أهل الأثرالأرشيف العلمي

على صورة النزاع فإن الحُليّ ليس بنامٍ بنفسه وهو مُعَدٌّ لمنفعةٍ مباحةٍ متى أُخرجت منه زكاة نقصت منفعتُه والأصل المقيس عليه مساوٍ لهذه الصورة المذكورة لاستوائهما فى الحكم وهو الوجوب والاستواءُ فى الحكم دليلُ الاستواءِ فى المصلحة لأنه لو كانت هذه الصورة راجحة على الأصل فإِما أن يكون ذلك الرجحان معتبرًا أو غير معتبر فإن لم يُعتبر لزم إلغاءُ المصالح وإهدارُها والشارعُ حكيم لا يهتك المصالح وإن كان معتبرًا فإما أن يفيد ذلك الحكم بعينه أو أَزْيَدَ منه فإن كان الأول لزم تعليل الحكم الواحد بالعين بعلتين وهو غير جائز وإن أفاد أزْيَد منه لزم الاختلاف فى الحكم ونحن نتكلَّمُ على تقدير الاستواءِ فى الحكم ولأن الحكم الموجود فى صورٍ كثيرةٍ مشتركةٍ فى معنًى مناسب يُضاف إلى ذلك المعنى الخاص دون ما تختصُّ به كلُّ صورة كما يقال كلُّ حكمٍ ثبتَ للأعمِّ فالأعم عدم التأثير فيه لأن المعنى العام قد عُلِمَت عِلِّيته باستقلاله بالحكم مع عدم تلك الخصائص والإضافةُ إلى ما عُلِمَت عِلِّيته أولى فلو استوت الصورتان فى الحكم مع تفاوت المصلحة لَزِم التعارضُ بين المقتضي للإضافة إلى جميع المصلحة والمقتضي للإضافة إلى المعنى العام المشترك وهو على خلاف الأصل وإذا كان الاستواءُ فى الحكم دليل الاستواء فى المصلحة وقد استوى الأصلُ المقيسُ عليه والصورةُ التي أبداها المعترضُ فى الحكم فقد استويا فى المصلحة مع رُجحان أحدهما على صورة النزاع فقد ترجَّحَ الأصلُ على صورة النزاع

فيمتنع القياسُ لوجود الفارق وحاصل هذا أنَّ المستدلَّ ثبَّتَ رُجْحان الأصل المجهول بمساواته للصورة المعيَّنة الراجحةِ في الحكم وقوله أو يعين صورةً هي راجحة على صورة معينة لا يترجَّح المقيس عليها إذا لم يكن المقيسُ معيَّنًا أيضًا هذا إذا لم يكن المقيسُ معيَّنًا بأن يقول الحكمُ ثابت فى محلِّ الإجماع فثبت فى محلِّ النزاع بالقياس عليه أو ثابت فى صورةٍ من الصُّوَر فيثبت فى صورة النزاع قياسًا عليه بالجامع المشترك ولا يُعَيِّن صورةَ النِّزاع ولا يذكرها لئلاَّ يتمكَّن المعترِضُ من الكلام واعَْلَم أن المغالبة فى أنواع اللعب من الصراع والسِّباق والقمار أحسن من المغالبة بمثل هذا الكلام فهل سمعَ السامعون بأقبحَ مما يقال فلانٌ يخالفك فى مسألةٍ لا يدري ما هي ولا يدري من أيِّ نوعٍ من العلوم هي وهل هي من الفروع أو الأصول أو الأحكام الطبيعية أو الشرعية أو من الطهارات أو من الجنايات فيقول الحكمُ ثابتٌ في صورةٍ من الصور فيثبتُ في صورةِ النزاع أو في صورة من صور النزاع قياسًا عليه لأن الحكم ثمةَ إنما ثبتَ لأجل المشترك بدليلِ المناسبة والدوران والمشترك متحقِّقٌ في

صورةِ النزاع فيثبت المدَّعَى أو متحقِّق في صورةِ من صور النزاع فيثبت الحكم فى جميع صور النزاع لأنه لا قائل بالفرق وما حقُّ من يتكلَّم بمثل هذا الهذيان أن يُقَابل إلا بالتبكيت والتَّسْكيت بل بالتعزير والتنكيل وإن سُوْمح قيل له لا نُسَلِّم أن بين الصورتين مشتركًا صالحًا للإضافة بالكلية ولا نسلِّم بتقدير وجود المشترك إمكان كونه مناسبًا أو مدارًا ولا نسلِّم تحقُّق المناسبة أو الدوران بتقدير إمكان كونه مناسبًا أو مدارًا فإن شيئًا من هذه الأشياءِ لم يَثْبُت إنما ادَّعاه دعوى فالواجبُ فى مثل هذا الكلام أن يُقابل بالمُنُوْعِ الصحيحة التي يتمكَّن معها من إثبات ما يدَّعِيْه أو يُقابَل بالمعارَضات من جنس كلامِه بأن يقال الحكمُ منتفٍ في بعض الصور فينتفي في صورةِ النزاع قياسًا عليه بالجامع المشترك إلى آخره هذا إن سُمِعَ كلامُه وإلا فالواجبُ إغلاقُ بابِ هذا الهذيان وأن لا يُعَدّ صاحبُه من نوعِ الإنسان فضلاً عن أهل العلم والبيان وأمَّا ما ذكره المصنِّف من الردِّ فهو أن يقال الوجوبُ في المناسبة أو في المضروب راجح على الوجوب فى الثياب والعبيد بدليل الوجوب فى أحدِهما وعدمِه في الآخر والافتراقُ فى الحُكْم دليل الافتراق في المصلحة وهذا ظاهر والمقيسُ الذي هو صورة النزاع ليس براجحٍ على الثياب والعبيد وإذا لم يكن راجحًا يلزم تساويهما فى عدم الوجوب أو يقول المقيسُ ليس براجحٍ على ثياب البِذْلَة

وعبيدِ الخدمة وثيابُ البِذْلَة وعبيدُ الخدمة مرجوحٌ بالنسبة إلى الماشية والمضروب بدليل افتراق الحكم فيهما وإذا كانت بعض الصور راجحةً على ما لم يترجَّح عليه الأصل لزم تساوي الصور في هذا الرجحان لاستوائهما في الحكم وإذا كانت جميع صور الإجماع راجحةً على ما هو المقيس مساوٍ له أو ناقصٌ عنه لَزِم أن يكون المقيس مرجوحًا بالنسبة إلى جميع صور الإجماع فيمتنع القياس مع الرجحان واعلم أن ما لم يمكنه الاكتفاء بقياس محل النزاع المجهول على بعض صور عدم الوجوب لأنه يكون معارضةَ دليلٍ تامٍّ بدليل تام بخلاف ما إذا استلزم من ذلك رجحان صور الأصل على محل النزاع فإنه يبطل القياس لكن الشأن فى بيان عدم رجحان محلِّ النزاع المقيس على الصورة المرجوحة عن بعض صور الأصل وقوله ولئن منع عدم الرُّجحان فنقول المقيس إما قاصر أو مساوٍ لأن الحكم فيه لا يخلو إما أن كان ثابتًا أو لم يكن فإن لم يكن فظاهر وإن كان ثابتًا فكذلك ضرورة تحقَّق الدليل على أحدهما وهو المساواة حينئذٍ فإنَّ الحكمَ إذا كان ثابتًا في

المقيس وجب أن يثبت فيما ذكرنا من الصور إما بالضرورة أو بالنص أو بالقياس وحينئذٍ تتحقَّق المساواةُ بينهما حاصل هذا أن يقول المقيس إما أن يكون قاصرًا عن الصورة المرجوحة بالنسبة إلى بعض صور الأصل أو مساويًا لها وعلى التقدِيْرَيْن فقد ثبتَ عدمُ رجحانها على المرجوح فيلزم مساواتها للمرجوح فيثبت بها مرجوحه وإنَّما قلنا ذلك لأن الحكم في الفرع المقيس إن لم يكن ثابتًا فظاهر لبطلان القياس حينئذٍ والدعوى أيضًا وإن كان ثابتًا فظاهر أيضًا لأنه إذا كان الحكم ثابتًا في الفرع المقيس فقد تحقَّق الدليلُ على أحد الأمرين وهو مساواة الفرع المقيس لتلك الصورة التي ادَّعى عدم رُجحانه عليها لأن الحكم إذا ثبتَ في الفرع المقيس وجب أن يثبت في تلك الصورة إما بالضرورة إن أمكن أو بالنص أو بالقياس كما في الصورة المُمَثَّل بها فإنه يقال لو ثبتَ الوجوبُ في شيء من صور النزاع في عَبِيد الخِدْمة وثياب البِذْلة بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب إلى آخره وإذا ثبتَ الوجوبُ في تلك الصور ثبتت أيضًا مساويةً للفرع المقيس فثبتَ أحدُ الأمرين وهو المساواة فصحَّ قولُنا إن المقيس إِما أن يكون قاصرًا عن تلك الصورة المرجوحة أو مساويًا لها واعلم أصلحكَ الله أن هذا الكلام مقابلة دعوى مجملة وهو من باب مقابلة الباطل بالباطل لأن القائس فى فرعٍ مجهول

عكس عليه الأمر بأَن جعل ذلك الفرع الذي ادَّعاه أصلاً لصورة مرجوحة عن أصله المجهول بعد تعيين شيءٍ من صُوَرِه فإن قيل كيف يتمكَّن المعترضُ من أن يدَّعي أنه إذا ثبت الحكم في المقيس ثبتَ في تلك الصورة المرجوحة بالدليل أو بالنَّصِّ مع أنَّ المسألة خلافية قيل هذا يتفق إذا كان القياس في فرع مجهولاً فاسدًا بالضرورة وقد ركَّبه هذا التركيب بأن يقول مثلاً الزكاةُ واجبةٌ في بعض صور النزاع التي في الزكاة مثلاً من الوجوب في مال الصبي ومال المدين وحُلي المرأة والمال الضائع ونحو ذلك قياسًا على الوجوب في بعض صور الإجماع بالجامع المشترك فيقال له الوجوبُ فى الماشيةِ راجح على الوجوب فى الحُلي بدليل قولِه صلى الله عليه وسلم عفوتُ لكم عن صَدَقةِ الخَيْل والرَّقيق مع الزكاة في الماشية والافتراقُ في الحكم دليلُ الرُّجحان وبعض الصور المقيسة لا يترجح عن الخيل فيلزم كونها مرجوحة عن جميعِ صُور الوجوب للاستواءِ فى الحكم وإنما قلنا لا يترجح عن الخيل

لأن الصور المقيسة إما قاصرة عن الخيل أو مساوية لأن الحكم في بقيَّة الصور المقيسة إن لم يكن ثابتًا فظاهر وإن كان ثابتًا لزم الوجوب في الخيل بالضرورة لأن الوجوبَ إذًا ثبتَ في جميع صور النزاع من المسائل المذكورة

فصل وإن عارض بالقياس المجهول فذلك معارَضٌ بمثله ولئن منع المغايرة فنعيِّن به غير الأول أو نُعَيِّن صورةً من صور النقوض ابتداء ونبيِّن الفرقَ بينها وبين صورة النزاع كما إذا قال لا يجب في الحلي بالقياس على صورة من صُوَر العدم فنقول المقيس عليه لم يَقْصُر عن ثيابِ البِذْلة والمهنة بدليل الاستواء في الحكم والفرق بَيَِّن بينها وبين المقيس لكونها مشغولة بالحاجة الأصلية وهي دفع نازلة الحر والبرد حاصل هذا أن المعترض إذا عارَض بقياسٍ مجهول بأن يقيس صورة النزاع على صورة من صور عدم الوجوب عارضَه المستدلُّ بقياسٍ آخر مجهول ليتعارض القياسان ويسلم الأول عن المعارضة

فإذا قال المستدل لا أُسَلِّم أنَّ هذا الثاني غير الأول ففيه جوابان أحدهما أن يقول عيَّنْتُ في القياس الثاني أصلاً غير الذي عينته في الأول لكن للمعترض أيضًا أن يعارضه بقياسٍ مجهول ويدَّعي تغاير القياسين وحينئذٍ يكون الفَلْج لمن كانت صور الحكم فى قياسِه أكثر الثاني أن يعيِّن المستدلُّ صورةً من صور التفويض وهو صور عدم الحكم التي قاسَ عليها المعترض ويبيِّن الفرقَ بينها وبين صور النزاع كالمثال الذي مثَّل به فإنه إذا قاس المعترضُ على صورةٍ من صور عدم الزكاة قال له المستدل الفرقُ بين الحُلي وبين بعض الصور ثابت وهو الثياب لأنَّ الثياب مشغولة بالحوائج الأصليَّة وهي دفع ضرر الحر والبرد وسَتْر العورة حقيقةً أو مَظِنَّة فإذا ثبت الفرقُ بين الفرع الذي هو صورة النزاع وبين هذه الصورة ثبتَ الفرقُ بينها وبين سائر الصور بدليل استوائها في عدم الحكم والاستواءُ في الحكم دليلُ الاستواء فى المصلحة فيثبُتُ الفرقُ بين الفرع وبين صور النقض التي قاسَ عليها المعترض وإن شاء قال الصورةُ التي قِسْت عليها لا تنقص عن ثياب البِذْلة أو ثيابُ البِذْلة لا تزيد عليه بدليل الاستواء في الحكم وإذا لم تنقص عنها وقد ثبتَ الفرقُ بين الفرع وبين ثياب البِذْلة ثبتَ بين الفرع وبين

الأصل الذي قِسْتَ عليه واعلم أنَّ هذا الكلام مُعَارَضٌ بمثله بأن يُعَيِّن المعترضُ صورةً من صور الأصل ويبيِّنَ الفرقَ بينها وبين الفرع المقيس فيثبت الفرق بينَه وبين الجميع لاستوائهما في الحكم مثل أن يقول الصورةُ المقيسُ عليها لا تزيد على المضروب بدليل الاستواء في الحكم والفرقُ بين المضروب وبين الحُليّ أن الحليَّ غير معدولٍ لاستعمالٍ مباح فيثبتُ الفرقُ بين الفرع وبينَ جميعِ صور المدَّعى وهذا كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا فإذا كَان المستدلُّ يعترض على قياس المعترض بمثل ما يعترض به المعترضُ على قياسِ المستدلِّ تكافآ وعُلِم أن القياسَ المجهولَ باطلٌ وسيأتي الكلام على هذا قوله أو نقول العدمُ غير ثابتٍ في الفرع وإلا يلزم الاستواءُ بينهما في الحكم مع الافتراق في الحكمة وأنه غير واقع وإلا يلزم الترك بالمقتضي لإضافة الحكم إلى العلة أو الفارق هذا صورة أخرى للجواب عن المعارَضَةِ بالقياس المجهول وهو أن يقول عدمُ الوجوب ِ غير ثابتٍ في الفرع وهو الحُليّ لأنه إن كان ثابتًا للزم التسوية بين الفرع وبين ثياب البِذْلة في الحكم وهو عدم الوجوب مع الافتراق فى الحِكْمة وهو غير واقع لأنه يستلزم ترك

العمل بالمقتضي لإضافة الحكم إلى جميع العلة المناسبة ويستلزم ترك العمل بالفارق وقد تقدم الكلام على هذا قوله ولئن قاس ثانيًا وقال نعني به غير الأوَّل فنقول ما ذكرتم غير ثابتٍ وإلا لكان العدمُ فيما ذكرنا من الصور مضافًا إلى المشترك وليس كذلك لما بيَّنَّا حاصله أنَّ المستدلَّ إن عارض بقياس ثانٍ مجهول وادَّعَى المغايرة بين الأصل فيه والأصل في الأول قيل له عدمُ الحكم في صورة النزاع غير ثابت لأنه لو كان ثابتًا لزم أن يكون عدمُ الحكم في الصورة التي ذكرتَها وهي ثياب البِذْلة مضافًا إلى المشترك بينها وبين محلِّ النزاع لأن الاستواء في الحكم دليلُ الاستواء في الحكم مع الافتراق في الحِكْمة لما ذكرنا من الفرق بين تلك الصورة وبين محلِّ النزاع قوله ولئن قاس ثالثًا وأثبتَ التغايرَ بينه وبين الأَوَّلَيْن فنقول لم يتحقَّق ما ذكرتم وإلا لتحقَّق أحدُهما

حاصله إن عارَض بقياسٍِ يبيِّنُ فيه التغايرَ ولم يكتفِ بغايته قيل لا يتحقَّقُ مُدَّعاك لأنه لو تحقَّق لزم استواء الصورة المذكورة والفرع في الحكم مع الافتراق في الحكمة وهو مستلزمٌ لترك العمل بالمقتضي للإضافة أو الفارق قوله ولئن قاس رابعًا فنعيِّن صورةً أخرى فنقول بمثلِ ما قلنا مرةً بعد أُخرى إلى أن قاسَ سابعًا فصاعدًا

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل