فصلٌ في الإجماع المركَّب
اعلم أن الأدلة المركَّبة نوعان أحدهما في باب القياس وهو أن يقيس على أصلٍ مركَّب أو بوصفٍ مركب فأما القياس على أصلٍ مركب فأن يكون الحكم في الصورة واحدًا متفَقًا عليه ولكن عِلَّته مختلفة فهذا إن كان الأصلُ ثابتًا بنصٍّ أو بإجماع غيرِ مَبْنيٍّ على ذلك المأْخَذ فلا ريبَ أنه حُجَّة وأما إن كان الإجماع تبعًا لذلك المأْخَذ فهنا قد اختلفَ فيه الناسُ قديمًا وحديثًا فأكثر الفقهاء والمفتين لا يحتجون وأكثرُ الجدليِّين يحتجُّون به وقسَّمه بعضُهم ثلاثةَ أقسام قسم لا يُقْبَل في المناظرة ولا يجوز إسناد الفتوى والحكمِ إليه وقسم يُقْبَل في الفتوى والمناظرة وقسم يُقْبَل في المناظرة دون الفتوى فالأول ما لا يُشْعِر بفقه المسألة ولا بمأْخَذِها الحقيقي ولا بمناقضة الخصم مثال ذلك أن يُقال في مسألة اشتراط الوليّ أنثى فلا تُزَوِّج نفسَها
قياسًا على ابنة خمس عشرة فإنَّ أبا حنيفة يُسَلِّم أن ابنة خمس عشرة لا تزوِّج نفسَها لكن لأنها صغيرة عنده إذا لم تحتلم ولم تَحِضْ إلى ثمان عشرة وعند مخالفيه هي كبيرة وإنما لم تزوِّج نفسَها لوصف الأنوثة وكان القياسُ عليها عند هؤلاء أجود من القياس على الصغيرة فإنَّ وصْفَ الصِّغَر هناك مستقلٌّ بالحكمِ وضم الأنوثة إليه غير مؤثِّر فلذلك لم يقبَلْه عامةُ المركِّبيْن وهنا قَبِله بعضُهم فإذا قال الخصم العلةُ في الأصل أنها صغيرة وأنا أُعَدِّي ذلك إلى غير ذلك من الأحكام مثل منعها من التصرُّف والحَجْر عليها في المال قال له المستدلُّ ليست صغيرة بدليلٍ ذَكَرَه كحديث ابن عمر مثلاً ثم اختلف هولاء في جواب المستدلِّ من الفروع التي عدا إليها المعترض فمنهم من قال يكون منقطعًا بترك التزام تلك الفروع لأنه لو أقام الدليل على فسادها لكان انتقالاً من مسألة إلى مسألة وعلى هذا فتخِفُّ مؤنة المركِّب ومنهم من لم يجعله منقطعًا وهنا لم خَبْطٌ عظيم والإنصافُ أنَّ هذه الطريقة من أصلها
فاسدة كما ذهب إليه مُحَقِّقو الجدليِّين وعامَّة الفقهاء فإنَّ كَوْن ابنة خمسَ عشرة صغيرة أو كبيرة لا إشعار له بفِقْهِ مسألةِ الولاية في النكاح وإنما حاصِلُه يؤول إلى الاحتجاج بغلطِ الخصم في مسألةٍ إلى صوابِك أنتَ في مسألةٍ أخرى وقد حَكَوا الإجماعَ على أنه لا يصلح أن يكون مستندًا في الفتوى والحكم ومن هذا الباب أن يُقال حُليّ فلا تجب الزكاة فيه كحُليِّ الصَّبِيَّة أو يُقال مالُ غيرِ مكلَّف فلا تجبُ فيه كحُليِّ الصَّبِيَّة وأقبحُ من هذا أن يقيس على صورتين كما يقال قهقته في صلاته تُبطل وضوءه كما لو قَهْقَه ومسَّ ذكرَه أو مسَّ ذكرَه فانتقض وضوءُه كما لو قهقه ومسَّ فإنه في الأولى قاسَ على حادثةٍ واحدة اجتمع فيها الوصفان وهنا قاس على حادثتين القسم الثاني التركيب المقبول فُتيا وجدلاً وهو أن يشعر القياس بمأْخذ الحكم مثل قياس زكاة مال الصبي والمجنون على عُشْر أرضه وقياس أَخْذ الأطراف بالطرف على الأنفس بالنفس ونحو ذلك فإنَّ بين الأصلِ والفرْع هنا مناسبة ظاهرة لكنَّ المأخذَ عند أبي حنيفة أن العُشْر حق الأرض فهو كالخراج فإنَّ الأطراف
تجري مجرى الأموال فتعتبر فيها المماثلة فهنا للمستدلِّ أن يبيِّن صحَّةَ عِلَّته ويُعَدِّيها إلى فروعها ثم إن كان هذا إجماعًا من الأمة فهو حجة في نفسِ الأمر وإن كان إجماعًا بين المتناظرين فهو حجة إلزامية لا حجة حقيقية القسم الثالث المقبول جدلاً لا فتيا وهو ما أشعر بمناقضة المخالف ولم يُشْعِر بمأْخَذِ الحكم الذي يدَّعِيْه المستدلُّ وأما التركيبُ في الوصف فمثل أن يقول في مسألة لا يُقتل المسلم الذي من لا يقتل به إذا قتله بالمثقل لا يقتل به إذا قلته بالمحدَّد كالأب مع ابنه فإن هذا من جنس التركيب الأول فحاصله أن يُسْتَدل بعدم وجوبِ القصاص بالمثقَّل على عدم وجوبِه بالمحدَّد وعدم الوجوب بالمثقَّل عنده لعدمِ المكافأة وعند مُخالِفِه لوجودِ الشبهة ولو كان المصنِّف قَصَد التركيبَ في القياس لبسطنا القولَ فيه ولكنه إنما قصد الثاني وهو التركيب في الإجماع وهو تركيبُ قولِ العلماء في مسألتين بأن تقول طائفةٌ بالنفي فيهما أو بالإثبات فيهما أو بالنفي في إحداهما دون الأخرى بعكس ذلك في المسألتين فهل يجوزُ لمن بعدهم أن يقول بقول هولاء في مسألة وبقول الآخرين في مسألة
وقد تقدم القولُ في هذا عند النقض بالمركب وذكرنا ما حاصله أن أهل الإجماع إن صرَّحوا بالتسوية لم يَجُز التفريق بين المسألتين إلا عند طائفة قليلة وإن لم يصرَّح بالتسوية فالجمهور على جواز التفريق بين المسألتين بأن يوافقَ هولاء في مسألة وهولاء في مسألة وذهبَ طوائفُ من الفقهاء إلى أنَّ مأْخَذَ الحكمِ إذا كان واحدًا لم يَجُز التفريقُ وعلى هذا القول ينبني ما ذكره المصنِّف وهو قولٌ قويٌّ في الجملة في بعض المواضع وأما إن كان المأْخَذُ مختلفًا فجوازُ التفريقِ قولُ عوامِّ الخلائق ولم يعتمد على وجوب التسوية إلا شُرَيْذِمَةٌ من متأخِّري الجدلِيِّين وكلامُ المصنِّف وضُرَبائه من الجدليِّين يقتضي سلوكَ هذه الطريقة كما تقدَّم ذكره في القياس قولُه وهو اتفاق الطرفين بعلتين مختلفتين كما يقال لو جاز نكاح الثيِّب الصغيرة لما جاز نكاح البكر البالغة لأن الإجماع منعقدٌ على انتفاءِ هذا المجموع وهو الجواز هنا مع الجواز ثمة على أن الاختلاف في القولين اتفاقٌ على بطلان قولٍ ثالث كما في النظائر
يقول هو اتفاق الطائفتين طائفة المستدلِّ وطائفة المعترض على أمر من الأمور لكن بعلتين مختلفتين كالمثال الذي ضربه فإن أبا حنيفةَ ومن وافقَه كرواية عن أحمد يقول الموجب للإجبار هو الصغر فتُجْبَر الثيِّب الصغيرة ولا تُجْبَر البكر البالغة والحجازيون يقولون الموجب للإجبار هو البكارة فتُجْبَر البكر البالغة ولا تُجْبَر الثيِّب الصغيرة فالقائل قائلان قائل بالجواز هنا دون الجواز هناك وقائل بالعكس وهذه المسألة التي فَرَضها إجماعًا بين الخصمين فقط فهي تصلح للجدل الإلزامي وهو غير الجدل العلمي لأن من العلماء من يقول كلٌّ من الصغر والبكارة موجِبٌ للإجبار فتُجْبَر البكر البالغة للبكارة والثيِّب الصغيرة للصغر كرواية معروفة عن أحمد ومنهم من يقول الموجب للإجبار مجموعُ الوصفين فلا تُجبر إلا البكر الصغيرة خاصة فأما الثيِّب أو البكر البالغة فلا تُجْبَر وهذه رواية رابعة منصوصة عن أحمد وفي الجملة فهذا من أجود الإجماعات المركَّبة وهو حجة عند كثير من الفقهاء وفي الحقيقة ليس بإجماع لأنه لو نظر ناظرٌ فرأى صحةَ العِلَّتين حتى قال بالجواز فيهما أو صحَّة مجموع العِلَّتين حتى قال بالنفي فيهما لم يكن هذا محالاً
مثال ذلك اختلافهم في أن علة الرِّبا هي التماثل أو الطَّعْم فلو قال قائل المجموع هو العلة كما هو قول ابن المسيب وقول الشافعي ورواية عن أحمد لم يكن مُحالاً ولو فرضنا أنه قام دليل على صحة التعليل بكل واحد من تلك العلل لم يكن الأخذُ بذلك مخالفًا للإجماع فمن أنعم النظر على صِحَّة قول أكثر الفقهاء في أنه يجوز أن يُؤْخذ بقول هولاء في مسألة وبقول هولاء في مسألة فإنَّ العصمة مضمونة للأمة فيما اتَّفقوا عليه وهم اتفقوا في كلِّ صورة على قولين والمخالفُ لا يخرج عن ذَيْنِك القولين ولم يتفقوا على انحصار المأْخّذ في كذا أو كذا أو على التسوية بين الصورتين وفي الجملة المسألة في محلِّ النظر وللكلام فيها مجالٌ رَحْب وحُجَّةُ من يحتجّ بهذا الإجماع المركَّب فيقول الإجماعُ منعقد على انتفاء المجموع وهو الجواز في الموضِعَيْن لأن القائل قائلان قائل بالجواز هناك دون الجواز هناك وقائل بعكس ذلك فيهما فالجواز في الموضعين أو عدمه فيهما منتفٍ بالإجماع والاعتراضُ عليه أن يقال لا نُسَلِّم أن الإجماع منعقد على انتفاءِ المجموع لأن الإجماع اتفاق أهل الحلِّ والعقد على حكم حادثة وهم لم يتفقوا على امتناع اجتماع هذين ولا على لازمهما وليس ذلك من لوازم اجتماعهم وإنما هو اتفاق عارض لإجماعهم كما لو كان أحدُهم بالشام والآخر بالحجاز ونحو ذلك من الأوصاف
العديمة التأثير فإن أحدهم قال تُجْبَر الصغيرة ولا تُجْبَر الكبيرة والآخر قالَ تُجْبَر البكر ولا تُجْبَر الثيِّب فمن قال تُجْبَر الصغيرة أو البكر أو لا تُجْبَر إلا الصغيرة البكر لم يخرج عن أقواله إذا لم ينطقوا بإجماع الملازمة قوله على أن الاختلاف في القولين اتفاق على بطلان قول ثالث كما في النظائر اعلم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين كالتحريم والتحليل لم يَجُز إحداث قول وهو الإيجاب أو الندب وكذلك لو قالوا بالإيجاب والاستحباب لم يَجُز إحداث قول ثالث بالتحريم أو الكراهة أو استواء الطرفين هذا مذهب جميع العلماء من الفقهاء وغيرهم إلا شرذمة لا خَلاقَ لهم من المتكلِّمين زعموا أنه يجوز إحداثُ قولٍ ثالث لأنه لا إجماع مع الاختلاف ولا يخفى على من له أدنى بصر أنَّ هذا قولٌ فاسد لأنهم إذا أجمعوا على الأضحية فقال بعضُهم هي واجبة وقال بعضهم هي مستحبة أو الوتر فمن قال بعد ذلك الأُضحية أو الوتر مكروهٌ أو مباح مستوى الطرفين لزم من قوله أن تكون الأمة مُجْمِعين على الخطأ لأن هذا القولَ الثالثَ إن كان صوابًا وقد أفتى كلٌّ بخلافه فقد أفتى كلٌّ منهم بضدِّ الصواب وضدُّ الصواب خطأ فكلٌّ من الأمة قد أخطأ في عين هذه الواقعة ولا معنى لكونهم مُجْمِعين
على الخطأ إلا هذا فعُلِمَ أنه خطأ وأن كلاًّ منهم يعتقد أنه خطا فقد أجمعوا على أنه خطأ وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ به وكذلك إذا اختلفوا في الغِناء المُجَرَّد فقال قائل إنه محرم وقائل إنه مكروه وقائل إنه مباح فمن زعم أنه مُسْتحبّ أو واجب فقد خرق الإجماع وخرج عن قول الأمة لكن احتجاجه بهذا في هذه المسألة ليس بمستقيم لأن الاختلاف على قولين اتفاق على بطلان قولٍ ثالث وموافقةُ هولاء في بعض الصور وهولاءِ في بعض الصور ليس قولاً ثالثًا بل هو قولٌ مركَّبٌ من القولين فإنَّ من كان معه كيسان في أحدهما عَيْنٌ وفي الآخر وَرِقٌ فأخذ بعضَ هذا وبعضَ هذا فجعله في كيسٍ ثالثٍ لم يكن ما في ذلك الكيس خارجًا عما في الكيسين ولا مخالفًا لهما بخلاف ما لو وضع فيه فلوسًا قوله ولئن قال المجموع متحقِّق بالإجماع ضرورة تحقَّقَ الجوازُ عندكم في تلك الصورة وعندنا في هذه الصورة فنقول ما ذكرتم مُعارَض بمثله بخلاف ما ذكرنا لأنا نتمسَّكُ بقول كلِّ واحدٍ من المجتهدين على انتفاء المجموع حاصله أن المعترض يقول المجموع وهو الجواز في الموضعين متحقِّق بالإجماع لأنَّ الحجازيَّ يقول بالجواز في البِكْر البالغة والعراقيَّ يقولُ بالجواز في الثيب الصغيرة فقد أجمعوا على
الجواز في الموضعين ولاشكَّ أن هذا كلامٌ فاسد لأن تحقُّق الشيءِ المركِّب بالإجماع إنما معناه أن يتحقَّق كلُّ جزء من أجزائه بالإجماع فأما تحقُّق بعضِ أجزائه بقول مجتهد وتحقُّق الجزءِ الآخر بقول مجتهدٍ أخر فليس هذا تحقُّقًا له بالإجماع وإنما هو تحقُّقٌ لكلِّ جزءٍ من أجزائه عند العلماء وهذا لأن الذي قال بالجواز هنا ليس هو الذي قال بالجواز هناك وإنما هو آخر فصار هذا قائلاً بالجواز هنا وذاك قائلٌ بالجواز هناك فلم يُجْمعوا على الجواز لا هنا ولا هناك ولهذا عارَضَه المستدلُّ بمثل كلامه بأن يقال المجموعُ منتفٍ بالإجماع لأن الحجازيَّ يقول بالنفي في الثيب الصغيرة والعراقيَّ يقول بالنفي في البكر البالغة فصار هذا الإجماع وهو قول كلِّ طائفة في صُوَرٍ يصحُّ ادعاؤه في النفي والإثبات فلا يكون حجة لأنَّ الحجة لا تدلُّ على النقيضين بخلاف الإجماع المركَّب فإن كلاًّ من المجتهدين قال بالنفي في صورةٍ والإثبات في الأخرى فمن ادعى الإجماع على نفي المجموع أو ملازمة النفي الإثباتَ فقد أخذَ بقولِ كلِّ مجتهد لأن كلاًّ من المجتهدين يقول الإجماعُ غير ثابت والاعتراضُ عليه على طريقة أكثر الفقهاء أن يُقال قولُ كلِّ واحدٍ من المجتهدين إن المجموع غير ثابت معناه أنَّ هذين الجوازَيْن غير ثابِتَيْن وأما الثابت جواز إجبار البكر البالغة فقد
أجمعوا على نفي المجموع لاعتقادِ كلٍّ منهم ثبوتَ أحدِ الجوازَيْن وانتفاء الآخر فكان إجماعًا اتفاقيًّا فإذا وافقَ هولاءِ في ثبوت أحدهما والآخرين في ثبوت الآخر أو بالعكس فقد زالَ الأمر الاتفاقي ولم يخرج عن الإجماع الحقيقيِّ