تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطلصفحات 459-468
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصلٌ في التنافي بين الحُكْمَيْن

صفحات 459-468

بعين ما استدلَّ به المستدلّ إذ لا إجماع هنا على العدم هناك ويمكن أيضًا أن يُسْتَدل على التنافي بما تقدمَّ من الترديد وهو أن يقول الوجوب على المَدِيْن مع عدمه في المركَّب لا يجتمعان لأنَّ المشترك بينهما لا يخلو إما أن يكون موجبًا أو لا يكون فإن كان موجبًا لزم الوجوب وإن لم يكن موجبًا لزم عدمُه بالنافي السالم وعلى التقدِيْرَيْن فقد لزم التنافي ويلزم من تنافيهما وعدم اجتماعهما عدم الوجوب على المَدِيْن لأن الوجوب في المركَّب إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون فإن لم يكن ثابتًا فإنه لا يجبُ هنا لما تقدم من أن الوجوب هنا والعدم هناك لا يجتمعان وإن كان ثابتًا فإنه لا يجب أيضًا هنا لأن الوجوبَ لا يشمل الصورتين بالاتفاق أمَّا عند العراقى ومن يوافقه في فصل المَدِيْن فلانتفاءِ الوجوبِ في فصل المَدِيْن وأما عند المخالف له إن كان شافعيًّا فلانتفاءِ الوجوبِ في فصل المركَّب وهذا معنى قوله والترديد لازم بعد اللزوم فيهما أي بعد أن يلزم الوجوب في إحداهما والعدم في الأُخرى أو بعد أن يلزم عدمُ الاجتماع في ما كان من صور الخلاف أو كان فيه روايتان عن مجتهد يلزم الترديد بأن يقول الوجوبُ هناك إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون فإن لم يكن ثابتًا لم يجب هنا لتنافي الوجوب هنا والعدم هناك وإن كان ثابتًا فإنه لا يجبُ هنا لأن الوجوب لا يجتمع في الصورتين بالاتفاق واعلم أنَّ الاتفاق قد يُعْنَى به اتفاق الأُمة وقد يُعنى اتفاق مذهب المُتناظِرَيْن أمَّا الأول فإن أمْكَن فهو أَجْوَد إلا أنه لا تكاد تتأتَّى الإحاطةُ به في مسألتين مُختلِفَتي المأْخذ وأما الثاني فهو الغالب على

كلام الجدليين ثم العدم في المدَّعَى والوجوبُ فيما ضُمَّ إليه إما أن يكون متفَقًا عليه في مذهب المستدلّ أو على الأول دون الثاني أو الثاني دون الأول أو مختلفًا فيهما وعلى التقديرات الأربع فإما أن يكون الوجوبُ في محلِّ النزاع والعدمُ في الصورة التي ضُمَّ إليها متفقًا عليه في مذهب المعترض أو مختلفًا في الأول فقط أو في الثاني فقط أو فيهما فهذه ستة عشر تقديرًا لكنها تتداخل إلى سبعة الأول أن يكون المذهبان متفِقَيْن على التناقض في الحكمين مثل أن يقول المالكي والشافعي أو الحنبلي بوجوب صدقة الكافر أو وجوب زكاة الغَنَم فيما زاد على عشرين ومائة مع عدمه في المغشوش الغالب عليه الغش أو مع عدم وجوب صدقة الفطر في عبيد التجارة أو عدم وجوب بنتَي لبونٍ وحِقَّة في ثلاثين ومائة من الإبل لا يجتمعان لأن المشترك إن كان مقتضيًا للوجوب ثبتَ الوجوبُ فيهما وإن لم يكن مقتضيًا انتفي الوجوب بالنافي السالم أو يقول تجبُ في مال الصبي والمجنون بالنص والأقْيِسة الموجبة ولا يجب في صورة العدم بالأدلة النافية فثبَتَ أنَّ الوجوبَ والعدم لا يجتمعان وعلى التقديرَيْن يلزم عدم اجتماعهما ويلزم من ذلك عدم الوجوب هنا لأن الوجوبَ في فِطْرة العبد الكافر وفي الغنم في ما زاد على العشرين ومائة من الإبل إما أن يكون ثابتًا أو لا يكون فإن لم يكن ثابتًا لزم عدمُ ثبوتِهِ في صدقةِ فطر عبيد التجارة وبنتي لبون وحقة في ثلاثين ومائة من الإبل لأن العدمَ هناك

والوجوبَ هنا لا يجتمعان وإن كان ثابتًا هناك لزم عدم الثبوت هنا لأن الوجوب لا يشمل الصور بالاتفاق وهذا مُعَارَض بمثله سواء مثل أن يقول الحنفيُّ عدمُ الوجوب هنا مع الوجوب هناك لا يجتمعان لأن المشترك إما موجب فيثبت الوجوب فيهما أو غير موجب فلا يثبت الوجوب بالنافي السالم وعلى التقديرَيْن فلا يجتمعان ويلزم من ذلك عدم الوجوب فيهما لأن الوجوب هناك إمَّا ثابت أو غير ثابت فإن كان ثابتًا لزم الوجوب لأن شمولَ العدم لهما يخالف الإجماع وإذا كان كذلك لم يتم سلَّم هولاء الجدليون ذلك الثاني أن يكون قد اخْتُلِف في الوجوب هنا في مذهب المستدل سواء اتفق على الحكمين في مذهب المعترض أو اختلف في الأوَّل أو الثَّاني مثل مال المَدِيْن عند الشافعيِّ وأحمد فإِنه مُخْتَلَفٌ عنهما فيه في الجملة أي في الأموال الظاهرة وكذلك الحُلي عندهما فإذا قال من يستدلُّ به لعدمِ الوجوبِ في الحلي الوجوبُ فيه مع العدمِ في مالِ الصبيِّ والمجنونِ لا يجتمعانِ وساقَ

الكلامَ إلى آخره وإذا لم يجتمعا لزم الوجوبُ في الحلي لأن الوجوبَ في مالِ الصبيِّ إن لم يكن ثابتًا لزم عدمُ الوجوبِ في الحليِّ لامتناع الوجوبِ هنا والعدمِ هناك وإن كان ثابتًا لزم عدمُ الوجوبِ في الحليِّ لأنَّ الوجوبَ لا يعمُّ الصورتين بالاتفاق فهذا لا يتمُّ لأن فيهما قولاً بالوجوب فيهما لكن كلام المعترضِ هُنا يتمُّ إن لم يكن قد اخْتُلِفَ عنده في العدم هناك الثالث أن يكون قد اخْتُلِفَ في الوجوب هنا أو العدم هناك كما لو استدلَّ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في مسألةِ صدقةِ الفطر عن العبد والكافر أو إيجاب الغنم بعدَ إيجاب الإبل بأنَّ عدمَ الوجوبِ هنا مع الوجوب في مال العبد عند أحمد أو مال المَدِيْن عند الشافعي أو يقال العدمُ في مالِ الصبيِّ مع الوجوب في الحليِّ لا يجتمعان بأنَّ الوجوبَ هنا والعدمَ في مال المَدِيْن لا يجتمعان فهذا يتم لأنه يمكنه أن يقول في آخره لأن الوجوب لا يشمل الصورتين بالاتفاق ولا يتمكَّنُ المعترضُ أن يقول لأن العدم لا يشمل الصورتين بالاتفاق لأنَّ الشافعيَّ والحنبليَّ يمنعُ ذلك وكذلك مسألةُ النصابِ إذا استدل الحنفيُّ في مسألة الدَّيْن وضَمَّ إليه النصاب المركَّب أمكنه أن يقول الوجوبُ لا يشمل الصورتين بالاتفاق لوجهين أحدهما أنَّ له في الدَّيْن قولاً بالعدم فعلى هذا يكون العدم شاملاً

الثاني أنَّ صاحِبَيْ أبي حنيفة لا يوجبان في المركَّب الذي تمَّ بالقيمة دون الوزن فيكون العدم شاملاً للصورتين في الجملة وإن كان الكلامُ مع حنبليٍّ لم يُسَلِّم عدمَ شمول الوجوب ولم يمكنه أن يدَّعِى عدمَ شمولِ العدم بالاتفاق لأن في المسألتين عنده خلافًا وأكثر استدلالِ هولاء من هذا النوع الرابع أن يكون قد اخْتُلِف في الموضعين في مذهبه سواء اتفقَ مذهبُ المستدلِّ فيهما أو اختلف في الأول أو الثاني منه كما لو استدلَّ الحنبليُّ على عدمِ الوجوبِ في الحليِّ بأن الوجوبَ فيه والعدم على المَدِيْن لا يجتمعان فهذا أيضًا لا يتمُّ لأنه لا أن يقول الوجوبُ ثَمَّ شاملٌ بالاتفاق ولا يمكن المعترض أن يقول العدمُ غير شامل الاتفاق الخامس أن يكون مذهبُه غير مختلف في العدمِ هنا والوجوبِ هناك لكن مذهب المعترض مُخْتَلِف في الوجوب هنا دون العدم هناك فهذا يتم أيضًا لأنه يمكنه أن يقول الوجوبُ ليس شاملاً لهما بالاتفاق هذا كما لو قال المالكيُّ أو الشافعيُّ أو الحنبليُّ في الخضروات وما دون النصاب من المُعَشَّرات الوجوبُ هنا والعدم في مال الصبي والمجنون مما لا يجتمعان فهذا يتم ما يقولونه لأنه يمكنه أن يقول

لأن الوجوب غيرُ شامل لهما بالاتفاق لأن صاحِبَيْ أبي حنيفةَ يقولان بشمول العدم السادس أن يكون مذهبه متفقًا هنا وهناك ومذهب المعترض مختلفًا في السالم فهذا معترض عليه بمثله لأنه إذا قال الوجوبُ ليس شاملاً بالاتفاق قال المعترض العدمُ غير شاملٍ بالاتفاق لأنه قد اخْتُلِفَ عنده في العدم ولم يختلف عنده في الوجوب هنا فلم يقل أحدٌ بالعدم في الموضعَيْن السابع أن يكون مذهبُه متفقًا فيهما ومذهبُ المعترض مُخْتَلِفًا فيهما فهذا لا يتم له ولا للمعترض لأنه قد قيل في مذهب المعترض بالوجوب فيهما والعدم فيهما ومثالُ هذا والذي قبله أن يقال وجوبُ الفِطْرة عن العبد الكافر مع عدم وجوب الزكاةِ على الفور لا يجتمعان فهذا لا يتم للمستدل لأنه لا يمكنه أن يقول والوجوب غير شامل لهما إجماعًا لأنَّ أبا يوسف يقول بالوجوب في الموضِعَيْن لكن يتم هذا للمعترض أو يقول الشافعي للحنبلي وجوبُ الزكاة في مالِ العبِد مع عدم وجوبها في الصغار منفردة عن الكبار لا يجتمعان فهذا لا يتم من الطرفين لأنه لا يمكن أن يقال الوجوبُ غير شامل فيهما بالإجماع

ولا شامل فيهما بالإجماع واعلم أصلحك الله أن كلّ ما ذكرناه من الأدِلَّة على فساد القول بالدليل المذكور في التنافي إذا كانت إحدى الصورتين إجماعيَّة فهو موجودٌ هنا ويزيد هذا النوع بوجوهٍ ظاهرةٍ في فساده أما الكلامُ في بطلان التنافي فقد تقدَّمَ نفيُ الكلامِ هنا في لزوم المدَّعى على تقدُّم التنافي والفساد في قوله وإن كان الوجوبُ يعني في الصورة المنافية لنقيض المدَّعَى غير ثابت لزم عدمُ الوجوبِ على المَدِيْن ضرورةَ تنافي الوجوب هنا والعدم ثمَّ وإن كان الوجوبُ ثابتًا هناك لزم عدمُ الوجوب هنا أيضًا لأن الوجوبَ لا يشمل الصورتين بالاتفاق لأن البعضَ يقول بالوجوبِ هنا والعدم هناك والبعضُ يقول بعكس ذلك فنقول الكلامُ عليه من وجوه أحدُها أن التنافي إما أن يُثبته بما يدلُّ على ثبوتِهِ ثبوتُ الوجوبِ مطلقًا أو على انتفائه مطلقًا أو بما يدلُّ على ثبوته على تقدير كون المشترك موجبًا وعلى انتفائه على تقدير كونه غير موجب فهذه الأدلة إما أن تكون صحيحةً أو فاسدة فإن كانت فاسدةً بطل النافي فبطل الدليل وإن كانت صحيحةً فهي دالَّة على الوجوب مطلقًا أو على انتفائه مطلقًا فإثباتُ الوجوبِ على تقديرٍ وعدمِهِ

على تقديرٍ آخر تحكُّم لم يدلَّ عليه الدليل فيكون باطلاً الثاني أن أقوى أدلة التنافي إثباتُه بتقدير إيجاب المشترك وبتقدير عدم إيجابه فنقول إن كان المشترك موجبًا لزم الوجوب فيهما معًا وإن لم يكن موجبًا لزم العدمُ فيهما معًا فقولهم بعد هذا إن كان الوجوبُ ثابتًا هناك لزم عدم الوجوب هنا إثباتُ الوجوبِ في أحدهما والعدم في الآخر وذلك خلاف مدلول الدليل المذكور فإن كان دليلُ التنافي صحيحًا بطلت المقدِّمة الثانية وإن كان باطلاً بطل الدليلُ كلُّه أو يقول إن كانت المقدِّمةُ ثابتةً صحيحة وهو لا ينازع اجتماع وجوبِ أحدهما وعدم الآخر بطل التنافي لأن التنافي امتناع الوجوبِ في صورة والعدم في أُخرى وإذا بطل التنافي بطلت المقدمة لأن صحتها مَبْنية عليه وإن لم تكن صحيحة بطل الاستدلال بها وبالجملة فإن كونهما متلازمين وجودًا وعدمًا وكون أحدها ملزومًا لعدمِ الآخر تناقضٌ ظاهر ولا يجوز تأليف الدليل من مقدِّمتين متناقِضَتَيْن متضادَّتين الثالث قوله الوجوبُ لا يشمل الصورتين قلنا لا نُسَلِّم ذلك وقولُه بالاتفاق دعوى غير صحيحة لأن العلماء لم يجمعوا أن المسألتين مستويتان في الوجوب أو في انتفائه

ولا أنَّ حكمَ إحداهما مستلزمٌ لحكمِ الأخرى وإنَّما تكلَّموا في كلِّ واحدٍ منهما على حِدَة فالقولُ بالوجوبِ في صورةٍ وعدمِهِ في أُخرى موافقة هولاءِ في مسألةٍ وموافقة هولاء في مسألةٍ أُخرى وهذا جائز بالاتفاق فإنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ من وافق بعض المجتهدين في الوجوب في مسألة لم يجب عليه أن يوافقه في الوجوب في كلِّ مسألة وكذلك لو وافقه في عدم الوجوب وهذا مما أجمع عليه المسلمون إجماعًا ضروريًّا فإنَّ أحدًا لم يخالف في أنَّ من وافقَ بعضَ العلماءِ في حكمِ حادثةٍ لا يجبُ أنْ يوافقه في حكم حادثةٍ أخرى ليست متعلَّقة بها وقولهم لا قائل بالفرق إنما يصحُّ إذا كان مأْخَذُ المسألتين واحدًا مع أن الأكثرين على جواز التفريق ما لم يصرحوا بالتسوية وهذا نكتة الدليل وهو أحد قولَي هولاء المموِّهِيْن وهو من القواعد التي حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ المسلمين على فسادها وسيأتي إن شاء الله كلامٌ في ذلك أطول من هذا الرابع قوله الوجوبُ لا يشمل الصورتين بالاتفاق يعني به أن شموله لهما ليس متفقًا عليه أو يعني به أن نفي شمولِهِ لهما متفق عليه وذلك أن الباء يجوز أن تكون متعلِّقة بالفعل ويجوز أن تكون متعلِّقة بنفي الفعل فإذا علَّقها بالفعل كان التقديرُ أن شموله لهما بالاتفاق ليس بواقع وإن علَّقها بالنفي كان التقديرُ أن انتفاء الشمول متفقٌ عليه فإن عنيتَ هذا المعنى الثاني فهو غير مُسَلَّم ولا

صحيح فإنَّ أهلَ الإجماع لم يتكلَّموا في الشمول بنفي ولا إثبات فلا يجوز إضافة نفيه أو إثباته إليهم وإن عَنَيْتَ الأول فهو مُسَلَّم لكن عدم الإجماع على الحكم ليس دليلاً على بطلانه وأنا أُسَلِّم أنهم لم يُجمعوا على شمول الوجوب للصورتين لكن الفرق بين عدم الإجماع على الشمول والإجماع على عدم الشمول ظاهر الخامس أنهم إن لم يُجْمِعوا على عدم شمول الوجوب للصورتين جاز إثباتُ الشمول وبطلت هذه المقدمة وإن أجمعوا على عدم شمول الوجوب للصورتين فقد أجمعوا على الوجوب في إحدى الصورتين أو العدم في الأُخرى وحينئذٍ لا يجوز أن يُقَدَّم دليل على الوجوب فيهما ولا على العدم فيهما لأنَّ ذلك يخالف الإجماع فيكون باطلاً السادس أنهم أجمعوا على الوجوب في إحداهما والعدم في الأُخرى والتنافي يمنعُ الوجوب في إحداهما والعدم في الأخرى فيكونُ التنافي باطلاً فإِن قيل التنافي دلَّ على أنَّ الوجوبَ هنا والعدمَ هناك لا يجتمعان والإجماع لم يُعَيِّن هذه الصورة قلنا دليلُ التنافي عامُّ مُطْلق ليس فيه تخصيص والإجماع المدَّعى عامُّ مطلق ليس فيه تخصيص فتخصيص التنافي من هذه الأدلّة يفتقر إلى دليلٍ على صحته ولا دليلَ على صحَّته إلا الذي يدلُّ على بطلانه فتعذَّرَ تصحيحُه إذًا والله أعلم وأحكم

فصول الكتاب · 14 فصل · 638 صفحة
جارٍ التحميل