌ له بمنزلة المؤنث من المذكر وإذا زادوا فيه ياء النسب قصدوا به أنه منسوبٌ ومضافٌ إلى الاسم كأنه قيل الحال العبودية والحال الذكورية أي الحال المنسوبة إلى ذلك المعنى وإنما يُنسَب الشيء إلى الشيء للزومِه إياه واختصاصه به وهذه المصادر تدلُّ على حالٍ ثابتة لازمة بخلاف مصادر الأفعال قال إن كلّ فعلٍ له صدرٌ فلا يكاد يُسَمع في الكلام العربي أنه صِيْغَ له مصدرٌ من هذا الجنس منسوب إلى اسم مزيد فيه هاء التأنيث استغناءً بالمصدر عنه فإن هذه زيادةٌ وعَجرفةٌ إلاّ فيما شَذَّ مثل قولهم الخُصوص والخُصوصية والخَصوصية بضم الخاء وفتحها وهو أفصح وقد كَثُر استعمال هذا الضرب في لسان المنتسبين إلى العلم من متأخري الأعاجم يقولون العالمية والقادرية والمعلومية والمقدورية والعمومية والخصوصيّة وأشباه هذا تارةً يُضيفون اسم الفاعل وتارةً اسم المفعول وتارةً المصدر كما استعمل المصنّف لفظ العمومية بقوله ولئن مَنَع العموميَّة وهذا استعمالٌ
خارج عن النحو العربي وزيادةٌ في اللفظ وتكلُّفٌ من غير فائدةٍ لأنه لو قال ولو منع العموم كان المعنى تامًّا حاصلاً بدون هذه النسبة والتأنيث فإن العموم مصدر عَمَّ الشيءُ غيرَه يَعُمُّه عمومًا فإذا منع أن اللفظ قد عمّ فهو المطلوب فإن قيل بل فيه فائدة غامضة فإنّ بين المصدر وبين هذه الأسماء المنسوبة المؤنثة فرقًا دقيقًا وذلك أنك إذا قلت العلم والقدرة فإنك تَعني به المعنى القائم بالذات المدلول عليه بلفظ علم ولفظ قدرة وكذلك إذا قلت العموم أو الإحسان فإنما تعني الحدث أو المعنى القائم بالفاعل الذي نسبتَ إليه العموم أو الإحسان فإذا قلتَ العالمية والقادرية فإنما تعني الحال الثابتة للذات التي اقتضاها العلم والقدرة وهي المعبَّر عنها بكون الذات عالمةً وقادرةً وفرقٌ بين العلم والقدرة وبين كونش الذات عالمةً وقادرة لأن كونها عالمةً وقادرةً حكمٌ ومعلولٌ وحالٌ اقتضاها العلم والقدرة ولفظ المصدر إنما دلَّ على نفس الصفة لا على هذه الحال ألا ترى أنَّا ندلُّ عليها باسم منسوب كأنه صفة لموصوف محذوف تقديرهُ الحال العالمية أو النسبة العالمية أو الإضافة العالمية وفيها فائدة أخرى وهو أن العلم والقدرة إنما يدل على الصفة والحدث من حيث هو هو لا إشعارَ له بالعلم المعلوم فإذا قيل العالمية والمعلومية كان تقدير الحال الحاصلة لذاتٍ عالمةٍ أو الحال الحاصلة لذاتٍ معلومةٍ وكان فيها دلالةٌ على ما يُنسَب إليه الصفةُ
والحدثُ هل هو الفاعل أو المفعول ومجرَّد المصدر لا يَدُلُّ على ذلك قيل عن هذا أجوبة أحدها لو كان فيه فائدةٌ لم يجز أن تخلو اللغة عن لفظٍ يدلُّ عليه لأنّ المعنى الذي يكثر دورانُه في القلوب يُحتاج إلى التعبير عنه فيجب أن تكون له عبارةٌ تدلُّ عليه ولمّا لم يكن هذا الاستعمال موجودًا في اللغة الحكيمة عُلِمَ أنّ هذا اللفظ كانَ حقُّه أن يُلحَق بالمهملات لا سيّما وكلام الله وكلام رسولِه وكلام الأئمة من سلف الأمة لا يجوز أن يَعْرَى عن بيان هذه المعاني فلو لم يكن بيانُها إلاّ بهذه الألفاظ أو لو كان بيانُها بهذه الألفاظ أجودَ لوجبَ أن يكون ذلك في كلامهم لأنّ إدراكهم للمعاني أتمّ وتعبيرهم أفصح وأوضح الثاني أن نقول الخلاف في ثبوت الحال مشهورٌ بين الناس حتى إنّ أكثر المتكلمين المنتسبين إلى السنة ينفونها ويقولون لا معنى لكون الشيء عالمًا قادرًا إلاَّ نفس قيام العلم والقدرة به وأما حالٌ يُوجِبُها له العلم والقدرة فكلاَّ وهؤلاء يُبطِلون ما يُدَّعَى في هذا الموضع من العلّة والمعلول ويَردُّون ذلك اعتبارات عقلية وأحكامٍ ذهنية يتبعها الأسماء واللغات فعلى قولِ هؤلاء لا فرقَ بين قولنا عِلْمِ الشيء وكونه عالمًا في الوجود الخارجي وهذا القول أصوب وأما مَن يُثبِت الأحوال فيقولون إن لفظ العلم والقدرة ونحوهما يدلُّ على الصفة وعلى الحال وإذا أرادوا تمييز الحال قالوا
كون الشيء عالمًا وكونه قادرًا وعند نُفاةِ الصفات هذه الألفاظ تدلُّ على الحال بانفرادها فقد اتفقت الطوائف على أن لفظ المصدر يدلُّ على تمام المقصود وهذا ظاهر فإن الحال لازمةٌ للصفة لزومًا خارجيًّا وذهنيًّا وليس للحال مقصودٌ زائدٌ على ثبوت الصفة فواضعُ اللغة الحكيمُ أدرجَها في لفظةٍ يُبيِّن ذلك أنه لو كانت الحال ثابتةً ولا يدلُّ عليها لفظ المصدرِ لكانت اللغاتُ خصوصًا اللغة الحكيمة عاريةً عن الدلالة على هذه المعاني الكثيرة المحتاج إلى التعبير عنها وذلك لا يجوز الثالث أنه لو لم يدلّ المصدرُ على الحال لكان استعمالُه أولى وذلك لأنّ المتكلم إن قصد الإثبات فإذا أثبتَ المصدرَ ثَبتت الحالُ وإن قصد النفي فإذا نفى المصدرَ انتفت الحالُ أما إذا استعمل هذه الألفاظ وقيل إنها تدلُّ على الحال فإذا أثبتها أثبت المصدر أما إذا نفاها فقد لا ينتفي المصدر لاعتقاد المتكلم أو المستمع أنه لا حقيقة لها في الخارج حتى يلزمَ من انتفائها انتفاءُ الصفة مثال ذلك قول المصنّف ولئن منع العموميّة فإن العموميّة إن كانت هي العموم فلا كلام وإن قيل هي حالٌ للَّفظِ أوجبَها العموم فلفظ العموم يدلُّ عليها نفيًا وإثباتًا وأما لفظها فلا يلزم من مَنْعِه مَنْعَ هذه الحالِ منعُ العموم لجواز أن يعتقد أن هذه الحال لا حقيقةَ لها وأيضًا فقد يعتقد أن العمومية صفة ثابتة للعامّ بخلاف العموم فإنه عارض لأنّ مسمَّى المصدر حدثٌ فإذا منع الصفة الثابتة لم يلزم أن يمنع الصفة العارضة فكان قولنا منع العموم أجود
وعلى ما قلنا فالعموم يدلُّ على هذه الصفة سواء كانت ثابتةً أو عارضةً في النفي والإثبات هذه لغة العرب وقول النحويين المصدر يدلُّ على الحدث أو الحدثان توسُّعٌ في العبارة لأن الغالب على مسمَّيات المصادر في أفعال الخلق أن تكون حادثة وإلاّ فقولنا علم الله ويعلم الله وهو عالم وله علم ليس في ذلك ما يدلُّ على حدوث صفةٍ أصلاً وليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك وبالجملة فتسميتُها حدثًا وحدثانًا اصطلاحٌ نحوي لا وضعٌ لغوي الرابع أن استعمال هذه الألفاظ التزامٌ لثبوت الحال وفي ذلك ما فيه أما استعمال لفظ المصدر فهو خلوصٌ عن هذا الالتزام ولا حاجةَ بالمستعمل إلى التزامِ أمرٍ باطلٍ ومختلَفٍ فيه من غير حاجةٍ ولا فائدة بل لو قيل عدمُ هذه الألفاظ دليلٌ على عدم معانيها التي يعتقد مُثبِتُو الأحوال إذْ لو كانت ثابتةً لوجبَ أن لا تَعرَى أذهانُ جميع أهل اللغات عن إدراكها وتنفرد به شرذمةٌ من المتكلمين ولو أدركتْ أذهانُهم ذلك لوجبَ أن تكون لها عبارةٌ عنها كسائر المعاني المشتركة بين الأمم إمّا مفرد أو مركَّبٌ ولكان هذا أولى من التزامِ ثبوت الحال واستعمالِ هذه العبارات الخامس أن الحال إن لم تكن ثابتةً فلا حاجةَ إلى هذه العبارات وإن كانت ثابتةً فلابدَّ أن تشتمل العبارات اللغوية على الدلالة عليها خصوصًا كلام الله وكلام رسولِه وكلام العلماء والحكماء من أمته فإنه لا يجوز أن يَعْرَى عمّا يبيِّنُ هذه الحقائق وعلى التقديرين فلا حاجة إلى هذه الألفاظ الغريبة
فهذا هو الجواب عن كون هذه الألفاظ تدلُّ على الأحوال أما قولهم تدلُّ على خصوص النسبة إلى الفاعل والمفعول فإضافةُ المصدرِ إلى أحدهما يُغنِي عن ذلك بأن يقول عِلْمُ فلانٍ أو العِلْمُ بكذا أو يقول كون الشيء عالمًا أو كونه معلومًا واعلم أن من حكمة لغة العرب أن لا يُضيفوا هذه المصادر ويُضيفوا المصادر التي للأسماء أعني بالإضافة النسبة بالتأنيث وهو قولهم الذكوريّة والعبودية ولا يقولون الضَّربيّة والقّتليّة والضاربيَّة والقاتليّة وذلك لأن ذلك المصدر إنما أُخِذ من الاسم فكأنه قَبِلَ المعنى الذي به كان العبد عبدًا أو الذكر ذكرًا أو المعنى الذي أوجبَه كونُه ذكرًا وكونُه عبدًا وذلك المعنى الذي صار به العبدُ عبدًا هو مقتضٍ لكونِه عبدًا والمعنى الذي أوجبه كونُه عبدًا هو معلولُ كونِه عبدًا وكونُه عبدًا هو الحال والصفة المعبَّر عنه بالمصدر فأُضِيف إلى هذا المعنى كلُّ ما هو لازمٌ وكلّ ما هو تابعٌ له إما بكونه مقتضيًا له أو بكونه إنما كان من أجله أما الضرب والقتل فهما أصلٌ للفعل على الوجه المشهور فلم يُنْطَق قبلهما باسم يشتقان منه فلو أضيف لأضيف الأصل إلى الفرع وذلك لا يجوز بخلاف المواضع التي نُطِقَ فيها بالاسم قبل المصدر ألا ترى أن قولك ضارب وقاتل إنما يَنطِق به من نَطقَ بقتل وضرب وقولك عبد ورجل ينطق به قبل الرجولية وقبل العبودية وقولهم الخُصوصيّة والخَصوصية فهو والله اعلم ليس بمصدر وإنما هو الصفة
والحال التي أوجبها المصدر فإن من خُصَّ بأشياءَ فلابدّ أن تبقى له صفة أوجبها الخصوص السادس أن هذه الألفاظ فيها تكلُّفٌ وتقعُّرٌ وتنطُّعٌ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ الله يُبغِض البليغَ من الرجال الذي يتخلَّل بلسانِه كتخلُّل الباقرةِ بلسانها وقال إنّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مجلسًا منّي يوم القيامةِ الثَّرثارون المتفيهقون المتشدِّقون وهي تُفضِي إلى اللَّدَد وفي الصحيحين عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ أبغضَ الرجال إلى اللهِ الألَدُّ الخَصِم وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلَكَ المتنطِّعون قالها ثلاثًا وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال أهل النار كلُّ جعظريّ جَوَّاظٍ مستكبرٍ وهي خروجٌ عن البيان الذي امتنَّ الله بتعليمه حيث يقول الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) [الرحمن 1 - 4] وتكلُّفٌ في المنطق الذي هو خاصَّة الإنسان التي انفصل بها عن سائر أنواع الحيوان وتشبُّهٌ بالأعاجم فيما أحدثوه من الدندنة
والطنطنة وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التشبُّه بالأعاجم فيما أحدثوه من الهيئات فإن العجم مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ العرب من الصحابة والتابعين وكذلك متأخرو العرب مأمورون أن يتبعوا هَدْيَ الأولين كما قال وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ إلى آخر الآية [التوبة 100] فحَكَمَ بالرضَى لمن اتبعَ السابقين بإحسان وقال صلى الله عليه وسلم لما صلَّى قاعدًا لا تُعظَّموني كما تُعظِّم الأعاجمُ بعضُها بعضًا وقال في بعض ما أمر به لا تشبَّهوا بالأعاجم وكتب عمر إلى العراق تَمعْدَدُوا واخْشَوشِنُوا وامْشُوا حُفَاةً وانتَعِلُوا وانْزُوا على الخيل نَزْوًا ولا تَشبَّهوا بالأعاجم كذلك نهى عن التشبه بأهل الجاهلية فيما خالفوا فيه الإسلام ونهى عن التشبه باليهود والنصارى في أشياءَ من هَدْيِهم ودَلِّهم وسَمْتِهم وليس هذا موضع استقصاء القول في ذلك
فمن اتبعَ من العرب والعجم هَدْيَ الأولين دخلَ في زُمرتهم فإنه مَن تَشبَّه بقومٍ فهو منهم وحينئذٍ يكون العجم ممن قال فيه صلى الله عليه وسلم لو كان العلمُ وفي لفظٍ الدينُ معلَّقًا بالثُّريا لتناولَه رجالٌ من أبناء فارس فإنه إشارة إلى العلم الذي نَعتَ الله به نبيَّه الذي بعثَه به وإن أخرجوا عن ذلك عادوا إلى الجاهلية جاهلية العرب ولا يَحقِرنَّ أحدٌ أمرَ اللسان فإنه أمرٌ عظيم ولهذا قرنَه عمر بالدين لمّا قال لابن عباس قد كنتَ أنت وأبوك تُحِبُّون أن يكثر هؤلاء يعني سَبْيَ المجوس فقال إن أمرتَنا قتلناهم فقال أبعدَ ما دخلوا في دينكم وتكلَّموا بلسانكم وقال عمر أيضًا رضي الله عنه تعلَّموا الفرائضَ واللحنَ كما تَعلَّمون القرآن فأمر بتعليم لحن القرآن والفرائض كما أمرَ بتعليم القرآن وقال عمر رضي الله عنه ما تكلَّم أحدٌ بالفارسية إلاّ خَبَّ ونَقَصَتْ مروءتُه وهذا والله أعلم عربيٌّ يُريد أن يتكلم بها لغير حاجة فما أظنُّه إلا أراد ذلك فإن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا عجمًا فُرسًا ورُوْمًا
واعلم أن هذه العبارات لا عربية لأن العرب لم تتكلم بها ولا عجمية لأنها ليست من لغة العجم فهي كلامٌ عجميٍّ يُريدُ أن يتكلم بمثلِ كلام العرب وحقيقٌ بالعجم الذين يريدون الدخول في عموم قولِه لو كان العلمُ معلَّقًا بالثريا لَتناولَتْه رجالٌ من أبناء فارس أن يَصُونوا ألسنتَهم عن التفوُّه بالكلام المعجرفِ الذي أقلُّ منه أفضل منه وأخصُّ منه أنفعُ منه فقد قيل إنه جاء فيهم آيتانِ من كتاب الله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [محمد 38] وقوله وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة 3] وأن يعدِلوا إلى العربية السمحة السهلة المُسفِرة عن وجوهِ المعاني الآخذة بأَزِمَّة الحقائق المبينة بين المشبَّهات بالفواصل المميِّزات والجامعة بين المشتركات بالضوابط المعمَّمات وأن يتكلَّموا بلغتهم التي نشأوا عليها فأمّا إحداثُ لغةٍ ثالثةٍ فهو حدثٌ في الدين وإذا ابتغَى العجمُ اجتنابَ التكلف في الكلام فالعربُ أحرى بذلك وأخلقُ لتيسُّرِ النطقِ عليهم بالعربية وبُعدِهم عن مسالك الشعوبية واعلم أنه وإن كان يقال لا مُشَاحَّةَ في العبارات فإن المقصود هو المعنى فإن اللسان له موقعٌ من الدين والعبارة المرضيَّة مندوبٌ إليها منا أن التعمُّق منهيٌّ عنه وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يُغيِّر كثيرًا من الأسماء أسماءِ الأشخاص والأمكنة وغير ذلك وكانوا يَنهَون عن اللحن ويأمرون بإصلاح اللسان فكيف في العبارات العلمية والمفاوضات الفقهية لا سيما في كلامٍ مقصودُه تركيبُ عباراتُ يَقْتَنَصُ بها الباطل أو يُفْحَمُ بها الجاهلَ متى سُوْمِحَ صاحبُها في الإطلاق تمكَّن من الرواج والنفاق
واعلم أن العموم والخصوص وإن كانا في الأصل مصدرين فقد يُوصَف بهما إمّا الفاعل أو المفعول فيقال هذا من الخصوص وهذا من العموم إمّا من المعمومين والمخصوصين وإمّا من العامّ والخاصّ وقول المصنِّف العمومية كأنه والله أعلم جعل العمومَ صفةً ثم نسبَها إلى ما أوجبَها كما يقال فيه عاميًّةٌ أي حالٌ منسوبة إلى العامَّة فَجعلَه من العموم على تقدير ولئن منع كونه عمومًا أي كونه عامًّا وهذا كلام معترض ليس هو المقصود قال ولئن منع العمومية فيقال إنه ثابتٌ في صورة التخصيص إذ التخصيص غير ثابتٍ بدونه بالنافي للتخصيص أو لأن أحدَ الأمرين لازم وهو إمّا عدمُ النصِّ العامِّ أو تحقُّقُ موجبِه إمّا بالضرورة أو بالنصّ فإنّ الحال لا يخلو عن وجود النصِّ أو عدمه اعلم أن منع العموم يحتمل شيئين أحدهما منع عموم اللفظ العام لصور التخصيص وهذا منعٌ صحيح يَستحقُّ الجواب إذ اللفظ لا يثبت أنه متناول لذلك الفرد حتى يثبت عمومُه والذي دلَّ عليه جميعُ السلف وعامَّةُ الخلف من طوائف العلماء على اختلافِ اعتقاداتِهم وتفنُّنِ عُلُومِهم بل الذي عليه طبقاتُ بني آدم أن هذه الألفاظ المعروفة بصِيَغِ العموم دالَّةٌ عند تجرُّدِها عن
القرائن على الشمول والاستغراق ولم يُخالِف من ذلك إلاّ الواقفةُ والمرجئةُ مع أن بعضَ الواقفة خرجَ عنهم في صيغ العموم وقد قال بعضُ من حَرَّر قولَ الواقفة إن متبوعهم لم يُنكِر صِيغَ العموم وإنما أنكر أن تُستعمل الظنون في مواضع القطع وهو إنجاز الوعيد وهذا أجْدَر أن يُظَنَّ بالعاقل فإن إنكار أصل العموم كأنه خروجٌ عن عقول العقلاء وإذا سلّم أن اللفظ هام لم يُقْبل منه في المباحث الفقهية أن يقول لا أسلِّم أن العموم حجة لكن إذا أنكر العموم فعلى المستدلِّ بيان العموم ببيان أن هذه الصيغة من صيغ العموم بالنقل أو الاستعمال وغير ذلك من الطرق وسيأتي هذا السؤال في قوله لِمَ قلتم إن اللفظ تناوله فإنَّه إذا ثبت أن اللفظ تناولَه ثبت العموم إذْ لا معنى للعموم إلاّ ذلك الثاني أن يمنع عموم المعنى موارد الاستعمال اسم التخصيص وهو المقصود هنا بأن يقال لا أسلِّم أنَّ عدمَ الإرادة مع تناول اللفظ معنًى يعمُّ صورَ التخصيص بل جاز أن يكون موجودًا في بعض صور التخصيص دون بعض فيقال له هذا المعنى ثابتٌ في كل صورةٍ من الصور التي يُستعمل فيها لفظ التخصيص لأن التخصيص ليس ثابتًا بدونه بالأدلة للتخصيص وإذا ثبت التخصيص مع عدمِه فحيثُ تحقق
التخصيص تحقَّق هذا المعنى ولا معنى لعمومه موارد التخصيص إلا هذا وإن شئتَ قلتَ لأنه لو لم يكن ثابتًا لم يثبت لفظ التخصيص لأن التخصيص على خلاف الأصل فهو منفيٌّ بالموجب للعموم وباستصحابِه الحالَ فلو لم يكن المعنى الذي ذكرناه من عدم الإرادة مع التناول ثابتًا في الموضع الذي يقال له تخصيص إمّا بأن تكون الإرادة حاصلةً أو بأن لا يكون التناول حاصلاً لم يثبت التخصيص للأدلة الدالّةِ على نفيه السالمةِ عما يُعارِضُها وهذا الجواب يختصُّ بهذا الموضع وما أشبَهه من المواضع التي تكون على خلاف الأصل ويمكن أن يُجعَل عامًّا بأن يقال في كل معنًى يُدَّعى عمومُه مواردَ الاستعمال اللفظ غير ثابت بدون هذا المعنى بالأصل النافي لأن الأصل عدم استعمال اللفظ فيما عدا صور هذا المعنى لأن الاستعمال كان معدومًا والأصلُ بقاء ما كان على ما كان وإذا كان اللفظ غير ثابت بدون هذا المعنى فحيثُ ما كان اللفظ فقد وُجِدَ المعنى العام فيكون المعنى عامًّا قال ولأن أحد الأمرين لازم وهو إمّا عدم النصّ العام أو تحقُّق موجبه بالضرورة أو بالنصّ فإنّ الحال لا يخلو عن وجود النصّ أو عدمِه هذا تقريرٌ ثانٍ لأنَّ المعنى المذكور عامٌّ لموارد الاستعمال يقول لأنّ التخصيص غير ثابتٍ بدونِه في نفس الأمر فهو لازمٌ للتخصيص
فيكون عامًّا له بالضرورة لأن اللازم عامٌّ لصور الملزوم وإنما قلنا ذلك لأن أحد الأمرين لازم إمّا عدمُ النصّ العام أو تحقّق موجبه بالضرورة أو بالنص نقول إن الضرورة أو النصّ تحقق أحد الأمرين عدم العام أو موجب العام لأنه إن لم يكن موجودًا فقد تحقَّق أحدُهما بالضرورة وهو عدم العام وإن كان موجودًا تحقَّق موجبُه بالنصّ لأنّ النصّ العام يقتضي تحقُّقَ موجبه فيكون النصّ محقِّقًا لأحدهما وأيُّهما تحقَّق لزمَ عدمُ التخصيص لأنه إن تحقَّق عدمُ العام فلا تخصيص وإن تحقق موجبه فلا تخصيص واعلم أنّ هذين التقريرين فاسدان أما الأول فمن وجوه أحدها قول التخصيص غير ثابت بدونه قلنا هذا حكمٌ على التخصيص بعدمِه عند عدمِ هذا المعنى والحكم على الشيء فرعُ تصوُّرِه وكلامنا في تصوُّرِ اسمِ التخصيص وحَدَّ هذا اللفظِ بحسب اللغة والاصطلاح فلا يخلو إمّا أن يكون اسم التخصيص مما قد عُرِفَ معناه ومفهومُه أو لم يكن قد عُرِفَ فإن كان قد عُرِفَ فلا حاجةَ إلى الاستدلال عليه كيف والخصمُ قد نازعَ فيه وإن لم يكن قد عُرِف لم يجز الحكمُ عليه بعدمٍ أو وجودٍ فإن قلتَ إنما أحكُم على اسم التخصيص وذلك إنما يتوقف على تصوُّر اللفظ فقط لا على تصوُّر معنى اللفظ قلتُ فالأدلة النافية لا تنفي اللفظ إنما تنفي المدلول عليه باللفظ لأن الأدلة النافية هي المُفضِية للعموم والشمول وهذه إنما
تنفي إخراجَ بعض العام لا تنفي أن ينطق ناطقٌ بلفظ تخصيص وإذا كانت إنما تنفي ما هو المعنيُّ بلفظ التخصيص لم يلزم من نفي هذا المعنى نفيُ الاسم المذكور حيث يثبت أن هذا المعنى لازم هذا الاسم ولن يثبت أن هذا المعنى لازمٌ لهذا الاسم إن لم يثبت أن الاسم لا يثبت بدون المعنى فلو أثبت هذا بما ذكر لأثبتَ الشيء بنفسه وهو غير جائز الثاني قوله لا يثبت بدونه بالنافي للتخصيص قلنا هذا حكمٌ بتحقُّق النافي للتخصيص ولا يمكن ذلك إلاّ بعدَ معرفةِ التخصيص فلو أثبتنا معرفة التخصيص بهذا لَزِمَ الدور الثالث أن النافي للتخصيص إما أن ينفي إطلاق اللفظ على غير هذا المعنى أو ينفي ما قد عَناه بالتخصيص أو ينفيهما معًا أما الأول والثالث فلا سبيل له لأن ما ينفي التخصيص إنما هو المقتضي للعموم وإرادة كل فردٍ من أفراد العام وذلك لا يتعرض لهذا اللفظ بنفي ولا إثبات فإن إطلاقَ هذا اللفظ على ذلك المعنى أمرٌ يتبع الوضعَ والاصطلاحَ في لفظ التخصيص وما يُوجِبُ إجراءَ العموم على عمومِه لا يتوقف على النطق بلفظ التخصيص كما ينفيه مع كون هذا المعنى لا يتحقق بدونه لفظ التخصيص فلا اختصاصَ للنافي للتخصيص بمطابقة اللفظ المعنى وجودًا ولا عدمًا وأما التقرير الثاني فنقول قولك التخصيص غير ثابت بدونه وقولك يلزم من تحققِ أحدِهما عدمُ التخصيص غير معقولٍ حتى يُعقَل معنى لفظ التخصيص فلو أثبتَّ ما يُعقَل من لفظ التخصيص بهذا
لَزِمَ الدور وأيضًا فقوله إذا عُدِمَ هذا المعنى لزِمَ إما عدم العموم أو تحقّق موجبه قلنا هَبْ أنه كذلك لكن من أين يلزم من تحقُّق أحدِهما عدم اسم التخصيص فإن الواضع لو وضَعَ اسم التخصيص على بعض ما يجامع أحدهما لم يكن محالاً وإن قال يلزم عدمُ المعنى الذي فسَّرنا به التخصيص قلنا نعم ولكن لِمَ قلت إن ذلك هو معنى لفظ التخصيص فإن هذا أولُ الكلام وأيضًا فإن الاستدلال بهذين الدليلين موقوفٌ على المقتضي لتحقُّقِ موجي العموم وعلى النافي للتخصيص ولاشكَّ أنّ معرفة معنى التخصيص أمرٌ متفقٌ عليه أظهرُ من هذين الأصلين فكيف يثبت الأقوى بالأضعف واعلم أن المرجع في ذلك إلى استقراء صور الاستعمال ومعرفة صور الوجود وصور العدم وهذا قد يُقطَع به وقد يَغلب على الظنّ وأدنى الأحوال أن يُستدلَّ على الأشياء باستصحاب الحال بأن يقال قد وجدناهم يستعملون لفظ التخصيص في موضع كذا وكذا وكذا وقد اشتركت هذه المواضع في هذا المعنى والأصل عدم موضع آخر لا يُوجد فيه هذا المعنى وإن سلك الطريقة المحققة قال هذا اللفظ مطابقٌ لهذا المعنى عمومًا وخصوصًا وملازمٌ له وجودًا وعدمًا لأنا وجدناه مقرونًا به في موضع كذا وكذا والأصل عدم وجود احدهما منفردًا عن الآخر وقد
يمكن التقسيم الحاصر إذا كان حكم الأقسام مسلَّمًا أو معلومًا سواء كان في جانب الوجود أو العدم مثل أن يقال اللفظ إمّا أن يكون متناولاً للمعنى أو لا يكون فإن لم يكن متناولاً فلا تخصيص لم يبق إلاّ إذا تناوله اللفظ وهو غير مراد وهذا حسنٌ إذا سلّم انتفاء التخصيص في القسمين الأولين والله سبحانه أعلم قوله إذا كان عامًّا يكون حقيقةً له فإن الغير لا يكون حقيقةً له وإلاّ يلزم الاشتراك أو المجاز هذا تقريرٌ لكون المعنى إذا كان عامًّا لموارد استعمال الاسم يكون حقيقةً له وهو أحد الوجوه التي ذكرناها فيما تقدم في حجة من يقول بهذه القاعدة وبيان كلامِه أن المعنى عامٌّ لموارد استعمال الاسم فإمّا أن يكون حقيقةً أو لا يكون والثاني باطلٌ فيتعيَّنُ الأول وإنما قلنا إنه باطل لأن الغير لو كان حقيقةً مثل أن يقال التخصيص عدم إرادة المعنى من اللفظ المتناول له بكلامٍ متصل فيقال استعمالُه في ذلك الغير إما أن يكون بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز فإن كان بطريق الحقيقة كان اللفظ مشتركًا وإن كان بطريق المجاز كان مجازًا وكلاهما خلاف الأصل وهذا تقريرٌ ليس بصحيح والاعتراضُ عليه أن يقال قولك وإن كان عامًّا يكون حقيقةً له فإن الغير لا يكون حقيقة له أيَّ شيء تَعنِي بالغير تضعني غيرَ هذا المعنى العام أو غيرَ ما هو معنى عام فإن
عنيتَ غيرَ هذا المعنى فلا نُسلِّم أنه يلزم الاشتراك والمجاز وذلك لأن غير هذا المعنى هو عامٌّ أيضًا أو يجوز أن يكون عامًّا لأن هذا المعنى يجوز أن يكون عامًّا لموارد الاستعمال وليس اللفظ عامًّا لمواردِه ويجوز أن يكون اللفظ عامًّا لموارده يكون موجودًا بدون اللفظ وإذا كان المعنى موجودًا بدون اللفظ لم يكن حقيقة اللفظ مع أنه عام لموارده وعلى هذا التقدير فلابدّ من معنًى يكون عامًّا لموارد الاستعمال ويكون اللفظ عامًّا لموارده هو حقيقة اللفظ ولا يلزم اشتراك ولا مجاز وإن شئتَ قلتَ غير هذا المعنى إذا كان حقيقة اللفظ فإنه يكون عامًّا أيضًا لمواردِه ولا اشتراك ولا مجاز وإن شئت قلت ما هو اعمّ من هذا المعنى واعمُّ من الأعمّ وهَلُمَّ جرًّا كلُّها مغايرةٌ لهذا المعنى ولو كانت حقيقة اللفظ لم يلزم اشتراكٌ ولا مجاز لأن اللفظ يكون حينئذٍ دالاًّ على القدر المشترك بينهما كلها بطريق الحقيقة وإن عنيتَ بالغير معنًى لا يكون عامًّا فإنه على هذا التقدير يلزم الاشتراك أو المجاز لأن حقيقة اللفظ في بقية الموارد إن كان بطريق الحقيقة أيضًا كان للَّفظ حقيقتان وهو المشترك وإن كان بطريق المجاز لزم المجاز لكن إذا بطل ما ليس بمعنى عام وهذا عام فلِمَ قلتَ إنه حقيقة اللفظ إنما يثبت ذلك إذ لو كان لا معنى عام إلاّ هذا لكن هنا معاني كثيرة عامة أو يجوز أن يكون هنا معنًى عام أو ما هو أعمُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا
بالضرورة أو ما هو أخصُّ من هذا المعنى عامٌّ أيضًا إن أمن بيانُ ذلك وقد تقدم الكلام على هذا واعلم أن قوله فإن الغير يكون حقيقة له ظاهرهُ أنه يعني غيرُ هذا المعنى لا يكون حقيقة لأنه لو كان حقيقةً لزمَ الاشتراك أو المجاز كما ذكرنا في التقرير الأول وهذا فاسدٌ بالضرورة كما تقدم قال المصنِّف ولئن قال لِمَ قلتم بأن اللفظ تناولَه فنقول بدليل صحة الاستثناء لما ادَّعى أن الأصل مخصوص من اللفظ العام بمعنى عدم إرادته مع تناول اللفظ إيَّاه فيخص منه النزاع قال ولئن قال لِمَ قلتم إن اللفظ تناولَه قال فنقول بدليل صحة الاستثناء وذلك أن صحة استثناء الشيء من اللفظ يَدُلُّ على أنه عامٌّ له لأن الاستثناء يُخرِج من اللفظ ما لولا هو لما خرج بدليل النقل والاستعمال والحكم والاشتقاق أما النقل فإن أهل النحو ذكروا ذلك في كتبهم وقالوا إخراجُ ما لم يدخل استثناءٌ منقطعٌ وإنما حقيقة الاستثناء أن يخرج بعض ما دخلَ في اللفظ وأما الاستعمال فإن الاستقراء دلَّ على أنّ العرب إنما تُخرِج من اللفظ ما دَخلَ فيه فإذا لم يدخل استُغنِيَ بعدمِ دخولِه عن إخراجه وأما الحكم فإنه لو قال عَبِيْدي أحرارٌ إلاّ فلانًا عُتِقُوا كلّهم إلاّ
فلانًا ولو لم يَستثِنه لعتقوا كلُّهم ولولا أن الاستثناء أخرجه وكان داخلاً بدونه لما كان كذلك وأما الاشتقاق فإن الاستثناء استفعالٌ من الثَّنْيِ وهو الصَّرف والمنع يقال ثَنيْتُ عِنانَ الفرس وثَنيْتُ فلانًا عن رأيه إذا طلبتَ صَرْفَه عن وجهه فالاستثناءُ يطلب صَرْفَ المستثنى ومَنْعَه عن الدخول ولولا قيامُ المقتضي لدخولِه لم يحتج إلى ذلك وإذا قام المقتضي السالم عن المعارض وجبَ دخولُه فإن قيل هذا يُشكِل بالاستثناء من غير الجنس قلنا عنه أجوبة أحدها أن ذلك لا يكون إلاّ في كلام غير موجب كما شهدَ به الاستعمال ونحن إنما استدللْنا بالاستثناء مطلقًا من الموجب وغيره الثاني أن ذلك يكون منصوبًا بكلِّ حالٍ في اللغة المجازية كما في قوله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء 157] ونحن إنما قصدنا المستثنى الذي يجوز إبدالُه في اللغة الشائعة من المستثنى منه الثالث أن ذلك مجاز على خلاف الأصل باتفاق أهل العربية وبعضهم يقول ليس باستثناء وإنما هو بمعنى لكن ونحن إنما استدللنا بحقيقة الاستثناء لا بمجازه
الرابع أن المانع هناك من دخولِ المستثنَى في المستثنى منه كونُ لفظ المستثنى منه ليس موضوعًا له جميعًا ولا فرادى ونحنُ إنما نستدلُّ بما يَصحُّ أن يُطلَق عليه لفظ المستثنى منه ولو على سبيل الأفراد كما يُطلق لفظ الإنسان على آحاد الذين آمنوا الخامس أن مقتضى الدليل دخولُ كلِّ مستثنًى لكن حيث عُلِمَ أن اللفظ لم يَشملْه عُلِمَ أنه استثناء منقطع فما لم يُعلَم ذلك فهو على الأصل السادس أن الاستثناء المنقطع استثناء المستثنى من حكم المستثنى منه ومن جنسه البعيد فإذا قيل ط إنسان إلاّ حمارًا فقد استثنيت الحمار من الحكم وهو نفي كونها فيه وهو مستثنًى من جنس الإنسان البعيد وهو الحيوانية فعُلِمَ أن المستثنى لابدَّ أن يدخل جنسه البعيد في حكم المستثنى منه ولولا ذلك لما صحَّ الاستثناء وهذا حسن قوله ولئن مَنَعَ فنقول يصحّ استثناء البعض في بعضِ الأسامي المحلاَّةِ بالألف واللام كما في قوله وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر 1 - 3] فوجبَ أن يصحَّ في الكلّ وإلاّ يلزم أن يكون البعض مختصًّا
بالموجب وليس كذلك وإذا صحَّ في الكلِّ صحَّ فيما نحن فيه ولئن قال لِمَ قلتم بأنه إذا صحَّ في البعض صحَّ في هذا المعيَّن فنقول مثل ما قلنا اعلم أن هنا مَنْعَيْنِ أحدهما أن يمنع صحة الاستثناء من اللفظ الذي يدعي عمومه وهو قوله هنا الثيِّب بالثيب جَلْد مئةٍ وتغريبُ عام أو الثيبان يُرجَمان والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة والثاني أن يمنع كون الاستثناء دليل التناول والعموم أما الثاني فقد تقدم بيانه وأما الأول فيحتاج إلى بيان صيغ العموم والكلام في هذا الموضع في الاسم المعرَّف باللام وهو قسمان أحدهما أن يكون اسم جمع أو ما هو من نعتي اسم الجميع وهو ما لم يصلح أن يكون صفة للواحد ولا موصوفًا به مثل جموع التصحيح والتكسير كرِجالٍ وقُرُوْه وأسماء الجموع كالناس والنَّفر والرَّهْط واسم الجنس كالنمر والبقر والغنم والإبل ونحو ذلك فهذا كلُّه للعموم باتفاق القائلين بالعموم إلاّ من شَذَّ الثاني أن يكون اسمًا واحدًا مثل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبَّهة وأفعل التفضيل والمصادر كلّها وجميع أسماء الأجناس
التي لها تثنية وجمع كالإنسان والحيوان والدرهم والدينار فهذا عند الفقهاء وأكثر الأصوليين يُفِيد العموم أيضًا كما ذكره صاحب الجدل وذهب جماعةٌ من مُثبِتي العموم من المتكلمين إلى أنه لا يفيده وإنما يُفيده عند القائلين به إذا لم يكن التعريف لمعهود فأما إن كان لمعهود غير المسمّى العام فإنه يرجع إليه بلا تردد والدليل على انه يفيده صحة الاستثناء منه والدليل على صحة الاستثناء منه قوله إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر 2 - 3] وإذا صحَّ الاستثناء من بعض الأسماء المفردة صحَّ من جميعها لأنه لو لم يصحَّ لكان ذلك البعض مختصًّا بما يوجب صحة الاستثناء وليس كذلك لأن الأصل عدم الموجب ولأنه لا فرق بين هذا المفرد وبين غيره من المفردات فوجب التسوية بينها في جواز الاستثناء وإذا صحَّ في جميع الأسماء المفردة صحَّ فيما نحن فيه لأنه اسم جنس مفرد ولأن الاستثناء قد صحَّ في عدة صورٍ مثل قوله إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ , إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إلى قوله إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) [المعارج 19 - 22] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود 9 - 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم التاجر هو الفاجر إلاّ من بَرّ وصّدّق أو كما قال إلى غير ذلك من الصور
فنقول إنما صحَّ فيها للقدر المشترك بينها وهو الألف واللام لدوران الصحة معها وجودًا فيما ذكرنا وعدمًا في النكرات في الموجب إذا قيل أكرم رجلاً ونحو ذلك وإذا كانت الألف واللام هي المصحِّحة للاستثناء وجب صحة الاستثناء حيث كانت ولأن المصحّح للاستثناء ليس غير الألف واللام إذ ليس في اللفظ ما يصلح للعموم غير ذلك بالضرورة والاتفاق فتعيّن الألف واللام ولأن الألف واللام للتعريف فإذا لم يكن بعض الأفراد معهودًا لم يبقَ معروفٌ ينصرف الخطابُ إليه إلاّ الجنس ولو كان المراد مطلق الجنس لم يصحّ الاستثناء لأن إخراج فردٍ من الأفراد لا يؤثِّرُ في الحقيقة وجودًا ولا عدمًا فتعيَّن أن يكون المراد استغراق الجنس وهذا كما أنه دليل على العموم فهو دليل على صحة الاستثناء من كلّ جنسٍ جاز تعريفُه مع عدم العهد وهو المقصود وأما قول المصنف إذا صحَّ في بعض الأسامي صحَّ في الكلّ وإلاّ لكان البعض مختصًّا بالموجب وليس كذلك فهو كما قال لأنه لو صحَّ في بعض الأسماء المحلاَّةِ باللام دون البعض لوجب اختصاص البعض بالموجب وليس كذلك لأن الموجب للصحة هو المشترك بينها أو نقول فإن الصحة متعلقة بالمشترك بينها وهو الاسم المحلَّى باللام لما تقدم من الدوران ونحوه فإن قيل فقد دارَ مع ما يختصُّ بتلك الصورة المستشهد بها
قيل لم يَدُر معه عدمًا لأنّ المختصّ ينتفي بانتفاء أجزائه وصحة الاستثناء موجودة ولم يَدُرْ مع بعضه لأنه لم يَدُرْ وجودًا مع بعضه وأما قوله لِمَ قلتم إذا صحَّ في البعض صحَّ في المعيَّن فمعناه لِمَ قلت إنه إذا صحَّ في بعض أفراد الجنس يصحُّ في هذا الفرد المعيَّن من أفراد العام فنقول مثل ما قلناه أي أنه إنما صحَّ في البعض لأجل المشترك بينه وبين غيرِه وهو كونُه داخلاً في مسمَّى الاسم العام خارجًا عن إرادتِه لدوران الصحة معه وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي صورة الصحة وأما عدمًا ففي صورة عدم المشترك وهو ما إذا كان مرادًا فقد دارَ كلامُه على مقدمتين إحداهما أنه صحَّ استثناء البعض في بعض الأسماء المعرَّفةِ بالألف واللام فيصحُّ في الجميع والثاني صحَّ استثناء البعض فيصحُّ استثناء الجميع وهو كلامٌ صحيح في الجملة الوجه الثاني في تقرير العموم أن المراد بالثيب ونحوه إمّا أن يكون المراد به واحدًا بعينه أو عموم الجنس أو مطلق الجنس والأول منتفٍ بالإجماع ثم لو ثبت في واحدٍ بعينهِ فإنما ذاك لأجل الثيوبة فإنّ الحكم إذا عُلِّق باسمٍ مشتقّ مناسب كان ما منه الاشتقاقُ علَّةً فتكون العلةُ هي الثيوبة فيجب عموم الحكم لعموم علته
والثالث يقتضي العمومَ أيضًا لأنه يقتضي تعلُّقَ الحكم بالحقيقة من حيث هي هي وكلُّ فردٍ من أفرادٍ الحقيقة قد تحققت فيه الحقيقة فيجب أن يتعلَّق الحكم بها لما ذكرناه من المعنى والثاني واضح الوجه الثالث أن المانع من عمومِه إمّا أن يكون جواز إرادة الحقيقة من حيث هي هي أو شيئًا آخر لكن الثاني منتفٍ بالأصل وبالاتفاق على أن ما سوى ذلك ليس بمانع وهذا لا يجوز أن يكون مانعًا لأن أسماء الجموع قد يُرادُ به تعريفُ الحقيقة ثم لم يكن ذلك مانعًا من العموم فكذلك أسماء الأجناس واعلم أن الحكم المعلَّق باسم الجنس إن كان في معنى النفي كالتحريم ونحوه كان مفيدًا للعموم بلا تردُّد لأن انتفاء الحقيقة لا يحصل إلا بانتفاء كلِّ فردٍ من أفرادِها أما إذا كان إثباتًا كالإيجاب والإباحة فيظهر لك أن دلالة قوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة 275] على العموم أضعفُ من دلالة قوله وَحَرَّمَ الرِّبَا على العموم فإن تحريم الربا يقتضي تحريم هذه الحقيقة وتحريمها يقتضي الأمر بإعدامها وذلك لا يحصل إلاّ بإعدام كلِّ فردٍ من أفرادِ الربا وأما إحلال البيع فإن قيل يقتضي العموم وإلاّ فيقال إنه إنما اقتضى إباحة هذه الحقيقة ولاشكّ أنها مباحة لكن لا يمنع من تحريم بعض النوع بسببٍ خارجٍ عن حقيقة البيع وأيضًا فإن إحلال البيع مع تحريم الربا يقتضي أن بعض البيوع محرَّم وذلك البعض لا يُعلَم حتى يُعلم الربا فيكون مُجملاً أو
يكون كلّ ما يُسمَّى ربًا خارجًا عن الإحلال والربا إمّا عامٌّ أو مجمل ولأجل هذه المآخذ اختلف الناس هل المحَلُّ المحرَّمُ هنا مجملٌ أو عام مما ليس هذا موضع استقصائه قال المصنّف ولئن منع الإضافة وقال إنه غير مضاف أو غير ثابت بالأصل فذلك باطلٌ يُعرَف من بعدُ يعني إن منعَ إضافةَ الحكم إلى المشترك بين صورة الإجماع وصورة النزاع وقال إن الحكم غير مضاف إلى المشترك أو التخصيص غير ثابت في صورة الإجماع أما الأول فلما تقدم ذكره من النافي للتخصيص يقول أحد الأمرين لازم إما عدم الإضافة أو عدم التخصيص فإنه يكون قد ادَّعَى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء وقد تقدم الكلام على عدم جواز هذا وسيأتي إن شاء الله وذلك أنه يدَّعي عدمَ الإضافة وقد انعقد الإجماع على وقوع التخصيص فيكون عدم التخصيص لازم الانتفاء وأقلُّ ما فيه أن يُقابلَ بمثله فيقال لا يتحقق أحدهما لتحقق أحد الأمرين الآخرين اللذين أحدهما عدم التخصيص في صورة الإجماع أو الإضافة إلى المشترك وإذا تحقق أحدهما ولم يتحقق عدم التخصيص تعيَّن إضافة الحكم إلى المشترك وذلك يناقض ما ادعيتم من نفي الإضافة
قوله وكذلك إذا قيل لو أضيفَ لتَرجَّح القياسُ على النصّ فإن الترجيح بعد التعارض ولا تعارضَ بينهما في الحقيقة هذا كلام صحيح في الأصل وهو كلام من يجوِّز تخصيص العموم المخصوص بالقياس فإن المانع يقول لو أضيف الحكم إلى المشترك للزمَ ثبوت الحكم في الفرع فيلزم ترك العمل بالعموم وذلك تقديم القياس على النصّ وهذا لا يجوز لِما تقدم من الحجج الكثيرة وجوابُه أن الترجيح بعد التعارض ولا تعارض بين النصّ والقياس لأنّ النصّ لم يدلَّ على الحكم في صور التخصيص وإذا لم يكن مراده لم يكن قد تعارضا وهذا معنى قولِه في الحقيقة وقد تعارضَا في الظاهر لأن العموم يُثبِتُ الحكمَ في ذلك الفرد والقياس ينفيه لكن يقال إنما قدَّمنا القياسَ على دلالة العموم وذلك غير محذور وليس هو ترجيحًا للقياس على النصّ ومنهم من يُقرِّر هذا بوجهٍ آخر فيقول لو أضيف الحكم إلى المشترك لكانت الإضافة متحققةً في نفس الأمر وامتنع أن يعارضها نصٌّ لأنّ النصّ كلام الشارع وهو مما يُوجِب العلم في الشرعيّات لكونه مَصُونًا عن الخطأ والقياسُ رأيُ المجتهد وقد يُخطِئ ويُصيب
ولأن النصّ مُثبِتٌ للحكم والقياس مُظهِرٌ لمحل آخر يثبت فيه مثل حكم النصّ فكيف يُعارضه فكيف يتعارضان وإذا امتنع تعارضهما امتنع الترجيح لأنه فرع التعارض لكن وقوع الإضافة دليلٌ على عدم النصّ المعارض فلا ترجيح للقياس على النصّ واعلم أنّ الجواب الأول الاعتراض عليه ببيان دلالة العام على صور التخصيص وغيرها وحينئذٍ يعود الكلام المتقدم وأما الثاني فضعيف لوجهين أحدهما أنه هَبْ أن الإضافة لو كانت واقعةً لما عارضت النصّ لكن وقوعها في نفس الأمر غير معلوم وإنما دلَّ عليه المناسبة ونحوها فيكون ما ذكرته على صحة وقوع الإضافة معارضًا للنصّ ومعنى الكلام إن قلتم بالإضافة لزمَ المحذور الثاني أن المعارضة بين دلالة النصّ وبين القياس وهذا واضح