التعليق على الإبانة الصغرى لابن بطة العكبريمقدمة المصنف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ وَلَكَ الْحَمْدُ

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْبَغَ عَلَيْنَا نِعَمَهُ، وَظَاهَرَ لَدَيْنَا مِنَنَهُ، وَجَعَلَ مِنْ أَجَلِّهَا قَدْراً، وَأَعْظَمِهَا خَطَراً: أَنْ هَدَانَا لِمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِقْرَارَ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَتْبَاعِ دِينِ الْحَقِّ، وَأَشْيَاعِ مِلَّةِ الصِّدْقِ.

حمد الله عز وجل على أن أنعم عليه بنعم كثيرة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
قال وأعلاها: أن هدانا لمعرفته والإقرار بربوبيته وجعلنا من اتباع دين الحق وأشياع ملة الصدق.

ورد في الأثر عن مجاهد فيما أظن أنه قال: "لا أدري أيهما أعظم نعمة علي، أن هداني للإسلام أم أن لم يجعلني حرورياً؟" يعني خارجياً.
فهؤلاء رحمهم الله يشاهدون الاعتقاد السليم أعظم منّة.
وصحابة النبي ﷺ لما كانوا يحفرون الخندق كانوا يرتجزون: "والله لولا الله ما اهتدينا، وما تصدقنا وما صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا".
فكانوا رضوان الله عليهم يعرفون عظم هذه النعمة، نعمة الاعتقاد السليم.
والله لولا الله ما اهتدينا.

والحمد لا يجري إلا على أصول أهل السنة في الاعتقاد، فإنك تحمد الله عز وجل أن هداك، أن وفقك، أما القدرية فلا يعتقدون هذا، بل يعتقدون أنهم يخلقون الهداية في أنفسهم، والله عز وجل لا شأن له في ذاك.

فَلَهُ الْحَمْدُ نَحْمَدُهُ وَنُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا اصْطَنَعَ عِنْدَنَا أَنْ هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَعَلَّمَنَاهُ، وَوَفَّقَنَا لِلسُّنَّةِ، وَأَلْهَمَنَاهَا وَعَلَّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْنَا كَبِيراً.

ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين أن الناس في باب الحمد منهم من لا يرى إلا النعم الحسية الظاهرة، وهذا مقام العامة.
وأما الخاصة فيعلمون نعم الله عز وجل الباطنة من التوفيق للقناعة ومن التوفيق فضل الله عز وجل بالاعتقاد السليم والسنة.

وكما يروى عن الحسن البصري وهذه من نكت فقه السلف في تعامل القلوب، يقول إني لأصاب المصيبة فأحمد الله عليها أربعاً:

  1. أحمد الله عليها أن لم تكن في ديني.
  2. وأحمد الله عليها أن لم تكن أعظم من ذلك.
  3. وأحمد الله عليها أن ألهمني الصبر عليها.
  4. وأحمد الله عليها أن جعلها كفارة لذنوبي.

فمن فقههم وتقواهم ومعرفتهم بالله عز وجل ما يراه المحروم مصيبة، ما يراه المحروم نقمة، يرونه من أعظم النعم.
كما ذكر ابن القيم في مدارج السالكين عن إحدى الصوفيات العابدات أنها جرحت قدمها فضحكت، فقيل: تضحكين؟ قالت: حلاوة الأجر أنساني ألم الجرح.
هذا حال يقع لأولئك الناس وإن كان اليوم يعني هذا جداً مستبعد.
الله المستعان.

وهذا الحمد عملاً بحديث "كل خطبة ليس فيها حمد وتشهد كاليد الجذماء"، والحديث في صحته بحث.

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ الْمُرْتَضَى، وَرَسُولِهِ الْمُصْطَفَى، أَرْسَلَهُ لِإِقَامَةِ حُجَّتِهِ، وَإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.

هذا يسمونه براعة استهلال، أثناء الحمد وأثناء الصلاة على النبي يشير إلى موضوع الكتاب.

يقول: نبيه المرتضى، واشتهر إطلاق لقب المرتضى على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا أصل لذلك عند السلف.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَالسُّنَنِ الزَّاكِيَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

وَنَسْتَوْفِقُ اللَّهَ لِصَوَابِ الْقَوْلِ، وَصَالِحِ الْعَمَلِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَ غَرَضَنَا فِيمَا نَتَكَلَّفُهُ مِنْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، وَإِيثَارَ رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ؛ لِيَكُونَ سَعْيُنَا عِنْدَهُ مَشْكُوراً، وَثَوَابُنَا لَدَيْهِ مَوْفُوراً.

يسأل الله عز وجل الإخلاص فيما يبين، ونحسب أن الإمام كان كذلك، فقد توفي قبل ما يزيد على ألف عام أو ما يقارب، ولا زال هذا الكتاب بين أيدينا.

يقول: "ونسأله أن يجعل غرضنا فيما نتكلفه"، التكلف من الكلفة.
ومن يدعو إلى مثل هذا الأمر يصيبه من الكلفة والتعب والمشقة، إذ أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر يصبر على ما أصابه.
يروى عن وهب بن منبه أنه قال: "ما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لنا صاحباً".
فمن دعا إلى الاعتقاد السليم يوطّن نفسه على أن يصيبه ما أصاب أفضل الخلق.
فالعلماء ورثة الأنبياء، ورثة الأنبياء في كل شيء، ورثة الأنبياء في المنزلة العلية، ورثة الأنبياء في إظهار الحق، ورثة الأنبياء في بذل الذات، في بذل النفس في ذات الله عز وجل.

والنبي ﷺ، خير من وطأ الثرى، يعذب أصحابه ويؤذى في ذات الله، ويُسب ويُشتم ويُنسب للجنون ويُنسب للشعر.
يموت عمه حاميه، وزوجه مؤنسته في عام واحد.
يذهب إلى الطائف فيسمع كلاماً غليظاً، ويسلطون عليه سفهاءهم يضربونه بالحجارة حتى تدمى قدماه.
كل ذلك في ذات الله.
ثم إنه ﷺ يهاجر هجرة مريرة من أحب الديار إلى قلبه إلى بلد يعاني فيها هناك المرض والوباء.
ثم إنه ﷺ بعد فرض الجهاد يُقتل عمه، أحب الناس إليه.
ثم إنه ﷺ يعاني من الحوادث الأخرى تلو الأخرى.
في يوم بئر معونة يقتل عدد كبير من القراء ما يربو على ثلاثين، يجلس يقنت شهراً على الذين قتلوهم غدراً.
ثم إنه ﷺ يُرمى في عرضه من قبل أهل النفاق.
ثم إنه ﷺ، أو في هذا السياق، أو في هذه الأثناء، تجتمع العرب كلها عليه وذلك في يوم الخندق، يوم الأحزاب.
ثم إنه ﷺ يعاني غدر اليهود.
ثم إنه ﷺ يُسم ويموت مسموماً، على أن الروايات في صحتها بحث.
ثم إنه ﷺ يقتل حبه زيد بن حارثة وشاعره وابن عمه في يوم واحد يوم مؤتة.
كل ذلك في ذات الله عز وجل.
كل ذلك سبق يوم الفتح الأعظم، فتح مكة.
"وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أشلاء شلو ممزع، هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت".

تأمل كيف أن أكرم الخلق على الله عز وجل يلاقي كل هذا في ذات الله عز وجل، يشد الحجر على بطنه من الجوع، ومن أشد ما وقع له أيضاً تلك المقاطعة من قريش لقومه ﷺ. فمن يسير على هذا الطريق فليوطن نفسه أن يصيبه شيء من ذلك، وعلى هذا سار أولياء الله عز وجل في كل عصر ومصر.
غير أن ما عند الله خير وأبقى، وللآخرة خير وأبقى.
هذا كله دنيا فانية، والآخرة خير وأبقى.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْضِرَنَا وَإِيَّاكَ تَوْفِيقاً يَفْتَحُ لَنَا وَلَكَ بِهِ أَبْوَابَ الصِّدْقِ، وَيُفِيضَ لَنَا [وَلَكَ] بِهِ الْعِصْمَةَ مِنْ هَفَوَاتِ الْخَطَا، وَفَلَتَاتِ الْآرَاءِ، إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.

دعاء فيه تألف للقارئ والمستمع، وفيه تفويض الأمر والتسليم لله عز وجل.
وقد علمنا الله عز وجل أن نفوض الأمر ونسلم له، فأمرنا أن نقرأ في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
عبادة الله التي هي عبادة الله لا تكون إلا بالاستعانة بالله عز وجل.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
فالهداية تأتي من الله عز وجل، يسألها الله عز وجل.

إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ مَا قَدْ عَمَّ النَّاسَ وَأَظْهَرُوهُ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَحْسَنُوهُ؛ مِنْ فَظَائِعِ الْأَهْوَاءِ، وَقَذائِعِ الْآرَاءِ، وَتَحْرِيفِ سُنَنِهِمْ، وَتَبْدِيلِ دِينِهِمْ؛ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ سَبَباً لِفُرْقَتِهِمْ، وَفَتَحَ بَابَ الْبَلِيَّةِ وَالْعَمَى عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ، وَتَشْتِيتِ أُلْفَتِهِمْ، وَتَفْرِيقِ جَمَاعَتِهِمْ، فَنَبَذُوا الْكِتَابَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاتَّخَذُوا الْجُهَّالَ وَالضُّلَّالَ أَرْبَاباً فِي أُمُورِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مِنْ رَبِّهِمْ.

يصف حال أهل عصره.
واستحضر أن هذا قبل ما يربو على ألف عام.
ولا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه.
يشير المؤلف إلى أن البدع والآراء هي سبب الفرقة. نعم، هذا أخبر به النبي ﷺ، قال: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً".
نبه إلى أن هناك اختلافاً كثيراً سيقع، ثم ماذا قال ﷺ؟ "فإياكم ومحدثات الأمور".
ربط السبب بالمسبب.
"فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
ذكر المرض، ذكر سبب المرض، ثم بعد ذلك بين العلاج: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".

النبي ﷺ نبه، لا يمكن للأمة أن تجتمع على البدعة والضلالة، لماذا؟ هذا أمر الله، ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ﴾.
إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة.
لا يمكن الاجتماع إلا بالسنة.
طيب، ألا يسوغ أن نترك أمر الاعتقاد للاجتماع؟ أما إنكم إن فعلتم ستفترقون.
وقد أخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب، قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
نسوا حظاً مما ذكروا به، يعني تركوه.
﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
جُوزوا بعكس المقصود.
اترك الأمر والنهي؟ استحقوا اللعنة لأجل ذلك، لماذا؟ لنجتمع.
الله عز وجل، يعني جعلوا اجتماعهم فوق أمر الله عز وجل، وأهم من أمر الله عز وجل.
والأشقياء من هذه الأمة يسيرون على سنن هؤلاء، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

اسْتَعْمَلُوا الْخُصُومَاتِ فِيمَا يَدَّعُونَ، وَقَطَعُوا الشَّهَادَاتِ عَلَيْهَا بِالظُّنُونِ، وَاحْتَجُّوا بِالْبُهْتَانِ فِيمَا يَنْتَحِلُونَ، وَقَلَّدُوا دِينَهُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ فِيمَا لَا بُرْهَانَ لَهُمْ بِهِ فِي الْكِتَابِ، وَلَا حُجَّةَ عِنْدَهُمْ فِيهِ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِيهِ.

وَايْمُ اللَّهِ لَكَثِيرٌ مِمَّا أَلْقَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَى أَفْوَاهِ إِخْوَانِهِمُ الْمُلْحِدِينَ مِنْ أَقَاوِيلِ الضُّلَّالِ، وَزُخْرُفِ الْمَقَالِ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْبِدَعِ بِالْقَوْلِ الْمُخْتَرَعِ: بِدَعٌ تَشْتَبِهُ عَلَى الْعُقُولِ، وَفِتَنٌ تَتَلَجْلَجُ فِي الصُّدُورِ، فَلَا يَقُومُ لِتَعَرُّضِهَا بَشَرٌ، وَلَا يَثْبُتُ لِتَلَجْلُجِهَا قَدَمٌ؛ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ، وَأَيَّدَهُ بِالتَّثَبُّتِ وَالْحِلْمِ.

روى أبو داود في سننه من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل أنه كان يفتتح مجلسه بهذه الكلمات، في كل مجلس وذكر كلامه، قالوا منه: يذكر أحوال الناس، بعد قال ويفتح القرآن حتى يقرأه المرأة والصبي والعبد، فيقول الرجل: قد قرأت القرآن، فما للناس لا يتبعونني؟ يعني حفظته، لم لا يتبعونني؟ ألا يتبعونني حتى أحدث لهم بدعة؟ حتى أحدث لهم حدثاً؟ يقول معاذ: فإياكم وما أحدثوه، فإنه الضلالة.

[وَقَدْ] جَمَعْتُ فِي هَذَا الْكِتَابِ طَرَفاً مِمَّا سَمِعْنَاهُ، وَجُمَلاً مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا نَقَلُوهُ لَنَا عَنْ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷺ مِمَّا حَضَّ عَلَيْهِ مِنْ أَتْبَعِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ، وَسُلُوكِ طَرِيقَتِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ، وَالِاقْتِفَاءِ لِأَثَرِهِ.

وَقَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ: التَّحْذِيرَ مِنَ الشُّذُوذِ، وَالتَّخْوِيفَ مِنَ النُّدُودِ.
وَمَا أَمَرَ اللَّهُ عز وجل بِهِ وَرَسُولُهُ ﷺ مِنْ: لُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَمُبَايَنَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالتَّفَرُّقِ وَالشَّنَاعَةِ.
وَمَا يَلْزَمُ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْ: الْمُجَانَبَةِ، وَالْمُبَايَنَةِ لِمَنْ خَالَفَ عَقْدَهُمْ، وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ، وَقَدَحَ فِي دِينِهِمْ، وَقَصَدَ لِتَفْرِيقِ جَمَاعَتِهِمْ.

ثُمَّ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: شَرْحُ السُّنَّةِ مِنْ إِجْمَاعِ الْأئُمَّةِ، وَاتِّفَاقِ الْأَمَّةِ، وَتَطَابُقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.

فَجَمَعْتُ مِنْ ذَلِكَ: مَا لَا يَسَعُ الْمُسْلِمِينَ جَهْلُهُ، وَلَا يُعْذَرُ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ مِنْ أَضَاعَهُ.

يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لا عذر لمن ركب الضلالة، فقد بُيِّن في السنن".
ونفي العذر، ويقول ابن أبي زيد القيرواني في مقدمته على رسالته المعروفة: "ومن قول أهل السنة أنه لا يعذر أحد بضلالة ركبها"، وذكر ذلك ثم مثّل بالخوارج.
وهذا "لا يعذر أحد" أي من أداه اجتهاده إلى بدعة، ذكر الاجتهاد.
وهذا يُحمل على أنه إذا خالف اعتقاد أهل السنة والجماعة في الأصول الكلية فإنه يسمى مبتدعاً، فلا يعذر في الإثم في الدنيا، وأما الأمر عند الله عز وجل فقد يكون في ذلك معذوراً.

وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ وَطَعَنَ عَلَيْهِ مِمَّنْ دحضتْ حُجَّتُهُ لَمَّا اسْتَهْزَأَ بِالدِّينِ، وَزَلَّتْ قَدَمُهُ لَمَّا قَلَّتْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَمِيَ عَنْ رُشْدِهِ حِينَ خَالَفَ سُنَّةَ الْمُصْطَفَى وَالرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ.

[وَ] صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ الطَّيِّبِينَ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْمُنْتَخَبِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَتَابِعِي التَّابِعِينَ؛ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ.

ثُمَّ إِنِّي أَثْبَتُّ فِي كِتَابِي هَذَا - يَا أَخِي وَفَّقَكَ اللَّهُ لِقَبُولِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ -: مَتُوناً تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا طَلَباً لِلِاخْتِصَارِ، وَعدُولاً عَنِ الْإِطَالَةِ وَالْإِكْثَارِ؛ لِيَسْهُلَ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ، وَلَا يَمَلَّ مَنِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ وَوَعَاهُ.

الأسانيد ذكرها في الإبانة الكبرى. ومع هذا، فهذا الكتاب تقريباً شبه مهجور.

وَاَللَّهُ وَلِيُّ تَوْفِيقِنَا، وَالْآخِذُ بِأَيْدِينَا، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

فصول الكتاب · 6 فصل
جارٍ التحميل