اعلم أنَّ التنافي عكس التلازم لأنه عبارة عن كون الشيئين بحيث كلٌّ منهما ينفي الآخر ويمنعه ولا يجامعه وهو التضاد والتنافي والتعاند والترديد والتقسيم والشرطيّ المنفصل
وأصلُ اللفظ أن يكون كلٌّ منهما ينفي الآخر كالضدين لأن التنافي تفاعُلٌ من النفي فأصله أن يكون كلٌّ منهما يفعل مع الآخر مثل ما يفعل الآخرُ معَه فيكون معناه عدم اجتماعهما فقط فعلى هذا أيُّ المتنافيين تحقَّقَ انتفى الآخر ولا يجوز أن يكون النفي من أحد الجانبين دون الآخر لأن أحد الشيئين متى نُفِيَ الآخر لم يجتمع معه فلو فرَضْنا تحقُّقَ المنفيِّ امتنع تحقُّق النافي وإلا لاجتمع مع المنفيِّ وهو خلاف المفروض وكذلك لو تحقَّق النافي امتنع تحقق المنفي بخلاف اللزوم فإنه قد يتحقَّق اللازم بدون ملزوِمه لأن مقتضى اللزوم إنما هو وجودُه مَعَه فيجوز وجوده بدونه لأن ذلك لا ينافي وجوده معه وأما النَّفي فمقتضاه عدم الاجتماع فيمتنع اجتماع الوجُوْدَين ثم التنافي على ثلاثة أقسام لأن المُنَافي إِما أن ينافي الآخر وجودًا فقط أو عدمًا فقط أو وجودًا وعدمًا فإن تنافيا وجودًا وعدمًا فهو الذي يُقال له الشَّرْطيُّ المنفصلُ الحقيقيُّ الانفصال إذا صيغ التنافي بصيغة الشرط ويقال فيه استثناء عين كلِّ واحد من الأقسام يُنْتِج نقيضَ الآخر واستثناء نقيضِه يُنْتِج عينَه فله في الأصل أربعة استثناءات وهو الذي يقال له مانعُ الجمع والخلوِّ أي يمنعُ اجتماعَ القِسْميَن ويمنع خلوَّهما وربَّما عُبِّر عنه بالمتناقِضَيْن وإن
كان التناقض في الأصل عبارةً عن الإثبات والنفي لأنه متى انحصر الأمرُ في قسمين فلابدَّ من إثبات أحدهما ونفي الآخر كما يُقال العددُ إما شفع وإما وتر والماءُ إمَّا طاهر وإمَّا نجس والعباداتُ والعقودُ إمَّا صحيحة وإما فاسدة أو باطلة وهذا بالفعل إمَّا حلالٌ وإمَّا حرام والخبر إمَّا صدق وإما كَذِب وهذا إمَّا موجودٌ أو معدوم وأمثلته كثيرة فنقول لكنَّه طاهر فليس بنجس أو لكنه نجس فليس بطاهر أو لكنه ليس بطاهر فهو نجس أو لكنه ليس بنجسٍ فهو طاهر وإن صُغْتَه بصيغة الحمل والإخبار قلتَ الطهارةُ والنجاسةُ لا ترتفعان ولا تجتمعان أو تقول الطهارةُ والنجاسةُ حاصران أو لازمان متنافيان ونحو ذلك من العبارات وإن تنافيا وجودًا فقط أو عَدَمًا فهو الذي يقال له الشَّرْطيُّ المنفصلُ الذي ليس بحقيقيِّ الانفصال ثمُ ما تنافَى وجودُهما فهو الذي يقال له مانع الجمع ويُعَبِّر عنه في المعنى بالضدَّيْن واستثناءُ عين أحدهما يُنْتج نقيضَ الآخر فأما استثناءُ نقيِضه فعقيمٌ من هذه الجهة فإن وجود أحدِهما مستلزمٌ لعدمِ الآخر وهذا إنَّما يُستعمل في موضعٍ يكون المقصودُ نفي اجتماع الشيئين والاستدلال بوجود أحدِهما على عدمِ الآخر وكلامُ المصنِّف
في النافي يدخل في هذا القِسْم فإنه مفهوم التنافي في أصلِ اللغة وهذا يكونُ في الأضداد مثلُ قولنا إما أن يكون أَسودَ أو أبيض وإما أن يكون واجبًا أو حرامًا وإما أن تكون الصلاةُ صحيحةً أو الطهارةُ فاسدةً وإما أن تكونَ العلةُ موجودةً أو الحكمُ منتفيًا وإن شئت عبَّرتَ به بأن كذا وكذا مما لا يجتمعان أو بأنَّهما متنافيان وإن تنافيا عَدَمًا فقط فهو الذي يُقال له مانع الخلوِّ أي يمنع خلوَّهما جميعًا أي عدمهما جميعًا فأيهما عُدِم دلَّ على وجود الآخر ولهذا يقال استثناءُ نقيض أحدِهما يُنتجُ عينَ الآخر وأما استثناءُ عيِنِه فعقيم وهذا إنما يُستعمل في الموضع الذي يكون المقصود بيان وجوِد احدِ الأمرين أو كلاهما وبيانُ الحصرِ في شيئين أو أشياء والاستدلال بعدم أحدِهما على وجودِ الآخر أو بأنَّه إذا عُِدم وُجِدَ الآخر ردًّا على من زعم عدمَهما جميعًا كما أنَّ الذي قبله ردٌّ على من زعم اجتماعهما كما يقال الاستنجاء إما أن يكون بالماء أو بالجامد وطهارة الحدث إمَّا بالماءِ أو بالتراب والأدلة الشرعية إما الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس أو الاستصحاب
والغالبُ أن يُستعمل في هذا القسم لا يخلو كما يُستعمل في الذي قبله إما أن يكون كما يقال العلةُ لا تخلو إما أن تكون منصوصةً أو مستنبطة أو يقال الموجِبُ للغسل إما الجنابة أو الحيض أو النفاس أو الإسلام أو الموت وموجبُ العمد إما القَود وإما الدِّية والحكمُ إما بالبيِّنة أو بالإقرار أو باليمين أو بالنكول وكثيرًا ما يقع الترديد بين شيئين أحدهما أعمُّ من الآخر أو أحدُهما مستلزمٌ للآخر أو أحدهما مغاير للآخر لفظًا فقط بلا معنى لأن المقصود بيانُ وجودِ أحدِهما على التقدِيْرَيْن أو بيان وجود مقصود تحصيل أحدهما وأما في القِسْمَيْن الأوَّلَيْن فلا يجوز ذلك لأن قسيم الشيء ليس قسمًا منه والمتلازمان لا يتنافيان وكثيرًا ما يسلُكُ الجدليون هذا المسلك وإذا كان كذلك لم يُنْتِج استثناء نقيضِ كلٍّ منهما عينَ الآخر لأن نفي الأعم أو الملزوم لا يصحُّ معه ثبوتُ الأخصِّ اللازم كما يقال الشيءُ إمَّا أن يكون ممكنًا الإمكان العام أو الإمكان الخاص فإن لم يكن ممكنًا الإمكان الخاصَّ فهو ممكن الإمكان العام ولا يصحُّ العكس والسرُّ في ذلك أن الترديد في المعنى بين الخاص منفردًا وبين العامِّ مع الخاص فكأنه قيل إما أن يكون الإمكان الخاص فقط أو الخاص والعام ومعلوم أنه لو قيل كذلك ظهر المقصود فافهم الفرقَ بين هذه الأقسام وموادِّها وصورِها فإنه نافع في العلوم جميعًا
واعلم أن التنافي كما يكون بين الأحكام فإنه يكون بينها وبين الدلائل والعلل كما يُقال القولُ بموجبِ هذا الدليل وعدمُ الحكم الفلاني لا يجتمعان أو كون الوصف الفلاني علة وعدم الحكم الفلاني لا يجتمعان وذلك لا يخفى على مُحَصِّل قال المصنِّف وهو امتناع الاجتماع بينهما في محلٍّ واحد في زمانٍ واحد وهو كما قال لأنه يعني بالمتنافيين المتضادِّيْن وهما مالا يجوز اجتماعهما مكانًا وزمانًا فإذا اجتمعا في محلٍّ واحد في زمانٍ واحد فليسا متنافيين وإن لم يجتمعا في المحلِّ الواحد إلا في زمانين أو لم يجتمعا في الزمان الواحد إلا في محلَّيْن فهما متنافيان وإن لم يمكن اجتماعُهما لا في محلٍّ واحد ولا محلين ولا زمانٍ واحد ولا زمانَيْن فهما أشد تنافيًا واعلم أنهما قد يتنافيان مطلقًا وقد يتنافيان على نقص الوجوه وكثيرًا ما يقع الغلطُ في هذا فيوجد المطلق موضع المقيَّد وبالعكس والنَّقِيضان نوعان من المتنافيين وقد عُلِم أنه لابدَّ في المتناقِضَيْن من اتحادهما في النسبة التي تناقضا فيها حتى يلزم من عدم أحدهما
وجود الآخر وبالعكس وقد فصَّلها بعضُ الناس وعدُّوها ثمانية ومنهم من زعم أنَّ الأقسامَ متداخلة إلى ثلاثة وقيل إلى اثنين وقيل إلى واحد وهو الصواب فالمعتبر أن يكون المثبت هو المنفي وكل ما اقتضى تغايرهما لم يتحقَّق معه التناقض وأما المتنافيان فأعم من ذلك فلا يشترط إلا أن يكون أحدهما بحيث يلزم من وجوده عدم الآخر سواء كان نقيضه أو ضده واعلم أن التنافي إذا صحَّ بطريقٍ شرعيٍّ فإنه طريق من الطرق الصحيحة كالتلازم وتحقيقُه إنما يكونُ بالمناهج العلمية أو المعاني الفقهية وهولاء المموِّهون يدَّعُونه ويحتجُّون عليه بما لا دليل فيه والله المستعان قوله كما إذا قال الوجوب على المديون مع عدم الوجوب على من ملك مالاً دون النصاب مما لا يجتمعان والثاني ثابت إجماعًا فيلزم انتفاء الأوَّل اعلم أن المتنافيين قد يكونان وجوِديَّيْن وقد يكونان عدَمِيَّيْن وقد يكون الأول وجودًا والثاني عدمًا وبالعكس كما في التلازم فإذا ادَّعَى أن الوجوبَ هنا وعدم الوجوب هنا لا يجتمعان فهو معنى دعوى التلازم بين الوجودِيَّيْن وقوله والثاني ثابت مثل قوله والملزوم منتفٍ لكن الكلام في هذه الصورة له طريق يختصُّ بها فإن قيل إذا قيل إن المتنافيين إنما يمتنع اجتماعهما في محلٍّ
واحد وزمانٍ واحد فالوجوبُ على المَدِيْن وعدمُه على مالك ما دون النصاب لا يكونان في محلٍّ واحد حتى يقال اجتمعا فيه أو لم يجتمعا مرادهم أنهما لا يجتمعان في حكم الشارع وجعلوا الحكم الشرعي محلاًّ لما هو أخص منه من الأحكام كالوجوب هنا والوجوبُ كما يجعل الأمور العادية أوعية ومحالاًّ لأقسامها الخاصة لأنها جَمَعَتْها ووَعَتْها كالظرف والوعاء فيقال الجِسْم يجمع النامي والجامد والحيوان والجامد والبهيم والناطق ويقال الحكم الشرعي يدخل فيه الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحظر وهو كثير واعلم أن الطرق الصحيحة في تقرير أن يبين أن ثبوت أحدهما ينفي الآخر إما بنصٍّ إن اتفق ذلك فإن النصوص لا تكاد تدل على مثل ذلك صريحًا إلا بطريق الاستلزام نحو ذلك وذلك أن يسوِّي الشارع بينهما أو يفرِّق فيقال إثبات أحدهما مع عدم الآخر مما لا يجتمعان أو إثباتهما جميعًا مما لا يجتمعان وهذا كما يقال في حديث التوضؤ بالنبيذ
إن الاستدلال على تجويز التوضؤ بالنبيذ المطبوخ مع القول بعدم الجواز بالنِّيء لا يجتمعان لأن الحديث إِنما هو في النبيذ النِّيء فإن كان دليلاً معتمدًا جاز الوضوء بالنِّيء فلا يكون عدمه متحقَّقًا وإن لم يكن دليلاً معتمدًا امتنع الاستدلالُ به على جواز التوضوء بالمطبوخ فعُلِمَ أن الاستدلالَ به على الجواز في المطبوخ دون النِّيء غير ممكن فيكون الجوازُ هنا وعدمُه هناك متنافيين وأما بقياس صحيح أو تلازم صحيح مثل أن يبيِّن أن المقتضي للجواز في إحدى الصورتين موجود في الأخرى أو المانع في إحداهما موجود في الأخرى أو أنَّ إحداهما مستلزم للحكم في الأخرى فيتنافى الجواز وعدمه في إحدى الصورتين ونقيضه في الأخرى أو يبيِّن أن بتقدير الحُكْم في إحدى الصورَتَيْن يقوم مانع في الأُخرى أو بتقدير عدم المانع في إحداهما يُسَلَّم المقتضي في الأُخرى
عن المانع فيتنافى الحُكْمان فيهما وجودًا وعدمًا مثل أن يُقال إيجابُ الزكاةِ في مال الصبيّ وعدم الإيجاب في مالِ المجنون لا يجتمعان أو يقال إجبار الصغيرة الثيب والبكر البالغة يتنافيان أو لا يجتمعان أو يقول إيجابُ العبادة وقضاؤُها يتنافيان أو عدم إيجاب الوضوء وعدم إيجاب التيمم يتنافيان أو يقال إيجاب قتل الجماعة بالواحد ومنع لا يجتمعان ويُسْتَدل على التنافي بالأدلة المعلومة في كل مسألة من هذه المسائل سواء كانت إجماعيَّة أو خلافية ومثاله أن يقول في المال الذي ذكره لأن عدم الوجوب على من له دون النصاب إنما كان لنفي الضرر الحاصل بالإيجاب فإن المالَ القليلَ لا يحتمل المواساة لأنه مشغول بحوائج مالكه ومالُ المدين يشاركه في هذا المعنى فيتنافىَ وجودُ أحدِهما وعدمُ الآخر أو يقول الوجوبُ على المدين إن ثبتَ فإنما يكون رعايةً لجانب السبب الموجِب وهو المال الموجود وترك النظر إلى كونه مشغولاً بمصالح المالك وهذا المعنى موجود في قليل المال فيجب ثبوت الوجوب فيه وليس الغرضُ تقريرَ صحَّة هذا التنافي على الخصوص فإن مادَّة الكلام في هذا المثال قد تقدمَّ في التلازم وعامة المُمَوِّهين يثبتون التنافى
بنحوٍ مما يثبتون به التلازم قال المصنِّف والدليل على عدم الاجتماع متعدِّد فإنه يمكن أن يتمسَّك بالنص والقياس والتلازم وغيرها لكن نفي الاجتماع بِنَفْي أحدهما في مثل ما ذكرنا من المثال لا يتم لوجهين أحدهما أنه دعوى أَحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء وهذا باطل يُعْرف من بعد والثاني أنه معارَض بمثله فإن الخصمَ يقول العدمُ هنا مع العدم ثَمَّةَ مما لا يجتمعان بعينِ ما ذكرتُم وهو كما قال فإنهم تارة يثبتون نَفْي اجتماع العدم والوجوب بالنص الدال على الوجوب مثلاً في صورة العدم كما تقدَّم من أدلتهم على الوجوب على الفقير في التلازم كقوله وَآتُوا الزَّكَاةَ [النور 56] أو خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة 103] والدال ُّ على الوجوب في تلك الصورة دالٌّ على أن العدم فيها والوجوب في الأخرى لا يجتمعان إذ لو اجتمعا لثبتَ العدمُ فيهما وهو خلاف مدلول الدليل أو بالنصِّ الدالِّ على العدم في صورة الوجوب المختَلَفِ فيها
كقوله لا صَدَقَة إلا عن ظَهْرِ غِنًى وابدأ بنفسِكَ ونحو ذلك ومتى ثبتَ العدمُ فيها ثبتَ أن الوجوب فيها والعدمَ في الأُخرى لا يجتمعان وتارةً يثبتونه بالقياس سواءٌ كان وجوديًّا أو عدميًّا مثل أن يقيس الوجوب على الفقير على الوجوب على المَدِيْن أو عدم الوجوب على المَدِيْن على عدم الوجوب على الفقير بالأقْيِسَة المعروفة من طريقتهم مما سيأتى وتارةً يثبتونه بالتلازم المذكور في بيان الوجوب على الفقير على تقدير الوجوب على المَدِيْن كما تقدم ذكرُه مثل أن يقال لو وجبَتْ هنا لوجبت هناك أو لو لم يجب هناك لما وجبَتْ هُنا أو يقال عدم اجتماعهما من لوازم اللزوم كما تقدم ذكرُه في التلازم وقد اعترفوا أن هذا لا يتم أي لا يتمُّ للمستدل إما لإمكان إبطاله في نَفْسِه أو لإمكان معارضته بمثله وكلُّ صورة من صور
النكث أمكن فيها أحد هذين لم تتم بل ينقطع المستدلُّ بها دون إتمامها لأن تمامها إنما يكون بالدلالةِ على المطلوب والسلامةِ عن المعارض وبيانُ ذلك من وجهين أحدهما أنه دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء وذلك لا يصحُّ كما يذكر في الاستدلال بالنصِّ وذلك لأنه إذا قال الوجوبُ هنا والعدم هناك لا يجتمعان فلابدَّ أن يقول وأحدُهما ثابت فينتفي الآخر مثل أن يقول والعدم هناك ثابت إجماعًا فينتفي الوجوب هنا ومتى احتاج أن ينفي ثبوت أحدهما فقد ادَّعَى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء لأنه يقول لابُدَّ من أحد الأمرين إمَّا العدم هنا وإمَّا الوجوبُ هناك وإذا ادّعَى أحدَ أمرَيْن وأحدهما معلوم الانتفاء في نفسِ الأمر لم يَجُزْ ذلك واللازِمُ الانتفاء هو المدَّعَى لأنه دعوى ما يُعْلَم عدمُه فيتعيَّن أن يكون المدَّعَى هو الأمر الآخر وإذا كان المدَّعَى هو الأَمر الآخر وهو دعوى العدم هنا مثلاً فهو دعوى محلّ النزاع بعينه فلا فائدة في الترديد والتنافي وأيضًا فإنه لم يمكنه إقامة الدليل على انتفاء الأمرِ الآخر الذي ينافي ثبوتَ اللازم الانتفاء فقد أقامَ الدليل على المدَّعَى فلا فائدةَ في التنافي وإن لم يمكنه إقامةُ الدليل على انتفائه جازَ أن يكون موجودًا
وجاز أن يكون معدومًا وحينئذٍ فلا تتحقَّقُ منافاتُه لثبوت ما عُلِم انتفاؤه وأيضًا فإنه إذا ادَّعى أحدَ الأمرين اللذين قد عُلِم انتفاء أحدهما فإِمَّا أن يُقِيم الدليلَ على أحدهما مبهمًا أو معيَّنًا لم يجز أن يقيم الدليلَ على ثبوت ما يجوز ثبوته دون ما عُلِم انتفاؤه وأمَّا إقامة الدليل على كلٍّ منهما فلا سبيل إليه فعُلِم أنه على كلِّ تقدير لا يمكنه إقامة الدليل إلا على ثبوت ما يجوز ثبوته وأنه إن أقامَه على ما عُلِم انتفاؤه كان قد عُلِم أنه باطل فلا يفيد وهذا مثل إقامة الدليل في المثال المذكور على الوجوب على من مَلَك دون النصاب فإنه إقامةُ دليلٍ على ما يُعْلَم انتفاؤه فلا يكون مسموعًا وأَيضًا فإنه إذا قام الدليل على ثبوتِ ما هو لازمُ الانتفاءِ وهو الوجوبُ على من ملَكَ دون النصاب مثلاً فإنه لازمُ الانتفاء فإذا أقامَ الدليلَ على ثبوته لم يمكنه أن يقول بعد ذلك والعدمُ ثابت فينتفي الأول ولابدَّ له من هذه المقدمة الثابتة فإذا أقام الدليلَ على الوجوب لم يصح أن يقول وعدم الوجوب ثابت لأنه جَمْع بين النقيضَيْن وأيضًا فإنه إذا أدَّعى أحدَ الأمرين وأقامَ الدليلَ على كلٍّ منهما
أمكنَ المعترض أن ينفي الأمرَيْن بالأدلة النافية لكلٍّ منهما مثالُ ذلك إذا قال هنا لا يخلو إمَّا أن لا يجب أو يجب هناك بالأدلة الدالَّة على عدم الوجوب هنا والأدلةِ الدالة على الوجوب هناك لكن الثاني منتفٍ بالإجماع فيتعيَّن الأول قيل له لا يثبتُ واحد منهما لأنه لا يخلو إما أن يجب هنا أو يجب هناك بالأدلة الدالة على الوجوب هنا وهناك والوجوبُ هناك منتفٍ فيتعيَّن الوجوبُ هنا فإن قيل إنما يَدَّعي أحد الأمرَيْن اللذين أحدُهما لازم الانتفاء ويقيم الدليل على ثبوتِ أحدهما بتقدير عدمِ الآخر كما في التلازم مثاله أن يقيم الدليلَ على الوجوب على الفقير بتقدير الوجوبِ على المَدِيْن فلا فرقَ بين هذا وبين التلازم في المعنى قيل هو في باب التلازم يدَّعي الوجوب على التقدير وهذا أيضًا ممكن ويقيم الدليل عليه في الجملة فيكون قد أقام الدليلَ على ممكن وكذلك لم يمكن المعترض معارضته بنفسِ كلامه وهنا إذا ادَّعَى أحدَ أمرين فهو يُقيم الدليل على كلٍّ منهما بانفراده وهذا غير ممكن فيما عُلِمَ انتفاؤه وإذا أمكن في الجانب الآخر فهو مستقلٌّ بالإفادة واعلم أن هذا الذي قالوه جيِّد إذا كان الاستدلال على أحد الأمرين بأدلة عامة من جنس الأدلة التي يثبتون بها التلازم والدوران
والقياس والنقض ونحو ذلك أما إذا ادَّعى أحد أمرين وأقامَ دليلاً صحيحًا على ثبوتِ أحدِهما لا محالة وكان قد عُلِمَ انتفاءُ أحدهما فهو دليلٌ على ثبوتِ الآخر وهذا يكون كثيرًا في مواضع يكون الدليلُ الواحدُ غير دالٍّ على عين المدَّعَى مثل أن يقول المقتضي لتحريم الخمر إمَّا السُّكْر أو الرائحة لأن التحريم دار معهما وجودًا وعدمًا والرائحةُ غير مقتضية بالإجماع فتعيَّن أن يكون السُّكْر مقتضيًا أو يقول صيغة افعل إمَّا أن يكون مقتضاها في الأصل الطلب أو ما يستلزمُ عدم الطلب لأنَّ الحال لا يخلو عن أحدهما والثاني منتفٍ فيتعيَّن الأول وهذا كثير في كلامهم واعلم أن هذه الأدلة العامة لا تدلُّ على شيءٍ لا في التنافي ولا في غيره لكن في غيره قد لا يمكن الخصمَ المقابلة بمثل ذلك الدليل وفيه قد أمكنه ذلك فلذلك يقولون قد لا يَتمّ فالمقصود بتمام الدليل وعدمه عندهم إمكان الاستدلال عليه بجنس أدلتهم من غير مُعَارضة بمثل ذلك الدليل الثاني أنه وإن لم يظهر بطلانُه في نفسِه فإنه يمكن معارضتُه بمثله بأن يُقال ما ذكرتَ من الدليل وإن دلَّ على عدم الاجتماع فعندنا ما ينفي هذا العدم وهو ما يثبت الاجتماعَ وذلك لأن عدمَ الوجوبِ في فصلِ المدينِ وعدَمَه في فصل الفقير الذي يملك دون النصاب لا يجتمعان بعين ما ذكرتم وهو النص الدالُّ على الوجوب في صورة العدم ونحوه مما يقال في دعوى أحد الأمرين اللذين أحدهما لازم الانتفاء كما يقال إمَّا أن يجب هنا أو يجب هناك ولا يجب هناك
بالإجماع فيجب هنا وحينئذٍ يلزم الاجتماع هنا وعدم الوجوب هناك وهو نقيض ما ادعاه المستدل واعلم أنَّ الاستدلال على التنافي على الوجه الذي تقدَّم باطلٌ من وجوه أخرى كثيرة قد تقدم التنبيه على كثير منها في التلازم فإن مادَّة الكلام واحدة فلذلك كرهنا إعادتها ويختص هذا الموضع بأنه قد انعقد الإجماع على عدم دلالة النصوص أو الأقسية أو التلازمات على الوجوب هناك وإذا لم تكن دالةً على الوجوب لم تكن دالة على عدم اجتماعهما ولا يمكنه أن يقول هي دالة على الوجوب على تقدير اجتماع الوجوبَيْن كما قال في التلازم هي دالة على الوجوب على تقدير الوجوب لأنَّه لا يريدُ أن يثبتَ دلالتها على عدم الاجتماع بدلالتها على الوجوب فلو قال هي دالَّة على الوجوب على تقدير اجتماع الوجوبَيْن فتكون دالَّة على عدم اجتماع الوجوب هنا والعدم هناك لكان معنى الكلام هي دالَّة على الوجوب على عدم اجتماع الوجوب هنا وعدمه هناك على تقدير اجتماع الوجوبَيْن ومعلومٌ أنه بتقدير الوجوبَيْن لا يكون أحدُهما معدومًا فلا يجتمع الوجوب في أحدهما والعدم في الآخر فنكون قد قلنا هي دالَّة على عدم اجتماع الوجوب والعدمِ بتقدير عدم اجتماع الوجوب والعدم وهذا كلامٌ لا يُفِيْد وكذلك لو قال هي دالَّةٌ على الوجوب هناك على تقدير الوجوب
هنا فتكونُ دالَّة على عدمِ اجتماع الوجوب هنا والعدم هناك قيل له إذا دلَّت على تقدير الوجوب بتقدير الوجوب فقد دلت على امتناع اجتماع الوجوب في أحدهما والعدم في الآخر فتكون دلالتها على امتناع هذا الاجتماع مشروطة بما يمنع هذا الاجتماع وهذا أيضًا لا يفيد فإن الدليلَ إذا لم يدل إلا بتقدير وجودِ المدلول عليه بدونه لم يكن دليلاً لعدمِ تأثيره في المدلول وجودًا وعدمًا هذا هو السِّرُّ في ردِّهم دعوى أحد الأمرين الذين أحدهما معلوم الانتفاء وأيضًا فإنه إن استدلَّ على عدم اجتماع الوجوب هنا والعدم هناك بما ينفي الوجوبَ هنا كان ذلك وحدَه دليلاً على عدم الوجوب هنا وهو المطلوب فلا يجوز جَعْل عدم الاجتماع مقدمةً في الدليل وهى لا تثبتُ إلا بثبوت المطلوب فيكون ذلك مصادرةً على المطلوب وأيضًا فإنه هب أنه أمكنه الدلالة على عدم الوجوب هنا أو على ثبوته هناك لكن ليس هنا ما يدلُّ على التنافي فإن مجرَّد الدلالة على ثبوت الشيءِ أو نفيه لا يدلُّ على نفي غيره أو ثبوته إلا بواسطةٍ أخرى فإن قال الواسطةُ هي الدليل الآخر في الجانب الآخر قيل له وذلك أيضًا لا يدلُّ على عدم الاجتماع لا بنفسه ولا بواسطة وإيضاح ذلك أنه إذا استدلَّ على الوجوبِ هناك ثم قال
فلا يجتمع عدم الوجوب هناك والوجوب هنا قيل له لا نُسَلِّم فإنه بتقدير أن يكون الوجوبُ هناك ثابتًا جاز أن يكون العدمُ هنا ثابتًا وهذا وإن كان خلاف الإجماع لكن الوجوب هناك خلاف الإجماع فلا يضرُّ أن يلزم من خلافِ الإجماعِ خلافُ الإجماع وكذلك قوله ما يدلُّ على عدم الوجوب هناك يدلُّ على عدم الاجتماع غيرُ صحيح بل الأدلَّة على ذلك بالنفي والإثبات وإن استدلَّ على عدم الوجوب هنا ثم قال وإذا ثبتَ العدمُ فالوجوب هنا والعدم هنا لاَ يجتمعان قيل له لا نُسَلِّم فإن الدالَّ على العدم هنا يدلُّ على العدم هنا أمَّا دلالته على الحكم هنا بنفيٍ أو إيجابٍ فلا وذلك أنه يجوز أن يكون العدمُ هنا ثابتًا والوجوبُ هنا والعدمُ هناك يجتمعان ويجوز أن يكون الدالُّ على العدم هنا دالاًّ على الوجوب هناك لأنَّ المعترضَ يُمكنُه منعُ عدمِ الوجوب هناك بتقدير الوجوب هنا قوله وأما إذا ردَّدَ الكلامَ في أمرٍ ونَفى الاجتماعَ على كلِّ واحدٍ من التقديرَيْن بما هو المختص بذلك التقدير كما إذا قال المشترك بينهما لا يخلو إمَّا أن يكون موجِبًا لوجوبِ الزكاة أو لم
يكن فإن كان موجبًا تجبُ الزكاة ثمَّة عملاً بالموجِب وإن لم يكن لا تجبُ الزكاة هنا بالنافي السَّالم عن معارضةِ كونه موجبًا فإنه يتم لأنه لا يمكن له أن يقول بمثل ما قلنا سواء كان ذلك الأمر وهو الذي ضم إليه ضد المدَّعَى من صُوَر الإجماع كما مر أو من صور الخلاف نحو المركَّب مثلاً أو كان فيه روايتان عن مجتهدٍ والترديد لازم بعد اللزوم فيها واعلم أن التنافي على هذا الوجه مقيَّد في الجملة وهو مما يمكنُ تمامه وذلك لأنه إذا ردَّد الكلام بين أمرين وبيَّن أن الاجتماع منتفٍ على كلِّ واحد من التقديرين بدليلٍ يختصُّ ذلك التقدير كان بمنزلة أن يقيمَ دليلاً يدلُّ بنفسه على امتناع الاجتماع بأن يُبَيِّن أن ثبوت أحدهما ينفي ثبوتَ الآخر فإن ذلك قد يمكن في مواضعَ كثيرة لأنه لا فرقَ أن يُبَيِّن تنافيهما وامتناع اجتماعهما بدليل يدلُّ على ذلك أو يُبَيِّن انحصار الأقسام في أمور ويُبَيِّن تنافيها على تقدير كلِّ قسمٍ من الأقسام وكذلك أيضًا لا فرقَ بين إثبات التلازم بما يدلُّ بنفسه على ذلك أو ترديد الحال في أمور وبيان اللزوم على تقدير كلِّ قسم وهذا ظاهر بخلافِ ما إذا بيَّن التنافي بدليل يُثبت أحدَهما
وبدليلٍ آخر ينفي الآخر وليس لدليلِ ثبوتِ أحدِهما إشعارٌ بانتفاء الآخر ولا لدليل الانتفاءِ إشعارٌ بثبوتِ الآخر بل يجوز أن يستدلَّ بدليلِ ثبوتِ أحدِهما على ثبوتِ الآخر كما يستدلُّ على انتفائه ويجوز أن يمنع الحكم هناك على تقدير خلاف المدَّعَى هناك وفَرَضْنا ثبوتَ موجب الدليلين لكان ذلك أمرًا اتفاقيًّا لا لزوميًّا والأمرُ الاتفاقي لا يدلُّ على التنافي لجواز تغيرُّ الحال الاتفاقية ولأنه لا مناسبة بينه وبين ما استدلَّ به عليه ولابدَّ أن يكون بين الدليل والمدلول نوعُ علاقة ورباط ولأنَّ التنافي هو كون أحدهما ينفي الآخر بنفسه أو بلازِمِه من حيث هو لازِمُه لا كون هذا اتفقَ انتفاؤُه عند وجود هذا لا سيما إذا اتفق انتفاؤه عند وجوده وعند عدمه لكن إنَّما أثبتوه بجنس أدلَّتِهم في الجملة وذلك له صور متعدِّدة لأن انتفاء الاجتماع على كلِّ تقدير له أسباب متعدِّدة منها ما ذكره وهو القياس بأن يقال المشترك بين الصورتين لا يخلو إما أن يكون مقتضيًا وجوبَ الزكاة أو لا يكون ويعني بالمشترك بينهما حصول المصالح المتعلِّقة بالوجوب منهما أو كون الوجوب طريقًا إلى تحصيلها فإن ما يشتركان فيه من ذلك إما أن يكون موجبًا لوجوب الزكاة أم لا فإن كان مقتضيًا وجبت الزكاةُ هناك عملاً بالموجب وحينئذٍ فلا يجتمع الوجوبُ هنا والعدم هناك وإن لم يكن المشترك مقتضيًا للوجوب لم تجب الزكاة هنا عملاً بالنافي لوجوب الزكاة السالم عن معارضة موجبه المشترك وحينئذٍ لا يجتمع
الوجوبُ وعدمُه فحاصله أنه أثبت الوجوبَ على تقدير بدليلٍ ينشأُ من ذلك التقدير وأثْبَت عدمها عند عدم ذلك التقدير بدليلٍ ينشأُ من عدم ذلك التقدير وهذا في الجملة له توهيم وتمويه فإن قيل ألا تجبُ الزكاةُ هناك على تقدير كون المشترك موجبًا بالمانع من الوجوب قيل له يعني بالموجب هو ما يقتضي الزكاة على تقدير وجود المانع وعدمه بأن يكون راجحًا على ما يعارضُه وينافيه وحينئذٍ فإذا كان المشترك موجبًا بهذا التفسير لزمت الزكاةُ هناك قطعًا وإن لم يكن موجبًا فقد سلم ما هنا عن المعارض القطعي وهو الموجب بكلِّ حال فيكون الموجب منتفيًا بالنافي السالم عن هذا المعارض واعلم أن اختصاص السالم النافي بتقدير عدم موجبيَّة المشترك أظهر من اختصاص الموجب بتقدير موجبيَّتِه لأن الوجوب يمكنُ حصوله بغير المشترك كما يمكن حصوله به وغير المشترك متعدِّد أمَّا نفي الوجوب فلا يحصل إلاَّ بالنافي السالم عن المعارض والمعارضُ إما قطعيٌ أو ظنيٌّ فقد ذكر أحدَ قِسْمَي عدم الوجوب فعُلِم أنَّ النافي لا يحصل إلا على هذا التقدير أو تقدير آخر والموجب يحصل على هذا التقدير وعدَّة تقديرات فكان الأوَّل
أخص وإنما لم يمكن المعترض أن يقابل المستدلّ بمثل كلامه لأنه إذا قال العدم هنا مع العدم هناك لا يجتمعان لأن المشترك بين الصورتين إما أن يكون مقتضيًا للوجوب أولا يكون فإن كان مقتضيًا للوجوب وجبت الزكاةُ هناك عملاً بالموجب أو وجبت الزكاة مطلقًا وحينئذ فلا تحقُّقَ للعدم فضلاً عن اجتماع الموجبين وإن لم يكن مقتضيًا للوجوب وجبت الزكاةُ هنا بالمقتضي للوجوب فلا يجتمع العدمان قيل له لا نُسَلِّم أنَّه إذا لم يكن مقتضيًا تجب الزكاة هنا لأن عدم المقتضى الخاص لا إشعار له بالوجوب بل هو إلى الإشعار بالعدم أقرب ومَنْعُ المستدلِّ هنا ظاهر لأن الوجوبَ عنده غير ثابت فإن أنشأ المعترضُ الوجوبَ هنا بدليلٍ لم يَحْسُن لوجهين أحدهما أن ذلك الدليل لا ينشأ من هذا التقدير والأدلَّةُ العامةُ قد تقدمَّ الكلامُ على تهافتها وتهاترها والثاني أن إثبات الوجوب هنا إثبات الحكم المتنازع فيه فإذا أبطل به مقدمة المستدل وهو قوله الوجوبُ هنا والعدم هناك لا يجتمعان قد قال الوجوب والعدم يجتمعان لثبوت الوجوب
المتنازع فيه بكَيْتَ وكَيْت وهذا غَصْب لمنصبِ الاستدلال فلا يُسْمَع هذا تقرير كلام هؤلاء والتحقيقُ أنَّ مثل هذا الكلام لا يُقْبل من المستدلِّ أيضًا لوجوه أحدها قوله وإن لم يكن المشترك موجبًا لم تجب الزكاة هنا بالنافي السالم عن معارضة القطعي قلنا إما أن تكون سلامة النافي عن المعارض القطعي كافيةً في العمل بموجبه أو غير كافيةٍ فإن كانت السلامة عن المعارض القطعي كافيةً في العمل بموجبه وجبَ العملُ بكلِّ نافٍ لم يعارِضْه قطعي وحينئذٍ فلا يجوز إثبات الوجوب بدليل ظَنِّي لأن نافي الوجوب حينئذٍ يكون سالمًا عن المعارض القطعي وهذا خلاف إجماع الأمة بل خلاف إجماع العقلاء فإنَّ الأصل النافي أضعف الأدلة فأدنى دليل موجب يُبْطِل العملَ به ولهذا يترك استصحاب الحال النافي للوجوب بالظواهر والتلازمات والأقيسة وغير ذلك ولهذا تُشْغل الذمم بالأمارات التي ليست قطعية وتقبل أخبار الآحاد بل تُقْبل الأمارات الظنية في دفع موجب الأدلة النافية من الاستصحاب ونحوه ومن تأمَّل الشريعة تأصيلاً وتفصيلاً وجد الغالب عليها تقديم
الظواهر على النوافي وإن قال أعني بالنافي ما ينفي الوجوب من الاستصحاب والدور المنفي شرعًا والنصوص النافية للوجوب قيل هذا لو صحَّ لم يَجُز العملُ به إذا عارضه ما يكافئه أو يفوقه من الظنِّيَّات وإن كان سالمًا عن معارضة القطعي فعُلِمَ أن ذلك وحدَه ليس كافيًا وإن لم تكن السلامة عن معارضة القاطع كافيةً في العمل بالنافي كان معنى كلامه لم تجب الزكاةُ هنا بالدليل الموصوف صفةَ قد لا تكفي في العمل به ومعلومٌ أنَّ الدليل لا يجوزُ اتِّباعه حتى يتَّصف بالصفات التي يجب العمل به عند وجودها فإن قال مجرَّد النافي دليل شرعي وليس على المستدل به التعرُّض لنفي المعارضات إذ المعارضات لا تنحصر بل على المستدل إبداء المعارض لكن له أن يتعرَّض لنفي ما يشاء من المعارضات فإنه ليس ممنوعًا من ذلك وقد تعين ما نَصَبَه منها لكونه قد خطر بباله أو ببال المناظِرِ له لكونه هو الذي خشي أن يعارض به أو الذي اشتهرت المعارضةُ به أو لأنه لا يعرف معارضًا غيره ونحو ذلك وحينئذٍ فنفْيُه للمعارض القطعي تبرُّع بزيادة
في الدليل لا شرطٌ في الاستدلال بالنافي نعم الشرط على الناظر أن لا يجد دليلاً أقوى من النافي أو مساويًا له وعليه فيما بينه وبين الله أن يبين رُجْحان النافي على ما يَجِده من المعارضات بعد البحث أما المُناظِر فلا يُكَلَّف ذلك كما تقدم هذا تمسُّكٌ باستصحاب الحال النافي وعند أكثر هؤلاء الجدليين وأكثر سلفهم المؤصّلين إنما يصلح للدفع وإبقاء ما كان على ما كان وحينئذٍ فلا يجوز الاستدلال به في تنافي الحكمين لأن ذلك قدر زائد على الدفع والإبقاء وأما عندنا وعند أكثر الناس فإنه حجة في الجملة لكن نقول إن كان دليله لا يتم إلا بالاستدلال بالنافي على إحدى مقدماته فلا حاجة إلى هذا التطويل فإنَّ النافي وحدَه كاف بأن يقول أولاً لا تجب الزكاة على المدين بالنافي وعلى المعترض أن يبيِّن ما يوجب الزكاة أو يقول تجب الزكاة عليه بالنافي السالم عن معارضة القطعي وإذا كان ما يدلُّ على بعض المقدمات على بعض التقادير
يدل بعضُه على الحكم المتنازع كان بقية المقدمات والتقديرات خارجةً عن الدليل وزيادةً فيه ولا يجوز أن يُزاد في الدليل ما ليس من الدليل لأنَّه ضم ما لا يفيد إلى ما يفيد مثل التكلُّم بالمهمل والمستعمل والاستدلال على الحكم الشرعي بالأدلة الشرعية بعد تقديم مقدمات حسابية وظنية لا يتوقف الاستدلالُ عليها وهذا ظاهر لا خفاءَ به فإنه إذا قال الوجوبُ هنا والعدمُ يتنافيان وإذا تنافيا وقد ثبتَ العدم انتفي الوجوب فهاتان مقدمتان ثم يقول والدليل على الأولى أن المشترك إن كان موجبًا فقد ثبت الوجوبُ فيهما وإن لم يكن موجبًا انتفى الوجوب عنهما بالنافي للوجوب السالم وكان قوله في الأول الأمر لا يجب هنا بالنافي السالم وإلا كانت تلك المقدمات والتقديرات حشوًا ليس من الدليل واعلم أصلحك الله أن نكت هؤلاء المموِّهِيْن إذا صح بعضُها وكان مبنيًّا على أصول الفقه فإنه لابد من حشوٍ وإطالة وذِكْر مالا يفيد ووقف الاستدلال على مالا يتوقف وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات فهي دائرة بين تغليط وتضييع وبين الإحالة والإطالة وبين الباطل الصريح والحشو القبيح فإن قلتَ حُسْن الكلام ليس محصورًا في الإيجاز بل المتكلم له أن يوجز تارة ويُسْهِب أخرى فإنهما طريقان من طرق الكلام كما
قيل ويُسْهب لكنه لا يُمِلّ ويوجز لكنه لا يُخِلّ قلتُ هم قد سلَّموا لنا أن ما لا يتوقف الاستدلالُ عليه لا يجوزُ إدْخاله في الدليل وما ذكرناه كذلك ثم نقول الإسهابُ والإطنابُ حَسَنٌ بليغ إذا أفاد الإيضاح والبيان حتى يصيرَ الخبرُ كالعيان ولهذا قال الخليلُ بن أحمد الكلامُ يوجَزُ لِيُحْفَظ ويُبْسَط لِيُِفْهَم إذا كانت معانيه تكُثُر بكثرة ألفاظه أما إذا كان بالإطالة يزداد خفاءً وبُعدًا وما يُزادُ فيه لا حاجةَ إليه أَلْبتة لم يجز استعماله باتفاق أهل البيان وأهل النَّظر فإنه مذموم شرعًا قبيح عقلاً وطبعًا الوجه الثاني أن قوله بالنافي السالم إما أن يعني به براءة الذمم من الوجوب المعلومة بالعقل المُسْتَصْحِبة إلى أن يَرِدَ الناقل أو يعني
به أدلَّةً معينةً تنفي الوجوب أو يعني القَدْر المشترك أو يعني شيئًا رابعًا فإن عَنَى الأول كان مستدلاًّ على نفي وجوب الزكاة عن رجلٍ قد ملك نصابًا لأجل دينٍ عليه بالبراءة الأصلية وهذا قد انعقد سببُ الوجوب في حقِّة وإنما التردُّدُ في كون الدين مانعًا من الوجوب ومعلومٌ أن ما هذا سبيله لا يجوز الاستدلال على عدم الوجوب فيه بالأصل النافي لوجوده أحدهما أنَّ الأصل النافي بطل حكمُه بقيام السبب الموجب فإن الأسبابَ التي جعلها الشرعُ موجبةً رافعةٌ للعدم الأصلي الثاني أن الأصل النافي كما ينفي الإيجاب ينفي المانع من الوجوب فيكون دليلاً على عدم الوجوب وثبوته فلا يصح الاستدلال به على عدمه الثالث أنَّ سببَ الوجوب إذا انعقد وقد وقع الشك في حصولِ مانعٍ من الوجوب فالاستدلال ُ بالأصل النافي على عدم المانع أولى من الاستدلال به على عدم الوجوب لأنَّ الأصل الأول قد وقع الخللُ فيه بتخلُّف الحكم عنه كثيرًا وبقيام السبب الموجب والثاني وهو عدم كون الدَّيْن مانعًا محفوظٌ عن الخلل فيتعيَّنُ أن يكون الأوَّلُ أولى الرابع أنَّ ما ينفي الوجوب قد عارضه السببُ الموجبُ الذي انعقد الإجماعُ على كونه سببًا للوجوب أما النافي للمانع من الوجوب
فلا معارِضَ له فيكون العمل به أولى الخامس أنَّ النافي للوجوب دليلٌ عَقْليّ والمقتضي للوجوب أدلة سمعية كثيرة اعتضد بها العقلي النافي للمانع فيكون أوثق من حيث إن الحكم الشرعي يرجح فيه ما اقتضته الأدلة السمعية على ما اقتضاه مجردَّ الدليل العقلي لو لم يكن معارضًا فكيف إذا تعارض السادس أنَّه إذا قال العقلُ ينفي الوجوبَ فأنا أسْتَصْحبه ما لم يجيئ دليلُ التغيير قيل بذلك قد جاءت الأدلة النافية وهى كل آية وحديث دخل فيه صورة النزاع وهى مثل قوله صلى الله عليه وسلم في كلِّ أربعين بنت لبون وفي كلِّ خمسين حقة وفي الرِّقَةِ رُبْع العُشْر وما من صاحِبِ ذهبٍ ولا وَرقٍ لا يؤدِّى زكاتَها إلا جُعِلَتْ له صَفائحُ من نارٍ تُكْوَى بها جَبِيْنُه وجَنْبُه وظهْرُه في يوم كان مقدارُه خَمْسِين ألفَ سنة فيرى سبِيْلَه إما إلى الجنِة وإمَّا إلى النارِ فإن قال الدَّين مانع من الدخول في العموم ويمنع من الوجوب قيل له لا نُسَلِّم فإن الأصل عدم مانِعِيَّتِه
السابع أنَّ الذين يُجِيْزون التمسُّك بالأصل النافي يشترطون فيه عدم الناقل لإجماعهم على أنه لا يجوز الاستدلالُ به قبل البحث التام عن النواقل الشرعية والذين يمنعون الاستدلال به إما مطلقًا أو في غير الدفع والإنفاق ونحو ذلك ينصون على فساد هذا الاستدلال أما الآخرون فظاهر وأما الأولون فلأنَّ شرط الاستدلال عدم النواقل والنواقل هنا موجودة وهؤلاء يوجبون على المُناظِر إذا استدلَّ به إبداء عدم الناقل حسب الطاقة وإن كانوا لا يوجبون ذلك في الأدلَّة الشرعية لأن الأدلَّة الشرعية تدلُّ بنصِّها على الحكم الشرعي وإنما يُخافُ حصولُ معارض والأصلُ عدمُه أما هذا فإنَّما يدل على حكمٍ عقليٍّ كان قبل مجيء الشرعيِّ وذلك لا يجوز اعتقادُ بقائه حتى يُعلم أنَّ الشرعَ أبقاه أو أنه قرَّره وذلك يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍّ يدلُّ على التقرير أو عدم التغيير والمستدلُّ لم يتعرَّض لهذا وأما إن عَنَى بالنافي أدلةً سمعية تنفي الوجوب في صورة النزاع فلا نسلِّم وجودها أَلْبتة وعلى المستدل إبداؤه وهو لم يتعرض له وهو كالمتعذِّر عليه أن يستدلّ بقياس أو بعموم يحتاج إلى نوع تأويل أو يحتج بحديث عثمان ونحوه وحينئذٍ فلا ريب أن ذلك دليل في الجملة لكن لا تُقبل دعوى وجوده حتى يبديه إذ المعترض
يعتقد أنْ ليس على نفي الوجوب دليلٌ سمعيٌ وإن اعتمد على طريقة نفي الضرر ونحوها فسيأتي بيانُ فسادِها فيثبتُ بهذا التحرير الواضح أنه لم يثبت نافيًا للوجوب فضلاً عن كونه سالمًا وإن عَنَى القدر المشترك أو مطلق النافي قيل هو في نفس الأمر إمَّا أن يكون عقليًّا أو سمعيًّا ويُعادُ الكلام وإن ادَّعى نافيًا خارجًا عن الأدلة العقلية والسمعية فعليه بيانُه ولا سبيل إليه الوجه الثالث أن يُقال النافي للوجوب إما أن يكون متحقِّقًا في نفس الأمر أو لا يكون فإن لم يكن متحقِّقًا بطل الاستدلال وإن كان متحقِّقًا فإما أن يجب العمل به مطلقًا أو عند عدم مطلقِ المعارض أو عند عدم معارضٍ مخصوص والأوَّل والثاني خلاف الإجماع بل خلاف ما تقتضيه ضرورة العقل وأما الثالث فنقول ذلك المعارض المقتضي للوجوب لابدَّ أن يكون راجحًا على النافي ولا يُشترط فيه غير ذلك بالاتفاق فيقول أنت لم تعلم سلامته إلا عن معارضة موجبية المشترك بين الصورتين وهو لم يسلم عن معارضة موجبيَّة المختص بصورة النزاع ولا عن معارضة موجبية المشترك بين صورة النزاع وسائر صور الوجوب ولا عن معارضة المركَّب بينها وبين سائر صور عدم الوجوب وهي معارضات كثيرة لا تكاد تنضبط وقد عَلِمْنا أن بعضها يُقَدَّم على النافي بالإجماع وبعضها يُقَدَّم النافي عليه
بالإجماع وبعضها مختلف فيه ولابدَّ من فصلٍ بين ما تقدَّم على النافي وما تقدم النافي عليه فَلِمَ قلتَ إن مجرَّد موجبيَّة المشترك التي تُقَدَّم على النافي وسائر المعارضات لا تقدَّم على النافي لأنَّ التخصيصَ لابدَّ له من مُخَصِّص فليس في ذلك إلا سلامته عن موجب واحد أو نوعٍ واحد من أنواع الموجبات فامتيازُ هذا عن غيره لابُدَّ له من سبب وليس معه أكثر من أنَّ موجبيَّة المشترك تقتضي الوجوبَ فيه قيل له وأيُّ موجبية قامت فيه من جنس موجبيَّة المشترك فإنها تقتضى ذلك فما الموجب لتخصيص هذه الموجبيَّة فإن قال لأنَّ موجبيَّة المشترك تقتضى الوجوبَ في الصورتين فيحصلُ التنافي المدَّعى قيل له حصول المقصود بالأدلة تابعٌ لصحَّة الأدلة في نفسها فإن الدليل يٌتْبَع ولا يَتْبَع فيجب أن تكون الدعوى على مطابقته ولا يجوز أن يُجْعَل هو على مطابقة الدعوى لأن الأدلة أعلامُ الله التي نصبها أسبابًا موصلات إلى العلم بأحكامه والدعاوى أقوال العباد واعتقاداتهم والعبادُ مأمورون باتِّباع ما أنزل الله وشرَعَ ونَصَب فلا يجوز أن يجعلوا ما شرع اللهُ ونصبَ تبعًا لهم والمستدلُّ إنما خصَّ موجبيَّة المشترك بالاحتراز عنها دون غيرها
بمعنًى فيها يقتضي ذلك إنما خصَّها لأن دعواه تتمّ بها دون غيرها وتمامُ دعواه بها ليس لخاصةٍ فيها بل لنفس الدعوى فكأنه اعتقد صحة الدعوى ثم طلب ما يدلُّ عليها وهذا غير جائز والذي يوضِّح ذلك أن كون المشترك بين صورة المدين والفقير موجبًا للزكاة أمر لم يعتقدْهُ أحدٌ من الأمَّة ولا يجوز أن يعتقده وكون المشترك بين المَدِيْن وبين الغني الجلي موجبًا أقرب بالنافي للوجوب على المدين لا يمكن أن يُعْمَل به حتى يُعتقد عدم موجبيَّة المشترك بين المَدِيْن والبريء من الديون أمَّا عدم موجبيَّة المشترك بينه وبين الفقير بالذكر تخصيصٌ من غير مخصِّصٍ يقتضي ذلك في حقيقة الأمر بل تخصيصٌ بمَحْضِ التحكُّم وصِرْف التشهِّي بل تخصيصٌ لِمَا يصحِّح الدَّعوى وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك ما يدلُّ على خصوص الدعوى بل يكون كسائر الأدلة العامة التي اعترضوا بأنه لا دلالة فيها إذ لا فرق بين قول القائل يجب العمل بالنافي على تقديرِ عدمِ هذا المعارض وإن لم يكن لتخصيصه موجب وبين قوله يجبُ على هذا التقدير وإن لم يكن دليل الوجوب مختصًّا بالتقدير فإنَّ التحكمَ بتقديرٍ لقيامِ مقتضٍ لا يختصُّ ذلك التقدير كالتحكُّمِ بتقديرٍ يقومُ منه مانعٌ لا يختصُّ بذلك التقدير فإنَّ قيام المقتضي إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه
والمانعُ إذا لم يكن ناشئًا من التقدير ولوازمه لم يكن فرق بينَه على ذلك التقدير وبينه على غير ذلك التقدير ومعلومٌ أنَّ هذا لا يجوز التعويلُ عليه فافهم هذا فإنه سرُّ عدم دلالة هذا النظر مع أنه في ظاهره قد يختل الرابع أنَّ الدليل ما كان النظرُ فيه مُفْضيًا إلى علم أو ظنٍّ غالب ومن علم أن الأصل ينفي وجوبَ الزكاة مطلقًا وإنما خولفت في مواضع لقيام أسباب موجبيَّتِه ثم عرضت عليه صورة قد علم أن أمرًا من الأمور لا يوجب الزكاة فيها ولا في غيرها منتفٍ عنها ولم ينظر هل فيها أسباب غيره توجب الزكاة أم لا ثم قيل له هل يكون علمك بالأصل النافي مع علمك بعدم هذا الأمر الذي لا يوجب الزكاة قط عنها محصِّلاً لظنك عدم الوجوب لَعَلِم بالاضطرار أن مجرَّد هذا لا يفيد ظنًّا بجواز أن تكون الصورة من صور الوجوب أو من صور عدم الوجوب وأن الذي علمنا انتفاءه عنها ليس مما يوهم الوجوب وهذا ظاهر الخامس النافي لوجوب الزكاة هو تخلُّفه عن مقتضاه في مواضع لا تُحصى ونحن نعلمُ أن تلك المواضع امتازت عن غيرها بأسباب موجبة والمستدلُّ لم يذكر انتفاءَ سببٍ من الأسباب الموجبة عن صورة النزاع فإن المشترك بينه وبين الفقير ليس موجبًا إجماعًا وإذا لم يكن موجبًا في نفس الأمر لم يكن مانعًا من العمل بالنافي
فيكونُ قد استدلَّ بمجرد النافي الذي لم يظن سلامته عن شيءٍ من المعارضات وهذا لا يجوز إجماعًا السادس أنَّ المشترك لا يكون معارضًا للنافي إلا بتقدير الوجوب فيهما وهذا التقدير غير ثابتٍ إجماعًا فلا يكون مُعَارضًا أصلاً فقولُه بعد هذا بالنافي السالم عن معارضة القطعي غير مُسَلَّم لأنه لا يَسْلَم عن معارضةِ شيءٍ له حقيقة وإنما يتعارض لنفي المعارض إذا كان له في الجملة حقيقة ولو على بعض التقادير الواقعة فأمَّا ما لم يوجد ولا يجوز أن يوجد فلا يجوز أن يتوهَّم معارضته ليحترز عنها وحينئذٍ يكون استدلالاً بمجرَّد النافي للوجوب وهو غير صحيح السابع ما ذكرته من النافي وإن دلَّ على عدم الوجوب لكن الأمور الموجبة من النصوص العامة والأقيسة وغيرها دالَّة على الوجوب فإن تعارضا وَقَفَ الاستدلال ثم الترجيح معنا لأنه إذا اجتمع النافي للزكاة والموجب لها قُدِّم الموجِب لأن عامة صور الوجوب قد قُدِّم فيها المقتضي على النافي وتقديمُ مدلولِ أحدِ الدليلين عند التعارض دليلٌ على رجحانه وليس له أن يقول وقد قدم النافي على الموجب في صورة عدم الوجوب لأنَّا نقول العدمُ هناك إنما كان لعدمِ الموجب لا لقيام المانع والموجب هنا موجود فإنْ مَنَع الموجب على التقدير فعنه
جوابان أحدهما أنا نقول بموجب النصوص الشاملة لصورة النزاع ويدعى عدم إرادة صور العدم فيها فإنه معلومٌ قطعًا والمقتضي لإرادة صورةِ النزاع وهو شمول اللفظ لصُوَرِه ولم يقم دليلٌ أرجح من العموم على عدم إرادتها قائم فإن ادَّعى الدليل المانع من الإرادة قيل الأصل عدمه فعليك بيانه الثاني أنَّه يمنع قيام المقتضي للوجوب أيضًا على تقدير ملك النصاب المعتبر إذ لا فرق بين الأمرين فإن قال الموجب لا يختص هذا التقدير فعنه جوابان أحدهما أني أُثْبِت بهذا الدليل الوجوبَ مطلقًا وهو المقصود فإنَّه إذا صحَّ بطل الدليل الثاني أنه إذا لم يختص التقدير فدليل النافي لا يختص أيضًا تقدير عدم هذا المعارض المذكور إذ لا فرقَ بينَ قيام موجبٍ في صورة النزاع على تقدير عدم الوجوب في صورة الفقير وعدم كون المشترك بينها وبين صورة المَدِيْن موجبًا وبين قيام ما به من
الوجوب على تقدير عدم الوجوب هناك وعدم كون المشترك موجبًا فإنّ ما يدلُّ على الوجوب في هذه الصورة أو العدم فيها من الأدلة العامة لا اختصاصَ له بتلك الصورة وجودًا ولا عدمًا وإن قال إثبات الوجوب غَصْب فعنه جوابان أحدهما أن إثباته بعد فراغ المستدلِّ ليس غصبًا وهذا على تقدير أن لا أمنع المقدمة بإثباته الثاني أنه وإن كان غصبًا فنفي الوجوب مصادرة على المطلوب وكلاهما سواء بل المصادرة أقبح لأن ما ذكره المستدل من التنافي لا يتم إلا بما ينفي الوجوبَ في صورة النزاع وما ذكره المعترض لا يتم إلا بما يُثبت الوجوب في صورة النزاع بل فِعْل المعترضِ أجمل لأوْجُه أحدها أنه مفعول على سبيل المقابلة فلا يكون قبيحًا الثاني أنه جائز عند بعض الناس في الجملة الثالث أنه يذكره على وجه المعارضة المستقلة أو على وجه المعارضة في المقدمة والأول جائز بالاتفاق أما المصادرة على المطلوب أو الاستدلال على المقدمة بنفسِ ما يدلُّ على المدَّعَى فقبيحٌ بالاتفاق وإن كان الأول قبيحًا غير مقبول أصلاً والثاني قبيح مقبول مع سماجته
واعلم أنَّ هذا الوجه يتضمنُ وجهين أحدهما معارضةٌ مستقلّة والثاني معارضته بجنس دليله وهو السؤال الذي زعم أنَّ المعترض لا يمكنُ أن يقولَه وقد قرَّرْناه لهم فقد بيَّنا أنه يمكن المعارضة به وأن إثبات النافي بهذا الجنس كإثباته بالجنس الذي سلَّموا فساده سواء وأجبنا عما كنَّا ذكرناه لهم من جواب المعترض وهو ظاهر بيِّن لمن أَنْصف هذا إذا كان الحكم الذي ضمَّ إليه ضد المدَّعى إجماعِيًّا وهو عدم الوجوب على الفقير فإنه ضم ضد المدَّعى وهو الوجوب على المَدِيْن إلى هذا العدم المتَّفَقِ عليه وادَّعى تنافيهما وأحدُهما ثابت قطعًا فيتعيَّن أنهما ضدُّ المدَّعى المساوي لنقيضِه أو غير نقيضِه فيلزم المدَّعى وأما إن كان من صور الخلاف مثل النصاب المركَّب من الذهب والفضة فإنَّ العلماء اختلفوا في ضمِّ أحدِ النقدين إلى الآخر في تكميل النصاب فذهب أكثرُهم مثل أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى روايتَيْه إلى الضم وذهبَ الشافعيُّ وأحمد في الراوية الأخرى إلى عدمه والذين قالوا بالضمِّ منهم من قال يُضَم بالأجزاء ومنهم من قال يُضَم بالأَحَظّ للمساكين من القيمة أو
الوزن ومنهم من قال يُضَم بالقيمة وسواء كان الخلاف بين العلماء أو عن بعض العلماء المجتهدين كالروايات والأقوال المأثورة عن الأئمة المتبوعين وكالوجوه والطرق الموجودة في مذاهبهم فإنَّ ذلك كلَّه خلاف مقيد فإذا كان المستدلُّ يعتقد عدمَ الوجوب على المَدِيْن مثلاً والوجوب في المركَّب أو في الحلي أَو في مال الصبي أو في المال الضائع ونحو ذلك قال الوجوب على المَدِيْن مع العدم في النصاب المركَّب لا يجتمعان أمكنه عند هولاء أن يثبت التنافي بما شاء من الأدلة كالنصوص والأَقْيِسَة والتلازمات الدَّالَّة على الوجوب أو على عدمه بخلاف ما إذا كان المضموم إليه مُجْمَعًا عليه فإِنَّه يكون قد ادَّعى أحدَ أمرين أحدهما لازمُ الانتفاء وهنا ادعى أحدَ أمرين ليس أحدُهما لازمَ الانتفاء لأنه إذا قال إما أن يَجِب هنا أو لا يجب هناك أو لابدَّ من الوجوب هنا أو عدمه هناك فليس الوجوبُ هنا ولا العدم هناك معلومَ الانتفاء لوقوع الخلاف فيه ولا يمكن الخصم أن يعارضه بمثله في جميع الصور فإذا قال العدم هنا والعدم هناك لا يجتمعان فلابدَّ أن يقول إما أن يجب عينًا أو يجب هنا ولا يجب هناك لم يجب أن يستدلَّ