القسم الثاني: أصول السنة واعتقاد السلف
قال الشيخ: "قَدْ أَتَيْنَا يَا أَخِي - رَحِمَكَ اللَّهُ، وَنَفَعَنَا وَإِيَّاكَ بِالْعِلْمِ، وَاسْتَعْمَلَنَا بِهِ، وَوَفَّقَنَا لِلسُّنَّةِ، وَأَمَاتَنَا عَلَيْهَا - بِجُمَلٍ مِنْ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَأَخْبَارِ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي التَّحْذِيرِ وَالتَّخْوِيفِ، وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ، وَمَا أَمَرُوا بِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَالتَّحَفُّظِ لَهَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَمُجَانَبَةِ مَنْ خَالَفَهَا، وَمُبَايَنَةِ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا بِمَا أَتجَه لَنَا رَسْمُهُ، وَسَهَّلَ عَلَيْنَا ذِكْرَهُ مِمَّا فِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ وَغِنًى لِمَنْ أَحَبَّ اللَّهُ عز وجل خَيْرَهُ، وَكَانَ بِقَلْبِهِ أَدْنَى حَيَاةٍ."
هذه عبارات بليغة جداً.
"وَنَحْنُ الْآنَ ذَاكِرُونَ شَرْحَ السُّنَّةِ، وَوَصفِهَا، وَمَا هِيَ فِي نَفْسِهَا، وَمَا الَّذِي إِذَا تَمَسَّكَ بِهِ الْعَبْدُ وَدَانَ اللَّهَ بِهِ؛ سُمِّيَ بِهَا، وَاسْتَحَقَّ الدُّخُولَ فِي جُمْلَةِ أَهْلِهَا.
وَمَا إِنْ خَالَفَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ؛ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَا عِبْنَاهُ، وَذَكَرْنَاهُ، وَحَذَّرْنَا مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّيْغِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَى شَرْحِنَا لَهُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَسَائِرُ الْأُمَّةِ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا."
٢٤٠ - ذِكْرُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ ﷺ عَلَى عِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ، وَأَنْزَلَ فِيهِ كِتَابَهُ؛ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ﷺ. وَمَعْنَاهُ: التَّصْدِيقُ بِمَا قَالَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَافْتَرَضَهُ، وَنَهَى عَنْهُ، مِنْ كُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِهِ، وَنَزَلَتْ فِيهِ الْكُتُبُ.
وَيَدُلُّكَ أَرْسَلَ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٥].
٢٤١ - وَالتَّصْدِيقُ بِذَلِكَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْجِنَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
٢٤٢ - يَزِيدُهُ: كَثْرَةُ الْعَمَلِ، وَالْقَوْلُ بِالْإِحْسَانِ، وَيَنْقُصُهُ: الْعِصْيَانُ.
وَلَهُ أَوْلٌ وَبَدْءٌ، ثُمَّ ارْتِقَاءٌ وَزِيَادَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ.قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾.
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ۱۷۳].
وقال عز وجل: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
وقال تبارك وتعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
الإيمان تصديق واطمئنان، وهذا اعتقاد أهل السنة في مسائل الإيمان، وكنا ذكرناه مراراً وتكراراً، أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
ويكفيك من ذلك حديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان." والإيمان في القلب يتفاضل.
المرجئة خالفوا، فقالوا وهم فرق:
- منهم مرجئة الجهمية، ونصر هذا القول الأشعري، قال: الإيمان هو التصديق.
والأشعري سماه المعرفة. - مرجئة الفقهاء قالوا: الإيمان قول واعتقاد.
ما الفرق بين الفريقين؟ مرجئة الفقهاء يقولون: لا يصير المرء مسلماً حتى يقول "لا إله إلا الله"، ثم بعد ذلك يصير مؤمناً كامل الإيمان.
أما مرجئة الأشعرية ومرجئة الجهمية يقولون: لا يُشترط أن يقول "لا إله إلا الله"، نعامله في الدنيا كافر، لكن إن كان مصدقاً بقلبه فهو في الآخرة عند الله من الناجين.
ويبطل هذا قصة أبي طالب، واليهود الذين يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم وسماهم الله كفاراً وأوجب لهم النار.
لهذا قول الأشعرية وقول الجهمية كفري عند السلف.
ثم هم يدخلون أعمال القلوب.
الطحاوي في عقيدته ماذا يقول؟ يقول: "وأهله في أصله سواء" في أصل الإيمان.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا من أفحش الخطأ، أعمال القلوب تتفاضل، الخشية تتفاضل، المحبة تتفاضل، الرجاء يتفاضل، التصديق يتفاضل.
وكذلك الكفر يكون في القول والعمل والاعتقاد.
هذه مهمة هذه.
كيف؟ الكفر يكون في القول والعمل والاعتقاد.
سب الله كفر، وطء المصحف كفر وهو نفسه كفر أكبر، ما هو ضروري يستحل، لا لا لا، هذا إرجاء.
تقول حتى يستحل، اعتقاد أن الله ثلاثة كفر، لكن الذي يطأ المصحف لا شك أن قلبه ليس سليماً، فهو كفر ظاهر وباطن.
والذي يكفر لدنيا ولم يعقد قلبه، كافر.
شخص يظهر الكفر، يظهر الرفض للرافضة وهو يعتقد في باطنه أن دينهم باطل، يظهر النصرانية للنصارى كما يفعل كثير من الناس اليوم، قس يسلم ويبقى، هذا كافر.
الله تعالى يقول إن الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً.
والأدلة كثيرة، بل هذا أمر فطري، المرجئة كابروا الفطرة.
قلنا يكون في القول والعمل والاعتقاد أيضاً، والترك.
هناك أمور تركها كفر: ترك التلفظ بالشهادتين كفر، وترك الصلاة على الراجح كفر.
وعقيدة أهل السنة أنه ما في إيمان كامل مطلقاً.
ما له حد الإيمان، إلا أن يقال هذا في الأنبياء كما قال إسحاق بن راهويه.
الإيمان لا نهاية له، يبقى يزيد يزيد يزيد، لأن الأعمال لا تنتهي.
المرجئة كيف يتأولون هذه النصوص؟ المرجئة يقولون: زيادة الإيمان بمعنى زيادة الشرائع، فكل يوم يؤمن بشريعة جديدة يزيد إيمانه، إذا اكتملت الشرائع انتهى الموضوع.
هذا إقرار منهم أن الإيمان يزيد وينقص، وبهذا يكونوا تناقضوا، أليس كذلك؟ ثم بهذا الاعتبار من من الناس يعرف كل الشريعة ويعمل بها؟
٢٤٣ - وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً.
يَعْنِي: نَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، فَنَزْدَادُ إِيمَانًا.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَزِيدُ فَهُوَ يَنْقُصُ.
٢٤٤ - ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
٢٤٥ - كَذَا كَانَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وبه أخذت العلماء من بعده، مِثلُ: علقمة، والأسود، وأبي وائل، ومسروق، ومنصور، ومغيرة، وإبراهيم النخعي، والأعمش، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وبشر بن المُفضَّل، ومعاذ بن معاذ، وسفيان بن حبيب، وسُفيان الثَّوري، وابن المُبارك، والفُضيل بن عياضٍ في جماعةٍ سواهم يطول الكتاب بذكرهم.وهذا استثناءٌ على يقينٍ؛ قال الله عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿الفَتْح: ٢٧﴾.
الاستثناء في الإيمان قول أهل السنة، يخالف فيه المرجئة.
المرجئة عندهم الإيمان شيء واحد.
المرجئة والخوارج عندهم الإيمان شيء واحد، فإذا ذهب بعضه ذهبت البقية.
فالتكفير عند الخوارج، الخوارج ماذا فعلوا؟ أدخلوا العمل، فكان الإنسان إذا لم يعمل أو فعل كبيرة كفر.
المرجئة يرون الإيمان شيء واحد، إذا شككت في بعضه، شككت في كله.
فيسمون أهل السنة "شُكّاكاً" لأنهم يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله.
قال إبراهيم النخعي: لست بشاك، ولكنني لا أشك في إيماني.
إذا ما كان يقول شخص يقول: "أنت مؤمن بالله؟" لا تستثني.
تقول: أنا مؤمن نعم.
لكن هل أنت مؤمن عند الله؟ لا ندري.
إذاً الاستثناء يقع على ماذا؟ يقع على العمل، على كمال العمل، لا ندري نحن أتينا به أم لم نأتي به.
كما قال الأئمة من السلف.
وأصل الإرجاء ترك الاستثناء، كما يقول عبد الرحمن بن مهدي.
طيب، بعض المرجئة قالوا بالاستثناء، مثل الأشاعرة، قالوا بل أوجبوا الاستثناء.
ما مأخذهم؟ مأخذهم الموافاة، ما هو مأخذ أهل السنة.
إيش يقولون؟ يقولون: لا يدري الإنسان على ماذا يموت؟ فقط.
لكن نحن نقول: أنا مؤمن إن شاء الله لأننا لا ندري هل الله تقبل حسناتنا.
المرجئة يلزمون أن حسناتك متقبلة وإيمانك كامل.
أما نحن فلا ندري هل أتينا بها أو لم نأتِ بها.
ولهذا جماعة من السلف قالوا: إذا سئلت أمؤمن أنت؟ تقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
هذا الجواب.
الجواب الآخر: مؤمن إن شاء الله.
على إيش؟ ليس على أصل الإيمان، بل على كمال العمل.
وأيضاً تأتي "إن شاء الله" تحقيقاً: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27].
لكن نحن نقولها على الاستثناء في العمل، على شكنا في كمال العمل.
أكثر المصنفين في كتب مسائل الاعتقاد يقولون الناس في الإيمان ثلاث مذاهب: أناس يمنعون وهم المرجئة والأحناف، وأناس يوجبون وهم الاشاعرة، وأناس يجوزون وهم آهل السنة، لكني وجدت بعض آهل السنة يوجب مثل اللالكائي لكن الاسثناء غير واجب.
ولا يستنثني في الإسلام، نبه عليه الإمام أحمد.
٢٤٦ - وقال النبيُّ ﷺ: «إنِّي لأَرْجُو أن أكونَ أتْقَاكم لله عز وجل».
٢٤٧ - وقال ﷺ - وقد اجتاز البقيعَ - فقال: «وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون».
فهذا كُلُّهُ استثناءٌ على يقينٍ.
ولكن يجبُ على كُلِّ مَن يستثني أن يعلمَ: كيف يستثني؟ ولأيِّ سبب وقع الاستثناءُ؟ لئلا يظُنَّ المُخالف أن استثناءه من قبل الشك.
٢٤٨ - فَقَدْ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولَانِ: النَّاسُ عِنْدَنَا مُؤْمِنُونَ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَحْكَامِ، وَلَا نَدْرِي كَيْفَ هُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﷺ، وَعَلَى أَيِّ دِينٍ يَمُوتُونَ.
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَاقِعٌ عَلَى مَا يُسْتَقْبَلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَعْنَاهُ: إِنْ قَبِلَ اللَّهُ إِيمَانِي، وَأَمَاتَنِي عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ صَلَّى صَلَاةً، فَقَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، وَعَلَى اللَّهِ الْقَبُولُ.
وَكَذَلِكَ الْحَجُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَامَ، أَوْ عَمِلَ عَمَلاً، فَإِنَّمَا يَقَعُ اسْتِثْنَاؤُهُ فِيهِ عَلَى الْخَاتِمَةِ، وَقَبُولِ اللَّهِ إِيَّاهُ؛ لَا أَنَّهُ شَاكٌّ فِيمَا قَدْ قَالَهُ وَعَمِلَهُ.
يقول ابن تيمية: هنا ليس بمصدق فقط، بل "مؤمن" لنا، أي مؤمن ومطمئن، مصدق ومطمئن.
يريد: بمصدق لنا.
والآية في صحة ما قلنا كثيرة: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا﴾ [الحجرات: ١٤].
الجماعة اللي هم أهل السنة العامة قالوا: هذا دليل على أن هناك فرق بين الإسلام والإيمان.
البخاري ومعه طائفة أو المذهب الذي ينسب للبخاري قال: "أسلمنا" مو معنى الإسلام العقيدة، "أسلمنا" يعني استسلمنا خوفاً من السيف.
هذا تفسير من يقول الإسلام والإيمان شيء واحد مثل محمد بن نصر المروزي والبخاري.
والصواب الذي عليه السلف أنه "أسلمنا" يعني ما وصلنا لمرحلة الإيمان.
ونعم، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، والإيمان أعلى.
٢٤٩ - ثُمَّ [مِنْ] بَعْدَ ذَلِكَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْنَاهُ غَيْرُ الْإِيمَانِ؛ (فَالْإِسْلَامُ): اسْمٌ، وَمَعْنَاهُ: الْمِلَّةُ.
(وَالْإِيمَانُ): اسْمٌ، وَمَعْنَاهُ: التَّصْدِيقُ.
قَالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧] يُرِيدُ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا.
هل الفاسق يسمى مؤمناً؟ جماعة من السلف يقولون: الفاسق يسمى مسلماً ولا يسمى مؤمناً.
وذكر ابن تيمية في الأجوبة عن الاعتراضات المصرية أن هذا قول لجماعة، بل بل نسبه لكل السلف.
فهذا ليس هو قول المعتزلة، ولا علاقة للمعتزلة بهذه المسألة.
وبعضهم يقول: نسميه مسلماً.
كان الحسن والزهري يقولان: "نقول مسلم" ويهابان أن يقولا: "مؤمن"، لأن عندهم "مؤمن" متعلق بأحكام غيبية، أما "مسلم" فعلى الظاهر، ونحن علينا الظاهر، وبهذا الاعتبار رأيت؟ ولهذا يقول: "استثن في إيمانك ولا تستثن في إسلامك".
٢٥٠ - وَيُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، أَوْ يَرِدَّ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ عز وجل جَاحِدًا بِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا، كَانَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
ظاهر كلامه هنا أنه لا يكفر تارك الصلاة، ولكنه في "الإبانة الكبرى" ذكر ذلك.
الدين، الملة، الإيمان، هذه كلها أسماء لاعتبار واحد.
طبعاً الإيمان أركان الإيمان الغيبية، أما السنة ما يفارق به السني البدعي وإن كان من العمليات كمسح الخفين أو غيره.
فدائرة السنة أضيق من دائرة الإسلام.
فالإنسان إذا خرج من السنة لا يكون قد خرج من الإسلام، قد يكون مبتدعاً مسلماً.
فهمت؟ هل خرج من الإسلام؟ لا.
السنة يخرج.
هنا الإسلام وهنا السنة.
ممكن يخرج إلى الشرك.
هذا وصلى الله على محمد وعلى آله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
هذا مجلس جديد في كتاب الشرح والإبانة عن أصول الديانة لابن بطة العكبري رحمه الله تعالى.
نعيد يا إخوة ملخص المسائل التي خالف فيها المرجئة أهل السنة.
نعيد هذا يا إخوة وباختصار لكي يحذر الإنسان من هذه المقالات.
-
زيادة الإيمان ونقصانه: الإيمان يزيد وينقص باعتبار أن الأعمال تزيد وتنقص، وهو في القلب أيضاً يتاضل ويزيد وينقص.
وهذا خالف فيه جميع المرجئة.
وبعض المرجئة يعني يصرح يقول إن الإيمان يزيد وينقص ثم يفسره بتفسير غير حقيقي.
وبعضهم قال إيمان الأنبياء لا ينقص. -
الاستثناء في الإيمان: أن تقول: "أنا مؤمن إن شاء الله".
وذكرنا أن الأجوبة على ذلك في أنك تقول: "أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله"، وتقول: "إن شاء الله" باعتبار العمل، لا باعتبار الموافاة. -
دخول العمل في مسمى الإيمان: وهذا خالف فيها جميع المرجئة.
دخول عمل الجوارح في مسمى الإيمان، أما أعمال القلوب، فالمرجئة يرون أن المحبة والبغض والانقياد والاستسلام، هذه كلها أعمال قلوب، وهذه كثير من المرجئة يرون أنها داخلة في مسمى الإيمان، وأنها إذا انتفت لم يكن المرء مؤمناً.
وهناك من غلاتهم من لا يرى هذا.
وأهل السنة يرون أعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان، وأيضاً أعمال الجوارح، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم.
والصلاة من أعمال الجوارح، وذكرنا حديث شعب الإيمان. -
حصر الكفر في التكذيب: المرجئة الأوائل والجهمية عندهم الإيمان هو التصديق، والكفر فقط التكذيب.
أما أهل السنة فعندنا كفر تكذيب، وعندنا كفر استكبار.
اليهود لم يكونوا مكذبين، ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل: ١٤].
وقوم فرعون، واليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
كفر إبليس ليس متعلقاً بالخبر، إبليس لم يأته خبر ويقول هذا كذب، لا، الله أمره فقال أنا لا أرى هذا الأمر صالحاً، هذا كفر استكبار.- وهناك كفر جحود، أن تكون في قلبك مصدقاً ولكن بلسانك تجحد.
- وهناك كفر إعراض، أن تتوقف تقول لا أدري هذا نبي أو ليس بنبي، الله وحده المستحق للعبادة أو غير مستحق، هذا يسمى كفر الإعراض.
- وهناك بعضهم يضيف كفر النفاق، وكفر النفاق خالف فيه الكرامية الذين يعتقدون أن الإيمان قول باللسان فقط.
الذي يقول بلسانه هو عندهم مؤمن، لكنهم يقولون هو في الآخرة إذا كان كافراً في القلب، هو في الآخرة خالد مخلد في النار.
فعاد خلافهم مع أهل السنة شكلياً ولكن المنافق لا يسمى مؤمناً إذا عُرف نفاقه.
من عقيدة المرجئة أنهم يحصرون الكفر بالتكذيب.
نحن في اعتقادنا أن الكفار ليسوا فقط معاندين، بل الكفار جهال ومعاندون ومعرضون.
فمثلاً في اليهود والنصارى من هو جاهل، ومنهم معاند، وهناك معرض عن العلم أو يكون جاهلاً لكنه معرض عن العلم، متمكن من العلم ثم أعرض، فلا يشترط في كل كافر أن يكون معانداً إذا وقع في الكفر.
أهل السنة من عقيدتهم أن الكفر يكون بالقول والفعل والاعتقاد.
الجهمية أو غلاة المرجئة يقولون: نعم نحن نصرح أن سب الله كفر، ولكنه ليس كفراً بمعنى أنه هو في نفسه كفر، لا، هو علامة على الكفر.
من نشأ في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام، هذا يعذر بشرط أن يكون دخل الإسلام.
لكن لو جاء شخص اليوم وجحد وجوب شيء وهو يعيش بين المسلمين وعامة المسلمين على هذا الاعتقاد، هذا الإنسان لا يُعذر.
الله عز وجل قال في المشركين ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وقال: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦﴾ [التوبة: ٦].
﴿لَّمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ١﴾ [البينة: ١].
عدي بن حاتم يقول للنبي ﷺ ما نعبده.
قال له: "أليسوا يحلون الحرام؟" هو جاهل، ومع ذلك قومه كلهم كانوا جهلة بحقيقة هذا الأمر، ومع ذلك اسمهم كفار.
وأهل الفترة بإجماع ليسوا مسلمين إلا ما كان منهم على التوحيد.
أما إذا كان مشركاً، قد يكون معذوراً في الآخرة، لكن هو في الدنيا اسمه مشرك.
غلاة المرجئة، يقولون إن هذا الكفر الظاهر، سب الله أو وطء المصحف، قالوا إن كفّرنا فاعله، وبعضهم كانوا يقولون هذا ليس كفراً.
وفئة منهم قالت: لا، لما ألجأتهم الأدلة قالوا: لا، هذا كفر، لكنه ليس كفراً في حقيقته، بل هو يدل على الكفر الباطن.
ما هو الكفر الباطن؟ التكذيب فقط.
فلزمهم أن يقولوا إن اليهود كانوا مكذبين، وفرعون كان مكذباً، وهذا غير صحيح.
ما عقيدة أهل السنة؟ عقيدة أهل السنة أن الذي يطأ المصحف أو يسب الله، هذا الفعل بمجرده كفر عملي أكبر، وهو أيضاً لا يصدر من إنسان قلبه مطمئن بالإيمان، لابد أن يكون فقد ركناً من أركان الإيمان القلبية، إما أن يكون مستكبراً، وإما أن يكون مبغض، وإما أن يكون مكذباً، ممكن مكذب لكن ليس هي الوحيدة التكذيب حصراً.
هناك مسألة مهمة: الذي يقع في الكفر لا يشترط أن يعلم أن هذا كفر حتى يُكفَّر، بل يُشترط أن يعلم أن هذا منهي عنه أو لا يرضي الله.
الذين استهزؤوا بالصحابة وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، وأجبن عند اللقاء.
عندما نزلت الآية فيهم: ﴿لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ﴾ [التوبة: ٦٦]، كانوا يعتذرون يقولون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ﴾ [التوبة: ٦٥]، يعني قلبنا لم يعقد على هذا، وهم لم يكونوا يعلمون أنه كفر، ومع ذلك الله عز وجل كفّرهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما من اشترط في السابّ أن يكون مستحلاً، فهذا شعبة من قول الجهمية".
لا يقصد أحد الكفر غالباً.
ما نشترط فيه أنه يقصد الكفر، ما دام فعل فعلاً مكفراً وهو يعلم أنه منهي عنه.
الذي يقع في فعل كفري أو قول كفري لا يشترط أن يعلم أن هذا كفر.
مثلاً الآن، الذي يترك الصلاة، نحن نرجح كفر تارك الصلاة.
يترك الصلاة في بلد علماؤه يكفّرون تارك الصلاة، يكفر.
لماذا؟ لأنه يعلم أن هذا حرام منهي عنه، ولا يُشترط أن يعلم أن هذا كفر أكبر.
الذي يذبح لغير الله - على فكرة، الذبح لغير الله حتى علماء القبورية لا يجيزونه، عامة علماء القبورية لا يجيزونه، لكن يقولون إنها شرك أصغر -. الذي يذبح لغير الله، ينذر لغير الله، على قواعدنا خلاص يكفر.
ما لم يعلم أن هذا شرك.
لكن إن قالوا له هذا جائز، ويظنه جائزاً، ووقعت عنده شبهة قوية.
أو في كلمة لا يدري أنها سب فسب، ولا يعلم أن هذه الكلة سب، هذا يعذر.
أما ذبح لغير الله، هذه مناقضة لمعنى لا إله إلا الله.
هذه مسائل الإيمان ضرورية لأن هذه الأيام كثر فيها اللغط والغلط.
مسألة عذر الجاهل:
هذا يكون على حالين، ليس مطلقاً أن يعذر.
أن يكون متمكناً من العلم ومفرطاً، ففي هذه الحال على قولين: قول فسقوه لتفريط، وقول كفروه.
أن يكون غير قادر على التعلم، ففي هذه الحال يعذر اتفاقاً، كأن يكون نشأ في بادية بعيدة أو حديث عهد بإسلام.
أما من أوجب الله عز وجل عليه السؤال وما سأل، ثم ذهب يحل ويحرم، فهذا أقل أحواله أنه وقع في قضية الكلام على الله بجهل.
وما حصل فيه نزاع، هناك فئة من المرجئة قالوا أنه لا يوجد أحد من الموحدين سيدخل النار، لا مؤقتاً ولا خلوداً.
طبعاً الخلود قول الخوارج، أما مؤقتاً فهو قول أهل السنة، أنه ممكن في ناس يعذبون بسبب الكبائر ثم يدخلون النار.
وهناك فئة مرجئة واقفة: يقولون لا ندري هل سيعذب الله أحداً من الموحدين أم لا، مطلقاً.
يتكلمون عن الجنس، يقول لك ممكن يوم القيامة ولا واحد موحد يتعذب.
لكن نحن نعرف بالأدلة أن هناك موحدين سيعذبون.
هذا قول الباقلاني، هذا قول الإمام الأشعري قبل الباقلاني، وهذا من غلاة المرجئة.
هذا القول ينافي النصوص مطلقاً.
هنا فائدة جانبية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ﴾ [النساء: ٤٨].
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن المشيئة إنما تكون في حق من ثقلت موازينه، يعني من زادت حسناته على سيئاته، هذا فقط يكون تحت مشيئة الله عز وجل.
أما الذي كانت سيئاته أكثر من حسناته، فهذا يدخل النار قطعاً ليتطهر.
هذا مذهب شيخ الإسلام وابن القيم، وقبلهم أبو الحسن.
وجمهور أهل السنة لا يرون هذا، يرون أنه مطلقاً، سواء ثقلت موازينه أو خفت موازينه، هو تحت المشيئة.
الآن سيدخل في في مسائل الصفات.
٢٥٠ - ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَلَا مِرْيَةٍ، وَلَا وُقُوفٍ:
أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ، وَتَنْزِيلُهُ، فِيهِ مَعَانِي تَوْحِيدِهِ، وَمَعْرِفَتُهُ، وَآلَاؤُهُ، وَصِفَاتُهُ، وَأَسْمَاؤُهُ، وَهُوَ عِلْمٌ مِنَ عِلْمِهِ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وَكَيْفَ قُرِئَ، وَكَيْفَ كُتِبَ، وَحَيْثُ تُلِيَ، وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، فِي السَّمَاءِ وُجِدَ أَوْ فِي الْأَرْضِ، حُفِظَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَفِي الْمَصَاحِفِ، وَفِي أَلْوَاحِ الصِّبْيَانِ مَرْسُومًا، أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشًا، وَعَلَى كُلِّ الْحَالَاتِ، وَفِي كُلِّ الْجِهَاتِ: فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
هذا من أعظم أدلة أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
أولاً القرآن كلام الله غير مخلوق لأنه صفة الله عز وجل، وصفة الله لا تكون مخلوقة.
والكلام فرع عن ثلاث أجزاء.
والمعتزلة أثبتوا أن الله متكلم بمعنى أنه يخلق الكلام في غيره، فلزمهم أن يكون كل الكلام في الكون كلام الله.
لماذا؟ لأن الله عز وجل يخلق كل كلام الناس.
وهم قالوا بهذه المقالة يعني خوفاً من التجسيم.
قالوا لو أثبتنا أن الله يتكلم يلزم أن يكون له شفتان ولسان وهكذا.
لو ثبتت هذه لله فلا يوجد شيء ممتنع، ولكن لا ينفع في ذاك، يتكلمان يوم القيامة ورجلاك تشهد عليك.
والحصى سبح بين يدي النبي ﷺ على الحديث الذي في صحته خلاف.
ومن أدلته، قال الله عز وجل: ﴿فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ [الرعد: ٣٧].
سمى القرآن علماً.
ونحن والجهمية متفقون على أن علم الله غير مخلوق.
يسألك شخص يقول لك: ها هذا المصحف؟ هذا الآن نرى ورق مخلوق.
لكن المكتوب الحبر مخلوق.
والورق مخلوق والحبر مخلوق، ما في إشكال.
لكن المكتوب كلام الله غير مخلوق.
والآن هذه نمثلها بالكلام العادي، الآن أنت الآن تقول قصيدة للمتنبي.
أنت الآن تتلفظ بكلامك وصوتك، لكن الكلام لمن أصالة؟ للمتنبي.
فهو في النهاية كلام الله.
ماذا قال الله عز وجل؟ قال: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
حتى يسمع كلام الله.
ومن الذي يبلغ؟ النبي.
لكن سماه الله كلام الله.
باعتبار الابتداء.
لو كتبت قصيدة على جدار، لأي شخص يقال لك هذا كلام فلان.
أليس كذلك؟ هذا في كلام الخلق.
ولا يخرج من الله شيء مخلوق.
ولهذا القرآن يعظم فلا يمسه مشرك ولا يمسه غير الطاهر.
تعظيماً لكلام الله عز وجل.
بخلاف الكلام الآخر ولو كان كلاماً للنبي ﷺ.
أ - وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ.
ب - أَوْ قَالَ: كَلَامُ اللَّهِ وَوَقَفَ، أَوْ شَكَّ.
ج - أَوْ قَالَ بِلِسَانِهِ، وَأَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ،
فَهُوَ بِاللَّهِ كَافِرٌ، حَلَالُ الدَّمِ، بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ.
قال ومن قال: مخلوق.
قال مخلوق يعني جحد صفة الكلام لله عز وجل.
خالف كل النصوص الواردة في إثبات صفة الكلام.
﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾.
﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ وكلمه ربه.
هم ماذا يقولون كلمها ربه؟ يقولون خلق كلام في الهواء.
وهذا المعنى لا تعرفه العرب من معنى الكلام.
بل العرب إذا قالوا فلان يتكلم وفلان تكلم.
يعني هو تكلم قام الكلام فيه.
طيب ومن قال مخلوق أو قال كلام الله وقف أو شك، هذه فئة الواقفة الذي يقول لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق.
هذا كأنهم توقفوا في الله عز وجل.
قالوا لا نقول الله مخلوق أو غير مخلوق.
لأن الكلام في الصفات فرع عن الذات.
هي ما دام صفة الله فهي غير مخلوقة جزما.
أو قال بلسانه وأضمره في نفسه فهو بالله كافر حلال الدم بريء من الله والله منه بريء.
هذا بالإجماع.
في لغة العرب اللفظ قد يتناول الملفوظ.
حتى البخاري عبارته دقيقة قالوا له لفظنا قال كلام الله غير مخلوق وأفعالنا مخلوقة.
يعني ما تبين تقول لفظي يقول القرآن مخلوق ولا لفظ بالقرآن غير مخلوق لأنك أيضاً يوهم فعلك.
فاللفظين مهمين الآن مثلاً مسألة الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، هذه تتصل بمسائل الإيمان ومسائل الصفات.
الإيمان لا يجوز أن تقول كذا ولا كذا، لأنه من الإيمان، الإيمان بالقرآن.
ومن الإيمان أفعالك اللي هي صحيح مخلوقة.
فإذا قلت مخلوق قد توهم خلق القرآن.
وإذا قلت غير مخلوق قد توهم أن أفعالك غير مخلوقة.
فاللفظ موهوم تركه متعين.
ولهذا لما قال محمد بن نصر المروزي الإيمان مخلوق هجر وبدع وأحمد كان يبدع اللي يقول الإيمان مخلوق.
هذا ينطبق على أيضاً بعض المحدثين كان يقف، يعني يقف يقول لك أنا أتبع أنا أقول القرآن كلام الله وأقف، لأن السلف ما قالوا غير مخلوق.
مع أنه ورد عن أبي العباس في تفسير قرآن القرآن غير ذي عوج قال غير مخلوق.
هذا في صحيح تعليق ابن أبي طلحة.
وروي عن علي قال ما حكمت مخلوقاً وإنما حكمت فيكم كلام الله.
وعبد الله بن مسعود قال من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين.
ومعلوم إجماع أن المخلوق لا تنعقد اليمين والحلف به.
يعني ما عليك كفارة إذا حلفت بمخلوق، مفهوم؟ فيوم حط كفارة معناته أنه غير مخلوق عنده.
فهذا الوقوف على جهل.
فبعضهم يعني كما قال ابن أبي حاتم أبو زرعة قال من وقف جاهلاً بدع وعلم.
مع جهله يبدع.
قالوا من وقف وهو يعرف الكلام يعرف ما يستلزم الوقف فهو جهمي أو أُجري مجرى الجهمية كما يقول بعضهم.
هذا اليوم مثلاً أما المذهب الجديد من الأشاعرة مع الكلام النفسي. الأشاعرة إيش قالوا؟ قالوا: لا نحن نقول كلام الله غير مخلوق.
الله أكبر، ما هو كلام الله؟ قال: الكلام النفسي.
ما هو الكلام النفسي؟ عرف لنا؟ وإذا به، وإذا بهم يذكرون أمراً لا يختلف عن العلم.
الكلام النفسي وصفة العلم شيء واحد.
لأن الكلام النفسي والعلم كما يقول شيخ الإسلام يقول لا يوجد فرق حقيقي بينهم.
والكلام النفسي ما هو كلام في حقيقة الأمر.
الآن أنت في الصلاة تتكلم في نفسك تبطل صلاتك؟ لا تبطل.
لكن تتكلم بلفظك تبطل الصلاة.
أليس كذلك؟ نعم.
الله عز وجل نادى موسى.
وناديناه.
النداء لا يكون إلا بحرف وصوت. هم ينكرون أن الله يتكلم بحرف وصوت.
والأشاعرة قالوا: إذاً القرآن الموجود الآن ما تقول فيه؟ قال: عبارة عن كلام جبريل.
جبريل إيش هو؟ مخلوق.
عبارته شنو؟ مخلوقة.
إذا القرآن بين يدينا إيش انتهى؟ مخلوق.
عاد لقول الجهمية قولاً وخلق القرآن.
القرآن اللي درس بالمعاهد الأزهرية وغيره حتى في شرح جوهرة التوحيد يقول: نعم مخلوق.
يعني ما في مانع عندنا في مقام التعليم أننا نصرح باعتقادنا ونقول مخلوق.
فالأشعرية مخلوقية، يعني حتى الواقفة أحسن منهم واللفظية أحسن منهم، هم مخلوقية واضحين يقولون بخلق القرآن.
وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ، وَوَقَفَ عَنْ تَكْفِيرِهِ: فَهُوَ كَافِرٌ؛ بِقَوْلِ اللَّهِ عزل وجل:
﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١ فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۢ ٢٢﴾ [البروج: ٢١-٢٢].
وَقَالَ: ﴿حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
وَقَوْلِهِ: ﴿ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ﴾ [الطلاق: ٥].
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ حَرْفًا وَاحِدًا مِنْهُ مَخْلُوقٌ: فَقَدْ كَفَرَ لَا مَحَالَةَ.
فَالْآيُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْحُجَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى ﷺ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى.
الله عز وجل يقول: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۚ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فرق بين الأمر والخلق. صح؟ وجعل القرآن أمراً.
كذلك ﴿ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ﴾ [الطلاق: ٥].
إذاً هو غير مخلوق.
﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيًۡٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢﴾ [يس: ٨٢].
طيب إذا كانت "كن" مخلوقة، تحتاج أن تخلق بـ "كن" ثانية.
وكل "كن" وهكذا، إلى ما لا بداية.
أرأيت؟
فمن زعم أن حرفًا واحدًا منه مخلوق فقد كفر لا محالة.
هذا إجماع.
٦٣٣ - ولقد تقلَّد كفرَهُم خَمْسُونَ فِي ... عَشْرٍ مِنَ العُلَماءِ في البُلْدَانِ
٦٣٤ - واللالَكَائِيُّ الإمامُ حَكَاهُ عَنْـ .... ـهُم بَلْ حَكَاهُ قبلَهُ الطَّبَرانِي
ولما درسنا حقيقة حرب الكرماني أيضاً نقل إجماع على هذه الحروف وهذا النص.
الكلام واضح جدا في إكفار الجهمية بأصنافها.
يستشكل أنه بعض السلف لم يكفروا بعض الجهمية بأعيانهم.
هذا الآن الحكم العادي.
وأما المعين فالحكم عليه يحتاج إلى توفر شروط وانتفاء موانع.
لكن المعين ليس الأمر يشترط دائماً أن تقوم عليه الحجة، لا، قد يكون معرض، قد يكون شيطان من شياطينهم عالم من علمائهم.
فيعلم أن الحجة قائمة.
مثل هذا يوسف بن خالد السبتي لما صنف كتاب ينصر مذاهب الجهمية، باب من باب زندقة مباشرة.
لأنه ما يخفى على مثله الأدلة.
٢٥٢ - ثُمَّ الْإِيمَانُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيٌّ، نَاطِقٌ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَمَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ [وَمَا بَيْنَهُمَا]، وَمَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى،
وَأَنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، عَزِيزٌ قَدِيرٌ، وَدُودٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، يَسْمَعُ وَيَرَى، وَهُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى، وَيَقْبِضُ وَيَبْسُطُ، وَيَأْخُذُ وَيُعْطِي، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، يَمُوتُ وَيُحْيِي، وَيُفْقِرُ وَيُغْنِي، وَيَضْحَكُ وَيَرْضَى، وَيَتَكَلَّمُ وَيَضْحَكُ، ﴿لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَّةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩﴾ [الأنعام: ٥٩].
عامة أهل القبلة متفقين على إثبات صفة الحياة لله عز وجل، وكل من أثبتها لزمه إثبات الصفات الأخرى وانتفت جميع إلزاماته.
يقول لك إذا أثبت لله يد لله عز وجل فقد جسدت أو من أثبت سمعاً لله فقد جسدت، قل له: ألا تثبت حياة لله؟ نعم.
وأنت حي أو لست حياً؟ قال نعم.
الحياة كالحياة؟ يقول لك: لا.
فهنا تأتي القاعدة: الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر. أقول كذلك اليد ليست باليد.
والسمع ليس كالسمع.
والبصر ليس كالبصر.
ينتهي الموضوع.
إلا فئة من الفلاسفة الذين يقولون ليس بحي ولا ميت ومش عارف إيه.
جمع النقيضين هذولا خلنا منهم ذولا كفرة رسميين.
صفتي السمع والبصر. والسمع يعني إدراك المسموعات يقولون، والبصر إدراك المرئيات.
هل الأشاعرة يثبتون السمع والبصر فعلاً؟ الواقع أنهم لا يثبتون البصر كما نثبته نحن.
فنحن نثبت لله عز وجل سمعاً وبصراً قديم النوع حادث الآحاد.
أو نثبت لله سمعاً فعلياً وسمعاً ذاتياً.
ما معنى هذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
متى سمع الله؟ لما تكلمت سمعه.
وهو له صفة السمع منذ الأزل.
أليس كذلك؟ لكن يسمع المسموعات الآن، الذي يحصل الآن يسمعها.
طيب الأشاعرة يعترضون على هذا؟ إي نعم يعترضون.
هم لهم مذهب غريب، هم عندهم الصفات الفعلية لا تحل بالذات.
فعندهم أن الله عز وجل سمع جميع المسموعات بالأزل.
ولهذا مثل كلام الله عندهم ليس فيه تقديم ولا تأخير.
الله عز وجل يتكلم بجميع الكلام في الأزل وكله ببعضه هالشكل.
فيقول ابن الحزم يلزمهم أن الله عز وجل يتكلم بالناسخ والمنسوخ مع بعض.
والإرادة، أن الله عز وجل أراد جميع المخلوقات بالأزل.
ما له إرادة الآن؟ ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيًۡٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢﴾ أراده الآن، فيصله خلقه.
لا، هم يقولوا هذا كله في الأزل.
مفهوم هذه؟ يعني هو صدق مذهب غريب شوي لكن هذا مذهبهم، حتى ابن رشد الفيلسوف كان ينكت عليهم.
إذاً الأشاعرة ما يثبتون السمع الفعلي ولا البصر الفعلي.
طبعاً تسألهم أنتم كيف هذا؟ يقول لك: لا تسأل، أنت ما ... ولو أثبتوا سمعاً فعلياً وبصراً فعلياً للزمهم أن يثبتوا المجيء والنزول وغيره من الصفات الفعلية.
لأن إيش؟ أن الله عز وجل يسمع هذا الكلام الآن ولم يكن قبل قليل يسمعه لما كان معدوماً، وأن يجيء.
لأنهم عندهم إشكالية بإثبات أي فعل متجدد له.
هم يقولون: كذا، إذا أثبت فعل متجدد لله معناه الله نفسه متجدد.
هالشكل فهمت؟ هي هذه الفلسفة يعني، هي هذه الشبهة العظيمة اللي دخلت عليهم كلهم.
المعتزلة أولوا السمع والبصر بالعلم.
طيب يعني أثبت علم، أثبت سمع وبصر، وأنهي الموضوع.
يعني ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] حتى يصير معنى الآية وهو العليم والعليم.
الأشاعرة لما أثبتوا السمع والبصر أثبتوه بطريقة تلزمهم في الصفات الأخرى، إيش قالوا؟ قالوا: إن المخلوق عنده سمع وعنده بصر ومالك الكمال أولى به.
هذا الأشاعرة يقولون هكذا.
قال طيب.
في مخلوق حكيم.
يفعل لعلة، يفعل لاعتبار.
ها؟ الله عز وجل اللي عطاه هذا أولى به.
أنتم تنفون الحكمة.
فيلزمهم هذا.
طيب طبعاً قول ناطق، ليس في النصوص يعني كلمة ناطق. لكن هو قالها من باب الإخبار رحمة الله عليه.
قال يعلم السر وأخفى وما في الأرض وما في السماء.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
من ينكر هذا؟ ينكر هذا الفلاسفة.
يقولون الله لا يعرف الجزئيات.
يا جماعة ابن سينا، وهذه الرسائل اللي كفروهم فيها.
يعلم بالأمور مجملة ولكن جزئيات الأمور لا يعلمها.
وابن الجوزي يزعم أنه رأى كتاب الغزالي يقول فيه بهذا.
في كتاب صيد الخاطر.
والله أعلم.
حكيم. الحكيم له معان: حكيم بمعنى أحكم الشيء، وحكيم بمعنى أنه يفعل لحكمة.
ونحن نعتقد أن الله عز وجل لا يفعل شيء إلا لحكمة.
طيب، فيه إنسان يعارض؟ الأشاعرة يعارضون في إثبات الحكمة.
كونه يفعل لعلة أو لغرض هكذا يسمونها، معناه أنه محتاج لهذه العلة وهذا الغرض.
والله منزه عن الحاجة.
فبناء عليه لا نثبت أن الله يفعل لحكمة أو لغرض.
يعني وصل فيهم المذهب يقول لك: لا فرق بين الزنا والزواج إلا أن هذا أمر الله به وهذا نهى عنه.
مو هذا فيه حكم وفيه تشريعات؟ لا فرق بين الشرك والتوحيد إلا أن هذا أمر الله به وهذا نهى عنه.
يعني هم ينفون الحكمة.
طبعاً لا فرق بين الشرك والتوحيد أن الله أمر هذا كلام وقع فيه كثيرون يعني فيه إشكالية الله المستعان.
كلام الشاطبي وغيره.
نحن نقر بأن الله عز وجل حكيم.
ويفعل لحكمة، بل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أن جميع "اللامات" في القرآن لام التعليل، في أفعال الله.
﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦].
فـ "اللام" هذه إيش اسمها؟ لام التعليل.
الأشعري لما يجي يعرب يقول لك: هذه لام العاقبة.
كيف لام العاقبة؟ مثل: ﴿فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ﴾ [القصص: ٨].
يعني عاقبة التقاطهم أن صار لهم عدواً وحزناً.
هذا يسمونها لام العاقبة.
"لِيَعْبُدُونِ" ما هي لام التعليل؟ لا، لأن كل الخلق يعبدون الله الآن؟ لا.
باطل.
"لِيَعْبُدُونِ" يعني لكي يعبدوني.
الحكمة من خلقهم أن يعبدوني.
مفهوم؟ لكن هؤلاء نفوا الحكمة.
وقالوا إن الله عز وجل أصلاً غير قادر على الظلم.
ليش؟ لأنه لو فعل الظلم يصير عدلاً تلقائياً.
ليش؟ ما الذي قلنا؟ قلنا إنهم يرون أن الحسن والقبح لا يكونان شرعيان، أن الله عز وجل لو أمر بالزنا، لفظ يجوز أن يأمر بالزنا؟ لصار حسناً.
ولو أمر بالكفر لصار حسنة.
الله يقول ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ﴾ [الأعراف: ٢٨].
الله يعلل أن هذا لا يمكن يكون أمر به لأنه لا يأمر بالفحشاء.
قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً».
فكيف يتمدح الله بأمر هو عاجز عنه؟ الله لا يقدر يظلم أصلاً.
لو يظلم يصير الظلم عدلاً تلقائياً.
فهمت هذه؟ لأن هذا يرددون الأحباش وغيرهم.
الله غير قادر.
وأيضاً العلم فيه علم حادث وفيه نفس السمع والبصر.
علم أن سيكون منكم مرضى هذا لا ينافي العلم الأزلي القديم.
العزيز. العزيز له ثلاث معاني.
كلام ابن القيم.
عزة القوة.
وعزة الامتناع.
وعزة القهر.
عزة القوة، عزيز يعني قوي.
وعزة الامتناع، يعني ما أحد يستطيع أن يبلغ أذاه.
وعزة القهر، لهذا دائماً تجد في آخر قصص الأنبياء يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
العزيز في انتقامه من الكفار.
الرحيم بانتصاره لأوليائه.
﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤].
الربط بين العزة والحكمة.
بعض البشر إذا كان عزيزاً قوياً يطغى.
وتكون أفعاله فيها سفه.
أما الله عز وجل يقول: ﴿وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾.
يعني مع عزته ومع قوته إلا أنه سبحانه وتعالى حكيم.
العزة ثلاث معان.
عزة القوة، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
ذكرها ابن القيم في النونية.
قدير. وهذه أثبتها الأشاعرة لكن ليس كإثباتنا.
الأشعرية عندهم أن الله غير قادر على المستحيلات.
يعني شيء مستحيل في ذهنك، فيل يطير، الله ما يقدر عليه.
ويقولون القدرة لا تتعلق بالمستحيلات.
هكذا يقولون.
هو إيش معناها تتعلق؟ لا يقدر عليه.
لكن يعبرون تعبير لطيف.
الله عز وجل على كل شيء قدير.
قلب العصا حية.
هذي في نظر الناس قديمة مستحيلة.
لكنهم إيش يقولون؟ يأتون بأمور ممتنعة يقولون: هل يستطيع الله أن يخلق بحراً ليس فيه قطرة من الماء وهو بحر ماء أصلاً؟ يقول ابن تيمية: هذه أمور لا حقيقة لها.
هذه موجودة في الذهن، خيالات وليست بشيء.
الله على كل شيء قدير.
على كل شيء قدير.
هذه هذا الواقع.
طيب هل يجوز أن نقول الله على ما يشاء قادر؟ لا هذا إطلاقاً باطل.
نحن نقول الله على كل شيء قدير.
على ما على عامة النص.
مفهوم؟ القدرة حنا عندنا الله على كل شيء قدير كما في النصوص.
ودود. الودود الذي يتودد إلى العباد بنعمه سبحانه وتعالى.
يتودد لهم بنعمه.
محب، ويحب.
وأيضاً من معاني الودود أنه الذي يجعل لعباده مودة ومحبة في قلوب العباد.
﴿سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦﴾ [مريم: ٩٦] يعني سيجعلهم محبوبين.
رؤوف رحيم. الرحمة تقتضي إيصال الخير.
والرأفة أيضاً تقتضي إيصال الخير.
ما الفرق بين الرحمة والرأفة؟ الرأفة نتيجتها إيصال خير لا يكون إلا على وجه لا أذى فيه.
وأما الرحمة فقد تكون إيصال الخير على وجه فيه شيء من الأذى.
مثل يعني الإنسان يضرب ولده ويؤدبه.
هذه تعتبر رحمة.
ولكن ظاهرها إيش؟ الأذى.
أما الرأفة فالتي تكون على وجه، لا أذى فيه.
هذا الفرق بين الرحمة والرأفة.
مفهوم هذا؟ والرحيم مشتق من الرحمة.
يقبض السماوات ويبسط كفه ليتوب مسيء النهار.
ويغضب ويرضى. الغضب ينكره أهل البدع، يقولون غليان القلب، هذا غليان الدم في القلب والله عز وجل منزه عن هذا.
فرد عليهم شيخ الإسلام من وجهين، قال: أولاً مسألة أن الغضب غليان الدم في القلب، هذا يقول هذا ليس صحيح، وهذا ليس هو التعريف الصحيح في اللغة.
غير أنك أثبت لله إرادة، هم يثبتون لله الإرادة.
الإرادة ما تعريفها؟ ميل القلب.
ما دمت أثبت لله إرادة لا تشبه إرادة المخلوق، فأثبت له غضباً لا يشبه غضب المخلوق.
والله عز وجل لم يثبت لنفسه غضباً فقط، بل أثبت لنفسه في بعض الأحيان غضباً شديداً.
﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ﴾ [الزخرف: ٥٥].
والأسف أشد الغضب.
طيب ما كان غاضب عليهم قبله؟ كان غاضب لكن الغضب لم يكن استقر.
يقول ما قيل.
لكن لما استقر فلما آسفونا انتقمنا منهم.
وهذا دليل على إيش؟ على الصفات الفعلية.
يغضب على هؤلاء بعد أن لم يكن.
الأنبياء يوم القيامة ماذا يقولون؟ يقولون إن ربي غضب غضباً لم يغضب مثله من قبل.
يعني في يوم القيامة، فعلية.
خلاف الأشعرية.
فسبحان الله، إذاً الله عز وجل يغضب على شخص بعد أن لم يكن غاضباً عليه، ويرضى عليه بعد أن لم يكن راضياً، ويحبه بعد أن لم يكن، ﴿وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾.
الضحك. هم فسروا الضحك بالرحمة، وهذا غلط.
عندنا حديث "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر وكلاهما يدخل الجنة".
لو كان بمعنى يثيب، فالله عز وجل يثيب كل الشهداء وكل الطائعين، اشمعنى هؤلاء فقط يضحك؟ إذاً هذه حالة خاصة، رجل يقتل شخص في سبيل الله ثم يسلم القاتل ثم يقتل في سبيل الله.
والذي يقاتل مقبلاً على السرية ولا يرجع، يضحك الله له.
ومن ضحك الله له... والصحابي سأل النبي ﷺ، أوَيضحك ربنا؟ ولا يمكن يسأل هل يثيب ربنا أو هل يرحم ربنا؟ هذا شيء معروف.
قال: نعم.
قال: لن نعدم الخير من رب يضحك.
وذاك الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة، يضحك الله عز وجل من إخلافه وعده.
النبي ﷺ يضحك، فقال لهم: مم ضحكت؟ قال: من ضحك رب العالمين.
في صحيح مسلم.
فالله عز وجل يضحك، لا كأحد من خلقه.
٢٥٣ - وَيُعْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ:
أَنَّهُ يَتَجَلَّى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَرَوْنَهُ وَيَرَاهُمْ، وَيُكَلِّمُهُمْ وَيُكَلِّمُونَهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ [كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: ٥٨]، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ، وَيَضْحَكُونَ إِلَيْهِ، لَا يُضَامُّونَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَرْتَابُونَ، وَلَا يَشُكُّونَ.
هذا كله خلاصة في الحديث الصحيح، "يتجلى ربنا ضاحكاً".
الله عز وجل يرى يوم القيامة في الموقف.
يرى في الموقف، وهذه رؤية يشترك فيها أهل الإيمان وأهل النفاق.
يتجلى الله ضاحكاً.
ثم يقال: هل لكم علامة؟ طبعاً يأتيهم في صور غير الصورة التي يعرفون.
فيقولون نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك.
نحن هاهنا حتى يأتينا ربنا.
يقول ثم يأتيهم على صورته التي يعرفون.
طبعاً وقع الخلاف بين أهل السنة هل الله عز وجل فعلاً يتغير ويتبدل؟ أم تتبدل عيونهم؟ ابن الماجشون وشيخ الإسلام الدارمي يرون أن تتبدل عيونهم.
شيخ الإسلام يرى أنه لا مانع أن الله عز وجل هو يغير صورته سبحانه وتعالى.
طيب إيش العلامة بينهم؟ حديث آخر، قالوا: هل بينكم وبينه علامة؟ قالوا: نعم، الساق. يكشف عن ساقه فيسجدون.
ويبقى أهل النفاق الذي كانوا يسجدون في الدنيا نفاقاً، ظهورهم ترجع طبقاً.
والرؤيا اللي دخلوا الجنة.
وهذا أعلى نعيم في الجنة، "اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك".
لذة النظر، الأشاعرة يقولون لا يجوز أن يلتذ الإنسان بالله.
مع أن هذا مخالف للحديث؟ "لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة".
وهذا أعلى نعيم الجنة.
أول مرة ما يرون العلامة الساق.
هذا شيء يلهمهم الله عز وجل.
وقع الخلاف بين أهل السنة هل الكفار يرون ربهم أم لا يوم القيامة؟ تبقى هذه الأمة فيها منافقوها ويكشف عن الساق وهم واقفين.
ما يشمل الكفار؟ لا، أهل الأوثان يتبعون أوثانهم كما في أول الحديث.
الكفار يرون الله؟ وقع خلاف بين أهل السنة.
لأن الله سبحانه قال: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥﴾ [المطففين: ١٥].
فبعضهم قال: الحجب يكون بعد نظر.
وهذا يكون أشد عليهم.
ومن الناس من قالوا لا يرون الله قط.
فَمَنْ كَذَّبَ بِهَذَا، أَوْ رَدَّهُ، أَوْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ طَعَنَ عَلَى رَاوِيهِ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، كَذَلِكَ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ..
يعني مثل الإمام أحمد.
وأكثر مسائل فيها خلاف ثلاث مسائل بين الجهمية وأهل السنة: الرؤية، والكلام، والعلو.
العلو الذي ينفي العلو كأنه عطل وجود الله.
والذي ينفي الكلام نفى الرسالة في حقيقة الأمر.
والرؤيا هذا كأنه نفى مسألة المعاد في النهاية يعني.
لأن هي خلاصة الأمر.
الأشاعرة لهم مذهب في الرؤية، نفس مذهب الجهمية، قالوا: نثبت لله الرؤية.
كيف؟ احنا ما نكذب بالرؤية يا سلام.
نثبت الرؤية.
إيش الرؤية عندنا؟ أين الرؤية؟ الرؤية يرون إلى غير جهة. طبعاً ﴿كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ﴾ القمر فوق، فهو شيء يلزمهم إثبات العلو.
قال: لا، نثبت رؤية إلى غير جهة.
ممكن تشوفه من قفاه، ما في إشكال، بعض متأخريهم قالوا: الرؤية زيادة العلم.
أولوا، رجعوا لقول المعتزلة.
مثل الرازي والغزالي وقالوا الرؤية زيادة العلم.
مع أن الحديث إيش؟ "كما ترون القمر".
القمر زيادة علم ولا نظر بصري مرئي؟ مرئي.
أما استدلالاتهم ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. فالرد عليها سهل.
الله يرى لكنه لا يدرك.
لا يدرك يعني الإحاطة.
أنت تنظر إلى السماء ولا تدركها.
﴿إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١].
وعادي نحمله على الدنيا ما في إشكال.
وقول الله عز وجل لموسى ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. "لن" هذه ليست للتأبيد.
﴿وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا﴾ [البقرة: ٩٥]، بعدين يتمنون، ﴿لَن تَرَاٰنِي﴾ تحمل على الدنيا.
وإذا الله عز وجل تجلى للجبل وهو حجر، ما يتجلى لعباده المؤمنين يوم القيامة؟
فهذه يعني الأدلة معروفة وكنا يعني بس استعرضنا المسائل في كتاب السنة.
وأدلة الرؤية على عدة أنحاء.
جاءت أدلة بالتصريح بالنظر ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، وتقول نظرت إلى كذا، لا تحمل إلا النظر.
وجاء دليل ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥﴾، استدل به مالك والشافعي على أن إذا كان الكافر محجوباً، إذاً المؤمن يرى.
وجاء تصريح بالرؤية "إنكم سترون ربكم".
وجاء حديث "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" حديث الدجال، فمعناته أنك بعد أن تموت تراه.
وجاءت نصوص اللقاء ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ﴾ [الكهف: ١١٠] ويقول واللقاء لا يكون إلا بنظر ورؤية.
وجاء من سؤال النبي ﷺ "اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة".
وجاء حديث الساق.
فهذه الأدلة كلها على بعضها بلغت مرحلة القطعية.
بتواردها وغير ذلك.
وجاءت في تفسير الزيادة، ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ [يونس: ٢٦].
قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
كما ورد في حديث صهيب في صحيح مسلم.
هذه كلها هذه الأدلة يكفر بها الإباضية، يكفر بها الزيدية، يكفر بها الرافضة، يكفر بها الأشعرية في حقيقة قولهم.
فالأمر الحمد لله يعني.
وورد حديث أنه أهل الجنة منزلتهم، منهم من يرى الله مرتين.
وهذا حديث ضعيف.
وبعضهم استدل بحديث: "فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا".
قال: معناته أنك ترى الله مرتين.
لا، هذا قياس ما يصلح.
وذكر عن بعض السلف أنه رُئي في المنام بعد أن مات يعني، فقيل له يعني ما فعل الله بك؟ فقال: الحمد لله نرى الله كل يوم مرتين.
فالشاهد والمراد أنه الحمد لله الأدلة واضحة وبينة في هذه المسألة وهؤلاء المعتزلة يعني والإباضية وغيرهم ما عندهم ما... ما في ذلك.
وصرح الإمام أحمد أنه منكر الرؤية كافر.
وصرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن كفر منكر العلو أظهر من كفر منكر الرؤية.
طيب، الله عز وجل يرى في المنام؟ إجماع أهل السنة أن الله يرى في المنام.
ورد حديث "رأيت ربي في أحسن صورة" النبي يقول.
وورد عن جماعة من السلف يقول: رأيت الله في المنام.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية نقل إجماع أهل السنة على أن الله يرى في المنام لكن على غير صورته الحقيقية، بحسب إيمانك يظهر لك.
يقول وقال إن الرؤيا في المنام لم ينكرها إلا الجهمية المعتزلة.
والصوفية مثل ما مر معنا في دروس الحموية قالوا إن الله يرى في الدنيا.
وهذا قول باطل وكفر.
«إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا».
الذي يقول إني رأيت الله عز وجل في الدنيا فهو كافر.
وكلمة "رأيت الله في ميدان التحرير"، هذه كلمة خطيرة جداً وكفرية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد، فهذا يعني مجلس جديد في دراسة كتاب شرح الإبانة عن أصول الديانة للإمام ابن بطة رحمه الله تعالى.
٢٧٩ - ثُمَّ الْإِيمَانُ وَالْقَبُولُ وَالتَّصْدِيقُ بِكُلِّ مَا رَوَتْهُ الْعُلَمَاءُ، وَنَقَلَهُ الثِّقَاتُ أَهْلُ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَلَقَّيْهَا بِالْقَبُولِ.
لَا تُرَدُّ بِالْمَعَارِيضِ، وَلَا يُقَالُ: لِمَ؟ وَكَيْفَ؟
وَلَا تُحْمَلُ عَلَى الْمَعْقُولِ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا الْمَقَايِيسُ،
وَلَا يُعْمَلُ لَهَا التَّفَاسِيرُ؛ إِلَّا مَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
أَوْ رَجُلٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ قَوْلُهُ شِفَاءٌ وَحُجَّةٌ.
مِثْلُ: أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَالرُّؤْيَةِ.
وَمِثْلُ مَا رُوِيَ:
يقول: "ولا يعمل لها التفاسير إلا ما فسره رسول الله ﷺ".
يعني يدعو إلى رد التفاسير المحدثة من تفاسير المعتزلة والجهمية.
وقوله: "ولا تضرب لها المقاييس"، نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا قياس في مسائل الاعتقاد المتعلقة بباب الصفات.
ويقول بعض السلف: "ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس".
ما المراد بهذا؟ يقولون أول من قاس إبليس، قال: ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُۖ﴾، عارض الأمر بهذا: ﴿خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾. فاستخدام القياس في مقابل النص هذا باطل.
المعطلة يستخدمون قياساً يسمى قياس الشاهد على الغائب. ما معنى هذا؟ معناه أنه إذا قرأ في النصوص أن لله يداً، ﴿بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ﴾. مباشرة ينظر إلى يده، فيقول: لله يد مثل يدي، يشبه أولاً، فيقول لا نؤولها.
يعني لحم ودم وكذا وكذا.
أيضاً مثل ما ذكرنا في صفة الغضب، إيش قالوا؟ قالوا الغضب غليان الدم في القلب، فبناء عليه لا يمكن أن نثبت هذا لله عز وجل، هذا قياس فاسد.
قياس الشاهد على الغائب.
الشاهد من؟ المخلوق الذي تراه.
الغائب ها هو الله عز وجل، يعني غائب عن، وهذا من أفسد القياس، إذ إن الخالق لا يقاس على المخلوق.
أيضاً من ذلك مثلاً، يقولون إذا ذكرت لهم حديث النزول، يقول لك: طيب كيف ينزل؟ يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟ هكذا يبدأ يقيس على المخلوق.
الرجل يلزم أن يخلو من العرش، لا يلزم، بل لا يخلو من العرش على اعتقاد أهل السنة.
يأتي يقول: ثلث الليل الآخر يختلف من بلد إلى بلد.
هذا كله، ما ما الجواب؟ تقول له: أنت تقيس الله عز وجل على نفسك، والله عز وجل ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾.
القياس ثلاثة أنواع:
- قياس شمول: هو قاعدة كلية تدخل فيها جميع الأفراد، مثل قوله: "كل مسكر حرام"، فكل شيء مسكر يصبح حراماً، هذا يسمونه قياس الشمول اللي هو الكلية.
- قياس العلة: الذي هو إلحاق فرع بأصل لاتفاقهما بالعلة.
مثل الآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ﴾. فالله عز وجل علل أن الخمر والميسر سبب حرمة الخمر والميسر إيقاع العداوة.
نأتي إلى أي شيء آخر يوقع العداوة والبغضاء مثل الأحزاب السياسة، أنا أقول هذا محرم، لما؟ لأنه يوقع العداوة والبغضاء، بمعنى بالعلة. - قياس الأولى: هذا استخدامه صحيح في حق الله عز وجل، وحتى في النصوص، ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ﴾. ما معناه؟ معناه: مانح الكمال أولى به.
يعني أنت عندك علم، من الذي منحك العلم؟ الله عز وجل، إذا هو أولى بهذا.
أقول: ولله المثل الأعلى.
هو الله عز وجل منحك السمع، منحك البصر.
بعض المخلوقات تفعل لحكمة، وتراه يفعل إلا لحكمة وبخبرة وكذا، الله عز وجل أولى.
الجمال الذي تراه في المخلوقات، الله عز وجل هو مانح الجمال، فهو أولى بهذا.
ولهذا الله عز وجل ضرب للمشركين المثل في مثل هذا الاعتبار، ضرب لهم أنهم لا يرضون أن يكون أحد عبيدهم يعني يعمل لغيرهم، قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ﴾. فقياس الأولى هذا هو القياس الوحيد الذي يصح استخدامه في حق الله عز وجل مقيداً بما ورد في النصوص والآثار.
فهمت هذه النقطة؟ على كلمة: "ولا تضرب لها المقاييس".
٢٨٠ - «أَنَّ اللَّهَ عز وجل يَضَعُ السَّمَوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ».
وهذا الحديث في الصحيح، أن الله يضع السماء على أصبع، والأراضين على أصبع، والشجر على أصبع.
جاء يهودي إلى النبي ﷺ قال إننا نجد، فتبسم النبي ﷺ ضاحكاً.
يقول ابن مسعود: تصديقاً.
المعطلة عارضوا، وقالوا: لا لا لا، ما هو تصديق، تبسم النبي ﷺ تعجباً.
وكان قد رد ابن خزيمة على مثل هذا الكلام في كتاب التوحيد، قال: يعني الله عز وجل يُنسب له على قولكم يعني ما لا يليق به من قبل إنسان يهودي، والنبي ﷺ كل ما يفعله أنه يتبسم، هذا لا يليق.
النبي ﷺ لم يغضب لله عز وجل.
يقول له الصحابة: ما شاء الله وشئت، يقول: "بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله نداً؟".
يقول: "بئس خطيب القوم أنت".
بل التبسم كان تصديقاً.
بل إن الشرائع كلها اتفقت على إثبات الصفات، اليهودية والنصرانية والإسلام كلها فيها إثبات صفات.
الله عز وجل لم ينزل في القرآن إنكاراً عليهم في إثبات العلو، نزل عليهم إنكاراً في قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء، ونزل عليهم إنكاراً في قولهم يد الله مغلولة، ونزل عليهم إنكاراً في نسبتهم الصاحبة والولد لله عز وجل، ولكن لم ينكر عليهم أنهم أثبتوا له يداً أو أثبتوا له العلو، معروف، دعاء معروف عندهم، "أبانا الذي في السماء" هكذا يقولون "أبانا الذي في السماء تقدس اسمه".
٢٨١ - «وَأَنَّ اللَّهَ ﷺ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي النَّارِ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ».
وهذا فيه إثبات صفة القدم لله عز وجل، وفي رواية يضع رجله.
بعضهم قال تأول القدم بجماعة من الناس، وهذا تأويل لا يعني لا يجري على أصول العربية، وما تصنع برواية رجله؟
٢٨٢ - «وَقُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ».
يقلبها كيف يشاء.
في رواية مسلم: "يقلبها كما يشاء".
اعترض المعطلة قالوا يعني معنى هذا أنه ما من شخص مسلم إلا وفي صدره إصبعين؟ بل كل شخص إصبعين من أصابع الرحمن؟ فيلزم من هذا أن يكون يعني الله عز وجل أصابعه ماسة أو كذا.
فكان جواب شيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة "بين" لا تقتضي المماسة، ﴿وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾. القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، هذا لا يعني أن الله عز وجل يماس قلبك بالضرورة.
وبعض الروايات لما حدث بالحديث أشار بإصبعه هكذا إشارة حسية لتوكيد المعنى، وإلا فالإصبعين ليس كإصبعين.
٢٨٣ - «وَأَنَّ اللَّهَ عز وجل عَلَى الْعَرْشِ، وَلِلْعَرْشِ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ».
هذا الحديث اختلف في إسناده، فمنهم من رواه مرفوعاً: "يجلس الله على العرش فيئط أطيطاً كأطيط الرحل الجديد"، حديث عمر.
الصواب فيه والله أعلم أنه موقوف على عمر ويكون له حكم الرفع.
وهذا الحديث صححه جماعة من علماء أهل السنة، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أكثر أهل السنة قبلوه.
وصححه الضياء المقدسي والدشتي وأحمد، ووكيع بل ادعى الذهبي في "العرش" الاتفاق على تلقيه بالقبول.
ومن أعله إنما أعله لحال عبد الله بن خليفة الهمداني الراوي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن خليفة هذا قالوا مجهول، والحق أن جهالته تغتفر باحتجاج أئمة أهل السنة كالدارمي وعبد الله بن أحمد بحديثه، فهذا يقتضي رفع الجهالة عنه، وهو روى عن عمر أثرين أحدهما قد توبع عليه، فهذا يدل على أنه يضبط حديثه بشكل جيد.
وبعضهم أعله بعنعنة أبي إسحاق السبيعي، وقالوا هو مدلس.
أبو إسحاق السبيعي الراجح والصواب أن عنعنته لا تضر إلا فيما استيقن أنه قد دلس فيه، وإلا فإن عنعنته كما نبه الإمام أحمد في حق الأعمش وهو قرين أبي إسحاق، قالوا الأعمش متى تصطاد له الألفاظ؟ قال يضيق هذا، وأبو إسحاق أحد الستة الذين عليهم مدار الإسناد.
ولم يرو عن عبد الله بن خليفة إلا أبو إسحاق السبيعي، وهذه مظنة أنه سمعه.
وقال وكيع: أدركنا الأئمة سفيان والأعمش وغيرهم يحدثون بهذا لا ينكره أحد.
كما ذكر ذلك عبد الله ابن أحمد في السنة، ونقل هذا النص الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد، وعلق الشيخ سليمان بن سحمان على كلمة الذهبي لما ذكر الذين صححوا هذا الحديث، فقال الذهبي بعدها: فمن نحن حتى نتحذلق؟ يعني يعرض بابن عساكر وغيره قال: من نحن حتى نتحذلق؟ إذا كان كل هؤلاء الأئمة قد صحح الحديث وتلقوه بالقبول.
علق الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق.
قال: فإذا كان هذا قول أئمة الإسلام فلا عبرة بالجهلة الطغام.
الأطيط هو الأثر من وقوع ثقل على الشيء، «أَطَّتِ ٱلسَّمَوٰتِ وَحُقَّ لَهَآ أَن تَأِطَّۚ»، أي ثقلت بالملائكة، فكانت يعني تثقل قليلاً هكذا، هذا معنى الأطيط.
وبالنسبة لموضوع الجلوس، ليس هذا هو الخبر الوحيد في المسألة، بل ورد أيضاً تفسير بعض السلف للاستواء بالجلوس، كعبد الوهاب الوراق صاحب الإمام أحمد، وخارجة بن مصعب، وورد عن عكرمة والحسن البصري، وسيأتي إن شاء الله أثر مجاهد.
٢٨٤ - «وَأَنَّ اللَّهَ عز وجل أَخَذَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، فَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي».
وهذا ورد في حديث ثابت "وكلتا يديه يمين مباركة"، هنا محل إشكال، إذ إن ورد تسمية يد الله عز وجل الأخرى بـ**"الشمال"** في صحيح مسلم وبعض الأخبار.
فما التوجيه؟ بعضهم من صحح قال: "يمين مباركة" بمعنى من اليُمن، هي يمين، ويمين مباركة بمعنى أن الخير يأتي منها، وإن كانت هي في حقيقتها شمال ولكنها كاليمين.
وهذا طبعاً يبطل تأويل اليدين بالنعمة أو القدرة، لأن القدرة لا توصف بيمين ولا بشمال.
ومن الناس من ضعف الأحاديث الواردة في الشمال، منهم ابن خزيمة رحمه الله في كتاب التوحيد ضعف الحديث الوارد في صحيح مسلم.
وهناك خبر وارد عن سلمان الفارسي موقوف عليه أن الله خمر طينة آدم أربعين يوماً ثم ذكر في الأثر يده الشمال، ولفظة "يده الشمال" هذه شاذة تفرد بها حماد بن سلمة، والأكثر رواه "بيده الأخرى" كما في حديث صحيح مسلم.
وهنا خبر مرفوع عن أبي الدرداء أن الله عز وجل نثر، قال للذي في يده اليمنى إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في يده الذين في يده اليسرى إلى النار ولا أبالي، أو في يده الشمال، هكذا الروايات، هكذا إلى النار ولا أبالي.
وهذا الحديث في الحقيقة فيه تفرد غريب اسمه يعني سليمان بن عتبة، وأورده البزار في مسنده المعلل.
فالذي يظهر عندي والراجح أن أحاديث الشمال لا يصح منها شيء، ولكن صحح ذلك جماعة من أهل السنة، فمثل هذا الخلاف ليس مما يكون فيه التشنيع أو الحط على مخالف.
٢٨٥ - «وَلَا يَقْبحُ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».
حديث "إن الله خلق آدم على صورته"، اختلفت فيه أنظار الناس، وأهل السنة مقالتهم في هذا واحدة في الجملة.
فالإمام أحمد رحمه الله صحح رواية: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن". بل إن الإمام أحمد رحمه الله شنع على من يقول: "إن الله خلق آدم على صورة آدم"، وكلامه في أبي ثور معروف، من أنه يعني بدّعه وجهمه لقوله: "إن الله خلق آدم على صورة آدم".
وذلك لأن "إن الله خلق آدم على صورة آدم" هذا ليس كلاماً عربياً فصيحاً ولا يفيد أي شيء.
ثم أول الحديث قال: "لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته". طيب، لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، ما العلاقة؟
ثم إننا لو قلنا إن الله خلق آدم على صورة آدم، معنى ذلك حتى الظهر يصير حرام، حتى الرجل يصير حرام ما تضرب.
وأما "طوله ستون ذراعاً"، فهذه زيادة يعني مدرجة.
ما هو دائماً يرجع الهاء إلى أقرب مذكور؟ أيضاً، أي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟ مثلاً تقول: أنا صنعت كذا على مثال كذا، لازم يكون "كذا" الثاني هذا موجود.
ولهذا الإمام أحمد قال: أي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟ في أوجه كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في النقض على من قال بهذا وزلّت قدمه كأبي ثور وابن خزيمة رحمه الله تعالى.
وبعضهم قال "إن الله خلق آدم على صورته" يعني على صورة المضروب، وهذا تأويل أبعد بكثير، إذ أنه لا يقال "الوالد على صورة ولده"، وإنما يقال "الولد على صورة والده".
وإذا كان كذلك فمعناه أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب، فيكون الحكم خاصاً في هذا المضروب، وليس الأمر كذلك.
"إن الله خلق آدم على صورته" ألا يفيد هذا تشبيهاً؟ أو "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" والصورة هي الوجه طبعاً.
ألا يفيد هذا تشبيهاً؟ لا أبداً.
أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة القمر، ما هو معناه الواحد على رأسه كوكب هكذا.
هذا لا أبداً.
"على صورة"، يعني أن هناك قدراً مشتركاً.
الآدمي له وجه وفيه سمع وفيه بصر، والله عز وجل له وجه وفيه سمع وفيه بصر هكذا.
الله عز وجل كرم، لكن لا الوجه كالوجه، ولا السمع كالسمع، ولا البصر كالبصر.
مفهوم؟ هذه المسألة هي مثلاً فيها نوع من الدقة، إذا ما هي مفهومة نعيد من فوق الحديث هذا.
المعطلة ما يقولون بهذا الحديث، يقولون منكر باطل، ومنهم من يؤوله.
الناس من قالوا مثل ابن خزيمة مثل يعني الشيخ الألباني قالوا: لا، إن الله خلق آدم على صورة آدم.
ونبهنا لهذا، يعني نحن أطلنا الكلام في هذا، وفي نقل كلام الإمام أحمد ومن سواه، وفي رسالة للشيخ حمود التويجري جيدة، وفي رسالة للشيخ عبد الله الدويش، وفي رسالة للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله يعني في هذا الحديث.
والحمد لله يعني حقيقة المشاهد في هذه الأيام أن الناس في هذا الحديث عامتهم يعني عامتهم على الكلام السليم في هذا الحديث والحمد لله تعالى.
٢٨٦ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ..» كَذَا.
وردت روايات "رأيت ربي في أحسن صورة" وهذا أصح شيء.
ووردت روايات "رأيت ربي في صورة شاب أمرد" في حديث أم الطفيل وحديث ابن عباس.
أما في حديث ابن عباس فلا يصح، وأما حديث أم الطفيل فهذا حصل فيه بحث بين المحدثين.
والإمام أحمد، خلافاً لما نسبه له أبو يعلى، روى هذا الحديث، حديث ابن عباس في المسند من غير زيادة "شاب أمرد".
وذكر الخلال في "المنتخب من العلل" للإمام أحمد أن له كلاماً في حديث "رأيت ربي" ولم يذكر "في صورة شاب أمرد".
وأبو يعلى جاء تبرع من عنده وتابعه المحقق فزاد زيادة هكذا من أوهموه أن الإمام أحمد يصحح هذه اللفظة.
وهذه اللفظة إن صحت فهي رؤيا منام.
وذكرنا أن رؤيا المنام باتفاق حتى الأشاعرة معنا أن الله عز وجل يرى على غير صورته الحقيقية، وإنما المسألة تمثيل.
مفهوم؟
وأما حديث "رأيت ربي في أحسن صورة"، فهذا حديث صحيح، قال: «فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى».
ورؤية الله عز وجل في المنام... "رأيت ربي في أحسن صورة"، هذا حديث ثابت وهو رؤيا منامية.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية الاتفاق على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه في الأرض.
وأما ليلة المعراج ففيه خلاف بين أهل السنة.
والمراد أن الرؤية المنامية لا ينكرها إلا المعتزلة أو الجهمية.
وأما أهل السنة كما نقل الاتفاق، وحتى الأشعرية معهم، نقل ذلك النووي، يرون أن الله عز وجل يجوز أن يرى في المنام ولكن على غير صورته الحقيقية.
وقد ورد في آثار أخبار عن السلف مثلاً يقول: رأيت الله في المنام، يقول والله لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي.
فهذا بارك الله فيكم يعني اعتقاد أهل السنة.
وقد روى هذه الأحاديث الثقات من الصحابة السادات من العلماء من بعدهم، مثل ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وجرير بن عبد الله وأنس بن مالك.
يعني ابن عمر: «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن». وأبو هريرة: «أن الله خلقنا على صورته». وابن عباس: «رأيت ربي في أحسن صورة». وجرير: حديث الرؤية.
٢٨٧ - وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟».
وردت أحاديث أن الله إذا ذهب شطر الليل نزل، وكأنها تعارض هذه التي تقول ثلث الليل الآخر.
رجح شيخ الإسلام ابن تيمية "ثلث الليل الآخر" لأنها رواية الصحيحين وهي الأكثر.
أولا المعطلة أولوا هذا الحديث قالوا إن الله ينزل ملكاً، وهذا خلاف ظاهر النص.
ثم إن الملك لا يقول "من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟".
ثانيا الملائكة تنزل باستمرار، ترتفع وتنزل عند صلاة الفجر وصلاة العصر.
وبعضهم أولها بالرحمة، طيب أي الرحمة تصل إلى السماء الدنيا ثم لا تصل؟ لا بد أن تنزل الرحمة.
ثالثاً، إذا نزل الله هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ قول أهل السنة كحماد بن زيد وإسحاق أن العلو صفة ذاتية، يقول هو في مكانه يقرب كيف يشاء، فلا يخلو.
والقول بأنه يخلو هذا ليس قولاً لمتقدمي أهل السنة، وإنما قول لبعض المتأخرين.
والمواطن التي صح فيها أن الله عز وجل ينزل، ذكرنا:
- ينزل يوم القيامة لفصل القضاء، كما صح عن ابن عباس عنده في كتاب الأهوال لابن أبي الدنيا.
- وصح أنه ينزل عشية يوم عرفة، كما روي عن أم سلمة، ورد رواية يدنو يعني يقرب، وهذه كلها فيها نفي قول الجهمية أن الله في كل مكان.
- والموطن الثالث ورد أنه ينزل في رمضان في حديث مرفوع ذكره ابن أبي عاصم في السنة.
- الموطن الرابع هذا هنا ينزل إلى السماء الدنيا.
- ورد النزول في ليلة النصف من شعبان، هذا الخامس، وهذا الحديث فيه لا يصح كما ذكر ذلك العقيلي في كتاب الضعفاء له.
لا تصح ليلة النصف من شعبان.
فهذه المواطن التي صح فيها أن الله عز وجل ينزل، وفي رواية "نزل"، وفي رواية "يهبط"، هذه كلها روايات صحيحة.
"يهبط"، "يتنزل"، "ينزل"، هذه كلها.
وقد جمع الدارقطني في ذلك كتاباً، جزءاً في النزول تحسن مراجعته.
وقد نص أئمة أهل السنة على أن من أنكر النزول فهو جهمي.
لا يُقالُ لهذا كلِّه: كيف؟ ولا لِمَ؟ بل تسليمًا للقدرةِ، وإيمانًا بالغيبِ.
﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ﴾ صدق الأخبار وعدل الأوامر.
وإيمانًا بالغيب، كلما عَجَزَتِ العقولُ عن معرفتِه، فالعلمُ به وعينُ الهدايةِ فيه: الإيمانُ به، والتسليمُ له، وتصديقُ رسولِ اللهِ ﷺ فيما قالَه هو أصلُ العلمِ، وعينُ الهدايةِ.
لا تُضرَبُ لهذه الأحاديثِ وما شاكلَها المقاييسُ، ولا تُعارَضُ بالأمثالِ والنظائرِ.
لا يقال "كيف" لأن الله عز وجل أخبرك بنزوله ولم يخبرك بالكيفية.
وأنت لا تعرف كيفية الشيء حتى تراه، أو ترى نظيراً له، أو يخبرك عنه الصادق.
والله عز وجل لم نره، وليس له نظير، والصادق المصدوق أخبرنا بالخبر ولم يخبرنا بالكيفية.
فصفات الله عز وجل لها كيفية لا شك، والكيف مجهولة، وذكرنا "يقلبها كيف يشاء"، ولكن هذه الكيفية نحن نجهلها، لا نعرفها.
ولا لم؟ لم هذا للأمر، كيف للخبر، لم للأمر.
بعض الناس يسأل يقول: ما الحكمة من كذا؟ إذا على وجه الاسترشاد لا إشكال، ولكن إذا على وجه: إذا لم تخبرني بالحكمة لن أفعل، لا، هذا يكون خالف منهاج أهل السنة.
٢٨٨ - ثُمَّ الْإِيمَانُ بِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عليه السلام يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَتَكُونُ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً.
٢٨٩ - وَالدَّجَّالُ خَارِجٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا مَحَالَةَ، إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، وَيَطَأُ الْأَرْضَ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ.
وَيَقْتُلُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام بِبَابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ بِأَرْضِ فِلَسْطِينَ، عَلَى قَدْرِ مَسِيرَةِ مِيلٍ مِنْ الرَّمْلَةِ.
الآن البحث في مسألة نزول عيسى والدجال، والذي أنكره أهل الاعتزال قديماً وحديثاً.
ما يتعلق بالدجال، مسائل:
- في صفته: وهو أنه جعد أعور عينه كأنها عنبة طافية.
في الصحيحين أن عينه اليمنى هي العوراء، وفي رواية خارج الصحيحين وثابتة أن عينه الشمال هي العوراء.
وهذا اختلاف إما أن يلجأ فيه إلى الترجيح أو الجمع.
بعضهم قال: إحدى عينيه عوراء والأخرى كأنها عنبة طافية، ففيها نوع عور.
بين عينيه "كافر" يقرأها كل قارئ وغير قارئ من أهل الإيمان. - يرسله الله عز وجل في آخر الزمان امتحاناً.
وجه استشكال المعتزلة قالوا: كيف؟ كيف يستطيع أن يمسح الأرض في أربعين يوماً؟ وأحياناً يحيي الموتى، وأكثر أتباعه الأعراب والنساء.
والدجال يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت.
قالوا: كيف هذا؟ هذه قدرة للرب أو قالوا هذه كيف، هذه معجزات؟ ولا يصلح هذا.
كيف معجزات يؤيد بها فاجر مثل هذا؟ هذا وجه استشكالهم. - الجواب على هذا الاستشكال: أن الله عز وجل جعل فيه ما ينقض دعواه من العور.
النبي ﷺ قال: «إن ربكم ليس بأعور، وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». وهو لا يدعي نبوة في آخر أمره، هو ابتداءً يبدأ بالنبوة، ثم يدعي أنه رب.
وأعظم الناس إيماناً في ذلك الوقت الرجل الذي يأتيه فيناظره، فيقول له: أرأيت إن قتلتك وأحييتك تؤمن بي؟ فيقتله ثم يحييه، فيقول: ما ازددت بك إلا يقيناً، أنت الدجال الذي حدثنا عنه رسول الله ﷺ. فيريد الدجال أن يقتله أخرى فلا يستطيع. - ثم إنه عاجز عن مكة والمدينة كما ذكر المصنف، وصح حديث في أنه أيضاً لا يدخل بيت المقدس.
وورد في حديث الجساسة أنه موجود الآن.
بعضهم اعترض على هذا قال: الآن الأرض مسحت بشكل كلي تماماً، فأين الدجال؟ لو سلمنا لك أن الأرض مسحت وأن هذه ليست مجرد دعوى لا دليل عليها، فإن الأرض مسحت بالظاهر، وأما كل باطن لا يدرى، وقد يكون غفلوا عن شيء وهذا أمر طبيعي، وقد يكون الله عز وجل أعمى بصائرهم عن هذا الرجل.
يعني هذه مسألة جداً قريبة للعقل. - وأحاديث الدجال متواترة.
وعُثر على حيوان أول مرة يشوفونه في إحدى الغابات في أمريكا، حيوان أول مرة يشوفونه من فصيلة كذا، وذكر وأنثى، مو شخص واحد.
هو شخص واحد وهو راعي خوارق، يعني هو يستطيع أن يختفي.
هو رجل يعني كل هالمصائب اللي عنده. - ويخرج من غضبة يغضبها.
ورد الحديث أن لا يخرج إلا... ورد حديث فيه ضعف ولكن قد يكون معناه صحيح، أن الدجال لا يخرج إلا إذا نُسي ذكره على المنابر، لم يعد يُذكر، إذا غفل الناس عنه تماماً بعد ذلك يخرج.
وفعلاً يعني لا تستغربوا، فإن الجهل سبحان الله يسود ويخيم في كثير من الأماكن وربما انتشر هذا الأمر.
ويتبعه سبعون ألفاً من يهود أصفهان عليهم الطيالسة.
والأخبار فيه كثيرة جداً كنا قد قرأنا طائفة منها في "السنة" للإمام عبد الله بن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. - وذكر في حديث في صحيح مسلم أن الذي يحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف يُعصم من الدجال.
وذكر نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن عبيد بن عمير -وهو قاص أهل مكة، تابعي مخضرم- يقول إن أناساً يتبعون الدجال إذا خرج ويقولون: إننا نعلم أنه كافر ولكن نتبعه من أجل ما يعطينا، يقول فإذا نزل عذاب الله نزل عليهم جميعاً.
ومما يتعلق بالدجال هل هو ابن صياد؟ ابن صياد هذا دجال ظهر في زمن الصحابة.
هل هو ابن صياد؟ ابن صياد ناظره أبو سعيد الخدري، قال يقولون إني أنا الدجال، ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه لا يولد له وأنا قد وُلد لي؟ ألست سمعت النبي ﷺ يقول لا يدخل مكة والمدينة وأنا... يقول أبو سعيد فرققت له، حتى قال: ولو شئت لأخبرتك بمكانه.
فقال له أبو سعيد: تباً لك سائر اليوم! أو كلمة نحوها.
غير أن بعض الصحابة، عدد كبير، ابن مسعود كان يحلف أن ابن صياد هو الدجال.
أبو الدرداء كان يحلف.
وعمر كان يحلف.
يعني تقريباً هؤلاء الثلاثة الذين يحضرونني.
بل نص أبو الدرداء: لأن أحلف سبع مرات أنه الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة أنه ليس بالدجال.
وهو فُقد في حروب الردة.
ذكر هذا الحافظ ابن حجر أن هذا الرجل في حروب الردة فُقد ومعه... اللي هو ابن صياد.
فبعضهم اختار أن ابن صياد هو الدجال.
قال: طيب، ايش الجواب على احتجاجه أنه ليس هو الدجال؟ قال: الجواب أنه إذا ظهر المرة الأخرى سيكون على تلك الحال، أنه لا يدخل مكة ولا المدينة ولا يولد له.
والله أعلم.
يعني لكن أردت أن أنبه أن المسألة فيها خلاف قوي بين الصحابة.
والنبي ﷺ قال: "لو خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه".
وذكر النبي ﷺ أنه ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال.
هذه بعض المسائل التي تتعلق بأمر الدجال مما يحضر الآن في الذهن.
قال مطرف رحمه الله: أكثر أتباع الدجال اليهود وأهل البدع.
أهل البدع؟ مطرف تابعي كبير، وفعلاً هؤلاء الذين اغتروا بالدجاجلة الصغار، فمن باب أولى أنهم يغترون بالدجال الكبير.
بالنسبة لعيسى ابن مريم، فطوائف كثيرة ينكرون أنه يعيش في السماء الآن.
وقول الله عز وجل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ﴾، ورفع الله إليه.
وذكر الله عز وجل أنه توفاه.
فاعتمد القاديانية ومن سواهم على لفظ التوفي.
قالوا هذا معناه أنه مات.
وليس الأمر كذلك.
الله يتوفى الأنفس حين موتها ومن لم تمت في منامها.
فهذا توفي، ما هو توفي الموت.
وسينزل عيسى ابن مريم ويمكث في الأرض حتى يكمل الأربعين عاماً عليه الصلاة والسلام ويقتل الدجال بباب لد.
وذكر ابن سيرين أنه لا يصلي بالناس، يصلي به المهدي.
وهنا نكتة وأمر لطيف.
عيسى ابن مريم وهو عيسى ابن مريم، وهو نبي من أولي العزم، إذا نزل يأبى أن يحكم بشريعته، ويأبى أن يحمل الناس على غير شريعة النبي ﷺ، بل يأبى أن يصلي بالناس.
فمن باب أولى من هو دون الأنبياء أنه لا يعارض شريعة النبي ﷺ بشيء.
شريعة النبي هذه لها حرمة عظيمة، هي آخر الشرائع التي أنزلها الله عز وجل.
وذكر ابن سيرين أن المهدي هو الذي يصلي بعيسى ابن مريم.
والحديث في الصحيح من دون ذكر المهدي يقول: "إمامكم منكم".
وذكروا أحوالاً من أن الذئاب لا تعدو على الغنم، وأنه تطرح البركة، وأن السباع... وهذا حصل شيء منه في زمن عمر بن عبد العزيز، وتحصل البركة العظيمة، ثم سبحان الله عيسى ابن مريم ينزل وكذا ثم بعد ذلك بعد أن يموت، بعد فترة من الزمن يرجعون الناس إلى الكفر.
وهذا والله شيء عجيب، يعود الناس إلى الكفر ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
المشهور أنه ينزل وهو عمره ثلاثة وثلاثين.
في شيء ثابت لأنه ابن القيم ذكر في البداية والنهاية أن عيسى يجلس ستة... روايات يعني متضاربة في كم يجلس عيسى.
بعضهم ذكر أربعين عاماً، بعضهم ذكر كما قلت.
أنا الآن ما يحضرني البحث بالضبط لكن الرواية اللي في صحيح مسلم تخالف الرواية في جامع الترمذي.
ولا يحضرني البحث الآن.
والأحاديث في نزول المسيح متواترة، رواها جماعة.
في هذا العصر كثيرون ينكرونها بعض العقلانيون ينكرون هذا، القاديانية وغيرهم.
وبعضهم قال: يعني اعترض على هذه العقيدة قال: لا توجد في القرآن.
وابن عباس ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦ﴾ فسرها على نزول عيسى وغيره من السلف فسرها على أنه اليهودي قبل موته حتى وهو يحتضر يرى ما يجعله يؤمن بعيسى بن مريم وكذلك النصراني.
وتفسير ابن عباس يعني واضح.
وليس من شرط العقيدة أن تكون موجودة في القرآن.
«إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ«.
ثم إن القرآن من أين اكتسب درجة التواتر عندك؟ من التواتر.
هذه أحاديث نزول المسيح وأحاديث الدجال متواترة، رواها كثير الكثير من الصحابة.
٢٩٠ - ثُمَّ الْإِيمَانُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ [وَ] أَنَّهُ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ، ثُمَّ تُرَدُّ فِي الْأَجْسَادِ فِي الْقُبُورِ.
٢٩١ - وَالْإِيمَانُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ؛ فَينفخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ.
تكلمنا عن مسألة الأرواح، وملك الموت له أعوان، وكان يتشكل أحياناً بصورة آدمي في الأزمنة السابقة لما ضربه موسى.
والإيمان بالنفخ في الصور، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل.
ذكرنا في المجلس السابق أن أهل السنة لهم مذاهب في... اختلفوا كم نفخة في الصور، فبعضهم قال ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة الإحياء.
ومنهم من قال: لا، الصعق والفزع واحدة، والإحياء.
وهذا اختيار شيخ الإسلام، الأول اختيار ابن القيم.
٢٩٢ - وَاللَّهُ [جَلَّ وَعَلَا] كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَاتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً.
هذا الذي أنكرها الجعد بن درهم.
﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾.
المعتزلة يقولون: جرحه بأظافر الحكمة.
وهذا تأويل غريب، وقد تقدم الكلام عن صفة الكلام.
والأشاعرة وغيرهم ماذا يقولون؟ يقولون الله عز وجل خلق كلاماً في الشجرة وسمع موسى هذا الكلام من الشجرة، الشجرة تقول له: ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾.
يعني دعوة لعبادة الأشجار في النهاية، هذا قول للغاية في البطلان.
ولو كان جرحه بأظافر الحكمة لما كانت هناك خصوصية لموسى، كل الأنبياء الله عز وجل أنزل عليهم، أما موسى وحده هو كليم الله، وإبراهيم وحده هو خليل الله مع النبي ﷺ.
﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾.
والخُلّة درجة فوق المحبة.
بعضهم يقولون عن النبي حبيب الله، النبي خليل الله، فالخُلّة أعلى.
بعضهم يفسر الخُلّة بالافتقار.
المعطلة يقولون الخُلّة هي الافتقار.
والخَلّة في لغة العرب هي الافتقار وليست الخُلّة.
هذا من جهة.
من جهة ثانية، جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل، فما خصوصية إبراهيم؟ والنبي ﷺ قال: «لو كنت متخذاً خليلاً» يعني لو كنت متخذاً شخصاً أفتقر إليه لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله عز وجل اتخذني خليلاً.
الأشاعرة مثلاً ينكرون أن المؤمنين يلتذون برؤية الله.
الأشاعرة لا يرون ذلك.
فكانوا أجابوا عليهم، قال النبي ﷺ: «أحد جبل يحبنا ونحبه» وهو جبل جماد، ما في مناسبة.
هذه ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ طيب، فسرت المحبة بالثواب، طيب نحن نثيب الله؟ في لغة العرب ما يقال يحبهم ويحبونه، هذه محبة واحدة.
طيب، النبي ﷺ يقول عن الله عز وجل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». يعني حتى أثيبه؟ لا، الثواب حصل في أداء الفريضة، ولكن هذه المحبة شيء أعلى.
٢٩٣ - وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، قَدْ أَحْيَا الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا، كُلُّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عز وجل، وَمَشِيئَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ.
"روح الله" يعني روح من الأرواح التي خلقها الله عز وجل.
"وكلمته" يعني خُلق بالكلمة، قيل له كن فيكون.
وهنا نقل نص عن الإمام أحمد يقول: "وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى.
وذلك أن الجهمية قالوا: عيسى روح الله وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة.
وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله، كأن يقال إن هذه الخرقة من هذا الثوب.
وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة.
وأما قوله: وروح منه، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه.
يقول الله: من أمره.
وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله".
٢٩٤ - وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ.
الله خلق آدم بيده سبحانه وتعالى.
﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ﴾ ولا يقال بلغة العرب فعلت كذا بيديّ إلا للمعنى الحقيقي.
وفي محاجة آدم وموسى، ما الذي يقول آدم لموسى؟ يقول له: كلمك الله وكتب لك التوراة بيده.
يذكر صفة اليد.
آدم وموسى يقول لآدم: خلقك الله بيده.
كلاهما مؤمن بهذا الاعتقاد.
ولو كان "بيده" بمعنى "بقدرته" لم يعد لآدم فضل على إبليس، أصلاً إبليس مخلوق بالقدرة وهذا مخلوق بالقدرة.
فالمعطلة جردوا أباهم آدم من فضيلته، وجردوا إبراهيم وموسى من فضيلتهم، وجردوا النبي من فضيلته لما اقترب من الله عز وجل.
فجلسوا يؤولون يؤولون يؤولون حتى جنوا على عامة أنبياء الله عز وجل.
داوود يقرب يوم القيامة من الله عز وجل، فجردوه من هذه الفضيلة قالوا لا، لا أحد يقترب من الله عز وجل نهائياً.
فجردوا عامة أنبياء الله عز وجل من الفضائل التي أنعم الله عز وجل بها عليهم.
قال: "وغرس جنة الفردوس بيده".
وهذه وردت في أثر مثل حكيم بن جابر، وأورد المحقق أثر ابن عمر: "خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وعدن - جنات عدن، عدن يعني إقامة، جنات إقامة - وآدم، وقال لسائر الخلق: كن فيكون".
وهذه فضيلة لآدم كما ذكرنا أثر عبد الله بن عمرو بن العاص في رد الدارمي على المريسي لما يقول الله عز وجل: "لا أجعل ذرية من خلقته بيدي كمن قلت له كن فيكون".
وقلنا إن الله كتب التوراة بيده، ولا يقال "خلق التوراة"، التوراة غير مخلوقة.
خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن أو غرسها بيده سبحانه وتعالى، والعرش، والقلم.
٢٩٥ - وَمَا رُوِيَ: «ابْنُ آدَمَ، اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكَ، أَذْكُرْكَ فِي نَفْسِي، وَاذْكُرْنِي فِي مَلَأٍ، أَذْكُرْكَ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنَ الْمَلَإِ الَّذِي تَذْكُرُنِي فِيهِ».
هذا فيه رد على الأشاعرة أصحاب الكلام النفسي، الله هنا فرق بين هذا وذاك.
بين الذكر في النفس وبين الذكر في الملأ.
"واذكرك في نفسي"، قول العرب: "ذكرت فلان في نفسي" تطلق حتى على الهمس، على الكلام العادي اللي بينك وبين نفسك، ليس "النفسي" يعني الخواطر التي في نفسك، لا، "في نفسي" يعني بيني وبين نفسي، هذا المعنى.
٢٩٦ - وَمَا رُوِيَ: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ جَاءَنِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
طبعاً هذا الآن في بحث الهرولة وهذا بحث طويل في صفة الهرولة.
فأهل السنة قد اختلفوا في فهم هذه الآثار.
فمن أهل السنة من ذهب إلى إثبات صفة الهرولة لله عز وجل بشكل واضح وصريح.
ويُعزى هذا إلى الدارمي عثمان بن سعيد، وأيضاً إلى ابن موسى المديني صاحب "المغيث في غريب الحديث".
ومنهم من قال لا، كشيخ الإسلام ابن تيمية وما يروى عن إسحاق بن راهوية رحمه الله والأعمش، أنه قال: من تقرب إلي شبراً، أنت تقربك إلى الله حسي ولا معنوي؟ معنوي، أنت لا تذهب إلى السماء هكذا تصعد، فكذلك تقرب الله إليك معنوي.
من أتاني يمشي، أنت تمشي إلى الله أم معنوي؟ معنوي.
أتيته هرولة.
وهذا ليس تأويلاً بل هذا مقتضى ظاهر الكلام، كما نبه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية".
أما المعاصرين فالخلاف بينهم أشد.
٢٩٧ - وَ«عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ شَابٍّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ».
هذا إسناده ضعيف لحال ابن لهيعة.
"صبوة" الشهوة.
الله عز وجل يعجب من الشاب ليس له صبوة، صفة العجب.
﴿بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ﴾. «وعجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل». اعترض عليها بعض الناس قالوا كيف الله عز وجل يعجب؟ العجب يأتي من الجهل، تعجب من شيء لأنك لم تكن تعلم به.
لا، هذا ليس...
العجب صنفان أو نوعان: عجب يأتي من الجهل، وعجب يكون من تخلف شيء عن نظرائه وإن كان لم يسبق بجهل، كما هو الأمر هنا.
هو عجب الله من شاب ليس له صبوة، تخلف عن نظرائه.
يعجب الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
فهذا الاعتبار.
٢٩٨ - وَقَوْلُهُ ﷺ: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ».
وَقَوْلُهُ: لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا.
"وقرب غيره" يعني تغييره، أو قرب فرجه.
وقوله: لن نعدم من رب يضحك خيراً.
والمعطلة أولوا هذا الخبر، والإمام أحمد قال: لما سمع رجلاً أول حديث الضحك قال: هذا جهمي هكذا.
والضحك ورد هذا حديث ثابت، من ضعفه كوكيع بن الحسن، لم يحسن.
ووكيع صدوق صالح الحديث، وقال ابن حبان من الأثبات وصحح له الترمذي.
ومسألة أنه رد أخبار الآحاد في العقيدة قديماً كنت نظرت فيها، فالذي يبدو أن المعتزلة المتقدمين لم يكونوا كلهم على هذا، يعني نبهني بعض المراجع أن المريسي كان يقول لأحد تلاميذه يعلمه، يقول له: قل لهم هذا الحديث له علة.
"ضحك ربنا من قنوط عباده": طيب، لو كان المقصود الثواب، طبعاً الآن: يثيب الله على القنوط؟ فلا شك أن هذا ليس معناه الثواب.
الصحابي يسأل: أو يضحك ربنا؟ معقولة يعني ما يدري أن الله يثيب أو يرحم؟ وهو يقرأ في كل صلاة الرحمن الرحيم.
ورد أن الله عز وجل يضحك إلى ثلاثة، ذكر منهم الرجل الذي يقبل على العدو ولا يفر ولا يعطيهم ظهره.
قال: وإذا وحد الله عبدي في موضع.
ورد أيضاً ضحك الله عز وجل من ذلك الرجل الذي هو آخر من يدخل الجنة من كثرة ما يرجع عن كلامه.
ووردت مواطن عدة في ضحك الله عز وجل.
ويتجلى لنا يوم القيامة ضاحكاً، حديث جابر في صحيح مسلم.
٢٩٩ - وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
وهذا الحديث يعني من الناس من أثبت لله اسم الدهر، كنعيم بن حماد وابن حزم الظاهري.
ومنهم من قال لا، أسماء الله كلها حسنى، وهذا اسم جامد، وبقية الحديث تفسره: "أقلب الليل والنهار"، "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار".
المراد: أنا خالق الدهر وأنا من أقلبه، فإذا سببته فكأنك معترض على قضائي، ولا تنسب الفعل إلى الدهر بقولهم "يا خيبة الدهر" أو كذا.
وأما الإخبار عن سنين حصل فيها على غير وجه التسخط، أو إخبار ما حصل فيها من الشدة، كقوله "سنين عجاف" أو غير ذلك فهذا لا إشكال فيه.
هذا كلام الإمام أحمد، فلا يقال يا دهر ارزقنا.
٣٠٠ - وَ«أَنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، سُمْكُ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ [كَذَلِكَ]».
هذا أثر ابن مسعود، وهناك حديث الأوعال، بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة.
وورد في رواية أربعين سنة.
وجمع ابن القيم بين هذا بأنه بحسب الطريق.
وبين كل سماء وسماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة الماء، ثم الكرسي، ثم العرش.
هكذا، الماء ثم الكرسي ثم العرش.
والله فوق ذلك.
وهذا من أدلة العلو، وهذه كلها يؤمن بها أهل السنة.
فَكُلُّ هَذِهِ الأَحَادِيثُ، وَمَا شَاكَلَهَا: تَمُرُّ كَمَا جَاءَتْ، لَا تَعَارُضَ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا الأَمْثَالُ، وَلَا يُوَاضَعُ فِيهَا القَوْلُ.
فَقَدْ رَوَاهَا العُلَمَاءُ، وتَلَقَّاهَا الأَكَابِرُ مِنْهُمْ بِالقَبُولِ لَهَا، وتَرَكُوا المَسْأَلَةَ عَنْ تَفْسِيرِهَا، وَرَأَوْا أَنَّ العِلْمَ بِهَا: تَرْكُ الكَلَامِ فِي مَعَانِيهَا.٣٠١ - ثُمَّ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ.
لأنه ورد في "السنة" للخلال أن بعضهم صار ينكر أن تقول القرآن في صدور الرجال.
قال: لأنه كيف يكون غير مخلوق وهو في صدورنا ونحن مخلوقون؟ فرد عليه الإمام أحمد: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ﴾.
٣٠٢ - وَمَنِ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ سُمِّيَ: حَامِلَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
رد الإمام أحمد في السنة للخلال المجلد الثاني.
٣٠٣ - وَقَالَ ﷺ: «لَا تُفَرِّقَنَّكُمُ الْمَصَاحِفُ الْمُعَلَّقَةُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷺ لَا يُعَذِّبُ قَلْباً وَعَى الْقُرْآنَ [بغم]».
والصواب فيه موقوف، أما الحديث المرفوع فلا يصح، وحتى الموقوف الله أعلم بصحته.
المحقق يقول رواه موقوفاً كذلك ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والدارمي وإسناده صحيح من قول أبي أمامة.
الذي أذكره من آثار أبي أمامة لما جمعتها لا توجد لفظة "بغم".
"لا يعذب الله قلباً وعى القرآن".
والقلب الذي وعى القرآن يكون على الاستقامة.
٣٠٤ - وَالِإقرارُ بِحَدِيثِ مُوسَى عليه السلام مَعَ مَلِكِ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَطَمَهُ.
وَلَا يُرَدُّ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهِ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ ضَعِيفُ الرَّأْيِ.
هَكَذَا قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ رَدَّهُ، وَتَوَقَّفَ عَنْهُ.
هذا إلى هذا اليوم يردونه، يقول كيف موسى يلطم ملك الموت؟ وكيف موسى يهرب من الموت؟ لا، هو لا يهرب من الموت.
موسى عليه الصلاة والسلام كان جالساً في بيته، فرأى رجلاً غريباً في بيته، اللي هو ملك الموت، ولا يعرف أنه ملك الموت.
ملك الموت ذلك الوقت كان يتشكل بصورة إنسي.
فضربه على عينه.
فظن ملك الموت -والملائكة لا تعلم الغيب- أنه لا يريد الموت.
فذهب إلى الله عز وجل فقال إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت.
والأنبياء يخيرون قبل موتهم، تريد الآخرة، كما خير النبي ﷺ. فقال الله عز وجل لملك الموت: قل له يمسح على ظهر الثور وله بكل شعرة سنة.
فذهب فقال له أنا ملك الموت والله عز وجل يقول لك امسح على ظهر الثور.
ولك بكل شعرة سنة.
قال: ثم ماذا بعد ذلك؟ قال: الموت.
قال: فالآن.
المعطلة إلى يومنا هذا يردونه، عفواً ليس كل المعطلة، مجموعة من العقلانيين إلى هذا اليوم يردونه.
قال: «ولا ينكره إلا مبتدع أو ضعيف الرأي» هذا قاله أحمد وإسحاق.
٣٠٥ - وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ».
قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: «وَأَنَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ؛ فَلَيْسَ يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
طبعاً هذا أيضاً ضاقت به صدور بعضهم فتأوله فقالوا النبي ﷺ ليس معه قرين، وإنما هذا قرينه من الملائكة لأنهم ما تصوروا.
ولكن ظاهر الحديث يرد عليهم: «أعانني عليه فأسلم»، "أسلمَ" يعني كان كافراً أصالة فأسلم.
"قرينه من الجن" كان كافراً.
«فليس يأمرني إلا بخير».
٣٠٦ - وَأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ خَلْقًا، وَآخِرُهُمْ بَعْثًا.
يستدلون بحديث: «متى كنت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد». طبعاً تأويله الصحيح، هذا الحديث لا يصح أصلاً مرسل.
ذكر إسحاق بن راهويه قلت: يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.
ما معناه؟ طبعاً الإمام أحمد توقف فيه، لكن إسحاق قال: قبل أن تنفخ فيه الروح وقد خُلق.
فهذا مذهب إسحاق وإن كان يصحح الحديث.
«أول النبيين خلقاً» ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ﴾ يعني لما أخذ الميثاق كان أول نبي أخذ عليه الميثاق النبي ﷺ. ثم بعد ذلك كان كبقية الخلق.
وأما حديث: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» فهذا حديث موضوع.
وَأَنَّ أُمَّهُ حِينَ وَضَعَتْهُ رَأَتْ نُوراً أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ.
هذا حديث في صحته إن صح فلا إشكال فيه، وهو حديث إن صححه بعضهم.
٣٠٧ - وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ؛ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يُكَلِّمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا، وَلَا يُجَالِسُ.
هذه مسألة هل كان الأنبياء على دين قومهم قبل أن يبعثوا؟ أنكر هذا ابن حزم والمعتزلة، وقالوا في هذا نقيصة على الأنبياء أنهم يكونوا على دين قومهم قبل أن يبعثوا.
لكن الظاهر أن الأنبياء كلهم إلا نبينا لا إشكال أن يكونوا، لقول الله عز وجل لقوم شعيب: ﴿أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ﴾.
فالظاهر أنهم كانوا على ملتهم.
أما نبينا ﷺ فالظاهر فيه أنه لم يكن على ملة قومه كما ورد من أخباره ﷺ أنه لم يكن يأكل ما ذُبح على النُصب، وأنه كان يتحنث، وأنه لم يعبد الأصنام قط.
والإمام أحمد رأى أن القول بأن النبي ﷺ كان على ملة قومه قبل أن يبعث قول سوء، ويشنع على من قال به ويُهجر.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسيره لهذه الآية أننا قال: لو قلنا إنه على ملة قومه بمعنى ليس الشرك والضلال الذي كانوا عليه، بمعنى الحنيفية التي كان عليها بعضهم، أما أن يقال إن النبي ﷺ كان على ملة قومه فهذا كما قال الإمام أحمد إن هذا قول سوء.
وهذه المسألة ذكرها الخلال في السنة.
هذا وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد.
فهذا مجلس جديد في كتاب الشرح والإبانة عن أصول الديانة لابن بطة رحمه الله تعالى.
كانت قد فاتتنا عدة مسائل فاتنا التنبيه عليها هكذا سهوًا في المجالس السابقة ومنها ما تمت مراجعته فنذكرها.
أولًا، مسألة كم سيبقى المسيح عليه الصلاة والسلام إذا نزل؟ ورد الحديث في صحيح مسلم أنه يبقى سبعة سنين، حديث عبد الله بن عمرو، فيما أذكر.
غير أنه ورد حديث عن عائشة رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد أنه يبقى أربعين عامًا.
فما الجمع؟ بعضهم قال الجمع أنه يعني ينزل عمره ثلاثًا وثلاثين، فيكملها أربعين بالسبعة، وبهذا يعني يكون قد تم الجمع بين الخبرين.
وإذا لجأنا إلى الترجيح فخبر الإمام مسلم أرجح لا شك.
المسألة الثانية تتعلق بالقدر، نحن ذكرنا التقديرات، أن هناك تقدير أزلي الذي كتب في اللوح المحفوظ، وهناك تقدير عُمري وهو الذي يكتبه الملك إذا نفخت في الصبي الروح، أجله وعمله شقي أم سعيد ورزقه وعمله.
وهناك تقدير حولي الذي في ليلة القدر، فيها يفرق كل أمر حكيم.
وهناك تقدير يومي، كل يوم هو في شأن.
لماذا أعدنا ذكر هذه؟ لنبحث مسألة المحو والإثبات.
يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
كتب الله عنده لكل شيء أجل مسمى.
ثم هناك أحاديث أن صلة الرحم تزيد في العمر.
فهذه الأحاديث مع كون القدر قد كتب أصلًا ابتداءً، فجمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جمعًا.
قال التقديرات التي تطرأ التي يطرأ عليها التغيير هي ما دون الأزلي، اللي هي الحولي والعمري واليومي.
وأما الذي في اللوح المحفوظ فلا يتغير.
وأما علم الله فلا يتغير إجماعًا.
أما الذي في اللوح المحفوظ فاختار شيخ الإسلام أنه لا يتغير.
وابن القيم ذكر توجيهًا آخر هو في ضمن توجيه شيخه.
قال هذه المسألة لا تنافي أن العمر مكتوب، ولكن هذا من باب، مثلًا أنت قدر الله عَزَّ وَجَلَّ عليك أن تكون غنيًا، أو قدر عليك أن تشبع وجعل طعامك سببًا في شبعك، وقدر عليك أن تُروى وجعل الشراب سببًا في ريك.
كذلك يقدر عليك أن يطول عمرك ويجعل صلة الرحم سببًا والدعاء سببًا في طول عمرك.
ولا يرد القضاء إلا الدعاء، هناك خبر بهذا المعنى له طرق يحسن بغيره عند يعني من يذهب إلى هذا.
غير أن هناك آثار عن الصحابة تفيد والله أعلم أن المحو والإثبات يقع حتى في اللوح المحفوظ، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعو: "اللهم إن كنت مكتوبًا عندك في الأشقياء فامحني واكتبني في السعداء".
وكذلك كان يدعو ابن مسعود بهذا الدعاء.
وفسر المروي عن ابن مسعود عن ابن عباس أنه فسر قول الله عَزَّ وَجَلَّ يمحو الله ما يشاء ويثبت بالناسخ والمنسوخ، ولكن ظاهر كلام عمر وابن مسعود أن ذلك داخل في أمر المقادير أيضًا.
غير أن نتفق عليه الآن أن علم الله عَزَّ وَجَلَّ لا يدخله تغيير.
علم الله عَزَّ وَجَلَّ لا يدخله التغيير.
وإنما البحث فيما دون ذلك من التقدير الأزلي، ومن التقدير الحولي، ومن التقدير العمري، ومن التقدير اليومي.
مفهوم هذه المسألة؟ هذه المسألة كتب فيها شيء كثير وفيها إشكالات كثيرة، هذه هي الخلاصة.
هذه هي الخلاصة التي تضبط مثلًا المسألة بحيث أنك إذا جئت تقرأ في المسألة يكون عندك، يكون عندك تصور ويكون عندك أساس وخلفية تتكئ عليها إذا ما شككت.
المسألة الثالثة كان مر معنا قول عيسى ابن مريم تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، أو "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" قول الله عَزَّ وَجَلَّ في الحديث القدسي.
وهنا بحث في مسألة صفة النفس لله عَزَّ وَجَلَّ، أثبتها ابن خزيمة وأثبتها الدارمي وكذلك فيما أذكر ابن منده رحمة الله عليهم.
وهذا ظاهر صنيع المصنف.
غير أن شيخ الإسلام يذهب إلى أنه لا فرق بين النفس وإطلاق الذات في لسان المتكلمين.
النفس والذات شيء واحد.
يعني ما هي صفة زائدة على الذات؟ هذا اختيار شيخ الإسلام وعزاه لجماعة أهل السنة والأكثر منهم.
ولتعلموا أن هذه المسألة أصلًا فيها بحث بين أهل السنة.
على أنه هنا فائدة، كلمة ذات إطلاقها بلسان المتكلمين يعني حاملة الصفات.
أنا عندي ذات وعندي صفات، هكذا.
لكن إطلاقها في النصوص ذات يعني لجانب أو لوجه، وذلك في ذات الإله، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ يعني في ذات الله، يعني لوجه الله.
"كذب ثلاث كذبات كلها في ذات الله" يعني لوجه الله.
غير إطلاقها عند المتكلمين أن الذات هي حاملة الصفات.
طيب يعني هذا ما يتعلق بمسائل نستدرك البحث فيها فيما بعد.
٣٠٨ - وَتَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ وُلِدَ مَخْتُونًا مَسْرُورًا.
يعني ولد وقد خُتن وقُصّ سُرُّه.
وهذه المسألة توقف فيها الإمام أحمد رحمه الله، فقال لا أدري ولا يصح فيها أحاديث أصلًا.
وهم يذكرونها في عموم فضائل النبي ﷺ وبعضهم نفى أن تكون فضيلة أصلًا، قالوا لأن هذا أمر قد يقع طبعًا، وقع لبعض الكفار حتى.
فالله تعالى أعلى وأعلم.
والإمام أحمد توقف ولا يصح حديث في المسألة.
٣٠٩ - وَكَانَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
وفي هذا أحاديث كثيرة صحيحة جدًا، وهذه من خصائص النبي ﷺ التي يؤمن بها.
وكان يعني قد ذكرها الخلال في بعض خصائص النبي ﷺ في السنة.
٣١٠ - وَأَنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاقَ، وَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنْ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَبِّهِ فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.
هنا يتكلم المصنف رحمه الله عن حادثة الإسراء والمعراج.
وحادثة الإسراء والمعراج قد وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وأهل الاعتزال.
وهناك حتى بعض العقلانيين إلى يومنا هذا من الناس من ينكر تفاصيل هذه الحادثة، أو من الناس من يزعم أنها كانت رؤيا منامية.
والقول بأنها رؤيا منام قول باطل، قول باطل مجزوم ببطلانه، ولا يصح عن أحد من الصحابة، لا يصح عن عائشة ولا يصح عن معاوية.
هذا لا يصح عنهما.
وأدلة أنه كان يقظة لا منامًا أن المشركين كذبوا به واعتبروها أمرًا مستحيلًا، ولو كان منامًا لما استبعدوه.
والإنسان في المنام قد يذهب ويأتي.
وقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، سبّح نفسه، إذًا هناك أمر عظيم حصل.
﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد أصلًا مجموع الروح والجسد.
﴿لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
وذكر يعني في أوجه أخرى تدل على أن هذا الإسراء كان يقظة لا منامًا.
وبعض الناس ينكر بعض أفراد رحلة الإسراء والمعراج.
وبعض الذين ظهروا اليوم مثلًا ينكر مسألة المعراج.
وحقيقة مقالة الأشعرية في نفي علو الله عَزَّ وَجَلَّ على خلقه تدل على أنها تفقد الإسراء أهميته.
الصحابة لما أُسري بالنبي ﷺ إلى ربه، ماذا قالوا؟ جاءوا يسألون النبي، أبو ذر وغيره: هل رأيت ربك؟ مما يدل أنه متقرر في عقولهم أن الله عَزَّ وَجَلَّ في السماء.
ما سألوا النبي ﷺ هل رأيت ربك إلا في الإسراء في المعراج.
ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه حدث المشركين بالإسراء فقط، ما حدثهم بالمعراج.
فأنكروا وكذبوا.
والمروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: "أصدقه بخبر السماء ولا أصدقه بهذا"، ومنها يعني أنه سمي الصديق من هذه، هذا خبر لا يصح من جهة الإسناد.
غير أنه ليس مستبعد الوقوع واقعًا.
وقد ذُكر أن بعض أهل الإسلام في مكة ارتدوا لما سمعوا أن النبي ﷺ حدث بالإسراء.
وهذا فيه فائدة، أن وقوع الارتداد من بعض الناس أو وقوع الانتكاسة من بعض الناس إذا ظهر بعض الحق ليس ضررًا مطلقًا، بل ربما كان فيه فائدة ومصلحة راجحة فيما بعد.
وهذا يكون تمحيص وتمييز لما في الصفوف، كما هو في أمر الجهاد.
﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. أمر الجهاد على ما كان فيه من فوائده تمييز أهل النفاق عن أهل الإيمان، وكان أهل النفاق مع أهل الإيمان شيئاً واحداً في عامة الأمر، لولا أنه يعني كثير منهم جاء أمر الجهاد ففضحه وفضح ضعف إيمانه بل انعدام إيمانه وحرصه على الشر وبعده عن الخير.
فمثل هذه المعاني يعني تلاحظ.
ظاهر اختيار المصنف أنه يرى أن الله عَزَّ وَجَلَّ هو الذي ﴿دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾، وهذا خلاف ما عليه جمهور المفسرين، هذا مروي عن ابن عباس بإسناد ظاهره الحسن، ولكنه لا يصح، والمحفوظ أنه جبريل.
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ﴾ كلها جبريل ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾، فكان قاب قوسين أو أدنى، فهذا جبريل.
إلا أن النبي ﷺ اقترب من الله عَزَّ وَجَلَّ، وصل إلى سدرة المنتهى، اقترب من الله عَزَّ وَجَلَّ، غير أن الذي قاله ابن بطة هنا مروي عن ابن عباس، فهو اختيار يعني لبعض أهل السنة.
ومن يختاره، ماذا يصنع؟ يثبت صفة التدلي، وقد ورد في صحيح البخاري نسبة التدلي لله عَزَّ وَجَلَّ في رواية شريك بن عبد الله، وهذه من الروايات الخطأ، والتي يعني نبهوا عليها، وكان قد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية أن البخاري لا يخرج رواية خطأ إلا ويخرج نظيرها من الثابت الصحيح.
وكان في رحلة الإسراء حِكَمٌ باهرة قد يعني اختارها الله عَزَّ وَجَلَّ لنبيه ﷺ، فذكر بعضهم من حكمتها أنه ما من نبي رآه النبي ﷺ إلا وفي رؤياه له إشارة إلى شيء سيقع بعد ذلك.
فقالوا آدم، لما رأى آدم، وآدم أُخرج من الجنة، قال هذا كان فيه إشارة إلى الهجرة من مكة، هكذا تأولها بعض الرواة.
وقالوا مثلاً رؤيا يوسف، يوسف غُدر به من إخوته، والنبي ﷺ سيغدر به المشركون.
ورؤيا موسى، طبعاً الاتصال بين موسى والنبي ﷺ ظاهر.
وإبراهيم اتخذه الله خليلاً، والله عَزَّ وَجَلَّ اتخذ النبي خليلاً.
وأما عيسى، وعيسى أراد قومه أن يقتلوه، والنبي سيأتي قومه يريدون أن يقتلوه.
وكذا يحيى أرادوا ذلك ولكن لم يُمكنوا من ذلك.
وأما هارون عليه الصلاة والسلام، أذكر ما أذكر الحكمة، يمكن ذكر قضية إشراك قومه أو ردتهم يعني بعد ذلك.
من قومه من ارتد، فذكروا في هذا يعني.
إدريس، رفعه الله مكاناً علياً، والنبي ﷺ سيرفعه الله مكاناً علياً.
وذكر صلاة النبي ﷺ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دلالة على فضله ﷺ.
٣١١ - وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَوَجَدَ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ؛ فَعَلَّمَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
هذا في حديث معاذ بن جبل في جامع الترمذي الذي صححه البخاري وأحمد.
حديث "رأيت ربي في أحسن صورة"، قال "فيما يختصم الملأ الأعلى؟".
وكان قد أفرده ابن رجب في التصنيف.
وهذه رؤيا منامية، لا تثبت فيها صفات.
ولكن اللفظ الذي ذكره ابن بطة "فعلم علم الأولين وعلم الآخرين" غلط.
اللفظ هو: "فعلمت ما بين السماء والأرض".
وهذا يستدل به المتصوفة على أن النبي ﷺ يعلم الغيب، وهو قال "علمت ما بين السماء والأرض" يعني الآن، وهو ﷺ ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾.
كثير من أخبار الأنبياء السابقة وما يقع لاحقًا.
وحديث "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" واضح في أنه لا يعلم كل شيء.
وهذا خبر آحاد يستدلون به على مسألة عقدية.
وهذه من فضائل النبي ﷺ، ورؤيا الأنبياء حق.
وكما قال الدارمي في الرد على المريسي: يرى الله عَزَّ وَجَلَّ في المنام على كل صورة.
والحديث ثابت صحيح.
٣١٢ - وَأَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ مَقَامًا، وَأَعْلَاهُمْ مَكَانًا، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ؛ فَيَشْفَعُ فَيُشَفَّعُ، وَيَسْأَلُ فَيُعْطَى.
وقد ذكرنا أن الشفاعة ستة، ثلاثة منها خاصة بالنبي ﷺ وحده.
٣١٣ - وَيُجْلَسُ مَعَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعَرْشِ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ؛ كَذَا رُوِيَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﷺ: ﴿عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩﴾، قَالَ: يُقْعِدُهُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ.
٣١٤ - وَهَكَذَا فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ فِيمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثٍ عَنْهُ.
هذه مسألة ما يسمى بمسألة المقام المحمود.
- أولاً: الحديث المرفوع لا يصح، وقد نهى الإمام أحمد عن كتابته كما في "إبطال التأويلات" للقاضي أبي يعلى الحنبلي.
- وإنما المحفوظ هو الأثر الموقوف على مجاهد رحمة الله عليه، وهو أنه قال في قول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ قال: "يُقعده معه على العرش".
- هذا الأثر نقل جماعة أن السلف تلقوه بالقبول، ونقل جماعة الاتفاق عليه، منهم أبو داود السجستاني صاحب السنن، وعبد الله بن الإمام أحمد، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وعبد الوهاب الوراق، وعثمان بن أبي شيبة وأبو بكر المروذي، والإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، وغيرهم كثير ممن مروا معنا في درس السنة للخلال، بلغوا قرابة خمسة عشر نفساً.
على هذا الأثر اعتراضات يعترض بها بعض الناس، لكن أولاً عليك أن تعي أن السلف قد اتفقوا، ولا يتفقون على ضلالة.
ونُقل الاتفاق، بل قال إسحاق بن راهوية: "من رد هذا الأثر فهو جهمي".
وبعضهم قال: "فهو زنديق".
وبعضهم قال: "من لم يستوجب، من رأى أن النبي ﷺ لم يستوجب هذه الفضيلة من الله عَزَّ وَجَلَّ فهو كافر".
وقال الأصبهاني: "أدركت الناس مئة وستين عاماً لا يرد أحداً هذا الأثر إلا الجهمية".
فساعة إذ ينبغي أن يتهم الإنسان نفسه، يتهم الإنسان فهمه، لا فهم السلف.
على هذا الأثر عدة إشكاليات يوردها جماعة:
-
يقولون أولاً: هذا الأثر يعارض المروي عن النبي ﷺ في أن المقام المحمود هو الشفاعة.
ويجاب على هذا الاعتراض - ذكر الخلال في السنة عن بعضهم أنه أجاب بهذا - أنه لا تعارض أصلاً بين كونه يجلس معه على العرش وبين كونه يشفع، بل يكون إجلاسه معه على العرش إيذاناً بالشفاعة.
وقول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ يحتمل عدة مقامات، فيكون المقام المحمود مجموع هذه الأمور كلها.
وهذا الجواب أجاب به ابن الجوزي على ما عنده من إشكاليات في العقيدة، بل وأجاب به الحافظ ابن حجر على ما عنده من إشكاليات في العقيدة في "فتح الباري". -
ثانياً قالوا: هذا الأثر أصلاً ضعيف من جهة السند، في سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
-
ثالثاً: هو قول تابعي، وقول التابعي لا تثبت به عقيدة، وكيف نحن يكون عندنا حديث عن النبي في المسألة ثم بعد ذلك نذهب إلى أثر تابعي؟ ليس أثره حجة، ثم نجعل ذلك محنة، كما يفعل هنا المصنف يذكره في كتاب اعتقاد، وكذا فعل الخلال في السنة، وكذا فعل الآجري في الشريعة، وكذا اللالكائي في السنة.
فكيف هذا؟- الجواب: أن الأئمة الذين صححوا هذا الأثر هم الذين عليهم المرجع والمعول في باب الجرح والتعديل.
- ينبغي أن يُفهم أن هذا أثر في التفسير، وليس ابن أبي سليم أخذ التفسير - تفسير مجاهد - من كتاب القاسم بن أبي بزة.
وليث كانت الإشكالية عنده في حفظه، وهو هنا يروي من كتابه، فيندفع الاعتراض. - السلف لا زالوا يتساهلون في هذا الباب، فالإمام أحمد احتج بأثر رواه ليث عن طاووس أنه كره الأنين، وكان يعمل به ولا يئن وهو مريض.
والإمام أحمد احتج لما زاره أبو عبيد القاسم بن سلّام على مسألة أن الإنسان يمشي مع الضيف إلى الباب بأثر يرويه مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعيف، ولكن هنا يروي كلام شيخ. - أما مسألة أن هذا تابعي وقوله ليس بحجة: نعم، الأصل أن قوله ليس بحجة، ولكن هناك قرائن اقترنت بهذا الأثر جعلت السلف يتلقونه بالقبول.
- القرينة الأولى: هذا الرجل الآن يفسر آية، وقد علم الناس أن هذا الرجل هو تلميذ ابن عباس وأنه عرض القرآن عليه ثلاث مرات، وعلموا أنه لا يفسر من عند نفسه وإنما يأخذ هذا عن ابن عباس، ولهذا ابن القيم قال: "إن كان تجسيماً فإن مجاهداً هو شيخهم، بل شيخه الفوقاني" يعني ابن عباس.
- القرينة الثانية: أن السلف في زمنه لم ينكر أحد عليه، وكان من عادتهم إذا سمعوا إنساناً يتكلم بمنكر في أمر الاعتقاد أن لا يتركوه.
بل هم فرحوا بهذا وتلقوه بالقبول.
ولهذا مثل الإمام أحمد ذكر ابن تيمية عنه أنه مرة احتج بفعل لخالد بن معدان، وهو تابعي شامي.
فقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: قال لم يحتج الإمام أحمد بهذا الأثر لأن خالد بن معدان فعله في نفسه حجة، وإنما احتج به من جهة أن الناس قد سكتوا عليه.
ونرى اليوم أن الناس يعتقدون أن الميزان له لسان، ولا يوجد في ذلك حديث صحيح، ولا أثر عن صحابي ثابت، وغاية ما في الأمر أثر عن الحسن البصري.
بل العجيب أن كثيرا من الناس يعتقدون أن إسرافيل نافخ الصور، كما ذكرنا، ولا حديث صحيح ولا أثر عن تابعي ولا أثر عن صحابي في أن عندنا إسرافيل.
ومع ذلك يعتمده بعض أهل العلم استنادًا إلى الإجماعات المنقولة، وبعضها يكون قد نقلها حتى الأشاعرة.
ونحن نعتقد هذا كله، نحن لا نقول هذا استنكارًا، لكن نقول هذا إلزاما، فما بالك الآن السلف اعتقدوا أمرًا وقد ورد فيه أثرًا.
وكما قال شيخ الإسلام، إن هذا الأثر لم يرده إلا بعض الجهمية.
ذكر هذا الشيخ في مجموع الفتاوى.
ومن زل من المعاصرين، فإن العالم لا يُتابع على زلته، أرأيت بارك الله فيكم، ولا يترك الحق من أجله.
وكما قال، يعني كما هو المروي عن عمر رضي الله عنه لما قال يهدم الدين ثلاثة، وهو ثابت على مقالته "زلة العالم".
وكما قال معاذ بن جبل: إياكم وزلة العالم، قال: وإن المنافق قد يتكلم بالحق، فقال له: كيف نعرف أن العالم زل وأن المنافق يتكلم كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا.
وإذا رأى امرؤ لزلة في عقله، أو يعني لهوى جم في قلبه أنه يلزم من إثبات هذا الأثر طعنًا في زيد أو عمر أو بكر من الناس، فلينزه نفسه عن أن يطعن في هؤلاء الأئمة، وهذا يلزمه أكثر مما يلزمنا.
ولو خُيِّرنا بين أن نسقط كل هؤلاء الإمام أحمد، وعبد الله، وأبا داود، وعباس بن عبد العظيم، وإسحاق بن راهويه، وعبد الوهاب الوراق، والمروذي، والخلال، والآجري، وابن بطة، واللالكائي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وأئمة الدعوة، وبين أن نسقط معاصرًا، لاخترنا أن نسقط معاصرًا.
ومحل الخلاف في هذه المسألة أن هذه المسألة أصلًا أخذها جماعة من أهل الأهواء وطَنْطَنوا فيها، حتى بعضهم كفروا ابن تيمية فيها كما فعل عبد الله الحبشي الهرري، وكما فعل حسن السقاف، وكما فعل محمد زاهد الكوثري، وحسن فرحان المالكي بسفهه وخبثه في كتابه الذي أسماه "قراءة في كتب العقائد: الحنابلة نموذجًا".
فنحن يعني لو لم نجد هذا في كتب السلف لاحتجنا أن نتكلم في هذه المسألة ردًا على هؤلاء، فما بالك ونحن لما قرأنا "السنة" للخلال، قال نعم، لما قرأنا "الإبانة"، لما قرأنا "الشريعة"، وتقرأ في التفسير ستجد الطبري قد ذكرها، فما نحجب الشمس بالغربال.
طبعًا وهناك أثر عن عبد الله بن سلام ذكرني به المحقق، على أني لا أريد أن أنظر في الحاشية أيضًا يدعم أثر مجاهد أن أنه يؤتى بنبينا فيجلس بين يدي العرش، وهذه مرحلة ما قبل الإجلاس على العرش.
وهذا الأثر ضعّف سنده، وهذا التضعيف مدفوع بأن أبا داود وعبد الله بن أحمد صححا الأثر، وهذا يعتبر توثيقًا.
وأذكر يعني من التعليقات الفجة تعليق حسن السقاف الخبيث في على كتاب "العلو" للذهبي، وهو يطعن في عبد الله بن سلام، وقال انظروا إليه يقول "جيء بنبيكم" وكأنه لا يراه نبيًا له، وهذه يهودية.
طيب يهودية فيها فضيلة للنبي ﷺ! السفه هنا والسخف، هذا الخبيث يطعن في عبد الله بن سلام المبشر بالجنة رضي الله عنه.
وهذا منتهى التجهم، وسينتهون إلى الطعن في التابعين، ثم ينتهون إلى الطعن في الصحابة، في صحابة النبي ﷺ. وأيضًا، واحتمالية إسرائيلية؟ أي إسرائيلية؟ هو تفسير آية والكلام فيه فضيلة للنبي ﷺ، هذا بعيد، الإسرائيلية تكون في الأخبار الماضية.
٣١٥ - ثُمَّ الْإِيمَانُ وَالْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ وَأَفْضَلَهُمْ، وَأَعْظَمَهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَحَقُّهُمْ بِخِلَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَتَعْلَمُ أَنَّهُ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ بِالْوَصْفِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ غَيْرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
الآن يدخل في مسائل الخلافة، مسائل ترتيب الصحابة رضوان الله عليهم.
خلافة الصديق محل إجماع، وفيها الإشارة، والإشارة إليها موجودة في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: ٥٤]، فكان هؤلاء الصديق ومن معه كما نبه على ذلك الأشعري في "الإبانة".
وأبو بكر الصديق اختلف أهل السنة، هل النبي ﷺ استخلفه بالنص الصريح أم استخلفه بالإشارة؟ فمنهم من قال بل استخلفه بالنص الصريح لحديث "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
ومنهم من قال لا، وقول النبي ﷺ للمرأة قال: "إذا أتيتِ العام ولم تجديني فائتي أبا بكر".
فقالوا هذا نص واضح.
قالوا بل استخلفه بالإشارة لقول عمر: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف من هو خير مني".
ولكن لم يرد نص عن النبي ﷺ، وإنما وقعت الإشارة في مثل تأهيله، جعله في مثل جعله ﷺ، جعل الصديق يصلي بالناس، وقال الإمام أحمد: أراد بذلك الخلافة.
وفي قوله: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا".
رضي الله عنه له فضائل كثيرة، يعني بشر بالجنة بأحاديث كثيرة جدًا.
كنا قد بسطنا الكلام في هذه المسألة في التعليق على "السنة" للخلال.
المراد هنا الإشارة إلى بعض المسائل.
وقد ورد أيضًا أنه حرم الخمر في الجاهلية.
هناك أمر لطيف، أن الصديق رضي الله عنه كان في عدد من المواطن كلامه يطابق كلام النبي ﷺ، أو حاله تطابق حال النبي ﷺ، لأنه ثاني اثنين في كل شيء.
لما جاء النبي ﷺ إلى خديجة رضي الله عنها وهو يرتجف من الفرائض وأخبرها بما رأى في الغار، فقالت له: "كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
هذه الكلمة تمامًا قالها ابن الدغنة لأبي بكر الصديق لما أراد أن يهاجر.
قال: "إن مثلك لا يخرج، إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر".
وأيضًا في صلح الحديبية، لما عمر ذهب إلى النبي ﷺ وقال له: "ألسنا على الحق؟" فأخذ عمر نية من ديننا، فقال: "إني نبي الله ولن يضيعني".
فلما ذهب إلى الصديق، قال له الكلمة نفسها، فرد عليه الصديق "الزم غرزه، فإنه نبي الله ولن يضيعه".
في مواطن كثيرة يعني تجمع، إذا أنه رضي الله عنه حقًا كان ثاني اثنين.
وأنزل الله سكينته عليهما، وقع الخلاف حقيقة، هل نزلت السكينة على النبي ﷺ؟ فمنهم من قال إن النبي ﷺ لم تزل السكينة معه، وقد جمع له المعية، قال: "لا تحزن إن الله معنا".
وهذا يستدلون به من أدلة الإشارة.
وأما كونه خير الناس بعد الأنبياء، فهذا محل اتفاق.
خير الخلق بعد الأنبياء، نحن نقول الخلق حتى ندخل الملائكة على الراجح الذي ذكرناه.
أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين.
أيضًا، كنا نفاضل في حياة النبي ﷺ فنقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت ولا نفاضل.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في المفاضلة أن فضل امرئ على غيره يثبت بالخصائص، لا يثبت بالفوائد المشتركة.
وقد كانت له فضائل لم يشركه بها أحد، كصحبة الغار، وسبقه بالإسلام من جهة كونه أول من أسلم من الشيوخ.
ذكر الحاكم أن أول من أسلم عليّ.
جماعة من أهل العلم قالوا هذه دعوى فجة، وكاد الناس أن يخالفوه في ذلك.
وجمع الحاكم والرامهرمزي أن أول من أسلم من الشيوخ الصديق، وأول من أسلم من النساء خديجة، وأول من أسلم من الموالي بلال، وأول من أسلم من الصبيان علي رضي الله عنهم.
وأيضًا نصرته وعتقه، أسلم على يده أربعة من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه.
أيضًا كان يعتق في سبيل الله، كان يعتق، أحدهم يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا بلالًا.
فكان رضي الله عنه يعتق الذين يعذبون في سبيل الله.
في فضائل كثيرة، وموقفه في الردة.
سبحان الله، الموطن لا يتسع نهائيًا لبسطها.
والنبي ﷺ لما حصل شجار بينه وبين عمر، وكان عمر رضي الله عنه قد أغضب الصديق، ثم بعد ذلك ذهب الصديق إلى بيت عمر يريد أن يعتذر، فما وجد عمر، وجده عند النبي ﷺ. فقال له: حصل بيني وبين عمر كذا وكذا.
فغضب النبي ﷺ على عمر وقال له: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ بعثني الله فقلتم كذبت، وقال صدقت، وواساني بأهله وماله".
ولم يزل به حتى جاء الصديق على ركبتيه وقال: يا رسول الله، أنا كنت أظلم.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالصِّفَةِ: أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْفَارُوقُ.
ذكرنا حديث المفاضلة أبو بكر ثم عمر.
وإن كان تأخر إسلامه إلا أنه سبق في فضائل كثيرة رضي الله عنه.
وفضله واسع ومعروف.
ومع فضله، النبي ﷺ كان يقول: "أصدق أمتي حياء عثمان".
وكان علي لما يراه مسجى يقول: "ما من أحد على وجه الأرض أحب إلي من أن ألقى الله في صحيفته منك".
ولا زال النبي ﷺ يقول: "لقد ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخاصمت أنا وأبو بكر وعمر"، وذكر هذا سابقًا.
حتى الكفار المشركون فيما كانوا في شركهم كانوا يعرفون فضله.
أبو سفيان في يوم أحد قال: "أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟" وهو الذي كان باب الفتنة الذي لما كُسر رضي الله عنه، دخلت الأمة بعد ذلك بعد مقتل عثمان في الظلمات، والله المستعان.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالنَّعْتِ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو عَمْرٍو [وَ] ذُو النُّورَيْنِ.
ذو النورين لأنه تزوج ابنتي النبي ﷺ اللتين كانتا تحت ابني أبي لهب، وطلقاها، واللذين أسلما فيما بعد.
فكان أبو لهب عزم على ابنيه أن يطلقاهما، فأبدلهما الله عَزَّ وَجَلَّ خيرًا، رقية وأم كلثوم، أبدلهما الله عَزَّ وَجَلَّ خيرًا في عثمان رضي الله عنه.
ويقال لا يوجد في تاريخ الأمم رجل جمع ابنتي نبي إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وهو من أشد الناس حياءً، تستحيي منه الملائكة.
وعمر يعني على مسألة العلاقة بالعالم الغيبي، عمر ما رآه الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا آخر.
عثمان تستحيي منه الملائكة.
جاد بنفسه رضي الله عنه على وعد النبي ﷺ: "أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه".
وجاءه الزبير، وجاء أبو هريرة، وجاء غيره وطلبوا منه أن يقاتل، فقال: "لا أريق دم امرئ مسلم في سببي"، حتى قتل رضي الله عنه شهيدًا على يد الفجرة المنافقين.
ولما كتب الصديق وصية الخلافة لعمر، فغشي عليه، فكتب عثمان عمر.
فلما أفاق الصديق، قال: "من كتبت؟" قال: "كتبت عمر بن الخطاب".
قال: "جزاك الله خيرًا، ولو كتبت نفسك لكنت أهلًا له".
واليوم، سبحان الله، هذا الصحابي الجليل صار محط ألسنة قذرة يتكلمون فيه كلامًا لا يصلح.
شخص يقول: سياسة عثمان لا تصلح، خذوا سياسة أبي بكر الصديق.
وأخذوا يكونون لعثمان، ما هذا؟ خذلان.
يعني أحمد يذكرون له معاوية، يقول: أعوذ بالله، ما لهم ومعاوية؟ يغسلون هؤلاء لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولهم مطاعم يعني تم الرد عليها.
وهذا أيضًا كله بسطناه في درس "السنة" للخلال في فضائل عثمان رضي الله عنه وفي صحة خلافته.
ثُمَّ عَلَى هَذَا النَّعْتِ وَالصِّفَةِ مِنْ بَعْدِهِمْ: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، صِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُ عَمِّ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الإجماع على أنه أفضلهم بعد الثلاثة.
وفي الحقيقة لا يوجد دليل قطعي على طريق أهل الحديث، وعلى طريق أهل البدع النقلية، فالإجماع عندهم قطعي، ولكن نحن الآن نخاصمهم.
هل علي مثلًا أفضل من الزبير مثلًا، أو أفضل من طلحة؟ كل ما يستدلون به من الأدلة لا تصح.
خلافة علي لم تثبت إلا من جهة تصحيح خلافة الصديق وعمر، لأنه لما ظهر جماعة طعنوا في خلافة علي، لم يستطع الناس أن يردوا عليهم إلا بحديث سفينة: "الخلافة بعدي ثلاثون عامًا".
وما يستدل به الرافضة من بعض الفضائل التي يستدلون بها، هم في النهاية - كما مر معنا في "السنة" للخلال - الحسن بن علي بن أبي طالب قال لهم: هذا فيه انتقاص لعلي، لأنه يكون هذا حق له وتركه وتنازل عنه، بل ويؤذن به من الله عَزَّ وَجَلَّ.
والله عَزَّ وَجَلَّ قال في النبوة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
فكيف يكون هذا؟ وإذا كانت الإمامة كالنبوة، فكان لابد أن يتم الله نوره ولو كره المشركون.
والصحابة الذين قاتلوا الآباء والأبناء والإخوان في سبيل الله، واجتمعت عليهم العرب من أقطارها في يوم الأحزاب، ألم يوجد فيهم رجل رشيد أو جماعة يقولون: الخلافة لعلي رضي الله عنه؟ لا.
وهو رضي الله عنه كان يفضل الشيخين على نفسه، وتواتر هذا عنه.
وقد ورد معنا في "السنة" لعبد الله من طرق خمسة أنه يقول: أبو بكر وعمر خير هذه الأمة.
خمسة من أصحابه يروون عنه هذا، حتى إن الأمر يبدو أنه متواتر.
وهو رضي الله عنه عهد إليه النبي ﷺ، هو من عهد النبي الأمي: "لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق".
قال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟".
هو من أهل الكساء الذين جللهم النبي ﷺ وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
وله فضائل كثيرة، منها جهاده، فعامة الغزوات ما تخلف عنها رضي الله عنه.
نعم، الرافضة يذكرون فقط فضائل علي ويكفرون البقية، فلا شك أن علي يرضى بهذا.
يا أخي، أنت تكفر أبا بكر وعمر، فلا تناقشني أيهما أفضل من علي.
أنت إذا تكفر، فأي مؤمن ظالم، تناقشني هو أحق بالخلافة أو ليس بحق؟ على فكرة، هي المسألة لما تأتي أنت وتناقشه خلاف من أحق بالخلافة، علي أم أبو بكر، وهو يرى أبا بكر كافرًا؟ ما دام أبا بكر كافرًا، حتى يثبت لك أن أبا بكر مسلم، وأن أبا بكر صحابي، وأن أبا بكر فاضل، ثم بعد ذلك نأتي نتناقش من أحق بالخلافة.
لما تبدأ معه بالنقاش من أحق بالخلافة، وهو أصلًا يرى أن أبا بكر لو فسق أبا بكر، لكان عمر، لكان علي أفضل وأحق.
لو فسقهما، هو يرى نفسه أفضل من أبي بكر، فكيف بعلي رضي الله عنه.
فَبِحُبِّهِمْ وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهِمْ: قَامَ الدِّينُ، وَثَمَّتِ السُّنَّةُ، وَعَدَلَتِ الْحُجَّةُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَسْتَتِمُّ السُّلْفُ؛ وَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
بل قال سفيان: إن من فضل عليًا على أبي بكر وعمر، قال: أخشى ألا يرفع له عمل عند الله عَزَّ وَجَلَّ.
وَتَشْهَدُ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ بِلَا شَكٍّ، وَلَا اسْتِثْنَاءٍ؛ وَهُمْ أَصْحَابُ جَرَاءِ: النَّبِيُّ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
قوله: "أصحاب جراء" هذه عبارة غريبة، أظن "حراء"، لأن الحديث: "اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".
فَهَؤُلَاءِ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ أَحَدٌ فِي الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ.
ظهرت جماعة محدثة في زمن الإمام أحمد رحمه الله يقولون: "نؤمن أنهم في الجنة ولا نشهد".
فرد عليهم أحمد وأفحمهم، قال: "إذا قلت فقد شهدت"، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾.
ويسمى الشاهد شاهدًا في الشهادات، وهو يعني على قول.
ثم استدل بخبر أبي بكر الصديق لأهل الردة: "تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار؟".
قالوا: هؤلاء جمع غفير.
ولما قالوا له إنهم يحتجون بعبد الرحمن بن مهدي، قال: "ومن عبد الرحمن بن مهدي؟" يعني ما ابن مهدي؟ ابن مهدي شيخ الإمام أحمد، ولكن أحمد غضب من هذا قال: "صبيان نحن؟".
ويعني تكلم فيهم بكلام غليظ.
وهذا اختيار ابن حزم.
فيه روايات لأحمد أن عامة الصحابة يشهد لهم بالجملة.
في شهادة بالجملة وفي شهادة بالتعيين، البحث الآن في الشهادة بالتعيين.
الصحابة بالجملة يشهد لهم، الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿لَّا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾، والحسنى هي الجنة.
ويقول الإمام أحمد: "قال النبي ﷺ: أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون صفًا من هذه الأمة، فإن لم يكونوا أصحاب النبي ﷺ فمن هم؟".
فهؤلاء نشهد، خلافًا للقول المحدث الذي قمعه أحمد رحمه الله ورد عليه، وكان يقول به ابن المديني وابن مهدي، فرد عليهم الإمام رحمة الله عليه وشدد عليهم.
وَتَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ.
وَأَنَّ حَمْزَةَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ.
وَجَعْفَرُ الطَّيَّارُ: فِي الْجَنَّةِ.
وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ: سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ومنهم حارثة بن سراقة لما قال له: "إنها جنان"، وعبد الله بن عتيك، وأبو جابر قال إن الله كلمه كفاحًا، وعبد الله بن حرام، وعكاشة بن محصن، والرميصاء بنت ملحان، وعبد الله بن خلاس، والمرأة التي تصرع، وثابت بن قيس بن شماس، وبلال، وعبد الله بن سلام.
المرأة السوداء.
هؤلاء يشهد لهم بالجنة.
طيب من سواهم؟ ممن اتفقت الأمة على إمامته، هناك بحث بين أهل السنة، الجمهور لا يشهدون.
ومنهم من رأى هذا، وكان هذا مذهب أبي ثور، وكان يشهد للإمام أحمد بالجنة.
ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج السنة، أنه إذا أجمعت الأمة على إمامة شخص وعلى صدقه، واستدلوا بحديث: "أنتم شهداء الله في الأرض".
وَتَشْهَدُ لِجَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْجَنَّةِ وَالرِّضْوَانِ، وَالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ.
الله أكبر، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾.
بعض الذين يتكلمون في التفسير واللطائف قالوا: هذه لأنهم في الفردوس الأعلى، فتحتها لقربها.
أما بقية الآيات في القرآن كلها "من تحتها".
وَيُسْتَقَرُّ عِلْمُكَ، وَتُوقِنُ بِقَلْبِكَ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَشَاهَدَهُ، وَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُشَاهِدْهُ وَلَوْ أَتَى بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
هذا رد على جماعة من المعتزلة.
والدليل على هذا قول النبي ﷺ لخالد بن الوليد لما أغضب عبد الرحمن بن عوف: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وهو يكلم صحابيًا آخر.
ويقول سعيد بن زيد لما سُبَّ علي عنده، حدث بحديث العشرة المبشرين، ثم قال: "ولمشهد شهده مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح".
والإمام أحمد أفتى بهجر من يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية.
بل قال الأعمش: هو في العدل خير منه، ولكن معاوية جاء بعد الراشدين، وعمر جاء بعد ظلمة بني أمية، فكل يقارن مع أهل عصره.
فعمر ظهر له فضل وعدل، أما من يقول إن جنس الصحابة يفوق جنس من بعدهم، وقد يأتي من بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة مع الاعتقاد، فهذه العبارة التي قالها ابن بطة موجودة في اعتقاد ابن أبي زمنين، وموجودة في أصول السنة للإمام أحمد رحمه الله تعالى.
والنبي ﷺ يقول: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني".
وهذا دليل على أن الصحبة مرتبطة بالرؤية.
بل يقول: "إنكم تغزون، فيقال: هل فيكم من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح لهم.
ثم إنكم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح عليه.
ثم إنكم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح عليه".
وهي القرون الثلاثة.
طبقات الصحابة، الصواب أنها إلى سنة ثمانين ومائة.
والصواب أن الطبقات هي قرن الصحابة، وقرن التابعين، وقرن أتباع التابعين.
الإمام أحمد والشافعي لا يدخلون في القرون الثلاثة الفاضلة، لأنهم من الآخذين عن أتباع التابعين.
ثُمَّ التَّرَحُّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ ﷺ: صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، وَأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَنَشْرُ فَضَائِلِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِمْ، وَالِاقْتِفَاءُ لِآثَارِهِمْ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَا قَالُوهُ، وَالصَّوَابُ فِيمَا عَمِلُوهُ.
المنهج السلفي، من لا يسير على هذا ليس من أهل السنة.
"وأن الحق في كل ما قالوه"، لا، لا يخرج عنهم إذا اختلفوا في قول.
وهذه مسألة كنا بسطناها كثيرًا.
بل ذكر ابن تيمية في منهاج السنة قال: "لم يكن يجرؤ أحد لا من فقهاء أهل الرأي ولا من فقهاء أهل الحديث إذا صح عن صحابي شيء أن يرده".
والإمام مالك رحمه الله، روى ابن حزم في "الإحكام" أنه سئل عن أقوام يصنفون الكتب فيذكرون قول عمر ويذكرون قول إبراهيم النخعي، فيرجحون قول إبراهيم النخعي.
فقال له: صح عندهم قول عمر؟ قال: نعم.
قال: "هؤلاء يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا".
والبحث في مسألة الاقتداء بالصحابة يطول.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ: لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَعْصِيَةٍ؛ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.
الإمام أحمد قيل أمامه: "لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب".
قال: "اسكت، ترك الصلاة كفر".
لا يكفر بذنب ما لم يستحله، ولم يكن كفرًا بذاته كوطء المصحف وغير ذلك.
"أهل القبلة".
وَلَا نَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّهَا تَقُولُ: مَنْ أَتَى ذَنْبًا وَاحِدًا فِي عُمُرِهِ، أَوْ ظَلَمَ بِحَبَّةٍ فِي عُمُرِهِ؛ فَقَدْ كَفَرَ.
المعتزلة يقولون: لا، هو في منزلة بين المنزلتين.
ثم هو في الآخرة، في الدنيا يعامل معاملة المسلم، وفي الآخرة يذهب إلى جهنم يخلد فيها، ولكن ناره تكون أخف من نار الكفار.
أما الخوارج فيقولون: هو في الدنيا كافر يعامل معاملة الكفار، وفي الآخرة ناره نار الكفار.
هذا قول عامة المعتزلة.
وإلا فالجبائيان، أبو علي وأبو هاشم، قالا: لا، يأتي يوم القيامة فتوزن، فإن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار ولا يخرج منها أبدًا.
فإن رجحت حسناته غفرت سيئاته كلها.
أي معصية، طبعًا بحثهم في الكبائر ليس في الصغائر.
لهذا يتناقضون.
إذا أردت أن تخصم خارجيًا، كل دليل يذكره على كفر أو خلود من يعصي الله في النار، وأنه من طاعة الشيطان، وأن من أطاع الشيطان... ﴿إِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾، ألزمه بها في الصغائر، لا يلتزمها فيظهر تناقضه.
هم ماذا يقولون؟ يقولون: كل معصية طاعة للشيطان، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾.
هذا حتى في جماعة التكفير والهجرة.
شبهة الخوارج في زمن الشعبي رد عليهم.
هي الآية في من؟ في المشركين الذين قالوا بإحلال الميتة.
والله عَزَّ وَجَلَّ قال: "إن أطعتموهم في هذا الاستحلال إنكم إذن لمشركون".
وهذا دليل على أن مستحل الذنب مشرك.
لكن هؤلاء طردوها في كل ذنب.
ثم هم أنفسهم تناقضوا ولم يطردوها في الصغائر.
لماذا؟ لأن هناك أدلة تفيد أن الكبائر غير الصغائر.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾.
فالله عَزَّ وَجَلَّ نفسه عفا عن اللمم.
فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ: فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَرِأَهُ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ: الرَّأْفَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّجَاوُزِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْغُفْرَانِ، وَقَبُولِ التَّوْبَةِ.
هذه كل الصفات يكفر بها أولئك القوم، لماذا؟ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
هم ماذا قالوا؟ قالوا: لا يغفر ما دون ذلك إلا إذا تاب.
يا أخي، التوبة حتى الشرك يغفر منه.
فما وجه تخصيص الشرك؟ وأما قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فهذا للتائبين.
أما قوله "وقبول التوبة"، لا محل اعتراض عندي، لأنهم عندهم التائب مقبولة توبته، وهذا محل إجماع بين كل أهل الملة.
وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ آدَمَ، وَمَنْ دُونَهُ كَانُوا كُفَّارًا.
الآن يذكر لك اعتقاد أهل السنة أن الأنبياء تقع منهم الذنوب، لكن الصغائر بإجماع أهل السنة، دون الكبائر.
والصغائر لا يقرون عليها، ويلهمون التوبة والاستغفار.
ومن ادعى أن الأنبياء لا تقع منهم الذنوب كالرافضة والأشاعرة، هذا يخالف ظاهر القرآن.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢﴾. وَقَدْ وَصَفَ ذُنُوبَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
كفتنة داوود، وكانت معصية داوود النظر.
وَإِخْوَةُ يُوسُفَ، فَقَدْ ظَلَمُوا أَخَاهُمْ، وَعَقُّوا أَبَاهُمْ، وَعَصَوْا مَوْلَاهُمْ؛ وَمَعَ ذَلِكَ: أَخْبَارُ أَبْرَارٍ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
الذي عليه عامة السلف، بل لا أعلم خلافًا، أن الأسباط أنبياء، وهم إخوة يوسف.
طيب كيف هذا؟ هم بعد ما فعلوا صاروا أنبياء.
شيخ الإسلام وابن كثير يقولون لا ليسوا أنبياء، ولكني لم أجد حقيقة بعد البحث عن أحد من السلف أنه قال ليسوا بأنبياء.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنۡكَۚ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ﴾.
بل النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره".
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ: نَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ شَهِدُوا الْمَشَاهِدَ مَعَهُ، وَسَبَقُوا النَّاسَ بِالْفَضْلِ، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ، وَأَمَرَنَا بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِمَحَبَّتِهِمْ، وَفَرَضَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ، [وَأَنَّهُمْ] سَيَقْتَتِلُونَ، وَإِنَّمَا فُضِّلُوا عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ قَدْ وُضِعَ عَنْهُمْ مِنْ كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَلَا يُنْظَرُ فِي كِتَابٍ: صِفِّينَ، وَالْجَمَلِ، وَوَقْعَةِ الدَّارِ، وَسَائِرِ الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ.
هذا يقصد روايات الكذابين، وإلا وقعة الدار ما كان فيها نزاع بين الصحابة، كان وقع بين الخوارج.
وصفين القتال الذي حصل بين معاوية رضي الله عنه وعلي.
وأما الجمل، فالجمل هذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة أن الذين قاموا بقتل عثمان هم أغاروا على جيش علي في الليل، وأغاروا على جيش طلحة والزبير في الليل، فظن كل من الفريقين أن الآخر قد غدر به، فحصلت هذه الوقعة.
وَلَا تَكْتُبْهُ لِنَفْسِكَ، وَلَا لِغَيْرِكَ، وَلَا تَرْوِهِ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا تَقْرَأْهُ عَلَى غَيْرِكَ، وَلَا تَسْمَعْهُ مِمَّنْ يَرْوِيهِ.
نعم، وهذا كان أمر الإمام أحمد، لتسلم القلوب، لأن المرء لا يسلم من كذب ولا يسلم من تأويل.
وكان يضع أصبعيه في أذنيه إذا سمع هذه الأحاديث.
بل قال أحمد: الذي يروي أخبار المسالب يستحق الرجم.
وهذا اعتقاد السلف يدل على بطلان ما يصنعه بعض الناس من إفراد كتب الفتن بالكلام.
وذلك أن الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى تعلم أمور دينهم، الحلال والحرام، كما ذكر ذلك الآجري، نتعلم الحلال والحرام واعتقادنا، فنشغلهم بالكلام فيما شجر بين الصحابة، ثم بعد ذلك نتوسع في ذلك.
ثم عامة من يتكلم يأتي بالروايات الضعيفة والباطلة فيوغر صدور الناس على أصحاب النبي ﷺ. وبعضهم يحاكمهم إلى عقله الآن، فالإنسان عقله متأثر بالديمقراطية أو عقله متأثر بشيء يأتي يحاكم الصحابة إلى هذا العقل.
وما ثارت وقيعة الناس بالصحابة إلا لكثرة ما يقع من هذا الأمر.
فهذا من أعظم الغلط، كثرة الكلام في الفتن واستفتاح الناس كلامهم بها.
فَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ سَادَاتُ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّهْيِ عَمَّا وَصَفْنَاهُ؛ مِنْهُمْ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَشُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ قَدْ رَأَوا النَّهْيَ عَنْهَا، وَالنَّظَرَ فِيهَا، وَالِاسْتِمَاعَ إِلَيْهَا، وَحَذَّرُوا مِنْ طَلَبِهَا، وَالِاهْتِمَامِ بِجَمْعِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ رَوَاهَا وَاسْتَمَعَ إِلَيْهَا.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ: يُشْهَدُ لِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا أَنَّهَا الصِّدِّيقَةُ، الطَّاهِرَةُ، الْمُبَرَّأَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﷺ، إِخْبَارًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَثْلَمَا فِي كِتَابِهِ، مُثْبَتًا فِي صُدُورِ الْأُمَّةِ وَمَصَاحِفِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ أَنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَبْرَأَةٌ، طَاهِرَةٌ، خَيِّرَةٌ، فَاضِلَةٌ، وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَصَاحِبَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
ومذهب غريب لابن حزم يرى أن أزواج النبي ﷺ أفضل من كل الصحابة، قال لأن الله عَزَّ وَجَلَّ يرفع الذرية والأزواج إلى منزلة النبي، فيكون هو مع أزواجه، والصحابة تحت.
هكذا يفكر ابن حزم بطريقته الغريبة.
ويستدل بحديث: "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة.
قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها".
فقال: هذا دليل على أن عائشة هي أحب، لاجتماع الأمرين: الزوجية والفضل.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
والإجماع منعقد على كفر قاذفها، كما ذكر ذلك ابن تيمية وذكره القرطبي في "المفهم".
واختلفوا هل يلحق بها بقية أزواج النبي ﷺ؟ نعم يلحقن، لأن انتقاصهن لاحق للنبي ﷺ. وعمار في وقعة الجمل قال: "إلا أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن جعلها الله لكم فتنة".
الشهادة لها بالجنة أمر معلوم عند عامة الناس.
فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ طَعَنَ فِيهِ، أَوْ تَوَقَّفَ عَنْهُ؛ فَقَدْ كَذَّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشَكَّ فِيمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧﴾. فَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا: فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَيُحِبُّ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَمَنَازِلِهِمْ أَوْلاً فَأَوَّلاً: مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَأُحُدٍ.
فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْفَضَائِلِ الشَّرِيفَةِ، وَالْمَنَازِلِ الْمُنِيفَةِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّوَابِقُ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَنَتَرَحَّمُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، وَكَاتِبِ الْوَحْيِ.
وَتُذْكَرُ فَضَائِلُهُ، وَتَرْوِي مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقَدْ عَلِمَكُمْ مِنْ هَذَا مَوْضِعَهُ وَمَنْزِلَتَهُ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
فَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وهذا الحديث باطل، وعكسه أيضًا باطل: "يخرج منها رجل من أهل النار".
فدخل معاوية، ودخل حتى الحكم بن العاص.
فَتَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُهُ وَمَنْزِلَتُهُ.
صحة له للنبي ﷺ.
ثُمَّ نُجِيبُ فِي اللَّهِ مِنْ أَطَاعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْكَ، وَنُخَالِفُ مَرَادَكَ فِي الدُّنْيَا.
وَنُبْغِضُ فِي اللَّهِ مَنْ عَصَاهُ، وَنُوَالِي أَعْدَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ، وَوَافَقَ هَوَاكَ فِي دُنْيَاكَ، وَتُصَلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَتُقْطَعُ عَلَيْهِ.
سيدخل في أبواب أخرى، أنا أردت أن أنتهي من مسألة الصحابة.
هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.ولهذا مثل الإمام أحمد ذكر ابن تيمية عنه أنه مرة احتج بفعل لخالد بن معدان، وهو تابعي شامي.
فقال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": لم يحتج الإمام أحمد بهذا الأثر لأن فعل خالد بن معدان في نفسه حجة، وإنما احتج به من جهة أن الناس قد سكتوا عليه.
ونرى اليوم أن الناس يعتقدون أن الميزان له لسان، ولا يوجد في ذلك حديث صحيح، ولا أثر عن صحابي ثابت، وغاية ما في الأمر أثر عن الحسن البصري.
بل العجيب أن كثيراً من الناس يعتقدون أن إسرافيل نافخ الصور، كما ذكرنا، ولا حديث صحيح ولا أثر عن تابعي ولا أثر عن صحابي في أن عندنا إسرافيل.
ومع ذلك يعتمده بعض أهل العلم استنادًا إلى الإجماعات المنقولة، وبعضها يكون قد نقلها حتى الأشاعرة.
ونحن نعتقد هذا كله، نحن لا نقول هذا استنكارًا، لكن نقول هذا إلزام، فما بالك الآن السلف اعتقدوا أمرًا وقد ورد فيه أثر.
وكما قال شيخ الإسلام، إن هذا الأثر لم يرده إلا بعض الجهمية.
ذكر هذا الشيخ ابن الجوزي في وذكره أيضًا هنا في "مجموع الفتاوى".
ومن زل من المعاصرين، فإن العالم لا يُتابع على زلته، أرأيت بارك الله فيكم، ولا يترك الحق من أجله.
وكما قال، يعني كما هو المروي عن عمر رضي الله عنه لما قال: "يهدم الدين ثلاثة"، وهو ثابت على مقالته "زلة العالم".
وكما قال معاذ بن جبل: "إياكم وزلة العالم".
قال: "وإن المنافق قد يتكلم بالحق".
فقال له: كيف نعرف أن العالم زل وأن المنافق يتكلم كلمة الحق؟ قال: "إن على الحق نورًا".
وإذا رأى امرؤ لزلل في عقله، أو يعني لهوى جم في قلبه.
أما أنه يلزم من إثبات هذا الأثر طعنًا في زيد أو عمر أو بكر من الناس، فلينزه نفسه عن أن يطعن في هؤلاء الأئمة، وهذا يلزمه أكثر مما يلزمنا.
ولو خُيِّرنا – وها نقولها – ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
إن يا ترى والله أهل الفساد، لو خيرنا بين أن نفقد الإمام أحمد، وعبد الله، وأبا داود، وعباس بن عبد العظيم، وإسحاق بن راهويه، وعبد الوهاب الوراق، والمروذي، والخلال، والآجري، وابن بطة، واللالكائي، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وأئمة الدعوة، وبين أن نسقط معاصرًا، لاخترنا أن نسقط معاصرًا.
ومحل الخلاف في هذه المسألة أن هذه المسألة أصلًا أخذها جماعة من أهل الأهواء وطَنْطَنوا فيها، حتى بعضهم كفروا ابن تيمية فيها كما فعل عبد الله الحبشي الهرري، وكما فعل حسن السقاف، وكما فعل محمد زاهد الكوثري، وحسن فرحان المالكي بسفهه وخبثه في كتابه الذي أسماه "قراءة في كتب العقائد: الحنابلة نموذجًا".
فنحن يعني لو لم نجد هذا في كتب السلف لاحتجنا أن نتكلم في هذه المسألة ردًا على هؤلاء، فما بالك ونحن لما قرأنا "السنة" للخلال، قال نعم، لما قرأنا "الإبانة"، لما قرأنا "الشريعة"، وتقرأ في التفسير ستجد الطبري قد ذكرها، فما نعجب نحن الشمس بالغربة.
طبعًا وهناك أثر عن عبد الله بن سلام ذكرني به المحقق، على أني لا أريد أن أنظر في الحاشية لأنه لولا ذلك لقالوا إنه للسفه.
حصل عن عبد الله بن سلام أيضًا يدعم أثر مجاهد أنه يؤتى بنبينا فيجلس بين يدي العرش، وهذه مرحلة ما قبل الإجلاس على العرش.
وهذا الأثر ضعّف سنده، سيكون فيه سبب.
وهذا التضعيف مدفوع بأن أبا داود وعبد الله بن أحمد صححا الأثر، وهذا يعتبر توثيقًا.
وأذكر يعني من التعليقات الفجة تعليق حسن السقاف الخبيث على كتاب "العلو" للذهبي، وهو يطعن في عبد الله بن سلام، وقال: "انظروا إليه يقول جيء بنبيكم، وكأنه لا يراه نبيًا له، وهذه يهودية".
طيب، يهودية فيها فضيلة للنبي ﷺ! السفه هنا والسخف، هذا الخبيث يطعن في عبد الله بن سلام المبشر بالجنة رضي الله عنه.
وهذا منتهى التجهم، وسينتهون إلى الطعن في التابعين، ثم ينتهون إلى الطعن في الصحابة، في صحابة النبي ﷺ. وأيضًا، واحتمالية إسرائيلية؟ أي إسرائيلية؟ هو تفسير آية والكلام فيه فضيلة للنبي ﷺ، هذا بعيد، الإسرائيلية تكون في الأخبار الماضية.
٣١٥ - ثُمَّ الْإِيمَانُ وَالْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ خَيْرَ الْخَلْقِ وَأَفْضَلَهُمْ، وَأَعْظَمَهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَحَقُّهُمْ بِخِلَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَتَعْلَمُ أَنَّهُ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ بِالْوَصْفِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ غَيْرَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
الآن يدخل في مسائل الخلافة، مسائل ترتيب الصحابة رضوان الله عليهم.
خلافة الصديق محل إجماع، وفيها الإشارة، والإشارة إليها موجودة في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: ٥٤]، فكان هؤلاء الصديق ومن معه كما نبه على ذلك الأشعري في "الإبانة".
وأبو بكر الصديق اختلف أهل السنة، هل النبي ﷺ استخلفه بالنص الصريح أم استخلفه بالإشارة؟
- فمنهم من قال بل استخلفه بالنص الصريح لحديث "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
وقول النبي ﷺ للمرأة: "إذا أتيتِ العام ولم تجديني فائتي أبا بكر".
فقالوا هذا نص واضح. - وقالوا بل استخلفه بالإشارة لقول عمر: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف من هو خير مني".
ولكن لم يرد نص عن النبي ﷺ، وإنما وقعت الإشارة في مثل تأهيله، جعله يصلي بالناس، وقال الإمام أحمد: أراد بذلك الخلافة.
وفي قوله: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا".
رضي الله عنه له فضائل كثيرة، يعني بشر بالجنة بأحاديث كثيرة جدًا.
كنا قد بسطنا الكلام في هذه المسألة في التعليق على "السنة" للخلال.
المراد هنا الإشارة إلى بعض المسائل.
وقد ورد أيضًا أنه حرم الخمر في الجاهلية.
هناك أمر لطيف، أن الصديق رضي الله عنه كان في عدد من المواطن كلامه يطابق كلام النبي ﷺ، أو حاله تطابق حال النبي ﷺ، لأنه ثاني اثنين في كل شيء.
- لما جاء النبي ﷺ إلى خديجة رضي الله عنها وهو ترتجف فرائصه وأخبرها بما رأى في الغار، فقالت له: "كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
هذه الكلمة تمامًا قالها ابن الدغنة لأبي بكر الصديق لما أراد أن يهاجر.
قال: "إن مثلك لا يخرج، إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر". - وأيضًا في صلح الحديبية، لما عمر ذهب إلى النبي ﷺ وقال له: "ألسنا على الحق؟" فأخذ عمر نية من ديننا، فقال: "إني نبي الله ولن يضيعني".
فلما ذهب إلى الصديق، قال له الكلمة نفسها، فرد عليه الصديق "الزم غرزه، فإنه نبي الله ولن يضيعه".
في مواطن كثيرة يعني تجمع، إذا أنه رضي الله عنه حقًا كان ثاني اثنين.
وأنزل الله سكينته عليهما، وقع الخلاف حقيقة، هل نزلت السكينة على النبي ﷺ فقط أم معه أبو بكر؟ فمنهم من قال إن النبي ﷺ لم تزل السكينة معه، وقد جمع له المعية، قال: "لا تحزن إن الله معنا".
وهذا يستدلون به من أدلة الإشارة.
وأما كونه خير الناس بعد الأنبياء، فهذا محل اتفاق.
خير الخلق بعد الأنبياء، نحن نقول الخلق حتى ندخل الملائكة على الراجح الذي ذكرناه.
أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين.
أيضًا، كنا نفاضل في حياة النبي ﷺ فنقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت ولا نفاضل.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قاعدة في رده على الرافضة أن فضل امرئ على غيره يثبت بالخصائص، لا يثبت بالفوضائل المشتركة.
وقد كانت له فضائل لم يشركه بها أحد، كصحبة الغار، وسبقه بالإسلام من جهة كونه أول من أسلم من الشيوخ.
ذكر الحاكم أن أول من أسلم عليّ.
جماعة من أهل العلم قالوا هذه دعوى فجة، وعامة الناس أن يخالفوه في ذلك.
فأول من أسلم من الشيوخ الصديق، وأول من أسلم من النساء خديجة، وأول من أسلم من الموالي بلال، وأول من أسلم من الصبيان علي رضي الله عنهم.
وأيضًا نصرته وعتقه، أسلم على يده أربعة من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه.
أيضًا كان يعتق في سبيل الله، كان يعتق، يقال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا بلالًا.
فكان رضي الله عنه يعتق الذين يعذبون في سبيل الله.
في فضائل كثيرة، وموقفه في الردة.
سبحان الله، الموطن لا يتسع نهائيًا لبسطها.
والنبي ﷺ لما حصل شجار بينه وبين عمر، وكان عمر رضي الله عنه قد أغضب الصديق، ثم بعد ذلك ذهب الصديق إلى بيت عمر يريد أن يعتذر، فوجد عمر، وجده عند النبي ﷺ. فقال له: حصل بيني وبين عمر كذا وكذا.
فغضب النبي ﷺ على عمر وقال له: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ بعثني الله فقلتم كذبت، وقال صدقت، وواساني بأهله وماله".
ولم يزل به حتى جاء الصديق على ركبتيه وقال: يا رسول الله، أنا كنت أظلم.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالصِّفَةِ: أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْفَارُوقُ.
ذكرنا حديث المفاضلة أبو بكر ثم عمر.
وإن كان تأخر إسلامه إلا أنه سبق في فضائل كثيرة رضي الله عنه.
وفضله واسع ومعروف.
ومع سعة فضله، النبي ﷺ كان يقول عنه: "وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ".
وعلي لما رأه مسجى يقول: "ما من أحد على وجه الأرض أحب إلي من أن ألقى الله في صحيفته منك".
ولا زال النبي ﷺ يقول: "لقد ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"، وذكر هذا سابقًا.
حتى الكفار المشركون فيما كانوا في شركهم كانوا يعرفون فضله.
أبو سفيان في يوم أحد قال: "أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟" وهو الذي كان باب الفتنة الذي لما كُسر رضي الله عنه، دخلت الأمة بعد ذلك بعد مقتل عثمان في الظلمات، والله المستعان.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالنَّعْتِ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو عَمْرٍو [وَ] ذُو النُّورَيْنِ.
ذو النورين لأنه تزوج ابنتي النبي ﷺ اللتين كانتا تحت ابني أبي لهب، وطلقاها، واللذين أسلما فيما بعد.
فكان أبو لهب عزم على ابنيه أن يطلقاهما، فأبدلهما الله عَزَّ وَجَلَّ خيرًا، رقية وأم كلثوم، أبدلهما الله عَزَّ وَجَلَّ خيرًا في عثمان رضي الله عنه.
ويقال لا يوجد في تاريخ الأمم رجل جمع ابنتي نبي إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وهو من أشد الناس حياءً، تستحيي منه الملائكة.
وعمر يعني على مسألة العلاقة بالعالم الغيبي، عمر ما رآه الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا آخر.
عثمان تستحيي منه الملائكة.
جاد بنفسه رضي الله عنه على وعد النبي ﷺ: "أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه".
وجاءه الزبير، وجاء أبو هريرة، وجاء غيره وطلبوا منه أن يقاتل، فقال: "لا أريق دم امرئ مسلم في سببي"، حتى قتل رضي الله عنه شهيدًا على يد الفجرة المنافقين.
ولما كتب الصديق وصية الخلافة لعمر، فغشي عليه، فكتب عثمان عمر.
فلما أفاق الصديق، قال: "من كتبت؟" قال: "كتبت عمر بن الخطاب".
قال: "جزاك الله خيرًا، ولو كتبت نفسك لكنت أهلًا له".
واليوم، سبحان الله، هذا الصحابي الجليل صار محط ألسنة قذرة يتكلمون فيه كلامًا لا يصلح.
شخص يقول: سياسة عثمان لا تصلح، خذوا سياسة أبي بكر الصديق.
خذلان.
يعني أحمد يذكرون له معاوية، يقول: أعوذ بالله، ما لهم ومعاوية؟ يغسلون هؤلاء لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولهم مطاعم يعني تم الرد عليها.
وهذا أيضًا كله بسطناه في درس "السنة" للخلال في فضائل عثمان رضي الله عنه وفي صحة خلافته.
ثُمَّ عَلَى هَذَا النَّعْتِ وَالصِّفَةِ مِنْ بَعْدِهِمْ: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ، صِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُ عَمِّ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ.
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الإجماع على أنه أفضلهم بعد الثلاثة.
وفي الحقيقة لا يوجد دليل قطعي على طريق أهل الحديث، وعلى طريق أهل البدع النقلية، فالإجماع عندهم قطعي، ولكن نحن الآن نخاصمهم.
هل علي مثلًا أفضل من الزبير مثلًا، أو أفضل من طلحة؟ كل ما يستدلون به من الأدلة لا تصح.
خلافة علي لم تثبت إلا من جهة تصحيح خلافة الصديق وعمر، لأنه لما ظهر جماعة طعنوا في خلافة علي، لم يستطع الناس أن يردوا عليهم إلا بحديث سفينة: "الخلافة بعدي ثلاثون عامًا".
وما يستدل به الرافضة من بعض الفضائل التي يستدلون بها، هم في النهاية - كما مر معنا في "السنة" للخلال - الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال لهم: هذا فيه انتقاص لعلي، لأنه يكون هذا حق له وتركه وتنازل عنه، بل ويؤذن به من الله عَزَّ وَجَلَّ.
والله عَزَّ وَجَلَّ قال في النبوة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
فكيف يكون هذا؟ وإذا كانت الإمامة كالنبوة، فكان لابد أن يتم الله نوره ولو كره المشركون.
والصحابة الذين قاتلوا الآباء والأبناء والإخوان في سبيل الله، واجتمعت عليهم العرب من أقطارها في يوم الأحزاب، ألم يوجد فيهم رجل رشيد أو جماعة يقولون: الخلافة لعلي رضي الله عنه؟ لا.
وهو رضي الله عنه كان يفضل الشيخين على نفسه، وتواتر هذا عنه.
وقد ورد معنا في "السنة" لعبد الله من طرق خمسة أنه يقول: أبو بكر وعمر خير هذه الأمة.
خمسة من أصحابه يروون عنه هذا، حتى إن الأمر يبدو أنه متواتر.
وهو رضي الله عنه عهد إليه النبي ﷺ،: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ».
قال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟".
هو من أهل الكساء الذين جللهم النبي ﷺ وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
وله فضائل كثيرة، منها جهاده، فعامة الغزوات ما تخلف عنها رضي الله عنه.
الرافضة يذكرون فقط فضائل علي ويكفرون البقية، فلا شك أن علي لا يرضى بهذا.
يا أخي، أنت تكفر أبا بكر وعمر، فلا تناقشني أيهما أفضل من علي.
أنت إذا تكفر، فأي مؤمن ظالم، تناقشني هو أحق بالخلافة أو ليس بحق؟ على فكرة، هي المسألة لما تأتي أنت وتناقشه خلاف من أحق بالخلافة، علي أم أبو بكر، وهو يرى أبا بكر كافرًا؟ ما دام أبا بكر كافرًا، حتى يثبت لك أن أبا بكر مسلم، وأن أبا بكر صحابي، وأن أبا بكر فاضل، ثم بعد ذلك نأتي نتناقش من أحق بالخلافة.
لما تبدأ معه بالنقاش من أحق بالخلافة، وهو أصلًا يرى أن أبا بكر لو فسق أبا بكر، لكان علي أفضل وأحق.
لو فسقهما، هو يرى نفسه أفضل من أبي بكر، فكيف بعلي رضي الله عنه.
فَبِحُبِّهِمْ وَمَعْرِفَةِ فَضْلِهِمْ: قَامَ الدِّينُ، وَثَمَّتِ السُّّنَّةُ، وَعَدَلَتِ الْحُجَّةُ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَشتَتِمُّ السُّلْفُ؛ وَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
بل قال سفيان: إن من فضل عليًا على أبي بكر وعمر، قال: أخشى ألا يرفع له عمل عند الله عَزَّ وَجَلَّ.
٣١٧ - وَتَشْهَدُ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ بِلَا شَكٍّ، وَلَا اسْتِثْنَاءٍ؛ وَهُمْ أَصْحَابُ غار حرَاءِ: النَّبِيُّ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
قوله: "أصحاب جراء" هذه عبارة غريبة، أظنها "حراء"، لأن الحديث: "اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".
فَهَؤُلَاءِ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ أَحَدٌ فِي الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ.
ظهرت جماعة محدثة في زمن الإمام أحمد رحمه الله يقولون: "نؤمن أنهم في الجنة ولا نشهد".
فرد عليهم أحمد وأفحمهم، قال: "إذا قلت فقد شهدت"، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾.
ويسمى الشاهد شاهدًا في الشهادات، وهو يعني على قول.
ثم استدل بخبر أبي بكر الصديق لأهل الردة: "تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار؟".
قال: وهؤلاء جمع غفير.
ولما قالوا له إنهم يحتجون بعبد الرحمن بن مهدي، قال: "ومن عبد الرحمن بن مهدي؟" يعني ما ابن مهدي؟ ابن مهدي شيخ الإمام أحمد، ولكن أحمد غضب من هذا قال: "صبيان نحن؟".
ويعني تكلم فيهم بكلام غليظ.
وهذا اختيار ابن حزم.
فيه روايات لأحمد أن عامة الصحابة يشهد لهم بالجملة.
في شهادة بالجملة وفي شهادة بالتعيين، البحث الآن في الشهادة بالتعيين.
الصحابة بالجملة يشهد لهم، الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿لَّا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾، والحسنى هي الجنة.
ويقول الإمام أحمد: "قال النبي ﷺ: أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون صفًا من هذه الأمة، فإن لم يكونوا أصحاب النبي ﷺ فمن هم؟".
فهؤلاء نشهد، خلافًا للقول المحدث الذي قمعه أحمد رحمه الله ورد عليه، وكان يقول به ابن المديني وابن مهدي، فرد عليهم الإمام رحمة الله عليه وشدد عليهم.
٣١٨ - وَتَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ.
وَأَنَّ حَمْزَةَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ.
وَجَعْفَرُ الطَّيَّارُ: فِي الْجَنَّةِ.
وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ: سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ومنهم حارثة بن سراقة لما قال له: "إنها جنان"، وعبد الله بن عتيك، أبو جابر قال إن الله كلمه كفاحًا، وعبد الله بن حرام، وعكاشة بن محصن، والرميصاء بنت ملحان، والمرأة التي تصرع، وثابت بن قيس بن شماس، وبلال، وعبد الله بن سلام.
المرأة السوداء.
هؤلاء يشهد لهم بالجنة.
طيب من سواهم؟ ممن اتفقت الأمة على إمامته، هناك بحث بين أهل السنة، الجمهور لا يشهدون.
ومنهم من رأى هذا، وكان هذا مذهب أبي ثور، وكان يشهد للإمام أحمد بالجنة.
ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج السنة، أنه إذا أجمعت الأمة على إمامة شخص وعلى صدقه، واستدلوا بحديث: "أنتم شهداء الله في الأرض".
٣١٩ - وَتَشْهَدُ لِجَمِيعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْجَنَّةِ وَالرِّضْوَانِ، وَالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ.
الله أكبر، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾.
بعض الذين يتكلمون في التفسير واللطائف قالوا: هذه لأنهم في الفردوس الأعلى، فتحتها لقربها.
أما بقية الآيات في القرآن كلها "من تحتها".
٣٢٠ - وَيُسْتَقَرُّ عِلْمُكَ، وَتُوقِنُ بِقَلْبِكَ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَشَاهَدَهُ، وَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يُشَاهِدْهُ وَلَوْ أَتَى بِأَعْمَالِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
والدليل على هذا قول النبي ﷺ لخالد بن الوليد لما أغضب عبد الرحمن بن عوف: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وهو يكلم صحابيًا آخر.
ويقول سعيد بن زيد لما سُبَّ علي عنده، حدث بحديث العشرة المبشرين، ثم قال: "ولمشهد شهده مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح".
والإمام أحمد أفتى بهجر من يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية.
بل قال الأعمش: هو في العدل خير منه، ولكن معاوية جاء بعد الراشدين، وعمر جاء بعد ظلمة بني أمية، فكل يقارن مع أهل عصره.
فعمر ظهر له فضل وعدل، أما من يقول إن جنس الصحابة يفوق جنس من بعدهم، وقد يأتي من بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة مع الاعتقاد، فهذه العبارة التي قالها ابن بطة موجودة في اعتقاد ابن المديني، وموجودة في أصول السنة للإمام أحمد رحمه الله تعالى.
والنبي ﷺ يقول: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني".
وهذا دليل على أن الصحبة مرتبطة بالرؤية.
بل يقول: "إنكم تغزون، فيقال: هل فيكم من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح لهم.
ثم إنكم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح.
ثم إنكم تغزون فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى النبي ﷺ؟ فيفتح عليه".
وهي القرون الثلاثة.
والصواب أن الطبقات هي قرن الصحابة، وقرن التابعين، وقرن أتباع التابعين.
الإمام أحمد والشافعي لا يدخلون في القرون الثلاثة الفاضلة، لأنهم من الآخذين عن أتباع التابعين.
٣٢١ - ثُمَّ التَّرَحُّمُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ ﷺ: صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، وَأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَنَشْرُ فَضَائِلِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِمْ، وَالِاقْتِفَاءُ لِآثَارِهِمْ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَا قَالُوهُ، وَالصَّوَابُ فِيمَا عَمِلُوهُ.
من لا يسير على هذا ليس من أهل السنة.
"وأن الحق في كل ما قالوه"، لا، لا يخرج عنهم إذا اختلفوا على قولين.
وهذه مسألة كنا بسطناها كثيرًا.
بل ذكر ابن تيمية في منهاج السنة قال: "لم يكن يجرؤ أحد لا من فقهاء أهل الرأي ولا من فقهاء أهل الحديث إذا صح عن صحابي شيء أن يرده".
والإمام مالك رحمه الله، روى ابن حزم في "الإحكام" أنه سئل عن أقوام يصنفون الكتب فيذكرون قول عمر ويذكرون قول إبراهيم النخعي، فيرجحون قول إبراهيم النخعي.
فقال له: صح عندهم قول عمر؟ قال: نعم.
قال: "هؤلاء يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا".
والبحث في مسألة الاقتداء بالصحابة يطول.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
٣٢٢ - وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْعُلَمَاءُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ: لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَعْصِيَةٍ؛ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ.
الإمام أحمد قيل أمامه: "لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب".
قال: "اسكت، ترك الصلاة كفر".
لا يكفر بذنب ما لم يستحله، ولم يكن كفرًا بذاته كوطء المصحف وغير ذلك.
وَلَا نَقُولُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّهَا تَقُولُ: مَنْ أَتَى ذَنْبًا وَاحِدًا فِي عُمُرِهِ، أَوْ ظَلَمَ بِحَبَّةٍ فِي عُمُرِهِ؛ فَقَدْ كَفَرَ.
المعتزلة يقولون: لا، هو في منزلة بين المنزلتين.
في الدنيا يعامل معاملة المسلم، وفي الآخرة يذهب إلى جهنم يخلد فيها، ولكن ناره تكون أخف من نار الكفار.
أما الخوارج فيقولون: هو في الدنيا كافر يعامل معاملة الكفار، وفي الآخرة ناره نار الكفار.
هذا قول عامة المعتزلة.
وإلا فالجبائيان، أبو علي وأبو هاشم، قالا: لا، يأتي يوم القيامة فتوزن، فإن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار ولا يخرج منها أبدًا.
فإن رجحت حسناته غفرت سيئاته كلها.
أي معصية، طبعًا بحثهم في الكبائر ليس في الصغائر.
لهذا يتناقضون.
إذا أردت أن تخصم خارجيًا، كل دليل يذكره على كفر أو خلود من يعصي الله في النار، وأنه من طاعة الشيطان، ﴿وإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾، ألزمه بها في الصغائر، لا يلتزمها فيظهر تناقضه.
هم ماذا يقولون؟ يقولون: كل معصية طاعة للشيطان، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿وإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾.
هذا حتى في جماعة التكفير والهجرة.
شبهة الخوارج في زمن الشعبي رد عليهم.
هي الآية في من؟ في المشركين الذين قالوا بإحلال الميتة.
والله عَزَّ وَجَلَّ قال: "إن أطعتموهم في هذا الاستحلال إنكم إذن لمشركون".
وهذا دليل على أن مستحل الذنب مشرك.
لكن هؤلاء طردوها في كل ذنب.
ثم هم أنفسهم تناقضوا ولم يطردوها في الصغائر.
لماذا؟ لأن هناك أدلة تفيد أن الكبائر غير الصغائر.
الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾.
فالله عَزَّ وَجَلَّ نفسه عفا عن اللمم.
فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ: فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَرِأَهُ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ: الرَّأْفَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّجَاوُزِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْغُفْرَانِ، وَقَبُولِ التَّوْبَةِ.
هذه كل الصفات يكفر بها أولئك القوم، لماذا؟ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
هم ماذا قالوا؟ قالوا: لا يغفر ما دون ذلك إذا تاب.
يا أخي، التوبة حتى الشرك يغفر منه.
فما وجه تخصيص الشرك؟ وأما قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فهذا للتائبين.
أما قوله "وقبول التوبة"، محل اعتراض عندي، لأنهم عندهم التائب مقبولة توبته، وهذا محل إجماع بين كل أهل الملة.
وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ آدَمَ، وَمَنْ دُونَهُ كَانُوا كُفَّارًا.
الآن يذكر لك اعتقاد أهل السنة أن الأنبياء تقع منهم الذنوب، لكن الصغائر بإجماع أهل السنة، دون الكبائر.
والصغائر لا يقرون عليها، ويلهمون التوبة والاستغفار.
ومن ادعى أن الأنبياء لا تقع منهم الذنوب كالرافضة والأشاعرة، هذا يخالف ظاهر القرآن.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢﴾. وَقَدْ وَصَفَ ذُنُوبَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
كفتنة داوود، وكانت معصية داوود النظر.
وَإِخْوَةُ يُوسُفَ، فَقَدْ ظَلَمُوا أَخَاهُمْ، وَعَقُّوا أَبَاهُمْ، وَعَصَوْا مَوْلَاهُمْ؛ وَمَعَ ذَلِكَ: أَخْبَارُ أَبْرَارٍ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
الذي عليه عامة السلف، بل لا أعلم خلافًا، أن الأسباط أنبياء، وهم إخوة يوسف.
طيب كيف هذا؟ هم بعد ما فعلوا صاروا أنبياء.
شيخ الإسلام والسيوطي يقولون لا ليسوا أنبياء، ولكني لم أجد حقيقة بعد البحث عن أحد من السلف أنه قال ليسوا بأنبياء.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنۡكَۚ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ﴾.
بل النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، علانيته وسره".
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ: نَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ شَهِدُوا الْمَشَاهِدَ مَعَهُ، وَسَبَقُوا النَّاسَ بِالْفَضْلِ، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ، وَأَمَرَنَا بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِمَحَبَّتِهِمْ، وَفَرَضَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْهُمْ، [وَأَنَّهُمْ] سَيَقْتَتِلُونَ، وَإِنَّمَا فُضِّلُوا عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ قَدْ وُضِعَ عَنْهُمْ مِنْ كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَلَا يُنْظَرُ فِي كِتَابٍ: صِفِّينَ، وَالْجَمَلِ، وَوَقْعَةِ الدَّارِ، وَسَائِرِ الْمُنَازَعَاتِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ.
هذا يقصد روايات الكذابين، وإلا وقعة الدار ما كان فيها نزاع بين الصحابة.
وصفين القتال الذي حصل بين معاوية رضي الله عنه وعلي.
وأما الجمل، فالجمل هذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة أن الذين قاموا بقتل عثمان هم أغاروا على جيش علي في الليل، وأغاروا على جيش طلحة والزبير في الليل، فظن كل من الفريقين أن الآخر قد غدر به، فحصلت هذه الوقعة.
وَلَا تَكْتُبْهُ لِنَفْسِكَ، وَلَا لِغَيْرِكَ، وَلَا تَرْوِهِ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا تَقْرَأْهُ عَلَى غَيْرِكَ، وَلَا تَسْمَعْهُ مِمَّنْ يَرْوِيهِ.
نعم، وهذا كان أمر الإمام أحمد، لتسلم القلوب، لأن المرء لا يسلم من كذب ولا يسلم من تأويل.
وكان يضع أصبعيه في أذنيه إذا سمع هذه الأحاديث.
بل قال أحمد: الذي يروي أخبار المسالب يستحق الرجم.
وهذا اعتقاد السلف يدل على بطلان ما يصنعه بعض الناس من إفراد كتب الفتنة بالكلام.
وذلك أن الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى تعلم أمور دينهم، الحلال والحرام، كما ذكر ذلك الآجري، نتعلم الحلال والحرام واعتقادنا، فنشغلهم بالكلام فيما شجر بين الصحابة، ثم بعد ذلك نتوسع في ذلك.
ثم عامة من يتكلم يأتي بالروايات الضعيفة والباطلة فيوغر صدور الناس على أصحاب النبي ﷺ. وبعضهم يحاكمهم إلى عقله الآن، فالإنسان عقله متأثر بالديمقراطية أو عقله متأثر بشيء يأتي يحاكم الصحابة إلى هذا العقل.
وما ثارت وقيعة الناس بالصحابة إلا لكثرة ما يقع من هذا الأمر.
فهذا من أعظم الغلط، كثرة الكلام في الفتن واستفتاح الناس كلامهم بها.
فَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ سَادَاتُ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّهْيِ عَمَّا وَصَفْنَاهُ؛ مِنْهُمْ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَشُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ قَدْ رَأَوا النَّهْيَ عَنْهَا، وَالنَّظَرَ فِيهَا، وَالِاسْتِمَاعَ إِلَيْهَا، وَحَذَّرُوا مِنْ طَلَبِهَا، وَالِاهْتِمَامِ بِجَمْعِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي عَلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ، وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ رَوَاهَا وَاسْتَمَعَ إِلَيْهَا.
هنا ذكر نص جميل عن أحمد، هذا قال: لا تنظر فيها، وأي شيء في تلك من العلم؟ عليكم بالسنن والفقه وما ينفعكم.
وفي هذا يعني عبرة لمن يعني يبدأ مثلًا وهو أحوج ما يكون في بالقراءة في التواريخ وهو لا يعلم، ثم بعد ذلك لا، حتى لا يحاكم الصحابة إلى النصوص، أو لا يحاكم هذه الأمور إلا إلى النصوص.
هذه الأمور مقضية خلاص، منتهي الأمر بالنصوص.
ومع الأسف، حقيقة، صنيع عامة المؤرخين، لا أستثني منهم أحدًا، كان التوسع والإطناب في ذكرهم لمثل هذه الحوادث، وذكر الكلام فيها، وذكر ما لا ينبغي أن يذكر.
ولو نظرت في هدي السلف في القرون الثلاثة الأولى ما وجدت هذا.
يعني أول من بدأ هذا الطبري، على أمر يعني حقيقة لم يحمد له كثيرًا، ولكن الأئمة المهديين فيما قبل ذلك لم يكونوا يحبون هذا ولم يكونوا يذكرونه.
ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ:
يُشْهَدُ لِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا أَنَّهَا الصِّدِّيقَةُ، الطَّاهِرَةُ، الْمُبَرَّأَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﷺ، إِخْبَارًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَثْلَمَا فِي كِتَابِهِ، مُثْبَتًا فِي صُدُورِ الْأُمَّةِ وَمَصَاحِفِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ أَنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَبْرَأَةٌ، طَاهِرَةٌ، خَيِّرَةٌ، فَاضِلَةٌ، وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَصَاحِبَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
ومسألة الأزواج، بل حتى لابن حزم مذهب غريب جدًا يرى أن أزواج النبي أفضل من كل الصحابة.
قال لأن الله عز وجل يرفع الذرية والأزواج، فالنبي في منزلته، هو سيكون معه أزواجه، والصحابة تحت.
هكذا يفكر ابن حزم بطريقته الغريبة.
فعلى هذا ويستدل بحديث: "من أحب الناس إليك؟" قال: "عائشة".
قال: "فمن الرجال؟" قال: "أبوها".
فقال: هذا دليل أن عائشة هي الأحب لاجتماع الأمرين، الزوجية والفضل.
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
والإجماع منعقد على كفر قاذفها، كما ذكر ذلك ابن تيمية وذكره القرطبي في "المفهم".
واختلفوا هل يلحق بها بقية أزواج النبي ﷺ؟ نعم يلحقن، لأن انتقاص النبي ﷺ لاحق.
وعمار في وقعة الجمل قال: "إلا أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن جعلها الله لكم فتنة".
الشهادة لها بالجنة أمر معلوم عند عامة الناس.
رضي الله عنها.
وهذا يعني يدل على كفر هذا عدنان إبراهيم الذي يقول ما يقول.
عمومًا...
فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، أَوْ طَعَنَ فِيهِ، أَوْ تَوَقَّفَ عَنْهُ؛ فَقَدْ كَذَّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشَكَّ فِيمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧﴾. فَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا: فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَيُحِبُّ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ، وَمَنَازِلِهِمْ أَوْلاً فَأَوَّلاً:
طبعًا هناك مسألة البحث: خديجة أفضل من عائشة؟
- خديجة أفضل لأن النبي قال: "ما أبدلني الله خيرًا منها".
- وبعضهم قال: عائشة لأن النبي ﷺ قال: "فضل عائشة على النساء...".
- ومنهم من جمع، كشيخ الإسلام، قال: هي عائشة باعتبار تبليغ الدين فيما بعد أفضل، وخديجة باعتبار المؤازرة في بداية الدعوة أفضل.
ولا شك هي أحب أزواج النبي ﷺ إليه.
مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَالْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَأُحُدٍ.
أهل بدر، "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
كل أهل بدر مشهود له.
والحديبية، صلح الحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.
وبيعة الرضوان، "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة"، يقول النبي ﷺ.
فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْفَضَائِلِ الشَّرِيفَةِ، وَالْمَنَازِلِ الْمُنِيفَةِ، الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّوَابِقُ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَنَتَرَحَّمُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، خَالِ الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ، وَكَاتِبِ الْوَحْيِ.
خال المؤمنين، ومن أنكر أنه خال المؤمنين أفتى أحمد بهجره.
ومن أنكر كتابته الوحي كذلك.
والنبي ﷺ دعا له: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب".
وأبو سعيد الخدري لما ذكروا له الذين يسبون معاوية، ذكر لهم أنه صحابي، وأنه صحب النبي ﷺ. وأن عمر درأ عقوبة عن رجل لمجرد أنه صحابي.
فذكر لهم أبو سعيد وضرب لهم مثلًا في مسألة الصحبة، وأن هذا صحابي.
وعلي لما سئل عن قتلى صفين قال: "قتلانا وقتلاهم في الجنة، ثم يؤول الأمر إليّ أنا ومعاوية".
والنبي ﷺ قال: "لا يزال الإسلام عزيزًا ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش".
وقد كان ذلك كما قال الإمام أحمد، وكانت العزة في زمن معاوية رضي الله عنه.
والنبي ﷺ قال: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وهذا الصلح أثنى عليه النبي ﷺ، وقد نتج عنه خلافة معاوية، مما يدل على أن خلافته مرضية.
ولو كان كافرًا مرتدًا لما استجاز الحسن رضي الله عنه أن يتنازل له رضي الله عنه عن الخلافة.
بل حتى حديث: "لا أشبع الله بطنه"، جعله فضيلة له، إذ أن النبي ﷺ قال: "إنما أنا رجل من بني آدم، فأي مؤمن سببته أو لعنته فاجعل ذلك عليه صلاة ورحمة".
فاستدل بهذا أيضًا على فضله رضي الله عنه.
هذا الحديث ورد عن النبي ﷺ دعا على إحدى الصحابيات قال: "ما لها؟ قطع الله يديها".
فذهبت وجاءت وهي تنظر ليديها.
قال: "ما لها؟" قالت: "تنتظر أن يديها تذهبان بعد أن دعوت عليهما".
فقال النبي ﷺ: "إنما اشترطت على ربي..." فذكر هذا الحديث صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا يدخل فيه هذا الأمر.
وقد ولاه عمر، وولاه عثمان.
الولاية كانت من زمن عمر، تولية معاوية، يعني المسألة ليست ابتداء.
وقد كان رضي الله عنه متأولًا في قتاله لعلي، يتأول أنه ولي عثمان، ويتأول الأحاديث التي وردت في فضل الشام.
وكان إذا ذكر في معسكره يغتبط ويفرح، ينزلها على نفسه رضي الله عنه متأولًا.
ولا شك أن عليًا هو المصيب في جميع الحروب، وهم رضوان الله عليهم في كل ذلك مجتهدون مأجورون.
كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى.
وهو باب أصحاب النبي ﷺ ومنه يقتحم عليهم.
وَتُذْكَرُ فَضَائِلُهُ، وَتَرْوِي مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
فَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ.
هذا الحديث باطل.
وعكسه أيضًا باطل: "يخرج منها رجل من أهل النار"، فدخل معاوية، ودخل حتى الحكم بن العاص.
فَتَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُهُ وَمَنْزِلَتُهُ.
ثُمَّ نُحِبُّ فِي اللَّهِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْكَ، وَنُخَالِفُ مَرَادَكَ فِي الدُّنْيَا.
وَنُبْغِضُ فِي اللَّهِ مَنْ عَصَاهُ، وَنُوَالِي أَعْدَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ، وَوَافَقَ هَوَاكَ فِي دُنْيَاكَ، وَتَصِلُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَقْطَعُ عَلَيْهِ.
سيدخل الآن في أبواب أخرى، لكن أردت أن أنتهي من مسألة الصحابة.
هذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فهذا مجلس جديد في كتاب "الشرح والإبانة على أصول الديانة" للحافظ ابن بطة رحمه الله تعالى.
أود أن أنبه تنبيهات فيما يتعلق بما مضى من الدروس:
- قد ذكرت عند الكلام على حديث الصورة مسألة القدر المشترك. وهذه مسألة تحتاج إلى إيضاح.
يقال أن هناك بين صفات الله عز وجل وصفات المخلوق قدرًا مشتركًا.
ما معنى القدر المشترك؟ وهل هذا المعنى يقتضي التشبيه؟ القدر المشترك معناه، الله عز وجل حي، والمخلوق حي.
هنا قدر مشترك وهو عدم الموت.
الله عز وجل عليم ويكون هناك مخلوق عليم، هناك قدر مشترك وهو عدم الجهل.
ولكن الحياة ليست كالحياة والعلم ليس كالعلم.
ولهذا من الخطأ أن يقال العلاقة بين صفات الله عز وجل وصفات المخلوق اشتراك لفظي، إذ أن الاشتراك اللفظي في كلام العرب يراد به لفظان متفقان ولا يوجد أي قدر مشترك بينهما، كقولك عين الماء والعين جاسوس، هي لفظة واحدة ولكن لا يوجد أي قدر مشترك بينهما في الحقيقة.
أما علاقة صفات الله عز وجل وصفات المخلوق، فهي على الاعتبار الذي ذكرنا يقال أنها متواطئة بمعنى أن هناك قدرًا مشتركًا كقولك نور الشمعة ونور الشمس، نور النور ولكن النور ليس كالنور، هذا حتى في المخلوق.
وقول الله عز وجل ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يدل على هذا المعنى أن هناك قدرًا مشتركًا بدليل قرن اللفظين. - كنا قد ذكرنا أن هناك من ينكر المعراج الجسماني وذكرنا أن هذا مذهب الفلاسفة، ثم اكتشفت أن هذا المذهب موجود عند طائفة يسمونهم بالقاديانية.
- كنا نبهنا على أن الإباضية قدرية وهذا غلط.
يعني بعد الدراسة للإباضية اكتشفنا أنهم جبرية. - ذكرنا الأدلة على خلافة علي في المجلس السابق، ثم لم نعرض إلى بعض الشبهات التي يوردونها على خلافة علي، يوردها الإباضية، فكان مما يريدونه أنه يعني كان ضعيفًا وأنه قبل بالتحكيم لضعف فيه وبناء على هذا هو ليس خليفة.
الأمر الثاني أن المهاجرين والأنصار لم يجتمعوا عليه، وذلك أن طلحة والزبير كانا لم يبايعاه.
فالجواب على هذا أن التحكيم كان من علي رضي الله عنه تفضلاً منه رضي الله عنه وإلا هو كانت الغلبة له في المعركة، هذا من جهة.
من جهة أخرى، مسألة الحوادث التاريخية تحاكم إلى النص، والنبي ﷺ نص، قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش»، وقال ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون عاماً»، ولابد أن يدخل في ذلك خلافة علي رضي الله عنه.
الأمر المتعلق بمسألة عدم الاجتماع عليه، فجمهور الصحابة والتابعين قد بايعوه رضي الله عنه وهذا يكفي، وحتى يعني من بقي حياً ممن شارك في الجمل كثير منهم قد بايع فيما بعد ذلك، ولكن سعد ابن أبي وقاص مع مبايعته لم يكن يرضى بالاشتراك في صفين.
٣٢٨ - ثُمَّ تحبُ فِي اللَّهِ مِنْ أَطَاعَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْكَ، وَخَالِفُ مَرَادَكَ فِي الدُّنْيَا.
وتُبْغِضُ فِي اللَّهِ مَنْ عَصَاهُ، وَوَالِي أَعْدَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْكَ، وَوَافَقَ هَوَاكَ فِي دُنْيَاكَ، وَتُصَلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَتُقْطَعُ عَلَيْهِ.
هذا الآن في باب الولاء والبراء، المحبة في الله والبغض في الله عز وجل.
وكما روي في الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله».
قال الله عز وجل: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوْمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾، ثم ذكر في آخر الآية قال الله عز وجل: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ﴾.
هذا برهان الإيمان، أن يوالي الإنسان ويعادي على إيمانه.
يقول الله عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ﴾، الذي يأبى أن يهاجر ويفارق الأهل والأوطان من أجل دينه، ما له من الولاية شيء.
وكما يقول العلامة حمد بن عتيق: "لا يوجد في القرآن شيء، التوكيد أعظم عليه بعد التوحيد من الولاء والبراء".
ويقول ابن عقيل الحنبلي: "لا تنظر إلى ازدحام الناس على أبواب المساجد وإلى كثرتهم في الأعياد، ولكن انظر إلى مواطئتهم لأعداء الله عز وجل".
فهذا برهان الإيمان، أن يوالي الإنسان ويعادي على طاعة الله عز وجل، يبعد القريب تديناً لله عز وجل، ويقرب البعيد تديناً لله عز وجل.
وكان هذا يعني حال السلف، والمسائل الأخرى التي ستأتي تزيد الأمر وضوحاً.
٣٢٩ - وَلَا تُحَدِّثْ رَأْيًا، وَلَا تُصْغِي إِلَى قَائِلِهِ؛ فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.
٣٣٠ - وَلَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ.
٣٣١ - وَإِيَّاكَ وَالْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْغلَّ، وَيُخْرِجُ صَاحِبَهُ - وَإِنْ كَانَ سُنِّيًّا - إِلَى الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ عَلَى السُّنِّيِّ مِنَ النَّقْصِ فِي دِينِهِ إِذَا خَاصَمَ الْمُبْتَدِعَ:*
أ - مُجَالَسَتُهُ لِلْمُبْتَدِعِ، وَمُنَاظَرَتُهُ إِيَّاهُ.
ب - ثُمَّ لَا تَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنْ دَقِيقِ الْكَلَامِ، وَخَبِيثِ الْقَوْلِ مَا يُفْتِنُهُ.
ج - أَوْ لَا يَفْتِنُهُ؛ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مِنْ رَأْيِهِ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّأْوِيلِ، وَلَا بَيَانٌ فِي التَّنْزِيلِ، وَلَا أَثَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ.
يقول الله عز وجل مخاطباً نبيه: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ﴾، ثم يقول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾.
ويقول النبي ﷺ: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير...» الحديث المعروف.
وهذا يدل على وجوب الابتعاد عمن يضرك في أمر دينك، وهؤلاء هم أهل الإحداث والابتداع وإن كانوا قريبين.
وقد رُفع إلى عمر بن عبد العزيز جماعة وجدوهم مخمورين، قالوا: إن معهم فلان كان صائماً.
قال: به فابدؤوا، ألم يقرأ قول الله عز وجل ﴿فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾؟ الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾، يعني وإن لم تقولوا بقولهم، فإن الجلوس والإقرار أو الجلوس بدون إنكار، وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن جالس المبتدعة مضطراً قال: "أقل ذلك أن يجالسهم مقارنةً على وجه لا محظور فيه، وأقل ذلك أن يكون مبغضاً لهم ولما هم عليه، مظهراً لهم الإنكار بقدر الإمكان".
وسأل أبو داود السجستاني الإمام أحمد قال: "أرى الرجل من أهل الحديث -أو قال من أهل البيت- يجالس صاحب بدعة، أألحقه به؟" قال: "عرّفه، فإن لم يترك مجالسته فألحقه به".
ولما حذر الإمام أحمد رحمه الله من الكرابيسي قال: "لا تجالسه ولا تجالس من يجالسه".
وهذا من الفقه، لأن من يجالسه في الغالب يحمل شبهاته، فلا فائدة أن حذرنا منه ثم جلسنا مع جلسائه، فإن جلساءه سينقلون لنا ما حذرناه نحن من ترك مجالسته.
وأيضاً مما ورد في هذا الباب قول الإمام الأوزاعي رحمه الله: "الذي يجالس أهل البدع أشد علينا من أهل البدع"، إذ أنهم مستترون وربما حملوا من شبهاتهم ما حملوا.
ومن يقول أن هذا الأمر إنما كان لما كانت للسنة منعة وقوة وأما اليوم فنحن لا نستطيع إلا أن نجالسهم، فيقال هذا الأمر غير صحيح، فإن قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ﴾ نزل في سورة مكية، سورة الأنعام، وهذا الزمن المكي باتفاق زمن استضعاف.
والهجر هجران: هجر وقائي يراد منه أن يحمي الإنسان نفسه، وهجر تعزيري يراد منه تأديب المهجور، فهذا الثاني هو الذي لا يكون إلا في وقت القوة والمنعة كما حصل في هجر كعب بن مالك رضي الله عنه.
يقول: "وإياك والمراء والجدال في الدين فإن ذلك يورث الغل ويخرج صاحبه وإن كان سنياً إلى البدعة".
كيف يخرج صاحبه إن كان سنياً إلى البدعة؟ يفسر هو، قال: "لأن أول ما يدخل على السني من النقص في دينه إذا خاصم المبتدع مجالسته للمبتدع ومناظرته إياه"، ثم لا تأمن أن يدخل عليه من دقيق الكلام وخبيث القول ما يفتنه، هذا أولاً.
إن كنت ضعيفاً في العلم وجلست تجادل، يدخل عليك أن يفتنك، ضعيفاً في العلم في رد شبهة هذا الرجل.
طيب، "أو لا يفتنه فيحتاج أن يتكلف له من رأيه ما يرد عليه قوله ما ليس له أصل في التأويل ولا بيان في التنزيل ولا أثر من أخبار الرسول ﷺ".
ربما أتاك بشبهة جديدة، فأنت لحال مجلس المناظرة تحاول أن ترد فتتكلف، وقد رأينا هذا يعني وقد رأينا هذا جلياً.
طبعاً هذا له أمثلة في التاريخ.
ذكرنا ما حصل من جهم بن صفوان وأنه ذهب إلى مذهب بدعي ضال لما ذهب يناظر السمنية، وذهبنا وقلنا إن المرجئة أيضاً اضطرهم إلى رأيهم الخصومات وكثرة المناظرة مع الخوارج، اضطرتهم إلى هذا الرأي، رأي الإرجاء.
وقد رأينا في بعض المناظرات العصرية ما يحمل بعض الناس مثلاً يناظر الصوفية، يناظرهم، وقد رأيت ذلك منهم، ثم يبدأ يحاول أن ينكر كرامات الأولياء حتى، وكان من حال محمد رشيد رضا أنه جلس يناظر القاديانية، يناظر القاديانية، وكانوا يحاولون تنزيل نصوص الواردة في نزول المسيح عليه السلام على ميرزا غلام القادياني، فذهب يشكك بهذا كله، ذهب يشكك بهذا كله.
وكان من أثر يعني حادثة جهيمان، فتنة جهيمان، أنه يعني ظهر بعض الدعاة مثل عبد القادر شيبة الحمد من أكثر المتحمسين، أنكر مسألة المهدي هذه كلها، أنكرها كلها بعد أن رأى يعني هذا الأمر، وهذه ردود الأفعال، هذه مسألة ردود الأفعال.
ورأينا في هذه المناظرات التي كانت تظهر على قناة المستقلة، فكان مثلاً هذا السقاف يذكر حديث: "إن الله عز وجل يتجلى بقدر هذه"، فمباشرة يذهب ينكره، وحديث صحيح على شرط مسلم، مباشرة يذهب ويقول له: "ابن تيمية يكفر الأشاعرة"، فيقول: "لا أبداً، ابن تيمية لا يكفر الأشاعرة".
يقول له: "والله يكفر".
يقول: "لا ما يكفر، قال: أنت ما تفهم، فيما كان وقت دولة الأشاعرة ما يصرح، لكن يكفر".
لا يقول: "أبداً يكفر"...ة سبحان الله الجهل ما يصنع بأصحابه، هو إنسان يعني جاهل يذهب يتصدى للمناظرة فربما كان هذا المبتدع ألحن بالحجة منه، ولحال المناظرة وأنه يجب أن أرد الآن، يجب أن أرد، ما الذي يحصل؟ يحصل أن يجتهد هذا الإنسان من عند نفسه، فربما أنكر شيئاً موجوداً أو ربما وهكذا يعني.
فالأمر كما يروى عن الشافعي أنه قال: "المناظرة كأكل الميتة".
مناظرة أهل الأهواء والبدع، كما حصل من ابن عباس مع الخوارج وغير ذلك، يعني هذا يكون في حدود ضيقة، يكون بأمر من السلطان أو عند السلطان كما حصل للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكما حصل من مناظرة إبراهيم للنمرود، هذا أولاً.
الأمر الثاني: أن يكون الاحتكام في المناظرات إلى الكتاب والسنة، فمن لم يقبل الاحتكام إلى هذين لم يعد لمناظرته معنى ولجداله معنى.
طيب، يقول: كيف نناظر الكفار؟ كيف نناظر الملاحدة؟ كيف نناظر؟ يا أخي، الكتاب والسنة فيه الأدلة العقلية التي تبطل مقالة كل كافر، لكن أنت تأمل، فلا إشكال يعني أن مثلاً هناك أدلة عقلية تبطل مقالة النصارى موجودة في القرآن، أنه مثلاً عيسى ابن مريم عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.
طيب، هذا دليل عقلي يبطل مسألة أنه كيف إذا لم يأتِ من أب فهو لا شك أنه ابن الله، هكذا يقولون.
هذا ذكر قياس الأولى.
ذكرنا نحن الأدلة العقلية المذكورة في القرآن على البعث، على إثبات وجود الخالق، على كذا، هذا هو البرهان.
هذا الشرط الثاني.
الشرط الثالث: أن يكون الإنسان الذي أمامك تعرف أنه طالب للحق أو يكون يعني هو سلطان أو غير ذلك لابد لك منه.
وهذا نص عليه ابن سيرين رحمه الله تعالى، لكي لا يضيع الإنسان وقته مع شخص لا يريد الحق.
ومن الشروط التي ذكروها في آداب الجدل والمناظرة أن يكون هناك حكم يُرجع كل شخص إلى قوله، وهذا في حال إذا طالت المناظرة وغيرها، لماذا؟ لأنه في كثير من الأحيان يقع من الناس جحود: لم أقل كذا، لم أفعل كذا، فسيكون هذا الحكم هو الذي، إيه، هذا في الجملة.
الأمر الخامس من أهم الأمور: أن يكون الإنسان السني محيطاً بمادته قوياً فيها، لأنه كما ذكر ابن القيم قال: "أمر المجادلة هذا كالمبارزة التي تحصل قبل القتال".
فهذه لها أثر، نتيجتها لها أثر نفسي على الجيشين، فدائماً ينتقى من الجيشين أقوى المقاتلين ليخرج إلى المبارزة.
قديماً كان إذا التقى الجيشان ما الذي يحصل؟ قبل أن يلتحم الجيشان يخرج من كل جيش رجل كما حصل في بدر، أو ثلاثة، ويتبارزون، ثم إذا انتهت هذه المبارزة يلتحم الجيشان، وهذه المبارزة نتيجتها يكون لها أثر نفسي.
فإذا غلب الذي في جيشك أنت تذهب تنطلق بقوة، وإن لم يغلب يكون هذا.
فهذه المناظرة شبه لهذا.
وقد ذكر اللالكائي في السنة أمراً مهماً، ألا يكون الإنسان المبتدع رجلاً خاملاً، فتذهب أنت وتشهره بمثل هذه المناظرات.
وهذا نبه عليها اللالكائي في السنة، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة، أن عدداً من أهل البدع ما كان الناس يعرفونهم حتى عقدت لهم مجالس المناظرات وعرضوا بضاعتهم والتقطت من التقطت من ضعاف القلوب.
والنبي ﷺ يقول: «فر من المجذوم فرارك من الأسد».
وصاحب البدعة... والسلامة أولى من الغنيمة، والسلامة أولى من الغنيمة.
والإنسان إذا اعتاد الجدل والخصومات أكثر التنقل كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، ولأن أمر الدين مرجعه إلى الأثر، والله عز وجل قد أوضح وأبان كل شيء.
فالإنسان إذا، قد يقول شخص: كيف نزيل الشبهة عن الناس ما دام الأمر كذلك؟ يا أخي، الجاهل مسترشد، والعالم يعلّم، ولا ثالث لهما.
فالإنسان الذي علقت به شبهة يأتي يسترشد، ثم إنه والحمد لله قد جعل الله عز وجل في كتابه وفي سنة نبيه بياناً، ثم بعد ذلك جاء العلماء وشرحوا ذلك في مصنفات كثيرة جداً بينوا فيها الحق.
٣٢٢ - ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ: الْكَفُّ وَالْقُعُودُ فِي الْفِتْنَةِ.
وَلَا تَخْرُجْ بِالسَّيْفِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَإِنْ ظَلَمُوا.٣٢٣ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ.
٣٢٤ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: «اصْبِرْ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا».
الفتنة هي القتال على الملك باختصار.
تعريف الفتنة هي القتال على الملك، وكما قال النبي ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر كيف بك إذا غرقت الحجارة؟ إذا غرقت حجارة البيت بالدم».
قال: الله ورسوله أعلم، قال: يرحمك الله.
قال: «تغلق عليك بابك».
قال: فإن لم أترك؟ قال: «تذهب إلى القوم الذين أنت منهم فتحتمي بهم».
قال: أقاتل معهم يا رسول الله؟ قال: «تكون يداً مثلهم».
وفي رواية: «تكون كخيري ابني آدم»، قال: «تلقي سيفك على حجر».
قتال الفتنة لا يشترك فيه الإنسان نهائياً إذا كان قتالاً على الملك لكي لا يكون مشاركاً في هذا.
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وقد طال عمره، كان في بعض القتال الذي حصل بعد انقضاء عهد الراشدين، جاءه رجل وأسره، ممن دخلوا على المدينة، أسره هكذا وأخذه، فقال له: لو رأيتني في الموطن الفلاني كنا مع رسول الله ﷺ هنا.
قال له: من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري.
فخلى سبيله، حتى هو يعني لم يظهر الدفاع عن نفسه، عملاً بقوله: «كن كخيري ابني آدم».
وكما ورد عن عبد الله بن عمر أنه قالوا له: يا ابن عمر مالك لا تقاتل؟ في ذلك الوقت، قال: مالك لا تقاتل؟ ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾؟ قال: "أما نحن فقاتلنا حتى لا تكون فتنة مع رسول الله ﷺ، وأما أنتم فتقاتلون لتكون فتنة ويكون الدين لغير الله".
وفي الفتنة أحكام، الفتنة أحكام، ذكر بسطها الخلال في كتاب السنة من فتاوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
فقد سئل الإمام أحمد في الفتنة أن الإنسان إذا دخل عليه في بيته وأريد ماله، فقال: أمر المال هين.
وإن أريد نساءه، فقال: أمر النساء عظيم، ليقاتل.
قال: وإن أرادوه هو، أرادوا أن يقتلوه؟ فقال: علينا بأمر الأثر، يدفع.
هذا إن دخل عليه في بيته، وأما خارج البيت فيكون كخيري ابني آدم.
هذا يعني ما أذكره من تقرير الإمام أحمد في قتال الفتنة الذي يكون قتالاً على الملك.
وأما مثلاً قتال الخوارج من الإمام الذي يكون على خير تام، فهذا لا يسمى قتال فتنة.
السلطان يولى بثلاثة طرق عند أهل السنة أو أربعة:
- الأمر الأول إجماع أهل الحل والعقد: إجماع أهل الحل والعقد عليه.
إذا توفي السلطان الذي قبله ثم أجمع أهل الحل والعقد.
وبعضهم يمثلون بهذا بما حصل في زمن أبي بكر الصديق، لما مات النبي ﷺ وأجمع المهاجرون والأنصار عليه. - الثاني تولية الإمام الذي قبله كما فعل الصديق مع عمر.
- الثالث أن ينتخب الإمام مجموعة ينتقون الإمام كما فعل عمر مع عثمان.
- الرابع التغلب ويمثلون لذلك بعلي رضي الله عنه لما تعامل مع الذين يعني ما قبلوا ولايته رضي الله عنه.
فهذه الصور وإمامة المتغلب مجمع عليها كما نص على ذلك ابن بطة.
وليس من شرط الإمام أن يكون هو والياً على جميع المسلمين.
النبي ﷺ قال: «إنه ستكون أئمة فتكثر»، ففوا ببيعة الأول فالأول.
والنبي ﷺ لما تكلم عن آخر الزمان ولا شك أنه يعلم أن آخر الزمان هذا سيكون فيه تعدد أئمة.
قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم».
وقال ﷺ: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فلا ينزعن يداً من طاعة».
وهذه قالها لما حدثهم بحديث الفتن آخر الزمان في حديث عبد الله ابن عمرو ابن العاص.
واشتراط أن يكون هو إمام جميع المسلمين وأنه لا تصح له إمامة، يلزم منه لوازم فاسدة منها إسقاط إمامة علي رضي الله عنه، لأنه في عصره كان هناك إمام آخر، كان هناك معاوية.
طيب ومن زمن العباسيين إلى زمننا هذا ما اجتمع المسلمون على إمام واحد.
طيب وإن كان هو إمام قائم بالعدل ولكنه لا يستطيع أن يدخل البقية في ولايته.
فما ذنبه هو؟ تسقط ولايته ولا يكون إمام عدل؟ ولا امتثل الفقهاء؟ تبايع الأئمة سواء الذين يكونون في المغرب تبعا لبني أمية في ذلك الوقت أو الذين في المشرق تبعا لبني العباس.
وقد أجمعت العلماء من أهل العلم والفقه والنساك والعباد والزهاد.
منذ أول هذه الأمة إلى وقتنا هذا أن صلاة العيدين ومنى وعرفات والغزو والحج والهدي مع كل أمير بر أو فاجر وإعطائهم الخراج والصدقات والأعشار جائز.
صلاة الجمعة والعيدين هذه لها خصوصية إذ أنه كان من علامة مفارقة الإمام ألا يصلى خلفه الجمعة.
فمعناه أنا لا أراك إمام عدل أو لا يصلى خلفه العيدين.
ولهذا يصلى حتى خلف صاحب الهوى.
بل كان الإمام أحمد يصليها خلف الجهمية ويعيدها.
لكي لا يظهر شق الصف.
رحمه الله تعالى.
وقد ورد عن بعض الصحابة أنه صلى خلف الحجاج مثل أنس بن مالك وابن عمر.
وأما الصلاة العادية هذه التي يعني الصلوات الخمس فهذه للإنسان فيها سعة يصلي خلف من صلى خلفه.
ولكن صلاة الجمعة آنذاك كيف كانت حالتها؟ كانت تعطل جميع مساجد البلد.
ويجتمعون في الجامع الكبير عند الإمام.
والعيدين هكذا لم تكن خمس مصليات في منطقة صغيرة.
لا، كان أهل البلاد جميعاً يجتمعون خلف الإمام أو نائب الإمام.
وكان الإمام هو الذي يخطب بهم.
وانتهت هذه من زمن بني أمية.
في زمن العباسيين بعد المنصور ما عاد أحد يخطب من الأئمة، الإمام العام يعني حاكم البلاد.
وعبد الله بن مسعود لما عثمان صلى أربعاً بمنى قال: "الخلاف شر"، وصلى خلفه أربعاً مع أنه لم يكن يرى جواز ذلك.
فهذا يدل على ما قرره المصنف رحمه الله تعالى.
والنبي ﷺ قال: «سيكون عليكم أئمة يميتون الصلاة»، قالوا: يخرجونها عن وقتها.
قال: «ما نصنع يا رسول الله؟»، قال: «صلوا في بيوتكم، ثم اجعلوا صلاتكم معهم سبحة»، يعني نافلة.
فهذا الذي نقله الإمام يعني الذي عليه أهل السنة.
فالصلاة خلف المبتدع ما حكمها الآن؟ الصلاة خلف المبتدع تختلف بحال المبتدع، ما إذا كان داعية أو غير داعية.
فإذا كان داعية فالصلاة خلفه مكروهة باتفاق الأئمة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه مأمور بهجره.
والصلاة خلفه ليست من يعني من هجره.
المبتدع في الصلوات الخمس الأولى أن يصلى خلف السني، إذا لم تكن بدعته مكفرة وإذا لم يكن داعية.
أما إذا كان داعية فالصلاة خلفه مكروهة باتفاق الأئمة كما ينص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فالأولى ألا يصلى خلفه.
أما إذا كان إماماً أو نائباً عن الإمام فيصلى خلفه وهذا الأولى في صلاة الجمعة والعيدين.
الكلام الأول على الصلوات الخمس العادية، ثم في الجمعة والعيدين.
أما اليوم فتعددت الجمع على حد يشبه صلاة الجماعة، فصار الأمر في الجمعة كالأمر في الجماعات.
مفهوم؟ تعدد الجمع هذا الموجود الآن ليس شرعياً، بل الأولى أن تعطل عامة هذه الجمع وقد نص على ذلك عدد كبير من الفقهاء حتى من أولهم الشافعي رحمه الله تعالى، بل هذا مذهب الجمهور خلافا لأهل الرأي أنه لا يجوز تعدد الجمع بغير حاجة.
وإذا انتشر في بلد الإنسان.
وأما الإمام المستور الحال أو المجهول، فنص شيخ الإسلام ابن تيمية أن السؤال عنه يعني أن امتحانه لكي يصلى خلفه بدعة، نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يصلى خلفه ويسكت.
أما إن ظهرت منه بدعة فهذا الحال يختلف، وأمر الصلاة يختلف عن أمر الأخذ عنه في التعليم وغير ذلك.
غير أن هناك رواية عن الإمام أحمد قال له المروذي: "يا إمام أصلي خلف كل أحد؟" قال: "أما الآن وقد فشت الفتنة فلا تصل إلا خلف من تعرف".
فكلام الإمام أحمد يحمل على البلد التي يشيع فيها الخرافية مثلاً، أو بدع الجهمية، البدع المكفرة.
والرواية عن أئمة أهل السنة ومن سواهم أن الصلاة خلف من بدعته مكفرة لا تجوز، ومن صلى يعيد.
وأما إعطاؤهم الزكاة والخراج والصدقات بل حتى العمل عندهم في الدواوين كما عمل عمران ابن حصين عند عبيد الله ابن زياد أو زياد ابن أبيه.
روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن أبي صالح السمان قال: "سألت أبا سعيد الخدري وابن عمر وأبا هريرة وسعد ابن أبي وقاص عن إعطاء الزكاة للأئمة وهم يفعلون فيها ما ترون"، يعني أنهم لا يخرجونها في مخارجها، فقال: "ادفعها إليهم".
وابن عمر له فتوى أخرى قال: "في المال حق سوى الزكاة" أعطهم الزكاة وأنت وقت الصدقة تتصدق بغيرها.
والإمام ما الذي يجبيه؟ الإمام يجبي الأموال الظاهرة عشان نفهم، كعروض التجارة وزكاة الزروع وزكاة المواشي.
وأما الأموال الباطنة التي هي الذهب والفضة فهذه متروكة للإنسان، لا يجبيها الإمام.
آنذاك كان الإمام يجبي الأموال الظاهرة التي تتشوف لها نفوس الفقراء: الزروع وزكاة الماشية وزكاة عروض التجارة.
والصلاة في المساجد العظام التي بنوها والمشي على القناطر والجسور التي عقدوها والبيع والشراء
طبعا هذا دفعا لمذاهب الخوارج الذين يرون أنه لا يجوز الصلاة في مسجد بناه إمام جور.
الخراج هذا المال الذي يؤخذ من أراضي أهل الذمة.
عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ما الذي فعله؟ لما فتح العراق وفتح الشام، بدا لعمر رضي الله عنه ألا يقسم هذه الأراضي بين المقاتلين والمجاهدين.
وإنما رأى رضي الله عنه أن يوقفها لله، أن يجعلها وقفاً، يعمل فيها أهل الذمة ويدفعون خراجها، اللي هو الأجرة، كما فعل النبي ﷺ مع أهل خيبر.
فعل عمر فيما يرى الناس خلاف، لماذا؟ لأن أهل خيبر فتحت صلحاً، ما فتحت عنوة، لكن عمر رضي الله عنه بفقهه رأى أن يترك هذا المال لبقية الأجيال القادمة، ووافق على ذلك المجاهدون، فاصطلح على تسمية هذا بالخراج.
يبقى يدفع، بدليل أن المسلم يجوز له أن يشتري الأرض هذه منهم ويعمل عليها ويدفعها للدولة.
لكن بعض السلف كرهوها، قال: "لا تعمد إلى الصغار وتضعه في عنقك".
بعضهم قال: "اعمل في هذا الخراج".
استأجر أرض خراج.
بعضهم كان يعني يشتري من أهل الذمة.
فقال جماعة من السلف: كانوا يكرهون، قال: "لا تعمد إلى الصغار فتضعه في عنقك".
التي عقدوها والبيع والشراء وسائر التجارة والزراعة والصنائع كلها في كل عصر ومع كل أمير جائز على حكم الكتاب والسنة.
ولا يضر المحطات لدينه.والمتمسك بسنة نبيه ﷺ ظلم ظالم ولا جور جائر إذا كان ما يأتيه هو على حكم الكتاب والسنة.
كما أنه لو باع واشترى في زمن الإمام العادل بيعا يخالف الكتاب والسنة لم ينفعه عدل الإمام.
والمحاكمة إلى قضاتهم ورفع الحدود والقصاص وانتزاع الحقوق من أيدي الظلمة بأمرائهم وشرطهم.
المحاكمة إلى قضاتهم هذا لما كان قضاتهم يحكمون بما أنزل الله.
على أن الإمام أحمد رحمه الله كان يكره أن يرفع شخص إلى الإمام إذا لم يعلم أن الإمام يعدل.
ونص على هذا ابن سيرين.
وقال الإمام أحمد: "رجل من صاحب الأهواء أرفعه للإمام؟" كما في كتاب الورع أو كتاب الأمر بالمعروف للخلال، قال محمد: "لا ترفعه، ألم تر ما فعلوا بفلان؟ ضربوه حتى مات".
ألم تر ما فعلوا بفلان؟ الإمام أحمد يذكر له هذا.
فلا يجوز والحال هذه التبليغ على إنسان صاحب بدعة إذا علمنا أن الإمام لن يتقي الله عز وجل فيه ولن يطبق حكم الله فيه.
على فتوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى وعلى ما نص عليه ابن سيرين.
التحاكم الآن للمحاكم الوضعية لا يجوز، لا يجوز، إلا على حال الاضطرار.
طبعاً المحاكم الوضعية أحياناً يكون فيها حكم موافق للشرع، ما نختلف.
مثلاً، أنت لك دين على زيد، عمرو، بكر من الناس، وأنت عندك بينة، راح يلزمونه يرجع الفلوس.
طيب هذا حكم يخالف الشرع؟ لا.
رجل زوجته نشزت يبغى يطلقها، هذا لا يخالف الشرع.
ولكن إذا كان يخالف الشرع أصلاً أو عقوبة، فهذا لا ينبغي.
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ﴾.
لا يجوز، لأنك ساعة إذ قد تصير أنت الظالم، لأنه إذا اقتص من ممن يعني أذاك بأكثر مما يستحق شرعاً، صرت أنت الظالم له.
وَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِمَنْ وَلَّوْهُ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا - إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ فِيهَا طَاعَةٌ.
٣٣٢ - ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ: اعْتِقَادُ الدِّيَانَةِ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأَئِمَّةِ، وَسَائِرِ الْأُمَّةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ نُحِبُّ لَهُمْ مَا نُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَنَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ.
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» كما قال النبي ﷺ. وقال النبي ﷺ: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة».
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
طيب، كيف هذا ونحن الآن نتكلم عن مسألة بغض المبتدعة للتو وغير ذلك، وبغض المحادين لله ورسوله؟ نعم، تبغضهم وتحب لهم أن يزول سبب بغضك لهم، وهي البدعة، فتحب لهم الخير وتتمنى لهم الخير.
وهذا الكلام خص منه من كان على كبيرة أو على بدعة، فالأصناف التي تبغض في الله عز وجل ثلاثة: أهل الكفر وهذا ظاهر في الكتاب والسنة.
الثاني: أهل البدعة، وأدخلوهم في عموم النصوص، ولقول ابن عمر لذاك الرجل الذي يأخذ الأجرة على الأذان: "إني لأبغضك في الله".
والثالث: المصرون على الكبائر، المجاهرون بها.
فهذا الصنف الثالث أيضاً يبغض في الله عز وجل.
٣٢٧ - وَلَا تُشَاوِرْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي دِينِكَ، وَلَا تُرَافِقْهُ فِي سَفَرِكَ، وَإِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ لَا تُقَارِبَهُ فِي جِوَارِكَ.
وذكرنا ما ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه سأل خليفة المسلمين عن تولية بعض أهل البدع، فأبى بعض الجهمية، فقيل للإمام: ألسنا نستعين باليهود والنصارى؟ قال: اليهود والنصارى أمرهم بين، وهذه ذكرها ابن مفلح في "الآداب الشرعية". بل حتى اليهود والنصارى أمرهم على الدقة، ما يولون كل شيء، لا بطانة من دونكم خبالا.
عمر أنكر على أبي موسى أنه اتخذ كاتبا نصرانيا.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنكر على أبي موسى أنه اتخذ كاتبا نصرانيا.
«ولا تشاور أحدا من أهل من أهل البدع في دينك»، كما قال ابن عباس في أهل الكتاب.
كما قال ابن عباس رضي الله عنه في أهل الكتاب، إنهم لن يهدوكم وقد ضلوا.
قال لا تسألوهم عن شيء، إنهم فاقد الشيء لا يعطيه.
التعبير الذي عندنا.
ابن عباس قال: أو لم يكفيكم أن الله سينزل عليكم الكتاب؟ تسألون أهل الكتاب؟ إنهم لن يهدوكم وقد ضلوا.
كذلك صاحب البدعة يا أخي، لن يهديك وقد ضل، فتشاوره في أمر دينك على أي اعتبار؟ هو ضال فكيف يهديك؟ نعم.
٣٣٨ - وَمِنَ السُّنَّةِ: مُجَانَبَةُ كُلِّ مَنْ يَعْتَقِدُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَهِجْرَانُهُ، وَالْمَقْتُ لَهُ، وَهِجْرَانُ مَنْ وَالَاهُ وَنَصَرَهُ، وَذَبَّ عَنْهُ، وَصَاحَبَهُ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ يُظْهِرُ السُّنَّةَ.
الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ﴾. ويتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا المحبة.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: المعلن بالبدعة ومن يقارنه مستحقان للعقوبة.
وهذا ما يسمونه اليوم بالإلزام بالتبديع، أو التبديع بالإلزام. فانظر هو قال مجانبة من اعتقد شيئا مما ذكرناه، من القدر أو الخروج أو التعطيل أو الجبر أو الرفض أو النصب، تجانب كل هؤلاء.
ما ذكرناه، وهجرانه، والمقت له، وهجران من والاه ونصره.
إذًا من تحزب معه، من قال نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، يصدر لك فتوى يقول لك لا الإخوان المسلمين ليسوا كالمعتزلة والجهمية، هم يحتضنون المعتزلة والجهمية ويوالونهم.
وذب عنهم وصاحبه، وإن كان الفاعل لذلك يظهر السنة.
إن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
من خفيت علينا بدعته لم تخف علينا ألفته.
هذا من القول مما أجمع عليه الفقهاء والزهاد والنساك والعباد.