تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطلصفحات 367-406
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وطريقُه أن يقال لا يُضاف الحكم إلى المشترك إذ لو أُضيف لكان المشترك عِلَّة ولو كلن عِلَّة لثبتَ الحكمُ في كلِّ صورة من صور وجودِ العلة وأنه غير ثابت في البعض منها أو يقال المشترك متحقِّق في صورة من صور العدم أو العدم ثابت في صورة من صُوَرِ وجود المشترك ويلزم من هذا عدم الإضافة لما مرَّ آنفًا اعلم أن النقضَ المجهول بيانُ تخلُّه الحكم عن الوصف المُدَّعَى كونُه علةً في بعضُ الصُّور من غير تعيين وأقلُّ ذلك أن يتخلَّفَ في صورةٍ من صور وجود الوصفِ المشترك وإنما يمكن هذا إذا كانت مواضع التخلُّف ظاهرةً معلومةً أو كان الناقضُ يمكنه تعيين صورة من الصور إذا نُوْزِع في وجود النقض والتخلُّف وإلا فلو قيل له لا نُسَلِّم أنه غيرُ ثابت في شيء من الصور ولم يبيِّن عدمَ الثبوت لكان منقطعًا عن توجيه النقض بالدعوى التي لم يبيِّن

صحتها وأقلُّ ما فيه فسادُ السؤال لكن له أن يذمر أسْوِلَةً أُخرى واعلم أن هذا نقضٌ صحيح مثال ذلك إذا ادَّعى وجوبَ الزكاة في الحُلِيِّ قياسًا على المضروب بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من إيجاب الزكاة فإنه ينقض عليه بكلِّ صورة تخلَّفَ فيها الحكمُ عن الوصف المقتضي بحصول هذه المصلحة حصولاً ينشأ من الإيجاب وهي صُوَر كثيرة ثم قد يكون إيهام النقض لكثرة الصور وقد يكون لتيسيير التعيين وقد يكون لِعُسْر تمييز صورة النقض وقد يكون تغليطًا للخصم حتى لا يمكنه الفرق بين الفرع وبين الصورة المعيَّنَة وقد وجَّهَه المصنف بقوله لا يُضاف الحكم إلى المشترك بين الأصل وبين الفرع ولو أُضيفَ لكان المشترك علةً لأن الحكمَ إنما يُضاف إلى العلة أو علة العلة أو الوصفِ المتضمِّنِ ثبوتَ العلة وبالجملة فلابدَّ من حصول العلة في الإضافة مجرَّدَةً عن غير العلة ولو كان المشترك هو العلة لثبتَ الحكمُ في صورة من صور وجود هذه العلة لأن العلة يجبُ طَرْدُها في معلولاتها بحيث تقتضي الحكم في جميع مَحالِّ ثبوتها كما تقدَّم في بيان كون النقض يُفْسِد العلة والحكمُ غير ثابت في بعض صُوَر وجود المشترك فلا يكون علةً فلا تجوز الإضافة إليه فيبطل القياس

أو يقول المشترك متحقِّق في صورة من صور عدم الحكم فيلزم ثبوتُ المشترك مع تخلُّف الحكم عنه فلا يكون علةً أو يقول عدمُ الحكم متحقِّق في صورةٍ من صُور وجود المشترك فيلزم وجود المشترك مع عدم الحكم فلا يُضاف الحكم إلى ذلك المشترك لأن العلة التي يُضاف الحكم إليها يجب اقترانُ الحكمِ بها حيث وُجِدَت ومعنى هذا الكلام كله واحد وهو سؤالٌ صحيح مقبول عند عامَّة طوائف العلماء إلا شِرْذمة لم يقبلوه بناءً على أنَّ التخلُّف تخصيصُ العلة وتخصيصُ العلة جائز كتخصيص الأدلة والأوَّلون إما أن يمنعوا تخصيصَ العلة بكلِّ حال أو يجيزوه بشرط كون التخصيص لوجود مانع أو انتفاء شرط وعلى المستدلِّ أن يبيِّن اختصاصَ صورة النقض بوجود المانع أو عدم الشرط واعلم أن هذا النقض إذا توجَّه فالجوابُ المحقَّقُ عنه أن يقول المستدلُّ التخلُّف إنما كان في تلك المواضع لمانعٍ مختصٍّ ويُبَيِّن اختصاصَ كلِّ صورة من صور التخلُّف بما يمنع الحكم ويفرِّق بين صور النقض وصُوَر الأصْلِ والفَرْع فإذا ادَّعى المعترض بقاءَ شيءٍ غير صور النقضِ ولم يسلِّمْه المستدلُّ فعلى المعترض تعيينه كما

لو منعَه المستدلُّ وجودَ النقض ابتداءً أو يقال ذلك البعض الذي يدَّعي التخلُّف فيه إما أن تكون هذه الصورة الفلانية والصورة الفلانية فقط أو هي وشيئًا آخر أو شيئًا آخر أو شيئًا آخر فإن كان الأوَّل فالتخلُّف هناك لمانعٍ مختصٍّ وهو في الصورة الفلانية كذا وفي الصورة الفلانية كذا وهو كذا وكذا في جميع الصور وإذا ادَّعيتَ النقضَ في غير هذه الصُّوَر فلا أُسَلِّم تحقُّقَه والأصلُ عدمُه فعليك بيانه فإنَّ دَعْوَى ما لا يُعْلَم لا يُقْبَل إلاَّ ببيِّنَة واعلم أنَّك إذا علمتَ أن هذا هو الجواب المحقَّق عن النقض المجهول علمْتَ أَنَّه لا فائدة فيه لمن يريد التغليط وأنه بكلِّ حال تعيينُ صور النقض من المعترض أحسنُ في انتظام الكلام واقتسام المناظرة لكن فيه فوائد من الاختصار وغيره للمعترض فإن النقض المجهول تَعْظُم به المؤونة على المستدلِّ حيثُ يحتاج إلى بيان النقض وجواباتها فإن قلتَ فهذا جائز أم يجيب بجوابِ عاجزٍ أن يقول التخلُّفُ في جميع تلك المواضع لوجود مانع أو فوات شرط إذ لولا ذلك لوجبَ ثبوتُ الحكم بما ذكرته من القياس المطَّرِد السالم عن

معارضة الموانع قلتُ لوجوه أحدها أن قولَه التخلف لوجود مانع دعوى محضة تعارَضُ بمثلها بأن يُقال بل التخلُّف لعدم المقتضي وليس أحدُهما بأَوْلَى من الآخر وقوله إن ما ذكرتُه يدلُّ على قيام المقتضي إنما يصحُّ إذا عُلِمَ اطِّرادُه وسلامتُه عن النقض إلا لمعارض وإنما يَسْلن عن النقض إلا لمعارض إذا عُلِم أنَّ التخلُّفَ هنا لمعارضٍ فلو جاز أن يستدلَّ على ثبوت المانع هنا بوجودِ المقتضي ووجود المقتضي لا يتم إلا ببيان ثبوتِ المانعِ المختصّ لزم الدور نعم إن كان دليلُ العلة نصًّا أو إجماعًا فههنا قد تنقدح دعوى أن التخلُّف لمانع وإن لم يتبين وجوده كما لو احتجَّ بصيغةٍ عامةٍ قد خُصَّ منها صور فإن له أن يحتجَّ به فيما عدا صورة التخصيص وإن لم يتبيَّن اختصاصُ تلك الصور بالمخصِّصات وفيه نظر الثاني أن يقال له لو كان المقتضي قائمًا للزم أن يعارض المانع وتَعارُضُ الأدلةِ على خلاف الأصل الثالث أن التخلُّفَ دليلٌ على عدم العلة إلا أن يبيِّنَ أنه لمانع

فإنه لا أدَلَّ على عدم اقتضاءِ الشيء من تحقُّق هذا العدم فإنَّ تخلُّف الحكم عنه يُبَيِّن أنَّه ليس فيه ما يقتضي الحكم لوجبَ أن يقتضي الحكم وإلا لزم إهمال الحِكَمِ والمصالح وتعطيل المناسبات الصحيحة وذلك غير جائزٍ على الشارع نعم يجوزُ أنّ عدَم اقتضائه هنا لصادٍّ صدَّه ورادٍّ ردَّه ويجوزُ أن يكون لعدم كونه مقتضيًا فيقف الدليل حتى يَبِيْنَ الحالُ ولو قال قد قامَ الدليلُ على كونه مقتضيًا بالمناسبة فيجبُ إحالة التخلُّف على المانع لئلاَّ يلزم تعطيل ذلك الدليل في الفرع من غير مانع قيل هذا الدليلُ الذي ذكرتَه يعارضُ الأصل النافي لوجود المانع والأصل النافي لوجود التعارض ودليلان أرجحُ من دليل فإن قال المناسبة أقوى من الأصل النافي بدليل ترجُّحِها عليه عند المعارضة فإن الأصلَ عدمُ الحكمِ في صورةٍ ثبتَ الحكمُ فيها بالقياس وقد ترجَّحَ القياسُ على هذا الأصل عند الفقهاءِ القياسيين وإنما يرجِّحُ الأصلَ النافي أهلُ الظاهر وليس الكلامُ في هذه المسائل على هذا الأصل وإنما الكلامُ مع من يعتقدُ صحَّةَ بناءِ الأَحكامِ على القياس على أن هذا القولَ فاسدٌ للأدلَّة المعروفة في موضعها وأدناها أنَّ هذا القائل يرجِّحُ نوعًا ضعيفًا من القياس على سائر أنواعه وذلك أنه يقيس الحكم في الزمان المشتمل على السبب

الموجب له على الحكم في الزمان الخالي عن ذلك السبب وهو عينُ القياس مع ظهورِ الفارق ومعلوم أنَّ الجمعَ بين الصورتين بما يدلُّ على اشتراكهما في حِكْمة الحكم أحسنُ من الجمع بينهما بالزمان الشامل لهما قيل له القياسُ الراجحُ على الأصل النافي هو القياسُ السالمُ عن التخلُّف إلا لمانعٍ مختصٍّ وهذا القياس لم يُعْلَم أنه كذلك فيجب العملُ حينئذٍ بالأصل النافي لسلامتِه عن معارضة القياس الذي لم يثبت شرطُه ولاشك أنَّ المصنِّف يعلم جواز كون التخلُّف لمانعٍ أو لعدمٍ مقتضٍ فدعوى رجحان أحدهما دعوى باطلة إلا بعد التفصيل وذلك ينقض استدلالَ المستدلِّ وهو مطلوب المعترض الرابع أن هذا مُعَارَض بمثله بأن يقال العدمُ متحقِّقٌ في صورة من الصور فيجبُ تحقُّقُه في الفرع بالقياس عليه بالجامع المشترك فإذا نقض قياسَه بصُوَر الوجود قال التخلُّف هناك لمقتضٍ مختصٍّ مع ترجُّحِ هذا القياس باعتضاده بالأصل النافي للحكم وبالأصل النافي للتعارض فإنَّ وجودَ المقتضي في بعض الصور لا يعتمد قيامَ مانعٍ بخلاف وجود المانع فإن قلتَ هذا القياس مُسْتَدْرَك لأنه إن قاسَ بعدم المقتضي فهو يحتاجُ إلى عدمه عن الأصلِ والفرع وبيانُ عدمه عن الأصل كافٍ

وإن قاس بوجود المانع فهو يحتاج إلى بيان وجود المقتضي في الأصل ولم يُبَيِّن ذلك قلت هو يقيسُ بالمشترك سواءٌ كان وجود مانع أو عدم مقتض وذلك كافٍ له ولو صرَّحَ بعدم المقتضي لكان قياسًا صحيحًا كما لو صرَّح بوجودِ المانع وقوله بيانُ عدم المقتضي في الفرع كاف قلتُ قد لا يتم بيان عدم المقتضي إلاَّ بشهادة صورةٍ تُماثلُ الفَرْعَ لأنه يظهر حينئذٍ أنهما سواء في عدم المقتضي الخامس أن دلالة الانتقاض على فساد العلة أَوْكد من دلالة المناسبة على صحتها وذلك لأن العلة إنما تقتضي الحكم لنفسها وعينها وذلك لا يقبل التعدُّد فحيثما تخلَّفَ الحكمُ عنها عُلِمَ أنَّ هذه الماهية غير مُوْجِبة لهذا الحكم أم المناسبة فكثيرًا ما يُعْدَم الحكم مع وجودها لاختلاف أنواعها وأقدارها وتوقُّفها على شروطٍ مُتَمِّمات وزوال موانع الاستقراءُ يدلُّ على أن تأثير الانتقاض في الفساد أكثرُ من تأثير مجرَّدِ المناسبة في صحَّة العلَّة فوجب إلحاقُ هذا الفَرْد بالأعمِّ الأغلب قوله ثمَّ المعلَّل أوَّلاً يمنع الوجوب في كل صورة من صور

وجود العلة بإثبات العدم في البعض منها أو يقول لو لم يُضِف الحكم إلى المشترك لما كان المشترك علة فلا يتحقَّقُ الحكم في كلِّ صورة من صور العدم كونه علَّة وقد تحقَّق في البعض منها وكذلك نقول الحكم ثابتٌ في صورة من صُوَر وجود المشترك أو المشترك في كل صورة من صور الحكم فيُضافُ الحكم إلى المشترك اعلم أن هذه أجوبة غير مُسَلّمة لمن أحسنَ النظر فيها أما قوله إن المعلل يمنع الوجوب في كل صورة من صور وجود العلة بإثبات العدم في البعض منها فإما أن يعني به وجوبَ الزكاة مثلاً وما أظنه عَنَى ذلك وهذا لا يفيد بل هو عين تحقيق النقض وإما أن يعني به أنه لا يجب تحقُّق الحكم في كلِّ صورة من صور وجود العلة وهو ظَنِّي ما عناه فهذا كلامُ من لا يرى النقضَ مُفْسِدًا للعلة سواءٌ كان التخلُّف لمانعٍ أو لم يكن وليس هو قول أحدٍ من

المعتبرين وليس الاصطلاحُ عليه هو فاسدٌ قطعًا لأن الوصفَ إذا اقترن به الحكمُ في محلٍّ ولم يقترن به في محلٍّ آخرَ وكلُّ واحدٍ من المحلَّيْن مُسَاوٍ للآخر فيما يمنعُ الحكمَ عُلِمَ بالاضطرار أن ذلك الوصف ليس مقتضيًا لذلك الحكم لأن حقيقةَ الاقتضاء أنه يوجِبُ الحكمَ وأنَّ الحكمَ مقترنٌ به فإذا وجدْتَ ماهيَّةٍ خالية عن هذا الإيجاب وهذا الاقتران كان دَعْوى كونه مقتضيًا دَعْوى ما عُلِمَ فسادُه ضرورةً لأن الحكم المضاف إلى الحقيقة والماهيَّة لا يجوز خُلُوُّه عنها ولا تحقُّقُها بدونه ثم قوله لا أُسَلِّم أنه يجب وجود الحكم في كلِّ صورة من صور العلة بدليل أن الحكم معدوم في بعض الصور قيل له عدمُ الحكم في بعض الصور لا يدلُّ على عدم وجوب وجود الحكم في صورة العلة بل عدم الحكم يدلُّ على عدم كمال الأسباب المقتضية له إما عدم عِلَّته أو جزءٍ من أجزائها أو قَيْدٍ من قيودها أو وجود مانِعِه أو عدمِ بعضِ شروطه فإذا كان عدمُ الحكم يستلزم أحدَ هذه الأمور من غير تعيينٍ فلِمَ ادَّعَيْتَ أنه يستلزم عدمَ وجوبِ وجود الحكم في صورة العلة وأيضًًا فقوله يمنع الوجوبَ في كلِّ صورة من صور وجود العلة أو يقال له يمنع أن هذا هو الأصل في العلة وأن هذا مقتضي كون العِلَّة علةً أو يمنع لزوم وقوع هذه المقارنة

فإن قال امتنع لأن العلةَ من حيثُ هي علة توجبُ وجودَ الحكم قيل له هذا خروجٌ عن حدودِ العقل فإنه إذا لم تكن حقيقتُها مقتضيةً للحكم كان الحكم حاصلاً بغيرها وبدون وجودها وحينئذٍ فلا معنى لتسميتها عِلة ثم يقال له هذا يُفْسِد عليكَ القياس لأنَّا هب أنَّا سلَّمنا لك أن المشتركَ علة لكن لا نُسَلِّم الحكمَ في الفرع لأن العلَّة لا تقتضي الحكمَ ولا توجِبُه فلا يلزم من حصولها في الفرع حصول الحكمِ واعلم أنَّ اقتضاءَ العلةِ المعلولَ أمرٌ فطريّ ضروري والمنازعةُ فيه منازعةٌ في الضروريات كالمنازعة في اقتضاءِ الدليل المدلول وإن قال أُسَلِّم أنها توجبه وتقتضيه من حيث هي هي لكن لا يلزم ثبوته في جميع صور وجودها لجواز التخلُّف لمانعٍ مختصٍّ قيل له قِسْ وجود المانع المختص في صور النقض وقد تقدم الكلامُ على هذا آنفًا وإن قال أدَّعي وجوبَ وجودِ الحكم في كلِّ صورة من غير تفصيل

قيل له لابدَّ من التفصيل ثم إِنَّا سلَّمنا هذه الدعوى بَطَل القياس لأن الفَرْعَ صورةٌ من الصور فلا يجب وجودُ الحكم فيه وهذا يُبطل كلامَك وهذا من الإلزامات المسكتة وأما قوله لو لم يُضَفْ إلى المشترك لما كان المشترك علة قلنا مُسلَّم قوله فلا يتحقق الحكم في كلِّ صورة من صُوَر عدمِ كونه علة قلنا لا نُسَلِّم ولم يذكر على ذلك دليلاً لأنَّا إذا قلنا هذا الشيءُ ليس بعلةٍ لم يكن وجوده مقتضيًا لوجودِ الحكم ولا عدمهُ مقتضيًا لعدمه فالمشتركُ إذا لم يكن علةً كان عدمُه عدم ما ليس بعلةٍ وعدمُ ما ليس بعلةٍ لا دلالة له ألْبتة وكذلك أيضًا وإذا لم يكن علٍة كان مع وجودِه قد عُدِمَت عِلِّيته وعدم عِلِّيَّةِ الوصف لا يدل على وجود حكمٍ ولا على عدمِه نعم يدلُّ على أن الحكم إذا وُجِد لا يُضاف إليه وأنه إذا عُدِم لا يجبُ عَدَمُ الحكم وكون الحكم موجودًا في بعض صور عدم عِلِّيته ليس فيه دلالة على ثبوت عِلِّيته فإنَّ وجود الأحكام مع أوصافٍ عديمة العلية أكثر من وجودها مع أوصاف موجودة العِلِّية وما أظنُّ هذا يخفى على عاقلٍ وظنِّي أن الجدليَّ إنما قَصَد بهذا التغليط المحْضَ والترويج الصِّرْف فنسألُ اللهَ العافية ونعوذ بالله من تغليط الأذهانِ وتخبيطِ العقولِ والأَديان واستحسانِ قول الهذيان والدخولِ في دين الله

بالإفك والبهتان وأن يُقال ما لا يَنْفُقُ إلى على الساخرين المُجَّان وكذلك قوله الحكم ثابتٌ في صورة من صور وجود المشترك أو المشترك ثابت في كلِّ صورةٍ من صور الحكم فيُضافُ الحكمُ إلى المشترك دعوى باطل وكلام ليس له حاصل فيقال لا نُسَلَّم أنَّ ثبوتَ الحكم في بعض صور المشترك أو ثبوت المشترك في بعض صور الحكم يدلُّ على إضافة الحكمِ إلى المشترك ولم يذكر عليه دليلاً ومعلومٌ أنه خلاف إجماع العلماء فإن أحدًا من الناس لم يقل إن مجرَّدَ اقتران حكمٍ بوصفٍ يدلُّ على أنه علة نعم ذهبَ بعضُ الناس إلى أنَّ الوصفَ الموجودَ في جميع صور الحكم يكون علَّةً له وهم أصحاب الطَّرْد وأَبى ذلك أكثرُ المحقِّقين وأما اقترانُه به في صورة مع انتفائه عنه في صورة أخرى فلا يقول عاقل إنه دليلٌ على العلة وأدنى ما في هذا الكلام أن يُعَارضَ بمثله كما تقدم والمعارضة صحيحةٌ عند العقلاءِ بخلاف هذه الجهالة الجهلاء

فصلٌ وأما النقض المفرد فهو المجرَّد عن مساعدة الخصم كمال المديون والصبي والمجنون اعلم أنَّ المعترض متى نقضَ العلة بِحُكمٍ متفقٍ عليه بينهما فهو نقضٌ صحيح وإن نقضَها بحكمٍ ثابت على مذهب المستدلِّ خاصةً فهو أيضًا نقضٌ صحيح لأنه يقول للمستدل لو كانت عِلَّتُك صحيحةً لطَرَدْتَها في مواضع وجودها فإذا لم تلتزم أنت موجَبَها في صورة النقض فكيف ألتزمُ أَنا موجَبَها في الفرع وهذا ظاهر وإن نقضَها على مذهب نفسِه خاصةً فهذا النقضُ غير مسموعٍ عند جميع العلماء لأن المستدلَّ يقول على موجِب الحكم في صورة النقض في الفرع المتكلَّم فيه فيجب عليكَ القول بموجَبِها في الموضِعَيْن كما فعلتُه أنا ونقْضُه بحُكم انفردَ به كنقضه بالفرع نفسه قالوا ومتى منع المستدلّ الحكمَ في صورة النقض انقطع كلامُ المعترض وليس له أن يستدلّ على الحكم في صورة النقض لأنه لو فعَل ذلك لكان مبطلاً لدليل المستدلِّ بإثبات نقيضِ مذهبِه وهذا من نوع الغَصْب لأن الغاصبَ يدلُّ على نقيضِ مذهبِه في الفَرْع وهذا

الناقضُ يدل على نقيض مذهبه في صورة النقض وصورةُ النقضِ فرعٌ ثانٍ إذ لا فرقَ بينها وبين صورة النزاع هذا الذي أَطْبَق عليه المتقدِّمون والمتأخِّرون من أهل الأصول والفقه والجدل وهو ظاهرٌ لمن فهمَه وهولاء يريدون بـ النقض المفرد القسمَ الأوسط وهو النقض المجرد عن مساعدة المعترض بأن ينقض على المستدلِّ بصورٍ تخلُّفَ الحكمُ عنها في مذهبه خاصَّة فهو مجرَّدٌ عن مساعدةِ الحكم المعترض الناقض وعما هو علة للحكم عنده لأن ثبوتَ الحكم في صورة النقض لم يكن عنده للمشترك الذي ادَّعاه المشترك مثل أن يقيس من يرى الزكاةَ في الحلي فيقولُ تجبُ الزكاةُ فيها قياسًا على المضروب بما يشتركان فيه من تحصيل المصلحة الناشئة من الإيجاب فيقول له المعترِضُ ينتقضُ على أصلك بمالِ المَدِيْن ومال الصبي والمجنون قوله بأن يقول لو أُضيف إلى المشترك لثبتَ الحكم ثَمَّةَ ولم يثبت لما ذكرتم إلى آخر ما مرَّ من التوجيهات هذا ظاهر ومعناه أن يقول المعترض لو أُضيفَ الحكم إلى المشترك الحاصل في جميع الصور التي تنشأ منها هذه المصالح لثبتَ

في مال الصبيِّ والمجنون والمَدِيْن ولم يثبت لما ذكرتَه أيها المستدل فإنك ذكرتَ أنَّ الوجوبَ غيرُ ثابت فيها ويوجِّهه توجيه سائر النقوض المتقدِّمة ولا شكَّ أنَّ جنسَ هذا النقض نقضٌ صحيح كما تقدم قوله ثم الحكم في الفرع إما أن كان من لوازم العدم في النقض أو لم يكن فإن كان فنقول العدمُ ثمةَ لا يخلو إما أن كان ثابتًا أو لم يكن فإن كان ثابتًا فظاهر وإن كان فكذلك ضرورة تحقّق الوجوب هنا هذا هو الجوابُ عن النقض المفرد وهو على مذهب المستدلِّ خاصة وذلك أن صورةَ النقض إما أن يكون عدمُ الحكم فيها مستلزمًا للحكم في الفرع أو لا يكون فإن كان عدم الحكم فيها مستلزمًا للحكم في الفرع فيقول المستدل عدمُ الحكمِ في صورة النقض إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون فإن لم يكن ثابتًا امتنع النقض لأن العدم إذا لم يكن ثابتًا ثبتَ وجود الحكم فيها فلا يتأَتَّى النقضُ وإن كان العدمُ ثابتًا فيها فهو مستلزم للحكم في الفرع فلا يفيد النقض وهو معنى قوله فكذلك ضرورة تحقق الوجوب يعني أنه بتقدير ثبوت العدم يتحقَّق الوجوب في الفرع فدارَ الأمرُ بين عدم النقض وبين

ثبوا الحكم في الفرع وعلى التقدِيْرَيْن يتمّ الدليل واعلم أن هذا يَنْفُقُ على الطريقة الرديَّة التي تقدَّمت وهو الملازمة بين حكمين مختلِفَي المأْخذِ بأنه لا قائل بالفَرْق مثال ذلك تقيس الوجوب في الحليّ على الوجوب في المضروب فإذا نقضتَ عِلَّته بمال الصبيّ والمجنون والمَدِيْن فإن الوجوبَ في الحلي من لوازم عدمِ الوجوبِ على الصبيِّ والمجنون لأن الكوفيين يقولون يجب في الحليّ ولا يجب على غير المكلَّف والحجازيون يقولون يجب في مال الصبيّ والمجنون ولا يجب في الحلي فادعاءُ هولاءِ أن الحكم في الفرع وهو الوجوب في الحليّ من لوازم عدم الوجوب في مال غير المكلف وقد علمتَ أن هذا اللازم خلاف إجماع الأمة فلا يُسْمَعُ ألْبتة فيقول المستدلُّ على تقدير هذا التلازم العدمُ في صورة النقض إما أن يكون ثابتًا أو لم يكن فإن لم يكن ثابتًا كما هو مذهب المعترض لم يضح النقضُ به وإن كان ثابتًا لزم من ثبوته الوجوب في الفرع لعدم القائل بالفَرْق وإذا تحقَّقَ الوجوب في الفرع ثبتَ المدَّعى وكذلك لو قال في مسألة المثقَّل قَتْل عَمْد عدوان مَحْض

فأوجب القَوَد كالقتل بالجارح فنقَضْتَ عليه بقتل المسلم بالكافر وبقتل الحرِّ بالعبد بأن يقال لو أُضيف الحكم إلى المشترك لثبتَ وجود القَوَد في هاتين الصورتين وقد ذكرتَ أنه غير ثابت فنقول إن لم يكن الوجوب معدومًا هناك فلا نقض وإن كان معدومًا فقد لزم الوجوب في القتل بالمثقل لعدم القائل بالفرق واعلم أصلحك الله أن هذا الكلام من أفسد الفاسد من وجوه أحدُها أنه إنما يتمُّ بالملازمة بين مسألتين مختلفَتِي المأْخَذ لا مناسبة بينهما والملازمة بينهما خلاف إجماع المسلمين بل ولا خلاف إجماع العقلاء فإن الرجلَ لو قام عنده دليلٌ على صحة مذهب الحجازيين في القتل بالمثقَّل لحديث الجارية مثلاً فاستدلَّ بذلك على صحة مذهبهم في جميع مسائل الخلاف أو قال يلزم من موافقتي لهم في هذه المسألة موافقتهم في جميع مسائل الخلاف لعدم القائل بالفرق بين تلك المسائل لكان هذا خارجًا هم حدِّ العَقْل والدين هازئًا بآياتِ الله لاعبًا بدين الله الثاني أن يُقال قولك عدم الحكم في صورة النقض إما أن

يكون ثابتًا أَوْ لا تقسيمٌ لا حاصلَ له فإن العدمَ حاصل عندك وثابت ولولا ذلك لما صحَّ النقضُ والتقسيمُ الذي قد عُلِمَ انتفاءُ أحدِ قِسْميه أو ثبوتُه غير سديد وذلك لأنه إذا عُلِمَ ثبوتُ الشيءِ أو انتفاؤه كان الترديد بينه وبين قسميهِ تضييع كلام فإن الكلام على القسم المعلوم ثبوتُه أو انتفاؤه غيرُ حاصل وإن قال أردْتُ ثبوتَه أو انتفاءَه في نفس الأمر قيل له فلو كان العدمُ غير ثابتٍ في نفسِ الأمر لزمَ فساد مذهبك في نفس الأمر وأسُّ غرضٍ لك في أن تُصَحِّحَ مذهبًا بفسادِ آخر وإذا كان مذهبُك هذا لا يتم إلا بفساد الآخر في نفس الأمر لم يتم استدلالك لأنك مطالَبٌ بتصحيحِ الدليل مع سلامةِ بقيَّةِ المذهب ولو زعمتَ أنَّ هذا الدليل لا يتم إلا بفساد ذلك المذهب لكنْتَ قد عَجَزْتَ عن نصرةِ المذهب وانقطعتَ وقولُكَ غير مقبولٍ على صاحب المذهب لأنه قد لا يلتزم هذه الطريقة التي سلكها الثالث أن قولَه إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون ثابتًا إن أرادَ به في نفس الأمر فالمختار هو الثبوت لكن لا يلزم من ذلك عدمُ النقضِ لأن علته تنتقض بما يعتقدُه وإن لم يكن مطابقًا لنفس الأمر وذلك إذا قال مذهبي ينقضُ دليلي هذا أو دليلي هذا ينقض مذهبي كان إقرارًا منه بعدم اتِّباعه لهذا الدليل ومن أقرَّ بأن بيِّنَته غير

صادقة لم يلزم خصمَه ما شهدت به وكأنَّه هو يعتقدُ بطلان هذا القياس لعدم قوله بموجبه في صورة النقض والمعترضُ يعتقد بطلانَه لعدم قولِه به في الفرع والوجوبُ عنده في صورة النقض لمقتضٍ آخر غير هذا المشترك وإذا حصل الإجماعُ من الفريقين على انتقاض هذا القياس كان فاسدًا وإن لم يتفقا على عين صورةِ النقض فإذا سَلَّم المعترِضُ أنَّ العدمَ غير متحقِّق في نفسِ الأمر لم يلزم من ذلك سلامتُه عن النقض مع اعترافِ المستدلِّ بانتقاضِه واعترافِ المعترضِ بانتقاضِه في موضعٍ آخر وإن أراد به الثبوت عنده فالواقع هو عدمُ الثبوت عنده وحينئذٍ تكونُ علَّته مُنْتقضة بإقراره كما تقدَّم فجوابه حينئذٍ أن يقال هو ثابتٌ عندك وليس بثابتٍ في نفسِ الأمر وعلى التقدِيْرَيْن لا يصح استدلالك الرابع أن قولَه وإن لم يكن ثابتًا فالحكمُ متحقِّق في الفرع لو سلم صحة اللزوم لكن ذلك لا يمنع تَوَجُّه النقض فإنَّ غايةَ ذلك أن يكون الوجوبُ ثابتًا في الفرع مع أنّ القياسَ المذكور فاسدٌ لانتقاصه والكلامُ إنما كان في إبطال الدليل الذي استدلَّ به على الحكم لا في إبطالِ نفسِ الحكم فمتى بطَل الدليلُ انقطعَ المستدلُّ وإن كان الحكمُ ثابتًا وأيضًا فإن صحَّة الحكم لا يستلزم صحةَ الدليلِ المعيَّن بل صحة الدليل يستلزم صحة الحكم لأنَّ الدليلَ يجب طَرْدُه ولا يجب عكسُه فوجود ملزومٌ للحكم فإذا وُجِدَ الحكمُ وإذا عُدِمَ الحكمُ

عُدِمَ أما مجرَّد وجود الحكم فلا يدلُّ على وجود الدليل المعيَّن أصلاَ فإن قال أحدُ الأمرين لازم إما سلامة القياس على النقض أو الحكم في الفرع وعلى التقديرين فقد لزِمَ المدَّعَى قيل له لا يلزم المدَّعَى على واحد من التقديرين أما على الأولى فلأنَّ سلامَتَه من النقض كانت على وجهٍ تعتقدُ أنتَ أنه منتقض فلا ينفع سلامته في نفس الأمر عن بعض النقوض مع إقرارك أنه باطل ومع إقراري أيضًا لأن الخصم لو قال هذا دليلٌ في نفس الأمر وأنا لا أَعْتَقده دليلاً لم يجب قبولُ قولِه لأن أحدَ قوليه ينقضُ الآخر لأن كونه دليلاً يوجبُ الاتِّباع فإن تَرَكَ اتباعَ الدليل إلا لمعارض كان فاسقًا فلا يُقْبَل قولُه هو ثابت في نفس الأمر وقولُه لا أعتقدُهُ دليلاً ينفي قولَه هو دليل في نفس الأمر لأنه لو كان دليلاً لاعتقده دليلاً لأنَّ الأصلَ في المسألتين الصحة ثم يقولُ له المعترِض إن سَلِمَ في نفس الأمر عن هذا النقض فهو منقوض بالفرع وكلٌّ منَّا يعتقدُ انتقاضه في نفس الأمر بصورة فقد أجْمَعْنا على أنه ليس بدليل في نفس الأمر وأما الحكم في الفرع فقد علمت أنه ليس بلازم على التقدير الآخر وعلى تقدير لزومِهِ فإن الدليلَ باطل منقوض والمدَّعى هو ثبوتُ الحكم بذلك الدليل فإذا لم يلزم ثُبُوت الحكم بذلك الدليل على كلِّ واحد من التقديرين بطل المدَّعَى واعلم أن أصل هذا الفساد دعوى التلازم بين مسألتين لا مناسبة

بينهما فاحْذَرْه فإنه بابٌ عظيمٌ من باب أغاليط هولاء المغالطين وعليك بإحكام أصولِ الفقه فإنه يبيِّن لك طُرق استخراج الأحكام الشرعية من الأدلة السمعية قوله وإن لم يكن فالجواب عنه بالفرق أو بتغيير المدَّعى بأن يقال انتفاءُ المجموع المركَّب من العدم هنا والوجوب ثَمَّة فإنه ثابت لأن الوجوبَ ثمة لا يخلو إما إن كان ثابتًا أو لم يكن فإن لم يكن فظاهر وإن كان فكذلك ضرورة تحقق الوجوب هنا لما بيَّنَّا من الدليل السالم عن التخلُّف هذا هو الجواب على تقدير أن لا يكون حُكم الفرع من لوازم عدمِ الحكم في صورة النقض ولعمري جميع التقادير هكذا لما بيّنا من فسادِ الملازمة ومثال ذلك على ما قصَدَه الجَدَليُّ أن يكون قد قال قائل بقول إحدى الطائفتين في صورة النقض وبقولِ الأُخرى في الفرع مثل أحد قولَي الشافعي وأحمد وقول كثير من أهل العلم بوجوب الزكاةِ في الحليّ وبالوجوب في مالِ غيرِ المكلَّف فلو قال إن كان العدمُ ثابتًا في صورة النقض وهي مال الصبي والمجنون لزِمَ تحقُّق الوجوبِ في الفرع وهو الحليّ لعدم القائل بالعدم في الموضعَيْن أو

الوجوب في الموضِعَيْن قيل له قد قال بالوجوب فيهما طائفةٌ من أهل العلم في المذاهب المتبوعة في هذا الزمان وغيرها وأَبْيَنُ من هذا المثال أن يُقال في مسألة وجوب القَوَد على المكره يجبُ القَوَد قياسًا على المختار فقال ينتقضُ بقتل المسلم الذمِّيَّ وقتل الحرِّ العبدَ فلا يمكنه أن يقول إن كان عدمُ الوجوبِ متحقِّقًا في صورة النقض لزم الوجوب في الفرع لعدم القائل بالفرق لأنَّ الشافعيَّ في قولٍ له لا يوجب القَوَد في الجميع وزُفَر يوجب القَوَد في الجميع وإنما كان هذا أَبْيَن لأنَّ المسألة الأولى لم يَقُل فيها بالعدم في الموضِعَيْن أَحدٌ في المذاهب المتبوعة فيمكن أن يُقال إن كان العدم ثابتًا تحقَّق الوجوب في الفرع لعدم القائل بعدم الوجوب في الفرع بتقديرِ عَدَمِه في صورة النقض واعلم أنَّ هذا الكلام لكونه باطلاً يِسْتَثقِلُه القلبُ العاقِلُ لكن لابدَّ من بيان مقالةِ هولاء فيه وقد علمت أنه في الحقيقة وعند كل منصف فإن الواقع هو هذا القسم فيكون النقض نقضًا صحيحًا

قال فالجواب عنه بالفرق وهو جواب صحيح عند من يجوِّز تخصيصَ العلة لمانع أو مطلقًا وأما من لا يرى تخصيصها فإنه لا يسمع الفرق بل يعد المستدلَّ منقطعًا إذا توجَّه النقضُ عليه توجيهًا صحيحًا وعند هولاء إنما يُجابُ النقض بمنعِ ثبوتِ المشترك في صورة النقض أو بمَنْع تخلُّف الحكم فِيها فقط فأما إذا سَلَّمَ ثبوتَ المشترك وتخلَّف الحكمُ فقد اعترف بما يُفسد العلم والأول هو الذي أطبق عليه عامةُ متأخري الجدليين وهو أشبه بمباحثات الفقهاء وأقرب إلى طريقة السلف وصورةُ الفرقِ أن يبيِّن اختصاصَ صورة النقض بما يقتضي عدم الحكم فيها من وجود مانعٍ أو فوات شرطٍ مثل أن يقول الصبيُّ والمجنونُ إنما تخلَّف الوجوبُ عن مالهما لعدم التكليف الذي هو شرط وجوب العبادات كما نبَّه قوله صلى الله عليه وسلم رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة الحديث وأَنها أحد مباني الإسلام فلم تجب إلاَّ على

مكلَّف كالحج أو تكليفٌ من التكاليف فلم يتعلَّق بغير المكلَّفين كسائر التكاليف وحينئذٍ فإن نازعه المستدلُّ في صحَّةِ الفَرْق بأن يُبَيِّن أن عدم التكليف لا أثرَ له في سقوط الحقوق المالية بدليل وجوب العشور في أرضه والفطرة في ماله ووجوب النفقات والغرامات في ماله وأنَّ حقيقةَ التكليف يثبتُ في حقَّ الوليِّ فإنه هو المخاطَب بالأداء من مال الصبيِّ كما يُخاطَب بإخراج عُشْره وصدقة فطرِه كان هذا في الحقيقةِ من جنسِ الأَقْيِسَة المركَّبة لأن المعترِض لا يقول بعدم الموجب في صورة النقض والمستدلُّ إنما يبغي الوجوبَ لمأْخَذٍ يُثْبِت الوجوبَ في صورة النقض كما يَثْبُت في الفرع فقد اتفق الفريقان على عدم النقض بهذه الصور مع اختلافِ المأْخَذ والصواب في هذه النقوض أنها إن رجعت إلى قاعدةٍ أخرى بحيثُ تكون صورة النقض توجد مع الوصف المشترك ومنع عدمه كما ذكرناه من النقض بالصبيّ والمجنون فإنها لا تُقبل وإن قُبِلت سُمِعَ الجواب عنها بإبداء مانعٍ ولم ينازع في صحةِ المانع لأن ذلك خروج من مسألةٍ إلى مسألة وخروجٌ بالكلامِ عن المقصود إلى غيره ويمكنُ المستدل أن يجيبَ بالأجوبة التي تقدَّمت بأن يقول

القياسُ إنما اقتضى وجوبَ الزكاة المعهودةِ أو الشرعية أو الزكاة الواجبة في المضروب ونحو ذلك كما تقدَّمَ في النقض المركب من المذهبين ومالُ الصبيّ والمجنون عندي ليس بهذه المثابة أوْ لا أُسَلِّم أن مالَ الصبيّ والمجنون بهذه المثابة فيكون قد منع اقتضاء القياس الوجوبَ المعتبرَ في صُوَر وهذا منعٌ لتحقُّقِ الوصفِ المشترك في صورة النقض ببيان امتناع وجوده وهذا جوابٌ محقَّقٌ في نفس الأمر وإن كان النقضُ من تفاريع الجامع المشترك فله أن ينازع المستدلَّ فيه ويكونُ حاصلُ المنازعةِ إلزامَ المستدلِّ وبيانَ مناقضاته وأما قوله أو بتغيير المدَّعَى إلى آخره فمعناه أن يُقال المدَّعَى انتفاءُ المجموع المركَّب من عدم الوجوب في الفرع والوجوب في صورة النقض يقول أدَّعِي أنه لا يجتمع هذان الأَمران عدمُ الوجوبِ هنا والوجوبُ هناك فإنَّ انتفاء هذا الاجتماع ثابت وإذا كان هذا الاجتماع منتفيًا ثبتَ المدَّعَى لأنه إذا لم يثبت المجموع فإن ثبتَ عدمُ الوجوب في الفرع فقد ثبتَ المدَّعى وإن ثبتَ الوجوبُ في صُوَر النقض تَمَّ الدليلُ وسَلِم عن النقض وإنما قلنا إنَّ انتفاء هذا المجموع المركب ثابت لأن الوجوبَ في صورة النقض إن لم يكن ثابتًا فقد انتفى أحدُ الأمرين وهو الوجوبُ هناك فلا يكون المجموع ثابتًا وإن كان الوجوبُ ثابتًا هناك فقد

تحقَّق الوجوبُ في الفرع لأن الدليل حينئذٍ يكون قد سَلِمَ عن التخلُّف والدليلُ السالم عن النقض مما يجبُ العملُ به واعلم أرشدك الله أن هذا الكلام أَفْسَد مما قبله وأقبح من وجوه أحدُها أنَّ تغيير الدَّعوى لا يُسمع لأنه إذا ادَّعى الوجوبَ في الفرع بدليلٍ ذكره فقد لزمه تصحيحُ دعواه فإذا انتقل بعد ذلك إلى دعوى مغايرةٍ لها لم يُقْبل لأن الانتقال إلى دليلٍ آخرَ لا يُقْبَل فالانتقال إلى دعوى أُخرى أولى أن لا يقبل ولو قال هذه الدَّعوى الثانية تُصَحِّح الدعوى الأولى قيل له إن بَقِيت الدعوى الأُولى على حالها لَزِم النقض المذكور وإن غُيِّرت عن حالها فهو انتقال وتحرير ذلك أنَّ الدعوى الثانية إما أن تكون هي الأولى في المعنى أو لا تكون فإن كانت هي الأولى فقد وردَ عليها ما ورد على الأولى سواءٌ تبدَّلَ اللفظُ أو لم يتبدَّل وإن لم تكن هي الأولى فإما أن يدَّعي الأولى مع ادعاءِ الثانية فالنقضُ وارد على الدعوى الأولى فيفسد الدليل وإن كان لا يفسد على تقدير الثانية لأن المعترض إنما يقدح في الأولى وإن رجّعْتَ عن الأولى فقد حصل المقصود وانقطعْتَ عن إقامة الدّلالةِ عليها فلا ينفعك بعد هذا صحةُ دعوى أخرى الثاني أن يقال ما تَعْني بانتفاء المجموع المركَّب مِن العدم

هنا والوجوب هناك تعني به انتفاءَ كلٍّ منها أو انفراد المركب فقط العدم فإن عَنَيت انتفاء هنا وانتفاء الوجوب هنا فهذا أوَّل الدَّعَوى ورأْس المسألة وترجمة المذهب فما الدليل عليه وقد ذكرتَ دليلاً يقتضي انتفاءَ العدم وثبوتَ الوجوب فيهما جميعًا فكيف الجمع بين دعواك دليلِك الذي يُناقِضها ثم كلامك المذكور يقتضي ثبوتَ أحدِهما فكيف يجوز ادعاء انتفائهما وإن عَنَيْت انتفاء المركَّب ينتفي تارةً لانتفاء أحدِ مفردَيْه إما هذا وإما هذا وتارةً لانتفاء كلِّ واحدٍ من المفردَيْن وإن ادَّعيت انتفاءَه لا ينفي كلَّ واحدٍ من مفرديه فهي الدَّعَوى الأولى بعينها وإن عَنَى به انتفاء المركَّب لانتفاءِ أحدِ مفردّيْه وهو الذي دلَّ عليه كلامُه فيقال له إمَّا أن تدَّعي انتفاءَ أحدهما وثبوت الآخر أو انتفاءَ أحدهما مع قطعِ النظر عن الآخر وإِن عنيتَ انتفاءَ أحدهما وثبوت الآخر فقد ادَّعَيْت انتفاءَ العدمِ في الفرع وذلك بتحقُّق الوجوبِ فيه وثبوت الوجوب في صورة النقض وثبوت العدمِ في الفرع وأيُّما كان فقد ادَّعَيْت ما يخالف دعواك الأولى ويُناقضُ

مذهبَك لأنك ادَّعَيْتَ خلافَ مذهبِكَ إما في الفرع أو في النقض وهذا اعترافٌ بالعجز عن نصر المذهب وإن ادَّعيتَ انتفاءَ أحدهما مع قطع النظر عن الآخر قيل لك إذا انتفى أحدُهما فإما أن ينتفي الآخرُ معه أو لا ينتفي لأن الحالَ في نفسِ الأمر لا يخلو عن الأمرين فإن انتفى أحدُهما مع انتفاءِ الآخر فهو المدَّعَى أوَّل المسألة لأن انتفاء العدمِ في الفرع وانتفاء الوجوب في النقض هو الحُكْم بالوجوبِ في صورةِ النزاع وبالنفي في صورة النقض وإن انتفى أحدُهما مع ثبوتِ الآخر فهو نقيض المدَّعَى لأنه يستلزمُ حينئذٍ خلاف قوله إما الفرع أو في العلم فَعُلِمَ بهذا التقسيم الحاصِر أنه لا يمكنه أن يدَّعي إلا ما هو مذهبه من الوجوبِ في الفرع وعدمِ الوجوبِ في النقضِ فيلزمُه النقضُ المتقدِّم أو ما يخالف مذهبَه في أحدهما فيبطل كلامه ويتبيَّن أَن جوابه بتغير المدَّعى إنَّما غيَّر لفظه لا معناه وأَوْهَمَ بمجيئه بألفاظٍ مشتركةٍ أنه خلصَ من النقض المنقضّ على العبارة الأولى وهيهات تبدُّل الحقائق بتغيير العبارات الوجه الثالث أن يقال ادَّعيتَ انتفاء المجموع المركَّب من العدم هنا والوجوب ثَمَّةَ

فيقال لا نُسَلِّم انتفاءَ المجموع بل يجوز أن يكون المجموع المركَّب ثابتًا وهو العدم في الفرع والوجوبُ هناك وعلى هذا التقدير فالوجوب في الفرع باطل ولا يضر تَسْليم انتقاضِ الدليل على تقدير عدم الحكمِ في الفرع لأنه تسليمٌ لقياسٍ لا دلالة له وأنتَ لم تذكر دليلاً على ثبوتِ أحدِ الأمرَيْن كما سنُبَيِّنه الوجه الرابع أن يُقال لا نُسَلِّم انتفاءَ المركَّب وقوله الوجوب هناك لا يخلو إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون فإن لم يكن فظاهر قلنا لا نُسَلِّم ظهوْرَه وذلك لأنك ادَّعيتَ انتفاء المركَّب فإن عنيتَ انتفاءَ مفردَيْه أو انتفاءَ أحدهما مع كون الآخر في نفس الأمر منتفيًا فقد ادَّعيتَ الوجوبَ في الفرع وعدمَه في النقض أو الوجوبَ في الفرع وأيُّما كان فهو الدَّعوى الأولى بعينها فأين التغيير المدَّعَى ثم يلزمُك على معنى هذه الدعوى ما لزمَك على الأولى من النقض المنقض وإن عنيتَ به انتفاءَ أحدِ مفردَيْه وثبوتَ الآخر أو انتفاء أحدِهما مع أنَّ الآخر في نفس الأمر ثابت فإذا لم يكن الوجوبُ في النقض ثابتًا لزم أن يكون عدمُ الوجوبِ في الفرع متحقِّقًا ثابتًا وحينئذٍ كيف يكون قولُك ظاهرًا مع تضمُّنِه نقيضَ الحكم الذي ادَّعَيْتَه في

صورة النزاع وحاصله أنك بَيْن أمرين على هذا التقدير إما أن تبطلَ قولك بتغيير الدَّعوى وتقرَّ بأَنَّ هذه الدعوى هي الأولى فيبطل الكلام أو تعترفَ بخلاف قولك وترجع عن قولك ومتى بطل قولك على هذا التقدير بطل قولك لأنه لا يتم حتى يَبِيْن حصولُ الغرضِ على كلِّ واحدٍ من التقدِيْرَيْن فإنه إذا لم يتم على أَحدهما مع جواز أن يكون هو الواقع لم يعلم صحة المدَّعَى فأيُّ ظهورٍ في هذا الوجه الخامس قوله وإن كان الوجوبُ ثابتًا في صورة النقض فكذلك أي هو ظاهر لتحقُّق الوجوب في الفرع لسلامة الدليل عن التخلُّف قلنا إذا كان الوجوبُ ثابتًا في صورة النقض فقد بطل قولُكَ في صورة النقض لأنك تعتقدُ عدم الوجوب فيها فإذا لم يتم حكم الفرع إلا بتقدير الوجوب فيها لم يتم حكم الفرع إلا بالرجوع عن المذهب في صورة النقض وهذا من أكبر الانقطاع وهو مطلوب الخصم أن يبيِّن أنَّ صحَّةَ هذا القول لا يتم إلا بفساد قولٍ آخر وإن قال أنا ردَدْتُ الكلامَ فلا يضرني لزوم المحذور على أحدِ التقديْرَيْن بجواز أن يكون الواقع هو التقدير الآخر قيل له قد بيَّنا أن المحذورَ يلزمُك على كلِّ واحدٍ من التقديْرَيْن وأيضًا فقد بيَّنَّا أَنَّ غرضك لا يحصُل على واحدٍ من التقدِيْرَين لأن الغرضَ إنما يتمُّ بثبوتِ الوجوب في الفرع وعدمِه في الأصل وهذا

المجموعُ لا يحصُل على التقدير الأوَّل ولا على التقدير الثاني فبطل كلامُك من كلِّ وَجْه الوجه السادس أنتَ ادَّعيتَ انتفاءَ المركَّب من العدم هنا والوجوب هناك وذلك دعوى ثبوت أحدهما أو دعوى نفيهما وغرضُك لا يحصل إلاَّ بثبوتهما لأنه إن ثبتَ الوجوبُ هنا دون العدم هنا أو بالعكس لم يتمَّ الكلامُ وإذا كان الغرضُ إنما يحصل بثبوتهما فأَنت لم تذكر على ذلك دليلاً بل القياسُ الذي ذكرتَه ينفي ثبوتَ العدم والوجوب وتلخيصُه أن يُقال هب أنَّا سلَّمنا أن المركَّب من العدم هنا والوجوب هناك منتَفٍ ولكن إذا لم ينتفِ مع وجود أحد مفردَيْه وهو إما العدم هنا أو الوجوب هناك بطلت الدَّعْوى أو دليلها فلابدَّ من نفي مفردَيْه وأنتَ على أحدِ التقديْرَيْن نفيتَ أحدَ المفردَيْن وأثبتَّ الآخر وعلى التقدير الآخر عكستَ فحاصِلُه أنك لما نفيتَ الوجوبَ هناك فقد نفيتَ أحدَ الأمرين ولمَّا أثبتَّه هنا فقد أثبتَّ الآخر وإن شئت أن تقول سلَّمنا أنه لا يجتمع المركَّب من الأمرَيْن الوجه السابع أن يُعارَض بمثله بأن يُقال أحدُ الأمرين لازم

وهو إما العدم هنا أو الوجوب هناك وإنما كان يلزم تعيين المدَّعَى لأنه إن كان القياس صحيحًا لزم الوجوبُ هناك فينتقضُ القياس وإن كان فاسدًا لَزِم العدمُ في الفرع بالأصل النافي السالم عن معارضة القياس الصحيح ولا ريبَ أنَّ هذا الكلام أَوْجَه من كلامه الوجه الثامن أن يُقَابَل بمثلِه فيقال المدَّعَى انتفاءُ المجموع المركَّب من الوجوب في الفرع وعدم الوجوب في صورة النقض وإذا انتفى المجموع المركَّب من هذين بَطَلَ الدليلُ على ما لا يخفى لأنه إن انتفى المجموعُ لانتفاءِ الوجوب في الفرع فهو بُطلان المدَّعَى وإن انتفى لانتفاء عدمِ الوجوبِ في النقض فقد لزم الوجوب في النقض فيتوجَّه النقضُ فيبطل الدليلُ فيبطل المدَّعَى وإنما قلنا إن المجموعَ منتفٍ لأنه إن ثبتَ عدمُ الوجوب هناك فقد تَمَّ النقضُ وتوجَّه ويلزمُ من انتقاضِه بطلانُ الدليل فيبطل المدَّعَى وهو الوجوب في الفرع فينتفي أحدُ الأمرين فلا يكون المركَّب ثابتًا وإن لم يثبت عدم الوجوب هناك فقد انتفىَ الآخر وهو عدم الوجوب وهو أَحد الأمرين وإن شئتَ أن تقول الوجوبُ في الفرع وعدمُه في النقض لا يجتمعان إلى آخره وإن شئتَ الوجوبُ هنا وعدَمُه هناك متنافيان إلى آخره

وبكلِّ حال فيبطل المدَّعَى ومعلومٌ أن هذه المعارضة أحسنُ وأَجْوَد

فصل وإذا لم يكن المقيس عليه مُعَيَّنًا فعلى السائل أن يعيِّنَ صورةً هي راجحة على صورة النزاع ويقول المقيس عليه يساوى تلك الصورة لاستوائهما في الحكم أو يُعيِّن صورةً هي راجحة على صورة معينة لا يترجح المقيس عليها إذا لم يكن المقيسُ معينًا أيضًا اعلم أصلحك الله أن هذا هو القياس على أصلٍ مجهول معلوم الحكم وقد اختلفَ فيه أربابُ الجدل فالذي عليه أهلُ العراق أنَّه لا يصح وذهبَ أهل الجدل المُحْدَث من الخراسانيين إلى أنه يصح واحتجُّوا بأن مناطَ الحكمِ إنما هو العلة والركنُ الأعظم في القياس إثبات عِلِّيَّة المشترك وذلك ممكن بدون تعيين الأصل بأن يقال ثبتَ الحكم في صورةٍ من الصور لكذا فيجبُ ثبوتُهُ في صورة النزاع لوجود المشترك وتثبت عِلِّيَّة المشترك بالمناسبة والدوران من غير تعيين الأصل فتثبتُ إضافةُ الحكم إلى المشترك فيلزم في ثبوته في الفرع

ولهذا لو سمعنا أن السلطانَ أعطى رجلاً عالمًا غلب على ظنِّنا أنه إنما أعطاه لعلمه وإن لم نَعْرِف عَيْنَه وكذلك لو علمنا أنَّ رجلاً شرب دواءً فأعقبه إسهالاً غلبَ على ظنِّنا أن ذلك الدواء كان سبب الإسهال وإن لم نَعْلَم عينَ الرجل وحجَّةُ الأوَّلين أن شرط القياس ثبوت العلة في الأصل وثبوت كونها علة ولهذا يتوجَّه المنع على وجودها في الأصل وعلى عِلِّيتها فإذا لم يكن الأصلُ معلومًا امتنعَ العلمُ بحصول العِلَّة فيه لأن العلمَ بالصِّفَة فرعُ العلمِ بالموصوف وإذا لم يعلم بحصول العلة فيه لم يصح القياس لانتفاء شرطه وامتنع أيضًا العلم بعلِّية الوصف المدَّعَى كونه علةً لأن عِلِّيته لا تثبتُ إلا في محلٍّ فإذا لم يُعْلَم محلُّها لم يُعْلَم ثبوتها وذلك لأن عِلِّيَّته لو ثبتت بدون أصلٍ تقوم به لكانت مناسبةً مطلقةً ومصلحةً مرسلةً وذلك ليس من القياس الذي يُقاس فيه فرع على أصل فإنه حينئذٍ ليس هناك مقيس عليه لا معلومًا ولا مجهولاً وهذا القولُ هو الصواب وعليه أهلُ الفقه والأصول لكن لا يجبُ العلم بصفاتِ الأصل التي لا تأثير لها في الحكم وهذا هو فَصْل الخطاب في المساْلة فإن الأصل على ثلاثة أقسام أحدها أن لا يُعْلَم شيءٌ من صفاته فهنا يستحيل القياس عليه

قطعًا الثاني أن يُعْلَم بعيِنِه فهذا يصح القياس عليه قطعًا الثالث أن يُعْلَم بعضُ صفاتِه دون بعض مثل أن تُعْلَم صفاتُه العامة دون الخاصة أو يُعْلَم نوعُه ولا يُعْلَم شخصُه أو جِنْسُه ولا يُعْلَم نوعُه فهذا قسمان أحدهما أن يُعلم أن المجهول من صفاته لا تأثير له في الحكم مثل أن يُعلم أن رجلاً وقع على امرأته في رمضان فأمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالكفارة فليس علينا أن نعلم عينَه باسمِه ونسبِه وكونه طويلاً أو قصيرًا أو أسود أو أَبيض أو عربيًّا أو عجميًّا لِعِلْمنا بعدمِ تأثير هذه الصفات وعلينا أن نعلمَ هل هو مسلم أو كافر مقيمٌ أوَ مسافر لاختلاف الحكم باختلاف هذه الصفات والثاني أن يكون المجهولُ من صفاتِه يجوزُ أن يكون مؤثَّرًا ويجوز أن لا يكون مؤثَّرًا فهنا إن قام دليلٌ من نصّ أو إجماع على عِلَّيَّة الوصف المعلوم فلا شكَّ أنه حجة وإن لم يقم دليلٌ فهذا موضع الخلاف لأن الدوران والمناسبة قد انتظما الصفات المعلومة والمجهولة انتظامًا واحدًا فلا يمكن إضافة الحكم إلى ما عُلِمَ من صفاته دون ما جُهِل وقولهم إن إثبات عِلِّية المشترك ممكن بدون التعيين

قلنا أما التعيين الشخصِيُّ فليس مشروطًا بالاتفاق وإنما المشروط التعيينُ النوعيُّ وهو مالا تختلف آحادُه بالنسبة إلى ذلك الحكم إلا فى العدد فقط وما ذكروه من صور الاستشهاد فإنَّا قد علمنا أنَّ الشارب للدواء إنسانٌ والعلم بهذا كافي وقد علمنا أنَّ المُعْطَى رجلٌ عالم وذلك عِلْم بنوعِه حتى لو فرضنا أن ذلك الرجل يجوز أن يكون فيه صفات مؤثِّرَةٌ من النسب والفقر والصداقة غير العلم لم يُضف الإعطاء إلى العلم واعلم أصلحك الله أن التعيين فى باب القياس الشرعي لا يُرَاد به التعيين الشخصي أصلاً اللهم إِلا فى صورة نادرة وعند المحقِّقين ليس ذلك بقياس لأن حُكْمَ اللهِ لا يختلف باختلاف أشخاص الأفعال وأشخاص الفاعلين وأشخاص مواضع العلل ومواضع الحِكَم مثل هذا البُرّ وهذا الخمر وهذا الحلي وهذا الصبيّّ وإنما يُراد بالتعيين التعيين النوعيّ مثل أن يقيس على بعض صور وجوب الزكاة ولا شكَّ أنها تجب في الماشية وفي النقدين وفي الحرث ولكل واحدٍ من ذلك أحكامٌ تخصُّه إذا علمتَ فلا يُقْبل من القائس إلا قياسٌ على أصلٍ معلومِ النَّوع بأخصِّ صفاته أو على أصل قد عُلِمَت عِلِّية المشترك بينَه وبين الفرع بنصٍّ أو إِجماع أو تنبيه كما عليه أهل ُ العراق ولكن نحنُ نذكرُ ما اصطلحَ عليه هولاء الخراسانيون مثالُ ذلك أن يقول الزكاةُ واجبة فى صورةٍ من الصور فيجب فى محلِّ النزاع قياسًا عليه بجامع ما يشتركان فيه من تحصيل مصلحِة

الإيجاب وتثبت عِلِّية المشترك بالمناسبة والدوران كما تقدَّم واعلم أن هذا القياس فاسدٌ من وجوهٍ كثيرٍة قد تقدَّم ذكرُ بعضها فإنه مجهول الأصل مجهول الجامع والمناسبةُ أو الدوارنُ لا يدل على عِلِّية مشتركٍ لا يُدْرَى ما هو ولا يُدْرَى أين هو لأنه لابدَّ أن يقول المشترك مناسِِبٌ للحكم أو مدار الحكم معه وجودًا وعدمًا فيقال له لا نُسَلِّم أن المشترك مناسِبٌ أو أنه مدار لأن الحكم على الشيء فرعُ تصوُّرِه ونحن لا نعلم المشترك لأن العلم بالمشترك بين الشيئين فرعُ العلم بالمشتركين فمن لم يعلم المشتركين كيف يعلم المشترك بينهما أكثر ما عملنا أنَّ الوجوبَ موجودٌ فى بعض الصور وأنَّ له علةً موجودةً في تلك الصور أمََّا أن تلك العلة هي المشترك بينَه وبينَ محلَّ النِّزاع فهذا لم نَعْلَمْه فلابُدَّ أن يضطرَّ إلى بيانِ وصفٍ يعلم أنه مشترك مثل أن يقول كونه مالكًا لمال ونحو ذلك وحينئذٍ تنهالُ الأسولةُ القادحة على هذا المشترك لأن الوصفَ المذكور قد دار معه أوصافٌ كثيرة وهو منقوضٌ بصورٍ كثيرة ومناسبة غير صحيحة لانخرامها بما هو أقوى منها ولأن إضافة الحكم إليه موجبُ انتقاضِها وإن كان أكثر الأصوليين يقولون لا ينخرم بالمعارضة فمعناه

عندهم أن الحكم إذا ثبت أنَّ فيه مصلحة وجبَ إضافته إليها وإن كان فيه مفسدة لأن الشارع قد حَكَم به فلابد أن يكون جانبَُ المصلحة راجحًا عند الشارع أمَّا إذا كانت المفسدةُ ناشئة من إضافة الحكم إلى المشترك لا من مجرَّدِ الحكم أو كانت ناشئة من الحكم على تقديرِ إضافته إلى وصفٍ دون إضافته إلى وصفٍ أحسن فلا ريبَ أنَّ هذا يُفْسِد قياسَ القائس ويُبطل ما ادَّعاه من المناسبة وبالجملة فمن قَبِلَ هذا النوع من القياس ولم يُحاقّ صاحبه كما ذكرناه فلابدَّ من أن يكون عنده ما يتعرض به عليه لئلا يلزم نَفَاق الأقيسة الفاسدة قال المصنف الاعتراض عليه أنَّ يُعَيِّن السائل صورةً هي راجحة على صورة النزاع ويقولون المقيس عليه يساوي تلك الصورة لاستوائهما فى الحكم مثاله إذا قاسَ الوجوبَ فى الحليّ على صورة من صور الوجوب قيل له الوجوب ثابتٌ فى الماشية وهي راجحة على الحليّ لأنها مال نامٍ بنفسِه لا مؤونةَ على صاحبه ولا هو مُعَدٌّ للانتفاع بعيِنِه على وجهٍ تنقصُ الزكاةُ منفعتَه وهذه الصورة راجحة

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل