أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصلٌ في التمسُّكِ بالنص وهو الكتابُ والسنة

صفحات 509-530

فصلٌ ثم الأمرُ هو اللفظ الدالُّ على طلبِ الفِعْل بطريقِ الاستعلاء هذا الرسمُ للأمر قريبٌ وقد قيل هو طلبُ الفِعْل بالقول على وجه الاستعلاء وهذا الحدُّ أجَوْدُ من حَدِّه لأنه جعل الأمر اسمًا لنفسِ اللفظ الدالِّ على الطلب الاستعلائي ومعلومٌ أن المدلول غير الدالِّ فيكون الطلب خارجًا عن حقيقةِ الأمر ومن قال هو طلب الفعل بالقول جعلَ الطلبَ القوليَّ الاستعلائي هو الأمر وهذا أَجْود لأن هنا ثلاثة أشياء أحدهما الطلب القديم بقلب الطالب الذي لا يتبدَّل بتبَدُّل العبارات والثاني اللفظُ الدالُّ عليه والثالث مجموعُ الأمرين وقد قيل إن الأمر اسم لذلك الطلب من حيث هو كذلك وقال هذا هو اسم اللفظ

والصوابُ الذي عليه الفقهاء وجماهير أهل العلم أنه اسم للمجموع وكذلك كل اسم لنوعٍ من أنواع الكلام مثل النهي والخبر أو لجمعيه كالكلام والقول أو لمفرداته كالاسم فإن هذه الأسماء لا يستحقُّها مجرَّدُ الألفاظ مع قطع النظر عن معانيها ولا المعاني مع قطع النظر عن الألفاظ وإنما يستحقُّها اللفظ المتضمِّنُ للمعنى والمعنى المتضمِّن اللفظَ وهو كالجسد والروح للإنسان أو كالبطانة والظهارة للجبَّة فإنَّ الاسم لا يسحتقه في الأصل أحد هذين قوله ولئن منع فنقول هذا أو اللازم أمر بالنقل فإنه يدلُّ على كونِ أحدهما أمرًا أو يقول اللازم لا يخلو إما أن كان أمرًا أو لم يكن فإن كان أمرًا فظاهر وإن لم يكن أمرًا يكون ذلك أمرًا بالدليلِ السالم عن معارضة كون اللازم أمرًا يقول إذا ادَّعى المستدل أن هذا مأمور به أو أن هذا القول يدلُّ على الأمر فمنع ذلك قال هو الأمر اللفظ الدال على طلب الفعل بطريق الاستعلاء وهذا القول كذلك فإن منَعَ ذلك قال هذا اللفظ أو لازم هذا اللفظ أمر بالنقل عن أهل اللغة فإنَّ عباراتهم في بيان الأمر يدل على أنه هذا أو هو أمر لازم لهذا كقول من يقول هو

اقتضاء طاعة المأمور بفعل المأمور به أو هو صيغة افعل وما يقوم مقامها إذا تجرَّدَتْ عن القرائن أو يقول هو إرادة الفعل بالقول على وجهِ الاستعلاء أو يقول هو نفس الاقتضاء القائم بنفس المقتضي سواءٌ كان على وجهِ الاستعلاء أو لم يكن فإن هذه المعاني لازم لما ذكرته وقوله اللازم إلى آخره يقول قد قامَ الدليلُ على ثبوت الأمر فإن كان الأمر هو اللازم فهو أحد الشيئين وإن لم يكن هو اللازم فهو ذلك بالدليل المقتضي لوقوع الأمر السالم عن معارضةِ كون الأمر أمرًا قوله على أنَّ احدهما أمر في قوله وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة 34] بدليل قوله قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف 34] يقول اللفظُ الدالُّ على طلب الفعل أو لازم هذا اللفظ وهو الطلب مثلاً في هذه الآية بدليل تسميته أمرًا فيجب أن يكون أمرًا في جميع المواضع دفعًا للاشتراك أو المجاز قوله وهذا يدلُّ على أنه للوجوب لأنه لو لم يكن للوجوب ما ذمَّه اللهُ تعالى على التَّرْك

اعلم أنَّ الاستدلال بالأمر على الوجوب له مقامان أحدهما تحقُّق الأمر وثبوته فإن كانت الصيغة صريحة مثل قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ [النساء 58] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل 90] يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف 157] ونحو ذلك فلا كلام وإن كانت الصيغة ظاهرة وهي صيغة افعل وليفعل ونحوهما وصيغةُ الخبر إذا اسْتُعِْملت بمعنى الأمر كقوله وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ [البقرة 233] فالذي عليه عوامُّ الخلائق أن مقتضى هذه الصيغة ومعناها الطلبُ والاستدعاء وأنِها بمطلقها أمر ولا يُصْرَف عنه إلا بقرينة وذهبت الواقفة إلى أنها مترِّدَة بين الأمر وبين سائر المعاني التي اسْتُعْمِلت فيها من الإباحة والتهديد والتعجيز والتكوين والتسخير والتسوية والتمني والدعاء وغير ذلك من المعاني ثم منهم من جزم بالاشتراك ومنهم من توقَّف وليس هذا الخلاف مما يُلْتفتُ إليه في الأمور العلمية فإنَّا باضطرار نعلمُ أن هذه الصيغة إذا تجرَّدت عن القرائن فإن معناها الاستدعاءُ والاقتضاءُ ثم تلك المعاني هل فيها هذا المعنى وهو الاستدعاء والاقتضاء أو في بعضها بحيث تبين العلاقة بين الحقيقة والمجاز أو يثبت التواطؤ وليس فيها شيء من معنى الطلب فيه بحوث دقيقةٌ ليس هذا موضِعَها وإثبات هذا المقام سهل وعليه تُبْنى صيغة افعل

الواردة بعد الحَظْر هل هي أَمْر أو إذْن المقام الثاني إذا ثبتَ الأمرُ إما صريحًا أو ظاهرًا بلفظةٍ أو بقرينةٍ فهل مقتضاه إيجاب الفعل فالذي عليه جماهير الفقهاء من الطوائف الأربعة وغيرهم أنَّ المجرَّد منه للإيجاب وذهبَ بعضُهم وطوائف من المتكلمين إلى أنه إنما يفيد الندب ومنهم من قال إنما يفيد القَدْرَ المشترك وهو مُطْلق الاستدعاء من غير تعرُّضٍ لتجويز الترك أو المنع من الترك وهذا أقرب من الذي قبله ومنهم من يزعم أنه مشترك بينهما ومنهم من توقَّف في الجميع والخلافُ هنا أقربُ من الخلافِ في الذي قبله وقد استدلَّ عليه المصنِّف ببعضِ الأدلة المشهورة منها قوله مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف 12] وجه الدليل أن الله أمر الملائكةَ وإبليسَ معهم بالسجود لآدم ثم لما امتنعَ إبليسُ من السجود ذمَّه اللهُ وعاقبَه على ترك الامتثال ولو لم يُفِد الأمرُ الإيجابَ لما استحقَّ الذَّمَّ والعقابَ على الترك لأنَّا لا نعني بالإيجاب إلا كون التَّرْك سببًا للذَّمِّ والعقاب وكون إبليس مأمورًا مع الملائكة لا خلاف فيه بعد قوله إِذْ أَمَرْتُكَ سواء قيل هو من الملائكة حقيقة أو تبعًا ودعوى أن الأمَر كانت معه قرينة تُفيد الوجوب يُجاب عنه بأن الأمرَ المحكيَّ في القرآن مطلق وهو قوله فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)

[الحجر 29] وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة 34] والأصلُ عدم القرائن الحالية ولو كانت لَذُكِرت لبيان المقتضي للعن الشيطان ثم قوله إِذْ أَمَرْتُكَ كالنص في ترتُّبِ الذَّمِّ على مخالفة مجرَّدِ الأمر ودعوى أن إبليس إنما استحقَّ ذلك لتركه تكبُّرًا لا لمجرَّد الترك لا تستقيم لأن التركَ من سبب الذمِّ والعقاب إذ لو لم يكن جزءًا لنفى الكبر الذي في نَفْسِه الذي لم يتضمَّن تركَ واجب ولا فعل محرم وذلك وإن كان عظيمًا لكن سنة الله أن لا يجزي الناس على ما في ضمائرهم حتى يبتليهم وإلاَّ فذلك الكبر كان موجودًا قبل هذا ولأن الله سبحانه بيَّن أن الذَّمَّ والعقابَ عن مخالفة الأمر بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف 50] وقوله إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) [البقرة 34] فذَمَّه على الإباء والاستكبار والمصير من الكافرين فَعُلِم أن كلاًّ من الإباء والاستكبار له مَدْخل في استحقاق الذَّم وأيضًا فينبغي أن يُقال إنَّ ترك امتثال الأمر على وجه الشهوة جائز وعلى وجه الكبر غير جائز ومعلوم أن هذا قولٌ يخالف الإجماع وإن كان التركُ كِبْرًا أعظمَ عند الله وأشدَّ عقوبة وأقبحَ عاقبة

الدليل الثاني قوله وكذلك قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور 63] حذَّر الله المخالفين عن أمره أن تصيبَهم فتنة وهي الكفر أو يصيبهم عذاب أليم فلولا أن المخالفة ينعقد معها سبب الفتنة أو العذاب لما حذَّر منها ومعلومٌ أنه لو كان الفعل بعد الأمر على حاله قبل الأمر من جهة عدم الضرر على تركه لم ينعقد بتركه سببُ الكفر أَو العذاب ألا ترى أن صلاة الضحى أو صيام أيام البيض لا يقال لمن تركه احْذَر أن ترتدَّ عن دينك أو يعذِّبْك اللهُ عذابًا أليمًا وهذه الآية تُصَدِّقُ التي قبلها فإن إبليسَ خالفَ عن أمرَ ربِّه فأصابته الفتنة بأن صارَ كافرًا وآدمُ عصى ربَّه فأُخْرِجَ عن الجنة الدليل الثالث قوله ولأن التارك عاصٍ بقوله أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) [طه 93] والعاصي يستحقُّ العقابَ لقوله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ [الجن 23] وكذلك تارك الأمر وهذا أيضًا دليل جيِّد لأن من تَرَك امتثال الأمر فقد عصاه بقوله أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) [طه 93] وبقوله وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) [الكهف 69] وقوله لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم 6] ومن عصى أَمْرَ اللهِ ورسولِه فقد عصى اللهَ ورسولَه وإلا أمكن كلَّ أحدٍ أن

يقول إنما عصيتُ أمرَ الله ولم أعص الله فلا يكون أحد قد عصى الله وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ [الجن 23] واعلم أَنَّ هذه الأدلَّة عليها أسْوِلَة ليس هذا موضعَ استقصائها وقول المصنِّف وكذلك تارك الأمر عليه مناقشة لأنه قد قال تاركُ الأمر عاصٍ والعاصي يستحقُّ العقابَ وهذا يُنْتج أنَّ تارك الأمر يستحق العقابَ فإدخالُ كاف التشبيه هنا لا معنى له لأنه يقتضي أن تارك الأمر مُشَبَّه بالعاصي لا أنه قِسْم من العاصيين إذ المُشَبَّه غير المُشَبَّه به والجوابُ عن هذا على دقة فيه أن الجزء قد يُشَبَّه بالكلِّ ومن هنا سُمِّي هذا النظم قياسًا فكأنَّه قال كما استحقَّ العاصي العقاب يستحقه تارك الأمر لأنه قِسم منه فهو تشبيه لاستحقاق النوع باستحقاق الجنس قوله ولئن قال لو كان الأمر للوجوب لكان الترك معصيةً في كلِّ صورٍة من صور الأمر صيغةً وليس كذلك فنقول الكلامُ فيما إذا كان عاريًا عن القرينة النُّطْقية والعقلية لاشكَّ أن الأمر يدلُّ على أن الأمر أوجبَ الفعلَ إلا أن يدل دليل على أنه لم يوجِبْه وإنما نَدَب إليه وهذا شأْن جميع الأدلة التي تُتْرَك

لما هو أقوى فإنَّ تَرْكَ مدلول الدليل مقرونًا بمانعٍ لا يُبْطل دلالَتَه ولو بطلت دلالتُه بتركه لمانعٍ لما صحَّ الاستدلال بدليل يمكنُ تخلُّف مدلوله عنه من الأمر والنهي والعموم والخصوص والمطلق والمقيَّد وخبر الآحاد والقياس والشهادة والفتوى والاستصحاب نعم هل الدليل مجموعُ الأمرين الأمر وعدم القرينة حتى يُقال الأمر المجرَّد هو الدليل أو الدليل هو نفس الأمر والقرينة معارض لذلك الدليل هذا فيه منازعة لفظية وقوله إذا كان عاريًا عن القرينة النُّطْقية والحالية لكان عامًّا وذلك لأن القرينةَ قد تكون حالة للمتكلم كما يظهرُ من صورته أو يُعلم من سيرته وقد تكون حالاً للمأمور وقد تكون ما يُعْلم من شأن المأمور به وقد تكون دليلاً قوليًّا أو فعليًّا أو قياسًا يدلُّ على عدم الوجوب فإن قال كل ما ليس بقوليٍّ فهو عقليٌّ قيل له إن أردت أنه يُدْرك كونه قرينةً صادقة بالعقل فالنطق كذلك وإن أردت أنَّ العقلَ يستقلُّ بدَرَكِه فأكثر هذه المواضع لا يستقلُّ العقلُ بدَرَكِها اللهمَّ إلا أن يقول أردتُ بالنطقيِّ الدلائل النقلية السمعية وبالعقليِّ الدلائل العقلية فيعودُ الكلامُ الذي تقدمَّ في

أوَّل هذا الكتاب

فصل ثم النهيُ وهو طلب الامتناع عن الفعل على طريق الاستعلاء مما يقتضي الحرمة اعلم أن حقَّه أن يجدَّ النهيَ بحدٍّ يُقابل حدَّ الأمر فيقول هو اللفظُ الدالُّ على طلب الامتناع بالقول على وجه الاستعلاء وأما مجرَّد الطلب أو الطلب بغير القول وإن سُمي نهيًا ففي كونه حقيقةً أو مجازًا خلافٌ مشهور والذي عليه الجماهير أنه مجاز وأما قولُه طلب الامتناع فهنا بحثٌ وهو أن المطلوبَ بالنهي ما هو بعد الاتفاق على أن المطلوبَ به الترك فالذي عليه أكثرُ الأصوليين أن المطلوبَ به أمرٌ وجوديٌّ وهو فعلُ ضدِّ المنهيِّ عنه وهو الكفُّ مثلاً أو الامتناع وذهب بعضُ المتكلِّمين إلى أن المطلوب به عدم المنهيِّ عنه وهو نفس أن لا يفعل المنهيَّ عنه لأنَّ مقصود الناهي عدم ذلك الأمر المنهيِّ عنه وقد لا يخطر بباله الاشتغالُ بضدَّه نعم ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به وهو مبنيٌّ على أنَّ النهي عن الشيءِ أمرٌ بضدِّه

ووَجْه الأول أن النهي طلب واقتضاء والمطلوب المقتضى لابدَّ أن يكون مُسْتَطاعًا للعبد ومقدورًا عليه له والعدمُ المحض والنفي الصِّرْف ليسَ مقدورًا له ولا هو من آثار قدرته واستطاعته فامتنع أن يكون مطلوبًا منه وأيضًا فإنَّ طاعةَ الناهي واجبة كطاعة الآمر والطاعةُ إنما تكونُ بقصدِ الموافقة والقصدُ إنما يتوجَّه إلى أفعال العبد أما ما ليس مِنْ فِعْله ولا من أثر فعله فلا يصح قصدُه وإرادته والعدم المحض ليس من فعله ولا من أثر فعله فامتنع أن يكون مقصودًا له وفصلُ الخطابِ في هذه المسألة أنَّ المنهيَّ إذا لم يفعل ما نُهِيَ عنه ولم يقصد الاحتساب والانتفاء ويستشعر الانتهاءَ عما نُهِيَ عنه لم يستحقّ ثوابًا ولا عقابًا ولا هو مطيعٌ ولا عاصٍ بل عدمُ الفعلِ اقتضى عدمَ الذَّمِّ والعقاب وعدمُ الانكفافِ والاتقاء اقتضى عدم الثواب ولو قيل إنَّه يُثابُ وإن ثوابَه سلامتُه عن العقوبة فإنَّها إحدى الغَنِِيْمَتَيْن ونجاتُه من العذاب فإنها أحد الفوْزَيْن لكان معنًى صحيحًا وأما إذا قَصَد تركَ الفعل بعد قيام داعِيْه وباعثه وقَصَد أن لا يفعل لو وجد داعيه وباعثه فهنا يُثاب على ذلك ويكون مطيعًا وقد صَدَر عنه أمرٌ وجوديٌ بلا ريب فوجودُ الثواب لا يكون إلا عن أمرٍ

وجودي أما عدم العقاب فيكفي فيه الأمرُ العدميُّ في باب المنهيَّات وبهذا يظهر أنَّ كلا القولين له وجهٌ صحيح والخلافُ في الحقيقة آئل إلى اللفظ لكن القول الأوَّل أجود تحقيقًا فإنَّ مقصودَ الناهي كما أنه قد يكون عدم فعل القبيح فقد يكون ابتلاء المكلَّف وامتحانه كما نهى آدم عن أكل الشجرة وهذا إنما يصحُّ على اُصولِ أهل السنة ولهذا كان القولُ الثاني من مذاهب المعتزلة البصريين قوله مما يقتضي الحُرْمة وإلاَّ لما صحَّ إطلاقُ اسم المعصية على ارتكابِ المنهيِّ عنه وقد صحَّ بالنقل والاستعمال اعلم أن الذي عليه عامةُ الطوائف أنَّ النهي يقتضي حُرْمة الفعل المنهيِّ عنه حتى إن كثيرًا ممن خالف في الأمر قد وافقَ في النهي وفيه خلافٌ شاذٌ وكل ما دلَّ على أن الأمر يقتضي الوجوب فهو دليلٌ على أنَّ النهيَ يفيد الحُرْمة لأن النهَي عن الشيء أمرٌ بضدِّه ولأن النهيَ في الحقيقة نوعٌ من أنواع الأمر لأن الأمرَ طلبُ الفعل والنهَي طلبُ الفعلِ أيضًا لأنَّ الترك والامتناع نوعٌ من الأفعال وهو أمرٌ وجوديٌّ كما تقدَّم ولهذا كان قول أكثر الفقهاء إنه إذا قال إنْ عَصَيْتِ أمري فأنتِ طالق فنهاها وعصته أنه يحنث وأيضًا فقد دلَّ على النهي دلائل تخصُّه كقوله سبحانه وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر 7] فإنه يفيد وجوبَ الانتهاء لأن

استحباب الانتهاء معلومٌ بنفس النهي فلابدَّ أن يفيد هذا الخطاب فائدةً زائدةً على جميع أنواع الاستحباب وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم إذا نَهَيْتُكُمْ عن شيءٍ فاجْتَنِبُوْه وإذا أَمَرْتُكُم بأَمْرٍ فأُتُوا منه ما اسْتَطَعْتُم متفق عليه يدلُّ على ذلك وأيضًا فإن الله سبحانه نهى آدم وزوجَه حوَّاء عن الأكل من الشجرة فلما خالفا لحقهما من العقاب ما قد ذكره اللهُ في كتابه وأيضًا فكل ما دلَّ على وجوب الطاعة أو تحريم المعصية فهو دليل على وجوب الانتهاء وتحريم المخالفة في النهي والأدلة على هذا مستوفاة في غير هذا الموضع لكن قد احتجَّ المصنِّف بثلاثة وجوه أحدُها قوله وإلا لما صحَّ إطلاق اسم المعصية على ارتكاب المنهي عنه وقد صحَّ بالنقلِ والاستعمال وتقريرُ ذلك أنه لو لم يكن الفعل محرَّمًا لما كان مرتكبُه عاصيًا لأن العاصي يستحقُ الذَّمَّ والعقابَ كما تقدمَّ فلو لم يكن الفعل محرَّمًا لكان مباحًا لأنه ليس بين الحلال والحرام واسطة ومن فَعَل المباحَ لا يكون مذمومًا ولا معاقَبًا لكن مرتكب المنهيِّ عنه عاصٍ بقوله سبحانه وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) [طه 121] لما ارتكب المنهيِّ عنه بدليل قولِه أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف 22] والأصل عدمُ

ما سِوَى النهي المجرَّد ولأن أهل اللغةِ يسمُّون من ارتكبَ المنهيَّ عنه عاصيًا ولأن الاستعمال شائع بذلك الوجه الثاني قوله على أن المنهيَّ عنه مشتمل على المفسدة الراجحة وإلاَّ لَقَبُحَ النهيُ عن الفعل المباح وليس كذلك حاصلُ هذا الوجه أنَّ المنهيَّ عنه لابدَّ أن يشتملَ فعلُه على مفسدةٍ وهي جَلْب مضرَّة أو دفع منفعة ولابدَّ أن تكون المفسدة التي فيه خالصة أو راجحة على مصلحةٍ إن كانت فيه وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يشتمل على مفسدة لا تُعارِضها مصلحة بقدرها وهي مفسدة خالصة حينئذٍ ولو قال على المفسدة الخالصة لكان أجود من قوله الراجحة لأن كلّ راجحة فإنها تؤول إلى مفسدة خالصة وليست كلُّ خالصةٍ تكون راجحة لأن الرجحان إنما يكون عند تقابل المصالح والمفاسد ومن الأفعال ما لا مصلحةَ فيه فقوله لابدَّ أن يشتمل على المفسدة الراجحة فيه مناقشة لأن المشتمل على المفسدة المحضة لا يقال إنه مشتمل على مفسدة راجحة اللهم إلا أن يقال معناه أن أحسنَ أحواله اشتمالُه على مفسدةٍ راجحة أو يقال إنه ما من فعل إلا وفيه مصلحة ولو كونه موجودًا أو كونه موافقًا لغرض الفاعل من بعض الوجوه أو يُقال إن المفسدةَ الخالصةَ تُشْعِر خلوَّ الفعلِ عن المصلحة بالكلية فهذا هذا ووَجْه الحصر أنَّ الفعلَ

إما أن يكون فيه فساد أو لا يكون فإذا لم يكن فيه فساد لم يَجُز النهيُ عنه لأنه حينئذٍ إما أن يكون متساويَ الطرفين بحيث يصحّ أن يقال لا فسادَ فيه ولا صلاح أو يكون فيه صلاح من غير فساد وعلى التقديرين فلا وَجْه للمنع منه ومهما فُرِضَ النهيُ عن عبثٍ أو لعبٍ أو لهوٍ فلابدَّ من اشتماله على فساد ومن الناس من يقول لِمَا لا مصلحة فيه ولا مفسدة قبيح لأنه عَبَث وإضاعة للزمان فيجب النهي عنه وفي الحقيقة فهذا قد تضمَّن المفسدة وإذا كان فيه فساد فإما أن لا يكون فيه صلاح وهو المطلوب أو يكون فيه صلاح أيضًا فإن تساوَى هو والفساد من كلِّ وجهٍ لم يَجُز النهيُ عنه على ما ذكرنا وعلى ما ذكره بعضُ الناس يجبُ النهي عنه وإن ترجَّح أَحدُهما فالراجح منهما مشتمل على ما لا يقَابِلُه شيء سواءٌ كان الراجحُ جانبَ المصلحة أو جانب المفسدة ومتى كان الراجحُ جانبَ المصلحة لم يَجُز النهي عنه فتعيَّن القسم الآخر ويتبيَّن بذلك أن الفعل المنهي عنه لابُدَّ أن يشتمل إما على مفسدة خالصة أو راجحة لأنه بدون ذلك يكون النهي عن المباح وهو غير جائز أو النهي عما استوى طرفاه أو راجح جانب خيره وكلاهما لا يجوز النهيُ عنه واعلم أنَّ هذا الكلام فيه بحوثٌ كثيرة ليس هذا موضعَ تحقيقها

منها أنَّ الفعل الواحد بالشخص وهو الحركة المعينة من الشخص المعيَّن في الوقت المعين هل يمكن استواء طَرَفيها من كلِّ وجه فيه نظر الشرع أو يقال لابدَّ أن يترجَّح أحَدُ جانبيها على الآخر رُجْحانًا لا يبلغ حدَّ الاقتضاء والطلب فعلاً أو تَرْكًا فيه تفصيل ليس هذا موضعه ومنها أنَّ هذا الكلام مبنيٌّ على أنه يجبُ اشتمال الأوامر على المصالح والمفاسد وقد تقدَّم في هذا كلام وجيز في المناسبة والذي يجبُ أن يُعْتَقد أن الواقع في الشرائع أن الأمر والنهي لابُدَّ أن يشتملا على مصلحة للمأمور والمنهي بتقدير الطاعة ولابد أن يشتملا على مفسدةٍ لمن عصى كما قال عُمر بنُ الخطاب رضي الله عنه وغيره من السلف إنَّ الله إنما أمر العبادَ بما ينفعهم وإنما نهاهم عما يضرهم ولتلك المصلحة ثلاثة مصادر أحدها أن تصدر المصلحة من نفس اعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال والثاني من جهة الفعل من حيثُ هو مأمورٌ به أو منهيٌّ عنه والثالث من جهةِ الفعل من حيث هو

فإذا نهى الله سبحانه العبدَ عن شيءٍ ففي معصية هذا النهي إما بفعل المنهي عنه أو باعتقاد عدمِ التحريم والعزم على فعل المنهي عنه فسادٌ للمكلف أما الفعل المنهيُّ عنه من حيث هو هو فلا يجب أن يشتمل على مفسدة فإنَّ النهيَ قد يكون ابتلاءً وامتحانًا للمكلَّف كما نهى الله أصحابَ طالوت عن أن يشربوا من النهر زيادةً على غرفة وإن كانوا لو شربوا بدون النهي لم يكن فيه فساد وهذا مذهب الفقهاء وأهلِ السنة وأما القدريَّة فعندهم لابدَّ أن يكون الفعل في نفسه مشتملاً على مفسدة لكن يُعْلَم تارةً بالعقل وتارةً بالسمع فالشرائع عندهم موضِّحات للأحكام لا موجبات وأما الجبريَّة فعندهم لا يجوز أن يكون الفعل مشتملاً على صفةٍ مقتضية للحكم فالشرائعُ عندهم موجباتٌ لا موضحات ومذهبُ أهل السنة من الفقهاء وغيرهم أن كلا القسمين واقع وأن الشرائع تارةً توضِّح ما في الأفعال من الصفات وتارة تجعل الأفعال صفاتٍ لم تكن قبل ذلك ومن ذلك قوله وإلاَّ لَقَبُح النهي عنه فإنَّ هذا في ظاهره مبنيٌّ على قول من يقول القُبْح العقلي في أفعال الله وهو خلاف ما عليه

جماهيرُ أهل السنة وهو أصل القدرية الذين أسَّسوا عليه مذهبَهم لكن يمكن أن يقال نحن نعلم باضطرار أن الشرائع لم تشتمل على قبيح ونعلمُ أنَّ النهي عن فعل الصالحات غير واقع في الشرائع وغير جائز على الله شرعًا وغير جائز عليه عقلاً بمعنى أن العقل يعلم أنَّ فعل المنهيِّ عنه قبيح وأنه لو لم يكن قبيحًا إما بالنهي أو قبل النهي لكان النهي عن شيء لا يكون قبيحًا بحال غير جائز على الله وإن كان كلام المصنِّف لا يبيِّن هذه المعاني واعلم أن هذا الدليل ليس بمرضي لأن حاصله أنه لابد أن يكون في الفعل المنهيِّ عنه جلب مضرَّة أو دفع مفسدة أو لابدَّ أن يكون ذلك في اعتقاد عدم قبح المنهيِّ عنه أو العزم على فعله وهذا مُسَلَّم لكن لِمَ قلتَ إن هذه المفسدة توجبُ العزيمة وذلك أنه من المعلوم أن النهي قسمان نهي تحريم ونهي تنزيه وأنَّ كلا القسمين المنهي عنهما لابدَّ أن يكون مفسدته راجحة على مصلحته فلو كان اشتماله على المفسدة الراجحة موجبًا للتحريم لامتنع نهي التنزيه وذلك لأن المفاسد تختلف فمنها ما فيه ضرر عظيم في أمر الدين أو ضرر عظيم في أمر الدنيا ومنها ما فيه مضرَّة يسيرة خفيفة إما في الدين أو في الدنيا والتحريم يقتضي استحقاق الفاعل الذمَّ والعقابَ فإن كان ضرر الفعل الحاصل عنه ضررًا يقتضي ذم الفاعل

وعقابه بحيث يكون ضرر الفعل أكثر من الضرر الحاصل من ذمِّ الفاعل وعقابه حَسُن النهيُ عنه على سبيل التحريم دفعًا لأعظم الضررين بالتزام أصغرهما وإن كان ضرر الفعل شيئًا يسيرًا بحيث يكون الذم والعقاب على فعله أعظم من ضرر فعله لو خلا عن الذم والعقاب حَسُنَ أن يُنْهى عنه بيانًا لما فيه من الفساد ولم يحسن أن يحرَّم لأن معنى تحريمه الإخبار بأنه سبب لذمِّ فاعله ولعقوبته ومعلومٌ أن ذمَّ فاعله وعقوبته ربما كانت أضعاف ضرر فعله فكيف يوقع أعظمَ الضررين لدفع أخَفِّهما نعم يكون فعل ما نُهي عنه على وجه التنزيه سبب الانتقاص إما بانحطاط درجته أو بِقِلَّة أجره وثوابه أو ببقاء الأيام التي عليه كما قد يكون تَرْك كثيرٍ من المسنونات من هذا القبيل فَعُلِم بذلك أنَّ النهي يدلُّ على اشتمال الفعل المنهيِّ عنه على مفسدة راجحة لكنَّ مجرَّدَ اشتماله على المفسدة لا يكون موجبًا لحرمته إلا أن تكون مفسدةُ فعلِه أعظم من المفسدة الحاصلة بفاعله من الذمِّ والعقاب بتقدير التحريم وبهذا يحصل الجواب عن قولهم الشارع حكيم فلا يجوز أن يبيح ما فيه مفسدة لأن المفاسد يجب السعي في إعدامها وإذا لم يتَّجه فقد حُرِمنا تعلُّم أن اشتماله على المفسدة موجبٌ للتحريم فيقال ما فيه مفسدة لابُدَّ أن ينهى الشرع عنه ويعرف بما فيه وحينئذٍ فلا يكون مباحًا متساوي الطرفين لأنه لابد أن يحرِّمه على

العباد حتى يجعل فاعله مذمومًا معاقبًا أو يجعل فعله سببًا لعقوبة فاعله فكيف يجب ذلك وهو لو فَعَلَه لم يكن فيه ضرر أعظم من ضرر العقوبة فكيف يُشرع حكمٌ فيه من المضَرَّة ما ليس في عدمِه إذ لو يحرِّمْه لكان ضرر فعله دون عقوبته فإن قيل كثير مما نهى الله عنه وحرَّمَه لو لم يحرِّمْه لكان إما أن يخلو عن المضرة أو فيه مضرة دون مضرة العقوبة على الفعل كما قد قرَّرتموه قبل هذا ومع هذا فقد حرَّمَه قلنا هذا غلط بل يجب أن يُعْتَقد أن جميع تحريم ما حرَّمَه الله لو لم يكن لكان الفساد الحاصل من عدمه أكثر من الفساد الحاصل بعقوبة العاصين بتقدير الوجود وأن تقدير وجوده أقل مفسدة وأكثر مصلحة من تقدير عدمه ولو لم يكن إلا أن في التحريم من تحصيل اعتقاد التحريم والعزم على الطاعة والانقياد للناهي من المصلحة ما لو عُدمت لكان ضرر عدمها أكثر من ضرر عقوبة من يعصي واعْتَبِر هذا بقصَّة النَّهر فإنه لولا النهي لعَبَروا كلُّهم وأكثرهم المنافقون فزادوهم خبالاً وأوضعوا خلالهم والمؤمن منهم لم يستحكم إيمانه فلعلّهم لو قاتلوا جالوت على تلك الحال لانهزموا فلما ابتلوا بالنهي عن الشُّرب أطاع من أطاع فازداد يقينًا وإيمانًا وحصل لهم النصر على عدوهم بسبب ذلك الإيمان

واليقين وعقوبة العاصين مرجوحة مغمورة في جانب ما حصل من إعزاز دين الله وإعلاء كلمة الله الذي هو مقصود الشرائع وأقرب ما يُقال في جواب هذا السؤال أن الفعلَ المشتمل على مفسدة والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب الوجه الثالث قوله ولأنه لو لم يكن محرَّمًا لما كان العاقل محترزًا عن ارتكاب المنهيِّ عنه حال كون النفس داعيةً إليه وقد كان محترزًا فيكون حرامًا كأن مضمون هذا الوجه أنه يقول لو لم يكن الفعل محرَّمًا لكان مباحًا ولو كان مباحًا لما احترز العاقلُ عن إيقاعه عند وجود الداعي لأن الداعي إذا دعا إلى أمر مباح فلا معنى للاحتراز عنه شرعًا لكنَّ العاقل يدعوه عقلُه إلى الاحتراز من إيقاع الفعل المنهيِّ عنه لما يتخوَّفه من قُبْح عاقبته وسوء مغبّتِه فَعُلِم أنه ليس بمباح فهو حرام وهذا الوجه مستدرَك من وجوه أحدهما أن احتراز العاقل قد يكون منشؤه تجويز التحريم أو ظنّ التحريم أو توهُّم التحريم فإنَّ هذا إنما يمنع العاقل عن ارتكاب المنهيِّ وإن لم يكن في نفسه محرَّمًا الثاني أن أفعال

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل