تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطلصفحات 104-143
أهل الأثرالأرشيف العلمي

في القياس اعلم أن القياس هو جماع الأدلة النظرية وهو ينبوعُ الاستنباط في الأحكام الشرعية وعامةُ ما ذكره من الأدلة من التلازم والتنافي والدوران يُحتاج فيه غالبًا إلى القياس والدوران قياسٌ محضٌ لأنه يُثبِت الحكمَ في صورة النزاع للقدر المشترك بينها وبين مواقع الإجماع مدَّعيًا أن القدر المشترك هو العلة وأنه عُلِمَ ذلك بالدوران نعم لما امتنع فقهاء العراق أعني أهلَ الرأي من إجراءِ القياس في الحدود استعملوا ضربًا آخر سمَّوه الاستدلال وعَنَوا بتجريدَ مناطِ الحكم وتنقيحَه عما اقترنَ به وهو الذي تكلم عليه صاحبُ هذا الجدل في الدوران جَرْيًا على أسلوب أشياخه وتكلَّم في القياس على نوعٍ واحدٍ منه وهو ما يثبتُ علّيتُه بالمناسبة ومعناه في اللغة تقدير الشيء بالشيء واعتبارُه به يُقال قِسْتُ الجُرْحَ بالمِيْل وقِسْتُ الأرض والثوبَ بالذراع كما قيل يُقاسُ المرءُ بالمرءِ إذا مَا هُوَ مَا شَاهُ وقال الشاعر

إذا قَاسَها الآسِيْ النِّطَاسِيُّ أَدْبَرتْ يعني إذا قاسَ الطبيبُ غَوْرَ الجراحةِ بالميل فالأصل بمنزلة القياس الذي يُعتَبرُ به حكمُ الفرع وهكذا شأنُ جميع المقاييس فإنك تعتبر ما لا يُعلَم وصفُه بما قد عُلِمَ وصفُه كاعتبار المكيل بالمكيال والموزونات بالصنجة والميزان والممسوحات بالذراع واعتبار أوزانِ الشعر بعَروضه واعتبار عربية الكلام بالنحو وجماعُ ذلك كلّه التسويةُ والتعديلُ وإعطاءُ الشيء حكمَ مثلِه وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض وإليه الإشارة بقولِه أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ [الشورى 17] وهو اسمٌ جامعٌ لكلّ دليلٍ عقلي فإن العقلَ من شأنِه أن يعتبر الأشياءَ بأمثالِها وأضدادِها وخلافاتِها وقد زعمَ بعضُ أهل النظر أن تسمية التداخل والتلازم والتقابل قياسًا لا يجوز إذ القياس يعتمد التشبيه والتمثيل ولا تشبيهَ ولا تمثيل في ذلك وليس كما قال لأن تسمية هذه الأدلة العقلية قياسًا لأنك تقدر العلوم بها وتعتبرها بها وتَزِنُها بها والقياس تقدير الشيء بالشيء وهذا محض التمثيل والتشبيه لها باعتبار قدرٍ مشتركٍ بينها وليس القياس إلا ذلك فعُلِم أن فيها قياسَ تمثيل وقياس تعليل والكلام في ذلك واسع

والذي يليق بهذا الموضوع هو القياس الفرعي وللناس في تعريفه عباراتٌ كثيرة ليس هذا موضع ذكرها أشهرها عند الجدليين ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ بعلةٍ جامعةٍ بينهما أو إثبات حكم شيء لشيء آخر لاشتراكهما في على الإثبات أو اعتبار الشيء بغيره في إثباتِ حكمه فيه أو نفيه عنه ليعمّ قياس الطرد والعكس قال المصنّف القياس تعدية الحكم المتحد من الأصل إلى الفرع بعلةٍ متحدة فيهما قوله الحكم المتحد أراد به أن يكون حكم الفرع والأصل واحدًا لأنه لو كان حكم الأصلِ تحليلاً والفرعِ إيجابًا لم يصحّ القياس وكذلك العلة لابدّ أن تكون واحدةً في الأصل والفرع إذ لو ثبت الحكم في الأصل بعلةٍ وفي الفرعِ بعلةٍ أخرى لم يصحّ القياس أيضًا وذلك لأن القياس إثباتُ مثلِ حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم فلو لم يتحد الحكم والجامع لن يتحقق هذا الحدّ وهذا ظاهر في الجملة ويخرج قياس العكس عن أن يكون قياسًا وفيه بحوثٌ دقيقة ليس هذا موضعها قال المصنف وسبيلُه أن يقال الوجوب ثابتٌ في المضروب بالإجماع فكذا في صورة النزاع بالقياس عليه لأن الوجوب في

المضروب إنما كان تحصيلاً للمصالح المتعلقة بالوجوب كتطهير المزكي وغيره بشهادة المناسبة ونعني بالمناسبة مباشرة الفعل الصالح لحصول المطلوب والمناسبة على هذا التفسير ثابتةٌ في تلك الصورة فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب أمرٌ مطلوب والوجوب طريق صالح لحصول ذلك المطلوب لأنه لو وُجِد يوجد ذلك المطلوب ولولاه لا يوجد ولا نَعنِي بكونه طريقًا صالحًا سوى هذا والشرعُ قد حكم بالوجوب في تلك الصورة فتوجد المناسبة فيها والمناسبة تُوجِب إضافةَ الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى ذلك المطلوب لأن الظنّ بالإضافة دَار مع المناسبة على ما ذكرنا من التفسير وجودًا وعدمًا أما وجودًا ففي أداء الفرائض مثلاً فإن تغليبَ الوصول إلى المَثُوبات وتخليص النفس عن العقوبات لمَّا كان مطلوبًا وأداءُ الفرائض والواجبات طريقٌ صالح لحصول ذلك المطلوب فلو شاهدنا الإقامة من العاقل يغلب على الظن أنه إنما اشتغل بأداء الفرائض والواجبات لحصولِ ذلك المطلوب وأمّا عدمًا ففي فصل الترك والاشتغال بالمعاصي والدوران يدلُّ على كونِ المدارِ علّةً للدائر قلت اعلم أن المناسبة في الجملة معتبرة في الأحكام الشرعية ومَن تأمَّلَ العباداتِ وما فيها من محاسن الأقوال والأفعال الموجبة

للتقرب إلى ذي الجلالة وتخفيفها عند الأشغال وتحصيلها للمصالح الجلية في الدنيا والآخرة وما في المعاملات من القوانين المضبوطة المانعة من الوقوع في الشرور والآفات وكذلك ما في المناكح من حفظِ المياه والأنساب والجمع بين الرجال والنساء لاستيفاء النوع على أكمل حال ثم ما في العقوبات من المصالح العاصمة للدماء في أُهُبِها وإقرار الرؤوس على كواهلها وحفظ الموال عن السُّرَّاق والقُّطَّاع وحفظ الأديان والعقول عن الانحلال والاختلال وما في الكفّارات من جَبْرِ النقائض ومَحْو السيئات إلى غير ذلك من المحاسن والمصالح التي تفوق العدد وتخاف الإحصاء عَلِمَ بالاضطرارِ أن ذلك تنزيلٌ من حكيم حميد متلقًّى من لَدُنْ حكيم خبير وأن الذي أحاط بكل شيء علمًا ووسعَ كلَّ شيء رحمةً وحلمًا أنزلَ الأحكام متضمنةً مصالح العباد في الدنيا والآخرة ولهذا يأمر الله في القرآن دائمًا بالصلاح ويُثنِي على الذين يعملون الصالحات وينهى عن الفساد ويذكُّ المفسدين ولا خلافَ بين الفقهاء من الأولين والآخرين في اشتمال الشريعة على مصالح المكلفين نعم زاغَ أهلُ الأهواء من القدرية حيثُ اعتقدوا وجوبَ رعاية الصلاح أو الأصلح على الله وجوبًا عقليًّا يَلزمُ بتركِه ذمٌّ وحيثُ اعتقدوا أن لا معنى للأحكام إلاّ صفات للأفعال تارةً تُدرَك

بنور العقلِ وتارةً تُدرِك ببيان الشرع وحيث جعلوا الأفعال أفعال الخالق والمخلوق نوعًا واحدًا سَوَّوْا بينها في التحسين والتقبيح حتى صاروا مشبِّهة الأفعال وحيثُ اعتقدوا أن المصلحةَ ما أَبدَوْه من أمورٍ لا تَثبتُ على محكِّ السَّبْر إلى أشياءَ خرجوا بها عن الحقّ وإلاَ في مخافتهم كثيرٌ من متكلّمي أهل الإثبات حتى جوَّزوا أن لا تكون في الحكام الشرعية الواقعة مصلحةٌ للمكلَّفين البتَّةَ أن لا معنى للحكم إلاّ مجردُ القول وأنّ الفعل لم يكتسب بالحكم إلاّ صفةً إضافيةً وأنّ شيئًا من الأفعال ليس على صفةٍ تقتضي الحكم وان العلل الشرعية ليست إلاّ محضَ علاماتٍ وحتى أحالَ بعضُهم التعليلَ بالمصالح والمفاسد واقتصدَ الفقهاءُ والحكماءُ من أهل البصر بالأصول والفتوى والحديث فعَلِموا أن الله لا يَجب عليه شيءٌ كما يجب على خلقِه بل هو سبحانه كتبَ على نفسه الرحمة وحرَّم على نفسِه الظلمَ فهو أرحمُ بخلقِه من الوالدةِ بولدها فأمرَ العبادَ بما أمرَهم لا لحاجته بل لما فيه من صلاحهم ونهاهم عما نهاهم لا بُخلاً به بل لما فيه من مفاسدهم تفضلاً منه وإحسانًا وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد والحكم اسمٌ يُقالُ على خطابِ الله وكلامِه المنزّل وهو الإيجاب كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة 183] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] أوالتحريم كقوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ

[المائدة 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء 23] ويُقال على الوجوب والحركة القائمين بالأفعال ويُقال على التعليق الذي بين الخطاب وبين الأفعال فإذا عُنِي به الإيجابُ أو التعليقُ كان صفةً إضافيةً للفعل وإن عُنِي به الوجوبُ كان صفةً ثبوتية للفعل والفعل الذي هو محلّ الحكم ومتعلَّقه قد يكون على صفةٍ بل نزول الشرع يقتضي ذلك الحكم فشَرعَ الشارعُ الحكمَ باعتبار تلك الصفة كالسُّكْر في الخمر قد يكون حدثَتْ له صفةٌ بعد الشرع اقتضَتْ ذلك الحكم كجهاد الكفّار وبعضهم قال موجبه التكذيب وهو متجدد بعد الشرع وقد يكون الفعل في نفسِه ليس على صفةٍ لكن الله لمّا حكمَ فيه بما حَكَم جَعَلَ له صفةً تَقتضي الحكم كتخصيص بعض الأمكنة أو الأزمنة أو الأشخاص أو الهيئات وقد يكون الفعل عاريًا عن جميع الصفات المقتضية للحكم وإنما الحكمة ناشئة من نفس الحكم كما سنذكره كذبح إبراهيمَ ولدَه وامتناع قوم طالوتَ من شُرب الماء وبيان ذلك أن العبد إذا أُمِر بشيء فلابُدَّ أن يكون له في امتثالِ هذا الأمر مصلحةٌ وفائدةٌ وأهلُ السنة إن قالوا يجوز أن يأمر الله المكلف بما لا مصلحةَ له فيه كما أمرَ إبليسَ بالسجود لآدم ومرَ أبا جهلٍ وفرعونَ بالإيمان فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعلم أن العبد يَعصِي بترك

الامتثال ويأمره ولا يُوفِّقه للطاعة ولا يخلقها له فيكون المفسد في المعصية لا في نفس الفعل المأمور به والذي أردناه أولاً أنه لابدَّ أن يكون في المر مصلحةٌ بتقدير الامتثال وبين حكم الأمر بتقدير الامتثال وحكمِه بتقدير المخالفةِ فرقٌ بيِّنٌ ثم إن المصلحة التي في موافقة الأمر لها ثلاث جهاتٍ إحداها أن تنشأ من الأمر فقط فتكون المصلحة اعتقاد الوجوب والعزم على سبيل الامتثال وما يترتب على ذلك فقط وإن لم يُوجَد الفعل المأمور به كأمرِ إبراهيم بذبح ابنه وكأمر من علم أنه يموت قبل وقت الأمر ويحال بينه وبينه وأحالت القدريةُ هذا الوجه وينبني على ذلك فسخُ حكم الفعل قبل التمكن ومسائلُ كثيرة الثانية أن تنشأ من ذاتِ الفعل المأمور به من حيث هو هو حتى لو حصل بدون الأمر فكانت تلك المصلحة حاصلةً ككتاب الدَّين والإشهاد عليه والاحتراز من العدوّ وأكل ما يقيم الصلب ولباس ما يَقي الحرَّ والبأسَ والاستعفاف بالنكاح وصلاح ذات البين ونحو ذلك من الأمور التي فيها مصالح ظاهرة في الدنيا إذا فُعِلتْ حصلتْ تلك المصالح وكذلك في المنهيات مثل النهي عن أكلِ السُّموم وقتل النفس ونحو ذلك وكثيرٌ من الأفعال المأمور بها أو أكثرُها كذلك لكن مصالحها غير معلومةٍ لأكثر الناس بل ولا لجميعهم

وربما علموا بعضَ مصالحها دون بعض وفي هذا القسم يتسع مجال المناسبة وقد أنكرَ هذا القسم من أَبَى التعليلَ من غُلاةِ المجبِّرة الثالثة أن تنشأ من الفعل المأمور به من حيث هو مأمورٌ به لما فيه من الطاعة والانقياد والعبادة لله حتى لو فعل بدون الأمر كان عبثًا ومن ذلك أكثر أفعال الحج والتيمم وترك الشرب من النهر ونحو ذلك وهذا الذي يُسمَّى تعبدًا في الغالب ثم اعلم أن أكثر الأفعال تجتمع فيها الجهات الثلاث كالصلاة والصوم وبرّ الوالدين وصلة الأرحام وصِدْق الحديث وأداء الأمانة والكفّ عن الفواحش والسيئات فإن الله لمّا أمر بالزكاة والصوم فسمعَ ذلك المؤمنون فآمنوا وقالوا سمعنا وأطعنا واعتقدوا وجوبَ ذلك حصلَتْ لهو مصلحةٌ عظيمةٌ من الخضوع لله ثم في ضمن الزكاة والصوم من الفوائد والمصالح ما لا يكاد يُحصيه إلاّ الله حتى لو صام وتصدَّق رجلٌ لم يُؤمَرْ بذلك حصلَ له بعضُ تلك الفوائد فإن قيل كيف يجوز تعليلُ أحكامِ الله بالمصالح والله سبحانه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ لأن الأغراض عليه محالٌ لتعاليه عن لُحوقِ المنافع والمضارّ ولأن من فعل لغرضٍ كان ناقصًا قبلَ وجودِه مستكملاً بوجودِه ثم المصالح التي في الأفعال حادثةٌ وحكمُ الله قديم والعلّة يجبُ أن تتقدَّم المعلول قيل ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك لكن نقول هو سبحانَه يعلم ما في الفعل من المصلحة فيحكم بوجوبه لعلمه بذلك

فعلمُه بصفة الفعل هو الموجب لذلك الحكم لأنه عليم حكيم فالعلة والحكم بهذا التفسير قديمان وكذلك إرادتُه ومشيئتُه قديمةٌ فهو يَعلم ما في المصنوعات من الحكمة فيريد ما علمه وليس هذا الاقتضاء والإيجاب من جنس إيجاب العلل الحادثة معلولاً بها وإنما هو كما يقال الذاتُ مقتضيةٌ للصفات من العلم والقدرة والصفات مقتضيةٌ للأحكام والأحوال من كونه عالمًا قادرًا أو العلم والقدرة مشروطة بالحياة والشرط قبل المشروط فإن ذلك كلَّه على نحو آخر معاني على عقول البشر والله أكبر كبيرًا لكن لابدَّ من تقريبٍ إلى العقول يحتاج إلى التوسع في التعبير لإزاحةِ ما يُتَوهَّم من الشبهات والتحقيق على هذا أن يقال حَرَّم الخمر لعلمه بأنها مُسكِرة وأمرَ بالمعروف لأنه مصلحة فإذا قيل حرّم الخمر لأنها مسكرة فذاك لأنه قد عُلِمَ أنّ الله عليمٌ بكلّ شيء وقد عُلِمَ إذا قيل فلانٌ أمرَ بكذا لأنه مصلحة له أو للناس أنَّما فعلَه لعلمه بصلاحه امتنع أن يأمر به كذلك وسبب ذلك أن العلم في الحقيقة تابعٌ للمعلوم لا يُكسِبُه صفةً ولا يكتسب عنه صفة وإنما نشأت الحكمة من نفس المعلوم فلما كان كونُه مصلحةً والعلمُ بأنه مصلحةٌ أمرانِ متلازمانِ مطلوبيَّةُ أحدهما باعتبار الآخر لم يقدح إضافته إلى الآخر وإذا قيل حُرِّمت الخمر لأنها مسكرة فهذا تعليلٌ للحكم الحادث وهو الحرمة القائمة بها

بالصفة الحادثة وهي الشدّة المُطرِبة ومعنى قولنا إنه يفعل لا لغرضٍ ولا لداعٍ ولا لباعثٍ أنه لا يَبعثُه على الفعل باعثٌ من خارجٍ كما هو صفة المخلوق فإن كمال المخلوق عن أفعالِه وبأفعالِه كَمُل والله سبحانه فِعلُه عن كمالِه وأفعالُه صدرتْ عن كمالِه ولسنا نعني به أن أفعاله لا تتضمنُ مصلحةً للخلق ورحمةً وحكمةً فإن هذا مع أنه خلاف الكتاب والسنة والإجماع خلافُ الواقع ثم هو سبحانَه لا تعود المنفعةُ إليه وإنما تعود إلى خلقِه فإنه غني حميد وإضافةُ الفعلِ إلى مشيئته وإضافةُ مشيئته إلى علمِه كإضافة حكمِ الفعل إلى أمرِه وأمرِه إلى علمه وهنا نكتةٌ لابدّ من معرفتها فإن الفعل أو الحكم إذا كانت فيه مصلحة فتلك المصلحة إنما تُوجد بعد وجود ذلك الفعل والحكم وهي المقصودة بذلك الفعل والحكم فهي متقدمةٌ في العلم والإرادة متأخرةٌ عن الحصول والوجود كما يقال أوّلُ الفكرِ آخر العمل وأوّلُ البغية آخر الدرك والفعل علةٌ فاعلةٌ لتلك المصلحة وتلك المصلحة علةٌ غاييَّة لذلك الفعل وفي الحقيقة فالعلةُ العلمُ بتلك المصلحة والإرادةُ لها أو الطالب كما تقدم إذ العلةُ لا تتأخر عن المعلول إذا عُلِم هذا فمعنى المناسبة كونُ الحكم الشرعي بينه وبين السبب الذي رتّب عليه نسبٌ حتى صار ذلك السبب مقتضيًا لذلك الحكم

وموجبًا له مثل الوالد كما يولد الوالد ولده فيصير بينهما مناسبة ولابدّ لكل مناسبة من حكمةٍ تَحصُل من الحِكَم باعتبارها يصيرٌ الحكمُ ثابتًا كالتقوى التي هي حكمة الصوم وسَدُّ الفاقات التي هي من حكمة الزكاة وحَقْن الدماء التي هي من حكمة القصاص وحفظ الأنساب والعقول والأديان والأموال والأعراض التي هي حكمة الحدود فيسمُّون المصلحة الحاصلة بالحكم أو بالفعل الذي هو محلّ الحكم حكمةً ويُسمَّى نفس ذلك الفعل حكمة كما يقال الصَّمتُ حكمٌ وقليلٌ فاعلُه ويقال إيجابُ القصاص حكمةٌ عظيمة ويُسمَّى العلم بما في ذلك الفعل أو الحكم من المصلحة والتكلم بذلك حكمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحِكمةً وقال الحكمةُ ضالّةُ المؤمن فالحكيم هو الذي يعلم الصواب ويتبعه فإن عَلِمَه ولم يتبعْه أو عَلِمَه ولم يعلم حقيقته فقد أُوتِيَ شَطْرَ الحكمة وقد غَلَب في اصطلاح أهل الجدل من الفقهاء إطلاقُ الحكمة في الأحكام الشرعية على المعنى الأول من المعاني الثلاثة وهو ما في الفعل أو الحكم من تحصيل مصلحةٍ ودفعِ مفسدةٍ والمصالح والمفاسد بعد البحث التام تعود إلى ما ينفع الناسَ في الدنيا والآخرة

وما يَضرُّهم والمنفعة تؤولُ إلى اللذة التامة التي لا ألمَ فيها في ذاتِ الحيوان مع أن أنواع تلك اللذات ومقاديرها مما لم يَخْطُر على قلب بشر لكن كلَّما كانَ أقربَ إلى حصول ذلك المطلوب كان أبلغ وباعتبار انقسام المنافع والمضارّ إلى دنيوية وأخروية انقسم الحكماءُ إلى حكماءِ دنيا وحكماءِ آخرة والأحكام الشرعية مشتملة على زيادة الحكمة وتفاوتها ولهذا قال العلماء الحكمة هي علم الشريعة والفقه فيها والعمل بذلك كما نطق به قولُه وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران 164] وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب 34] وإذا كانت المناسبة لا تتمّ إلا بالحكمة الحاصلة من الفعل أو الحكم فأنواع الحِكَم ومقاديرها مما لا يحيط به علمًا إلاّ الله تعالى ومازال الناس يبحثون عن أسرار الشريعة ويطلعون في كل وقتٍ على أنواع من الحِكَم وكم من شيء يعتقد كثيرٌ من الناس أنه حكمةٌ ومصلحةٌ يجب تحصيلُها أو انه يَفَهٌ ومفسدةٌ يجب دفعُها وليس كذلك في نظر الشارع لأن حقائقَ ما يَنفع الناسَ وما يَضُرُّهم في أمر المعاد بل في أمر الدنيا أيضًا لا تُعلَم إلا بالوحي المنزل من عند الله فلهذا كان إثبات علِّية الوصفِ بالمناسبة خطرًا وقد يَغلَط فيه كثيرٌ من الناس أو أكثرهم ثم اعلم أنّ كثيرًا من الأحكام أو أكثرها أو كلّها لابدَّ لها من أسبابٍ تناسبُ الحكم ومعنى السبب هنا هو ما يَنشأُ منه كون الفعل أو حكمه محصِّلاً للمصلحة والحكمة ولولا ذلك السبب لم يكن ذلك الفعل أو

الحكم موجبًا لتلك الحكمة وإن شئتَ قلتَ هو الوصف الذي لأجله صارت تلك المصلحة مطلوبةً من الحُكْم مثل الزنا فإنه إذا وُجِد أوجبَ كونَ الرجم أو وجوبَ الرجم محصّلاً لمصلحة الانزجار عن الزنا والانزجارُ مصلحة وحكمةٌ تحفظُ المياهَ والأنساب وتلك حكمةٌ تتقي بها الأمة على الوجه المضبوط وكذلك القتل العمد والعدوان بشروطه سببٌ يُوجب كونَ القَوَد أو إيجاب القَوَدِ محصّلاً لحكمة حَقْنِ الدماء وكذلك الزنا والسَّرقة وشرب الخمر وكذلك أسباب الكفارات والعبادات فإن مِلْكَ النِّصاب سببٌ أوجبَ كون إيتاء الزكاة أو وجوب إيتاء الزكاة محصِّلاً لمصلحةِ سَدِّ الفاقات وشُكرِ النعمة وسخاء النفس وإزالةِ الشُّحّ إذا عرفتَ هذا فاعلم أن تعليق الحكام بالأسباب المقتضيةِ حصولَ المصالح من الأحكام أمرٌ مضبوطٌ فأما الحِكَمُ والمصالح فإن تعليق الأحكام بها عسيرٌ لكونها قد تكون خفية وقد تكون غير مضبوطة ثم اعلم أن النظر في المصالح أولاً ثم تُطلَب حكمتُه وما فيه من المصلحة الثاني أن يعتقد أن للشيء الفلانيّ مصلحةً وحكمةً ثم يُنظَر هَلْ شُرِعَ حُكمٌ يحصِّل تلك المصلحة والحكمة

فإن وجدنا حُكمًا يشهد لتلك المصلحة بالاعتبار سميناه مصلحة معتبرة في نظر الشرع كمصلحة حفظ الأصول الستة وإن وجدنا حكمًا يشهد لذلك الأمر الذي اعتقدناه مصلحةً بالإلغاء والإهدار سمَّيناها مصلحةً مُهْدَرةً وفي حقيقة الأمر لا تكون مصلحةً بل إما أن تكون مَفسدةً خالصةً أو مفسدةً راجحةً على مصلحةٍ إذ لو كانت مصلحةً خالصةً أو راجحةً لاعتبرها الشرع فإنه حكيمٌ لا يُهمِل المصالح لكن الناظر لقصور نظرِه وإدراكِه يَعتقد أنها مصلحةٌ وهذا مثل السياسات الجَوْرِية التي أحدَثها الملوك وحسبوا أنها تحصِّل مصلحة انتظار الأمور ومثل الأعمال المبتدعة التي استحدثَها بعض المتعبدين وحسبوا أنها مصلحة لرضوانِ الله وقُربِهِ وثوابِه مثل العقائد والكلمات المبتدعة التي أحدثَها بعضُ المتكلمين وحسبوا أنها مصلحةٌ لتحقيق الأمور وإدراك الحقائق أو أنها هي الحقُّ في نفس الأمر وإن لم نَجِدْ شيئًا يَشهد لتلك المصلحة سمينَاها مصلحةً مرسلةً ومناسبةً مطلقةً إن شَهِدَ لها أصلٌ كلّي من أصولِ الشرع ولم يُغيِّر شيئًا من التفاصيل المشروعة بَنَينا الحكام عليها وإلاّ توقفنا عن الحكم واعلم أن المناسبة لها ثلاثة أركان أحدها اقتران بالوصف المناسب وشهادة الشرع له بالاعتبار حتى لا يكون مناسبةً مرسلةً

والثاني أن يُعلَم أن الشيء حكمته ومصلحته في نفس الأمر وفي نظر الشرع لأن اعتقاد كون الشيء حكمةً ومصلحة بمنزلة اعتقاد كون الفعل حلالاً وحرامًا وواجبًا إذ لا فرقَ بين هذا الفعل حرامٌ إذا فعله الفاعل تعرَّض للعقاب وحَسَنٌ إذا فعلَه حصَل له ثواب وبين قولنا هذا الأمر مصلحة ومنفعة للخلق في دنياهم وآخرتهم أو هذا الأمر مفسدةٌ ومضرةٌ على الخلق في دنياهم وآخرتهم وإلاّ فكم من يعتقد المصالح مفاسدَ والمضارَّ منافع ويسمون هذا المعنى التأثير فيقولون هذا المعنى فيه الوصف الذي أوجبَ اشتمالَ الحكم على تلك المصلحة وهذا أمر مهمٌّ لابدّ من الاعتناء به بل الاعتناء به أوكد من الأول فإن الشيء إذا عُلِم أن جنسَه مصلحة بالشرع فلا تضرُّ شهادةُ أصل معين له بالاعتبار أما حكمٌ جاءَ به الشرعُ فقلنا إنه إنما حكم به لكَيْتَ وكيتَ لاعتقادنا أن ذلك الأمر مصلحة وانه لا مصلحةَ فيه إلاّ ذلك فهذا خطرٌ عظيم وهو الصَّفا الزلاَّل ومن جرأةِ كثير من الجدليين أنهم يقولون هذا حكمة ومصلحة في نظر العقلاء أو في عُرف الناس ويكتفون بذلك في تقرير مناسبة الوصف وهم يعلمون أن أكثر الحكام الشرعية مما تقصر العقولُ الكاملة عن درك حِكَمِها ومصالحِها وان أكثر الناس أو كلّ الناس لا يعلمون ما هو الحكمة والمصلحة والمنفعة لهم في أمر الدنيا والآخرة فكيف يُستشهد على حكم أحكم الحاكمين لمجرد قول بعض الناس

وهذا لعمري تشبيهٌ في الأحكام قريبٌ من تشبيه القدرية في الأفعال الثالث أن يُعلم أن ذلك الحكم إنما شُرِع لأجل تلك الحكمة وإلاّ فقد تكون هناك حكمة غيرها يُشرَعُ الحكم لأجلها فإذا تبيّنَ هذه الأركان فالمناسبةُ باعتبار ذلك أقسامٌ أقعدُها أن يثبت الحكم محصِّلاً لأمر قد دلَّ الشرع على أنه حكمة ومصلحة وان تلك الحكمة مطلوبةٌ من ذلك الحكم كشَرْع العقوبات محصِّلةً للزجر عن الفواحش والقبائح وهذا يوجب المناسبة وهذا لا يختلف فيه أحدٌ من أهل العلم ويسمونه التأثير ثم ينقسم إلى ما يُؤثِّر عينُه في عين الحكم كتأثير الشدِّة المُطرِبة في التحريم تحصيلاً لمصلحة حفظ العقل التي تحصُلُ به المحافظةُ على ذكر الله وعلى الصلاة والانكفاف عن العداوة والبغضاء وكتأثير نقص العقل بالصِّغَر أو الجنون أو السَّفَه في ثبوت الولاية تحصيلاً لمصلحة حفظ أموالهم وكتأثير القتل العمد في إيجاب القصاص تحصيلاً لمصلحة الحَقْن والأوّل دلّ عليه قوله إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ [المائدة 91] فعُلِم أن هذه مفسدةٌ أبطلها الشرعُ بتحريم الخمر ومنشأ هذه المفسدة هو

الشدَّة المطربة والثاني دلّ عليه قوله فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء 6] دلّ على أن تسليم المال مع عدم الرشد مفسدةٌ أبطلها الشرعُ بالمنع من التسليم قبل إيناس الرشد الثالث دلَّ عليه قوله وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة 179] دلَّ على أن الحياة مصلحة إنما جعلها الشرع لنا بإيجاب القصاص بأن يسلم القاتل فلا يتعدَّى القتل إلى غيره من الأقارب والجيران كما كان أهل الجاهلية يفعلون مما أشعَرَ به لفظ القصاص وبأن يَعلمَ من يُرِيد القتلَ أنه لا يُعَاد لأولياء المقتول ويُمكَّنون منه فزجره ذلك عن فعل ما يَهُمُّ به وربَّما صارَ وازعًا لهم أيضًا وإلى ما يُؤثِّر عينُه في نوعِ الحكم كتأثير بعض الفعل في جنس الولاية أعني ولاية المال والنكاح والبدن وكترجيح قرابة الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الميراث عينًا وفي الحقوق نوعًا حتى يلحق به الغسل والدفن والصلاة الثاني أن يثبت الحكم محصّلاً لحكمةٍ ومصلحةٍ في نظر الشرع لا يدلّ النصُّ ولا الإجماعُ على أنه شُرِع ذلك الحكم لتلك المصلحة فهذا أقوى المناسبات التي تثبت الاستنباط لأن مناسبة الحكم لتلك الحكمة في الأولى ثبتتْ بنصّ أو إجماع وينقسم هذا إلى

مؤثّرٍ وملائمٍ الثالث أن يشرِع الحكم محصِّلاً لأمرٍ فهو حكمة أو مصلحة في نظر الناس ولم يُعلم أنه مطلوب في نظر الشرع ويسمى المناسب الغريب ويلزم من ذلك أن لا يكون الشرع قد دلَّ على أنه شرع الحكم لأجله وما دلَّ الشرع على إضافة الحكم إليه ولم يُعلم أن فيه مصلحةً لا يُعدُّ مناسبًا مثل أن يقال القاتل إنما حُرِمَ الإرثَ معاقبةً له بنقيضِ قصدٍ لأنه استعجلَ ما أحلَّه الله فمعاقبتُه بالحرمان إذا قَتَل قد يراها الناسُ مصلحةً وحكمةً وهذا دونَ الذي قبله لأنه يحتاج إلى شيئين إلى بيانِ أن هذا الأمر حكمةٌ وبيانِ أن الشرع إنما حَكَم لأجله وكلاهما إنما علمه بالاستنباط والنظر الرابع أن يعلم بالشرع أن الأمر حكمة ومصلحة ولا يشهد الشرع لاعتباره في ذلك السبب المعيَّن وهي المصلحة المرسلة التي شَهِدَ لها أصلٌ كلّيّ بالاعتبار وهذا كان السلف يعتبرونه كثيرًا وهو كثير في كلام الفقهاء أهلِ الفتوى وأما أهل الأصول فقد اختلفوا فيه الخامس أن يعتقدوا أن الأمر حكمةٌ ومصلحة ولم يشهد الشرعُ بأنه كذلك ولا اعتبرَه في سبب من الأسباب كعقوبات الناس بالمصادرات أو بأنواع من العذاب فهذا لا يكاد يلتفت إليه إلاّ شذوذٌ من الناس السادس أن يُعتقَد أن الأمر حكمة وقد اعتبره الشارع وحكم بخلافه فهذا باطلٌ باتفاق الناس وهو كاعتقادِ إبليسَ أنّ المخلوقَ من نارٍ لا يَسجُد للمخلوق من طينٍ لأن سجوده له خضوعُ الأعلى للأدنى

في نظر إبليس والحكمة ترفع الأعلى على الأدنى وكاعتقاد الكفار أن الربا لا مفسدةَ فيه بل هو كالبيع الذي يُبتَغى به الربح ففيه مصلحة وحكمة وكاعتقاد بعض الكفار أن شرب قليل الخمر فيه حكمة ومصلحة من غير مضرة لأنها تُصلِح المزاجَ ولا تُفسِد العقلَ وكأنواع هذه العقائد التي فيها مُشَاقَّةُ الرسولِ واتباعُ غيرِ سبيل المؤمنين وفي مثل هذه الأشياء قيل أولُ من قاسَ إبليس وإنما عُبِدَتِ الشمسُ والقمرُ بالمقاييس ولا خلافَ بينَ المسلمين أن ما عارضَ النصوصَ من القياس لم يُلتَفتْ إليه لكن قد يقع التعارضُ بين بعض دلالات النصوص وبين القياس فيَقوى ظنُّ بعضِ الناس بصحة القياس فيعتقد أن الشارع لم يُهدِر تلك المصلحة ويَقوَى ظنُّ آخرَ بدلالة لفظ الشارع فيُقدِّمه على ظنِّه ويُحكِّمه على عقله وهذا مقامٌ فيه للرجال مجالٌ رحب إذا تقرَّر هذا فاعلم أن كلامَ أكثر الجدليين إنما يَقعُ في القسم الثاني والثالث لأن الوصف الذي قد عُلِم إضافةُ الحكم إليه أو الحكمة التي قد عُلِمَ أن الحكم شُرِعَ لأجلها بالنص والإجماع لا يحتاج إلى مناسبته باستنباط المناسبة والمناسبة التي لم يشهد لها أصل معيَّن فلا يكادون يُدخِلونها في كلامهم إمّا لاعتقادهم عَدَمَ الاستدلال بها أو لانتشار

الأمر فيها على القياسيين فإنّ النظر فيها أسهل من المناظرة فيها أما القسم الأول فهو أقرب إلى الصحة وقد اشتهر الكلام فيه وأكثر الأصوليين يقولون به في الجملة ويُعبِّر عنه الخراسانيون أن مباشرة الحكم طريقَ الفعل الصالح لحصولِ المطلوب تُوجِب إضافةَ تلك المباشرة إلى ذلك المطلوب مثل مَن علمنا انه جائعٌ أو عارٍ ورأيناه يَسعَى في تحصيل ما يأكل ويلبس فإنا نقول إنما أخذَ هذا الطعامَ ليأكلَه وهذا الثوبَ ليلبسَه وإن جاز أن يكون أخذه ليُؤثِرَ غيرَه وكذلك من رأيناه أعطَ فقيرًا أو أكرمَ عالمًا أو زارَ قريبًا نقول إنه فعل ذلك لأجل الفقر والعلم والقرابة وكذلك من رأيناه يُؤدِّي الفرائضَ ويَجتنبُ المحارمَ نقول إنه إنما فعل ذلك لطلب الثواب والنجاةِ من العقاب ومثاله في الأحكام الشرعية أنَّ إعطاءَ المحاوِيج وسَدَّ المَفَقِر لما كان أمرًا مطلوبًا في نظر الشرع وهو حكمةٌ ومصلحةٌ قد علمنا ذلك بنصوصٍ كثيرة وكذلك البراءةُ من حبِّ المال وشكرُ اللهِ عليه ثم رأيناه قد أوجبَ الزكاةَ المفضي من وجوهٍ إلى إعطاءِ المحاويج والبراءةِ من الشُّحِّ وشُكرِ النعمة نقول فرض الزكاة لذلك وحِفْظُ العقلِ لما كان حكمةً في نظر الشرع حتى حرَّم المسكرات فإذا أَمَر بالحدِّ لذلك نقول إنما أمر بالعقوبة على ذلك ليَحفظًَ العقول وأمثلة ذلك كثيرة والدليل على ذلك وجوه

أحدها أن هذا الحكم لابُدَّ له من حكمةٍ ومصلحةٍ لأن الحكم العاري عن المصلحة عَبَثٌ والحكمة إمّا هذا الأمر أو غيره لكن غيره معدوم بالنافي المستمر فيتعيَّن هذا الأمر ولهذا نقول إذا رأينا أمرًا حادثًا يفتقر إلى سببٍ ورأينا هناك سببًا صالحًا أضفناه إليه كما يضيف الزهوق إلى الجرحِ المتقدم فيوجب جزاء الصيد بذلك على المُحرِم ويوجب القصاص على الفعل ويُبيح الصَّيدَ للرامي الثاني أنّا إذا تأملنا أكثر الصُّوَر وجدنا الحكم فيها مضافًا إلى تلك الحكمة المعلومة الظاهرة فيُلحَق الفردُ بالأعم الأغلب كما إذا علمنا أن الغالب على أهل بلدةٍ صفة ثم رأينا واحدًا منهم سَحَبْنَا عليه ذلك الغالب ولذلك جاز قتلُ مَن دار الحرب ومَن في صَفِّ الكفّار مع تجويز أن يكون مسلمًا ولولا أن دِيْلَ الغالبُ على الأفراد وإلاّ لما قيل بالأصل المحرّم لقتل المعصوم الثالث أنّا نجد الناس إذا رأوا فعلاً ورأوا له سببًا مناسبًا أضافوه إليه كما لو رأوا الأمير قد قتل جاسوسًا أو مرتدًّا أو قاطعَ طريقٍ قالوا قتلَه لذلك الوصف المناسب مع تجويز أن يكون هناك سببٌ آخر ولولا أن علمهم بأن مباشرة الفعل الصالح لحصول المطلوب تَقتضي إضافة ذلك الفعل إلى ذلك المطلوب لما استجازوا تلك الإضافة وإذا كان هذا من عُرفِ الناس يَرونَه حسنًا وَجَبَ اتباعُهم لقوله

تعالى الرابع إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا في مثل هذه الأشياء وجدنا ظنًّا غالبًا على قلوبنا بإضافة الحكم إلى ذلك السبب كما نجد العلومَ الضرورية عند وجود أسبابها والعمل بالظنّ الغالب إذا لم يعارضه ما هو مثلُه أو أقوى منه واجبٌ لأنّا إن اتبعنا الراجح والمرجوح كان جمعًا بين الضدّين وإن تركناهما جميعًا خَلَتِ الحادثةُ عن حكمِ وفي ذلك ضررٌ في الدين والدنيا وإن عَمِلْنا بالمرجوح لم يَجُز بالضرورة فتعيَّن اتباعُ الراجح وليس بعده إلاّ التوقُف ولهذا قال الإمام أحمد ليس القياس على كلّ أحدٍ وإنما هو على الأمير والحاكم يَنزِل به الأمرُ فيجمعُ له الناسَ ويقيس ويشبّه كما كتب عمر إلى شريح اعْرِفِ الأشباهَ والمثالَ وقِسِ الأمورَ برأيِك فخَيَّر من لا يجب عليه الحكم بين القياس لوجود الرجحان وبين التوقف لجواز أن لا يكون حقًّا بخلاف من يجب عليه الحكم فإن عليه إنفاذ الحكم ولا يمكنه إلاّ بما ذكرناه الخامس أن نقول قد دار إضافة الفعل الصالح لحصول المطلوب على حصول المطلوب مع الفعل الصالح في صور كثيرة

تفوق العدَّ والإحصاء بحيث تُوجَد هذه الإضافة إذا وُجِد الفعل الصالح وتُعدَم إذا عدم وذلك يوجب كون المدار علةً للدائر فعُلِم أن علة الإضافة إلى المطلوب وجود الفعل الصالح لحصول المطلوب والفعل الصالح حاصلٌ في هذه الصورة فتوجد الإضافة وهو المقصود والاحتجاج بالدوران على صحة المناسبة هكذا أجود لما سنذكره إن شاء الله وإن شئتَ أن تقول كون السبب المناسب علةً للحكم قد دار مع المناسبة وجودًا وعدمًا في مواضعَ تفوقُ العدَّ والإحصاء والدوران يُوجب كونَ المدار علةً للدائر فثبت أن المناسبة توجب كونَ المناسب علةً للحكم وأما كلام المصنف فقوله الوجوب ثابتٌ في المضروب بالإجماع فكذا في صورة النزاع بالقياس عليه لأن الوجوب في المضروب إنما كان تحصيلاً للمصالح المتعلقة بالوجوب كتطهير المزكي وغيره بشهادة المناسبة واعلم أن هذا المثال لا يَحسُن أن يمانع في كون الوجوب إنما كان تحصيلاً للمصالح المتعلقة بالوجوب من تطهير المزكي من الذنوب والأدناس وتزكية نفسه وعمله كما أشار إليه قوله خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة 103] وقوله وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) [الليل 17 - 18] وقوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) [الأعلى 14 - 15] وقوله أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ [التوبة 104] وقوله صلى الله عليه وسلم الصدقةُ تُطفِئ الخطيئة كما تُطفِئ الماءُ النار وما فيها من دفع البلايا أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه مثلُ البخيلِ والمتصدّق مثل رجلين عليهما جُبّتان أو جُنَّتانِ من لَدُنْ ثُدِيِّهما إلى تَراقِيْهما فأما المنفِق فلا يُنفِق إلاّ سَبَغَتْ أو وَفَرتْ على جلده حتى تُخْفِيَ بَنَانَه وتَعفُو أثرَه وأما البخيل فكلما أراد أن يتصدق فلَصِقَتْ وأخذتْ كلُّ حَلْقةٍ مكانَها فهو يُوسّعها فلا تَتسع أخرجاه وقوله صلى الله عليه وسلم الصدقة وفيها من شكر النعمة ومواساة المحاويج وغير ذلك من المصالح المطلوبة لكن يقال سلَّمنا أنها وجبت في المضروب لمصالح متعلقة بالوجوب أو لهذه المصالح المعينة لكن لِمَ قلتَ إن هذه المصالح موجودة في الفرع أو لِمَ قلتَ إن في إيجابها في الحُلِيَّ مصالح فضلاً عن هذه المصالح إيجاب الزكاة في المضروب يُضاف إلى القدر المشترك وأن المصالح متعلقةٌ بها وهلاّ جاز أن يُضافَ إلى المختص بالأصل أو الوجوب مضافٌ إلى مطلق المصلحة إلى نوعٍ منها أو إلى قدرٍ منها أو إلى نوعٍ وقدرٍ منها الأوّل ممنوع والبواقي

وإن سلَّمتْ فيم قلتَ إن صورة النزاع تشارك الأصل في نوع المصلحة أو قدرها وتوجيه المنع من وجوه أحدها أن المصالح المتعلقة بالوجوب في المضروب إنما تكون ثابتة في الحُليّ إذا ثبت أن الحُليَّ مثل المضروب في تلك المصالح وهذا لم يدلّ عليه الثاني أن المصالح إنما تكون مصالح إذا تجردت عن المفاسد أو ترجحتْ عليها وإيجابُها في الحليّ ليس كذلك لأن إيجابها في الحليّ يُفضِي إلى كسرِه وتنقيصِ الحليّ ومنعِ المتحلِّية من التحلِّي بحلي مباح وما أفضَى إلى منع المباح يكون مفسدةً فلا تكون مصلحةُ إيجابِه في الحلي خاليةً عن مفسدةٍ وإيجابُه في المضروب خالٍ عن المفسدة لأن المضروب إنما اتُّخِذ للإنفاق وليس في إخراج الزكاة منه منعٌ من شيء مباح أو نقول إن كان فيه مفسدة فهي مرجوحة بدليل إيجاب الزكاة فيه والمفسدة التي في الحلي لم يثبت أنها مرجوحة إذ لو ثبت ذلك بإيجاب الزكاة فيه كان دوران ثبت بغيره فهو دليلٌ مستقل يغني عن المناسبة الثالث أن يقال إن المصالح المتعلقة بالوجوب لفظٌ مبهم يحتمل مصالح متعلقة بوجوب الزكاة في كلّ مال فإن ذلك فيه تَطْهيرٌ وتثميرٌ وتكفيرٌ ويحتمل تعلُّقها بوجوب الزكاة في الأموال الزكوية في كلّ مقدار ويحتمل تعلُّقها بالوجوب في الأموال الزكوية في قدر مخصوص ويحتمل تعلُّق المصالح بالوجوب في الأموال الزكوية إذا

بلغت مقدارًا مخصوصًا وكانت على صفةٍ مخصوصةٍ فإن ادَّعى الأقسام الأول لَزِمَه أحدُ أمرين إمّا أن يتخلف المعلولُ عن علّته أو مخالفة الإجماع وكلاهما محذورٌ وإن ادَّعى الثاني فعليه أن يُبيِّن أن المصوغ على صفةٍ تجب فيه الزكاة ولا يكفي في ذلك ما ادعاه من المناسبة إذ لا دلالةَ فيها على قدرٍ أو نوعٍ أو صفةٍ الرابع هَبْ أنّ ما ادعاه من المصالح المتعلقة بالوجوب مقتضٍ لوجوب الزكاةِ فهو مقتضٍ على كل تقديرٍ وجودَ سائرِ الشروط وهي الحول والنصاب والنوع وأن يكون المال ناميًا أو مما يُعدُّ للنَّماءِ فإن ادَّعى الأول فهو باطلٌ بالإجماع وإن قال التخلُّف لمانعٍ لَزِمَه تركُ الدليل المقتضي وهو خلاف الأصل وإن ادَّعى الثاني فعليه بيانُ حصولِه في الفرع وحينئذٍ يحتاج إلى فقه المسألة فلا تنفعه الصناعة الجدلية وإن قال أحد الأمرين لازم وهو إما بطلانُ ما ذكرته من المقتضي أو تركُ العمل به في صورة النقض لمانعٍ من خارجٍ لكن بطلان ما ذكرنا يلزمُ منه تركُ العمل به فيما عدا صور النقض المانع وإذا دارَ الأمرُ بين تركِ العمل بالدليل لغير مانعٍ من خارج وبين تركِ العمل به لمانعٍ من خارج كان تركُ العمل به لمانعٍ من خارج أولى لأن هذا ليس إبطالاً له بالكلية بخلاف ترك العمل به لا لمانع ولأنه بتقدير المانع لا يكون الدليل موقعًا في الجهل والضلال كما إذا كان متروكًا لا يعارض

قلنا لا نُسلِّم أن ما ذكرته يدلُّ على صحة ما ادعيتهَ من المناسبة على الإطلاق حتى يكون تركُه في بعض الصور تركًا للدليل وهذا لأنك إنما رأيتَ الحكيم قد أوجبَ الزكاة في بعض الصور في بعض الأموال وفي بعض الأنواع على بعض الوجوه للمصالح المتعلقة بالوجوب فينبغي لك أن تعتقد المناسبةَ للأمور التي لها تأثير في الإيجاب وما جاز أن يكون مقتضيًا للوجوب وجاز أن لا يكون مقتضيًا لا يثبت إلا بدليل وهذا كرجلٍ غنيّ كثيرِ المال سألَه فقير قريب عالمٌ فأعطاه مئةَ درهم فقد دلَّت المناسبة على أنه إنما أعطاه لما في الإعطاء على هذه الوجه من المصالح فلو سأله رجلٌ آخر ليس بفقير أو ليس بقريب وقد قلَّ مالُ الرجل وصارَ له عيالٌ ولم يَتركوا له عفوًا وقد سأله ألف درهم فإنا لا نعلم أنه يُعطيه لما في الإعطاء من المصلحة وذلك لأن المصلحة في الإعطاء الأول كان تحصيلُها متيسِّرًا فجاز أن يكون تيسُّرها أحد الأسباب المقتضية لحصولها فإنه وصفٌ له تأثيرٌ في الحكم بخلاف الإعطاء في المرة الثانية فإذا وجبت الزكاة في مالٍ على وجهٍ فيه تيسيرٌ فلماذا يلزم أن يجبَ على وجهٍ فيه تعسيرٌ وإن ادعى أن لا تعسير فيه خاض في فقه المسألة والغرض أن نبين فساد الطريقة الجدلية وأنه لابدَّ عند التحقيق من الرجوع إلى المعاني الفقهية والتأثيرات الحكمية وإذا لم يتبين أن المناسبة المذكورة مقتضيةٌ الزكاةَ على الإطلاق ولا في كل مال لم يكن عدمُ إيجابها في بعض الصور تركًا لدليلٍ أصلاً بل تكون دعوى ما

يوجبَ ترك العمل بالدليل من غير دليلٍ على الموجبة وهذا لا يجوز الخامس أن يقال قد ترك العمل بما ذكرته من الدليل في بعض المواضع وهو ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة وإبل الكراء فتُخصّ منه صورة النزاع بالقياس على تلك الصورة بجامع ما يشتركانِ فيه من الحاجة إلى عين المال والإخلال ببعض المصالح المباحة إيجاب الزكاة فيه ويعود الكلام إلى فقه المسالة وقياس التخصيص من أقوى الأقيسة عند أصحاب هذا الجدل السادس أن ما ذكرتَه من المناسبة المقتضية للوجوب المطلق يُعارَض بالمناسبة النافية للوجوب وذلك أن الوجوب منتفٍ عن ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة مع قيام المقتضي وهو ما ذكرته من المناسبة وما ذاك إلاّ لمانعٍ فيها وهو الاحتياج إليها في المنفعة المباحة بشهادة المناسبة والدوران فإن المانع لو كان للضرورة أو الحاجة الأصلية لوجبتْ فيما زاد على الحاجة من العبيد والثياب والدوابّ وهذا المانع يتحقق في صورة النزاع لأنّ إيجاب الزكاة يَمنَعُ الانتفاع المباح فيتحقق المنع لأن ما ذكرته من المانع قد ثبتَ مقتضاه عند معارضته ما ذكرته من المقتضي وثبوتُ دليلِ مدلول أحد الدليلين عند التعارض يُوجب رجحانَه ولأن ما ذكرته من المانع معتضَدٌ بالأصل الثاني للوجوب

والدليلانِ أقوى من دليل ولأن ما ذكرته من المانع لم يتخلَّف عنه مقتضاه وما ذكرته من المقتضي قد تخلَّف عنه مقتضاه لمانعٍ والدليل الذي لم يُترَك العمل به راجحٌ على ما تُرِك العمل به ولأن ما ذكرته من المناسبة يثبتُ فيها استواؤهما في المصلحة المقتضية للوجوب لأن الجامع في الأصل والفرع هو المقتضي للحكم فإذا تميَّزَ قدرًا أو نوعًا كان القائسُ به محيطًا بمأخذ الحكم بخلاف الجامع المبهم الذي لم يتميَّز عن غيرِه فإنّ صاحبه لم يُحِط علمًا بمأخذ الحكم ومناطِه ولأنك جمعتَ المعنى الأعم وإنما جمعت بالمعنى الأخصَّ وإذا كانت إحدى العلَّتين أشدَّ تقريبًا بين الأصل والفرع كانت أولى من التي لا يَشتدُّ تقريبُها ولا شكَّ أن المعنى الأخصّ يُقرِّب الفرعَ من الأصل أكثر وإذا كان مدار القياس على التشبيه والتمثيل فحيثُ ما كان القدرُ المشترك أخصَّ كانت المشابهة والمماثلةُ أتمَّ فتكون حقيقةُ القياس أقوى فتكون أولى ولآنّ ما ذكرتَه يَقتضى مصلحةَ في الوجوب وما ذكرته يَقتضي مفسدة واحترازُ الحكيم عن المفسدة أشدُّ من طلبِهِ المصلحة ولهذا قال ابن عباس لا أَعدِلُ بالسلامة شيئًا فإن النجاة رأس المال

وذلك أنه إذا لم يحصل الإيجاب بقي الأمرُ كما كان أمّا إيجابٌ يتضمن مفسدةً ففيه تغييرٌ للأمر بالإفساد والاحتراز عنه متعينٌ بما أمكن واعلم أن هذه المناسبات المطلقة من غير بحثٍ عن خصوص فقه المسائل لا تُحِقُّ حقًّا ولا تُبطِلُ باطلاً بل يمكن ردُّها كلها بما ذكرناه وبغيره من الطرق وهي من جنس إثبات التلازمات العامَّة والدورانات العامّة فإن الجمع بين الأصل والفرع بالقدر المشترك بينهما كائنًا ما كان من غيرِ دلالةٍ على صحة الإضافة إلى خصوصه كإثبات اللازم على تقدير وجود الملزوم بما يدلُّ على وجودِه مطلقًا من غير اختصاصٍ بذلك التقدير وكتعيين بعض الصفات مدارًا من غير مختصٍّ يُرجِّحه على سائر الصفات المدارية هذا كلُّه مبنيٌّ على محض التحكُّم والترجيح بلا مرجّح وعليه مبنى عامة كلام الجدليين المموِّهين وأما بقية كلامه في قوله ونَعنِي بالمناسبة مباشرةَ الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى آخره فكلامٌ قريبٌ وهو قولُ من يأخذ بالمناسبات المستنبطة وهم أكثر الأصوليين ولهذه المناسبة ثلاثة أركان أن يُباشرَ فعلاَ صالحًا لحصولِ مطلوب ونَعنِي بصلاحية الفعل أن يكون موجبًا له أو مغلِّبًا له بحيث يكون وجودُه معه أكثر أو أن يكونَ مدارًا له بحيث يُوجَد بوجودِه ويُعدَم بعدمه

وقولهم مباشرة الحكُمْ أو مباشرة الفعل جيّد في حقّ العباد وأما في حقّ الله فلا يَصحُّ هذا اللفظ لأنه لا يوصف بمباشرة الحكم وليست الأحكامُ إلاّ كلامَه أو مُوجَب كلامه وتلك لا يُباشِر ها وأيضًا فإن الأحكام ليست فعلاً بل قولاً من الله وعليه سؤالٌ آخر وهو أن المباشرة ليست هي المناسبة بل المباشرة المذكورة دليل على أنها إنما وقعت لأجل تحصيل المطلوب فهي دليلٌ على أنها علةٌ فاعلةٌ للمطلوب وأنّ المطلوب علةٌ غاييَّةٌ لها والاستدلال بالفعل على بعض صفاته أمرٌ واقعٌ كثيرًا يُبيِّنُ ذلك أن المناسبة مصدرُ ناسبَ الشيءُ الشيء يُناسِبُه إذا وافقَه ولاَءَمَه أو كان بينه وبينه ما يُوجِب نسبةَ أحدِهما إلى الآخر كنسبة الولد إلى والدِه والحكمِ إلى الوصف وهذه الخاصَّةُ التي تُوجِبُ انتسابَ أحدهما إلى الآخر لابُدَّ أن تكون ثابتةً لهما بأنفسهما أو بما يجري مَجرى أنفسهما بحيث يَحسُن في العقلِ إذا أدرك الأمرينِ أن يقول هذا منسوب إلى هذا ومضافٌ إليه ومصدرُ المفاعَلةِ ليس قائمًا بأحد المتفاعلين دون الآخر فإذّنْ المناسبةُ صفة إضافية بين الوصف والحكم وبينه وبين الفعل وبين الحكم والحكمة وبين الفعل والحكمة والمباشرة المذكورة هي الوصف المناسب أو محلُّ

الوصف المناسب فكيف يكون هو المناسبة وهذا كرجلٍ رأيناه يُعطِي فقيرًا فإن مباشرة الإعطاء الصالح لحصول المطلوب من إغناءِ الفقير يَدُلُّ على أنّ مباشرة الإعطاء إنما كان للفقر فالإعطاء يناسبُ الفقر وليس هو مناسبة الفقر وتصحيح كلامهم أن يكونوا عَنَوا بالمناسبة نفسَ الشيء المناسب تسميةَ الفاعلِ بالمصدر كالعدل والصوم وعُذْرهم عن إطلاق المباشرة والفعل أنهم أرادوا المخلوق ثم إذا ثبتَ الحكم فيه فهم المعنى ومنهم من قال يُعنَى بالمباشرة إرادة الفعل وإثباته مطلقًا قوله والوجوب طريق صالح لحصول ذلك المطلوب كلام صحيح قوله لو وُجِد يُوجَدُ ذلك المطلوب ولولاه لا يوجد مع ما فيه من رِكَّةِ التركيب ليس بجيّد لأنه لا يلزم من وجود الوجوب وجودُ المصلحةِ المتعلقةِ من تطهُّرِ المزكِّي إلا إذا فعلَ المكلَّفُ الواجبَ والمكلَّفُ قد يعصى ويترك الواجب كثيرًا فكيف يكون مجرَّد الإيجاب موجبًا لحصولِ المطلوب فإن المصلحة المتعلقة بالوجوب من تطهير المزكِّي وتمييز المال وتكفير السيئات ومواساة المحتاج وشكر النعمة وغير ذلك من الأمور تَحصُل كثيرًا بدون الوجوب إمّا بفعلِ الناس على وجه الندب أو بأسبابٍ أُخَر أو بفعلِ الله وإنما الصواب أن يقال لأن الوجوبَ مُغلِّبٌ لوجودِ تلك المصالح وعدمُ الوجوب مُقلِّلٌ لها لأنه إذا وجبَ انبعثَ الداعي إلى الفعل خوفَ العقاب على الترك فيكثُر الوجود وإذا لم يجبْ فَترتِ الهِممُ عن العمل إلاّ

نفوسًا تطلبُ الفضائل وهي قليلةٌ فيكون حصولُ المطلوب بتقدير الوجوب أكثر وذلك يُوجبُ اعتقادَ المناسبة فإن الحكيم كما يسلك طريقًا لا يحصل مطلوبه إلا بها فيسلك الطريق التي هي أقرب إلى حصولِ مطلوبه هذا على ما قرَّره وإلاّ فيمكن تقرير المناسبة على وجه الإيجاب بأن يقال الوجوبُ محصِّلٌ لهذه المصالح وهدم الوجوب نَحصُل معه مفاسد وهو ضررُ المحاويج والحرصُ على حبّ المال وغير ذلك ولا تندفع هذه المفاسد إلاّ بالوجوب فيكون في الوجوب تحصيلُ المصالح ودَرْءُ المفاسد ويمكن تقريرُه على وجهٍ آخر وهو أن المصالح الحاصلة بالوجوب لا يجوز حصولُها بدونه إذ لو جاز ذلك لكان فيه تعريضُ العباد للعقوبة من غير مصلحةٍ وحكمةٍ والله أرحمُ بعبادِه من الوالدة بولدها ولأن مصلحة الوجوب لو سَاوَتْ مصلحة عدم الوجوب لكان الوجوبُ زيادةً عبثًا من غير فائدة وحكمُ الله لا يجوز خُلوُّه عن فائدة قال في تقرير موجبية المناسبة لأن الظنّ بالإضافة دار مع المناسبة إلى آخره وقد تقدم هذا كلامٌ مستدركٌ من وجوهٍ أحدها أن ظنّ الإضافة إلى المطلوب إذا حَصَلَ في صور وجود المباشرة كان ذلك وحدَه دليلاً على صحة إثبات العلة بالمناسبة وإذا

لم يحصل فقد انتقض ركنُ الدوران فإن قلتَ نحن ندَّعي دورانَ كلِّ ظنٍّ مع المناسبة المعتبرة لدوران الظنّ معها في صورٍ كثيرةٍ وجودًا وعدمًا قلتُ فالظن الحاصل في تلك الصور لابدَّ أن يكون حصولُه ضروريًّا وإلاّ فلو منعَ الخصمُ حصولَ الظنِّ لم يُدفَع إلاّ بأنه مكابرٌ للحقائق وإذا كان لابدَّ من دعوى حصول الظن في بعض صور المناسبات ضرورةً أو في جميعها فإن وحصول ظن الإضافة إلى الوصف المناسب عند حصول المناسبة المعتبرة أمر ضروري لا يُمكن العاقلَ أن يدفعه عن نفسِه وذلك أتمُّ من الدوران الثاني أن عدم الدائر مع عدم المدار هنا غير بَيِّن وذلك لأن الدائر هو ظنُّ إضافة الفعل إلى الأمر المطلوب والمدار هو مباشرة الفعل المذكور فإذا عُدِمَ مباشرة الفعل الصالح فقد عُدِمَ محلُّ الدائر لأن ظنّ إضافة الفعل لا يكون إلاّ بعد وجود فعل الدوران المعروف أن يبقى محلَّ الدائر حتى يكون انتفاء الدائر عنه تبعًا للمدار دليلاً على أن المدار علة كما إذا قيل شرب الدواءَ فأطلَقَه ثم تَركَه فاحتبَسَ فإذا عُدِمَ الدواء عُدِم الإطلاقُ والبطنُ موجود الثالث أن المناسبة تارةً تُفيد اليقين وتارةً تُفيد الظنَّ كالدوران فإنّا إذا رأينا رجلاً قد أضجعَ رجلاً وبيده مُدْيَةٌ حادَّةٌ فقطعَ

بها رقبتَه فعُلِمَ قطعًا أن مباشرتَه للفعل الصالح للزُّهوقِ كان دليلاً على أنه قَصَدَ الزُّهوق يعني نحكم بأن ذلك عمدًا والعمديَّةُ من صفات القلب ونقتله بذلك وأمثلتُه كثيرةٌ فكان ينبغي أن يذكر القدر المشترك بين العلم والظن وهو الاعتقاد الرابع أن الذي توجبه المناسبةُ قطعًا أو ظاهرًا أو تستلزِمُه عِلِّيّةُ الأمر المناسب وإضافة الفعل إليه بمعنى أن الفعل قصده وهذه العليِّة والإضافة أمرٌ ثابت في نفسه سواء كان هناك من يظنُّ أو لم يكن من يظنُّ كما أنّ الأكل في نفسِه يستلزم قصد الآكلِ السبعَ أو التلذذ ونحو ذلك وكذلك سائر الأمور الدالة هي في أنفسها على صفاتٍ تُوجِب مدلولاتها قطعًا أو ظاهرًا وإنما ظنُّ الإنسان تابعٌ للدليل عليه في نفسه هذا مذهب المحققين بخلاف من اعتقدَ أن الظنون أمورٌ اتفاقية لا مُوجِب لها ولا تقديم فيها ولا تأخير وبَنى على ذلك أن لا حكمَ للهِ في الظنيات إلاّ ما أوجبته هذه الظنون فإنا نعلم بالاضطرار أن إخبار العدلِ على صفةٍ توجب لمن كان خاليًا عن العقائد اعتقادَ رجحانِ صدقه على كذبه وهو ظانٌ لذلك فإن العلم بأن الشيء راجحٌ على نفسه شيءٌ واعتقاد مُوجِب هذا الرجحان ومقتضاه شيء آخر وإذا كان كذلك فالواجب أن يُجعل المدار علةً للأثر القريب وهو العلّية والإضافة ثم يجعل ذلك موجبًا للظن الخامس أنه إنما أثبت بذلك أن المناسبة تُفيد ظنَّ الإضافة

وهذا الظنُّ حاصلٌ بنفس معرفة المناسبة قبلَ العلم بدوران الظنّ مع المناسبة فيكون ذكر الدوران ضائعًا بل ليس الظن الحاصل بهذا الدوران أقوى من المناسبة وقد يكون بالعكس والذي دلَّ عليه أكثر الناس أنّ إثباتَ العلّة بالمناسبة أقوى من إثباتها بالدوران حتى إذا تعارضت علتانِ من هذبن النوعين رجحت المناسبة على الدورانية فإذا كانت المناسبة أقوى كان إثباتها بالدوران يوجب نقصها عن الدوران موجبه في الجملة وعلى صحة دورانها من غير معارض وجَعْلُها بحيث تضعفُ عن الدوران غير جائز قال المصنف الجدلي ولئن قال الحكم في الأصل لا يُضاف إلى المشترك فإن الأصل راجح على الفرع وإلاّ لما ثبت الحكم فيه بالنافي أو بالقياس على النقض السالم عن معارضة كونه راجحًا والحكم ثابت فيه متحقق الرجحان والرجحانُ مانعٌ من الإضافة أو ملزوم لعدم الإضافة وإلاّ لكان الحكم في الأصل مضافًا إلى المشترك بينه وبين النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الرجحان مانعًا أو ملزومًا ولا يضاف بالاتفاق هذا اعتراض مجمل من جنس تقرير مناسبة الوصف لكنه اعتراضٌ جيّد يَقدح في المناسبات العامة وحاصله أن السائل يقول الموجِب للحكم في الأصل وهو المضروب مثلاً إما أن يكون هو

المشترك بينه وبين الفرع الذي هو المصوغ وهو ما يشتركان فيه من حصولِ المصلحة بالوجوب وإما أن يكون حق الموجب أو شرط الموجب ما يختص بالأصل فإن كان ما يختص به الأصل داخلاً في الموجب بأن يكون في الأصل من أسباب الوجوب المقتضية له ما ليس في الفرع امتنع إلحاق الفرع فيه لعدم تلك الخصيصة فيه وإن ادَّعى أن الموجب هو القدر المشترك فهذا باطلٌ لأن موجبية القدر المشترك يُعارضُه ما ينفي الوجوب وتخلف الحكم عنه في صورة النقض وهي ثياب البِذْلة وعبيد الخدمة مثلاً فإن المشترك موجود فيه مع تخلف الحكم ولا يلزم ثبوت الحكم في الأصل لأن ما اختصّ به من الرجحان جاز أن يكون مانعًا عن العمل بالنافي أو بالمعارض في صورة النقض وذلك المرجح ليس هو موجودًا في الفرع والتزامه مخالفة للأصل لدليل قويّ لا يلزم منها مخالفته لما هو أضعف منه فيرجع حاصلُه إلى المعارضة بأن النافي أو المعارض للوجوب في الأصل والفرع قائمٌ فيجب أن ينفي الوجوب مطلقًا ترك العمل بنفي الأصل فيجب أن يكون لمعنًى يختصّ الأصل فلا يجوز ترك العمل به في الفرع وإنما قلنا إنه لمعنى يختصّ الأصل لأن ترك العمل به على مخالفة الأصل وما ثبت على خلاف الأصل فكثرته أيضًا على خلاف الأصل فلا يلزم من التزام مخالفة الأصل في موضعٍ التزام مخالفته في بقية المواضع لما فيه من تكثير المحذورات وهذا معنى قوله لا

يضاف الحكم إلى المشترك لأن الأصل راجح على الفرع إذ لولا رجحانه عليه لما ثبت الحكم فيه قياسًا له على صورة النقض وهو عبيد الخدمة مثلاً وهو قياسٌ سالمٌ عن معارضة الرجحان الثابت فيه وعملاً بالنافي المانع من الوجوب وهو استصحاب براءة الذمّة والنافي للضرر الناشئ من الوجوب بتقدير الفعل أو الترك وهذا النافي والقياس مانعان من ثبوت الحكم بكل حال فلو لم يكن الرجحان معارضًا لهما لزمَ العمل بالنفي السالم عن معارض وطرده عند السائل الفرع فإنه لما لم يكن هذا الرجحانُ ثابتًا فيه عَمِلَ النافي للوجوب عملَه فالسائل يقول القياس على صورة النقض واستصحاب براءة الذمة والنفي للضرر يمنع الوجوب مطلقًا لكن إنما ترك العمل به عند معارضة ما في الأصل من المعنى الراجح وذلك المعنى مفقود في الفرع قال ولولا الرجحان لزم العمل بهذه الأدلة فيمتنع الوجوب والوجوب ثابت فعُلِمَ وجودُ الرجحان وإذا كان الرجحان ثابتًا في الأصل امتنعت الإضافة إلى القدر المشترك بين الأصل والفرع فيكون الرجحان مانعًا من الإضافة أو مستلزمًا لعدم الإضافة إذ لو لم يكن مانعًا لوجب إضافة الحكم إلى القدر المشترك بين الأصل وبين صورة النقض لاشتراكهما في المناسبة النافية للوجوب على هذا التقدير إذ ليس في الأصل رجحانٌ يقتضي الوجوب على تقدير عدم الرجحان فلو جازت الإضافة إلى المشترك بين الأصل وبين صورة النقض لزم انتفاءُ الحكم عن الأصل وهو باطلٌ بالاتفاق

وتقرير السائل لمناسبة المشترك بين الأصل وصورة النقض على وجهٍ جملي كتقرير المستدلِّ المشترك بين الأصل وبين الفرع على وجهٍ جمليّ فقد عارض السائل القياس المقتضي للوجوب بقياسٍ يقتضي المنع وبالنافي للوجوب وبنى الكلام على مقدمتين إحداهما أن الأصل راجحٍ على الفرع والثانية أنه إذا كان راجحًا على الغير فرعًا ونقضًا فإن ذلك يمنع الإضافة إلى المشترك إذ لولا ذلك لأضيف المشترك بينه وبين صورة النقض بالمناسبة السالمة عن معارضة كون الأصل راجحًا أو ملزومًا والإجماع بخلافه فإنهم أجمعوا على افتراقهما في الحكم والإضافة بلزومه لعدم افتراقه فإن قال المستدل لا أسلّم أن الإضافة إلى المشترك مستلزمة لعدم الافتراق فإنه إنما يضاف إلى المشترك بين الأصل والفرع أو يجوز أن تكون صورة النقض اختصَّت بمانعٍ قيل له هذا السؤال يَقدح في استدلالك فإنك إنما أصبتَّ الإضافة إلى المشترك بين الأصل والفرع بمثل ما أثبتَّ به الإضافة إلى الأصل وصورة النقض وجواز اختصاص صورة النقض بمانعٍ كجواز اختصاص الفرع بمانع قال الجدلي فنقول لا نسلِّم بأن الأصل إذا لم يكن راجحًا

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل