أهل الأثرالأرشيف العلمي

مثل قوله عليه السلام لا ضرر ولا إضْرار في الإسلام فيقال الإيجاب إضرار لأنه يفَوِّت سلامة الملك عن الزوال لو أُدِّي وسلامة النفس عن العقاب لو ترك والمجموع مطلوب والإضرار يدور مع المفوت للمطلوب وجودًا وعدمًا فيكون حقيقة له مثلاً فإن أدى زال ملكه وإن لم يؤدِّ تعرَّض للعقاب وكل واحد من زوال المال وعقوبة النفس ضرر وهذا الضرر إنما حصل بالإيجاب فيكون الإيجاب مقتضيًا لهذا الضرر

فيكون ضررًا وهو معنى قوله لأن الإيجاب تَفْويت سلامة الملك أو سلامة النفس لأنه إن أُدِّي فقد فاتت سلامة الملك عن الزوال وإن لم يُؤَدَّ فقد فاتت سلامة النفس عن العقاب لقيام سبب وجوده وهو ترك أداء الوجوب وكلُّ واحدة من هاتين السلامتين مطلوبة لأن العاقل يطلب سلامة ملكه من الزوال وسلامةَ نفسِه من العقاب والإيجابُ يفوِّت هذا المطلوب وتفويت المطلوب إضرار لأن الإضرار يدور مع المفوّت للمطلوب وجودًا وعدمًا فحيثما وُجِد مفوِّت للمطلوب كان ذلك إضرارًا وحيث انتفى المفوِّت للمطلوب لم يكن إضرارًا فيكون قد دار كون الشيء إضرارًا مع كونه مفوِّتًا للمطلوب وجودًا وعدمًا فيكون التفويت للمطلوب حقيقة الإضرار والإضرار منتفٍ بقوله لا ضرَرَ ولا إضْرارَ في الإسلام والمعنى لا ضرر ولا إضرار في أحكام الإسلام بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه ولو ثَبَت الضررُ في هذا الحكم لثبت الضرر في جملة الأحكام فلم يصح أن يقال لا ضرر في أحكام الإسلام والضررُ ثابت في واحدٍ منها

واعلم أصلحك الله أن هذه الطريقة على هذا الوجه مسكتة من وجوه أحدها أن هذا الحديث الذي ذكره بهذا اللفظ لا يُعْرف في شيءٍ من دواوين الحديث وإنما المعروف ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وللرجل أن يضع خَشَبَةً في حائِط جارِه وإذا اختلفتم في الطريق فاجْعَلُوْه سَبْعَة أذْرُعٍ ورواه ابنُ ماجه في سننه مُقَطَّعًا وإذا لم يكن معروفًا لم يصح الاحتجاج به لأن أقل ما على المستدلِّ أن يبيِّن ثبوتَ الحديثِ إما بكونه مشهورًا بالصحة أو بكونه مرويًّا في الدواوين الصحيحة أو في ديوان غير مشهور بالسُّقْم أو أن يرويه بإسناده أو بكونه في شيءٍ من كتب الحديث في الجملة وإن

كان هذا وحده غير كاف فإن الجدليين مصطلحون على أنه لو عزاه إلى بعض كتب الفقه لم يُقْبَل إلا أن يكون صاحب الكتاب عالمًا بصحيح الحديث وضعيفه ففي قبوله حينئذٍ خلافٌ بينهم ولو عزاه إلى كتاب حديث لبعض الفقهاء كان بمنزلة عزوه إلى كتاب حديث وأولى فأما حديث ليس له زِمام ولا خِطام فلا يجوز الاستدلال به في الأحكام باتفاق أهل العلم من الجدليين وغيرهم فإن قال هذا قد رواه بعضُ أصحاب الخلاف أو بعض الفقهاء وذلك كافٍ قيل له هولاء المتأخِّرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقِّهَة أقلُّ الناسِ علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته ولعلّ أحدهم أو أكثرهم لا يعرفون مظانَّ طلب الأحاديث ولا حملها ونقلها ولا يميزون بين أجناسها وأنواعها وأدنى دليلٍ على ذلك ما في كتبهم من الأحاديث التي أجمع أهلُ الحديث على أنه ليس لها أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم تارةً يجعلون الفتوى حديثًا وتارة تكون الكلمة محفوظة عن بعض الفقهاء أو بعض السلف فيجعلونها مرفوعةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يخلطون بالحديث زيادات ليست منه وذلك لأنهم لم يتلقوا الأحاديث ممن ضبطَها وأحكمها وإنما غايةُ المبرِّز منهم أن يجده في بعض كتب الفقه ولا يَعْرف من أين نقله ذلك المصنِّف ومجرَّد ذلك

لا يغلِّب على الظن صحةَ الحديث بعدما عُرِفَ من تساهل هذا الضرب في الأحاديث وقلة اعتنائهم بها لا سيما إذا لم يوجد له أصل في الدواوين المعنيَّة بهذا الشأن وعند الرجال الذين هم فرسان هذا العلم فيكون مَثَلُ دينار عُرِضَ على النجَّارين فقالوا هو صحيح فلما رأتْه الجهابذة قالوا هو مغشوش والقولُ في ذلك قولُهم لأن أهل كلِّ صنعة أعلم بصنعتهم وكذلك لو رأى بعض الحدَّادين خَرَزةً فقالوا هي جوهرة وقال الجوهريُّ هي زجاجة فالقولُ قولُ الجوهريُّ ويكفي دليلاً على ذلك أن هذا المصنِّف ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث عامتها ليست محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنَّ في الباب الذي يذكره عدة أحاديث صحاح مشهورة وإذا كان المحفوظ إنما هو قوله لا ضرر ولا إضرار بطلَ الاستدلال الذي ذكره لأنه إنما يتمّ بأن يُقال لا ضرر ولا إضرار في أحكام الإسلام ومعلومٌ أن مجرَّد قوله لا ضرر ولا إضرار لا يدلُّ على هذا المحذوف وحذفُ مالا يدلُّ عليه سياق الكلام غير جائز بقي أن يُقال اللفظ عام في نفي كلِّ ضرر والإيجاب ضرر فيكون منتفيًا فنقول سنأتي عليه الوجه الثاني أنه إن كان قوله لا ضرر ولا إضرار في الإسلام محفوظًا فإن معناه يعود إلى معنى قوله لا ضرر ولا إضرار وذلك

ينبني على مقدمة وهو أن بعضَ الناس يقول الصوابُ في هذا الحديث أن يقال لا ضرر ولا إضرار فالضرر اسم مصدر ضرَّه يضرُّه ضررًا والضرار مصدر ضارَّه يُضارُّه ضرارًا ومضارَّة فنفي النبيُّ صلى الله عليه وسلم الضرر المنفرد من أحد الجانبين والضرار المشترك من الجانبين وتقديره لا يضرَّ أحدُ أحدًا ولا يُضَارَّ أحدٌ لكن في كتب الحديث لا ضرر ولا إضرار وهذا كما أنه المعروف في الرواية فهو أجود في الدراية وذلك أنَّ ما يحصل لأحد الجارين من المضرة تارًة يكون بقصد الجارِ الآخر وفعله وتارة لا يكون بفعله فما كان بفعله فهو إضرار بالآخر وما لم يكن بفعله فهو ضرر به ففي نفي النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يتضرَّر الإنسانُ أو أن يضر به غيره وهذا لأن الضرر اسم المصدر واسم المصدر لا يختص باللازم ولا بالمعتدِّي بل يدلُّ على الحدث من حيث هو كالكلام فإنه لا يختصُّ بالتكلُّم ولا بالتكليم وكذلك الحركة لا تختصُّ بالتحريك ولا بالتحرُّك فالضرر اسم لما يقع بالمتضرِّر لا يختصُّ بالضرر الذي هو متعدٍّ ولا بالتضرُّر الذي هو لازم ويجوز أن يكون اسمًا للشيء المضارّ ويجوز أن يكون مصدرًا ل ضرِرْتُ أضَرُّ ضَرَرًا مثل عَرِج يَعْرجُ عَرَجًا وعَمِي يَعْمَى عمى وصمَّ يَصَمّ صَمَمًا فيكون على هذا مصدرًا للازم ومن ذلك قوله لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء 95] فإنه ليس إشارة إلى ضُرِّ الغير لهم ويدلُّ على أن هذا

الاسم لا يدلُّ على ضررٍ متعدي قولُ الإنسان فلانٌ به ضررٌ ومكانٌ ذو ضررٍ أي ضيِّق ويقال لا ضرر عليك ولا ضرورة ولا مضرَّة وأما الإضرار فهو مصدر أضْرَرْت به أُضِرُّ به إضرارًا إذا أَوْقَعَ به الضرر وأحلَّه به كأنه أَلْصَقَه به ولهذا جِيء بالباء وليست للتعدية فإن الثلاثيَّ يتعدَّى بنفسه فكيف يتعدَّى الرباعيُّ بالباء لكن جِيء بها لزيادة المعنى وهذا المعنى أعمُّ من المعنى على ذلك القول ويؤيده أنه لو أُريد ذلك المعنى لكان الأَقْيس لا ضرّ ولا ضرار وأيضًا فإنَّ الضرار في الحقيقة ضُرّ فنَفْي الضُّرِّ يستلزمُ نفي المضارَّة كما أن نفي القَتْل والضَّرْب يستلزمُ نَفْي المقاتلة والمضاربة فإن قيل فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ضارَّ أضرَّ اللَّهُ به ومن شاقّ شقَّ اللهُ عليه وقال تعالى لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا [البقرة 233] وقال وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ [البقرة 282]

وقال وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق 6] وقال تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا الآية [التوبة 107] قيل إنما جِيء في هذه المواضع بصيغةِ المفاعلة لأنه فِعْل من أحد الجانبين يقتضي مثلَه من الجانب الآخر فهو يفضي إلى المفاعلة وإن كان المنهي أحد الجانبين وذلك أن الكاتب أو الشهيد إذا فُعِل به ما يضرُّه فإنه يكافيء على ذلك بموجب الطبيعة فصارت مُضارَّة وهكذا كلُّ ما كان من شأنه إمكان المُقابلة والمُجازاة وهذا يبين أنَّ المضارَّةَ أخصُّ من الضرر ونَفْي الأعمِّ يستلزم نفيَ الأخصِّ إذا تبيَّن هذا فقوله لا ضرر ولا ضرار صيغته بصيغة الخبر ومعناه الأمر لأنه لو كان مقصودُه الإخبار بعدم وقوع الضرر والإضرار للزم أن لا يقع شيء من الضرر والإضرار لأنَّ خبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صِدْق لا يجوز أن يقع شيءٌ منه بخلاف مُخْبره فلما رأينا في الوجود شيئًا كثيرًا من الضرر والإضرار علمنا أن مقصودَه النهي عن الضرر والإضرار فيكون المعنى لا يتضرَّرَنَّ أحدٌ بأحد فحيثما تضرَّر أحدٌ بأحد فعلى من كان ذلك التضرُّرُ من جهته أن يزيله ويرفعه فحيثُما أضرَّ أحدٌ بأحد فعليه أن ينتهي عن ذلك ولا يحلُّ له أن يفعله ابتداءً وكذلك إن صحَّ قولُه في الإسلام لكان معناه النهي أيضًا

كقوله لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَار في الإسلام أنَّما معناه لا تجلبوا ولا تجنبوا ولا تشاغَروا في الإسلام وكذلك قوله لا حِلْف في الإسلام وما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فلم يزِدْه الإسلام إلا شِدَّة ومثل هذا كثير وإذا كان كذلك امتنع أن يُسْتَدَلَّ بذلك على نفي إيجاب الله أو تحريمه لأن الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يُنهى ولا يُؤمَر ويجوز أن يكون معناه الخير أيضًا وإن كان معناه آئلاً إلى الأمر بأن يَقْصد الإخبار عن الحكم الشرعي والأمر الديني تقديره ليس في دين الله وحكمه أن يتضرَّر أحد ولا أن يضرَّ أحدٌ أحدًا وعُلِمَ هذا بقرينة حاله صلى الله عليه وسلم فإنَّه إنما بُعِثَ لبيانِ الأحكام الشرعية والأمور الدينية فأما ما يَعْلم كلُّ أحدٍ بحواسِّه فلا حاجة إلى بيانه وأيضًا فإنه قد عُلِمَ أنه لم يُرد نفي وقوع الضرر فعُلِمَ أنَّ المراد نفي كونه دينًا وشرعًا فهو ينفي جوازَه وإباحتَه والمعنى لا يُباح ضررٌ ولا ضِرار

وقوله في الإسلام إن صحَّ يصدِّق هذا المعنى لأن الإسلام هو دين الله فكأنه ليس في الإسلام الذي هو دينُ الله ضررٌ ولا إضرار أي ليس فيه أن يتضرَّرَ أحدٌ ولا أن يضرَّ به غيره وما ليس من الإسلام يجبُ إعدامه لأنه لا يجوز الخروج عن دين الإسلام وعلى هذا التقدير فمعناه معنى النهي ولا يجوز أن يراد به نفي الأحكام الشرعية التي يحكم بها الشارع ويشرعها لما سيأتي إن شاء الله الوجه الثالث أنه لا يجوز أن يُراد به نفي الأحكام الشرعية لأن الأحكام الشرعية أمْرُ الشارع وكلامه أو موجب ذلك أو خَلْق ذلك بالأفعال فكل حالة إنما مصدرها ومبدؤها من الشارع فإن أثبتها ثبتت وإن نفاها انتفت ليس للمكلَّف فيها فعل وإنما يمكنه الاستدلال عليها والفحص عن أسباب علمها فهو يٌبْدِيها لا يَبْتَدِئها ويُظْهِرها لا يُصْدرها وبين المُظْهِر والمُصْدِر فرق أنور وهذا ظاهر على أصل من يقول إن في الحادثة حكمًا معينًا على المجتهد طلبه كما هو قول جماهير الفقهاء وعامة السلف وكذلك من قال ليس فيها حكم مُعَيَّن فإن عنده على المجتهد اتِّباع ما يغلب على ظنِّه فهو مقيَّد بالأدلة والأمارات غير مطلق في الآراء والاختيارات

وكذلك من قال عليه طلب الأشبه بالحق وإذا كان كذلك فإن كان معنى الكلام نهيًا لم يجز أن ينهى عما ليس من أفعالنا وإن كان نفيًا فليس من إخبارنا بأن الله إذا حَكَم بحكمٍ لم يكن في ذلك الحكم ضررٌ ولا إضرار أيّ فائدة لأن هذا أمر معلومٌ علمًا ظاهرًا أن الله سبحانه لم يضر عباده بدينه وشرعه الوجه الرابع لا يجوز أن يُراد به نفي الإيجاب أو التحريم لأن الإيجاب أو التحريم ليس بضرر ولا إضرار إذ لو كان ضررًا أو إضرارًا لكان الله سبحانه إذا أوجب شيئًا أو حرَّمه فقد حكم في دينه بالضرر والإضرار ولكانت الرسل إنما بُعِثت بالضرر والإضرار لأن أكثر الشرائع إنما هي إيجاب أو تحريم ولكان دين الله وشرعه عامته ضررًا للخلق وإضرارًا بهم ولكان تَرْك إنزال القرآن وتَرْك بعث الرسل دفعًا للضرر والإضرار فيكون ذلك أقرب إلى رحمة الخلق ونفعهم ويكون تَرْك الناس كالبهائم يفعلون ما يشتهون أنفع لهم وأصلح وأقرب إلى رحمتهم وتكميلهم واستقامة أمورهم من تقييدهم بقيود الأمر والنهي ولكان الرسول لم يُبْعَث رحمةً للعالمين لأنَّه بُعِث بالضرر والإضرار ولكان الشارع قد أراد العُسْر ولم يُردِ اليُسْر لأنه إنما أتى بالضرر والإضرار ولكان المنزل من القرآن ليس شفاءً ورحمةً للمؤمنين إلى غير ذلك من اللزوم التي يقشعر منها الجلد

بل هي كفر واضح قد أجمعَ المسلمون على بطلانها بل قد دلَّت القواطِعُ السمعيةُ والعقلية على انتفائها فَعُلِمَ أن الإيجاب والتحريم ليس بضرر ولا إضرار فبطل دخوله في العموم الوجه الخامس أن الإيجاب والتحريم ليس بداخل في الحديث لأنه لو كان داخلاً لاكتفي بقوله لا ضرر أو بقوله لا إضرار لأن أحد اللفظين يدلُّ على انتفاء ذلك كما يدلُّ عليه الآخر فإعادة اللفظ في مثل ذلك تكرير محض ولا يُقال ذلك توكيد لأن التوكيد نوعان أحدهما إعادة اللفظ بعينه كقوله والله لأغزونَّ قريشًا والله لأغزونَّ قريشًا واللهِ لأغزوَنَّ قريشًا وقوله عدَلَت شهادةُ الزُّوْرِ الإشراكَ بالله مرتين أو ثلاثًا وقوله في تعديد الكبائر ألا وَقَوْل

الزُّوْر ألا وشهادةُ الزُّوْر فمازال يكرِّرُها حتى قلنا ليته سكت وهذا كثير في كلامه صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا وإذا سلَّم على قومٍ سلم عليهم ثلاثًا فلو قصد هذا لقيل لا ضرر لا ضرر والثاني توكيد المعنى الأول بما يزيد عنه شبهة بأن يكون المؤكِّد أنصَّ على المقصود من المُؤكَّدِ كقوله فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) [ص 73] وقولهم جاءَ زيدٌ نفسُه ونحو ذلك وهذا أيضًا منتفٍ هنا لأنه ليس في أحد اللفظين من الدلالة على نفي الإيجاب أو التحريم ما ليس في الآخر الوجه السادس أن المقصود بهذا الحديث نفي الضرر والإضرار في أفعال العباد لا في أحكام الله لأنه إذا قصد الأول كان الحديث باقيًا على عمومه سواء قصد به النهي أو النفي فإنه لا يحلُّ لأحدٍ أن

يفعل ضررًا ولا إضرارًا وحيث جاز ذلك مثل قَتْل القاتل وجَلْد الشارب فليس بضرر لأنه منفعة عامة للناس ومنفعة خاصة للمحدود بتطهيره من الذنب وتحقيق العقوبة والمضرة المغمورة في جانب المنفعة ليست مضرة مطلقة ولهذا لا يُعَدّ نزول الغيث وقت الحاجة ضررًا وإن كان فيه هَدْم بعضِ البيوت واحتباس بعض السفر وانقطاع بعضُ الناسِ عن مصالحهم وإذا جُعِل متناولاً للإيجاب أو التحريم لزم تخصيصُه بكلِّ ما أوجبَه الله أو حرَّمه ومعلوم أن هذه صور كثيرة لا تُحْصَى أشخاصُها وإذا دار الأمرُ بين ما يلزم منه التخصيص وبين ما لا يلزم منه التخصيص كان حملُه على ما يقتضي بقاء عمومه وحفظَه عن التخصيص أولى لما في التخصيص من مخالفة الأصل وهذا ظاهر ولو سُلَّم أنا إذا حملناه على أفعال العباد كان فيه تخصيص لكان يقال إذا حُمِل على الأحكام كَثُر فيه التخصيص وما كان على خلاف الأصل فكثيره على خلاف الأصل الوجه السابع أنه لا يصح اندراج الإيجاب أو التحريم فيه إلا بإضمار الأحكام لأن الإسلام فِعْل العبد المسلم يقال أسلم لله يُسلم إسلامًا وأسلم وجْهَهَ لله يسلمه إسلامًا فإذا قيل ليس في هذا الدين الذي هو الإسلام ضرر ولا إضرار كان حقيقة نفي ذلك عن الدين الذي يفعله العباد فإذا قصد به ليس في حكم الله الذي يحكم به على أهل هذا الدين افتقر إلى إضمار وحَمْل الحديثِ على معنًى لا يفتقر إلى إضمار أولى من حمله

على معنى يفتقر إلى إضمار لأن الإضمار خلاف الأصل الوجه الثامن أن الإضمار إنما يجوز إذا دلَّ على سياق الكلام إما بأن لا يصح الكلامُ إلا به كقوله وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف 82] وقد علم أنَّ الجدران والأرض والسقوف لا تُسأَل ونحو ذلك وهنا الكلام يصح بدون هذا الإضمار وليس في اللفظ قرينة تدلُّ عليه فتمتنع إرادتُه وهذا قاطِعٌ في نفي الإضمار لأنّ شَرْط جوازه معدوم ولهذا لم يقصد هذا المعنى في مثل قوله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج 78] وقوله يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة 185] وبيّن ذلك بأن أضاف نفيَ الحرجِ والعُسْر إلى الله ليعلم أنه هو الذي نفاه عن حكمه في دينه وهنا فاعل الضرر والإضرار غير مذكور ومحله هو أفعال العباد فوجب أن يجعل فاعله هو فاعل محله ويكون المعنى أيها الدائن الإسلام لا تُدْخِل فيه ضررًا ولا إضرارًا الوجه التاسع أن سياق الحديث وما قُرِن به وضُمَّ إليه يدلُّ على أنه قصد به نفي الضرر أو الإضرار في أفعال العباد بل في بعض أفعالهم وذلك أنه قال صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وللجار أن يضع خشبةً في حائط جاره وإذا اختلَفْتُم في الطريقِ فاجعلوه سبعةَ أَذْرُع ولابدَّ أن يكون بين الجُمَل المعطوف بعضها على بعض نوعُ مناسبةٍ والمناسبة هنا أن التجاور في الأملاك مَظِنَّة أحد الجارين بالآخر

أو إضراره به كما يشهد به الواقع فأراد صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن ذلك وينفيه عن دين الإسلام ولذلك قال وللجار أنْ يضَعَ خشبةً في حائطِ جارِهِ لأنه إذا احتاجَ إلى ذلك ولم يمكنه تضرَّر بذلك وكذلك أَمَر بالطريق إذا اقتسموا الأرض أو أرادوا إحياءها أن يجعلوه سبعةَ أَذْرُع فإنَّ مازاد على ذلك ضرَّر بالمُلاَّك وما نقصَ عن ذلك ضرَّر بأبناء السبيل ولهذا عامَّةُ الفقهاء والمحدِّثين إنما يذكرون هذا الحديث في أبواب الصلح وأحكام الجِوَار وكذلك احتجَّ به طوائفُ من الفقهاء مثل الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد الجارين أن يفعل في ملكه ما يضرُّ بجاره مثل إحداث رَحًى أو كنيف ونحو ذلك وأنه ليس للجار أن يمنع جارَه مما هو محتاج إليه ولا مضرَّة عليه فيه كوضْعِ الخشب على جداره القويِّ وإجراء الخليج في أرضه كما قضى به عمر بن الخطاب وغير ذلك كما هو مُبَيَّن في مواضعه من كتب الفقه وإن كان في هذه المسائل خلاف معروف وفي بعضها أيضًا خلافٌ في مذاهب أحمد ومن تأمل الحديث علم قطعًا أن هذا هو مقصودُ الحديث أو أكثر

مقصوده الوجه العاشر سلَّمنا أن اللفظَ عامٌّ لكن قصره على سببه جائز إذا دلّ دليل على ذلك وهنا أدلة كثيرة تدل على أن عمومه فيه محاذير وقصرُه على سببه لا محذورَ فيه فيكون أولى الوجه الحادي عشر لا نُسَلِّم أن شيئًا من الوجوب أو التحريم ضرر أو إضرار قوله الإضرار يفوت المطلوب قلنا لا نُسَلِّم قوله الإضرار دار معه وجودًا وعدمًا قلنا لا نُسَلِّم لأن دورانه معه أن يوجد حيثُ وُجِد ويُعْدَم حيث عُدِم وقد رأينا ما لا يُعَدّ ولا يُحصى من فوات المطلوب ولا يُعد ذلك ضررًا ولا تفويته إضرارًا فإن فضلات المطالب مثل العمر الطويل جدًّا بحيث يعيش عشرة آلاف سنة والمال الواسع بحيث يملك كل ما على الأرض والرِّياسة العامة بحيث يستولي على أقطار المعمورة والعلم المحيط بحيث لا يخفي عليه إلا ما شاء الله والقوَّة التامَّة بحيث يقتدر على ما يريد والسمع النافذ والبصر التام إلى غير ذلك مما هو مطلوب للنفوس في الجملة بمعنى أنها تريدُه وتشتهيه وتسعى في تحصيله لو أمكن وإنما أقعدها عنه اليأس من حصوله فإنه فَوْتُ مطلوبٍ ولا ضررَ على من فاته ذلك

بل من المعلوم أن الملك قد فات النوع إلا واحدًا وهو مطلوب النوع ومع هذا فلا يعدون فواته ضررًا ولا نُسَلِّم أنه دار معه عدمًا فإن الرجل قد يتضرَّرُ من غير فَوْت مطلوب وذلك لأن الطلب مسبوق بتصور المطلوب والإنسانُ قد يكره أشياءَ وهي تضره وإن كانت نفسُه لا تستشعر طلبَ أضدادها فإن الإنسانَ يتضرَّر بالمرض وهو لا يستشعر الصحة في يطلبها لكن لو حصل له المرض لتألم به ولهذا أكثر الناس غافلون عن طلب عدم ما يضرّهم وجودُه الوجه الثاني عشر لو سلمنا أن الإضرار دار مع ما ذكرتم فقد دار أيضًا مع فوات اللذة أو مع وجود المنافي للكمال ودار أيضًا مع حصول المؤلم الموجع ودار أيضًا مع تألُّم القلب وتفسيرُ الضررِ بهذا أصح لأنه مطَّرِدٌ منعكس فإن كلّ من فاتته لذة أو حصل له ألم أو فاته ما ينافي كمالَه يقال قد تضرَّر وإن لم يحصل شيءٌ من ذلك لا يقال تضرر ولو لم يكن أصحَّ لكن هو مدارٌ آخر فلا يتعيَّن ما ذكرتم وإذا كان كذلك فلا تَفُوت اللذة أو يحصل الألم أو يفوت الكمال بإخراج درهم من أربعين درهمًا كما هو الواقع وإن فُرِضَ رجلٌ شحيح حريص خروجُ الدرهمِ يُمِضُّه كانت طبيعتُه فاسدة فلا يُلْتَفت إلى تألُّمه ولا يستحق أن تَنْقلب الحقيقةُ به مدربة كما أن وجود الممرور العسلَ مرًّا أو رؤية الأحوال الواحدَ اثنين ونحو ذلك لا يغيِّرُ حقائقَ الموجودات لأن القوة الدَّرَّاكة قد فسدت

ويبيِّن صحةَ هذا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن قُتِل يوم أحد فأثْنت عليه أُمُّه خيرًّا فقال وما يُدْرٍيْكِ لعَلَّه كان يتكلَّمُ فيما لا يَعْنِيْه ويَمْنَعُ مالا يَضُرُّه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مَنْع ما لا يضره عيبًا فلو كان منع ما يضره عيبًا أيضًا لم يخصه بالذكر ومعلومٌ أن مَنْع الزكاة عيب فيكون مانعها مانعًا ما لا يضره فلا يكون إيجابها إضرارًا الوجه الثالث عشر سلمنا أن الإضرار تَفْوِيْت المطلوب لكن متى إذا حَصَلَ له بفوات مطلوبٍ أشرفَ منه أم مطلقًا الثاني ممنوع والأول مُسَلَّم وهذا ظاهر فإن العقلاء عن آخرهم لا يعدُّون من أخرج درهمًا وأخذ أَلف دينار متضرِّرًا ولا يعدُّون من فُوِّت عليه ثوب من ثيابه وأُعطي أحمالاً من البزِّ أنه قد أضرَّ به فلا بدَّ أن يقال فوات مطلوب لا ينجبر بخير منه إذ لا يَنجبر بمثله أو بخير منه ومعلوم أن سلامة الملك من الزوال وإن كانت مطلوبةً لكن يحصل

بفواتها إذا أُدِّيت الزكاة من تحصين المال وتزكية النفس وغفران الذنب ورحمة الله في الدنيا وعظيم ثوابه في الآخرة إلى غير ذلك من المطالب العظيمة والمقاصد الجسيمة ما ينغمر في جانبه فوات قليل المال وحينئذٍ فلا يكون الإيجاب إضرارًا بل نفعًا أيَّ نفع وهذا معلوم بالضرورة الوجه الرابع عشر أن تَرْك الإيجاب يفوِّت هذه المطالب أيضًا لأنه بتقدير عدم الإيجاب لا يحصل له شيء من هذه المطالب وحينئذٍ فيكون عدم الإيجاب إضرارًا فيكون منتفيًا وهذه معارضة والترجيح معنا لأن الإيجاب تفويت بعض المطالب ونفي الإيجاب تفويت مطالب أشرف منها وإذا دار الأمرُ بين تفويت مطلوبَيْن كان تفويت أدناهما لتحصيل أعلاهما هو الواجب وهذا ظاهر الوجه الخامس عشر لا نُسَلِّم أن سلامة الملك عن الزوال مطلوب مطلقًا فإن قال إنّا نرى الناسَ يحرصون على جمع المال ويصونونه عن أسباب التَّلَف والزوال قلنا إنما يصونونه إذا تلف ضائعًا إما بِحَرْق أو غرق ونحو ذلك أما سلامته عن الزوال بالإعطاء للجنس فلا نُسَلِّم أنه مطلوب لهم فإن قيل هو مطلوبٌ لهم أو لأكثرهم فإنَّ أحدَهم إذا خُيِّر بين أن يعطي أو لا يُعطي كان حفظُ ماله أحبَّ إليه قلنا هذا مُعارَض بمن إذا خُيِّر بين الإعطاء وعدمه كان الإعطاءُ مطلوبَه ومقصودَه كما قيل

تراه إذا ما جئتَه متهلِّلاً كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ نائلُه ولو لم يكن في كفِّه غير روحِه لجاد بها فَلْيتق الله َ سائلُه وهذه من طباع الأسخياء والأجواد غير منكورة ولا مدفوعة وإنهم يتلذَّذون بالعطاء ويرون سلامة المال عنه مصيبة وبلاء فإن قيل هولاء مغمورون بالنسبة إلى الجمهور والاعتبار عند التعارض بالأكثر قلنا الناس ثلاثة أصناف أحدهم إذا رأى المحاويج من الفقراء والغارمين وغيرهم كان حِفْظُ قليل ماله أحبَّ إليه من سدِّ خَلاَّتهم وهولاء الأشحِّاء وهم قليل والثاني من يُؤْثِرُ سدَّ خَلَّةِ المحتاج على قليل ماله طبعًا وخُلُقًا بحيث يرى أنه إذا ملك عشرة آلاف درهم فَسَدَّ خَلة ناسٍ من المحاويج بربع عُشْرها فهو أحب إلى طبعه من سلامةِ هذا المال ومعلومٌ أن هذا هو الغالب على الطباع الصنف الثالث من يكون طبعُه يُحب سدَّ الخَلاَّت وإعطاء السُّؤَّال ولو بضرر نفسِه وهذا طبع الأجواد وهذا قليل كالأول

فإذا كان غالبُ الناسِ لا تُؤْثِر طباعُهم سلامة قليل المال عن سدِّ خلات المحاويج لم يصح أن يكون عدمُ إيجاب الزكاة مطلوبًا ولو فُرِضَ أن غالبَ الطباع تأبى ذلك وبعضُ الطِّباعِ تحبُّ إعطاء المحاويج كانت رِعايةُ هذا الجانب أولى لأن القليلَ إذا كان أفضل وأشرف كان ترجيحُه على كثيرٍ منقوصٍ هو الواجب ولهذا عشرةُ شُجْعان يقهرون مائة جبان الوجه السادس عشر قوله الإيجاب إضرار بالعبد قلنا إيجابُ ما لم يوجبه الشارع لا يجوز والشارع أعلم بما ينفع الخلقَ وما يضرهم وهو أرْحَم بهم من الوالدة بولدها فما أوجبه لم يوجِبْه إضرارًا بهم أمَّا ما لم يوجِبْه فقد يكون إيجابه إضرارًا بهم وحينئذٍ فلا يمكن الاستدلال على نفي الإيجاب بنفي الإضرار إلا إذا عُلِم أنَّ الشارعَ لم يوجبه ولو عُلِم أنه لم يوجِبْه لاستُغْنِي عن الاستدلال على نفي إيجابه أو نقول العلمُ بكونه إضرارًا موقوف على العلم بعدم إيجابه فلو كان علمنا بعدمِ إيجابه مستفادًا مِن العلم بكونه إضرارًا لزم الدَّوْر الوجه السابع عشر لو سلَّمنا أن الإيجاب أو التحريم إضرار لكن هو واقع فإن الإيجاب والتحريم واقعان فيكون هذا الإضرار واقعًا وإذا كان واقعًا لم يصحَّ الاستدلالُ على عدم وقوعه

فإن قال هو واقعٌ في غير محلِّ النزاع فأنا أتمسَّك بالنافي للضرر في محلِّ النزاع قيل له الدالُّ على وقوعه في محلِّ النزاع قياس هذا الإيجاب على سائر أنواع الإيجاب وهذا دليلٌ خاصٌّ والنافي للضرر عامٌّ مخصوص والقياسُ مقدَّم على العامِّ المخصوص لا سِيَّما مثل هذا القياس فإن قيل إنما يصح تخصيصُه بالقياس إذا بيّن أن قَدْر ضرره مثل قدر الضرر في صورة الإجماع قيل هذا مُبَيَّن فيبيِّن الخصمُ أن صورة النزاع تساوي صورة الإجماع أو يقول هذا النافي للضرر مُعارَض بما في الإيجاب من المصلحة المشتركة فيبقى القياسُ خاليًا عن المانع أو يقول النافي للضرر عمومٌ مخصوص في كثير من المواضع فضعُفَت دلالتُه وهو واردٌ على سببٍ فضعُفَت دلالتُه من جهةٍ أُخرى والضررُ الموجود في صورة النزاع لو فُرِض قصد عين صورة الإجماع لما كان التفاوت إلا شيئًا يسيرًا وهذا الفرقُ اليسير لا يمنعه عن أن يكون من الأقْيِسَة المتوسِّطة إن لم يكن من

القويَّة والأَقْيِسة المتوسِّطة راجحة على عموم في غاية الضعف لأن هذا القياس يحتجُّ به عامةُ الفقهاء وتلك العمومات يُخالف فيها كثيرٌ منهم والاتفاقُ دليلُ قوة الدليل كما أن الاختلاف مُشْعر بعدم ظهور قرينة الوجه الثامن عشر استدراكٌ على قوله الإضرار يدور مع المفوت للمطلوب وجودًا وعدمًا فيكون حقيقة أي يكون المفوِّت للمطلوب حقيقةً للإضرار وهذا ليس بجيِّد لأن حقيقة اللفظ مُسَمَّاه ومعناه ومسمَّى الإضرار ليس هو المفوت وإنما هو التفويت الوجه التاسع عشر أن دورانه معه كما أنه يدلُّ على أنه حقيقةٌ له فقد دلَّ على أنه علةٌ له فإنَّ معنى الاسم يدورُ معه وجودًا وعدمًا كدوران المحدود مع الحدِّ والمعلولُ يدور مع العلة فلماذا كان الدوران دليلاً على أنه حقيقة له ولِمَ لم يكن دليلاً على أنه علة له فكان على هذا التقدير حقُّه أن يقال فيكون المدار علة للدائر فيكون المفوِّت للمطلوب علة للإضرار والنبيُّ صلى الله عليه وسلم إنما نفى الإضرار ولم ينفِ علةَ الإضرار فيجوز أن يكون التفويتُ علة الإضرار والإضرارُ لم يوجد لوجودِ مانعٍ مَنَع من كونه إضرارًا والأمر كذلك فإن التفويت إنما يوجب الإضرار إذا لم يحصل له مطلوب آخر كما تقدم

الوجه المُوفِي عشرين أنَّ ما ذكرتَه من الدليل إنْ دلَّ على أنَّ الإيجاب إضرار لكن مَعَنا ما يدلُّ على أنه ينفع لأنَّ الإيجابَ يبعثُ النفوسَ على الأداء فيحصل لها الثواب الذي لا يحصل بدون هذا الأداء وهو أمور مطلوبة من تحصين المال وتزكية النفس وقضاء حاجة المحاويج ومعلومٌ أنَّ هذه أمور مطلوبة والوجوب يحصل لها فيكون نفعًا لأنَّ النفعَ دار مع الإعانة على المطلوب وجودًا وعدمًا وإذا كان نفعًا كان واجبَ الحصول لقوله صلى الله عليه وسلم من اسْتَطاعَ أنْ ينفعَ أخاه فَلْيَفْعَل حديث صحيح والنبيّ يمكنه نفع المتمَوِّل بإنبائه بالوجوب فيكون مأمورًا بهذا النفع وقوله ولئن قال المفوت فعل العبد وهو أداء الواجب أو تركه فنقول هذا لا ينفكُّ عن ذلك فيكون جهةً فيه ولا يكون مانعًا حاصله أن المفوِّت للمطلوب إنما هو فِعْل العبد أو تركه لأنه إن أدَّى الواجبَ فاتت سلامة المال وإن تركَ أداءَه فاتت سلامةُ النفس لكن فعله إنما صار مفوّتًا بإيجاب الأداء إذ لولا الإيجاب

لما كان الفعلُ مفوَّتًا لأنه على هذا التقدير يمكنه التركُ من غير تفويتِ سلامةِ النفس ولأن فعله لا ينفكُّ عن إيجاب الشرع ففعله ملزوم للإيجاب فيكون الإيجاب جهة فيه فلا يكون مانعًا من إضافةِ التفويتِ إلى الإيجاب لأنَّ معنى الإضافة إليه أنه إذا وُجِد حَصَل التفويت لا محالة سواءٌ حصل من ذاته أو من شيءٍ من لوازمه ومعلوم أن التفويت يحصل من بعض لوازم الإيجاب وهو فعل العبد أو تركه ولهذا كانت إضافة الحكم إلى السبب لا تقدح في إضافته إلى سبب السبب أو إلى حكمة السبب أو إلى حكمة الحكمة لأن السبب ملزومٌ لسببه فإضافته إلى الملزوم لا يقدح فى إضافته إلى اللازم وكذلك حكمة الحكمة ملزومة للحكمة فإضافته إلى الملزوم لا يقدح في إضافته إلى اللازم لأنه إذا تحقَّق الملزوم تحقق اللازم فإذا تحقَّقَ السَّببُ تحقَّقَ سبَبُه وإذا تحقَّقَت الحكمةُ تحقَّقَت حكمةُ الحكمة قوله ولئن قال لا نُسَلِّم بأن المجموع مطلوب وكيف العاقل يسعى في إبطاله فنقول هذا مُعَارَض بمثله يقول كما أن العاقلَ يسعى في إبطال هاتين السلامتين فهو يسعى في تحصيلهما فيبقى ما ذكرناه من الدليل على كونه إضرارًا سالمًا عن المعارض

وحاصله أن الإنسان قد يسعى في إزالة ملكه وفي تعريض نفسه للعقاب فلا تكون سلامته عن ذلك مطلوبًا له لأن المطلوب لا يبطُل ويعدم ويزال فقال هذا متعارض بأنه سعى في إيجاد هذه السلامة والسعيُ لا يكون لتحصيل شيءٍ إلا وهو مطلوب لأنَّ ما لا يُطْلَب لا يُسْعَى في إيجاده لكن يمكن أن يُقال المستدلُّ لم يُقِم دليلاً على أن المجموع مطلوب فإذا أقام السائلُ دليلاً على كونه غير مطلوب وعارضَه المستدلُّ بما يدلُّ على كونه مطلوبًا بقيت دعوى كونه مطلوبًا ليس عليها دليل سليمٌ عن المعارضة فلا تكون مقبولة وهذا ظاهر قوله ولئن منع كونه إضرارًا في الإسلام فنقول الإضرار في أحكام الإسلام مُجْمَلٌ بطريق حذفِ المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه وقد تحقَّق في واحدٍ منها فتحقَّق فيها أما مَنْع السائل كون الإيجاب إضرارًا في الإسلام فَمَنْعٌ مُوَجَّه فإن الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وهذه الأمور لا إضرار فيها وأيضًا فإن الإسلام هو الدين الذي يفعله العباد والإيجاب ليس هو في أفعال العباد فإن قيل هو متعلِّق بالأفعال فيصح أن يُقال هو فيها ويدلُّ

عليه أنه يصح أن يُقال الإسلام فيه إيجاب وتحريم وأمر ونهي قيل هذا خلاف مدلول اللفظ لكن يمكن أن يُجاب عنه بأن الإيجاب يقتضي الوجوب والوجوب ثابت للأفعال فيكون الوجوب ضررًا في الأفعال فيكون الإيجاب إضرارًا في الأفعال فيكون إضرارًا في الإسلام ويُمكن أن يُجابَ عنه بأن الإسلام قد يُعنى به نفس الأحكام الشرعية لِمَا بينهما من التلازم أو بطريق حَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه كما ذكره المُصَنِّف فيكون تقديره لا إضرار فى أحكام الإسلام وإيجابُ الزكاةِ إضرار فلو تحقَّق الإضرارُ في واحدٍ من أحكام الإسلام وهو الإيجاب لكان قد تحقَّق في الجملة فلا يصحُّ أن يُقال لا إضرار فيها وهو في واحدٍ منها لكن يُمْكن أن يُقال على هذا بأن الأصلَ عدمُ الحَذْف والإضمار وعدمُ التجوُّز وإطلاق أحدِ المتلازمين على الآخر ويقال أيضًا الأحكام يُعنى بها نفس الإيجاب والتحريم مثلاً ويُعنى بها الوجوب والحرمة فإن قلتَ لا إضرار في الإيجاب والتحريم مثلاً وقد ادَّعيت أن نفسَ الإيجاب إضرار لم يصح ذلك لأن الظرف غير المظروف

فأحد الأمرين لازم إما أن يكون الإيجابُ ليس إضرارًا أو يكون الإيجاب إضرارًا فلا يصح أن يُقال لا إضرار في الإيجاب كما لا يقال لا إضرار في الإضرار وإن عُنِي بالأحكام ما هو ثابت للأفعال من الوجوب والحرمة فيكون التقدير لا إضرار فيما هو ثابتٌ للأفعال من أحكام الإسلام وحينئذٍ يكون نفيًا للإضرار عن الأفعال لأن نفيه عن صفاتها نفيٌ له عنها بطريق اللزوم وحينئذ فلا يحتاج إلى إضمار الأحكام لأن نفي الإضرار عن الأحكام مُسْتلزمٌ نفيَ الإضرارِ عن الأفعال فيكون نفي الإضرار عن الأفعال مع كونه سليمًا عن الإضمار أعم معنًى فيكون أولى فلا حاجة إلى التعسُّف

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل