فيه وأكثر هؤلاء المغالطين في الجدل إنما يستغفلون الخصمَ أن يُسلِّم قبل وجوب تسليم ما يذكرونه من العبارات التي لا حاصلَ لها وقد يقدح في نتيجة التلازم بعد تسليم التلازم وهذا يظهر إن شاء الله بالكلام الآتي قال المجادل واعتبر ما ذكرناه في المناظرة متى قلت لو وجبت الزكاةُ على المديون لَوجَبَتْ على الفقير إمّا بالنصّ أو بالقياس أو بغيرهما من الدلائل فإنه يلزم من الوجوب هنا الوجوبُ ثَمَّهْ ومن العدم ثَمَّهْ العدمُ هنا فإنّ عدمَ الملزوم من لوازم عدمِ اللازم قلت اعلم أن العلماء اختلفوا في مَن ملكَ نصابًا زكويًّا وحالَ عليه الحولُ وعليه دَيْنٌ حالٌّ لآدمي لا يتبقى معه بعد قضائه نصاب فأكثر العلماء لا يُوجبون عليه الزكاة في الموال الباطنة وهي النقدين
وعروض التجارة والشافعي في الجديد من قوله أوجبها عليه واختلف الأولون في الأموال الظاهرة وهي الحرث والماشية فعن احمد فيها روايتان إحداهما لا زكاة عليه فيها كالباطنة وهي المنصورة عند أصحابه والثانية عليه فيها زكاة وهي قول مالك وقال أبو حنيفة لا يجب عليه زكاة الماشية ويجب عليه عُشُرُ الخارجِ من الأرض بناءً على أصلهِ في أنه ليس بزكاةٍ وإنما هو حقّ الأرض ولهذا أوجبَه في مال الصبي والمجنون والقليل والكثير وجميع ما ترك من الخارجات ولم يجمع بينه وبين الخراج والكلام العلمي في هذا معروف في موضعه واعلم أن المصنف يستعمل لفظ المدْيُون وهي لغة قليلة والصحيح أن يقال المَدِيْن وكذلك كل اسم مفعولٍ صِيْغَ من فعلٍ عينُه ياءٌ مثل مَبِيْع ومَسِيْل وَمعِيْن من عَانَه يَعِيْنُه ومَعِيْب وإن كان العينُ واوًا مثل مَصُوْن فإن التصحيح فيه أضعف وكذلك يستعمل ثَمَّة وهذه الهاء هاء السكت وهي تدخل على كل حركةٍ غير إعرابية لكن إنما تُستَعمل عند إرادة الوقوف والسكوت فأما إذا أريد وَصْلُ الكلام فلا حاجةَ إليها لظهور الحركة من بعدها وربّما حرَّكَها الناسُ وهو لحنٌ فإذا قال المستدل وجوب الزكاةُ على المدين يستلزم وجوبها
على الفقير فعليه بيانُ الملازمة فإن أقامَ دليل الملازمةَ والمعارضة لم يَرِدْ عليه سؤال صحيح إلاّ المعارضة بما يدل على نفي الزكاة ومن عادة أصحاب هذا الجدل واستدلوا بما استدلال بعضهم من النصّ بقوله صلى الله عليه وسلم أدُّوا زكاةَ أموالكم فإذا نُوزِعوا في شمولِه للفقير إذْ لا مالَ له قالوا المراد به مضن ملك دون النصاب أو مالاً غير زكوي وهذا الحديث بهذا اللفظ لا أصلَ له ولا يُعرف في شيء من كتبِ الحديثِ والفقهِ المعتبرة وبتقديرِ صحتِه فقد انعقد الإجماعُ على أن الفقير غيرُ مرادٍ منه فلا يصحُّ الاستدلالُ به على الوجوب على الفقير وقد انعقد الإجماعُ على أن المرادَ به الأموالُ الزكويّةُ قدرًا ونوعًا دون ما سِوى ذلك فلا يكون من ليس كذلك داخلاً فيه فإن قيل هو مرادٌ على هذا التقدير وهو تقدير الوجوب على المدين لأنه جائز الإرادة على هذا التقدير لأنَّ ما يسوِّ بين المدين والفقير يقول إن النصَّ الموجبَ للزكاة في أحدهما موجبٌ للزكاة في الآخر فلو كان الموجبُ على المدين مرادًا لكان الوجوب على الفقير مرادًا قيل كون الشيء مرادًا معناه أن الشارعَ أرادَه بكلامه وهذا أمرٌ قد استقرَّ وثبتَ فلا يُمكن انقلاب مرادِه غيرَ مُرادٍ له ولا ما ليس بمرادٍ
له مرادًا له ونحن قد علمنا قطعًا أن الفقيرَ ليس بمرادٍ فلا يُمكِن الاستدلال على وقوع الإرادة بعدَ ذلك بكونِه جائزَ الإرادة أو بكون اللفظِ عامًّا له؟ أو بغير ذلك من الأدلة لأن ما ليسَ بواقعٍ لا يقوم دليلٌ صحيح على وقوعِه نعم الذي يمكن أن يُقالَ لو وجبَتْ على المدينِ لوجبَ كونُ الفقير مرادًا من هذا النصَّ إذا بين أن النافي للإرادة يزول على هذا التقدير فيعمل مقتضى الإرادة عمله فيحتاج أن يبيَّن أن النافي لإرادة الفقير يزول على هذا التقدير وحينئذٍ يحتاج إلى الخوض في فقه المسألة ولا تُغنيه الأدلة العامةُ لأنّا قد علمنا أن الفقير ليس بمرادٍ من النصّ فدعوى إرادته على تقديرٍ يحتاجُ إلى دليلٍ يَنشأُ من ذلك التقدير فلو قال هو جائز الإرادة على ذلك التقدير فلا نسلِّم أنه جائز الإرادة على ذلك التقدير ولئن سلَّمنا جواز الإرادة فلا نُسلم أنه يقتضي الإرادة كما سيأتي إن شاء الله ولو سلَّمنا له أنّ جواز الإرادة يقتضي الإرادة فإنما تقتضيه إذا كان الجواز ثابتًا في نفس الأمر أما إذا كان جائز الإرادة على تقدير غير واقع لم يلزم أن يكون مرادًا وهنا وجوب الزكاة على المدين ليس واقعًا عند المستدل وإنما يجوز كون الفقير مرادًا بتقدير الوجوب على المدين بإذنٍ هو جائز الإرادة بتقدير غير واقع عنده ومعلومٌ أن ما هو كذلك لا يكون
مرادًا لأن ذلك الجواز منتفٍ في نفس الأمر لانتفاء تقديره في نفس الأمر وإذا كان الجواز منتفيًا كان غيرَ واقع فلا يكون جائز الإرادة في نفس الأمر فلا يصحّ الاستدلالُ به على الإرادة لأن ذلك الدليل إنما يدلُّ على الواقع لا على غير الواقع أو يقال ليس جائز الإرادة على هذا التقدير بالإجماع أما عند المستدل فلانتفاءِ التقدير وأما عند المعترض فلأنه غير جائز الإرادة عنده على هذا التقدير وأيضًا فلابُدَّ أن يقول المقتضي للإرادة وهو شمولُ اللفظ أو صلاحيته مثلاً قائمٌ وإنما تُرِك العملُ به للمعنى المشترك بين الفقير والمدين أو لمعنًى هو في المدين أو بالمنع لو وجبت على المدين لزال هذا المانعُ ولو زال لوجبَ أن يكون مرادًا من هذا النصّ فلا يتمُّ كلامُه حتى يبيّن أن الوجوب على المدين يقتضي الوجوب على الفقير من جهة المعنى وحينئذٍ فلا يكون مثبتًا للتلازم بالنصّ فعلمت أن النصّ بنفسه يمتنع أن يَدُلًَّ على الوجوب مع العلم بأنه في نفس الأمر غيرُ دالٍّ حتى يتبيَّن قيامُ مقتضٍ للوجوب أو زوالُ مانعٍ له وهذا إذا وُجِد كان استدلالاً صحيحًا ولسنا نطعنُ فيه واعلم أنه يُمكِن إبطال من كل نصّ يدعى بما يختصه فإن عدم الإرادة بالإجماع دليلٌ عام وذلك أنه يمتنع أن تدل النصوص
دلالةً مسلَّمةً على ما يخالف الإجماع مثلَ أن يقال على هذا الحديث: لو كان له أصلٌ فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرَ بأداءِ زكاة المال والفقير ليس له مالٌ تكون له زكاةٌ أوله مالٌ لكن لا زكاةَ له أو يقال لا نُسلِّم أنّ للفقير زكاةَ مالٍ حتى يُؤمرَ بأدائها فإنّ الأمر بأدائها فرعُ تحقُّقِها فلو أثبت تحققها بالأمر بأدائها لزمَ الدورُ فإن قال يجوز أن يكون مرادًا قلنا لا نسلِّم فإن زكاةِ المال لا يُعرف لغةً وإنما يعرف شرعًا فإن لم يثبت من جهة الشرع أنَّ لهذا المال زكاةً امتنع أن يُراد أداء زكاةٍ فيه من هذا الخطاب واعلم أن اللفظ لو كان في أموالكم زكاة ونحو ذلك احتجنا إلى جواب آخر وإنما أمر بأداء زكاة الأموال والإضافة إلى المعرفة تقتضى التعريف فلابُدَّ أن تكون زكاةُ الأموال معروفة حتى ينصرفَ الخطابُ إليها وسواءٌ أُريدَ الزكاة المعتادة أو جنس الزكاة فالاستدلال به موقوف على ثبوت هذا الاسم في حقّ الفقير ولا سبيل إلى ذلك واعلم أنه يمكن إثباتُ التلازم بالقياس الصحيح كما سنذكره إن شاء الله تعالى وهو الذي يعتمد عليه في هذا الباب وعادةً هؤلاء يُثبِتونه بقياسٍ عام كما أثبتوه بنصٍّ عام وربَّما أثبتوه بالنصّ والقياس جميعًا وبعضهم يقول لا يُستدلُّ به مع وجودِ النصِّ وهذا ليس بشيء فإنه لو فرض وجود قياس يوافق مقتضى النص لم يمتنع الاستدلال به فإن توارد الأدلة القوية والضعيفة على مدلولٍ واحدٍ ليس بممتنع إنما القياس الباطل ما خالف مقتضى النصّ لا ما وافقه
وربّما قال بعضهم يجب الزكاة على هذا التقدير وإلاّ يلزم تركُ العمل بالنصوص المعمول بها في إحدى الصورتين والأنيسة المخصوصة بالصورتين فإنه على هذا التقدير قد عمل بالنصوص في المدين بينه وبين الفقير جامعٌ يوجب اشتراكهما في الحكم وهذا أيضًا ليس بشيء فإن هذه النصوص متروكة في هذه الصورة بالإجماع ومتروكة في صورة النزاع عند المستدل فهو تارك للعمل بها في الموضعين فكيف يفرُّ من ترك العمل بشيء في صورةٍ وقد ترك العمل به في صورتين وأما السائل فقد ترك العمل بها في أخرى لأن ترك العمل بالدليل على خلاف الأصل فكثرته على خلاف الأصل والنكتة فيه أن يقال إذا تركنا العمل بنصّ قد عملنا به في صورةٍ أيّ محذورٍ في هذا فإن قال لأن فيه مخالفة بالنصّ قيل له هذه المخالفة ثابتة في نفس الأمر بالاتفاق منا ومنك وما هو ثابت في نفس الأمر لا يضرُّني التزامُه على تقدير صحة مذهبي بل هو أدلُّ على صحة المذهب منه على فساده فيحتاج حينئذٍ إلى أن يبيّن أن العمل به في إحداهما يقتضي العمل به في الأخرى بمعنى فقهيّ وهذا مقبول إذا أبداه وأما القياس فإن قاس بوصف مجهول ونحو ذلك من الأقيسة العامة فسيأتي إفساده فإن ذكر قياسًا فقهيًّا فهو
مقبولٌ ومتى وقع التحقيق في هذا المقام تعذَّر على المستدل إثبات اللازم بنص عام أو بقياس عام وربما يثبتونه بغير النص والقياس مثل تلازم آخر أو ترديد أو دوران أو غير ذلك فما أفاد منها معنًى فقهيًّا فهو مقبول وإلاّ فهو مردود مثل قول بعضهم لو لم تجب الزكاة على الفقير على تقدير وجوبها على المدين لم يَخْلُ إما أن يكون العدم لازمًا للوجوب في الجملة أو لا يكون لازمًا والتقديران باطلانِ فيبطل الملزوم وهو عدم الوجوب فيثبت الوجوب على الفقير على ذلك التقدير بيان الأول أنه لا يخلو إما أن يكون الوجوب في الجملة مستلزمًا للعدم أم لا بيان الثاني أنه لو استلزم الوجوبُ في الجملة العدمَ لكان الوجوب على الفقير مستلزمًا عدمَ الوجوب على المدين وهو باطلٌ قطعًا فإنه من المحال أن تجب على الفقير غيرَ مستلزم للوجوب على المدين وهو باطلٌ أيضًا إذ التقدير وجوبها على المدين دون الفقير وهذا الكلام ركيك فإن كلا المتقدمتين باطلة أما الأولى فلا نسلّم لزومَ أحد الأمرين على هذا التقدير وذلك أن قوله العدم إما أن يعني به عدم الوجود فيهما أو في أحدهما بعينه أو في أحدهما بغير عينه أو مطلق العدم فإن عُني به الأول كان التقدير إما أن يكون عدم الوجوب في الصورتين من لوازم
الوجوب في الجملة أم لا وهذا مع رِكّته ظاهر فإن جوابه أن يقال ليس من لوازمه فإن عدم الوجوب في الموضعين يمتنع أن يكون من لوازم الوجوب في أحد الموضعين فإنه يلزم منه أن يكون الوجوب في صورة ملزومًا لعدم الوجوب في كل صورةٍ وذلك جمعٌ بين النقيضين وإذا لم يكن العدم فيهما من لوازم الوجوب بطلت الملازمة الثانية وهو قوله لو يستلزم العدم الوجوب لكان عدم الوجوب على الفقير غير مستلزم للوجوب على المدين فإن العدم إنما هو عدم الوجوب فيهما لا عدمه على الفقير خاصّة ولاشك أن عدمه عليهما غير مستلزم للوجوب على المدين وأيضًا فلو كان عدم الوجوب على الفقير غير مستلزم للوجوب على المدين لم يلزم عدم الوجوب على المدين بل قد تكون واجبةً على المدين لا من جهة التلازم بل من جهة أخرى فإن نَفْيَ الدليل المخصوص لا يلزمُ منه نَهْيُ الحكم فيجوز أن يكون التقدير وجوبها على المدين دون الفقير ولا يكون وجوبها على المدين من لوازم العدم على الفقير بل ثابت بنفسه واجتماعهما أمرٌ اتفاقي كجميع الأمور التي هي ثابتة وليس بعضها من لوازم البعض وإن عُنِي عدم الوجوب في أحدهما بعينه فإن أراد الفقير وهو مقتضى كلامه كان التقدير إما أن يكون عدمُ الوجوب على الفقير لازمًا للوجوب في الجملة أو غيرَ لازمٍ وحينئذٍ فإن قيل هو لازم لم يصحّ قوله الوجوب على الفقير يستلزم العدم على المدين لأن التقدير العدم على الفقير وإن قيل ليس بلازم فقد تقدم أنه لا يلزم
عدم الوجوب عدم المدين وإن أراد المدين بطل التلازم الثاني من وجهين وإن أراد أحدهما لا بعينه أو أراد مسمًّى قيل لا يخلو في نفس الأمر إما أن يدّعي عدمَهما أو عدمَ كل منهما أو عدم أحدهما بعينه أو عدم أيهما كان وعلى التقديرات كلَّها فالتلازمُ المدَّعَى باطلٌ وإنما جاء هذا التلبيس من كون لفظ العدم فيه إبهامٌ وإطلاقٌ واشتراكٌ واللبيب لا يخفى عليه هذا وإن شئت قلت لا نُسلِّم لزومَ أحدهما بل يمكن أن لا يكون العدم على التعيين لازمًا وأنت لم تُثبِت لزومَ أحدهما بعينه وقد تقدم منعُ التلازم في المقدمة الثانية ومثل قول بعضهم الوجوب على الفقير من لوازم لزوم ما هو مستلزم له على ذلك التقدير فيكون لازمًا إذ المستلزم لا يفارق الشرط في اللزوم وهو ما يناقض العدمَ فيهما وذلك لأن عدمَ اللزوم لا يخلو من أن يكون شاملاً لهما أو لا يكون فإن كان شاملاً فظاهرٌ وإن لم يكن فكذلك لأن من اللوازم ما يكون مستلزمًا له على تقدير عدم الشمول وإلاّ لكان الشمول من لوازم اللزوم في الجملة وإنه محال وهذا الكلام على تعقيده وقٌبْح التعبير به لما فيه من الألفاظ المشتركة الخالية عن قرينة التمييز ولما فيه من حَشْو كلماتٍ لا حاجةَ
إليها فهو مع خُلُوِّه عما يُحتاج إليه في البيان واشتماله على ما لا يُحتاج إليه خالٍ عن الفائدة وذلك يظهر بتفسيره وذلك أنه يقول الوجوب على الفقير لازم من لوازم لزوم الشيء الذي يستلزم الوجوب أي من لوازم كونه لازمًا في نفس الأمر وثابتا ولا شك أن الوجوب على الفقير إذا كان من لوازم شيء هو لازمٌ في نفس المر كان لازمًا وذلك أن المستلزمَ للوجوب لا يفارق شرط ما يكون لازمًا به بل هو لازمٌ له وشرط اللزوم ما يُناقض العدمَ فيهما والذي يناقضه هو الوجوب فيهما ومعلومٌ أن المستلزم للوجوب على الفقير لازمٌ للوجوب عليهما فيكون لازمًا في نفس الأمر وذلك أنه إما أن يكون عدم اللزوم في نفس الأمر شاملاً لهما أي للمستلزم للوجوب ولما يناقض العدم أو لا يكون شاملاً وإن كان شاملاً فظاهرٌ لأنه قد ثبت أنه لا يفارقه وإن لم يكن العدم شاملاً لهما فظاهرٌ أيضًا لأن من الأمور اللازمة في نفس الأمر ما يكون مستلزمًا للوجوب على تقدير عدم شمول العدم وإذا كان من الأمور اللازمة ما يكون مستلزمًا للوجوب على هذا التقدير ثبتَ لزوم المستلزم وذلك لأنه لو لم يكن من اللوازم ما يكون مستلزمًا له على تقدير عدم الشمول لكان شمولُ العدم من لوازم اللزوم في الجملة وهو محال وذلك لأنه إذا فُرِض عدمُ شمولِ الهدم فلابدَّ أن يتحقَّق وجودُهما أو وجودُ أحدهما أعني وجود المستلزم للوجوب أو وجود الشرط في اللزوم وهو ما يناقض العدمَ فيهما إذْ لولا وجودهما أو وجودُ
أحدهما لشمِلَهما العدمُ ومتَى وُجِدوا أو أحدُهما لزمَ ما يستلزم الوجوب ولو لم يلزم ما يستلزم الوجوب لعُدِم ما يستلزم الوجوب وعُدِم ما يناقض العدم أيضًا فإنه لا يفارقه وإذا عُدِما كان شمولُ العدم لهما من لوازم لزوم ما يناقض العدم وهو محال فإن ما عدمهما لا يلزم ما يناقض عدمهما وهذا تفسير كلامه وترجمته أن يقول الوجوب على الفقير من لوازم لزوم المستلزم للوجوب فإنه لا يفارق الوجوب فيهما فيعود حاصلُه إلى أن يقول الوجوب على الفقير من لوازم الوجوب عليه وعلى المدين أو من لوازم ما يناقض عدمَ الوجوب فيهما ثم قرّر هذا التلازم بأن قال العدم للمستلزم والوجوب إن كان شاملاً فقد ثبت أنه لا يفارقُه وإن لم يكن شاملاً فقد ثبت إمّا المستلزم أو الوجوب وأيهما حصلَ ثبتَ المدَّعَى وإفسادُ هذا الكلام له وجوهٌ لكن نُنبِّه على نكتة التغليظ فنقول قوله المستلزم لا يفارق الشرط في اللزوم وهو ما يناقض العدَم فيهما يعني به ما يُناقِض العدم في كلِّ منهما أو ما يُناقِض العدمَ في مجموعهما والذي يناقضه في مجموعهما الوجوبُ فيهما أو في أحدهما فإن قال أريد به ما يناقض العدم في كل منهما كان معنى كلامه أن الشرط في لزوم المستلزم للوجوب على الفقير الوجوبُ على المدين والوجوب على الفقير فيقال له نحن نسلِّم أن الوجوب عليهما شرط للزوم المستلزم
للوجوب على الفقير لكن لِمَ قلتَ إن هذا الشرط متحققٌ ولازمٌ في نفس الأمر حتى يكون لازمُه متحققًا فإن التلازم لا يقتضي وجودَ اللازم ولا وجودَ الملزوم فتسليم اللازم لا يُفيد إن لم يثبت تحققُ الملزوم وقوله بعد ذلك إن كان العدم شاملاً فظاهرٌ قلنا لا نُسلِّم أنه ظاهر وذلك لأن شمول العدم معناه أنه عدم المستلزم للوجوب على الفقير وعدم الوجوب على الفقير والمدين الذي هو مناقض عدم الوجوب ومعلومٌ أن هذين إذا عُدِما لم يُفِدْ ذلك تحقُّقَ الملزوم أكثر ما يفيد تلازمهما ونحن قد سلمناه وقوله وإن لم يكن العدم شاملاً لهما فكذلك هو ظاهر قلنا لا نُسلِّم أنه ظاهر لأنّ العدم إذا لم يشملهما جاز وجود أحدهما فإن كان الموجودُ وإن قال أراد به ما يناقض العدم في مجموعهما كان معناه أن المستلزم للوجوب على الفقير لا يفارق الوجوب عليهما أو على أحدهما بل لابدَّ أن يكون لازمًا للوجوب على أحد التقديرات الثلاث فيقال له هذا عينُ محلِّ النزاع فلا نُسلِّم أن المستلزم للوجوب على الفقير لازم للوجوب على المدين فإن هذا أول الدليل فإن أثبته بهذا الدليل كان دورًا وإن ذكر دليلاً آخر كان ذلك كافيًا في تحقيق التلازم وما سواه ضياعًا وحشوًا
وقوله في تقدير ذلك إن شملَهما العدمُ فظاهرٌ قلنا لا نُسلِّم لأنه إذا عدم المستلزم للوجوب على الفقير والوجوب عليهما وعلى أحدهما لم يدلَّ ذلك على لزوم أحدهما للآخر لأن الأشياء التي لا تلازمَ بينهما لأن الأشياء المتضادة المتنافية قد تشترك في عدم جميعها فبتقدير عَدَمِها لا يثبتُ تلازمها وإن قال فظاهر أردتُ به ثبوتَ المدَّعَى وهو عدم الوجوب على المدين قيل أنتَ في تقرير التلازم وبيان أن الوجوب على المدين يستلزم الوجوب على الفقير فإذا أثبتَّ عدمَ الوجوب على المدين لم يثبت التلازمُ لأن صحةَ المدعَى لا يستلزم صحةَ الدليل المعيَّن لجواز أن يكون القول حقًّا وما يُستدَلُّ به باطل لثبوته بدليل آخر فلابدَّ لك من تصحيح الدليل الذي زعمتَ أنه يُفيد ثبوتَ المدعى وإلاّ فنحن قد نُسَلِّم لك الحكمَ ونُنازِعُك في الدليل وقوله إن لم يكن العدم شاملاً فظاهرٌ أيضًا قلنا ليس كذلك لأنه إذا لم يشملهما العدمُ فلابدَّ من ثبوت أحدهما فإن كان الثابت هو الوجوب على المدين خاصةً الذي يناقض عدم مجموع الوجوبين لم نُسلِّم أن ذلك موجب للوجوب على الفقير إذ هذا أول الدليل وقوله لأن من اللوازم ما يكون مستلزمًا له على تقدير عدم الشمول
قلنا لا نُسلِّم قوله وإلاّ لكان الشمولُ من لوازم اللزوم في الجملة قلنا لا نُسلِّم أيضًا فإن شمولَ العدمِ إنما يكون من لوازم اللزوم إذا كان المراد باللزوم لزوم ما يناقض عدم كلّ منهما وهو الوجوب فيهما فإنه على هذا التفسير يثبت المستلزم للوجوب على الفقير لأنه إما أن يكون موجودًا وأيّهما كان فقد لزم المستلزم للوجوب على الفقير فلا يكون عدم الشمول لازمًا لهذا اللزوم أما إذا كان المراد باللزوم لزوم ما يناقض عدمَ مجموعهما وهو مطلق الوجوب سواء جعل فيهما أو في أحدهما الذي نتكلم نحن على تقديره فإن العدم إذا لم يكن شاملاً له وللمستلزم فلابدَّ من وجود أحدهما فيجوز أن يكون هو الموجود وإذا كان الموجود مطلقَ الوجوب ولو على المدين كان التقدير أنّ مطلق الوجوب ولو على المدين مستلزمٌُ للوجوب على الفقير وهذا أول الدليل وهو عينُ المقدمة الممنوعة في الدليل فيقال لا نسلِّم ذلك ومعلومٌ أنه إذا لم يلزم ذلك لا يكون شمول العدم من لوازم لزوم المستلزم للوجوب لأن ذلك أيضًا هو نفس هذه المقدمة فلا يلزم من عدم الشيء وجودُه فقد تبيَّن أن مدارَ النكتة على الدعوى المحضة وجَعْلِ المطلوبِ مقدمةً في إثباتِ نفسِه وهو من المصادرات القبيحة المردودة بإجماع
العقلاء ومن ذلك قول بعضهم الوجوب على الفقير على ذلك التقدير من لوازم المساواة بينهما في اللزوم وأنه أخصُّ بالنسبة إلى الوجوب عليه أي على الفقير فلا يكون مَدارًا له وجودًا وعدمًا وحينئذٍ يلزم الوجوب عليه إذ الوجوب لازم على تقدير تحقق المساواة بالضرورة فلو لم يكن لازمًا على تقدير العدم في الجملة لكان المساواة مدارًا له وجودًا وعدمًا والتقدير بخلافه وحاصله أنه يقول الوجوب على الفقير من لوازم تساويهما في اللزوم فإنهما لو تساويا في اللزوم للزمَ الوجوب وهذا التساوي أخصُّ من الوجوب على الفقير فلا يكون مدارًا له وجودًا وعدمًا لأن المدار هو ما يُجد الدائرُ بوجودِه ويُعدَم بعَدَمِه فالأخصُّ قد يُعدَم ولا يُعدَمُ الأعمُّ فلا يكون مدارًا له عدمًا وإذا لم يكن مدارًا له في الحالين لَزِمَ تحقُّقُ الوجوب في صورةِ وجود التساوي ضرورة تساويهما في اللزوم وفي صورة عدمه إذ لو لم يتحقق الوجوبُ لعُدِمَ عند عدمِ التساوي فكان مدارًا له والتقدير خلافه وهذا الكلام أيضًا من أبطل الباطل وجوابُه أن يقال قولك إنّ لزوم المساواة أخصُّ من الوجوب على الفقير ممنوعٌ وذلك لأن المساواة بينهما في اللزوم إذا وُجدتْ وُجِدَ الوجوبُ على الفقير لأنه إذا عُدِمَت المساواةُ بينهما في اللزوم ثبتَ عدمُ المساواة وإذا ثبتَ عدمُ المساواة في اللزوم والتقديرُ تقدير الوجوب على المدين ثبتَ بالضرورة عدمُ الوجوب على الفقير وإلاّ لاستويا في اللزوم
فعُلِمَ أن المساواة مدارٌ للوجوب على ذلك التقدير وجودًا وعدمًا لمطابقتهما له في العموم والخصوص نعَمْ المساواةُ بينهما في اللزوم على الإطلاق أخصُّ من الوجوب على الفقير لأن الوجوب على الفقير يُوجَد مع وجود المساواة ويجوز وجودُه مع عدم المساواة في اللزوم بتقديرِ أن يجبَ على الفقير دون المدين فإنه من التقديرات العقلية في الجملة كما يجوز وجود الوجوب على المدين مع عدم المساواة وعلى هذه الأغلوطةِ بَنى المموِّهُ كلامَه وجوابُه من وجهين أحدهما أنّا إنما نتكلم على تقدير الوجوب على المدين كما تقدم وعلى هذا التقدير فليست المساواة في اللزوم بأخصِّ من الوجوب على الفقير كما تقدم الثاني أنّا لا نُسلِّم أنها أخصُّ مطلقًا فإن المساواة إذا وُجِدتْ وُجِدَ الوجوبُ وإذا عُدِمتْ عُدِمَ الوجوب على الفقير أيضًا لأنها إذا عُدِمَتْ امتَنع رجحانُ الفقير على المدين لأنه خلافُ الإجماع فيتعيَّنُ رجحانُ المدين على الفقير وإذا ثبتَ رجحانُه عليه مع عدم تساويهما في اللزوم لزمَ بالضرورةِ عدمُ الوجوبِ على الفقير لأنهما إذا لم يتساويا في اللزوم فإمّا أن يتساويَا في عدمِه أو يلزم أحدهما فيكون هو الوجوب على المدين خاصَّةً لأنّ الآخر خلاف الإجماع ومَتى عُدِمَ اللزوم فيهما أو في الفقير فقد لزم عَدَمُ الوجوب على الفقير عند عدم المساواة في اللزوم فلا تكون المساواة أخصَّ من الوجوب على الفقير لأنّ الأخصَّ عبارةٌ عما قد يُعدَمُ مع وجودِ الأعمِّ وهنا حيثُ
عُدِمت المساواة في اللزوم عُدِمَ الوجوبُ على الفقير واعلم أنّي إنّما نبَّهتُ على فسادِ هذه النكت لأنّها مما اعتمدَ عليه بعضُ هؤلاءِ المموِّهين المغالطين من الجدليين فإنه بها وبأمثالِها من الكلام الذي لا حاصلَ له يَزعمون أنهم يُثبِتُون ما شاءوا من الدعاوِي وهو كما تراه فإن هذه النظوم الثلاثة يمكن أن يقال في أيّ تلازمٍ ادَّعاهُ المدَّعى أمّا إذا ادَّعى لزوم وجوب ونحوه من الأحكام الثبوتية فظاهر وأما إن ادَّعَى لزومَ عدمٍ أمكنَه تغييرُ العبارة ولولا أنه ليس هذا موضعَ الاستقصاءِ في إفسادِ خصائصِ النكت المموِّهة وإنما الكلام في عمومِ هذه الصناعة التمويهية لوَسَّعْنا القولَ في ذلك والضابطُ في ذلك تحريرُ كلام اللَّبْسِ وإخراجُ اللفظ المشترك عن الاشتراك إلى الإفراد والتعبيرُ عنه بعبارةٍ ليس فيها اشتراكٌ ولا حَشْوٌ وحينئذٍ يتبيَّنُ موضعُ المنع الذي لا يمكنه الجوابُ عنه إلاّ بالرجوع إلى الأدلة العلمية وهو في كلّ مادةٍ بحسب ما يليق بها أمّا دليلٌ عامٌّ يثبتُ به كلّ تلازمٍ فقد عَلِمَ كلُّ عاقلٍ بالاضطرار أنّ هذا باطلٌ وهو مع بُطلانِه عن الفائدةِ عاطلٌ وهو مع خُلوِّه عن الفائدة متعارضٌ متقابلٌ فإنّ عامَّة هذه الأدلة العامَّة التي يُثبِتونَ بها التلازمَ يُمكِن الاعتراضُ بها بعينها على بطلان التلازم بأن يُجعَل نقيضُ اللازم لازمًا لغير الملزوم أو عينُ اللازم لازمًا لنقيضِ الملزوم وهو قلبٌ للدليل أو لازمُ اللازمِ لازمًا للازِم نقيضِ الملزوم أو
الملزومُ ملزومًا لملزومِ نقيضِ اللازم أو ملزومُ اللازم ملزومًا لنقيض الملزوم أو لازمُ الملزوم لازمًا لنقيضِ اللازم إلى غير ذلك من التراكيب التي تُناقِضُ صحةَ التلازم ولولا الإطالةُ لذكرنا من ذلك شيئًا كثيرًا وأمّا الدليل الخاصّ العلمي فهو أن يقول مثلاً مالُ المدين مشغولٌ بإعدادِه لقضاءِ الدَّين وقضاءُ الدين من الحوائج الأصلية بمنزلةِ احتياجه إلى الطعام والكسوة ولذلك لم يَجِبْ عليه الحجُّ ولم يجب عليه نفقةُ الأقارب وجازَ له أخذُ الزكاة لقضاءِ دَينه كيف وكثيرٌ من العلماء يُقدِّمون دينَه على حاجتِه إلى الطعام والكسوة في المستقبل حتى يُجرِّدونَه من ماله إلاّ ثيابَ البِذْلة ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم مّا أُحِبُّ أنَّ عندي مثلَ أٌحدٍ ذَهَبًا يَمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه درهمٌ إلاّ درهمًا أَرصُدُه لقضاءِ دَيْن وقال نَفْسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَينِه حَتَّى يُقضَى فإذا كانت الحاجةُ إلى قضاءِ الدَّين أَوْكَدَ من الحاجةِ إلى كثير من ثيابِ البِذْلة وعَبِيْدِ الخدمة ثم ثبتَ أن الزكاة لا تجب فيما هو مُعَدٌّ لطعامِه وكسوتِه وخدمتِه ومسكنِه فما هو مُعَدٌّ لقضاءِ دَيْنِه أولَى وتحريرُ هذا الكلام في كتب الفقه
وعلى المعترضِ حينئذٍ أن يَقدحَ في الملازمة ويُبيِّنَ أنَّ وجوبَها على الدينِ ليسَ بمستلزمٍ وجوبَها على الفقير إمَّا بذكرِ الفوارق وإمّا بتفريقِ النصوص فيقول مثلاً الفقيرُ ليسَ بيده مالٌ زكوَيٌّ لأنه إن لم يكن مالكًا لمالٍ فمُحالٌ إيجابُ الزكاةِ في غيرِ مالٍ وإن كان مالكًا لعقارٍ أو عَبِيدٍ أو خَيلٍ أو بِغالٍ أو حَميرٍ فهذا جنسٌ غيرُ زكويّ ولهذا لا يجبُ فيه الزكاةُ وإن كان فيه فضلٌ عن الحوائج الأصلية لأن الزكاة إنما تَجِبُ في الأموالِ النَّامية بنفسِها أو بتصريفِها والعقارُ وذواتُ الحافر ليستْ كذلك فلم يَصِحَّ تعليلُ امتناعِ الزكاةِ فيها بحاجةِ المالك وإن كان مالكًا لمالٍ زكَوِيّ وجبتِ الزكاة وأما المدين فهو مالكٌ لمالٍ زكَويّ فقد انعقدَ سببُ الوجوبِ في حقِّه والمستدلُّ يَدَّعي أنَّ الدَّينَ مانعٌ من تمامِ السبب أو مانعٌ من حُكمِ السبب فعليه بيانُ ذلك فيقول المستدلُّ إنّ الله تعالى أوجَب الزكاة على الأغنياء بقوله صلى الله عليه وسلم أُمِرْتُ أن آخُذَ الصدقةَ من أغنيائِكم فأَرُدَّها في فقرائِكم فكلُّ من وَجَبتْ عليه الزكاةُ فهو غَنِيٌّ الغِنَى الموُجِبَ للزكاةِ ومَن لا تجبُ عليه فليس بغَنِيٍّ الغِنَى الموجِبَ لها ومالكُ العَقارِ وذواتِ الحافرِ وعَبِيدِ الخدمة وثيابِ البِذْلة ليس بغنىٍّ عن ذلك لأنه يحتاج إلى العقار إمّا لِسُكْناه أو لِكِرائِه ويحتاج إلى ذواتِ الحافرِ إمّا لِرُكُوبها أو لِكِرائِها وكذلك العبيد فلو وَجَبت الزكاةُ في ذلك لاخْتَلَّت مصلحتُه
والزكاةُ لا تَجِبُ على وجهٍ يَضُرُّ بالمالك نَعَمْ إن مَلَكَ مِن أَكْرِيَتِها أو نَمائِها مَا تَجِبُ فيه الزكاةُ وَجَبَتْ بشُروطِها إمَّا عندَ تَجدُّدِ المِلكِ كقولِ ابن عباس أو عندَ انقضاءِ الحَوْلِ كقولِ عامَّةِ العلماء بخلافِ السائمةِ فإنَّ لها نَسْلاً يَسُدُّ مَسَدَّ ما يُخْرَجُ منها وكذلك عُرُوضُ التجارة وكذلك النَقْدان هما في الأصل خُلِقَا للتجارة فهما قابلانِ للنَّماءِ فكَنْزُهما صَرْفٌ لهما عن الحكمة التي خُلِقَا لها فلا يَبْطُل حقُّ الله تعالى ويَتفاضَلان في هذا الكلامِ وغيرِه حتى يَظْهرَ حُجَّةُ أحدِهما إمّا بشهادةِ النصوص أو الأصول لرجحانِ اعتبارِه أو لاعتضادِه بأقوالِ الصحابة وهو خطبة عثمان المشهورة وغير ذلك وهما جاريانِ في الاستدلالِ سُؤالاً وجوابًا على شروطِ الجدلِ المستقيم المبني على أصولِ الفقه الصحيحة فأمَّا بعد تسليم التلازمُ فإنه يلزم من الوجوب على المدينِ الوجوبُ على الفقير واللازمُ منتفٍ فيَنتفِي الملزومُ وهو المدَّعَى كما قال لأنَّ عدمَ الملزوم من لوازِم عدمِ اللازم بمعنى أنه إذا عُدِمَ اللازمُ لَزِمَ عَدَمُ أشياءَ منها عَدَمُ الملزوم كما مَرَّ تقريرُه وعَدَمُ اللازمِ متحققٌ وهو عَدَمُ الوجوبِ على الفقير وهذا المعدومُ ملزوم لعدم اللازم
الأول وهو الوجوب على الفقير فإذا تحقق العدم الملزوم تحقَّق العدمُ اللازم فهذا التلازم الثاني جارٍ في كل ملازم وهو نوعُ تطويلٍ وتكريرٍ لأنه قد تقدم أنّ وجود اللازم وعدمَ اللازم إذا تحقَّق تحقَّق عدمُ الملزوم فوجودُ هذا ملزومٌ لوجودِ الآخر وعدمُ الآخر ملزومٌ لعدمِ هذا وعلى ما ذكرناه لا يُقبَل بعدَ تسليم التلازم سؤالٌ يقدحُ في التلازم لكنْ هؤلاء المجادلون لا يثبتون التلازم بما ينشأ من تقدير الوجوب على المدين وهو قيامُ مُقتضِي الوجوب أو عدم مانعٍ من الوجوب على هذا التقدير فإنّ ذلك إذا صحَّ كان كلامًا علميًّا وانقطعَ بابُ المراوغة الذي فَتَحوه وإنما يُثبِتون الوجوبَ على الفقير على هذا التقدير بأدلةٍ لا تأثيرَ لهذا التقدير فيها وهو النصوص العامَّة أو الأقيسة العامَّة أو غيرهما من الدورانات والتقسيمات والملازمات العامَّة وقد قال البصير بالجدل كلُّ تقديرٍ لا ينشأ منه قيامُ مقتضٍ ولا نفيُ معارضٍ فإنه غير مفيد كمن يقول لو طلعت الشمسُ لكانت السماءُ فوقَنا والأرضُ تحتَنا أو يقول إن كانت الشمسُ طالعةً فالعباداتُ غير واجبة بالباقي ويسلك هذه الطريقة فإذا استدلَّ على التلازم بدليلٍ لا يختص بذلك التقدير المفروض فالوجهُ أن يُبَيَّنَ بطلان دلالتِه حتى تنتفي الملازمة ويُعارَضَ بمثلِه من الكلام حتى ينقطع المستدلّ ويتبين عجزه عن إتمام هذا التلازم الفاسد أما الممانعة فلم يذكر دليلاً يدلُّ على التلازم حتى يتكلم على عينه لم يبق إلا المعارضة التي سَلكَها
لكن يُقال لا نُسلِّم انتفاءَ ثبوتِ النصِّ أو القياس أو غيرِهما من الدلائل للوجوب لأنها لو اقتضتِ الوجوبَ والوجوبُ منتفٍ لَزِمَ تركُ العملِ بالمقتضي وهو خلافُ الأصل أو لو اقتضتِ الوجوبَ على الفقير والمانعُ متحققٌ بالأصل لَزِمَ التعارضُ وهو خلافُ الأصل وإذا تُرِكَ العملُ بالمقتضي للوجوب على ذلك التقديرِ لم يكن تركًا للعمل به في نفس الأمر لأن أحد الأمرين لازم وهو إمّا عدمُ المقتضي في نفس الأمر أو وجودُ مدلولِه لأن الحال لا يخلو عن وجودِه أو عدمِه وهذا مثل ما ردَّ به المستدلّ كلام المعترض فإنه يقال هنا فيبطل كلام المستدلّ قبل أن يَصِلَ إلى إبطالِ أسوِلةِ المعترض ويمكن معارضة المستدلّ بما ينفي التلازم على وجوهٍ كثيرة مثل أن يقال لو وجبت الزكاةُ على المدين لما وجَبَتْ على الفقير بالنصّ أو بالقياس أو بغيرهما من الدلائل أما النصّ فقوله صلى الله عليه وسلم لا صدقةَ إلاّ عن ظهر غنًى أما القياس فلأنه لو وجبتْ للزم إضافة الوجوب إلى المشترك ولا تجوز إضافته إلى المشترك لما فيه من إلغاء المناسبة التي اختص بها المدين وهو مِلْكُ نصابٍ زكويّ حولاً تامًّا فإنه مقتضٍ لوجوب بدليل المناسبة والاقتران أو يقال لو وجبت الزكاةُ على الفقير على ذلك التقدير للزمَ تَرْكُ العمل بالنصوص المستعملة في نفس الأمر والأقيسة الموجبة للتفريق بينهما وهو اختصاص صورةِ المدين بما يقتضي الوجوب أو اختصاص صورة الفقير بما يُجب العدمَ
أو يقال لو وجبت الزكاة على الفقير على ذلك التقدير فإما أن يكون العدمُ لازمًا للوجوب في الجملة إلى آخرِ ما ذكرناه في النكت الثلاث ومثل أن يقول لو لم تجب الزكاة على المدين لوجبت على الفقير يقرره بنفس ما ذكره المستدلُّ من النصّ والقياس وغيرهما أو يقول لو لم تجب الزكاة لوجبت على المدين بعين ما نذكره في الدلالة على الوجوب على الفقير أو يقول لو وجبت على الفقير لما وجبت على المدين بالنصّ المانع من الوجوب وبالقياس وبغيرهما من الدلائل وقد انتفى اللازم وهو الوجوب على الفقير فينتفي ملزومُه وهو عدم الوجوب على المدين فيثبت الوجوب على المدين إلى غير ذلك من التلازمات المناقضة للزوم المدعى وتقريرها بمادة كلام المستدلّ وهو مُفسِدٌ لكلامِه من وجهين أحدهما أنه يُنتج النقيضين فيُعلم أنه باطل الثاني أنه إما أن يكون صحيحًا أو باطلاً فإنه إن كان صحيحًا لزمَ ثبوتُ المناقض لتلازمه فيبطل تلازمُه وإن كان باطلاً بَطَلَ الدليلُ على تلازمِه فتبقى دعوى محضة فينقطع واعلم أصلحك الله أن إبطالَ هذا التلازم الذي قد استُدِلَّ عليه بالجدل المموّه له مقامات أحدها منعُ مقدمات دليلِ التلازم إمَّا منعًا مدلولاً عليه أو غيرَ
مدلولٍ عليه وجميع النكت العامة لابدَّ فيها من منعٍ صحيح فعليك بتأمّل موضع المنع فمتى منعَ منعًا صحيحًا تعذَّر عليه جوابُ المنع إلاّ بكلام علمي وليس في عامة هذه النكت أدلةٌ علميةٌ لكونها باطلةً في نفسها وإن كان التلازم نفسُه قد يكون صحيحًا ومتَى عجزَ عن تمشيةِ ما أثبتَ به التلازم ظهرَ فسادُ كلامِه وبُطلانُ مَرامِه ووَضَحَ أن الذي قالَه من نوع الهذيان والمُنُوع قد تتعدَّدُ وقد تتحد وقد يتوجهُ المنعُ على مقدمةٍ على أحدِ التقديرين وعلى الأخرى على التقدير الآخر الثاني المعارضة ببيان أن تلك الأدلةَ تدلُّ على نقيض المدعى حسب دلالتها على المدعى وذلك لقلب التلازم والاستدلال بها عليه كما تقدم وهنا يمكن المعارضةُ بملازماتٍ كثيرة الثالث المعارضة بما ينفي التلازم أو بما يناقضه من جنس النكت التي استدل به على ثبوته والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن تلك معارضةٌ بعين النكتة وهنا معارضةٌ بجنسها الرابع المعارضة بدليلٍ صحيح يدلُّ على عدم التلازم وهو دليلٌ مستقلٌّ في نفسه وفي كلّ مقامٍ من هذه المقامات قد تتوجَّهُ أسوِلةُ كثيرة لا تنضبط إلاّ بحسب الموادّ ومع هذا فالمعترض في مقام منع مقدمة التلازم والمعارضة فيها فإذا انتقل إلى المعارضة في نفس الحكم المتنازَع فيه بما يدلُّ على نفيه فله حينئذٍ أن يذكر من جنس أدلة المستدلّ ومن غير جنسها ما شاءَ فالأول إبطالٌ للدليل وهذا إبطالٌ لحكم
الدليل ومت عرفتَ هذا تبيَّنَ لك فسادُ جميع هذا الباب وأمكنكَ إبطالُ نكتِ هؤلاء المتلبسينَ بأدنى شيء وعلمتَ أن العاقلَ لا يَرضاهَا البتَّةَ ولا يستحسنُ ولا يستحلُّ الكلام بمثلها وقد فتَح المصنِّف بابَ الأسوِلةِ على طريقتِه وأخذ يجيب عنها ونحن نذكرُ كلامَه ووجهَ التغليطِ في ذلك قال صاحب الجدل ولئن قال يعني السائل لا تجبُ الزكاة على الفقير بالمانع على تقدير الوجوب على المديون فنقول لا نسلِّم بأن المانعَ متحققٌ على ما ذكرنا من التقدير ولئن قال المانع المستمرّ واقعٌ في الواقع وإلاّ لوجبت الزكاة على الفقير في الواقع بالمقتضي السالم عن المعارض وهو المانع المستمرّ ولم تجبْ فيوجد المانع فنقول ما ذكرتم من الدليل وإن دلَّ على وجود المانع على ما ذكر من التقدير إلاّ أن عندنا ما ينفيه فإن
المانع إذا كان متحققًا على ذلك التقدير والمقتضِي متحقق فيقع التعارض بينهما والتعارض على خلاف الأصل لاستلزامِه التركَ بأحدِ الدليلين وهو إما المقتضي أو المانع وما تُرِك على ذلك التقدير فذلك غير متروكٍ في نفس الأمر لأنّ أحد الأمرين لازم وهو إمّا عدمُ ذلك الدليل أو وجود مدلوله لقيام الدليل على أحدهما فإن الحال لا يخلو عن وجود ذلك الدليل في الواقع أو عدمه قلت اعلم أن هذا الكلام أولاً خروجٌ عن كلام العرب الفصيح فإن حرف الشرط إذا وُكِّدَ باللام كانت هذه اللامُ اللامَ الموطِّئةَ للقسم ويصير الكلامُ يطلبُ شيئين جوابَ الشرط وجوابَ القسم فيأتون بجواب القسم وهو يَسُدُّ مَسَدَّ جواب الشرط كقوله وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ [الإسراء 86] وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ [العنكبوت 10] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ إلى قوله لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب 60] والمصنِّف كثيرًا في كلامه ما يقول ولئن قال فحقُّه أن يقول لَنقولنَّ كذا تقديره واللهِ إن قالوا لنقولنَّ فهو يأتي بالفاءِ وليس موضع فاء ويذكر الفعل المضارع خاليًا عن نون التوكيد وذلك يدلُّ على نفي الفعل لا على إثبات كقوله قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف 85] فيكون المعنى ولئن قال كذا لا نقول له كذا كأنه اعتقد أن هذا موضع جوابِ الشرط وأنه يَسُدُّ مَسَدَّ جواب القسم
وقد ذكر بعضُ الناسِ لغة أنّ جوابَ الشرط يَسُدُّ مَسَدَّ جوابِ القسم واستشهدَ عليه بما لا شهادة له واعلم أن هذا الكلام من باب منع مقدمة الدليل وهو التلازم ومعارضة الدليل الدال عليها كأنه سِلَّم له دلالة الدليل على التلازم الذي هو مقدمة الدليل ثم عارضه بما يدلُّ على انتفاء التلازم حتى يحتاج المستدل إلى ترجيح دليلِ ثبوتِ التلازم على دليلِ عدَمِه فقال السائل ما ذكرتَه من الدليل وإن دلًَّ على وجوبِ الزكاة على الفقير إن وجبتْ على المدين فإنَّ معي ما يدلُّ على أنها لا تجب على الفقير وإن وجبت على المدين وهي الأدلة النافية لوجوبها على الفقير كقوله صلى الله عليه وسلم ليسَ فيما دونَ خمسة أَوْسُقٍ صدقةٌ - وأُمِرْتُ أن آخذَ الصدقة من أغنيائِكم فأردَّها في فقرائِكم - وليسَ على المسلم في عبدِه ولا فرسِه صدقةٌ – ولا صَدَقةَ إلاّ عن ظهر غِنًى وإذا كانت هذه الأدلة تَنفِي الوجوب على الفقير فقد عارضت ما يدلُّ على وجوبها على الفقير بتقدير وجوبها على الغنىّ المدين وتسميةُ هذا الدليل نافيًا أحسن من تسميته مانعًا لأن المنع يقتضي قيامَ المقتضي ولا مقتضِيَ لوجوبها على الفقير إلاّ أن بعض
الناس يقول المانعُ قد يكون مانعًا للسبب وقد يكون مانعًا للحكم فربَّما يجعلون الفقر مانعًا للسبب وهو المال وليس بجيّدٍ أيضًا من جهة أن عدمَ المال لا يحتاجُ إلى مانعٍ من وجودِه بل يكفي في عدمِه عدمُ سببِ وجودِه فعدمُ المال يُضافُ إلى هدمِ سببِ وجودِه لا إلى وجودِ مانعِ وجودِه وإن فُرِضَ صورةٌ قد انعقدَ فيها سببُ الملكِ فمَنَعَ من الملكِ الذي هو سببُ الزكاةِ مانعٌ هناك يَصحُّ أن يقال قامَ المانعُ لسببِ الزكاة لكن امتناع وجوب الزكاة على الفقير أعمُّ من هذه الصورة ثمّ الذي يدلُّ على عدمِ الزكاةِ عليه النصوصُ والإجماع وهذه الأدلة لا تكادُ نُسمَّى إلاَّ نَوافِيَ لوجوب الزكاة وبالجملة فهذه مشاحة لفظية وهذا الكلام من المعترض إذا لم يثبت التلازم بطريق مفصل كلام صحيح وذلك أنه لا يقول لا يخلو إمّا أن يكون المقتضي لوجوبها على الفقير تقدير الوجوب على المدين واقعًا أو غير واقع فإن لم يكن واقِعًا انتفى الوجوب وإن كان واقعًا والنافي للوجوب أيضًا واقعٌ لزِمَ التعارضُ بين المقتضِي والمانع وهو خلاف الأصل فإن قال المانعُ ليس بمتحقق على هذا التقدير قيل له والمقتضي ليس بمتحقق على هذا التقدير فإن ما لزم من أحدِهما لزمَ من الأخر فليس نَفْيُ تحقُّق أحدِهما حذَرًا من المعارضةِ بينه وبين الآخر أولَى من العكس وهذا الكلام يمكن تقريرُه من وجوهٍ كثيرة قال المستدل هذه الأدلة تَنفي الوجوب على الإطلاق وهذا مسلَّم ولكن لِمَ قلت إنها تنفيه بتقدير وجوبها على المدين ثم تارةً
يُمكِنُه منعُ وجودِ ما يَنفِي الحكم مطلقًا على ذلك التقدير وهذا يتوجَّه إذا ادعى السائل مانعًا من قياسٍ أو تلازمٍ ونحو ذلك تارةً يقول لا أسلِّم دلالتَه مثل أن يكون النافي للوجوب نصًّا ونحوه فلا يمكن منعُ وجودِ النصّ لكن مَنْعُ دلالتِه على الوجوب إما بمنعِ كونه مرادًا من النصّ أو بمنع كون اللفظ مفيدًا له في الجملة أو نحو ذلك من دلالات الألفاظ وإنما توجَّه مَنْعُ النافي على ذلك التقدير لأن تقدير وجوبها على المدين جاز أن يكون واقعًا في الواقع وجاز أن لا يكونَ واقعًا والدالُّ على الحكم دالٌّ على ثبوته على كل تقدير لا ينافيه أما على كل تقديرٍ سواءٌ كان واقعًا أو غيرَ واقعٍ وسواءٌ كان جائزًا أو ممتنعًا فليس بصحيح لأنه ما من دليل على الحكم إلاّ ويمكن أن يُفرَضَ معه وجودُ ما ينفيه ثم يقال هذا الدليل دالٌّ على كلّ تقدير وهذا من جملة التقديرات وذلك التقدير يمنع وجودَ الحكم فيلزم الجمعُ بين النقيضين وتعارضُ الأدلة اليقينية وذلك محالٌ وإنما لزم هذا حين فرضنا ثبوتَ الحكم على كلّ تقديرٍ عُلِمَ أنه واقعٌ أو لم يُعلَم أنه واقع فيكون هذا الفرض مُفضِيًا إلى محالٍ فيكون محالاً وأمثلةُ هذا الكلام المزّيف الذي لا يقوله عاقل كثيرة حتى يتمكنَ من تقوُّلِه مَن استباحَ القضايا المتناقضة من التراكيب الفاسدةِ مثل أن يقول الصلاة والزكاة والصيام والحج واجبةٌ بالأدلة الموجبة وهي مُوجبةٌ لها على كلّ تقدير ومن التقديرات عدمُ بعثة رسولٍ
وعدمُ نزول القرآن فيجب ثبوتُها على تقدير عدم الرسول أو يقول لا يجب شيءٌ من العبادات للأدلة الدالة على براءةِ الذمَّة وخُلوّها من الوجوب وهذا الدليل ثابت على كل تقدير فيجب العمل به أو يقول لا يجب القصاصُ على الجاني ولا الحدُّ على المجرم لأنّ القَودَ والحدَّ ضررٌ فيكون منتفيًا بالأدلة النافية للضرر فإنها ثابتة على كل تقدير وهذا أهونُ مما قبله لأنّ تقدير القتل العمد والإجرام ليس مقتضيًا بنفسه لثبوتِ العقوبة بخلاف اقتضاءِ الوجوبِ وجودَ الرسول وكون النافي للوجوب مشروطًا بعدم الموجب ومثل هذا أن يقال السموات والأرض لا تَفسُد أبدًا لأن المقتضِيَ لصلاحِها موجودٌ وذلك ثابتٌ على كلّ تقدير حتى على تقدير وجود آلهةٍ أخرى وكذلك كلُّ محالٍ فُرِضَ واستُدِلَّ بفرضه على استحالةٍ لازمة فإن امتناع الملزوم يُوجِب امتناعَ اللازم يَرِدُ عليه هذا السؤال الفاسد فيقال لا يستحيل اللازم على تقدير وجود الملزوم لأن المقتضيَ لصحة اللازم وجوازه قائم وذلك مقتضٍ له على كلّ تقدير وفرضُ وجودِ الملزوم أحد التقديرات
وهذا كلام لا يخفى على أحدٍ بطلانُه ووجهُ التغليط فيه أنه جعلَ الأدلة الموجبةَ أو النافية دالةً على تقدير فيقال له لا نُسلِّم دلالتَها على كل تقدير لكن على كل تقديرٍ واقع أو على كل تقدير لا ينفي الدليلَ الدالَّ أو لا ينفي مدلولَه أو الشيء الثابتَ أو يُقال المنتفي ثابتٌ أو منتفي على كل تقديرٍ لا يُنافي ثبوته أو انتفاءَه أو على كلّ تقديرٍ جائزٍ في نفس الأمر على ما سيأتي تحريرُ المغالطِ هنا في استصحاب الواقع ثم نقول أثبِتْ أن هذا التقدير واقعٌ أو جائزٌ في نفس الأمر أو أنه غير مُنافِي للمستصحب ولا يَقدِرُ أن يُثبِتَ دلالةَ الأدلةِ على كل تقديرٍ ولا على هذه التقديرات النافعة فهذا موضع المنع الذي ينقطع فيه المغالطُ بل يقدِر المستدلُّ أن يُثبِت أن الأدلةَ إنما تدلُّ على بعض التقديرات دون بعض من وجوه لا تُعدُّ ولا تُحصَى من نحو ما ذكرناه وإذا كانت إنما تدلُّ على بعض التقادير فلِمَ قلتَ إنّ تقديرَ وجود الملزوم من التقادير التي يدلُّ الدليل النافي للازم معها ولا تقدر على ذلك إلاّ بأن تُثبِت أن الأدلةَ تدلُّ مع جملة الأمور الواقعة في الواقع وإذا استدلَّ على وقوع الملزوم كما هو مذهبه كان غصبًا لمنصب الاستدلال وهو غير مقبول كما تقدم بل هو أردأ منه لأنه في مقام المعارضة لا في مقام الممانعة ولم يكن إتمام معارضته إلاّ بإبطال مذهب المستدلّ فكأنه قال إن صحَّ
مذهبك فَسَدَتْ معارضتي وإن فَسَدَ مذهبُك صَحَّتْ معارضتي فأنا أُبطِلُ مذهبَك لتصحيح معارضتي فيقول له المستدلّ لو أفسدتَ مذهبي لكنتَ غنيًّا عن المعارضة وإذا كانت المعارضة لا تتمُّ إلاّ بإبطالِ مذهبي وإبطالُ مذهبي لا يتم إلاّ بدليل وذلك الدليل معارضة مستقلة بنفسها كانَ ذِكْرُ المعارضةِ كلامًا ضائعًا لأنّ ما لا يدلُّ على الحكم إلاّ بمقدمةٍ تدلُّ على الحكم بنفسها لا يكون دليلاً على الحكم فتكون قد عارضتَ بغير دليل ولا شبهة وهذا من أقبح المعارضات ثمّ إنك جعلتَ الدليلَ على صحةِ المعارضةِ بطلانَ قولي وجعلتَ المعارضة دليلاً على بطلانِ قولي فجعلتَ كلَّ واحدٍ منهما دليلاً على الآخر والعلم بالمدلول يتوقف على العلم بالدليل فيكون العلم بكلٍّ منهما موقوفًا على العلم بالآخر فلا يَحصُل العلمُ بواحدٍ منهما ثُمَّ إنك جعلتَ مطلوبَك وهو إبطال مذهبي مقدمةً في الدلالة على بطلانِه وجَعْلُ المطلوبِ مقدمةً في الدليل هو المصادرةُ على المطلوب وهو من أفسد أنواع الشَّغَبِ والجدل الباطل لأنّ المصادرات هي المبادئ التي تَصْدُر في العلوم فتكون إمّا بديهيَّةً أو مسلَّمةً أو مدلولاً عليها في علمٍ آخر فإذا جعلتَ المطلوبَ مصدرًا في إثبات نفسِه وكُنتَ قد جعلتَ الدليلَ نفسَ المدلول والمعلومَ نفسَ المجهول والموجِبَ نفسَ المُوجَبِ وفي هذا ما فيه أو بأن يُثبِتَ أن تقدير الملزوم لا يُنافي قيام المانع للوجوب على
الفقير وهذا إذا بيَّنَه بطريقة كان كلامًا صحيحًا في الجملة وهو مقبول وإن قال تقدير الملزوم جائزٌ لوقوع الخلاف فيه والدليلُ دالٌّ على كلّ تقدير جائزٍ قيل لا نُسلِّم أنّ الدليل يدلُّ على كل تقديرٍ جائزٍ بل على كلِّ تقديرٍ لا يُنافِيه ولو سلَّمنا أنه يدلُّ على تقدير جائز لكن لا نُسلِّم أنه جائز لأن الجواز لفظٌ مشتركٌ وهذا عندنا غيرُ جائزٍ بأحدِ المعاني وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في هذا في الاستصحاب وهذا الذي ذكرناه قد تضمنَ بيان قولِ المستدلّ لا نُسلِّم أن المانعَ يتحقق على ما ذكرنا من التقدير وهو منعٌ صحيح وله أن يُوَجِّهه ولا اعتراضَ عليه إلاّ أن يُبيِّنَ أن نفس تلك الأدلة توجب الزكاة على ذلك التقدير وهذا لا سبيلَ إليه إلاّ ببيان تصريحها بذلك التقدير لعدم المنافاة بين عدمِ الوجوب على الفقير وبين الوجوب على المدين وهذا إذا فعله يكون قد دخلَ في فقه المسألةِ أو ببيان وقوع ذلك التقدير وذلك غير مقبول لكن كلام المستدلّ إنما يصحّ إذا كان قد بيَّن التلازمَ بطريقٍ صحيح وهو أن يبيّن أن الوجوب على المدين يُنافِيه قيامُ موجِبٍ لها على الفقير أو عدمُ مانعٍ من وجوبها على الفقير أمّا إذا استدلَّ على وجوبها على الفقير على ذلك التقدير بدليلٍ ليس بينَه وبين ذلك التقدير مناسبةٌ بل يدلُّ على الوجوب مطلقًا فهو كلامٌ فاسدٌ غير مقبولٍ كما قدمناه وحينئذٍ يكون كلام المعترض سديدًا فإنّ
له أن يُمانِعَه ويُعارضَ كلامَه بجنسِ كلامِه فإن النظم الواحد إذا تبيَّن أنه باطل قال السائل المانع المستمرّ واقعٌ في الواقع وإلاّ لوجبت الزكاةُ على الفقير في الواقع بالمقتضي السالم عن المعارض وهو المانع المستمرّ ولم تجبْ فيُوجَد المانع قلتُ اعلم أن المصنف قَبِلَ هذا السؤال وتفسيرُه أن قال المانعُ لوجوب الزكاةِ واقعٌ في الواقع فليس لك أن تمنع وقوعَه على تقديرٍ تَفرِضُه أنت لأنه إمّا أن يكون المانعُ واقعًا أو غيرَ واقع فإن كان واقعًا فهو المدعى وإن كان واقعًا كان مانعًا على تقدير وجوب الزكاة على المدين لأن وجوب الزكاة على المدين لا يرفع الأمورَ الواقعة وإن كان غيرَ واقعٍ فلا مانعَ من وجوب الزكاة على الفقير والمقتضي لوجوبها موجود وهو الأدلة الدالة على وجوبها أو الحِكَمُ المناسبة من وجوبها أو الأسباب المتضمنة لحكمة وجوبها فيجب العمل بالمقتضي لوجوبها السالم عمّا يُعارِضه وهو المانع المستمر في الواقع فتجب الزكاة على الفقير لو كان المانع غيرَ واقع لكن الزكاة غير واجبة عليه فالمانع واقعٌ في الواقع فهو واقع على ذلك التقدير فيكون موجودًا هذا تقرير هذا السؤال وقد قَبِلُه المصنَّف وأجاب عنه وهو مبني على استصحاب الواقع كما سيأتي بأن يقال كان فيستمر على
التقدير لأن هذا التقدير ممكن لأنه لا يخالف الإجماع وهذا السؤال إذا ثبت التلازم بطريقه الصحيح فإنه باطل من وجوهٍ فلا يُقبل ولا يحتاج إلى المعارضة بينه وبين غيره إلاّ أن يبيّن حصول المانع على ذلك التقدير وأما بمجرد استصحاب الواقع فلا أحدها قوله المانع المستمر واقع في الواقع قلنا هذا مسلَّم ولكن لِمَ قلتَ إنه واقع على تقدير وجوب الزكاة على المدين وذلك أنه إنما يثبت أنه مانعٌ على هذا التقدير إذا كان التقدير من جملة الأمور الواقعة ولا يُمكنه بيانُ ذلك إلاّ بغَصْب منصب الاستدلال فلا يلزم من كونه واقعًا في الواقع كونُه واقعًا على تقدير ليس من الأمور الواقعة الثاني أن هذا التقدير تقدير غير واقع لأنه قد ثبت بالملازمة المتقدمة التي سَلَّمَ المعترضُ دلالتَها أنه لو وجبَ على المدين لوجبَ على الفقير ولم يجب على الفقير فلا يجب على المدين فلا يكون الوجوب على المدين واقعًا بل يكون محالاً لاستلزامه المحالَ وإذا كان تقديرًا ممتنعًا غيرَ واقعٍ لم يلزم من كون المانع مانعًا في الواقع أن يكون مانعًا على تقدير غير واقع وذلك لأن التقدير المحال يجوز أن يلزمه اللازم المحال كقوله لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء 22] وتقدير وجوبها على المدين محالٌ
لما مرَّ فيلزم منه أن لا يكون المانع واقعًا في الواقع وهذا محال وإنما لزمَ ذلك حين فرضنا وجوبَها على المدين وهو محال لما بيَّنه المستدل فتَفطَّنْ لهذا فإن به تَنحلُّ مثلُ هذه الأغاليط وبيان ذلك أن وجوبها على الفقير فيستلزم وجوبها على الفقير يستلزم رفعَ الأمر الواقع وهو المانع من وجوبها عليه وهذا محال فذاك محال وبهذا يتبيَّن أن المانع ليس بمانع على تقدير وجوبها على المدين وأنه إن كان واقعًا في الواقع لا يمتنع أن يُفرَض عدمُ وقوعِه على تقدير غير واقع بل محال باطل فإن قال لا نُسلِّم أن هذا التقدير غير واقع أو أنا أقيم الدليل على أن هذه التقدير واقعٌ قلنا قد مرَّ التلازم الدالُّ على عدم وقوع هذا التقدير فلا يُسمع منك إقامة الدليل في ضمن الممانعة على خلافه لأنه غَصْبٌ أو أردأ من الغَصْب فإن قيل لا يمكن المستدلّ أن يمنع الوجوب في نفس الأمر بالمانع في نفس الأمر كما ذكرتم مع منعِه كونَ المانع مانعًا على ذلك التقدير لأنه يجوز أن يكون المانع على ذلك التقدير إنما انتفى لانتفاءِ المانع في الواقع وذلك بأن يكون انتفاء المانع المستمر على التقدير منافيًا للمانع الواقع ومضادًّا له فلا يَصحُّ الجمع بين انتفاء المانع
المستمر وبين المانع الواقع قلنا هذا الجائزُ معارَضٌ بمثله فإنه يمكن أن لا يكون المانع الواقع منافيًا لعدم المانع المستمر بل يكون المانع الواقع مانعًا في نفس الأمر وليس هناك مانعٌ مستمرٌّ على التقدير وإذا كان كل واحدٍ من الأمرين جائزًا احتاج المعترضُ أن يبين ثبوتَ أحد الأمرين وإن كان المانع مانعًا على ذلك التقدير وأنه مستمر وحينئذٍ فلا بدَّ له إذا استصحب الواقع أن يبيِّن أن هذا التقدير لا ينافي قيامَ المانع من الوجوب على الفقير فيبيِّن أن ما يمنع الوجوب على الفقير لا يمنع الوجوبَ على المدين كما بيَّن المستدلُّ أن ما يُوجب على المدين يوجب على الفقير وإذا بيَّن ذلك بطريقه الفقهي كان كلامًا مسموعًا وأمّا بمجرد استصحاب الواقع مع جواز منافاة التقدير وعدم منافاته ففيه نظرٌ وتمامُ الكلام في هذا يأتي إن شاء الله في الاستصحاب الثالث لا نسلِّم أن المانع المستمر واقعٌ في الواقع قوله لو لم يكن واقعًا لوجبت الزكاة على الفقير عملاً بالمقتضي السالم عن المعارض قلنا لا نُسلِّم أن ههنا ما يقتضي وجوب الزكاة على الفقير ولم يذكر دليلاً على ذلك وإنما أخذه مسلَّما وهو غيرُ مسلَّم وذلك لأنّ انتفاء الزكاة عن الفقير لعدم المقتضي وهو مِلك النصاب الزكويّ لا لوجود مانعٍ من الوجوب وقد تقدم بيان ذلك
ثم نقول ما يعني بالمقتضي لوجوب الزكاة إمّا أن يعني به النصّ فالنصوص كقوله خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [التوبة 103] وقوله أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة 267] وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة 34] والأحاديث النبوية في الزكاة لا يتناولُ شيءٌ منها الفقيرَ بالإجماع وإن عَنَى به الإجماعَ فلا إجماعَ وإن عَنَى به المناسبةَ فلا مناسبة في إيجاب الزكاة على الفقير إذ الزكاة وجبت شكرًا لنعمةِ المال ومواساةً للمحاويج فمن لا شيء لديه كيف يجب عليه شيء وإن عَنَى من مَلَكَ نصابًا غيرَ زكويّ فلا نُسلِّم أن المقتضيَ موجودٌ في حقّه إذ المقتضي هو ملكُ المال الزكوىّ الذي بينَّه الشارع جنسًا وقدرًا بشهادة النصّ والإجماع والقياس لو كان ذلك مقتضيًا يعمل عمله فإنه لا مانع من الوجوب وإنما انتفاء الوجوب لانتفاء مقتضيه لا لوجود مانعه وقد ظهر بهذا التقدير سِرُّ تلك المناقشة في لفظ المانع فإنه مشترك بين ما يدلُّ على عدم الحكم وبين ما يمنع ثبوت الحكم الذي انعقد بسببه وأخذه بالاشتراك حتى راج له هنا اعتقاد الخصم ليس عليه أن المقتضي لوجوب الزكاة قائم عي حق الفقير وإنما امتنع
لوجود المانع فإذا قدر عدمُ المانع عَمِلَ المقتضي عملَه وهذا ممنوع كله فلو قيل ليس المانع لوجود الزكاة موجودًا على هذا التقدير وهذا التقدير واقع لم يكن بيده ما يوجب الزكاة وأما إن أثبتَ التلازم بدليلٍ عام فإن هذا السؤال صحيح كما تقدم وكما أبطلنا به السؤال ينعكس على المستدل فإنه إنما قرَّر كلامه بمثل هذا فلذلك قَبِلَ الجدليُّ هذا السؤالَ وسلَّم وصحةَ المعارضة وذلك لأن المستدلَّ لما أثبتَ الوجود على التقدير بما يدلُّ عليه مطلقًا كان للمعترض أن ينفيه على التقدير بما ينفيه مطلقًا بل كلامُه أظهرُ لأنه منتفٍ في نفس الأمر فقال صاحب الجدل فنقول ما ذكرتم من الدليل وإن دلَّ على وجود المانع على ما ذكر من التقدير لكن عندنا ما ينفيه فإن المانع لو كان متحققًا على ذلك التقدير والمقتضِي متحقق فيقع التعارضُ بينهما والتعارض على خلاف الأصل لاستلزامِه التركَ بأحد الدليلين وهو إما المقتضي أو المانع وما تُرِك على ذلك التقدير فذلك غير متروك في نفس الأمر لأن أحد الأمرين