الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: ذِكْرُ الْآثَارِ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ وَذَمِّ الْبِدْعَةِ
فَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِذِكْرِهِ مِنْ ذَلِكَ:
١ - مَا أَمَرَ اللَّهُ [١/أ] ﷺ بِهِ، وَذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ: لُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْفُرْقَةِ؛ فَقَالَ ﷺ: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
قاعدة: كل نهي عن الفرقة نهي عن الإحداث والابتداع، إذ أن الفرقة، إذ أن البدعة هي أُس الفرقة والاختلاف والشتات.
لما؟ لأن الناس كانوا شيئاً واحداً ثم لما ظهرت البدع افترقوا، ولا يمكن أن يجتمعوا على البدعة، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
فلما سئل أبو العالية عن الأهواء، قال: عليك بما كانوا عليه قبل أن يفترقوا، عليك بما كانوا عليه قبل أن يفترقوا.
ولهذا رواية "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" صحيحة من جهة المعنى، إذ أن الصحابة لم يكن بينهم خلاف في الاعتقاد.
وقد اختلف في معنى الجماعة على معانٍ تتعدد ألفاظها ومعناها واحد:
- يقول ابن مسعود: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. هذا الأول.
نعم، هذا في أزمنة الغربة. - ومنهم من قال الجماعة أهل العلم، كما قال البخاري والترمذي.
قال أهل الحديث، والمعنى مقارب. - ومنهم من قال الجماعة أبو بكر وعمر، يعني الصحابة.
- ومنهم من قال جماعة المسلمين الذين لهم إمام يُسمع له ويطاع.
واستدلوا بحديث حذيفة: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم".
ولا تعارض بين هذه المعاني كلها، فإن الصحابة هم رأس أهل العلم وأهل الأثر وأهل الحديث، وهم الآمرون بالاجتماع والناهون عن الفرقة والشذوذ والخروج.
ثُمَّ تَهَدَّدَ بِالْوَعِيدِ مَنْ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠٥﴾ [آل عمران: ١٠٥].
يدخل في هذا الوعيد كل أهل البدع، اختلفوا وتفرقوا بعد أن جاءتهم البينات، جاءتهم البينات من رب العالمين.
فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى دِينِهِ، وَطَاعَتِهِ.
● وَقَالَ عز وجل: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
● وَقَالَ تَعَالَى [جده]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
وقول الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ فسره ابن مسعود بالجماعة.
وقال النبي ﷺ: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد مات ميتة جاهلية".
٢ - وَمَا أَمَرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُبَايَنَةِ مَنْ خَالَفَ عَقْدَهُمْ، وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ، وَطَعَنَ فِي دِينِهِمْ مِنْ مُجَانَبَتِهِمْ، وَتَرْكِ مُجَالَسَتِهِمْ، وَالِاسْتِمَاعِ لِأَخْطَائِهِمْ وَخِطَابِهِمْ؛ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓۚ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
يعني الآن يتحدث على مسألة مباينة أهل البدع وهجرانهم والبعد عنهم.
النبي ﷺ يقول: "فر من المجذوم فرارك من الأسد".
والمبتدع من هذا الباب، جُذامه في عقله في قلبه.
"من سمع بالدجال فلينأ عنه".
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
يقول الطبري إمام المفسرين في تفسيره، إن هذه الآية يدخل فيها كل صاحب بدعة إلى يوم القيامة.
﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يقول: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.
هذا الإلحاق في القرآن، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.
فقال تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.
إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً.
وهذا من أعظم الوعيد وأقواه.
إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً.
ومن يجالس أهل البدع من أهل السنة ويظهر المودة لهم، فهذا شابه المنافقين الذين كانوا يجالسون أهل الكفر ويستمعون لهم ويأخذون شبهاتهم ثم بعد ذلك يلقونها على أهل الإيمان.
٣ - وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ: بِهِجْرَانِهِمْ، وَمُبَايَنَتِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْتَزِلُوا نِسَاءَهُمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷺ تَوْبَتَهُمْ.
كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية.
قيل إن هلالاً ومرارة من أهل بدر، بدريان.
ماذا صنع هؤلاء الثلاثة؟ هل قاتلوا المسلمين؟ لا.
هل خذلوا المسلمين؟ لا.
هل أحدثوا في الدين؟ لا.
تخلفوا عن الجهاد في غزوة سميت بغزوة العسرة من شدة ما وجد الناس من العناء والكلفة.
مع كل هذا ما عُذروا.
هُجر كعب بن مالك أربعين يوماً.
ما ابتدع، ما أحدث، ما خذل، ولكن تخلف عن الجهاد، وهذه أول مرة ما فعلها قبل ولا فعلها من معه، البدريان الذين معه ما فعلوها، أول مرة، مرة واحدة فقط تخلفوا عن الجهاد.
فكان من أمر النبي ﷺ، نبي الرحمة الذي قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، الرؤوف الرحيم الذي زكاه الله عز وجل في القرآن، يأمر بهجرهم أربعين يوماً، حتى نسائهم لا يقربونهن أربعين يوماً حتى أنزل الله عز وجل توبتهم.
لم؟ لأن أمر الدين عظيم. وما ظنك بمن يصل درجة من الرأفة والرحمة بالمخالف والمخطئ أكثر من النبي ﷺ؟ فهذا مغرور، هذا مسكين.
هذه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية كالادوية، ومن منع المريض من الدواء رحمة لمرارته فقد خانه، سيظل به المرض حتى يفتك به ويقتله.
اليوم يبدأ الإنسان يقع في بدعة، يقع في ضلالة، تشتد عليه، فيأتي من ينافح عنه، كالذي يمنع المريض من الدواء.
فلا يزال الأمر بهذا المبتدع حتى يصل إلى ضلال بعيد، فيتحول هذا المدافع متكلماً فيه ولا يدري أن هذا المدافع أن هذا الرجل ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بدفاعك أنت أولاً عنه، إذ أنه اغتر ولا يرجع أحد ما دام يجد أحداً يدافع عنه وينافح عنه ويذب عنه، بل يتطور معه الأمر حتى ينتهي به إلى الهلكة.
٤ - وَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ] ﷺ: «أَوَّلُ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ: كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى أَخَاهُ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ مَا تَصْنَعُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ.
ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ؛ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ، وَشَرِيبَهُ، وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ».
ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١].
يُتركون دين الله عز وجل مداهنة، فيجازيهم الله عز وجل بعكس مقصودهم، يلقي بينهم العداوة والبغضاء.
ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.
وهذا الحديث من رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود وهي محمولة على الاتصال وإن لم يكن سمعه، غير أنه معلول بالإرسال أيضاً.
يقول سفيان الثوري كما روى أبو نعيم في الحلية: "من أثنى عليه كل جيرانه فهو رجل سوء".
لم؟ قال: "يراهم يعملون بالمنكرات فيلقاهم بوجه طلق، فلهذا يثنون عليه".
اليوم يبيع دينه ويبيع أمانته من أجل الشهرة ثم يقول وُضع لي القبول في الأرض.
وما يدري أنه رجل سوء يداهن.
سفيان الثوري هو أحد الأئمة الأجلة، جاء، قيل له من أين جئت؟ قال جئت من السوق الفلاني، يوماً نهيتهم عن بيع كذا وكذا.
يقول إني لأرى المنكر ولا أنهى عنه فأبول الدم من تعظيم الأمر والنهي في نفسه.
عز أمر الله يعزك الله.
حديث "كنت بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به"، ما معناه؟ معناه أنه يغضب لغضب الله، يرى المنكر فيغضب.
لم؟ لله.
عامة الناس اليوم يغضب على بعض الأمور، يتجرأ أحد على نفسه؟ لا، على قبيلته، لا يحتمل، يغضب، لا يستطيع إنسان، لا يتجرأ إنسان أن يمس أخاه أو ابن عمه بشيء، لماذا؟ يعرف أنه يغضب.
هؤلاء القوم كانوا هكذا على ذات الله وعلى أمر الله وعلى نهي الله.
اليوم يخاف من زيد وعمر وبكر والناس ينفرون، فيترك الأمر والنهي.
اللهم لا تمقتنا.
واستخرجوا واخترعوا شيئاً اسموه مصلحة الدعوة للمداهنة، وليُسقطوا تعظيم الأمر والنهي ويدخلوا فيه كل أهواء نفوسهم.
هو لا يريد أن يأمر، لا يريد أن ينهى، لا يريد أن يغضب الناس عليه.
لما يا أخي لما لا تتكلم؟ لم لا توضح؟ مصلحة.
والمصلحة، والناس تضل، مصلحة.
والناس تضيع، مصلحة.
والناس تتحير، مصلحة.
حتى أنه وصل الفجور في أمر المصلحة إلى درجة أن يقال لك إذا رأيت خطأً شائعاً منتشراً وعليه مجموعة من الناس، فلا تبين ولا توضح حتى تأتيك الأوامر، فإن لم تأتك أوامر فلا تبين ولا توضح، لا بلين ولا بشدة، لا في بيان مبسوط ولا بيان مختصر، ثم بعد ذلك يقول: "لسنا حزبيين، وما نعرف التحزب، وننعى على أهل التحزب".
لا إله إلا الله.
٥ - وَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ] ﷺ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ، وَالْمُدَاهِنِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَخْرُجُونَ وَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ، وَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ عَلَى أَعْلَاهَا فَيُؤْذُونَهُمْ، فَقَالُوا: لَا نَدَعُكُمْ تَمُرُّونَ عَلَيْنَا فَتُؤْذُونَنَا.
فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا: أَمَا إِذْ مُنِعْتُمُونَا؛ فَنَنْقُبُ السَّفِينَةَ مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي.
قَالَ: فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ؛ نَجَوْا جَمِيعاً، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ؛ هَلَكُوا جَمِيعاً»
صاحب البدعة، صاحب الضلالة، صاحب المنكر، هو ينقب السفينة من تحت.
إذا تركته ولم تأخذ على يده ولو بشدة ستغرقون جميعاً.
وما دخل على أهل الإسلام ذل ولا ضلال في يوم من الأيام إلا من جهة ترك أهل البدع.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن دولة بني أمية لما ظهر فيها التجهم وظهر كذا فانتقم الله عز وجل وأذهبها.
وهكذا تزول الدول.
في كلام عجيب له في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان".
٦ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ، وَثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِي النَّارِ».
هذا الحديث له طرق، أصحها طريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
واجتهد الناس في تحديد هذه الفرق، وأنا في الحقيقة لا أرى كثرة الدخول في بعض الأبحاث النظرية، وإنما أريد في هذه المجالس أن أتكلم في المنهج.
هذا أمر كوني، الأمة ستفترق.
كوناً.
ولكن عليك أن تحارب هذا الافتراق شرعاً.
كيف؟ الكفر واقع كوناً، واقع واقع.
سيكون هناك كفار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأنت عليك أن تحارب هذا شرعاً.
لم؟ لتنجو، ولتكون حجتك قائمة أمام الله عز وجل.
وهذا أعظم شرف، الذب عن السنة أفضل من الجهاد.
يقول يحيى بن يحيى.
هذا الجهاد الكبير والجهاد الأول ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتل على تأويل القرآن، قاتل الخوارج، كما قاتل هو رضي الله عنه على تنزيله قديماً في بدر وغيره.
والنبي ﷺ أثنى على الذين قاتلوا على تأويل القرآن الذين قاتلوا الخوارج.
وقتال أهل البدع هو طريق الدعوة، فكل ما دونه ما يحقق المصلحة في هذا المعنى.
فقال النبي ﷺ: "لو أخبرتكم ما في قتلهم من الأجر لاتكلتم".
وهذه ما قالها في قتال الكفار.
ويروى عن كعب الأحبار أنه قال: "مَن قَتَلَه الخوارج شهيد له سبعة أنوار، ومن قتل الكفار شهيد له نور".
لأن أمرهم أعظم وأكثر وأخفى.
٨ - وَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؛ فَلَا تَخْتَلِفُوا بَعْدِي.
٩ - وَقَالَ ﷺ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ؛ فَلَا تَذْهَبُوا يَمِيناً، وَلَا شِمَالاً».
نعم، النبي ﷺ وضح لأمته حتى الخراءة، حتى آداب الخلاء.
أفيعقل أنه لم يعلمهم الاعتقاد السليم؟ أفيعقل أنه لم يعلمهم كيف يقيموا الدولة؟ أفيعقل أنه لم يعلمهم كيف يرققوا قلوبهم حتى نذهب للشرق والغرب ونبحث عن ما يحصل به عزة الأمة وقوامها؟ وقد مات ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه إلا وأخبرهم عنه علماً.
الله عز وجل سمى القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وسماه هدى وسماه نوراً.
هدى ونور وتبيان وشفاء لما في الصدور.
إذا ذهب النور جاءت الظلمة.
وذهب البيان جاء التخبط، جاء الإشكال والإعجام.
وذهب الشفاء جاء المرض.
وذهب الهدى جاء الضلال.
وما أنكد العيش مع الضلال والظلمة والإعجام والحيرة.
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، كما يقول أبو الدرداء.
فما لم تشرق عليه شمس الوحي يبقى في هذا الظلام.
هذا في القرآن، والسنة بيان للقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
فالضلال كل الضلال والغبن كل الغبن ممن يترك هذا الهدى والنور ويذهب ويبحث في الشرق والغرب عما فيه السعادة والنجاة ولا يجد، ولا يجد.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾.
أنعم الله عز وجل عليك بالبصر، أنعم عليك بالوحي، تترك الوحي، تصد عنه، ثم بعد ذلك تطلب الهدى والنجاة، أنت في عمى وتخبط، فتأتي يوم القيامة على حالتك التي كنت عليها في الدنيا، كنت أعمى القلب، فيعمي الله بصرك وقلبك يوم القيامة.
١٠ - وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ بِالسُّنَّةِ يَتَمَسَّكُ بِهَا».
هذا الحديث منكر لكن معناه صحيح.
١١ - وَقَالَ ﷺ: «وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّانِ؛ لَمَا حَلَّ لَهُمَا إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَانِي».
هذا في أثر عمر، لو أن موسى حيّ، والأثر فيه مقال، ضعيف، غير أنه على معناه صحيح.
إذا كان النبي وهو النبي، وعيسى إذا نزل يحكم بماذا؟ يحكم بشرع النبي ﷺ، وهو نبي ورسول، نبي ورسول من أولي العزم، ما يتجرأ أن يحكم برأيه، وما يتجرأ أن يحكم بشرعه، وما يتجرأ أن يخرج عن شرع النبي ﷺ. فمن أنت حتى تخرج؟ أهل الكلام خرجوا قالوا لا، نقيم الأدلة على وجود الله وعلى كذا من عقولنا.
أهل الرأي خرجوا ردوا الأحاديث بعقولهم.
أهل التصوف قالوا لا، نحن نذهب لكل شيء يرقق قلبنا له، نفعله، ولو كان يخالف السنة.
١٢ - وَخَرَجَ ﷺ [عَلَى أَصْحَابِهِ] وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟! أَوْ لَيْسَ عَنْ هَذَا نُهِيتُمْ؟! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِتَنَازُعِهِمْ فِي دِينِهِمْ».
المسألة واضحة، ما تترك للجدل.
ما تصبح دين الله عز وجل والعقيدة كالرياضيات كتحليل كرة القدم، نجلس وأنا أعطي رأيي وأنت تعطيه رأيك، وأنا أستنبط وأنت تستنبط.
لا، المسألة اتباع، المسألة اتباع واضحة، خذها من مصدرها، ما تأخذها من والله أنا ظني أنه كذا كذا.
لا لا لا.
بعدين تقول لازم ترد عليه، أنت تقول لا في آية فلانة في الموضوع كذا وكذا.
ليش تضرب كتاب الله عز وجل ببعضه؟ تتكلم بجهل.
١٣ - وَخَرَجَ ﷺ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَفْسَدَ عَلَى الْأُمَمِ هَذَا، فَلَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ فِي قُلُوبِكُمْ».
والذي ينظر في كتب أهل الكلام مثلاً أو الفلاسفة أو من يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام في هذا الوقت يجد من هذا المعنى الكثير.
يجيء يتكلم عن الله عز وجل بقلة تعظيم.
نختلف، الله حكيم ولا ما هو حكيم؟ له حكمة ولا ما هو حكيم؟ والله المعتزلة يقولون حكيم يفعل لحكمة، إيش دليلهم؟ والله علل، له ستة تعليلات سبعة.
طيب أنا أجيب عليهم ستة، وأنا أجي وأنا أجيب على التعليلات من عندي أني أرى لا أنه ما يفعل لحكمة.
هذا فعل الرازي.
هكذا مؤلفاتهم، هكذا يؤلفون الكتاب.
يأتي ويورد على نفسه ست سبع اعتراضات، يجيب على أربعة خمسة، وواحدة يقول والله أنا ما ما استطيع، قوي، إن شاء الله يجيء واحد بعدنا ويجيب.
وهكذا، لا بأس.
١٤ - وَقَالَ ﷺ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ؛ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ﷺ».
هذا ورد عن جماعة من السلف وليس عن النبي ﷺ. وورد أن القدرية مجوس الأمة.
وعلى الإنسان أن يبتعد عن هؤلاء، فلا يختلف إليهم ولا يأتيهم.
لماذا؟ لأنهم جرّب، فهم يفسدون عليك دينك.
والدجّال يدّعي أنه هو الله، وهو أعور.
انظروا إلى حاله: صحيحٌ معه فتن، ولكن فتنة هؤلاء قد تكون أشدّ.
جاء رجل إلى حذيفة يسأله: متى يخرج الدجّال؟ فقال: إنما فتنة أربعين يومًا.
غير الدجّال أخوف؛ ففتنة الدجّال أربعين يومًا.
أما أهل البدع فبعضم فتنته اثني عشر قرنًا، وبعضها ثلاثة عشر قرنًا، وتسمع بعض كلامهم وحججهم في التنزيه والتعظيم قد تفتن.
١٥ - وَقَالَ ﷺ: «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ».
المراء في القرآن كفر.
هذا الحديث كما شرحنا في دروس فضائل القرآن أن الصحابة كان عندهم عدة قراءات، فكان أحياناً يتمارون، يقول شخص: لا، ما هكذا أنزلت.
وهي فعلاً أنزلت هكذا وأنزلت هكذا.
ولكن يقع منهم اختلاف القراءة، لهذا عثمان جمع الناس على حرف واحد.
فإذا قلت: ما هكذا أنزلت، والله هكذا أنزلها، تكون قد وقعت في الكفر، فتكون إشكالية.
هذا وإن كان ورد في ألفاظ القرآن، فأيضاً في المعنى.
تقول: لا، الله ما أراد هذا، ما هو هذا المعنى.
طيب ما السلامة؟ أن تسند.
السلامة أن ترجع للأصل الأول، أن ترجع للأمر العتيق، لا تتكلم برأيك، تؤثر السلامة.
١٦ - وَقَالَ ﷺ: «إِنَّكُمْ لَا تَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ».
هذا كلام خباب بن الأرت.
- يَعْنِي: الْقُرْآنَ -
١٧ - وَقَالَ ﷺ: «إِنْ قَرِيشا [قَدْ] مَنَعَنِي أَنْ أَبْلُغَ كَلَامَ رَبِّي».
١٨ - وَقَالَ ﷺ لِجَابِرٍ: «أَعَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ ﷺ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحاً؟!».
١٩ - وَقَالَ ﷺ: «يَكُونُ بَعْدِي فِتْنَةٌ يَصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً، وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ إِلَّا مَنْ [١/٤] أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ».
أصله في صحيح مسلم إلا زيادة "إلا من أحياه الله بالعلم".
فتنة غليظة، يأتونك بالكفر، يأتونك بالضلال، يأتونك بخلق القرآن، يأتونك بإنكار حد الردة، يأتونك بكذا.
أنت إنسان مسلم، يأتيك الشيطان من شياطين الإنس يلقنك هذا الكفر، تأخذه وتمسي كافراً.
وهذا الحديث حقيقة من أظهر دلائل النبوة.
يصبح مؤمناً، يمسي كافراً.
ما عاد يصبح سني ويمسي مبتدع.
هذا أهون.
٢٠ - وَقَالَ ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا».
هذا الحديث اختلف في صحته.
وقال العقيلي روي بأسانيد جياد.
ومعناه في القرآن.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
من الذي أنعم عليه؟ قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.
فأنت تسأل الله عز وجل أن يرزقك صراط الذين أنعم عليهم.
من الذين أنعم الله عليهم؟ النبيين، ثم من؟ الصديقين.
هذا رأس الصديقين في الأمة.
والشهداء من بعدهم كلهم شهداء، عمر وعثمان وعلي شهداء.
ولهذا قال أبو العالية في تفسير الآية: قال الذي أنعمت عليهم، أبو بكر وعمر.
والنبي ﷺ قال: "ومن يطع أبا بكر وعمر يرشد".
"يطع أبا بكر وعمر يرشد"، هذا في الصحيحين.
قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
هل معنى هذا عصمتهم؟ لا، هذا إخبار بالتوفيق.
النبي ﷺ شهد لأهل بدر بالجنة كلهم، كلهم ماتوا وما غيروا وما بدلوا.
وما كان واحد منهم ارتد.
هذا إخبار بدوام الحال واستقامته.
٢١ - وَقَالَ ﷺ: «لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلاً حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَأَخَذُوا بِالرَّأْيِ، وَتَرَكُوا السُّنَنَ».
هذا من كلام عروة بن الزبير التابعي.
٢٢ - وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ؛ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالاً فَسُئِلُوا؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
"اتخذ الناس رؤوساً جهالاً".
اتخذوهم رؤوسا، يسمونهم جهالاً أم يسمونهم علماء؟ يسمونهم علماء، وربما أطلقوا عليهم ألقاباً ضخمة، ومع ذلك هم ضالون مضلون.
"فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
فسمى الجاهل الذي لا يعرف سماه النبي إيش؟ ضالاً.
بدليل أن الضلالة ما يشترط لها العلم حتى يُنسب الإنسان إلى الضلال.
طيب، كيف يميز الإنسان اليوم بين العالم والجاهل؟ اعلم أن الفرق بين العالم والجاهل ظاهر إلى حد كبير، أظهر من الفرق بين الطبيب والمتطبب.
العالم هو الذي يتمسك بالآثار.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في شرحه لحديث: "من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر".
قال: تفسيره عندنا أن يترك قول أصحاب النبي ﷺ لقول غيرهم، فاعتبر كل شخص يأخذ بغير كلام الصحابة في مقابل كلام الصحابة يُعد من الصغار.
ويقول إبراهيم الحربي كما روى اللالكائي في السنة: "الصغير إن أخذ بالسنة فهو كبير، والكبير إن أخذ برأي أبي حنيفة فهو صغير".
ويقول الحسن البصري لما قيل له إن الفقهاء يخالفونك في هذا، قال: "ويحك وهل رأيت فقيهاً قط؟ إنما الفقيه الذي..."، وذكر أوصافاً عجيبة.
وهو لا يرى أن هذه منطبقة عليه.
والشعبي وهو تابعي في زمنه، يقول: "لست بفقيه، وما أخلف فقيهاً".
فما قيل له: من يخلفك؟ قال: "أنا لست بفقيه، وما أخلف فقيهاً".
والزهري كان لا يسمي الرجل عالماً، يقول: "فلان من أوعية العلم".
لأن العلم عندهم التقوى، وهذا أمر لا يشهدون به لأحد.
هذه اللفظة كانت كبيرة في وقتهم لم تكن رخيصة زهيدة كما هي اليوم.
يُسمى المرء عالماً بإتقان بعض المسائل.
وبعضهم قسم عالم بالله عالم بأمر الله إلخ.
٢٣ - وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ.
قيل وقيل فسرت بالإشاعات والأمور من غير تثبت، وإضاعة المال صرفه في غير حقه.
وكثرة السؤال هو هذا الشاهد.
يعني كثرة السؤال والتنقيب عما لم يقع.
كان السلف لا يحبونه.
وأول من سن هذا في الأمة أهل الرأي.
أُبي بن كعب كما روى ابن سعد في الطبقات من طريق مسروق.
أبي بن كعب أقرأ الصحابة، سأله رجل عن المسألة.
قال له: وقعت؟ قال: لا لم تقع.
قال: أَجِمَّنا حتى تقع.
يعني حتى تقع نتكلف لها.
وكان لهم في ذلك فقه عميق.
إذ أن الله عز وجل لما أنزل الوحي أنزله تبياناً لكل شيء مما يحتاجه الإنسان في حياته.
فأنت إذا اشتغلت فيما لم يقع اشتغلت عما وقع.
كما قال بعضهم في إمام أهل الرأي: أعلم الناس بما لم يقع وأجهلهم بما وقع.
فاشتغل بما ينفعك في أمر دنياك وآخرتك.
ولهذا لما تكلم شيخ الإسلام عن أهل الرأي قال هم أقل الناس نفعاً في الفتيا، وعامة كتبهم تفريع بفروع خيالية لا تكاد تقع، وما يقع يكون مبنياً على غير دليل.
فكثرة الأسئلة واليوم مثلاً يفعل بعض الناس ما العلة في كذا؟ ما العلة في كذا؟ أيضاً من كثرة السؤال.
كثرة السؤال عما شجر بين الصحابة وغير ذلك، هذا ما لا ينبغي.
٢٤ - وَكَانَ ﷺ يَكْرَهُ كَثْرَةَ الْمَسَائِلِ.
هذا رواه البخاري عن رسول الله ﷺ "كره المسائل وعابها".
والصحابة ما سألوا النبي ﷺ إلا تقريبا خمسة عشر مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يَسْأَلُونَكَ يَسْأَلُونَكَ.
وكانوا لا يسألونه، ينتظرون الوحي.
فإذا جاء أعرابي لا يعرف هذا الأدب يفرحون لأنه سيسأل.
٢٥ - وَنَهَى ﷺ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ.
٢٦ - وَقِيلَ: هِيَ شِدَادُ الْمَسَائِلِ وَصِعَابُهَا.
٢٧ - وَقَالَ [النَّبِيُّ] ﷺ: «اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ».
٢٨ - وَقَالَ ﷺ: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْماً: مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ».
ونهى ﷺ عن الأغلوطات.
الأغلوطات هي المسائل العويصة التي يراد منها فقط تغليط الطرف المقابل، ولا يراد بها يعني تقوى الله عز وجل أو يراد بها فقط الإيقاع به.
وهذا الأدب السلفي في التعامل مع المسائل.
وقيل هي شداد المسائل وصعابها.
وقال ﷺ: “اتركوني ما تركتكم”.
يعني ما تركتكم لا تسألوني.
٢٩ - وَقَالَ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثاً، أَوْ آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً».
فَقَالُوا لِلْحَسَنِ: مَا الْحَدَثُ؟
فَقَالَ: أَصْحَابُ الْفِتَنِ كُلُّهُمْ مُحْدِثُونَ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ كُلُّهُمْ مُحْدِثُونَ.
الحديث في لفظه الصحيح “لعن الله من آوى محدثاً”.
المحدث يدخل فيه معنيان كما ذكر هذا ابن الأثير وغيره.
المحدث الذي فعل جناية في الإسلام.
والمحدث أيضاً المبتدع.
ونبه على هذا المعنى سليمان ابن عبد الله، صاحب تيسير العزيز الحميد.
أما لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، فصح هذا عن الحسن البصري والفضيل ابن عياض وسفيان الثوري، أن المبتدع لا يقبل له عمله.
وروي هذا الخبر مرفوعاً عن النبي ﷺ. وكان هذا يعني محل استشكال عند جماعة من الناس.
كيف يعني لا يقبل له صرف ولا عدل؟ فبعضهم بادر إلى رد هذه الآثار على قائلها.
وهذا عسير.
لأن هذه الآثار قالها أئمة كبار، وفي عصرهما ما أنكر عليهم أحد.
هذا من جهة.
من جهة أخرى هذا الأمر روي له أصل في المرفوع.
فالذي ينبغي أن ينظر في معناه وفي تأويله.
فأولاً ذكر الشاطبي في الاعتصام أن معناه قال ربما باعتبار المآل.
إذ أن المبتدع لا يبقى على بدعته في العادة حتى يقع في الكفر.
وبعضهم قال لا هي على ظاهره.
لأن الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.
قالوا والمبتدع رافعٌ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فأعماله عرضة للحُبوط.
نبه على هذا المعنى ابن القيم.
وأما لعنه فالمبتدع مستحق للعنة من عدة أوجه في النصوص.
- أولها هذه: “لعن الله من آوى محدثاً”.
فمن آواه ملعون، إذا هو ملعون. - ثانياً قال النبي ﷺ: “لعن الله المصورين”.
والمصورون لما صوروا استحقوا لعنهم.
لأنه يقال لهم يوم القيامة أحيوا ما خلقتم.
من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي.
والمبتدع يضاهي الله في الأمر، ما هو في الخلق، في الأمر اللي هو أعلى من الخلق، في كلامه في أمره ونهيه.
فاستحق هذا. - ومن وجه ثالث يقول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.
قال ابن القيم: هذا في الكاتم، فكيف المتكلم بالباطل؟
وصح عن الصحابي عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: لعن الله الأزارقة.
قال الأزارقة من الخوارج كلها؟ قال الخوارج، الخوارج كلها.
وهذا فيه يشمل أهلها.
وأما حديث “العنوهن فإنهن ملعونات” فلا يصح.
وسئل إسحاق بن راهويه: يلعن أهل البدع؟ قال أي لعمري.
فقد لعنوا مجموعة من أهل البدع بأعيانهم حتى.
ومن حسنات القادر بالله العباسي أنه كان أعلن لعن أهل البدعة على المنابر.
أما حديث “لعن المؤمن كقتله” وكذا هذا في حال عدم الاستحقاق.
ها؟ كيف حديث “يلعنوهن فإنهن ملعونات”? أنا أميل لضعفه.
لازم تجمع الأدلة.
لا تقول له ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء.
تنزلها على شيء مأذون به؟ غلط.
ولا الفاحش ولا البذيء.
والنبي ﷺ قال: “من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه”.
جمع الطحاوي في المشكل قال هذا مأذون به وهذا على غير مأذون به.
قال لئلا يعود لسانه على اللعن.
٣٠ - وَقَالَ ﷺ: «كِلَابُ النَّارِ: أَهْلُ الْبِدَعِ».
الحديث ورد “الخوارج كلاب أهل النار”.
الخوارج كلاب أهل النار.
جميع أهل البدع خوارج.
لا، الخوارج يعني خرجوا في زمن الصحابة أحسن حالاً من عامة أهل البدع الموجودين الآن.
إذ أنهم لم يكونوا عندهم إشكال في باب الأسماء والصفات، إنما يكون عندهم إشكال في توحيد الإلهية.
وكانوا يكفرون بالمعاصي.
واليوم الناس تكفر بالتوحيد.
الأشاعرة وغيرهم.
بعضهم يكفر بالسنة.
بعضهم بلغ به الشقاء يعني يكفر بالدعوة لمنهج أهل السنة بالسمع والطاعة.
شقاء هذا.
طيب.
"افترقت البدع واجتمعت على السيف".
يقول أبو قلابة.
٣١ - وَقَالَ ﷺ: «مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ؛ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدَمِ الْإِسْلَامِ».
هذا صح عن الفضيل ابن عياض؟ رحمه الله الزاهد أبو علي.
ولماذا أعان على هدم الإسلام؟ يقول الشاطبي لأن توقير المبتدع يأتي بمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم.
- الأولى: بقاؤه على ما هو عليه.
- والثانية: اغترار العامة به واتباعه له.
وبهذا يهدم الإسلام.
أرأيتم؟ أو تعلمون ما حصل من حال أبي ذر الهروي؟ لما رأى الدارقطني يقبل رأس الباقلاني الأشعري، فذهب وتمشعر.
أبو ذر الهروي نشر الأشعرية في المغرب كلها.
وإلى هذا اليوم مو راضيين يهدون المذهب العفن هذا.
طيب.
وظهر هذا من الخبيث ابن تومرت الذي هو يعني أضر على الأمم من الحجاج، تابع لهذا المذهب ثم بعد ذلك يعني ذهب مذهباً بعيداً في ادعاء النبوة ولكنه يعني رسخ هذا المعتقد.
هذا في توقير صاحب البدعة.
وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
ومسألة الولاء والبراء.
طبعاً هذا الحديث في صحته بحث ولكن لا إشكال في الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة إذا كان معناها صحيحاً، وإذا كان الأئمة لم يعترضوا على معناها.
يقول ابن عقيل الحنبلي: يقول إذا رأيت إذا أردت أن تعرف حال أهل الإسلام فلا تنظر إلى اجتماعهم في الجمعة والأعياد، ولا عند ولا إلى ازدحامهم عند أبواب المساجد، ولكن انظر إلى مواطئتهم لأعداء الله عز وجل.
موقفهم من أعداء الله عز وجل.
الولاء والبراء.
يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق: يقول أعظم شيء بعد التوحيد، يقول ما من شيء يعني وضح وبين في القرآن بعد التوحيد مثل الولاء والبراء.
لأن هو فيه حفظ التوحيد.
لهذا تجد السلف إذا صنفوا في الاعتقاد على غير الطريقة المحدثة الجديدة في تصنيف الاعتقاد، يبين لك السنة ثم بعد ذلك يقول لك من خالف كذا وافعل مع المخالف كذا.
اليوم انتشرت يعني في العامة أنك فقط بين الصواب وبين الخطأ ولا تحكم على المخالف بشيء.
{لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
قال: {أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}.
هذه العلامة الصادقة على الإيمان.
اليوم عامة الناس تراه لا إشكال عنده أن يكون على الحق ولكنه يثقل عليه أن يوالي ويعادي من أجله.
وأن يصيبه أذى من أجل هذا.
يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ}.
آمنوا لكن لم يهاجروا، لم يمايزوا أهل الباطل.
ما لكم من ولايتهم من شيء.
هذا كان قديماً، هذه الآية تتضمن حكماً فقهياً نسخ، ولكن المعنى العام موجود.
كان الإنسان لا يرثه أخوه الذي لم يهاجر، ويرثه أخوه الذي آخاه يعني بالأخوة الإيمانية.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ}.
والنبي ﷺ لما بعث بريدة قال: “ادعهم إلى الإيمان، فإن هم آمنوا فادعهم إلى الهجرة، فإن لم يهاجروا فليس لهم من الفيء شيء”.
بل يعني في الأحكام الفقهية يقولون الذي حج ولم يهاجر ثم هاجر عليه حجة أخرى.
الهجرة ما هي؟ ما حقيقتها؟ التمايز عن أهل الباطل، وإظهار الولاء التام لأهل الحق.
أترك بلدي الذي نشأت فيه والذي أحبه من أجل ديني، وأذهب إلى أقوام أراهم غرباء لأجل الدين.
٣٢ - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْماً خَطًّا، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ».
ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِينِ الْخَطِّ وَيَسَارِهِ، وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ».
ثُمَّ تَلَا: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام: ١٥٣].يَعْنِي: الْخُطُوطَ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ.
الحق واحد.
لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين.
عدة خطوط، عدة سبل.
والحق واحد.
ثم قول الله عز وجل: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}.
هذا يعني الشرائع.
النبي يخط خطوطاً يوضح الأمر بهذا الرسم.
وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه.
شيطان إنس أو شيطان جن.
هذه ما هي؟ ضلالة.
٣٣ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦ﴾ [آل عمران: ٧].
فيتبعون ما تشابه منه.
يكلمك بالقرآن.
أهل الأفاك ممن؟ من هذه الأمة.
ماذا قال النبي ﷺ؟ وهذا الحديث في صحيح مسلم بل في الصحيحين.
قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ».
هذا أصل عام في قضية التحذير من أهل البدع من كلام النبي ﷺ وبيانه الواضح الذي لا لبس فيه.
٣٤ - وَقَالَ ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨﴾ [الزخرف: ٥٨].
سمة في أهل الباطل، يحبون الجدل، هذا طبعاً من الشكوك التي في قلوبهم ويحاولون الدخول على العامة من هذا.
ونبه اللالكائي في السنة، وقوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة، أن بداية انتشار البدع في أزمنتهم من هذه المناظرات.
قال وذلك أنه القلوب ضعيفة والشبه خطافة.
ويكون الإنسان بدعته مندثرة، فيُظهر ويناظر.
ذهب ابن أبي زيد القيرواني مرة إلى مجلس فيه متكلمون ويهود ونصارى، يعقدون المناظرات بشكل دوري.
معتزلة وأشاعرة وكذا وكل الفرق جالسة.
شوية تمسك لك يهودي تتناظر معاه، شوية نصراني تتناظر معاه، يعني حالة تويتر الحين.
فقام اليهودي قال: لا تحتجون علينا بشيء ليس في كتابكم، ولا نحتج عليكم بشيء ليس في كتابنا.
قام المعتزلة قال: صحيح، أدلة عقلية.
وقام المعتزلة قال يعني هذا الآن قواعد المناظرة.
فسبحان الله، فقام بعد أن رأى من ظلمة القلب وقسوته.
انظر إلى أن تجلس والإنسان يسب الله أمامك، وتجلس أنت بدم بارد، ولا يحتج عليك بكتاب ولا بتفسير، نجلس نحاول نثبتها بالعقل.
٣٥ - وَقَالَ ﷺ: «الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ شَهِيداً».
٣٦ - وَقَالَ ﷺ: «الْمُتَمَسِّكُ بِدِينِهِ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ».
٣٧ - وَقَالَ ﷺ: «الْمُتَمَسِّكُ بِدِينِهِ فِي الْفِتَنِ كَالْمُهَاجِرِ إِلَيَّ».
الهرج يعني القتل والتقاتل - “كهجرة إلي”.
وتفهم هذا المعنى لماذا؟ لأن عادة قتال الناس عن الدنيا، على الملك على كلام فاضي.
فتكون أنت هم يريدون الملك يريدون الدنيا وأنت تريد ما عند الله عز وجل، فتكون كأنك هاجرت.
٣٨ - وَقَالَ ﷺ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ الْغُرَبَاءُ؟
قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ صَلَحُوا».
وفي صحيح مسلم بدون هذه الزيادة.
وعبد الله بن عمر كيف قال؟ كأنها موقوفة على عبد الله بن عمر هذه الزيادة.
أما زيادة النزاع من القبائل فقال الإمام أحمد هذا حديث منكر.
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: أهل الإسلام في أهل الملل غرباء.
وأهل السنة في أهل الإسلام غرباء.
والمتمسكون بأمر الله عز وجل بين أهل السنة من أهل السنة في أهل السنة غرباء.
قال ولكنها غربة الله لا وحشة فيها، إذ أن بها الأنس بالله عز وجل.
يروى عن الحسن البصري: استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء.
وكذا يقول سفيان الثوري هذا في وقتهم في تلك الأزمنة الطيبة، فكيف يقال في هذا العصر؟ قد صنف ابن رجب كتاباً أسماه “كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة”.
كتاب يعني مبكي.
والغرباء لمحمد بن الحسين الآجري فسبحان الله.
أما اليوم لا إله إلا الله، عجب والله يعني تجده لا يرتاح إلا بعدد كبير موجود من الناس، يداهن في دين الله.
وسفرات من ديرة لديرة وبلايستيشن وكرة قدم وشوي يعني من الغربة متألم.
حتى بعضهم إذا تكلم عن هجر أهل البدع يقول يعني ايش؟ نعيش في الكهوف.
يلا هكذا الغربة.
ما أقول لك كذا.
٣٩ - وَقَالَ [رَسُولُ اللَّهِ] ﷺ: «اللَّهُ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضاً بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ».
الغرض هو يعني الهدف الذي يجعل لمرمى السهام.
يعني لا تجعلوهم محلاً للنقد.
هذا حديث ضعفه الترمذي قال حديث غريب لكن معناه صحيح.
فعلاً، هؤلاء حملة الدين.
بل يقول بعض السلف في معاوية: قال هو ستر أصحاب رسول الله ﷺ.
٤٠ - وَقَالَ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ».
هذه قالها النبي ﷺ لخالد بن الوليد لما تشاجر مع عبد الرحمن بن عوف.
يعني قالها للصحابي في شأن الصحابي.
خالد بن الوليد وهو صحابي فهو من هو، لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد عبد الرحمن ولا نصيفه.
فكيف بمن يأتي بعده؟ قال الله عز وجل: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}.
لأنه أولئك كانوا في زمن الغربة الشديدة، وأدركوا الأمر من أوله.
٤١ - وَقَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَطِعْ كُلَّ أَمِيرٍ وَصَلِّ خَلْفَ كُلِّ إِمَامٍ، وَلَا تَسُبَّنَّ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِي».
٤٢ - وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى لِحْيَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: نَعَمْ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ -، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَمَا ذَاكَ؟
قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي آنِفاً، فَقَالَ [لِي]: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّ أُمَّتَكَ مُفْتَتِنَةٌ بَعْدَكَ بِقَلِيلٍ غَيْرَ كَثِيرٍ.
قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، أَفِتْنَةُ ضَلَالٍ، أَمْ فِتْنَةُ كُفْرٍ؟
قَالَ: كُلٌّ سَيَكُونُ.
قُلْتُ: كَيْفَ يَضِلُّونَ أَوْ يَكْفُرُونَ، وَأَنَا مُخَلِّفٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ كِتَابَ اللَّهِ؟
قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ يَضِلُّونَ؛ يَتَأَوَّلُهُ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَا يَهْوُونَ فَيُضَلُّونَ بِهِ».
هذه أحاديث ضعيفة والنبي ﷺ لما ذكر ضلال الناس، قال له أحد الصحابة: كيف نضل يا رسول الله؟ قال: هؤلاء اليهود والنصارى معهم التوراة والإنجيل، فضلوا.
يتأولونه على غير تأويله.
طيب، ما التأويل الصحيح؟ ما كان عند الصحابة والتابعين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يهدم الدين ثلاثة: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين".
فليهدم الدين ثلاثة.
ربما في حادثة واحدة اجتمعت هذه الثلاثة، فتصير فتنة عمياء صماء بكماء مهلكة، تأخذ فئات كثيرة كما نرى من البلاء في بعض الأمور مثل وحدة الأديان.
يجتمع فيه الثلاثة أمور لو تأملنا.
٤٣ - وَقَالَ الْحَسَنُ [الْبَصْرِيُّ] قال ﷺ: «مِثْلُ أَصْحَابِي [كَمِثْلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ] ثُمَّ قَالَ: هَيْهَاتَ، [١/٥] ذَهَبَ مِلْحُ الْقَوْمِ.
من هذا الذي قال؟ الحسن البصري.
يرويه عن النبي ومراسيله ضعيفة.
وقال ﷺ “النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد.
وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون”.
فسبحان الله ما الذي بقي؟ بقيت آثارهم.
مر معنا أمر النبي اهتدي بـ أبي بكر وعمر.
مر معنا الخلفاء الراشدين.
مر معنا ذكر التفاسير المحدثة للقرآن والتحذير منها.
ما السلامة في هذا كله؟ أن تكون لك عناية بآثار من مضى.
{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.
{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا}.
الله عز وجل يخاطب الأمة،.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
من الصادقون؟ أولئك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.
ما لم يكن بالأمس ديناً فليس اليوم بدين.
وكما قال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فهذا المجلس الثاني في دراسة كتاب "الشرح والإبانة عن أصول الديانة" لابن بطة العكبري رحمه الله تعالى.
وكنا قد وصلنا عند المسألة والأربعين فيما يتعلق بفضل الشيخين أبي بكر وعمر.
٤٤ - [قَالَ]: وَدَخَلَ ﷺ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَكَذَا نَدْخُلُ الْجَنَّةَ».
هذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه لا يستغرب ومعناه صحيح.
وقد ورد حديث صححه وحسنه بعضهم بمجموع الطرق أن كل رجل يموت في التربة التي خلق منها.
فاستنبط من هذا أهل العلم فضلاً لأبي بكر وعمر إذ أنهما خلقا من عين التربة التي خلق منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ أنهما ضجيعاه في القبر رضي الله عنهما.
٤٥ - وَقَالَ [النَّبِيُّ] ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ: فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا».
وهذا الحديث أيضاً في إسناده ضعف إلا أن معناه صحيح.
أما وزارة أهل السماء فقد ورد عن الشعبي في عدد من كتب التفسير وغيره أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وقالوا: من معك من الملائكة؟ قال: معي جبريل.
قالوا: لو قلت معك ميكائيل، فإن جبريل هو عدونا من الملائكة، لا يأتي إلا بالعذاب والنقمة، وأما ميكائيل فهو ملك القطر والنبات وغيرها من الخير.
فأنزل الله عز وجل: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}.
وأما وزارة الأرض فأمر معروف.
فهذا علي ابن أبي طالب وعمر مسجى على فراش الموت بعد أن طعنه أبو لؤلؤة.
التفت ابن عباس فسمع علياً يقول: ما من أحد أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته منك.
كنت أكثر ما أسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر.
حتى أهل الإشراك كانوا يعرفون مكان الشيخين من النبي ﷺ. فأبو سفيان في غزوة أحد لما انتهت سأل عن النبي ﷺ، فلما قالوا إنه حي، سأل عن أبي بكر وعمر.
يعلم أن هذين هما الرجلان في الأمة بعد النبي ﷺ.
ولو لم يكن لهما من الفضل إلا ما حصل من الصلاح في أمر خلافتهما رضوان الله عليهما لكفى.
فأبو بكر قد أزال الله عز وجل به الردة، رضوان الله عليه.
ويظهر فضله على عمر في عدة مواقف، في المواقف الشداد.
فظهر فضله على عمر في صلح الحديبية لما قال عمر: لم نعطي الدنية من ديننا؟ فلما ذهب إلى النبي ﷺ قال: "إني رسول الله ولن يضيعني".
فلما ذهب عمر رضي الله عنه إلى أبي بكر - وانظر إلى فقهه حيث ذهب إلى الصديق - فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه.
فأجاب مثل جواب النبي ﷺ.
ولما مات النبي ﷺ وهو كان أكثر الناس حباً للنبي صلى الله عليه واله وسلم، ولما وقف صلوات الله وسلامه عليه على المنبر وقال: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً".
وقال ﷺ: "سدوا جميع الأبواب إلا باب أبي بكر".
وقال ﷺ على المنبر: "إن رجلاً خيره الله بين ما عند الله وأن يبقى في الدنيا، فاختار ما عند الله".
فبكى أبو بكر الصديق، هو وحده الذي فهمها، رضوان الله عليه.
مع هذا كان قوي الجأش، شديد العزيمة.
عمر لما مات النبي ﷺ كان يقول: من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه، والله ليأتين ليبعثنه الله وليضربن أعناق الذين قالوا إنه قد مات.
وقف أبو بكر الصديق على المنبر وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
وتلا الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ}.
فهذا الموقف يظهر فيه فضل الصديق على عمر وقوة فقهه.
وكذلك في حروب الردة لما ناظره عمر في قتال مانعي الزكاة، وقال: كيف نقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قال أبو بكر: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه للنبي ﷺ لقاتلتهم عليه.
أبو بكر كان ليناً في أمر نفسه شديداً في أمر الله.
ثم إنه رضوان الله عليه، وقوة إيمان الشيخين معلومة عند الكل.
النبي ﷺ لما حدث حديثاً فكأن الصحابة استغربوه فقال: "فأنا أؤمن به وأبو بكر وعمر".
يقول الراوي: وما ثم أبا بكر ولا عمر.
ولكنه يثق، فإن هذا الصديق وذاك الفاروق.
٤٦ - وَقَالَ ﷺ: «لَا تَسْتَقِرُّ مَحَبَّةُ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ».
هؤلاء أفضل الناس بعد الأنبياء.
قال النبي ﷺ: "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين".
وقال عبد الله بن عمر: كنا نفاضل في حياة النبي ﷺ فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ونقف.
وهذا الحديث معناه وارد في القرآن، فإن الله عز وجل يقول: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}.
فخاطب بذلك الصحابة وهم أعلى المؤمنين الذين أمرنا الله عز وجل بولايتهم.
يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}.
وهؤلاء رأس القوم.
هؤلاء الأربعة رأس القوم.
ويقول النبي ﷺ: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار".
وهؤلاء أعلى وأفضل من الأنصار إجماعاً.
وكما في الحديث الذي رواه مسلم وقد حصل في سنده اختلاف، حديث عدي بن ثابت عن علي بن أبي طالب أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.
وكان حب الشيخين مما يتقرب به علية أولياء الله عز وجل لله.
فلما حدث أنس رضي الله عنه بحديث "المرء مع من أحب" قال رضي الله عنه: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر.
يقول الحسن البصري: لا تغتر بقولك المرء مع من أحب، فإن من أحب قوماً وافقت فعاله فعاله.
روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو وزن إيمان الأمة وإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر.
أمة فيها مثل أحمد ابن حنبل؟ أمة فيها مثل ابن تيمية؟ إيمانها يوضع في كفة ويوضع إيمان الصديق في كفة، فإيمان الصديق يرجح.
فأي رجل هذا؟
٤٧ - وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ حُبَّ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ: الصَّلَاةَ، [وَالزَّكَاةَ]، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، فَمَنْ أَبْغَضَ وَاحِداً مِنْهُمْ؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ».
وهذا حديث منكر مرة، رفعه باطل، وإن معناه صحيح.
كما يقول الطحاوي في عقيدة أهل السنة والجماعة: ونرى أن حب الصحابة إيمان وبغضهم نفاق وطغيان.
أو كما قال.
فنعم، الأمر في السنة هكذا.
يقول أنس ابن مالك كما روى الآجري في الشريعة: يقولون لا يجتمع حب عثمان وعلي في قلب مؤمن.
-وأنس طالت حياته حتى أدرك هذه الخلافات الكثيرة، أدرك حتى الحجاج- فيقول هو رضي الله عنه: يقولون لا يجتمع حب عثمان وعلي في قلب مؤمن؟ كذبوا والله ها هو يجتمع في قلوبنا.
٤٨ - وَقَالَ ﷺ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
نعم، هذا الحديث وإن كان من جهة الإسناد لا يصح كما قال العقيلي في الضعفاء، إلا أن معناه صحيح كما ذكرنا في المجلس السابق في أن كل مبتدع مستحق للعن.
ورأس هؤلاء الرافضة.
وقد لعن عبد الله ابن أبي أوفى الصحابي رضي الله عنه الأزارقة الخوارج وهم خير من الرافضة السبابة.
٤٩ - وَقَالَ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَإِنَّهُ يَجِيءُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي؛ فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ، وَلَا تُصَلُّوا مَعَهُمْ، وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا تُجَالِسُوهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ».
هذا الكلام عقيدة سنية، ليس هو من كلام النبي ﷺ، غير أن هذا هو اعتقاد أهل السنة، وعليه الإجماع.
٥٠ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُونَ.
ما أحسن هذا الأثر! وهذا الأثر كان قد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
الله عز وجل علم أن سيكون منهم هذا ويكون منهم هذا.
بل قال ﷺ لما ذكر له حال حاطب ابن أبي بلتعة: قال "وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم".
وما وقع منهم ما وقع إلا بتأويل.
فما حصل في الجمل وصفين وما سوى ذلك فتنة قد نجى الله منها أيدينا فنكف ألسنتنا منها.
وعلامة الشقاء الخوض في مثل هذا.
٥١ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَسَبُّوهُمْ.
هذا رواه مسلم.
نعم.
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}.
هذا الأمر بالقرآن بعد ما ذكر الله عز وجل المهاجرين والأنصار، فأمرنا بالاستغفار لهم، ثم يأتي الأشقياء ويسبونهم.
ثم بعد أن ذكر فضل الصحابة رضوان الله عليهم، رأى أن يذكر لهم كلمات في التمسك بالسنة لتكون نبراساً للإنسان السني.
بعد أن ذكر فضلهم وأنهم من أهل الجنة وأنهم مأمور باتباعهم، {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا}، {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.
فبدأ يذكر لك كيف كانت منهجيتهم في التعامل مع النصوص رضوان الله عليهم.
٥٢ - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟
فالصديق وهو الصديق وقد سبق طرف من فضائله، كان يتهيب أن يتكلم في كتاب الله عز وجل بما لم يعلم.
وما أضاع أهل البدع وما أوقعهم في الضلالات والبدع إلا الخوض في كتاب الله عز وجل بما لا يعلمون.
حتى أن السيوطي في الجامع الكبير إذا روى تفسيراً عن أبي بكر يقول هذا له حكم الرفع، الصديق لا يتكلم برأيه.
وعلى هذا كان عامة صحابة النبي ﷺ.
وكان عكرمة التابعي رضوان الله عليه يقول: "اتقوا التفسير فإنه الرواية عن الله".
كذلك قال الشعبي كان سعيد بن المسيب الذي اتفقوا على أنه أفقه التابعين، يتهيب التفسير ولا يتكلم في كتاب الله عز وجل إلا بثبت.
وقد ورد في الحديث: "من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فقد أخطأ وإن أصاب".
قالوا معناه صحيح، يعني أن منهجيته خطأ.
وأما اليوم فصار الأهون الكلام في كتاب الله عز وجل.
شيخ، خاطرة حول الآية الفلانية، والشيخ يهذر برأيه.
وما أكثر ما رأيناه من العبث بكتاب الله عز وجل! وخصوصاً الذين يعتمدون التفاسير التالية:
- تفسير الكشاف للزمخشري
- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي
- تفسير روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي (هذا الذي سلخه الشعراوي وصار يلقيه على الناس ويوهمهم أنه من تفسيره وبنيات أفكاره).
هذه التفاسير خطيرة لأن فيها توسع عجيب في مسألة الرأي.
واخترعوا شيئاً أسموه تناسب الآيات والسور التي صنف فيها البقاعي "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور".
والتي يقول هذه جاءت قبل هذه لكذا وهذه جاءت بعد هذه لكذا.
وهذه وإن كان ربما يكون معناها صحيح في بعض الأحيان إلا أنها تلهي عما هو أعلى وأحسن.
وقد أحسن الشوكاني في انتقاد طريقته المحدثة في التفسير.
ونبه الشاطبي في الموافقات على أن تفسير القرآن للظواهر الطبيعية الموجودة الآن مما يتعذر ويصعب، لأن معناه أن الله عز وجل خاطب العرب بما لا يعقلون ولا يفهمون، لأنهم لا يفهمون مثل هذه الأمور، ما كانت عندهم ميكروسكوبات وهذه الأمور.
يسمونه الإعجاز العلمي. هذا من جهة.
من جهة أخرى هذه النظريات ظنية، والقرآن قطعي.
فبعضهم يتكلف أن يلوي أعناق الأدلة ليجعلها مطابقة للنظرية، ثم بعد ذلك نكتشف أن هذه النظرية خطأ، وأن فيها تقييداً أو فيها إطلاقاً أو غير ذلك.
فمثل هذا من الكلام في القرآن بالرأي، فينبغي اتقاؤه والبعد عنه.
القرآن أنزله الله عز وجل تبياناً وهدى ونوراً، وشفاء لما في الصدور، يصحح فيه الإنسان عقيدته ومعاملاته وعباداته.
ولم ينزله الله عز وجل كتاب أحاجي وألغاز كما يفعلون.
كم ذكر في القرآن كذا؟ كم ذكر في القرآن كذا؟ أين تجد في القرآن أن "قد قد" وتفقد؟ هذا لعب، هذا لا يليق بمقام كتاب الله عز وجل.
كتاب الله أنزله الله عز وجل تبياناً وهدى، ما أنزله كتاب أحاجي وألغاز.
٥٣ - وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: السُّنَّةُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، فَمَنْ تَرَكََهَا؛ فَقَدْ قَطَعَ حَبْلَهُ مِنَ اللَّهِ.
هذا لم يجده المحقق.
الصديق رضوان الله عليه لما كلموه في بعض الأمور، لما كلموه في ميراث فاطمة قال: لست تاركاً شيئاً كان يفعله النبي ﷺ، فإني أخشى إن تركت شيئاً من السنة أن أزيغ.
رضي الله عنه.
أبو بكر وعمر رضي الله عنه.
كان جالساً فقال: لقد هممت ألا أدع صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين.
كان لدى المسلمين بيت مال، تجمع فيه الصدقات من غير الزكاة ومن غير ذلك وأموال الفيء.
فيقول لقد هممت أن أقسمها كلها بين المسلمين، لا أترك شيئاً في بيت المال.
صفراء يعني ذهب، بيضاء فضة.
فقال له الرجل: لم لا تفعل؟ لم يفعله صاحباك؟ يعني النبي ﷺ وأبو بكر؟ قال: نعم هما المرآن يقتدى بهما.
أمر عمر يراه مصلحة، لكن لمجرد أن النبي ﷺ ما فعله وأبو بكر لم يفعله، فلا أفعله أبداً.
لم يفعله صاحباه؟ قال: نعم هما المرآن يقتدى بهما.
وهذا عمر بالنسبة للسنة.
ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر.
٥٤ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ؛ أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ فَلَمْ يَعُوهَا؛ فَقَالُوا بِالرَّأْيِ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
طبعاً هذا صححه ابن القيم عن عمر ولا يصح.
ولم يظهر أهل الرأي حقاً في زمن عمر.
وأهل الرأي اسم لجماعة من المتفقهة اشتهروا بتقديم القياس على الأحاديث، والإفتاء بغير علم وثبت.
يقدمون القياس الظاهر على الأحاديث.
فتجدهم مثلاً يفتون كما هو مذهب أهل الرأي يقولون مثلاً النكاح بغير ولي جائز.
لم؟ والأحاديث واضحة؟ يقول لك يا أخي القياس، هذا القياس: المرأة يجوز لها أن تبيع وتشتري هي نفسها ولا تحتاج إلى ولي، فنجعل النكاح كالبيع.
وبهذه الصورة عادوا السنن.
مثلاً هذا النبيذ المشتد الذي هو تمر ينقع في ماء يشتد وقد يكون مسكراً.
يقول لك يا أخي الماء لوحده جائز والتمرة لوحدها جائزة، فيعني تخلطها ما في إشكال.
مثلاً ورد حديث "من بدل دينه فاقتلوه".
قالوا لا، المرأة مستثناة من هذه.
لم تكون مستثناة؟ قالوا يا أخي يجوز الآن الكفار الأصليين إذا قاتلناهم نقتل نساءهم؟ لا.
كذلك المرتدة، لا يجوز.
هكذا يقيس، يحارب النص، يقف اتجاه النص بالرأي والقياس.
وما أكثر هؤلاء اليوم! وقد توسع الأمر جداً.
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}.
أنت إذا كنت مؤمناً، أن الله عز وجل أمر بهذا ونهى، ففيه الحكمة وإن لم تعقلها أنت بعقلك القاصر.
عمر ابن الخطاب كان يرى أن المرأة لا تورث من دية زوجها.
هو يرى وهذا عقل عمر ومن في فقه عمر؟! فجاءه أحد الصحابة حدثه أن النبي ورث المرأة من دية زوجها، فترك رأيه مباشرة، رضوان الله عليه.
في الحديبية رأى أن شروط الصلح فيها شيء من الجور.
كيف؟ يعني إذا أتانا من المشرك مسلماً لا نستقبله وإذا أتاهم منا المسلم مرتداً يستقبلونه.
ها؟ فرأى، فذهب إلى النبي ﷺ وقال: لم نعطي الدنية من ديننا؟ قال: "إني رسول الله ولن يضيعني".
ذهب إلى أبي بكر فقال له: إنه رسول الله ولن يضيعه.
ثم بعد ذلك قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً.
يتهم الرأي في الدين.
ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه.
فالمراد أن أهل الرأي لهم جنايتهم العظيمة على الدين.
وكما قال ابن الجوزي في ترجمة النعمان ابن ثابت أبو حنيفة قال: وبعضهم كان يقيم حجته ويقول لم تبلغه الأحاديث.
يقول: وهذا باطل من وجهين: الأول أنه قد صح أنه كانت تأتيه الأحاديث ويردها.
الثاني أن من لم يحط بمعظم أحاديث السنة لا يجوز له أن يفتي.
هذا كله في منهجية الصحابة رضوان الله عليهم في التعامل مع النصوص.
فأول شيء البعد عن الرأي والتسليم، والنظر للنص في المسألة.
وإذا كان النبي ﷺ يسأل عن الأمر فلا يذهب لرأيه وينتظر.
فسئل أي البقاع أشر؟ فوقف النبي ﷺ، ما تكلم برأيه، حتى جاء جبريل ثم قال: "أخبرني جبريل بها آنفاً، شر البقاع في الأرض أسواقها".
فالنبي ﷺ وهو النبي ما حكم برأيه، انتظر الأثر.
ومن يقول من المتفقهة أن النصوص لا تفي بحاجات الناس، وأنه لابد من الرجوع إلى القياس وإلى العقل، فهذا قد نادى على نفسه بالجهل.
بل إن النصوص تفي بعامة حوائج الناس، والقياس لا يحتج به إلا بأضيق الضيق، في قياس ظاهر جلي.
٥٥ - وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ؛ فَلَا تُحَرِّفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ.
يعني لا تحرفوه إلى أهوائكم.
التفسير الرواية عن الله.
ما تمسك آية ثم تريد أن تحملها على هواك أنت، والله عز وجل ما أراد بها هذا.
اليوم لو أمسك أحدنا كتاباً لعالم معين، وهذا العالم حي، ثم صار يقول العالم يريد كذا ويريد كذا، والعالم هو يعلم في نفسه أن العالم لا يريد، هو الذي يريد، فيحرف كلامه.
لم يأمن من غضب هذا العالم عليه، وأن هذا العالم سيأتي وسيتكلم فيه وسيقول هذا يحرف كلامي وهذا يحمل كلامي على ما لم أرد.
فكيف بمن يفعل هذا بكلام الله عز وجل؟ هذا لا يأمن أن يأتيه المقت والغضب.
٥٦ - وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ عِبَادَهُ إِلَّا بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ إِلَّا عَمَّا يَضُرُّهُمْ.
ممتاز.
وإن لم تعلم أنت العلة.
الله عز وجل لا يأمر إلا لحكمة ولكن وإن لم تعلم أنت العلة، الأصل في الأوامر أن مصلحتها راجحة، والأصل في النواهي أن مفسدتها راجحة.
لا تأتي تتكلم بالمصلحة والمصلحة وتحاد الله.
فباسم المصلحة تنهى عما أوجبه الله وفيه نفع، وباسم المصلحة تأمر بما نهى عنه الله عز وجل ومفسدته راجحة وتحاد الله.
وهذه هي الحيلة العظمى التي ظهرت اليوم.
ما أحسنها! حتى استحيت الحيل الأوائل.
باسم المصلحة يحل الحرام ويحرم الحلال، ويحاد الله عز وجل ويحاد رسوله ويقول لك مصلحة الدعوة.
لا، مصلحة الدعوة أعلم بها من أنزل الدعوة.
الآن مثلاً الجهاد القتال هذا فيه فيما يرى الناس، والله عز وجل يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾.
فهو كره لكم فيه فيما يرى الناس فيه بعض المفاسد.
وفعلاً موجودة، من أن كون المسلم قد يقتل وتيتم نساؤه ويرمل أطفاله.
رأيت بارك الله فيك؟ لكن هذه المفسدة عارضتها مصلحة أعلى وهي إعلاء كلمة الله عز وجل.
الخمر والميسر فيها منافع، الله عز وجل قال فيها منافع، يجتمع عليها الناس، وتنسيهم همومهم.
ترى اللحظة الشحيحة إذا مرت بباله لعقيل فيها مهين، تخلي البخيل كريم.
هكذا يقول عمر ابن كلثوم.
فيها فوائد ومنافع ولكن هذه المنافع عارضتها المفسدة الأعظم، مسألة إذهاب العقل وإيقاع العداوة والبغضاء.
فاليوم بعض الناس لما يأتي يريد أن يحل شيئاً ينظر فقط إلى المصلحة، يقول لك يا أخي فيه نفع.
لو كان فيه نفع ما ما هو بالضرورة يكون جائزاً، قد تكون فيه مفسدة طاغية على هذا المسألة.
ويأتي يريد أن ينهى عن شيء يقول لك يا أخي فيه مفسدة.
مثلاً مسألة الرد على أهل البدع يقول هذا يفرق الأمة، يحدث تفرقة.
يقول الشاطبي ضمن رده على هذا الكلام يقول: نفس التفرق في الأمة عارضتها مصلحة حفظ الدين، ومصلحة حفظ الدين أعلى.
وهذا باب مهم يدفع بها يدفع به كلام المصلحيين الذين كثروا في هذه الأيام.
٥٧ - وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْباطُّل فِيمَا وافق النَّفْسَ وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ للَّهَ عز وجل فِيهِ طَاعَةٌ.
هذا يعني فيما في تربية النفس، وأنك يعني كلما رأيت هواك مع شيء خالفه، إن لم يكن النص واضحاً.
الصوفية مدحوا مخالفة الإرادة مطلقاً، فقالوا كل شيء يعارض الإرادة، يعارض شهوتك تفعله.
فبعضهم ذهب للتبتل وترك الطعام والشراب، حتى أن أحدهم يروى أنه جاء إلى جارية وقال اسقيني، قالت: صوفي وتشرب الماء في النهار؟ فخجل وبقي صائماً واصلاً طوال حياته.
هذه فكرة الرهبانية.
رأوا أن كل شيء يخالف الإرادة هو الحسن.
لكن لا، لابد أن يعرض على الكتاب والسنة.
الصحابة رضوان الله عليهم لما جاءوا وسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه واله وسلم، فكأنهم تقالوها.
قالوا أين نحن من رسول الله ﷺ؟ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر.
وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء.
قال الثالث: أما أنا فأصلي ولا أنام.
فقام النبي ﷺ قال: "قولكم كذا وكذا؟ ألا إني أخشاكم لله وأتقاكم له، وأنا أتزوج النساء وأصوم وأفطر وأصلي وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
٥٨ - وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْهَوَى يُصَدُّ عَنِ الْحَقِّ.
٥٩ - وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: الْهَوَى عند من خالف السنة حق وإن ضربت فيه عنقه.
يعني أنه قل أن يرجعوا، تتجارى فيهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه.
النبي ﷺ قال في الخوارج: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه".
وذكر لأيوب السختياني رجلاً من أهل البدع رجع، قالوا: رجع عن بدعته.
قال: انظروا إلى ما يؤول أمره، فإن آخر الحديث أشد عليهم من أوله.
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
قالوا إنه يعني صار مرجئاً.
ذهب إليه ترك الخوارج فصار مرجئاً.
هل معنى هذا أن أهل البدع لا يرجعون؟ لا، هم يرجعون ولكن هذا فيهم قليل.
الرجوع في أهل البدع قليل إذ أنهم يرونها طاعة.
ولهذا يقول سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها.
٦٠ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وهذا الأمر ورد عن النبي ﷺ.
٦١ - وَجَلَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَبِيغاً التَّمِيمِيَّ فِي مَسَاءَلَتِهِ فِي حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
هذا صبيغ كان يسأل عن بعض الآيات تشويشاً، مجرد سؤال.
فجلده عمر وسجنه وأمر الناس أن يهجروه.
ولهذا لم تكن الفتن تظهر في زمن عمر رضي الله عنه.
فكلما ظهرت فتنة يتصدى لها بأقوى ما يكون.
وهكذا في عموم زمن الصحابة.
أما اليوم فظهرت عندنا فلسفة الرأي والرأي الآخر، واترك كل مبطل وكل زنديق وكل كافر وكل مبطل يتكلم بما يشاء.
وقد وردت روايات أن الخوارج لما خرجوا دعوا صبيغاً وقالوا: نفعتني موعظة الرجل الصالح.
هذه يعني ليس لها إسناد.
٦٢ - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَصْغِ لَهَا سَمْعَكَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ.
الرواية المشهورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعه سمعك فإنما هو خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.
الآن بدأ يذكر كلمات لعبد الله بن مسعود رضوان الله عليه.
ومن كلماته المشهورة في أمر السنة قوله رضوان الله عليه: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وقوله لأصحاب الحلق: لأنتم على هدى خير من هدي أصحاب محمد؟ فهم يسبحون ويحمدون، شيء طيب ولكن على هيئة بدعية.
فقال: لأنتم على هدى خير من هدي أصحاب محمد أو أنتم مفتتحوا باب ضلالة؟ وهذا الذي كان، أنهم مفتتحوا باب ضلالة.
وفسر قول الله عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} قال: الجماعة.
٦٣ - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَنْ قَالَ فِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا يَتَقَوَّلُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
يعني أنت تروي عن الله مراد الله كذا، مراد الله كذا.
فاتق الله وعليك بالتسديد والمقاربة.
٦٤ - وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ كَفَرَ.
هذا الأثر هكذا، من ترك السنة فقد كفر.
يعني من تعبد بالبدعة فقد كفر.
الكفر الأصغر أو الكفر الأكبر.
وذلك أن المبتدع مشرع مع الله عز وجل، فهو داخل في الإشراك، سواء الشرك الأصغر أو الشرك الأكبر.
٦٥ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: السُّنَّةُ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ عَلِمَ مَا جَاءَ فِي خِلَافِهَا مِنَ الزَّلَلِ، وَلَهُمْ كَانُوا عَلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْجَدَلِ أَقْدَرَ مِنْكُمْ.
عمر ابن عبد العزيز، أعدل خلفاء بني أمية، مجدد المئة الأولى رحمه الله تعالى.
يقول عبد الله بن عمر: ليت شعري من هذا الذي في نسل عمر؟ يعني يعمل بعمل عمر؟ كان من العدل في عصره أن صار الأمر كما في آخر الزمان، كانت الذئاب لا تعدو على الغنم، من كرامة له.
لما مات عادت الذئاب تعدو على الغنم.
يقول أحمد بن حنبل رحمه الله: ليس في التابعين أحد قوله حجة إلا أن يكون عمر ابن عبد العزيز.
يقول عمر بن عبد العزيز: السنة إنما سنها من علم ما في خلافها من الزلل.
يعني الله عز وجل.
ولهم كانوا على المنازعة والجدل أقدر منكم.
وكم روى الآجري في الشريعة عنه أنه قال: إنه لم يخبأ عنهم خير ويدخر لكم لفضل فيكم ونقصاً فيهم.
بمعنى أنك لا تظن أن الصحابة والتابعين فاتهم شيء من الدين وادخر لك أنت بفضلك.
بل هم أولى الناس بكل خير.
"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
٦٦ - وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوَانَا عَلَى هَوَاكُمْ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ فِي هَذِهِ الْأَهْوَاءِ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَوَى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ.
ويهوي بصاحبه في النار.
هذا مروي عن التابعين.
٦٧ - وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ [ابْنُ جَبْرٍ]، وَأَبُو الْعَالِيَةِ [الرِّيَاحِيُّ]: إِنَّمَا سُمِّيَ هَوَى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ.
وقال الحسن - الحسن البصري - ومجاهد - مجاهد تلميذ ابن عباس اللي عرض عليه القرآن ثلاث مرات - وأبو العالية - أبو العالية رفيع ابن مهران تابعي مخضرم أدرك النبي ولم يره - قال: إنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
٦٨ - وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا مِنْ دَاءٍ أَشَدَّ مِنْ هَوًى خَالَطَ قَلْبًا.
هذا أشد هوى يخالط قلباً يجعله يرى المعروف منكراً، والمنكر معروفاً.
ويجعله يحاد الله ورسوله وأولياءه.
نعوذ بالله من هذا.
٦٩ - وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يُلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ.
أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي التابعي البصري المعروف: إياكم وأصحاب الخصومات.
هذه سمة أهل البدع كثرة الجدل لما في قلوبهم من الشك ولأنهم يريدون التشويش.
فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
وأيضاً من آثار الجدل السيئة أنه يحملك على معارضة المخالف فتبتدع بدعة عكس بدعته.
قيل: ما الذي اضطر المرجئة إلى مذهبهم؟ المرجئة الذين يقولون الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والعمل غير داخل في مسمى الإيمان.
قال: الخصومات.
يخاصمون الخوارج، يناظرون الخوارج الذين يكفرون بالمعصية، فانتهى بهم الأمر إلى ضلالة الإرجاء.
الجهم بن صفوان كيف كفر؟ وأتى بمذهبه السوء؟ يناظر السُمنية.
قالوا له أنت كيف يعني تؤمن بربك هذا؟ رأيت ربك؟ سمعته؟ شممته أنت؟ كيف كيف تؤمن بإله لا لا تراه ولا تسمعه ولا تشمه؟ الجهم شك، ترك الصلاة أربعين يوماً.
بعد ذلك استدرك، جاءه شيطانه قال له: عقلك، تكلمني، رأيته؟ قال لا.
قال سمعته؟ قال لا.
قال شممته؟ قال لا.
قال كذلك ربي لا يرى ولا يسمع ولا يشم ولا... فانتهى.
ثم طرد أصوله، فأنكر الرؤيا يوم القيامة، وأنكر وهكذا.
بدأ بجدل بقلة علمه، ما استدل بآيات الله عز وجل، ما استدل بالأدلة؟ لا.
ذهب يجادل بقلة علم.
فبدأ يناظر يناظر يناظر يجادل.
مثل الذي اليوم يناظرون مستشرقين.
يعني مستشرق يورد عليه كذا كذا.
مثلاً هذا اللي اسمه أحمد ديدات أنكر حروب الردة كلها.
أنكر هذه الحوادث التاريخية هذه كلها.
بل أنكر أن تكون هذه سبباً، بل ادعى أن أهل الردة هم الذين ابتدأوا الإسلام بالحرب.
وهذا غير صحيح، واضح من مناظرة الصديق للفاروق أنهم لم يبتدئوهم.
مثل هذا اللي بعض الناس اللي يذهبون يناظرون الجماعة اللي يعني يقول لك كيف في الإسلام تقول لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟ هذا مدري ايش هذا كذا كيف هذا يعني هذولا أفلحوا كيف أفلحوا؟ ما أدري عن هذول أفلحوا.
كيف تقول لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟ قال ها، كيف؟ دفاعاً عن الإسلام أنا أنكر الحديث وأطعن في الحديث وأخرق الإجماع وأقول الأمة ثلاثة عشر قرن ليست على شيء.
الجدل والخصومات بجهل.
مثل ما حصل هذا مع محمد الغزالي. مثل هذا حصل هذا ايش اسمه هذا؟ محمد سليمان الأشقر. هؤلاء يدخلون في الجدل والخصومات مع أهل الباطل على جهل.
فإذا ضاقت عليه الحجة ابتدع بدعة في الدين يظن أنه يدافع عن الدين فهو يهدم الدين.
ولهذا ما أحسن ما قال ابن القيم في المعتزلة والأشاعرة وغيرهم: قال لا الإسلام نصروا ولا الفلاسفة كسروا. بل إنهم جرؤوا - هذه العبارة لشيخ الإسلام، غير ابن القيم أطنب في شرحها في الصواعق المرسلة.
٧٠ - وَكَرِهَ عَطَاءٌ، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ أَنْ يُفْتُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْخُصُومَاتِ، وَقَالُوا: الْخُصُومَاتُ مَحْقٌ الدِّينَ.
قَالَ: مَا خَاصَمَ وَرِعٌ قَطُّ.
طيب قال: وكره عطاء وطاووس. عطاء ابن أبي رباح هذا أفقه تابعي مكة، أفقه التابعين بالمناسك.
كان مولى، كان أسود وأعور ويده مقطوعة ولما كبر شل، فكان شكله يعني، فكانت سيدته قالت: أنت ما تصلح تشتغل يعني، ايش هذا منظرك؟ فوضعته في الحرم فجلس تعلم تعلم حتى صار يعني أفقه التابعين في المناسك.
يقول الإمام أحمد: لو كان العلم بالنسب ما كان أفقه الناس عطاء والحسن وابن سيرين ويزيد بن أبي حبيب.
هذا كلهم موالي.
وكان يجيه سليمان ابن عبد الملك يصنع به سليمان أمور يعني هكذا يعرض عنه، يجلس سليمان فيقول لأبنائه سليمان بعد أن يقوم: تعلموا العلم فإني لم أر ذلاً كذلي بين يدي هذا الرجل الأسود.
اليوم أنا احتجت إلى علمه.
هذا آنذاك لما كان يعني هم يبتعدون عنه، عن السلطان.
فيقول: لا تعرف السلطان ولا من يعرف السلطان.
اليوم يعرفون ولد عمه السلطان، ايه.
وطاووس، طاووس هذا ابن كيسان يماني أيضاً هو مولى.
ومجاهد، مجاهد ابن جبر هؤلاء تلاميذ ابن عباس.
والشعبي عامر بن شراحيل الشعبي أبو عمرو من كبار فقهاء التابعين.
هذا الرجل كان حسن العبارة جداً لدرجة أنه يجلس في المسجد يتكلم، يأتي الرجل له حاجة يقول أصلي ركعتين في المسجد فيجلس يصلي ركعتين فيسمع الشعبي يتكلم، يجلس حتى تتعطل حاجته.
فكان أحد أصحابه يقول: أنت أنت معطل الحاجات.
كان فقيه.
وإبراهيم، إبراهيم النخعي أبو عمران الكوفي من كبار فقهاء التابعين وتابعي صغير سناً لكن من كبارهم قدراً.
أن يفتوا في شيء من الخصومات.
وقالوا الخصومات ممحقة للدين.
هذا الجدل وهذا وهذا الأمور والكلام في ذات الله عز وجل.
وقالوا ما خاصم ورع قط.
ويقول مسلم بن يسار: الجدل ساعة الشيطان وبها يبتغي زلة العالم.
الناس لم يكونوا يأخذون أديانهم من الجدل، وإنما كانوا يأخذون أديانهم من الكتاب والسنة.
ما في تعال نتناقش ونشوف، هذا ليس في الدين، ما هو كورة تعال نتناقش ونطلع بآخر شي النتيجة نتدين فيها.
لا ما هو صحيح، ما هكذا يؤخذ الدين.
٧١ - وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ».
فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: فِي الْحِكْمَةِ مَكْتُوبٌ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ ضَعْفًا، وَمِنْهُ وَقَارًا.فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صُحُفِكَ؟! لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا!
عمران بن الحصين صحابي، وهذا الصحابي رضوان الله عليه كان من كرامته على الله عز وجل أنه كان يسمع تسليم الملائكة، يسمعهم أم يراهم؟ نعم.
ايه هو عمران اللي كتب عنه عمر.
فقال رجل عنده: في الحكمة مكتوب أن من الحياء ضعف، وأن من الحياء ضعفاً ومنه وقاراً.
فالحكمة يعني الكتب الأوائل.
يقول في الحكمة الحياء مو مو كله زين، لا في شي ضعف وفي شي وقار.
فقال عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك؟ لا أكلمك أبداً.
فهذه شدتهم على من عارض السنة بالرأي.
النبي صلى الله عليه واله وسلم رأى أحد أحد الصحابة يعظ أخاه في الحياء، إنسان يستحي ليش يعني هكذا؟ فقال: "دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير". ويقول عبد الله بن عمر: "الحياء والإيمان قرينان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر". فهذه شدة الصحابة على من خالف السنة.
وعبد الله بن عمر كان على فراش موته رضي الله عنه فقال فسأل عن ذهاب النساء إلى المساجد فقال: لا تمنعوا، قال رسول الله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". فقال أحد أبنائه: والله إنا لنمنعهن.
يقول فسبه عبد الله بن عمر سبا لم نسمعه سبه لأحد.
إذ أنه يعني عارض حديث النبي ﷺ. يعلق ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله يقول: لمثل هذا تضيق صدور العلماء، معارضة السنة بالرأي.
٧٢ - وَذَكَرَ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْحَدِيثَ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَوْ قَرَأْتُمْ سُورَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ حَدِيثِكُمْ.
فَقَالَ عِمْرَانُ: إِنَّكَ لَأَحْمَقُ؛ أَتَجِدُ الصَّلَاةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَسَّرًا، أَتَجِدُ الزَّكَاةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَسَّرًا [١/٦]، إِنَّ الْقُرْآنَ حْكَمَهُ، وَإِنَّ السُّنَّةَ فَسَّرَتْهُ.
نعم هذا أبو الجهل الذي يدعو إلى ترك السنة.
{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. فقال الله عز وجل: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ}. الحكمة السنة إجماعاً.
وقال الله عز وجل: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}. وغير ذلك من الآيات وهذا واضح.
لا يجد الإنسان في القرآن كيف الصلاة مفسرة، يعني هي خمس صلوات ولا أربعة ولا اثنين ولا ثلاث؟ وكم ركعة؟ وكيف يبدأها؟ وكيف ينهيها؟ فهذا دليل على الحاجة للسنة.
كذلك أنصبة الزكاة.
٧٣ - وَقَالَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ أَشْيَاءَ؛ فَقَالَ: «يُوشِكُ رَجُلٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ مَا أَمَرْتُ أَوْ نَهَيْتُ، فَيَقُولُ: دَعُونَا مِنْ هَذَا، مَا نَدْرِي مَا هَذَا، عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَلَا أَعْرِفَنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ».
يوم خيبر أشياء، المتعة والحمر الأهلية.
فقال: "يوشك رجل على أريكته" - يعني هكذا متكئ - "يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول دعونا من هذا ما ندري ما هذا، عليكم بكتاب الله". نعم.
الله عز وجل جعل سنة نبيه ﷺ بالمكان العالي من الدين، وأعلى ذكر نبيه ﷺ قال: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}. قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي.
ففي الأذان وفي التشهد وفي الشهادتين، يذكر النبي ﷺ مع الله عز وجل.
وكما قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: لا نريد بديلاً بكتاب الله عز وجل ولكننا نريد من أفقه منا بالقرآن.
رواه بمعناه زهير ابن حرب في كتاب العلم.
فالآن خذ مثالاً: قد قال الله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}. لو أخذنا بهذا لقطعنا السارق الذي يسرق حبة، ولقطعنا يده من ها هنا.
ولكن جاءت السنة وبينت أن القطع يكون من ها هنا.
وأنه لا يقطع في أقل من ثمن المجن ربع دينار.
ولما عد الله عز وجل المحرمات قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}. ما ذكر الجمع بين المرأة وخالتها والمرأة وعمتها.
وجاءت السنة بذلك وأجمع العلماء على هذا.
ولما ذكر الله عز وجل آيات المواريث {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}. ما قال إن المقتول لا يرث القاتل.
وما قال لا يتوارث أهل الملتين.
هذا من أين جاء؟ من بيان السنة وعليه أجمعت الأمة.
والذي يأتيه حديث رسول الله ﷺ يقول هذا لا يدخل العقل، أو يقول هذا رجس، أو قال هذا يقول هذا خرافة، هذه زندقة.
٧٤ - وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرَأَيْتَ؟ أَرَأَيْتَ؟ فَقَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ؛ إِنَّمَا هِيَ السُّنَنُ.
هذا فعل أرأيت. يكرهون الافتراضات التي تكون بعيدة الوقوع.
إن كان كذا، إن كان كذا.
إن وقعت تعال اسأل.
أبي بن كعب سئل عن مسألة فقال: وقعت؟ قال: لا.
قال: أجمنا حتى تقع.
يقول الشعبي يقول وهؤلاء أصحاب الرأي ظهروا في عصره.
فقال أصحاب أرأيت، لقد بغضوا إلي المسجد، حتى أصبح أبغض إلي من كناسة الدار.
كناس المزبلة.
أصحاب أرأيت أرأيت أرأيت؟ والذي ينظر في كتبهم هذه المصنفة يجد من هذا كثيراً.
٧٥ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا قَضَيْتَ لِي رَأْيًا قَطُّ.
يعني ما أفتيت برأيي قط.
وهذا الشعبي لسعة علمه.
وكان الشعبي أين؟ في الكوفة.
٧٦ - وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمْ أَفْتِ بِرَأْيٍ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
قتادة بن دعامة السدوسي أحد كبار فقهاء التابعين.
الشيباني.
٧٧ - وَقَالَ الْحَسَنُ: شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ شِرَارَ الْمَسَائِلِ؛ لِيُعْمُوا بِهَا عِبَادَ اللَّهِ.
٧٨ - وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِۚ﴾، قَالَ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ: إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ إِذَا قُبِضَ: إِلَى سُنَّتِهِ.
قال: الرد إلى الله إلى كتابه، والرد إلى الرسول إذا قبض إلى سنته.
٧٩ - وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمْرِ مِنكُمۡ﴾، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
هما من أولي الأمر.
لأن أولي الأمر فسروها بالعلماء والأمراء ولا يختلف التفسيران.
وهما كانا رأس العلماء ورأس الأمراء.
٨٠ - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السُّنَّةِ.
فقيه اليمامة أحد الستة الذين عليهم مدار الرواية، يحيى بن أبي كثير. قصده قاضية يعني مفسرة كما ذكرنا في الأمثلة السابقة.
التي وإن كان الإمام أحمد يقول أجبن أن أقول قاضية ولكن مفسرة.
وهذا مروي عن حسان بن عطية التابعي الشامي.
ها هذا هو.
٨١ - وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ: كَانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ.
نعم، السنة وحي.
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾. ذكرنا حديث الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن أبغض البقاع فقال له: "أخبرني جبريل آنفاً أنها الأسواق".
ولما سأله الرجل عن من أحرم وهو عليه طيب، جاءت للنبي ﷺ حالته التي تنزل عليه إذا جاءه الوحي ثم بعد ذلك كلمه بكلامه، وما كلمه بالقرآن.
فالسنة وحي كالقرآن.
٨٢ - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢﴾، قَالَ: لُزُومُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
سعيد بن جبير من تلاميذ ابن عباس رحمه الله تعالى من كبار التابعين والفقهاء.
طيب.
قال: ﴿ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ﴾.
قال: لزوم السنة والجماعة. نعم، هم يفسرون الآية كما ذكر ابن القيم ببعض أفرادها ومعانيها تنبيهاً عليه ولا يعني خروج البقية.
يعني ما هو معناه أن الصلاة والصيام غير داخلة في هذا، ولكن هو ينبه على هذا لهذا المعنى ولهذا الاعتبار.
٨٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: نَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّفَّارُ، قَالَ: نَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ﴾، قَالَ: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
قال حدثنا عبيد الله - عبيد الله هذا المؤلف - قال حدثنا أبو علي إسماعيل ابن محمد الصفار. حدثنا الرمادي - ثقة من طبقة الإمام أحمد - قال حدثنا عبد الرزاق - عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد كبار الأئمة متهم بالتشيع والأول هذا فيه رمي بالوقف - قال حدثنا معمر - أنبأنا معمر بن راشد أبو عروة البصري ثقة فقيه، إلا أن في روايته عن ثابت ضعف - عن قتادة - قتادة بن دعامة السدوسي - في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ﴾.
قال: القرآن والسنة.
وهذا إسناد صحيح إلى قتادة.
ثم ليعلم.
وقال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة إنه نقل إجماع المفسرين على هذا المعنى.
٨٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلَّاءَ الْجَوْزَجَانِيُّ، قَالَ: نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ الشَّيْخُ الصَّالِحُ، قَالَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ: حُسْنُ الرَّأْيِ.
يَعْنِي: السُّنَّةَ.
قال حدثنا أبو عبد الله أحمد ابن علي ابن العلاء الجزائري، حدثنا عبد الوهاب الوراق الشيخ الصالح. هذا من أصحاب الإمام أحمد.
قيل للإمام أحمد: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق. وهذا اللي يحيل عليه أحمد يعني رجل مكانته كبيرة.
قال عبد الوهاب الوراق: رجل صالح مثله يوفق إلى الحق.
قال حدثنا أبو معاوية محمد ابن خازم الضرير. كان مرجئ لكن كان ثقة.
عن الأعمش - الأعمش سليمان ابن مهران الكاهلي أحد أعمدة الرواية هذي الستة الذين عليهم مدار الرواية، حافظ على أهل الكوفة علماً كثيراً فكان له أسانيده إلى أبي هريرة فيروي عن أبي هريرة عن طريق أبي صالح عن أبي هريرة فحمل علم أبي هريرة.
وله أسانيده عن أصحاب ابن مسعود كثير إبراهيم النخعي عن الأسود وعلقمة وغيرهم عن ابن مسعود.
وله أسانيده عن عائشة يروي عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
وحمل علم ابن عباس كان يروي عن ابن عباس عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
فحمل علماً كثيراً حفظ علماً كثيراً على أهل الكوفة رحمه الله.
أيضاً زيد ابن وهب عن عمر، وحمل علم عمر وعلم حذيفة.
هذا الرجل حفظ على الأمة علماً كثيراً أحد الستة الذين عليهم مدار الرواية.
كان أعمى وأعمش وأخلاقه فيها سوء نوعاً ما.
قال عن مجاهد، وهو لم يسمع مجاهد.
قال: أفضل العبادة حسن الرأي.
يعني السنة.
وهذا ذكرناه في المجلس الأول.
أفضل العبادة الاعتقاد السليم، حسن الرأي.
وهذه إسناد قوي لمجاهد.
٨٥ - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَعِيبُ الْجِدَالَ فِي الدِّينِ، وَيَقُولُ: كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ هُوَ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ أَرَدْنَا أَنْ نَتْرُكَ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ ﷺ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وقال إسحاق ابن عيسى الطباع أحد أصحاب مالك قال: سمعت مالك ابن أنس يعيب الجدال في الدين ويقول: كلما جاءنا رجل هو أجدل من رجل أرادنا أن نترك ما جاء به جبريل إلى النبي ﷺ. يعني بجدلهم وكثرة كلامهم يدعونا إلى ترك السنة.
٨٦ - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا أُخِذَ رَجُلٌ بِدْعَةً فَرَاجَعَ [السُّنَّةَ].
وقال ابن سيرين التابعي أيضاً أحد كبار فقهاء التابعين: ما أُخذ رجل ببدعة فراجع السنة.
يعني في الغالب.
٨٧ - وَقَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً؛ إِلَّا أَتَى غَدًا بِمَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ.
يعني من شأن أهل البدعة التقلب والتلون.
فعلاً.
يعني هذا الأثر يهيج الأشجان.
فعلاً تجده يوم ثوري، اليوم تكفيري وثوري يقول لك الرايات في العالم الإسلامي من شرقها إلى غربها كلها علمانية ومش عارف ايش.
بعد سنوات يذهب يزور تونس.
يقول والله وجدت بلد متدين في زمن بن علي، فيه ناس، بلد متدينة على غير ما سمعت، وذهبت إلى الإذاعات ووجدت القرآن ووجدت كذا، يبدو أن المشكلة أزمة تفاهم بين الجماعات الإسلامية والحكومة فقط، وإلا الحكومات وجدت أنها محبة للدين والعودة.
بعد شوية ها؟ جاءت الثورات، قديما الديمقراطية كفر وهذا كفر وهذا الحكم الطاغوتي.
ثم فجأة لابد الشعوب من الديمقراطية لابد من الشعوب.
أحدهم يقول أحدهم يقول هذا خبل كيف نخرج؟ ما عندنا أسلحة ما عندنا كذا هذا خبل.
واليوم هو خارج من منصة رابعة العدوية علي الطلاق لا نحن مجاهدون ومش عارف ايه.
٨٨ - وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: إِذَا غَلَبَ الْهَوَى عَلَى الْقَلْبِ اسْتَحْسَنَ الرَّجُلُ مَا كَانَ يَسْتَقْبِحُهُ.
فالتلون يعني سمة في أهل البدع.
وذلك أنهم يتبعون أهواءهم، وهوى الإنسان يتغير، بحسب حاجاته، بحسب ما يريد الناس حوله.
هو كان يريد أن يجمع الناس اليوم في هذا البلد لما كان الناس لهم توجه بالجهة الفلانية فلما تغيرت تغير توجه الناس هو ذهب إلى الجهة الأخرى.
فعلامة السنة الثبات أن يكون الإنسان كلامه واحداً لكن ليس ثباتاً على الباطل وإنما هو ثبات على الحق.
٨٩ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ مُسْتُورًا حَتَّى يَرَى قُبْحَهُ حَسَناً.
٩٠ - وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا أَشَدَّهُمَا عَلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ﴾، ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۢ بَعِيدٖ ١٧٦﴾.
٩١ - وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لَأَنْ يَكُونَ ابْنِي فَاسِقًا مِنْ الْفُسَّاقِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ هَوًى.
وقال أرطأة ابن المنذر وهذا أحد فقهاء الشاميين: لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إلي من أن يكون صاحب هوى.
إذ البدعة شر الأمور، شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
وإنما الفاسق أمره قريب.
وكما يقول مالك بن دينار: إني من القارئ الفاجر أخوف علي من الفاجر المعلن.
ذاك أبعدهما غورا.
٩٢ - وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: لَأَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّصَارَى فِي بِيَعِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْجُلُوسِ فِي حَلْقَةٍ يَتَخَاصَمُ فِيهَا النَّاسُ فِي دِينِهِمْ.
وقال أبو إسحاق الفزاري: لئن أجلس إلى النصارى في بيعهم أحب إلي من الجلوس في حلقة يتخاصم فيها الناس في دينهم.
نعم.
يقول أنا لا أخشى لو جلست مع النصارى في بيعة - إن كان العرب آنذاك يعني أخذ عمر عليهم العهدة العمرية أن النصارى يستضيفون الناس في بيعهم وهم قاطعون للسفر - فالنصراني هذا لا يلبس علي ديني، ولكن البلاء في هؤلاء الذين يتخاصمون في آيات الله فيضربون آيات الله بعضها البعض فيدخل في قلبه الشك.
٩٣ - وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَأَنْ يَصْحَبَ ابْنِي فَاسِقًا شَاطِرًا سُنِّيًّا؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَصْحَبَ عَابِداً مُبْتَدِعًا.
طبعاً هذا ليس فيه هذا من باب المقارنة وليس فيه تزيين للفسق والفجور.
هذا كما يروى في حديث النبي ﷺ: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات خير من أن يسرق من بيت جاره".
أو كذا.
درهم ربا أكثر من كذا وكذا زنية.
وإن كان الحديث لا يصح فهذا ليس في هذا من باب المقارنة، من باب تقبيح الآخر.
اليوم مثلاً يأتون يقول يجدون النص لشيخ الإسلام يقول الأشاعرة أفضل من المعتزلة.
الله شفتوا الشيخ؟ هذه الموازنات اللي ندعو لها ونستطيع.
أيوا.
لا هو هذا من باب تقبيح أمر الآخر لا أكثر ولا أقل.
هذا من باب تقبيح الآخر.
يقول حسان: فخيركما لشركما فداء.
بالله أبو جهل فيه خير؟ لكن هذه صياغة، ايش؟ هذه هذه الصياغة صيغة التفضيل أسلوب عربي.
والنبي ﷺ يقال فيه شرهما أو شر الدواب.
ولكن هذا أسلوب عربي.
٩٤ - وَقِيلَ لِمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: رَأَيْنَا ابْنَكَ يَلْعَبُ بِالطُّيُورِ! فَقَالَ: حَبَّذَا إِنْ شَغَلَتْهُ عَنْ صُحْبَةِ مُبْتَدِعٍ.
وهذا كان عندهم أمر من خوارم المروءة.
قال: حبذا أن شغلته عن صحبة مبتدع.
٩٥ - وَقَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الشَّابِّ وَالْأَعْجَمِيِّ إِذَا تَنَسَّكَا أَنْ يُوَفَّقَا لِصَاحِبِ سُنَّةٍ يَحْمِلُهُمَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّابَّ وَالْأَعْجَمِيَّ يَأْخُذُ فِيهِمَا مَا سَبَقَ إِلَيْهِمَا.
وقال ابن شوذب التابعي - هذا بصري ما هو تابعي من أتباع التابعين - من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا - يعني إذا تطوعا - أن يوفقا لصاحب السنة يحملهما عليها.
لأن الشاب والأعجمي يأخذ فيهما ما سبق إليهما.
وهذا معناه أنه الشاب والأعجمي وكل ما كان الإنسان أجهل ينبغي أن يحذر وينبه.
خلافاً لمن عكس المسألة، وقال العامي ما يحذر من أهل البدع.
جئنا لأبي الأحوص ونحن غلمة أيفاع فقال إياكم والقصاص فلان.
لا هو قال غير أبو الأحوص هو رجل آخر.
وهنا المحقق ذكر أثراً عن يوسف بن أسباط لطيف.
يقول: من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يؤاخي صاحب السنة يحمله عليها.
كان أبي قدرياً وإخوتي رافضة فأنقذني الله بسفيان الثوري. لا وذكرهم.
وسبحان الله كانت عائلتهم كلش عجيبة.
ايه يعني وهذه يذكر فيها يعني مثل هذه الأمور طرائف طرائف كثيرة هذه العوائل التي تكون فيها ... ورد عن طرفة عن أحد أحفاد عبد القادر الجيلاني اسمه عبد السلام وهذا عبد السلام كان زنديقاً.
فكان أبوه مرة شافه لابس ثوب بخاري، ثوب يسمونه ذاك الوقت بخاري.
فنظر إليه قال أسمع الناس يقولون بخاري ومسلم بخاري ومسلم لأول مرة أرى بخارياً وكافر.
٩٦ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ: إِذَا رَأَيْتَ الشَّابَّ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَارْجُهُ، وَإِذَا رَأَيْتَهُ مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ فَايْأَسْ مِنْهُ، فَإِنَّ الشَّابَّ عَلَى أَوَّلِ نُشُوئِهِ.
نعم، على أول نشوئه.
فاللي ينشأ مثلاً أول ما ينشأ مع جماعة هذولا بلايستيشن ومدري شنو، هذا خطأ، انتهى.
يعني إلا أن يشاء الله.
٩٧ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: إِنَّ الشَّابَّ لَيَنْشَأُ؛ فَإِنْ آثَرَ أَنْ يُجَالِسَ أَهْلَ الْعِلْمِ كَادَ [أَنْ] يَسْلَمَ، وَإِنْ مَالَ إِلَى غَيْرِهِمْ كَادَ [أَنْ] يَعْطَبَ.
يقول أيوب السختياني - أيوب ولا ما أعرف ولا أبو قلابة - رواه أبو نعيم في الحلية قال: لا أضر على الناس من هؤلاء القصاص.
يجلس المرء إلى أحدهم عاماً فلا يتعلم شيئاً من أمر دينه.
يعني أنه يصدون عن العلم ويوهمون الناس أنهم على شيء.
٩٨ - وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: قَالَ لِي يُونُسُ: يَا حَمَّادُ، إِنِّي لَأَرَى الشَّابَّ عَلَى حَالَةٍ مَنْكَرَةٍ فَلَا آيَسُ مِنْ خَيْرِهِ، حَتَّى أَرَاهُ يُصَاحِبُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ؛ فَعِنْدَهَا أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عَطِبَ.
هذا الأثر يصلح رداً على الذي غير وبدل وانتكس من أول يوم توفي فيه شيخه اللي هو محمد إبراهيم شقرا. الذي يعني يقول كيف تنهون الناس عن جماعة التبليغ وهم يحاربون المعاصي وفي ناس لا تصلي وكذا يا أخي ادعوهم أنت، ادعهم أنت على السنة.
فهذا الأثر سبحان الله يعني ينطبق.
٩٩ - وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ عِبَادَةً إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بُعْدًا.
لأنه يتعبد بالهوى.
١٠٠ - وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: الْمُجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ الْهَوَى؛ يَتْصُلُ جُهْدُهُ بِعِذَابِ الْآخِرَةِ.
وقال ابن عون - عبد الله ابن عون ابن أرطبان هذا تلميذ الحسن تلميذ ابن سيرين، كان على درجة من الزهد والورع كاد ينسي الناس الحسن البصري - المجتهد في العبادة مع الهوى يتصل جهده بعذاب الآخرة.
﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾. سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال لا، هذه ليست في الخوارج، الخوارج الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل.
غير أن علياً رضي الله عنه وهو أفقه نزل هذه الآية على الخوارج.
١٠١ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ إِبْلِيسُ لِأَوْلِيَائِهِ: مِنْ أَيْنَ تَأْتُونَ بَنِي آدَمَ؟ فَقَالُوا: [نَأْتِيهِمْ] مِنْ كُلٍّ.
قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِغْفَارِ؟ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لَشَيْءٌ مَا نُطِيقُهُ؛ إِنَّهُْ لَمُقَرَّنُونَ بِالتَّوْحِيدِ.
قَالُوا: لَأُبِثَّنَّ مِنْ بَابٍ لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ.
قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الْأَهْوَاءَ وَالْبِدَعَ.
ذلك أن البدعة لا يتاب منها.
هذا وصل اللهم على محمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فهذا المجلس الثالث من كتاب شرح الإبانة عن أصول الديانة للإمام بن بطة رحمه الله تعالى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُنْبُسَةَ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً إِلَّا غَلَّ صَدْرُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاخْتَلَجَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ.
هذا الأثر معناه مأخوذ من السنة إذ أن النبي ﷺ يقول: "ثلاث لا يغل عليهن صدر امرئ مسلم: عبادة الله وحده، ولزوم الجماعة، والنصح لكل مسلم". لا يغل يعني إذا اجتمعن إذا اجتمعن في الإنسان فإن قلبه لا يكون قابلاً للغل ولا يكون مستقبلاً للغل.
الثلاثة هذه: إخلاص عبادة الله عز وجل وحده، والثانية لزوم الجماعة وضدها الابتداع، الثالثة النصح للمسلمين.
وأهل الابتداع على خلاف من هذا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً؛ إِلَّا سُلِبَ وَرَعُهُ.
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو الإمام الشامي من أتباع التابعين، كان أحد الأئمة الأربعة في عصره: مالك في المدينة وسفيان في الكوفة والأوزاعي في الشام وابن المبارك في خراسان.
والبدعة في نفسها مناقضة للورع إذ أن الورع في تعريف من يعرفه ترك ما قد يضر بالآخرة. والبدعة تشريع مع الله عز وجل وتعرض للمقت والعقاب.
فلهذا الاعتبار كانت منافية للورع منافاة عظيمة.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً؛ إِلَّا تَبَرَّأَ الْإِيمَانُ مِنْهُ.
هذا كمعنى لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن.
هذا في المعصية فكيف بالبدعة وأمرها أشد؟ إذ أن الإسلام مبني على التسليم ولا يقوم الإسلام إلا على قدم التسليم.
والإنسان الذي يبتدع في دين الله عز وجل الذي يحدث.
والبدعة يعني تباين الناس في تعريفها إلا أنها في حقيقة معناها معقولة مفهومة عند الناس.
فأجمع التعاريف ما كانت عبادة على خلاف الكتاب والسنة.
فالمبتدع مشرع مع الله عز وجل، فلهذا الاعتبار يعني يكون قد ارتكب كبيرة هي أخطر من كبيرة الزنا هي أخطر من كبيرة السرقة.
إذ أن هذه الكبائر إنما تعود مفسدتها على بعض الكليات الخمس التي هي دون الدين.
فكبيرة الزنا عائدة على كلية حفظ العرض، مثلاً السرقة عائدة على كلية حفظ المال.
بيد أن الابتداع باب للشرك باب بعيد عن الاتباع، عائد على كلية الدين. على أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان ينتقد حصر هذه الكليات الشرعية بالخمس ويقول هي أكثر من ذلك وأعظم.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَاضِرٍ الْأَزْدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً؛ إِلَّا أَحَدَّ اللَّهُ مِنْهُ الْحَيَاءَ، وَرَكِبَ فِيهِ الْجَفَاءَ.
هذا يعلمونه بالاستقراء.
والحياء كله خير.
تكلمنا عن موضوع الحياء في المجلس السابق فيما أذكر.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَاضِرٍ الْأَزْدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقُلْتُ: أَوْصِنِي.
فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالِاسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ.
هذا معنى الاستقامة.
أن يكون الإنسان متبعاً لا مبتدعاً.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
وهذا الخبر صحيح عن ابن مسعود.
اتبعوا ولا تبتدعوا.
لم؟ قد كفيتم. الله عز وجل أكمل الدين: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾
يقول أبو ذر: لقد مات النبي ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأنبأنا عنه علماً.
فإننا مكفيون بهذه الشريعة السمحة الكاملة.
وكما يروى عن الإمام مالك أنه قال: من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ قد خان الرسالة. وبلاء أهل الابتداع من شعورهم بعدم الكفاية بالشرع.
فالإنسان يلجأ إلى رأيه وإلى قياسه لأنه يعتقد أن النصوص ليست كافية في تحقيق حاجة الخلق فيما يتعلق بحلاله وحرامه.
- ومن الناس من لجأ إلى يعني التصوف وإلى بعض الابتداعات وما سواها، إحساساً منه أنه لا توجد كفاية في الشرع في ترقيق القلوب.
- ومن الناس مثلاً من يلجأ إلى علم الكلام وإلى جدلهم العقلي، شعوراً منه بأن الشرع ليس فيه من الأدلة ما يكفي للرد على الملاحدة وأعداء الدين.
- وكذلك من الناس من يلجأ إلى السياسات الغربية الجائرة شعورا منه أنه لا يوجد في الشرع ما يكفي لتحقيق الرفاهية للناس أو تحقيق الأمن والأمان للناس.
- وممن يسمون بالإسلاميين من يلجأ إلى الحلول الديمقراطية ظناً منه أنه لا يوجد في الشريعة ما يكفي يعني أو الوسيلة السليمة أو المناسبة للوصول إلى دولة الإسلام.
فهؤلاء جميعاً يقال لهم: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم.
فإن قال قائل: أعطني الحل الآن؟ كوني أنا لا أعرفه مثلاً أو كونه لا يوجد حل الآن لا يعني أنه لا يوجد، على أن الحلول موجودة.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾. هذه مسألة المكائد الخارجية.
وأما مسألة الدولة قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فجعل الإيمان الصحيح والعمل الصالح وعبادته سبحانه وتعالى وحده سبباً لوقوع الاستخلاف في الأرض.
ويدل هذا بدلالة المفهوم بدلالة المعنى أنه ما لم تحقق هذه فإن عدوك يسلط عليك، ولا يحصل لك الاستخلاف.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى من حكم الله عز وجل في كونه يعني يجعل الدولة أحياناً لأهل الضلال ولأهل الكفر ولأهل الابتداع قال وإن كان بعض الناس يرى في هذا ضرراً على أهل الإيمان ولا يستشعر الحكمة من هذا الأمر إلا أنه قال في هذا فوائد.
منها أن يلجأ المسلمون إلى الله عز وجل، وأن يصلحوا ما بينهم وبين الله عز وجل.
ولهذا كما ذكر شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية أن المسلمين أصابهم يوم بدر قرح شديد.
قال قد حصل للمسلمين من المنافع بهذا القرح الشيء الكثير.
وفي هذا فوائد.
فلجأوا إلى الله عز وجل وعلموا أن الأمر بتأييد الله عز وجل لا بقدرتهم ولا بقوتهم.
وعلموا أنهم متى خالفوا أمر الله عز وجل تسلط عليهم أعداء الله عز وجل.
ففي أحد كان سبب الهزيمة مخالفة الرماة لأمر النبي ﷺ. فجعل الله عز وجل في ذلك عبرة عظيمة.
وكان ما حصل في أحد عقوبة لما وقع من المسلمين يوم بدر من مفاداة الأسرى.
فكان بقدر ما فادوا بقدر ما مات منهم يوم أحد.
فكان في ذلك حكم باهرة وعظيمة لمن أبصر ونظر.
وهكذا ينبغي على أهل الإيمان في أحوال الامتحان أن ينظروا في سبب ما يحصل لهم وأن يصلحوا ما بينهم وبين الله عز وجل.
فإن الإنسان لا يتسلط عليه بشيء أعظم من ذنوبه.
وكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في كتاب العقوبات لابن أبي الدنيا: قال الحجاج نقمة من الله فلا تستقبلوا عقوبة الله بسيوفكم فتتكلوا فتوكلوا إليه.
هذا الإشكال، في أن ينكر الإنسان وأن يكون قلبه معلقاً بغير الله عز وجل.
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: لَا تُحَدِّثْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي حَدَّثَكَ عَلَى السُّنَّةِ.
طلحة من التابعين في الكوفة.
هذا يعني كان هدي الأوائل كما روى الإمام مسلم في المقدمة في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قالوا: كانوا لا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم.
فإن كان رجل من أهل السنة حملوا عنه الحديث وإن لم يكن كذلك لم يحملوا عنه الحديث.
وهذا دل أن العلم دين وأن التثبت في ابتداء أمره كان ظاهراً في أمر البدعة والسنة.
طيب، قد وقع في كتب الحديث الرواية عن أهل البدع، فهل هذا كان مخالفاً للسنة أو لما عليه أهل السنة؟ لا.
قد كان مربوطاً بضوابط مقيداً بقيود، وليس هكذا مطلقاً.
-
فأول ضابط كانوا يستخدمونه، ألا يكون الإنسان بدعته مكفرة.
ولهذا كانوا يجتنبون الرواية عن الجهمية في الغالب وعن الواقفة.
وأيضاً لا يوجد مثلاً في رواة في كتب الستة من من كان مشهوراً بتكفير الصحابة.
إنما يذكر فلان متشيع وفلان رافضي وفلان يسب.
متشيع في الغالب، أما حتى الذي يسب في الغالب تجدهم يتركونه.
أما التكفير، أما قذف أمهات المؤمنين فهذا لا أظنه كان معروفاً عند الرافضة الأوائل، لأن الرواة الذين رموا بالتشيع في كتب الجرح والتعديل، في عامتهم لا أعلم أحداً يذكر عنه هذا نهائياً.
بل أقصى ما يصلون إليه مسألة الإيمان بالرجعة، رجعة علي.
هذا يعني يكون المنتهى بالنسبة له.
هذا الضابط الأول ألا تكون بدعته مكفرة. -
الثاني: ألا يكون داعية إلى بدعته.
فقد نبه على هذا الضابط شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة، بل ذكر رحمه الله تعالى أن أهل البدع الذين روي عنهم في الكتب الستة لم يكونوا دعاة إلى بدعهم. -
الضابط الثالث: أن يكون عندهم من الحديث ما يحتاج إليه.
وقد نبه على هذا الضابط ابن دقيق العيد في هدي السائلين.
ولعله يستأنس بهذا لأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان ينهى أن يكتب عن أصحاب الرأي.
ولهذا مثلاً رؤوس أهل الرأي لا توجد لهم أحاديث في الكتب الستة عملاً بأمر الإمام أحمد.
سبب أمر الإمام أحمد بعدم الكتابة عنهم، أنهم أصلاً لم يكونوا أهل حديث ولم يكن يحتاج إلى حديثهم.
يعني هم أصلاً اسمهم أهل الرأي فهم أصلاً عالة على أهل الحديث في هذا الباب.
فلما رأى أهل الحديث أنفسهم في غنية عن حديث هؤلاء القوم تركوه أصالة ولم يعودوا يروون عنهم.
حتى سئل الإمام أحمد رحمه الله عن بعض أصحاب أبي حنيفة قال وما يعجبني أن أروي عن أصحاب أبي حنيفة شيئاً.
فقال الإمام أحمد هذه الكلمة فامتثلها جميع أهل الحديث ولا تجد لهؤلاء ذكراً في مشاهير كتب السنة.
وَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ: لَأَنْ أَرَى فِي الْمَسْجِدِ نَارًا تَضْطَرِمُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا تُغَيَّرُ.
أحد التابعين ومذكور بصلاح عظيم.
نعم، النار التي تضطرم ليس بالضرورة أن تكون يعني محادة لله ورسوله وليس بالضرورة أن تكون معصية، ولكن لا يحب أن أن يرى في المسجد بدعة لا تغير.
واليوم الله المستعان يعني كثر الأمر علينا وصرنا كثيراً ما نرى المحدثات والبدع وأموراً.
يعني والعجب حقيقة العجب ليس يعني ممن يحدث أو يبتدع، العجب من ذاك الذي إذا رآك أنكرت البدعة جاء وصب جام غضبه عليك مع موافقته على أن على أنك تنكر أمراً منكراً.
غير أنها مباشرة يبدأ يقول لك لا اترك هذا الآن، هذا ليس من المصلحة، هذا كذا هذا كذا هذا كذا.
وليته وفر هذه الطاقة لإنكار المنكر بالصورة الصحيحة التي هو يراها.
يعني كثير من الناس مثلاً يأتي يناقشك مثلاً بتكفير الرافضة، فلان يكفر الرافضة، ثم يدخل معك في نقاشات، يدخل معك في بحث.
وهذه الطاقة لو وفرها لدعوة هؤلاء الناس إلى توحيد الله عز وجل بما أنه يعترف أن هذه المسألة أصلاً يعني يقع فيها الخلاف بين أهل السنة فكان أولى.
وما دام المبطل يرى من يدافع عنه ومن ينافح عنه فلا فلن يرجع.
وبعض الناس يقول لك اترك هذه لمصلحة الدعوة، اترك هذه لمصلحة الدعوة، اترك هذه لمصلحة الدعوة، ثم بعد ذلك تجد أنه لا يدعو إلى شيء نهائياً.
يعني الشيخ الألباني سُئل وقالوا: يرون أن يعني يعني نحلق لحانا ونسبل إزارنا لمصلحة الدعوة.
الشيخ قال: إذاً أنتم إلى ماذا تدعون؟ اترك هذه المرة وهذه.
ففي النهاية لا تدعو لشيء.
فعلاً يضيعون الإنسان نفسه.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا يَكَادُ اللَّهُ يَأْذَنُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ.
عطاء إذا أطلق فهو عطاء بن أبي رباح المكي.
هذا ورد حديث عن النبي ﷺ أن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة.
وهذا الحديث قال عنه المنذري: منكر.
خلاف المحقق الذي معنا.
أهل البدع نعم يتوبون وهذا في النادر.
لم؟ لأنهم يرون البدعة لأنهم يرون أنهم عليها على خير وطاعة.
ولهذا يعني كان من يرجع منهم أقل القليل.
شيخ الإسلام رحمه الله يعرض بل يرد صراحة على الأهوازي في كتاب مثالب الأشعري.
وهذا الأهوازي ذهب إلى أن المبتدع لا تقبل له توبة مطلقاً.
واحتج بخبر إسرائيلي أن رجلاً من بني إسرائيل أراد أن يشتهر فقال: لأحدثن ولأبتدعن.
فيعني اجتمع عليه الناس وتبيعه.
ثم بعد فترة قال: تبت أنا.
فسأل، فذهب يسأل الله عز وجل: يا رب تب علي، يا رب اغفر لي.
يعني هتف به هاتف: فكيف بمن أضللت؟ هذا الأثر يورده بعض السلف يخوفون من مسألة الدعوة إلى البدعة والضلال، لا يريدون أن المبتدع لا توبة له.
بل هي كبقية الذنوب فيها التوبة.
ولهذا حتى ابن عبد الهادي لما نقل كلام الأهوازي هذا عقبه قال: والصحيح أن المبتدع له توبة.
الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وهذه الآية نزلت في التائبين.
ثم الذين أضلهم؟ قيد علماء أهل السنة في مسألة توبة المبتدع أن لها خصوصية.
قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾.
نزلوها على المبتدع.
ما يصلح أن يكون الإنسان على بدعة معينة يدعو لها ثم يتوب بينه وبين نفسه، بل لابد أن يبين ويوضح.
وكما يقول ميمون ابن مهران في تاريخ دمشق: قال من أخطأ في السر يتوب في السر، ومن أخطأ في العلن يتوب في العلن.
فإن تاب لا يعير.
وهذه ضرورية مهمة، فإن تاب لا يعير.
أي فهذا يعني فهذا هو المراد.
حتى أنه أذكر يعني أبو الحسن الأشعري صاحب مذهب الأشعرية يقولون رجع إلى عقيدة السلف ولم يرجع أو بقي جبرياً.
لكنه يعني ترك الاعتزال في عدد من المسائل.
غير أنه يذكر يقول: صنفت للمعتزلة كتاباً لم يصنف لهم مثله يعني في تاريخهم.
ثم يعني لما تركت الاعتزال عدت على الكتاب ونقضته حرفاً حرفاً، وأسميته رد الأشعري على الأشعري.
فمثل هذا النموذج الذي ربما تكلم عنه الناس.
وإلا فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان على بعض الإشكاليات في العقيدة وهو نفسه يعبر أنه كان يشد الرحال لطلب العلم وفيه بعض الشبه في الصفات الفعلية وكنت على مذهب الآباء والأجداد.
ابن القيم رحمه الله كان على اعتقاد أشعري ثم بعد ذلك تاب الله عز وجل عليه وأكثر الحمد لله.
لكنهم لا يقارنون بالذين بقوا على ضلالتهم.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ أقرَ بِاسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمُحْدَثَةِ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِيَّاكُمْ وَكُلَّ اسْمٍ يُسَمَّى بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ.
يريد بهذه الأسماء المحدثة، هذه الأسماء حرورية مرجئة كذا، هذه الأسماء المحدثة.
قال ميمون ابن مهران: إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام.
ومع ذلك كانوا يتسمون بأهل السنة.
وأيضاً كانوا يتسمون بأهل الحديث.
ثم ظهرت في بعض الأزمنة التسمي باسم السلفية.
"لَا عَيْبَ عَلَى مَنِ اعتزل إِلَى السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا".
وكان الحافظ الذهبي يعني يسمي نفسه أثري سلفي.
وما أنكر عليه أحد لأن الناس في تلك الأزمنة اعتادوا على الانتساب لغير المعصومين، فكيف بالانتساب لمن يعني لمن لا يكون مذهبهم إلا حقاً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومصطلح أو واسم الأثري هذا اشتهر يعني عندهم المشتغلين بالأثر.
فالسخاوي الأشعري في ترجمته دائماً يكتب الأثري.
ويقول العراقي في مقدمة الألفية يقول: راجي رحمة المقتدر، عبد الرحيم بن الحسين الأثري.
فكانوا يحملونه على المشتغل بالأثر.
وأما اليوم فسبحان الله الأمر صار وصل إلى حالة مستفزة نوعاً ما.
إلا أنه يقال فلان السلفي فلان الأثري وهو لا يحفل بالسلف ولا بالأثر ولا يعرف كثيراً من أحوالهم.
فالمسألة ليست مجرد دعوى.
هو نحن نقول فعلاً التسمية لا إشكال فيها ولكن من تسمى باسم ليحرص على أن يحققه لا أن يكون الأمر مجرد دعوى.
سلفي أثري ينبغي أن بين فينة وأخرى أن تعرض أحوالك على أحوال هؤلاء وتنظر يعني ما أصابك من نقص وتحاول أن ترده.
وأما أن تكون على عقيدة أهل السنة في بعض المسائل ثم تأخذ تزكية مراراً وتكراراً، وتبدأ تنزل على نفسك كل الأحاديث وكل الآثار الواردة في السنة والغربة وكذا، هذا غلط، هذا غرور.
يعني ينبغي أن تسعى دائماً في أن تترسم خطى السلف.
يَقُولُ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَمْ يَكُنْ [شَيْءٌ] مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ.
وكفى به بطلاناً أن يكون الأمر هكذا.
كما قال هو نفسه الإمام مالك: ما لم يكن بالأمس ديناً فليس اليوم بدين.
وقال لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
جواب مالك عجيب في هذه المسألة سألوه عن الرجل الذي يذهب ويأتي إلى قبر النبي ﷺ، هذا أمر مشهور اليوم يتبرك به.
فقال مالك: لم أر أحداً من أهل هذه المدينة يفعله، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
هذه العبارة قالها مالك في هذه المسألة.
وإلى يومنا هذا نرى الناس يخالفون في عين هذه المسألة ويعني ويتبعون في هذا الباب الأهواء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
في آخر عهد عثمان ظهرت هذه البدعة، غير أنهم لم يكن مذهبهم قد تبلور وظهر هكذا مذهب خارجي بهذا الوضوح.
بل إنهم كانوا ناس خارجين على عثمان، رأيت؟ وبعضهم يعني كفره.
لم يكونوا قد ظهر مذهبهم في إنكار المسح على الخفين وإنكار كذا وإنكار أن المرأة الحائض لا تقضي الصلاة.
إنما ظهر المذهب وتبلور بشكل تام في زمن علي لما صالح علي معاوية في حادثة التحكيم، فانشقوا من جيش علي اعتراضاً عليه.
وساعة إذٍ ظهرت الخوارج وظهر مذهبهم هذا الذي يعني له اختياراته الفقهية وله نظرته العامة إلى مسائل الدين، وظهر فيهم من ينكر الشفاعة وظهر فيهم إلى آخر مذاهب الخوارج المعروفة وسيأتي الإشارة إلى كثير منها.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ: إِذَا تَسَمَّى الرَّجُلُ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالْحِقْهُ بِأَيِّ دِينٍ شِئْتَ.
يعني هذا الذي يتسمى بغير الإسلام والسنة هذا مباشرة يبدع بهذا الاعتبار.
حتى أن ابن تيمية لما تكلم على مسألة الأسماء والصفات قال: الأشعري الذي يأخذ بما في الإبانة يعد من أهل السنة بشرط أن يترك الانتساب للأشعري.
مع أن اعتقاده سليم لكن اترك الانتساب لهذا الرجل، لأنك في النهاية ستصبح مكثراً لسواد أهل الباطل.
معنى كلام ابن تيمية أنه إن لم يترك الانتساب للأشعري وإن كان اعتقاده سليماً لا يسمى من أهل السنة.
وهذه نكتة دقيقة، ينبغي أن تفهم.
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مُوسَى ﷺ: لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ؛ فَيُحْدِثُوا فِي قَلْبِكَ مَا لَمْ يَكُنْ.
ما لم تستيقن هل يرد مثل هذا في التوراة؟ فله نظير في شرعنا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
والسلف كان لهم فقه في النقل عن أهل الكتاب، كانوا لا ينقلون إلا الأمر اللي في العادة يكون موافق لشرعنا في عمومه.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ» (٨٢٣/٢) فِي بَيَانِ خُطُورَةِ الْمُخَالَطَةِ: مِنْ مُخَالَطَتِهِ الْهَلَكُ كُلُّهُ، وَمُخَالَطَتُهُ بِمَنْزِلَةِ أَكْلِ السُّمِّ؛ فَإِنِ اتَّفَقَ لَآكِلِهِ تِرْيَاقٌ، وَإِلَّا فَأَحْسَنَ اللَّهُ فِيهِ الْعَزَاءَ، وَمَا أَكْثَرَ هَذَا الضَّرْبَ فِي النَّاسِ - لَا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ -، وَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ، الصَّادُّونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الدَّاعُونَ إِلَى خِلَافِهَا، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، فَيَجْعَلُونَ الْبِدْعَةَ سُنَّةً، وَالسُّنَّةَ بِدْعَةً، وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا إِنْ جَرَّدْتَ التَّوْحِيدَ بَيْنَهُمْ، قَالُوا: تَنَقَّصْتَ جَنَابَ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ جَرَّدْتَ الْمُتَابَعَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالُوا: أَهْدَرْتَ الْأَئِمَّةَ الْمَتْبُوعِينَ، وَإِنْ وَصَفْتَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، قَالُوا: أَنْتَ مِنَ الْمُشَبِّهِينَ.
وَإِنْ تَرَكْتَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَاتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ فَأَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَعِنْدَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
فَالْحَزَمُ كُلُّ الْحَزَمِ الْتِمَاسُ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولِهِ بِإِغْضَابِهِمْ، وَأَنْ لَا تَشْتَغِلَ بِإِعْتَابِهِمْ، وَلَا بِاسْتِعْتَابِهِمْ، وَلَا تَبَالِي بِذَمِّهِمْ وَلَا بَعْضِهِمْ، فَإِنَّهُ عَيْنُ كَمَالِكَ كَمَا قَالَ المتنبي: وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ ... فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ.
أي طبعاً.
الله أكبر.
هذه العبارة حتى هو يقولها في النونية.
يا أيها الرجل المريد نجاته ... اسمع مقالة ناصح معوان احفظ كتاب الله والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالفرقان وأضرب بسيف الوجي كل معطل ... ضرب المجاهد فوق كل بنان لا تخشى كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابهم، أتخاف من ذبان
يقول هذا الكلام رحمه الله في زمنه قويت فيه شوكة أهل البدع حتى أنه ابن القيم رحمه الله أوذي وأسيء له على سعة علمه من قبل هؤلاء المبتدعة.
حتى أنه لما كتب كتابه في الفروسية في مسألة فقهية خالف فيها المذاهب الأربعة واختار مذهباً لسعيد ابن المسيب واختياراً لشيخه وأطنب رحمه الله في الاستدلال لهذه المسألة، فما كان منهم إلا أن يعني حاكموه وقاضوه، ويعني جعلوه على صورة يعني مهينة وأركبوه حماراً وسودوا وجهه وفعلوا به الأفاعيل.
وهذا سبحان الله لهم أسوة بسعيد، لما حصل لسعيد بن المسيب في زمن عبد الملك بن مروان.
حتى أنه يروى أن امرأة قالت له: يا شيخ هذا مقام الخزي.
يعني لما رفض البيعة لابني الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك.
قالت له: يا شيخ هذا مقام الخزي.
فقال لها: من الخزي فررنا.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢﴾ [الأعراف].
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَهِيَ جَزَاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أحد فقهاء البصرة من التابعين.
لأنه مبتدع مفتري.
فعممها في جميع أهل البدع لأن الله عز وجل قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ﴾.
والنبي ﷺ قال: "وجعل الذل والصغار على من خالف أمري".
فالعزة مرتبطة بالطاعة لله عز وجل والسنة.
وإن وإن كان صاحبها في الدنيا يعني مستضعفاً إلا أنه فيه عزة الطاعة.
وكما يقول الحسن البصري عن الملوك: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهمجلت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية باق على رقابهم.
وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ ضَلَالَةٍ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ، فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ رَأْيًا - أَوْ قَالَ: قَوْلاً - فَيَنْتَهِي دُونَ السَّيْفِ، وَإِنَّ النِّفَاقَ كَانَ ضُرُوبًا، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ﴾ ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِۖ﴾ ﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ﴾ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ، وَاجْتَمَعُوا فِي الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ.
وَإِنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ.
طبعاً هذا من باب الوعيد وإلا الله عز وجل يغفر ويرحم لمن شاء.
وهذا واقع سبحان الله.
فمثلاً الجهم بن صفوان على أنه كان أشد الناس غلوا في الإرجاء، إلا أنه يرى الإيمان المعرفة، لا يشترط معه أن تتلفظ ولا أن تعمل تروح الجنة في النهاية ومع ذلك مات خارجي.
والذي قتله سالم بن الأحوز وذكر الطبري في تاريخه عبارة له جميلة - قال: إني لا أقتله يعني لأنه خرج ولكني سمعته يقول في الله قولاً منكرا.
وقد أساء أيما إساءة جمال الدين القاسمي صاحب تاريخ الجهمية والمعتزلة حين مدح الجهم فقال أن بني أمية لا يعقل أن يقتلوا الزنادقة، ومدح الجعد بن درهم مدح لا يوجد فيه شيء من القدح.
وهذا غلط وقد أحسن الدكتور محمد خليفة التميمي حين ذكر حوادث كثيرة لبني أمية في قتل زنادقة خرجوا.
كذلك أهل الرأي، فأبو حنيفة كان مرجئا يرى السيف، وابن حزم الظاهري في آخر كتاب مراتب الإجماع نقل الإجماع على الخروج على الحاكم الجائر حتى إجماع النساء في خدورهن.
القاسمي، الرجل كان صوفياً، كان قبوريا، ثم بعد ذلك تأثر بمدرسة الأفغاني ومحمد عبده وتأثر بشيخ الإسلام في باب الأسماء والصفات ثم إنه يعني من كبار المتميعين فيقول يعني الجهمية مجتهدون الكل مجتهدون.
تعليقاته هذه مؤسسة الرسالة ذكروا عدداً من هذه التعليقات السيئة في التعليق على سير أعلام النبلاء.
وكان اعتمد عليه حسن فرحان المالكي في كتاب القراءة في كتب العقائد اعتمد عليه اعتماداً عظيماً.
وكان رد عليه جماعة من الناس يعني مع التحفظ على الأسماء غير رد سفر الحوالي في شرح الطحاوية على كثير من كلامه.
رد الدكتور هذا محمد خليفة التميمي.
أيضاً كتب الشيخ عبد الحميد الجهني رداً جيداً جداً حقيقة على كتاب تاريخ الجهمية والمعتزلة.
وكان يعني نزل في معرض الكتاب لكنه تم إزالته بناءً على قوانين المعرض، أن ما يصير فيه كتب ردود ومش عارف ايش مع أنه يعني رأي ورأي آخر.
وحتى الرجل طبق تميعه في كتابه في التفسير "محاسن التأويل".
تجده ينقل أقوال الزيدية والإباضية كل الناس.
حتى أنه نقل مقالات جماعة من الخوارج في تفسير آية الحكم.
فيقول قال الحاكم كذا.
فبعض الناس يعني لهم هوى في المسألة ظن الحاكم هذا الحاكم النيسابوري.
هو رجل زيدي اسمه حاكم الجُشَمي.
سبحان الله.
إلا أن هذا لا ينافي أن بعض أهل الأهواء لا يرى السيف.
لكن هذا في الغالب يحيى بن معين قال في جرح بعض أهل البدع: كان مرجئاً مع السلطان.
ومثل أبو يوسف صاحب أبي حنيفة كان مع السلطان وكان ينكر السيف، وكان مع السلطان إلى حد يعني غير مقبول شرعاً.
رأيت بارك الله فيك؟ فهذه مسائل لكنهم يعني يحدثون عن غالب الأحوال.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْراً؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.
أولى أن يذكره عن النبي ﷺ المصنف، لأن هذا ورد عن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد مات ميتة جاهلية".
وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ خُصُومَةُ النَّاسِ فِي رَبِّهِمْ.
وهذا النص عجيب، وهذا رواه الدارمي بإسناد صحيح: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم.
محمد ابن الحنفية رجل تابعي ما أدرك خلافات الناس في باب الأسماء والصفات.
ولكن هؤلاء لا إله إلا الله يبدو أن كان عندهم أخبار وعندهم أمور.
محمد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب، سمي بابن الحنفية نسبة إلى أمه تمييزاً له عن الحسن والحسين رضي الله عنهما.
فقال رحمه الله قال: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم.
وهذا الذي وقع سبحانه.
وَيَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَانِ - - وَالْقَدَرِ.
يَعْنِي: فِي قَدَرِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ.
فيخوضوا في هذه الأمور بغير الكتاب والسنة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُوشِكُ أَنْ تَظْهَرَ شَيَاطِينٌ مِمَّا أَوْثَقَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يُفَتِّنُونَ النَّاسَ.
لو ذكر لفظه الذي في صحيح مسلم لكان أولى.
في صحيح مسلم قال: "يوشك أن تخرج شياطين تقرأ على الناس قرآناً تفتن الناس".
وهذا صحيح إلى عبد الله.
وإنك لترى بعض الناس، فتقول لعله شيطان.
وكل من صد عن الطاعة وعن العبادة وعن الخير يسمى شيطاناً وإن لم يكن جنياً.
فالنبي ﷺ قال في الذي يمر من أمام المصلي: "فإنه شيطان".
أو قال: "فإن معه شيطان".
وَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: يَا أَيُّوبُ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعًا: أ - لَا تَقُلْ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِكَ. ب - وَإِيَّاكَ وَالْقَدَرَ. **ج - وَإِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمْسِكْ.د - وَلَا تُمَكِّنْ أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ مِنْ سَمْعِكَ؛ فَيُنْفِذُوا فِيهِ مَا شَاءُوا.
لَا تَقُلْ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِكَ.
- ذكرنا هذا لماذا؟ لأن التفسير رواية عن الله -**.
وهذه وصية مروية عن ميمون بن مهران أيضاً.
فلا تخض في أمر الفتنة بين الصحابة وليكن قلبك طاهراً نقياً تجاه صحابة النبي ﷺ، فإن الله عز وجل أمرك بالاستغفار لهم مع علمه سبحانه أنه سيقع منهم ما يقع كما ورد في الأثر عن ابن عباس.
والنبي ﷺ يقول: "فر من المجذوم فرارك من الأسد".
وهذا لعله يعني حسية.
فما بالك بالإنسان أن يكون في قلبه من الشبهات.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي قَوْلِهِ عز وجل: {وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ} [المائدة: ٦٤] قَالَ: هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ.
نعم، البدعة هي التي تلقي العداوة والبغضاء.
لم؟ بعض الناس يبتدع ويحدث ليجمع الناس، ويجازى بعكس المقصود.
وهذا فعله اليهود والنصارى قديماً.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.
نسوا يعني تركوه، تركوه ايش؟ بدافع الاجتماع.
فما الذي حصل؟ ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾.
ومثلهم أهل الأهواء.
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: الْخُصُومَاتُ فِي الدِّينِ تُمْحِقُ الْأَعْمَالَ.
والده قرة بن إياس المزني صحابي.
وقال يوسف بن أسباط النظر إلى صاحب البدعة يطفئ نور الحق من القلب.
هذا الذي كان جميع أهله أهل بدعة وأنقذه الله بسفيان الثوري
من الناس من ينظر فيقول: لم هذا؟ ولما هذه الشدة؟ على أصحاب البدع.
أليس هذا من الظلم؟ أما أن ترك هذا هو الظلم.
لم؟
أولاً من الظلم للسني الذي قهر هواه واتبع الأثر أن يعامل هو والمبتدع شيء واحد.
كما أنه من الظلم للمسلم الذي وحد الله عز وجل واتقاه أن يعامل هو والكافر شيء واحد.
ثم إن هذه العقوبات كما ذكرنا بمنزلة الأدوية.
فهؤلاء كانوا ينظرون لصاحب البدعة هذا الذي يحاد الله؟! هذا الذي يشرع مع الله؟! فيغضبون لذلك.
لم يكن الأمر كما يعني وقع في نفوس كثير من الناس أن ينظر للناس على أن الأصل فيهم أنهم متأولون وأنهم أخطأوا برأيهم.
لا، غير أن الأصل في الناس أنهم مقصرون في قبول الحق، أو أصحاب هوى.
لم؟ لأن الله عز وجل بين الحق أتم بيان.
وهذا معنى المروي عن عمر "ولا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى".
فالله عز وجل أنزل عليه القرآن يسره للذكر وجعله تبياناً لكل شيء وجعله نوراً وشفاء.
ثم جعل النبي ﷺ مبيناً لهذا بأفعاله وأحواله وأقواله.
ثم اصطفى لنبيه ﷺ أصحاباً هؤلاء عملوا كما ينبغي.
ثم بعد ذلك من الله عز وجل علينا بثلاثة قرون فاضلة كلها على هذه الأحوال.
ثم من الله عز وجل علينا بأئمة أخيار جمعوا أحوال هؤلاء كلهم في كتب صغيرة أو مطولة.
حتى الإنسان لما يركب الضلالة خصوصاً في هذه الأزمنة ينبغي أن يعرف أن اليوم العذر صار أبعد بعد انتشار وسائل الإعلام.
ثم أنك انتبه إلى أن هذه البدع كلها مناقضة للفطرة، مناقضة للحق الذي أودعه الله عز وجل في قلبك.
فالنظرة التي ينظرها الناس كلما ظهر مبطل نظرنا له على أنه متأول... عامة أهل الأهواء تراه يجتهد في الاستدلال لبدعته.
فالذي أوقفه على أدلة بدعته وهي ضعيفة، لا شك أنه وقف على أدلة الحق من السنة.
ثم إن كل إيراد يورده المبطلون على الحق يرد على قوله من باب أولى.
فمثلاً يأتي نصراني يريد أن يطعن في نبوة النبي ﷺ، كل ما يورده أنت أورده على نبوة المسيح نفسه أو على نبوة بولس فيظهر لك أنها صاحب هوى.
مثلاً يأتي رافضي يريد أن يطعن في فضل أبي بكر الصديق، كل طعن يريد أن يطعنه في الإمام الصديق نزله على علي، حاول أن تطعن فيه قل له، وإذا قلنا في علي مثل ذلك ستجد الطعن يأتي أقوى.
الآن بعض الناس مثلاً إذا أتيته بدليل يخالف هواه قال لك هذا ليس واضحاً.
ثم بعد ذلك يأتيك بأعجوبة من الأعاجيب.
يعني الآن مثلاً من العجائب أن كثيراً ممن يدعون إلى الديمقراطية والاحتكام للصناديق، يعتبرون رأي الكثرة صح ولا لا؟ ثم تجده هو يشذ عن عموم المسلمين بمسائل عدة.
بناءً على مقاييس الديمقراطية ينبغي أن يفرض على الناس رأي الأغلبية وأنت رأيك احتفظ به لنفسك يا أخي.
خصوصاً إذا كان هذا الرأي إجماع قديم.
وقال بشر بن الحارث الحافي: إِذَا كَانَ طَرِيقُكَ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَعَمِّضْ عَيْنَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ إِلَيْهِ.
هنا أفاد المحقق ذكر المصنف رحمه الله في إبانته الكبرى حديث النبي ﷺ: "من سمع منكم بخروج الدجال فلينأ عنه ما استطاع فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه لما يرى من الشبهات".
قَالَ ابْنُ بَطَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي «الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى» (٥٠٧) مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحْمِلَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ حُسْنُ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَمَا عَهِدَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ بصحة مذهبه عَلَى الْمُخَاطَرَةِ بِدِينِهِ فِي مُجَالَسَةِ بَعْضِ أَهْلِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ، فَيَقُولُ: أَدَاخِلُهُ لِأُنَاظِرَهُ، أَوْ لِأَسْتَخْرِجَ مِنْهُ مَذْهَبَهُ؛ فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الدَّجَّالِ، وَكَلَامُهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْجَرَبِ، وَأَحْرَقُ لِلْقُلُوبِ مِنَ اللَّهَبِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ كَانُوا يَلْعَنُونَهُمْ، وَيُسَبُّونَهُمْ، فَجَالَسُوهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَمَا زَالَتْ بِهِمُ الْمَبَاسَطَةُ وَخَفِيُّ الْمَكْرِ، وَدَقِيقُ الْكُفْرِ حَتَّى صَارُوا إِلَيْهِمْ.
وقال أبو العباس الخطاب: إذا خرجت من بيتك فأتيت صاحب بدعة فأرجع فإن الشيطان محيطة به.
هذه يحملونها على التغليظ والخوف على الدين.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: إِيَّاكُمْ وَالْجِدَالَ؛ فَإِنَّهَا سَاعَةُ جَهْلِ الْعَالِمِ، وَفِيهَا يَبْتَغِي الشَّيْطَانُ زَلَّتَهُ.
رواه الإمام أحمد بسند صحيح في الزهد.
فإن الإنسان إذا خالط الجدال وأكثر لا يأمن أن يتقول على الله عز وجل ليفحم من مقابله، ولا يأمن من داعي الهوى وطائلة الشيطان.
والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
هذا لأهل الكتاب ولمن فقه من نفسه أنه يعني على ثبت، ويناظر على ثبت وعلى شيء يعني أنه مأذون به وحسن.
وأما من كان هذا ديدنه فإنه سبحان الله لا يأمن أن تزل قدمه أو أن يغضب غضباً هذا حتى في باب المعاشرة بين الإخوة كثرة الجدل وكثرة المراء مدعاة للخصومة ومدعاة للفرقة وحصول الجفاء بين الناس.
حتى أن بعض السلف قال: لا تماري جاهلاً ولا عالماً.
قال: فإن ماريت جاهلاً جهل عليك وإن ماريت عالماً غضب عليك و... منك إيمانك.
ويفرقون بين المراء والجدل، أن المراء ما كان لقصد الغلبة والجدل ما كان لقصد إظهار الحق.
غير أن الإنسان في حقيقة الأمر لا يأمن أن تتحول نيته في منتصف الطريق.
حتى أن الذين يجيزون المناظرات كالشافعية كأكل الميتة، إنما تكون لماذا؟
- تكون أولاً المرجعية فيها معروفةً معلومةً عند الخصم والمستمعين.
- ثانياً استحب كثيرون أن يكون هناك حكم، بحيث لا يجحد أحد ولا ينكر.
- ثالثاً أن تعرف من مخاصمك أنه يطلب الحق.
وهذه نص عليها ابن سيرين.
قال: إذا رأيت الرجل تعرف أنه يطلب الحق لا يجادل ولا يمارى فقط.
يعني كثير من الناس دينه أرق من الثوب، فقط يريد أن يظهر نفسه، وبعضهم يستهين بالأمر والنهي.
فيظن المسألة تشبه أي مسألة فيها رأي.
فيقول لا نتناقش والله يا أخي أنا أراك هكذا.
يقول الشافعي: ما ناظرت جاهلاً إلا وغلبني.
يعني مثلاً شخص تجيب له حديث في البخاري وهو جاهل بالبخاري يقول لا.
ايه ايه طيب هذا ايش؟ ايش ترد عليه؟ جاهل.
ممكن يأتي شخص لا يفهم شيئاً يقول والله ولا بشيء أسكته أسكته.
سبحان الله.
يعني ممكن يعني يقول لك كلمتين فتبهت.
ما تعرف ايش ترد عليه.
وكثير من البدع كان مبدأها الجدل والمناظرة.
فيقول الرجل كلمة فيثقل عليه أن يرجع عنها، فيجعلها ويبدأ يحاول أن ينتصر له.
كما ذكرنا أن المرجئة مبدأهم الخصومات.
والواحد إذا أكثر الجدال يوشك أن ينكر حتى ما عند المخالف من الحق، ويوشك أن يعاكسهم معاكسة يعني معاكسة المرجئة للخوارج أو معاكسة المشبهة للجهمية، معاكسة الناصبة للرافضة.
هذه بدع متقابلة.
كما ترى مما فعل النواصب لما قالوا يوم عاشوراء يوم فرح وسرور، لما رأوا الرافضة يحزنون فقالوا هذا يوم فرح ويوم توسعة على الأبناء ومش عارف ايش.
والأحاديث الواردة في التوسعة هذا من وضع النواصب.
ما له أصل.
يعني مثلاً ظهرت الرافضة تسب يزيد بن معاوية فظهر مجموعة غلوا في يزيد بن معاوية.
ثم ظهر حتى عبدوه وعبدوا الشيطان.
وكان بادئ الأمر هكذا بل كان من مقالات الفرقة الطائفة اليزيدية أنهم يرون أن من يسب الصحابة لا توبة له، الرافضي لا توبة له نهائياً.
فكان شيخ الإسلام ابن تيمية كتب لهم رسالة الوصية الصغرى ناصحاً لهم فيها على هذه الأحوال يعني المنكرة التي وردت عنهم.
وقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَا يَقْبَلُ لَهُ لَا صَوْمٌ، وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا حَجٌّ، وَلَا عُمْرَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا جِهَادٌ، وَلَا صَرْفٌ، وَلَا عَدْلٌ.
تكلمنا على معنى هذا الأثر أنهم حملوه على أن هذا سيكفر.
وبعضهم حملها على عين العبادة نفسها التي فيها إحداث وابتداع.
ومنهم من قال: لا يستبعد أن تكون البدع محبطة لجميع هذه الأعمال خصوصاً إذا كان في أصل المعتقد.
إذ أن هناك معاصٍ عديدة تحبط الأعمال كما قالت عائشة في زيد ابن أرقم لما بلغها أنه باع بالعينة قالت: لقد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب.
فقال النبي ﷺ: ﴿من ترك صلاة العصر فقد أحبط عمله﴾.
وقال الله عز وجل: ﴿أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشۡعُرُونَ﴾.
هذا في الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي.
والمبتدع لا شك أنه رافع صوته فوق صوت النبي ﷺ.
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضاً سَرِيعاً، فَنَعْشُ الْعِلْمِ: ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَذَهَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ: ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ.
محمد بن شهاب بن عبيد الله الزهري من العلماء المعروفين في زمن التابعين وكان فقيها عند بني أمية وهو ثقة ثبت حفظ على الأمة علما كثيرا وأحاديث وأخبار كثيرة في السنة.
"إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً".
الحديث المعروف.
قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ؛ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ.
وهذا واضح من أحوال أهل الكلام وواضح من أحوال الذين نراهم أصحاب النقاشات.
ولاحظ هذا اعتبره في حال الساسة الذين كل يوم لهم مذهب وكل يوم لهم قول.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْخُصُومَاتِ؛ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ.
محمد بن علي بن الحسين الباقر أحد التابعين.
هذا المعنى نقل الطبري عليه الاتفاق.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْحَارِثِ: لَا تَظْهَرُ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ.
هذا مختلف في صحبته والراجح أنه صحابي.
نعم.
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وقال عبد الله بن مسعود قال: كيف بكم إذا لبستكم الفتن - البدع - فنشأ فيها الصغير وهرم فيها الكبير حتى إذا غيرت قالوا غيرت السنة؟
وعمر ابن عبد العزيز لما ولي الخلافة كان لا يعرف أوقات الصلاة على وقتها الصحيح، كان المشهور عن بني أمية إماتة الصلاة وتأخيرها عن وقتها.
فلما جاءه عروة يحدثه بأوقات الصلاة قال انظر ما تحدث يا عروة، كيف أنت تقول هذا؟ ها؟ وبعد فترة بعد زمن مروان ابن الحكم، كان في وقت عمر أيضاً لما أرجع خطبة العيد خطبة العيد بعد الصلاة، خرج الناس وهم يقولون غيرت السنة غيرت السنة، كيف هذا؟ انظر هذا في زمن التابعين.
حتى أن يعني إبراهيم ابن القيم له رسالة في سنة الجمعة القبلية، فكان احتج عليها المخالف بفعل الناس المشهور عند الناس، فقال له: نحن نراهم يجتمعون على القراءة بالألحان وعلى زيارة القبور، وعلى القراءة عند المقابر وعلى كذا وكذا وكذا، قال أمور كثيرة جداً، قال نراهم يتواطؤون عليها.
سبحان الله.
حتى أنك إذا أنكرت كانك أنكرت سنة.
وغضبوا عليك يمكن أكثر من لو أنكرت شيئاً من الدين الصحيح.
فترفع السنة وتحل محلها البدعة.
هذا من أنكد الأمور لقلب الإنسان.
أبو إدريس الخولاني مر معنا ايش يقول؟ لأن أرى ناراً تضطرم، أحب إلي من بدعة لا تغير.
فكيف إذا رأى هجراناً للسنة وإقبالاً على البدعة، ثم إذا أنكرت البدعة غضبوا عليك واشتدوا فكيف هذا؟ وما أدرك هذه الأيام، أتأتوننا بدين جديد وتأتوننا بكذا.
يعني حتى أن ربيعة، ربيعة الرأي كان جالساً مرة وكان عنده رجل من أهل البيت والله نسيت كان الحسن بن الحسن أو عبد الله بن الحسن، فذكروا حديثاً فقال رجل: ليس عليه عمل الناس.
فقال له عبد الله ابن الحسن أو الحسن ابن الحسن، قال له: أرأيت يعني إن ذهب العلماء وصار أكثر الناس هم الجهال؟ أيصيرون حكماً على سنة النبي ﷺ؟ ففرح ربيعة بهذه الكلمة قال: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء.
طبعاً أنا يعني لا أريد أن أكدر عليكم الكتاب بالكلام بالصحة والضعف، لأن كل المتون يعني سليمة المعنى.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا كَانَ الرَّجُلُ مَعَ الْأَثَرِ فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ.
وغيره قال: كانوا يرون أنه على الطريق ما دام على الأثر.
الأثر ما يريدون به؟ يريدون به سنة النبي ﷺ وما كان عليه الصحابة كما نص عليه عدد منهم.
ما دام الإنسان على الأثر على أثر المتقدمين على أثر السالفين فهو على الطريق، ومن ادعي غير ذلك فهو مفتون.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ [النَّخَعِيُّ]: لَوْ بَلَغَنِي عَنْهُمْ - يَعْنِي: الصَّحَابَةَ - أَنَّهُمْ لَمْ يُجَاوِزُوا بِالْوُضُوءِ ظُفْرًا مَا جَاوَزْتُ بِهِ، وَكَفَى بك عَلَى قَوْمٍ إِزْرَاءً أَنْ تُخَالِفَ أَعْمَالُهُمْ.
وهذا أثر عجيب في شدة الإتباع.
يعني أين هذا الكلام؟ لمن يقول مثلاً آثار الصحابة ليست حجة في العقيدة أو لا تذكر على وجه الإلزام؟ هذا غريب، شيء عجيب كأنه الناس يعني جدد على السلف.
وكفى على قوم إزراءً أن تخالف أعمالهم.
يعني السلف هذا يجرحون شخصاً وتأتي أنت وتعدله، ترى أنت تزري بهم من حيث لا تشعر ولست ساعة إذ على الأثر.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنَّمَا أَقْتَفِي الْأَثَرَ؛ فَمَا وَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ.
شريح قاضي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
ابن مسعود يقف على المنبر يعلم الناس كيف موضوع القضاء فيقول: عليكم بقضاء النبي ﷺ وما قضى به الصالحون.
صحابة النبي.
فإن لم تجدوا فاجتهدوا.
قبل هذا لا تنظر ولا تجتهد برأيك.
عبد الله ابن عباس، فقه عبد الله ابن عباس، روى البيهقي في السنن الكبرى أنه كان إذا جاءته قضية نظر في الكتاب، فإن لم يجد نظر في السنة، فإن لم يجد نظر في قضاء أبي بكْرٍ وَعُمَرَ، فإن لم يجد اجتهد رأيه.
وروى عنه ابن سعد أنه قال: إذا جاءنا قضاء علي أخذنا به.
هو صحابي وهكذا ينظر، وهذه نظرته إلى علي، هو صحابي وهو ابن عم علي وهو رجل يعني طلب العلم وأطال في ذلك وبرز على أقرانه في مسائل العلم، ابن عباس وكان من كبار فقهاء الصحابة وكان يصيب أحياناً أموراً قد يخطئ فيها علي رضي الله عنه.
وهذه نظرته للصحابي وهو صحابي.
فكيف نحن؟
وذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عدد من التابعين كالقاسم والحسن وغيرهم، لما سئلوا عن الرأي قالوا: رأينا لهم خير من رأيهم لأنفسهم.
فما بالك بالصحابة؟ صحابي من صحابة النبي ﷺ. ويعلق مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول: غير القرآن تريدون؟ إنما نريد من هو أعلم منا بالقرآن.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ولدت قبل الاعتزال.
يعني هذا المذهب ظهر للتو؟ أنا أقدم منهم فكيف أنا آخذ به؟
فكيف أقول بِدِينٍ أَنَا وُلِدْتُ قَبْلَهُ؟
وقال الشعبي: كنت ولا رفض في الدنيا.
وَذَكَرَ الْقَدَرَ عِنْدَ مُجَاهِدٍ؛ فَقَالَ: كَفَرْتُ بِدِينٍ وُلِدْتُ قَبْلَهُ.
الآن يعطيك سمة بارزة لتمييز البدعة.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: قِيلَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ: عَلَى أَيِّ دِينٍ تَمُوتُ؟ فَقَالَ: عَلَى دِينِ ابْنِ أَبِي غُمَارَةَ، - وَكَانَ رَجُلًا يَتَوَلَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ -. قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَدَعُ دِينَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ، وَيَمُوتُ عَلَى دِينِ أَبِي غُمَارَةَ؟!
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّازِيِّ الْكَفِّيُّ، قَالَ: نَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَا عَلَى مِلَّةِ عُثْمَانَ؛ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا اجْتَمَعَ رَجُلَانِ يَتَخَاصَمَانِ فِي الدِّينِ، فَافْتَرَقَا حَتَّى يَفْتَرِيَا عَلَى اللَّهِ عز وجل.
أو يفتري أحدهما إذا دخل المراء.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَا خَاصَمْتُ قَطُّ.
وقَالَ مُعَاذٌ: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِشُذُوذِهِ.
والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك كما يقول ابن مسعود.
فَقَالَ مُصْعَبٌ: لَا تُجَالِسْ مَفْتُونًا فَإِنَّهُ لَنْ يُخْطِئَكَ إِلَّا بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَفْتِنَكَ فَتُتَابِعَهُ، أَوْ يُؤْذِيَكَ قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَهُ.
هذا مصعب بن سعد بن أبي وقاص.
هذا كصاحب المسك أو كير الحداد.
كما ورد في الحديث عن النبي ﷺ. ايش قال في جليس السوء؟ مثل نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو يؤذيك بريحه.
وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ.
وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: دَخَلْتُ مَعَ طَاوُوسٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ طَاوُوسٌ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، مَا تَقُولُ فِي الَّذِينَ يَرُدُّونَ الْقَدَرَ؟ قَالَ: أَرُونِي بَعْضَهُمْ.
قُلْنَا: صَانِعٌ مَاذَا؟ قَالَ: إِذًا أَجْعَلُ يَدِي فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ أَدُقُّ عُنُقَهُ حَتَّى أَقْتُلَهُ.
أبو الزبير المكي.
طبعاً القدرية على أنواع.
منهم القدرية الأوائل الذين ينفون علم الله عز وجل السابق.
اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر أن الله عز وجل علم الأمور ثم كتبها ثم سبحانه وتعالى شاء أن تقع ثم خلقها سبحانه وتعالى.
هذه المراتب الأربعة.
- المرتبة الأولى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
- أن الله كتب المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
- ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
- ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
هذه الله عز وجل له إرادتان، إرادة شرعية وإرادة كونية.
- الإرادة الكونية: هي التي ترادف المشيئة وهي التي لابد أن تقع، ولا تستلزم المحبة.
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾.
أراد الضلالة، هذه إرادة ايش؟ كونية، هذه لابد أن تقع ولا ولا تتلازم مع المحبة والرضا. - ولله عز وجل إرادة شرعية: هذه تستلزم المحبة والرضا ولا تستلزم الوقوع.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾.
هل كل الناس يتوبون؟
الذين لم يفرقوا ضلوا.
فمثلاً الأشاعرة الجبرية ما الذي يقولونه؟ يقولون إن الله يحب كل شيء يقع، حتى الكفر، حتى الفسوق.
الله لا يحب الكفر لعباده.
لخلطهم بين الإرادتين.
وأما القدرية فقالوا: لا، الله لا يريد إلا ما يحب.
فكل المعاصي التي تقع الله ما أرادها.
فانتشر القول بالقدرية في السلف لأنه أقرب إلى نفي الجبر عن العباد والاتكال على الله.
والجبرية انتشرت في المتأخرين لأنه أقرب إلى التواكل والدعة والكسل حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية: يقول منهم من هو قدري في فعل الطاعة، معجب بنفسه، إذا فعل الطاعة قال هذا الحمد لله نحن نصلي ونصوم، ينسبها لنفسه ولا يرد الفضل إلى الله.
وإذا فعل معصية قال قدر الله علي.
وقاعدة أهل السنة والجماعة أن القدر يحتج به على المصائب لا المعايب، فإذا وقعت عليك مصيبة قل قدر الله وما شاء فعل.
وأما إذا وقعت معصية استغفر الله.
أما أن تحتج بالقدر على معصية مبارزة لله عز وجل كحجة إبليس قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾.
قال ربي بما أغويتني.
فمن قلة أدبه نسب الأمر إلى الله عز وجل.
أما مثلاً الجن لما قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ﴾.
شراً أريد؟ ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
وآدم لما سأل، قال له موسى: أخرجتنا من الجنة وكذا وكذا.
قال له، قال له ﷺ: قال أتعاتبني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلق الخلق؟ قال فحج آدم موسى، حج آدم موسى.
هل احتج بالقدر على المعصية؟ لا، لأن الذنب تاب منه.
وإنما يعاتبه على المصيبة.
فآدم احتج بالقدر على المصيبة.
وهذا عقيدة أهل السنة.
القدر يحتج به على المصائب ولا يحتج به على المعايب.
والذي يحتج به على المعايب هذا مبتدع.
والذي يحتج بالمعاصي على القدر بالقدر على المعاصي هذا مبارز لله عز وجل ويقال له: يلزمك ألا تنكر على أحد شيئاً، فلو جاء شخص سرق مالك اتركه بقدر الله.
مثل السارق الذي قال لعمر يعني لا تقطعني، إنما سرقت بقدر الله.
قال ونحن نقطعها بقدر الله.
فقط أنت تعصي الله عز وجل وتقول بقدر الله ولا تلمني؟
وانحرف جماعة من الصوفية انحرافاً عظيماً وهؤلاء ما زالوا موجودين.
قالوا كل شيء الله يحبه.
نحن نحب أي شيء يخلقه الله، ما دام خلقه فهو يحبه - بناءً على مذهب الجبرية - ونحن نحبه لحب الله.
وهذا باطل.
وكان شيخ الإسلام ينكر عليهم.
الله عز وجل يبغض أمورا يجب عليك أن تبغضها.
وبعضهم مثلاً يرى أن الله عز وجل جميل يحب الجمال فينظر إلى صور الفاجرات وكذا يقول يا أخي والله جميل يحب الجمال.
يا أخي الله جميل يحب الجمال ما لم يكدر هذا الجمال ما يظهره، ما ترتب عليه من مفسدة داعية البغض فيه إلى ما هو أعظم.
هذا ملخص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهذه ملخص اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر.
ظهرت البدعة القدرية في زمن الصحابة، فكيف تعاملوا؟ ابن عمر تبرأ منهم.
ابن عباس يهدد بقتلهم.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَاۚ﴾ [الأنعام: ٦٨]، قَالَ: يَكْذِبُونَ بِآيَاتِنَا.
ما من ضال إلا وهو يكذب ببعض القرآن.
فمثلاً الجهمي كذب بآيات الصفات، هذه حقيقة أمره، وإن كان يدعي أنه يؤولها.
القدرية كذبوا بآيات القدر والجبرية بالآيات التي تثبت للعبد المشيئة والقدرة.
وهكذا المرجئة كذبوا بالآيات التي تدل أن العمل داخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص.
والخارجي يكفر بالآيات أو يكذب بالآيات التي تدل أن عصاة المسلمين يدخلون الجنة.
والرافضي يكذب بالآيات الواردة في فضل صحابة النبي ﷺ وأزواجه.
بل سبحان الله يذكر ابن القيم قاعدة أنه ما من مبتدع صاحب هوى إلا وهو يبغض النصوص التي تخالف بدعته ويود لو أن النبي ﷺ ما قالها.
قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.
حتى يذكر الآجري عن الجهم أنه قال: لو كان لي يد لحككتها.
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.
وهذا نفس الموضوع في الناس الذين يعني عندهم موقف من بعض آثار السلف، يود لو أن السلف ما قالوها ولا فعلوها.
وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُبْتَدِعٍ عَمَلاً يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ أَبَدًا؛ لَا صَلَاةً، وَلَا صِيَاماً، وَلَا زَكَاةً، وَلَا حَجًّا، وَلَا جِهَاداً، وَلَا عُمْرَةً، وَلَا صَدَقَةً.
حَتَّى ذَكَرَ أَنْوَاعًا مِنَ الْبِرِّ.
وَقَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ أَحَدِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ سَفَرًا هَاهُنَا، فَأَخَذَ هَاهُنَا فَهَلْ يَزْدَادُ مِنْ وِجْهِهِ الَّذِي أَرَادَهُ إِلَّا بُعْدًا؟! فَكَذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ إِذْ لَا يَزْدَادُ بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عز وجل إِلَّا بُعْدًا.
هذا مثل جميل.
أنت أردت الآن سفر، هذه نية أو سفر إلى الله.
هذا الآن النية.
الله عز وجل جعل لك طريقاً، أنت أخذت طريقاً آخر، لن تقترب، ماذا يحصل؟ لن تزداد إلا بعداً.
لن تنجح، يعني لن تسير قدماً.
البدعة لا تقرب إلى الله عز وجل نهائياً.
فهذا مثل جميل.
قَالَ مُرَّةُ الطَّيِّبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَفِۡٔدَتُهُمۡ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، قَالَ: مُنْخرقَةٌ عَنِ الْحَقِّ، لَا تَعِي شَيْئًا.
﴿وَأَفِۡٔدَتُهُمۡ هَوَآءٌ﴾ يعني صعدت من أماكنها إلى الحناجر وبقي مكانها هواء.
قال منخرقة عن الحق لا تعي شيئاً.
وقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ، أَيُّهَا أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ آخُذَ بِرَأْيِكَ.
فَقَالَ: مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ؛ وَمَا هِيَ إِلَّا زِينَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ.
ما فيها خير نهائياً؟ النبي ﷺ ذكر له امرأة تصوم وتصلي وتؤذي جيرانها.
قال: "لا خير فيها".
هذا أسلوب عربي.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: [نعمتَانَ] لله عَلِيٌّ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ - أَوْ قَالَ: أَعْظَمُ -؛ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَالْأُخْرَى: أَنْ عَصَمَنِي مِنَ الرَّافِضَةِ، وَالْحَرُورِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْأَهْوَاءِ.
أبو العالية الرفيع بن مهران الرياحي.
هذا تابعي مخضرم أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأدرك ما كان عليه الصحابة.
ثم بعد ذلك بدأ يدرك انخرام الأمر هذا وكيف الناس تذهب يمنى ويسرى، فيحمد الله عز وجل.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ شَقِيقٍ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ ذَاكَ الْجَهْمِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: إِذَا خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي فَلَا تَعُدْ إِلَيَّ.
قَالَ الرَّجُلُ: فَأَنَا تَائِبٌ.
قَالَ: لَا، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ تَوْبَتِكَ مِثْلُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ بِدْعَتِكَ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾.
والأصل قصة عمر مع صبيغ.
وهذا له أصل فالزاني يجلد عاماً حتى يعني يذوق وبال أمره وتثبت توبته.
وَقَالَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ: قَالَ لِي ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ: أَدْرَكْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعَامِرًا الشَّعْبِيَّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعَطَاءَ، وَطَاوُوسًا، وَمُجَاهِدًا، وَابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَمَكْحُولاً، وَسُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى، وَالْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَأَبَا عَامِرٍ أَدْرَكَ: أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ غَيْرِهِمْ قَدْ سَمَّاهُمْ؟ - فَكُلُّهُمْ يَأْمُرُنِي بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَيَنْهَانِي عَنِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ؛ حَتَّى قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ عَمَلٍ شَيْءٍ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْ مَشْيَتِي إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، َلَربُمَا كَانَ عَلَيْهِ الْوَالِي كَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْهُ وَرَأَيْنَاهُ، فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ.
وَقَالَ [ابْنُ] وَهْبٍ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ الْقَدَرِ: أَيُكَفُّ عَنْ كَلَامِهِمْ وَخُصُومَتِهِمْ أَفْضَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَارِفاً بِمَا هُوَ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَتَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُخْبِرُهُمْ بِخِلَافِهِمْ، وَلَا تُوَاضِعُوا الْقَوْلَ، وَلَا تُصَلِّي خَلْفَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى أَنْ يُنَاكَحُوا.
والقدرية صنفان اثنان.
لا زال القدرية موجودين في الرافضة.
القدرية نفاة العلم تقريباً يعني انقرضوا، فقط بقيت لهم بقايا في الأردن ينكرون أن الله لا يعلم الأمور قبل أن تقع.
أما القدرية الذين ينكرون أن الله عز وجل يخلق أفعال العباد فهؤلاء الزيدية والإباضية والرافضة كلهم هكذا.
قال: والقدرية مجوس هذه الأمة.
لماذا؟ لأن المجوسي يثبت خالقين: خالقاً للنور وخالقاً للظلمة.
القدرية أثبتوا خالقين عدة، فكل شخص هو الذي يخلق أفعاله.
يعني والعجيب أنه يستدلون على خلق القرآن بقول ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
طيب أفعال العباد أيضاً داخلة في هذا العموم؟
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَهُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، قَالَ: أَمَا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَاكٌّ فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ وَيَطْلُبُونَ مَنْ يُعَرِّفُهُمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَالَ رَجُلٌ: لَقَدْ دَخَلْتُ فِي هَذِهِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا؛ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا مُسْتَقِيمًا.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: فَأَنَا أُخْبِرُكَ لِمَ ذَلِكَ.
قَالَ: قُلْتُ: لِأَنَّكَ لَا تَتَّقِي اللَّهَ، وَلَوْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ؛ لَجَعَلَ لَكَ مِنْ أَمْرِكَ مَخْرَجًا.
ليعلم أن عقيدة أهل السنة أن النية السليمة لا تتلازم مع إصابة الحق.
أما المعتزلة فيقولون: لا، الذي يريد الحق واجب على الله أن يهديه إلى الحق.
والدليل حديث النبي ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر".
أخطأ وهو مجتهد أراد الحق.
١٦٠ - وقال أبو سُهَيل - عمّ مالك [بن أنس] -: شاوَرني عمر بنُ عبد العزيز في القدرية.
فَقُلْتُ: أَرَى أن تستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا ضربتهم بالسيف.
فقال عُمرُ [ابن عبد العزيز]: ذلك رأيي.
وكذلك كان يرى مالكُ بن أنسٍ والحسنُ فيهم.
وهذا من مناقب عمر بن العزيز ومر معنا في السنة لعبد الله.
١٦١ - وكان الحسنُ بن محمد بن عليٍّ لا يراهم مسلمين، وكذلك الخوارج.
المعتزلة عقيدتهم أنه ما دام يريد الحق واجب على الله أن يهديه وراح يهديه.
وعندهم أي ضال بالدنيا ما اتقى الله، أي ضال، وأي إنسان أخطأ لأنه ما اتقى الله.
هو ذنب إقصائي.
فهم يعني هم يكفرون عامة اللي يخالفهم من هذا الاعتبار.
هذا وصل الله على محمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فهذا هو المجلس الرابع في كتاب الشرح والإبانة عن أصول الديانة لابن بطة رحمه الله تعالى.
وصلنا عند المسألة رقم مئة وواحد وستين.
١٦١ - وكان الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ لَا يُرَاهُمْ مُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجَ.
يعني الحسن ابن محمد ابن علي ابن أبي طالب يعني الحسن ابن محمد ابن الحنفية.
على أن ابن الحنفية له ابنان، أحدهما كان على رأي الخوارج والآخر كان على رأي الشيعة.
أما مسألة تكفير القدرية - لأن هذا الكلام متصل بأمر القدرية - فالقدرية صنفان: الغلاة الذين ينفون علم الله عز وجل بالحوادث قبل أن تقع.
وهؤلاء كفار، هؤلاء كفار اتفاقاً.
وهناك صنف آخر وهؤلاء الذين تبرأ منهم عبد الله بن عمر، وقال: أنبئهم أنني بريء منهم.
وهذا هو التعامل مع صاحب البدعة المكفرة أنه مباشرة يتبرأ منه.
وأما القدرية الذين لا ينفون العلم وإنما يقولون إن العبد يخلق فعله كصنيع المعتزلة ومذهب المعتزلة والزيدية والرافضة، فهؤلاء ذكر البخاري في خلق أفعال العباد عن حماد ابن زيد أنه يكفرهم.
قال: من زعم أن الله لا يخلق أفعال العباد فهو كافر.
ورواية عن أحمد تكفيره.
وكثير من أهل السنة لا يكفرونه.
وقع الخلاف بين أهل السنة في كون بدعة القدرية الذين لا ينفون العلم كفراً.
وظاهر من كلام الشافعي أنه لا يكفرهم لأنه رحمه الله ناظرهم بالعلم.
فإن أقروا بالعلم خصموا.
لأنه إذا أقر أن الله عز وجل علم المقادير قبل أن يخلق الخلق ولم يكن ذلك مستلزماً للجبر، فإثبات المراتب الأخرى التي هي الكتابة والمشيئة والخلق من باب أولى لا يلزم منه الجبر.
لأنهم شبهتهم استلزام الجبر.
مفهومة هذه؟ قال: وإن نفوا العلم كفروا.
فالشافعي جعل نفي العلم هو أمد التكفير.
قال: وكذلك الخوارج.
أما الخوارج الأوائل الذين يعني كانوا يعني خرجوا على علي وكفروه، أو الذين خرجوا على عثمان، أو الذين رأوا السيف على المسلمين عموماً.
هؤلاء هناك خلاف.
علي رضي الله عنه لم يكفرهم وقال: من الكفر فروا.
أما أبو سعيد الخدري الصحابي فكان لا يراهم من أمة الإسلام ويكفرهم.
وقال: قال النبي ﷺ: "يخرجون من الدين" ولم يقل من أمتي.
فظاهر كلامه التكفير.
ولهذا مال البخاري رحمه الله تعالى وكذلك ابن حجر في فتح الباري، واستدلوا بظواهر الأحاديث "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
والمختار مذهب علي بن أبي طالب لأنه أعلم الناس بهم.
ولكن نحن نشير إلى وقوع الخلاف بين أهل السنة في تكفير الخوارج.
أما الخوارج المتأخرين كالإباضية ومن سواهم فلا ينزل عليهم الكلام القديم.
فإن هؤلاء اليوم زادوا على ذلك بدعاً خطيرة كالقول بخلق القرآن وإنكار الرؤيا، ومنهم من يعبد غير الله.
فهؤلاء لا نقول هؤلاء خوارج، لا بل هؤلاء واقعون هؤلاء جهمية، وحكم الجهمية معروف.
هؤلاء جهمية، فلا ننزل كلام.
يعني الآن مثلاً الأشاعرة في عصرنا هذا ليست الأشاعرة المتقدمين البتة.
الأشاعرة اليوم لا تكاد تجد أشعرياً إلا وهو قبوري.
لهذا بعض أئمة الدعوة لما تكلم عن الأشاعرة مثل الشيخ عبد الرحمن بن حسن قال: وأما اليوم فزادوا على ذلك عبادة غير الله.
ثم تكلم كلاماً غليظاً في تكفيرهم.
وهذا يورده المصنف في بيان خطورة هذه البدع وحفظ السنة.
١٦٢ - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ تَعَاطَى الْكَلَامَ تَزَنْدَقَ.
من تعاطى الكلام علم الكلام وهو علم يعرفونه بأنه إثبات الحقائق الدينية العقدية بالأدلة العقلية.
وهذا ظهر بسبب ترجمة كتب الفلاسفة الذي حصل في زمن المأمون العباسي.
ولهذا يقول الجويني وهو متكلم: يقول ما أظن الله يغفر للمأمون ما صنعه بالأمة الإسلامية من إدخال البدع والضلالات عليها.
والمأمون يعني أيضاً كان له احتفاء بكتب المنجمين أيضاً.
ثم أيضاً هو كان يعني شيعياً يفضل علياً على بقية الصحابة.
فسبحان الله جمع شراً عظيماً.
علم الكلام هذا قال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في البلدان ويقال هذا جزاء من ترك كتاب الله إلى غيره.
فعلم الكلام أصله اتهام للإسلام، أنه ليس فيه من الأدلة العقلية ما يكفي لرد شبهات المبطلين، فنحتاج نحن إلى عقولنا.
وأنهم بعقولهم قد تضاربوا وصاروا مضرب المثل للخلاف.
فتجدهم فرقاً كثيرة حتى تجد الجبائي له فرقة، وابنه أبو هاشم له فرقة تخالف فرقة والده، والكل يكفر الآخر.
فعلم الكلام مضرب المثل للجدل والاختلاف فلم يورث أصحابه إلا الشك بعكس مقصودهم.
كانوا يريدون اليقين بهذه الأدلة العقلية فجاءهم الشك.
وهذا الذي حصل يعني من الشهرستاني والرازي لما قال:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيلاً وقالوا
وسبحان الله اشتهر أهل الكلام بضعف الديانة وقلتها.
أبو الحسن الأشعري إمامهم عرف عنه أنه كان لا يصلي.
وكذلك الآمدي والجاحظ يعني عرف برقة الدين وأنه كان لا يصلي إلا نفاقاً.
وذلك أن علم الكلام يورث قسوة القلب شديدة.
ووهذا علم الكلام الآن هو الذي تقوم عليه الجامعات الأزهر وكذا وغيرها.
والغزالي أول من أدخل علم المنطق في أصول الفقه.
أبو حامد.
وقال: لا يوثق بعلم من لا يعرف المنطق.
فيقول ابن الصلاح وهو جاء بعد الغزالي بفترة وجيزة، يقول: قد حصل ضرر عظيم على المتفقهة من كلام الغزالي هذا.
فكيف لو رأى يعني بعد تسعة قرون ما فعل بالأمة؟ علماً أنه انتهى إلى التصوف.
حتى أنه قال يعني هو يذكر من حاله بعد أن تصوف قال: أوصلني علم الكلام إلى الشك في كل شيء حتى المحسوسات.
وذكر ابن تيمية أن الرازي هو ورجل معتزلي جلس وبدأ يذكر الأدلة على وجود الله وكل شخص يذكر دليلاً ثم يرجع يورد عليه الآخر اعتراضاً.
فتحاكموا إلى رجل يعني أعرابي أو رجل شيخ فقيل له فقال لهما: الأمر أبين من كذا كذا.
قالوا: كيف؟ من أين تأتي بهذا اليقين؟ ما هو اليقين؟ قال: اليقين أمر يرد على النفس لا تستطيع دفعه.
ففرحا بكلمته هذه هما الاثنان.
وكثير منهم يعني ورد عنه أنه قال: أموت على ما ماتت عجائز نيسابور.
والإمام أحمد يقول: علماء الكلام زنادقة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يذكر كلمته هذه يقول: صدق الإمام أحمد حين قال علماء الكلام زنادقة.
وهذا بعد أن يذكر بعض مقالات الرازي والغزالي والجماعة هؤلاء.
فعلم الكلام أدخل شراً عظيماً على الأمة الإسلامية.
حتى أن الغزالي مع كونه أشعرياً صنف كتاباً في إلجام العوام عن علم الكلام.
ويقول الإمام أحمد: لا تكاد ترى أحداً نظر في هذا الكلام إلا وفي قلبه دغل على الأمة.
وذكر الإمام أحمد أن الرجل لو نصر السنة بالكلام لا يكون سنياً حتى يترك هذا ويرجع إلى الكتاب والسنة.
١٦٣ - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّ اللَّهَ مَلَائِكَةً يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذِّكْرِ، فَانْظُرْ مَعَ مَنْ يَكُونُ مَجْلِسُكَ، لَا يَكُنْ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ.
وَعَلَامَةُ النِّفَاقِ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ وَيَقْعُدَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ.
جعله علامة للنفاق إذ أن النفاق أقرب ما يكون إلى أهل الإحداث والابتداع.
فالنبي ﷺ سمى قتلة الخوارج يعني كانوا خارجين منافقين "فَإِنْ أَرَادكَ الْمُنَافِقُونَ".
وأسرع الناس ردة أهل الأهواء لقربهم من هذا.
وأصل الابتداع انتقاص النبي ﷺ، وهذا من أمارات النفاق.
وحذيفة كان يقول: كان المنافقون في زمن النبي ﷺ يسرون، فأما اليوم فهم يعلنون.
رواه البخاري في كتاب الفتن.
علق ابن بطال قال: يعلنون يعني بالخروج.
كانوا يعلنون بالخروج.
ويعني الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
١٦٤ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نضر الْحَارِثِيُّ: مَنْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ: نُزِعَتْ مِنْهُ الْعِصْمَةُ، وَوُكِّلَ إِلَى نَفْسِهِ.
ووكل إلى نفسه.
وذلك أن الإنسان يعني يتقي مواطن الشبهات.
فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
والدجال يأتيه المرء وهو يحسب أنه على شيء فما يعني يذهب منه إلا وقد كفر.
١٦٥ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: أَدْرَكْتُ خِيَارَ النَّاسِ - كُلَّهُمْ أَصْحَابَ سُنَّةٍ - يَنْهَوْنَ عَنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ، وَصَاحِبُ سُنَّةٍ وَإِنْ قَلَّ عَمَلُهُ فَإِنِّي أَرْجُو لَهُ، وَصَاحِبُ بِدْعَةٍ لَا يَرْفَعُ اللَّهُ لَهُ عَمَلًا وَإِنْ كَثُرَ.
هذا معنى قول عبد الله بن مسعود: اقتصاد في السنة خير من اجتهاد في البدعة. نعم، كما شبه الحسن هو طريق إلى الله، أنت إذا مشيت في الطريق الصحيح لو كنت تمشي كل يوم قليلاً فأنت على خير، ولكنك إذا مشيت في الطريق الغلط فإن اجتهادك لا يزيدك إلا بعداً عن وجهتك الصحيحة.
١٦٦ - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الشَّرَخْسِيُّ علَمُ الْحَزْنِ - صَاحِبُ ابْنِ الْمُبَارَكِ -: أَكَلْتُ عِنْدَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ أَكْلَةً، فَبَلَغَ ابْنَ الْمُبَارَكِ.
فَقَالَ: لَا أَكَلْمُكَ ثَلَاثِينَ يَوْماً.
هم كذلك مرت معنا الآثار في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد أنهم كانوا يهجرون من يرونه يصاحب صاحب بدعة أو يثني عليه.
١٦٧ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الطُّوسِيُّ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَكُونُ مَجْلِسُكَ مَعَ الْمَسَاكِينِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُكَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ مَقْتَ اللَّهِ عز وجل.
يكون مجلسك مع المساكين.
لماذا؟ لأنهم أبعد الناس عن الكبر.
وإذا جالست قوماً تخلقت بأخلاقهم.
والنبي ﷺ من وصاياه لأبي ذر أنه قال: وجالس المساكين.
وقال النبي ﷺ: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات واجتناب المنكرات وحب المساكين".
وورد حديث: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين".
وضعف والراجح أن فيه ضعف.
غير أن قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قال واستشكل هذا مع استعاذة النبي ﷺ من الفقر.
فجمع بينهما رحمه الله فقال: أراد هنا أخلاق المساكين، مسكنة القلب.
الله عز وجل قال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا}.
أو في قراءة: أمَّرنا مترفيها {فَفَسَقُوا فِيهَا}.
فالترف والكبر متنافيان.
والمسكنة هي أقرب إلى أمر الخير والى التخلق بأخلاق الأخيار.
قال: وإياك أن يكون مجلسك مع صاحب بدعة فإني أخشى عليك مقت الله عز وجل.
نعم، لأنه قد يتكلم بالكلام الذي فيه محادة لله ورسوله ويحملك ما يحمل الناس في العادة من مصانعة جلسائهم على أن تصانعه وعلى ألا تصرح له بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
والمؤاخذة: {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} كما قال الله عز وجل في القرآن.
فساعة إذٍ قد ينزل عليك المقت معه.
وقد ذكر مالك بن دينار رحمه الله وكان صاحب إسرائيليات حسنة، كما روى ذلك أبو نعيم في الحلية، أن رجلاً من العباد يعني رجلاً من الرهبان ومن علماء بني إسرائيل كان يجتمع عنده الناس يطلبون العلم.
فرأى مرة ابنه يغمز امرأة فقال له: مهلاً مهلاً.
ما الذي حصل لهذا الرجل؟ سقطت امرأته ومات أحد أبنائه بالغزو، وهتف به الهاتف: هذا غضبك لي؟ مهلاً مهلاً! يعني فقط هذا غضبتك لله عز وجل؟ كلمة يسيرة.
لأن ابنك هو الذي فعل هذا.
فعوقب.
فالإنسان ينبغي أن يغضب لله عز وجل كما ينبغي.
١٦٨ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: إِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ مَقْتَ اللَّهِ عز وجل.
هذا مطابق للمتن السابق.
١٦٩ - وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ: بَعَثَ اللَّهُ آدَمَ عليه السلام بِالشَّرِيعَةِ، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى شَرِيعَةِ آدَمَ عليه السلام حَتَّى ظَهَرَتِ الزَّنْدَقَةُ، فَذَهَبَتْ شَرِيعَةُ آدَمَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا عليه السلام بِالشَّرِيعَةِ، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى شَرِيعَةِ نُوحٍ، فَمَا أَذْهِبَهَا إِلَّا الزَّنْدَقَةُ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام حَتَّى ظَهَرَتِ الزَّنْدَقَةُ، فَذَهَبَتْ شَرِيعَةُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُوسَى عليه السلام، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى شَرِيعَةِ مُوسَى حَتَّى ظَهَرَتِ الزَّنْدَقَةُ، فَذَهَبَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى عليه السلام، فَكَانَ النَّاسُ عَلَى شَرِيعَةِ عِيسَى حَتَّى ظَهَرَتِ الزَّنْدَقَةُ، فَذَهَبَتْ شَرِيعَةُ عِيسَى، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ﷺ بِالشَّرِيعَةِ، فَلَا يُخَافُ عَلَى ذَهَابِ هَذَا الدِّينِ إِلَّا بِالزَّنْدَقَةِ.
منصور المعتمر هذا قريب من الأعمش في الكوفة وكانوا يفضلونه على الأعمش لسعة الحفظ وكان لا يدلس وكان لا يروي إلا عن ثقة.
فيعني كان رجل اجتمعت فيه فوائد كثيرة رحمه الله تعالى.
طبعاً الله أعلم ما الذي يريده بظهور الزندقة؟ فإن الناس كانوا على التوحيد عشرة قرون بين آدم ونوح، إلا أن يكون قد أراد ما حصل من قتل أحد ابني آدم لأخيه.
وأنه قد ذهب بعض السلف وهذا وارد عن ابن عباس إلى تكفير ابن آدم القاتل.
ويرون وجه التكفير أنه لأنه فعل ذلك استكباراً على أمر الله أو أنه فعله استحلالاً.
قال فكان الناس على شريعة نوح فما ذهبت إلا بالزندقة.
لا إشكال.
الزندقة التي ظهرت في قوم نوح، الشرك.
مبدأ الشرك الأرضي مع قوم نوح ومبدأ الشرك السماوي مع قوم إبراهيم.
ولهذا كانا يقرنان في القرآن في عدة مواطن وجميع الأنبياء من ذريتهما عليهما الصلاة والسلام.
والزندقة هي ما يسميه السلف النفاق، وهي عدم المبالاة بالدين.
١٧٠ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا تُطِيعُوا رُؤَسَاءَ الدُّنْيَا فَيَنسْخََ [اللَّهُ] الدِّينَ مِنْ قُلُوبِكُمْ.
١٧١ - وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا أَطَاعَ النَّاسُ سُلْطَانَهُمْ فِيمَا يَبْتَدِعُ لَهُمْ؛ أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ، وَأَسْكَنَهَا الرُّعْبَ.
لا تطيعوا رؤساء الدنيا يعني في معصية الله عز وجل، فينسلخ الدين من قلوبكم.
وهذه من أسباب الابتداع الكبيرة مصانعة الولاة.
إذا كان الوالي على بدعة أو كان على جور أحب الناس أن يزينوا له ذلك.
ولهذا كانوا يحبون الابتعاد عن السلاطين وكان من أشهر الناس في هذا الباب سفيان الثوري.
فقالوا له: ادخل تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر.
ففقال رحمه الله: إني لأخرج من المنزل فأرى الرجل أبغضه فيقول لي كيف أصبحت؟ فيلين قلبي له.
يقول: فكيف إذا دخلت على هؤلاء وجلست على فرشهم وعلى بسطهم؟ فإن هذه فتنة ما بعدها فتنة.
فتنة عظيمة إذا دخلت عليهم وأكرموك.
يقول سفيان الثوري: إني لا أخاف أن أنتهر أو كذا ولكن أخاف أن يكرموني فيركن قلبي إليهم.
فيحب الإنسان أن يزين لهم الباطل.
وهذا كما حصل من بعض أهل الرأي، الذي كان يحتال لبعض الملوك.
أبو يوسف كان يحتال للرشيد في إحلال الفروج المحرمة.
وإن كان مذهبه أصلاً في الحيل، ولكنه اجتهد في هذا اجتهاداً عظيماً مصانعة للملك.
فكان ابن المبارك يقول: لا أدري من أيهما أعجب؟ من هارون الرشيد أم أعجب من أبي يوسف؟ يعني كيف يعني يستحلان الفروج المحرمة بالحيل الباردة.
١٧٢ - وَقَالَ الْحَسَنُ: سَيَأْتِي أُمَرَاءٌ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ؛ فَتُطِيعُهُمُ الرَّعِيَّةُ خَوْفًا عَلَى ذهاب دُنْيَاهُمْ؛ فَعِنْدَهَا سَلَبَهُمُ اللَّهُ الْإِيمَانَ، وَأَوْرَثَهُمُ الْفَقْرَ، وَنَزَعَ مِنْهُمُ الصَّبْرَ، وَلَمْ يُجْرِهِمْ عَلَيْهِ.
١٧٣ - وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: إِذَا خَالَفَ السُّلْطَانُ السُّنَّةَ، وَقَالَتِ الرَّعِيَّةُ: قَدْ أَمَرَنَا بِطَاعَتِهِ؛ أَسْكَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمُ الشَّكَّ، وَأَوْرَثَهُمُ التطاعن.
بحجة أنه أمرنا بطاعته فهو يأمر بالمعصية.
هذا الطرح الجديد الموجود الآن طرح جماعة ندخل انتخابات نصرة لولي الأمر.
يقول: إذا خالف السلطان السنة وقالت الرعية قد أمرنا بطاعته، أسكن الله قلوبهم الشك وأورثهم التطاعن.
جازاهم بعكس مقصودهم.
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله عز وجل بأسهم بينهم.
هذه أعوذ بالله من أعظم أسباب الفرقة.
ثم مجرد الحكم بغير ما أنزل الله جعله النبي ﷺ سبباً لوقوع العداوة والبغضاء.
ثم إن اليوم ما يسمى بالديمقراطية هذه هي أصلاً مبنية على التنازع، وجعل الشعب أحزاباً وشيعاً.
هذه سنة فرعون {جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}.
سورة القصص.
جعل أهل مصر شيعاً.
ناس عليا ناس دون ناس كذا ناس اليوم أغلبية حزب حاكم حزب معارضة أحزاب.
ثم يتصارعون على السلطة.
هذا الصراع يورثهم انعدام الأمن وأموراً كثيرة.
تقرأ في وصايا فرعون يقول: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}.
يقول القوم: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}؟ يعني المسائل مجرد استشارة.
وبعدين: {لَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ}.
لكنه يقول لهم: {فَمَاذَا تَأمرَوْنَ}؟
١٧٤ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».
ويقول ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم.
١٧٥ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام: لَا تَحْكُمُوا عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ حَتَّى تَنْظُرُوا مَنْ يُخَادِنُ.
١٧٦ - وَأَوْحَى اللَّهُ عز وجل إِلَى مُوسَى: يَا مُوسَى كُنْ يَقِظَانًا، وَارْتَدْ لِنَفْسِكَ إِخْوَانًا، وَكُلُّ خِدْنٍ لَا يُؤَاتِيكَ عَلَى مَسَرَّتِي فَاحْذَرْهُ؛ فَإِنَّهُ لَكَ عَدُوٌّ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ.
الله عز وجل يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كانت الإخوة على غير مصلحة الاثنين كان مآلها إلى عداوة، ومصلحة الاثنين في طاعة الله عز وجل.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن طاووس أنه ما من اثنان اجتمعا على معصية الله عز وجل إلا أن تلك الإخوة إلى عداوة وتباغض.
١٧٧ - وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْنَا بِدْعَتُهُ، لَمْ تَخْفَ عَنَّا أُلْفَتُهُ.
لأنه سبحان الله أهل الأهواء يتكاتمون كل شيء إلا المودة.
وهذا قول الأوزاعي.
وذكر يعني الفريابي في صفة النفاق عن بعض السلف أنه قال: إذا دخل منافق إلى مسجد فكان فيه مئة مؤمن إلا منافق واحد، لوجدته ركن إلى المنافق.
ولو دخل المؤمنون مسجداً فيه مئة منافق ومؤمن واحد، لوجدته مال إلى المؤمن.
الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
١٧٨ - وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لِلْمَجُوسِ دِينٌ وَكِتَابٌ، فَوَقَعَ مُلْكٌ مِنْهُمْ عَلَى أُخْتِهِ - وَكَانَ قَدْ هَوِيَهَا -، فَخَافَ رَعِيَّتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي صَنَعْتُ حَلَالٌ.
ثُمَّ قَتَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ حَتَّى بَقِيَ فِي الْمَجُوسِ نِكَاحُ الْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَبَطَلَتْ شَرِيعَتُهُمُ الْأُولَى.
وهذا الذي قال فيه، قيل هذا يعني، هذا روي عن جماعة من السلف، المحقق قال روي باسم الحسن العلي رضي الله عنه، فأجبر الناس على هذا الدين، وكما فعل ذاك المدعو قسطنطين في النصرانية أيضاً حرف فيها كما أراد، والناس وراءه.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما جاءت تلك المرأة الأحمسية التي نذرت أن تحج مصمتة، فقال لها إن هذا لا يجوز.
فقالت له: من الشيخ؟ قال: شيخ من قريش.
قالت: من أي قريش؟ قال لها: من المهاجرين؟ قالت: من أي المهاجرين؟ قال لها أبو بكر، فقالت له: كنا في جاهلية وشر، فعلى إلى متى استقامتنا هذه؟ قال: ما استقام بكم عرفاؤكم، وهذا لا ينافي، نعم.
أئمة الجور عقوبة من الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 129]. ولكن هذه العقوبة السيئة تدعو أختها، فإذا ولي هذا حاكم جائر كان له أيضاً أثر سيء على الناس في أمر أديانهم.
١٧٩ - وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَزَالُ الدِّينُ مُتَيَّنًا مَا لَمْ تَقَعِ الْأَهْوَاءُ فِي السُّلْطَانِ، هُمُ الَّذِينَ يُدَينُونَ النَّاسَ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِمْ فَمَنْ يُدَينهُمْ؟!
يعني السلاطين هم الذين يعاقبون الناس، فإذا كان هو السلطان هو الداعي للبدعة كما حصل في زمن المأمون والمعتصم، فمن من يعني يزجر عن هذه البدعة؟ هذا معنى كلام الحسن رحمه الله.
١٨٠ - وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: إِذَا وَقَعَ النَّاسُ فِي الشَّرِّ، فَقُلْ: لَا أُسْوَةَ لِي فِي الشَّرِّ، لَيُوَطِّنَنَّ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لَمْ يَكْفُرْ.
وابن مسعود له كلمات منهجية قوية: "من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة." وأيضا قوله رضي الله عنه: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك." وقد بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فالأمر لا يعد بكثرة الناس، بل إن ما عليه الناس وما يتوارد عليه الناس هو أمارة الهلاك.
وليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 13-14] هذا نص القرآن، قليل من الآخرين.
١٨١ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِسُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ: إِنْكَ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي؛ فَأَطِعِ الْإِمَامَ؛ وَإِنْ كَانَ عَبْداً مُجَدَّعاً، إِنْ ظَلَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ حَرَمَكَ فَاصْبِرْ، وَإِنْ أَرَادَكَ عَلَى أَمْرٍ يَنْقُصُ دِينَكَ، فَقُلْ: دَمِي دُونَ دِينِي.
هذا الأثر صحيح، رواه الخلال في السنة.
اصبر على ظلمه لك وعلى ضربه لظهرك كما في الرواية الأخرى، وإن أرادك على أمر ينقض دينك أو ينقص دينك، أرادك على دعوة لبدعة أو لضلالة أو لمضرة المسلمين أو شيء من هذا، فقل له: إن أردت أن تقتلني فاقتلني، ولكن لا أفعل هذا.
دمي دون ديني.
١٨٢ - وَقَالَ مطرف بن عبد الله بن الشخير: مِنْ بَدلَ دِينَهُ دُونَ مَالِهِ؛ أَوْرَثَهُ اللَّهُ الْفَقْرَ، وَحَشَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَنْ يَحْمِلُ الْرَايَةَ بَيْنَ يَدَيْ إِبلِيسَ إِلَى جَهَنَّمَ.
مطرف بن عبد الله بن الشخير، وكان آية في مسألة اعتزال الفتن رحمه الله، يقول: "هاجت الفتنة فما أخبرت ولا استخبرت." يعني حتى ما أسأل عن أخبارها، هكذا.
حتى يخشى أن يميل قلبه مع إحدى الطائفتين وهو لا يعرف من المحق فيحشر معه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77]، قال: الدنيا كلها ثمن قليل.
النبي ﷺ جاء لفاطمة وعلي، قال: "ألا أخبركما بخير من خادم؟" ثم ذكر التسبيح والتحميد ثلاثاً وثلاثين والتكبير أربعا وثلاثين.
هذا خير من الدنيا وما فيها، لأن هذا من أمر الآخرة.
هذا الإنسان الذي يبيع دينه كما ورد في الحديث: "يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل"، هذا مآله إلى خسران.
وكذلك سبحان الله، من أراد أن يبذل دينه دون عرضه، يبتلى في عرضه.
ومن بذل كل شيء، هكذا سبحان الله، كان حقاً على الله: "إن الله لا يرفع شيئاً من أمر الدنيا إلا وضعه." ﴿اَشْتَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: 9].
الواقع أن سيقع.
موجودون، موجودون.
لماذا؟ لأنهم وجدوا في أهل الكتاب، وقد قال النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة." فلا بد أن يوجد في هذه الأمة من يبيع دينه ويشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، والدنيا كلها ثمن قليل.
١٨٣ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ.
ورد في حديث مرفوع وهو ضعيف، لكن معناه صحيح.
١٨٤ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: صَاحِبُ بِدْعَةٍ: لَا تَأْمَنْهُ عَلَى دِينِكَ، وَلَا تُشَاوِرْهُ فِي أَمْرِكَ، وَلَا تَجْلِسْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ جَلَسَ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ وَرَّثَهُ اللَّهُ الْعَمَى.
وذلك أن صاحب بدعة ليس ذو رأي سديد.
لمَ يا أخي تعرض لسخط الله عز وجل، وحادّ الله عز وجل، من حيث يريد غيره أن يطيعه؟ فضيع أفضل أمر، ضيع دينه.
ومن كان مضيعاً لدينه، فهو لغيره أضيع.
١٨٥ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: نَظَرُ الْمُؤْمِنِ إِلَى الْمُؤْمِنِ جَلَاءُ الْقَلْبِ، وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى صَاحِبِ الْبِدْعَةِ يُورِثُهُ الْعَمَى - يَعْنِي: فِي قَلْبِهِ -.
هذا باعتبار المآل.
النظر في العادة مدعاة محبة وأنس.
والمؤمن أنت مأمور بمحبته وموالاته، والمبتدع أنت مأمور ببغضه في الله.
أحمد سئل عن الرجل الذي يأخذ أجرة على الأذان، قال: إني أبغضه في الله.
فكذلك النظر والمصاحبة تورث محبة، فتحشر معه.
والمرء مع من أحب. فهذا العمى هوىً عمى قلب، والمرء مع من أحب.
١٨٦ - وَكَانَ الْفُضَيْلُ يَقُولُ: أَسْلِكْ حَيَاةً طَيِّبَةً: الْإِسْلَامُ وَالسُّنَّةُ.
١٨٧ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ﴾ [النحل: ٩٧]، قَالَ: حُسْنُ الرِّأيِ - يَعْنِي: السُّنَّةَ -.
السلف فسروا الحياة الطيبة بالقناعة.
١٨٨ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: لَا يَشُمُّ مُبْتَدِعٌ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.
هذا لا يفيد التكفير.
قد ورد مثل هذا في المتبرجات، "لا يرحن رائحة الجنة"، وفي من قتل معاهداً.
١٨٩ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: طُوبَى لِمَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ.
ثُمَّ بَكَى الْفُضَيْلُ عَلَى زَمَانٍ تُظْهَرُ فِيهِ الْبِدْعَةُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَاكْثُرُوا مِنْ قَوْلِ: مَا شَاءَ اللَّهُ.
لأن يعني من قال ما شاء الله فقد سلم الأمر لله.
ويقول حذيفة: "يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق."
١٩٠ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الْحِكْمَةَ.
لأنه ما طلبها من مظانها، وإنما طلبها من مواطن العطب.
١٩١ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: لَا تَجْلِسْ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ.
فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. ويخشى أن ينزل سخط الله عز وجل فيعمه، ويشمل هذا الجالس.
١٩٢ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ؛ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ.
وهذا قد صح عن جماعة من السلف وبعضهم حتى يصححه مرفوعاً.
قال الشاطبي: "لأن توقير صاحب البدعة فيه مفسدتان تعودان على الإسلام بالهدم: الأولى: بقاؤه على ما هو عليه من البدعة، والثانية: اغترار العامة به".
فهو يبقى على بدعته والعامة يغترون به، فإلى ما يؤول هذا؟ يؤول إلى انتشار البدعة، والبدعة بريد الكفر.
١٩٣ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً تحْيَا بِهِمُ الْبِلَادُ، وَهُمْ أَصْحَابُ السُّنَّةِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَعْقِلُ مَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ.
السني بشرط أن يكون يأكل الحلال.
أصحاب الكهف ايش قالوا؟ ﴿أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا﴾ [الكهف: 19].
يعني هم أصحاب الكهف، وبهذه الحالة يطلبون المطعم الحلال، يطلبون المطعم الزكي.
"وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به." والنبي ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه: يا رب يا رب.
هذا كله من أسباب إجابة الدعاء.
الإنسان إذا كان مسافر هذا من أسباب إجابة الدعاء، وكونه أشعث أغبر، الله عز وجل لما نجاهم لأنهم في موطن شدة، الله عز وجل رؤوف رحيم.
يطيل السفر أشعث أغبر، ومأكله حرام ومطعمه حرام وشربه حرام فأنى يستجاب له.
فجعل من موانع استجابة الدعاء أن يكون الإنسان يأكل الحرام.
ولهذا حديث يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة مع كونه ضعيفاً من جهة السند إلا أنه صحيح من جهة المعنى، تدل عليه الأخبار الأخرى.
ولما ذكر السري السقطي عند الإمام أحمد، وهو أحد الصوفية المتقدمين الكبار، يسمونهم الصوفية هكذا يعني الزهاد، قال هذا الشيخ الذي لا يأكل إلا الحلال، يعني يعرف بهذه المنقبة.
وهذا رجل يعني لو قرأتم ترجمته.
يقول: ومن كان كذلك كان في حزب الله عز وجل، أي سني ويأكل الحلال.
١٩٤ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةَ مُبْتَدِعٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ.
وهذه ورد فيها عدة آثار عن سفيان وغيره.
١٩٥ - وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِرَجُلٍ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ جِنَازَةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
قَالَ: لَا حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ؛ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا تَعُدْ، نَظَرْتَ إِلَى رَجُلٍ يُبْغِضُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأَتْبَعْتَ جِنَازَتَهُ!
هذا كان بدعته غير مكفرة، فالأمر لا إشكال فيه، ولأنه إظهار اتباع جنازته إظهار فيه تعظيم له، خصوصاً إن كان له أتباع.
سفيان الثوري حضر جنازة عبد العزيز بن أبي رواد، هذا كان عابد جليل، ولكنه كان مرجئاً.
من كبار المرجئة.
وسفيان الثوري جاء إلى جنازته ووقف حتى رآه الناس جميعاً ثم ذهب، يعني ليخبرهم أن هذا الرجل مات على بدعة.
وكذلك تخلف عن جنازة مسعر بن كدام.
مسعر بن كدام الهلالي، هذا يعني كان، بعضهم يقول لا نعرف رجلاً أجل في الإسلام من هذا الرجل، كان ثقة ثبت.
حتى أن أبو جعفر المنصور دعاه ليوليه، قال له لابد أن تتولى.
فقال مسعر: أنا إني لأذهب إلى أهلي فيقولوا لي اشتر لنا كذا، فأقول أعطوني مالاً لأشتري به فلا يعطوني، أهلي لا يأتمنوني، أتأتمنني على رقاب المسلمين؟ فقال له أبو جعفر: أنتم لكم فينا نسب.
فقال له:
تُشَارِكُنَا قُرَيْشٌ فِي تُقَاهَا ... وَفِي أَحْسَابِهَا شَرَكَ الْعَنَانِ فَمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي هِلَالٍ ... وَمَا وَلَدَتْ نِسَاءُ بَنِي أَبَانِ
فهو هلالي.
فاستطاع أن يخرج من هذا الأمر.
هذا كان يقول: الإيمان قول وعمل.
كان يقول الإيمان قول وعمل، لكن لا يستثني، لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
جنازة ما حضرها.
كذلك الحسن بن صالح، كان مبتدع يرى السيف، بس عشان هذا مرجئ.
فكان لهم فقه في هذه المسألة، يعني لكي لا يظهروا.
١٩٦ - وَقَالَ هَارُونُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْتُ الْفِرْيَابِيَّ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ: كَافِرٌ.
قَالَ: فنُصَلِّي عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا.
فَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: لَا تَمَسُّوهُ بِأَيْدِيكُمْ، ادْفَعُوهُ بِالْخَشَبِ حَتَّى تُوَارُوهُ فِي حُفْرَتِهِ.
وهذا صحيح عن الفريابي رحمه الله.
وقد وقع الخلاف فيمن شتم أحداً من الصحابة.
من شتم عامتهم فلا إشكال، أما من شتم صحابياً بسب الناس سباً عادياً، يقول فلان بخيل، فلان جبان، هذا لا يكفر ولكن يفسق.
وأما من شتمه بأمر ديني، وهو هذا المقصود، فهذا يكفر.
خصوصاً إذا أنكر صحبة صحابي صحبته متواترة، كالصديق.
أما إن أنكر صحبة صحابي لا تعرف صحبته، فهذا الأمر أهون.
هنا الإمام أحمد لما سئل عن من يشتم أبا بكر وعمر، قال: ما أراه على الإسلام.
أما إذا استحل الشتم، فالأمر منتهٍ.
وأما من يشتم عامة الصحابة، ويكفرهم عامتهم، فهذا بحد ذاته كفر أكبر، لماذا؟ لأنه مناقضة للقرآن، ومثل ما قال شيخ الإسلام فيمن هذا حاله لا شك في كفره، ومن شك في كفره فهو كافر.
قديماً كل من يشتم يسمونه رافضياً وإن لم يكفر.
١٩٧ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشَّارٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: أَحْضُرُ جِنَازَةَ مَنْ يَسُبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ مِنْ عَصَبَتِي مَا وَرِثْتُهُ.
لأنه على ملتين لا يتوارثان.
عبد الرحمن بن مهدي كان تلميذ مالك، وكان هو سبب تصنيف الشافعي للرسالة، وكان شيخ أحمد.
فكل المذاهب تدعيه، يترجمون له في طبقات الشافعية، طبقات المالكية، وهو يبدو أنه ما كان له مذهب، كان إمام هدى هو رحمه الله.
١٩٨ - وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: لَا أُصَلِّي عَلَى رَافِضِيٍّ، وَلَا حَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّ الرَّافِضِيَّ يَجْعَلُ عُمَرَ كَافِرًا، وَالْحَرُورِيَّ يَجْعَلُ عَلِيًّا كَافِرًا.
أبو بكر بن عياش هذا تلميذ الأعمش، كانت أخلاقه تشبه أخلاق الأعمش، لكن ما كان صدوق مثل الأعمش، لكن كان عنده أخلاق تشبه أخلاق الأعمش، التي تعهدونها.
وكان رجلاً رحمه الله، وكان يعني صاحب كرامات أيضاً، استقى من زمزم دلواً عسلاً وسمناً.
١٩٩ - وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: الرَّافِضَةُ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ رِدَّةٍ.
اليامي، وهذا كوفي.
الرافضة الذين يتكلم عنهم ليس الذين يقذفون عائشة، وليس الذين يكفرون عامة الصحابة، الذين يشتمون أبا بكر وعمر، الذين يعبدون غير الله.
أما الذين اليوم، هؤلاء يعني أمرهم منتهٍ، أمرهم ما ينبغي أن يكون محلاً للنقاش.
٢٠٠ - وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ فُلَانًا غَسَّلَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
فَقَالَ: عَرِّفُوهُ أَنَّهُ إِنْ مَاتَ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْهِ.٢٠١ - وَنَظَرَ ابْنُ سِيرِينَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، مَا تَصْنَعُ هَا هُنَا؟ فَقَالَ: عُذْتُ فُلَانًا مِنْ عَلَّةٍ - يَعْنِي: رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ -. فَقَالَ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ مَرِضْتَ لَمْ نَعُدْكَ، وَإِنْ مِتَّ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْكَ؛ إِلَّا أَنْ تَتُوبَ.
قَالَ: تَبْتُ، تَبْتُ.
مسألة عيادة الفاسق اللي ذكروها، أو عيادة داعية البدعة، حتى يذكرونها في المذهب، وهذا من عموم الهجر.
من عموم الهجر.
والنبي ﷺ لم يصل على الغال من الغنيمة، ولم يصل على من كان عليه دين، وصاحب البدعة أمره أشد.
٢٠٢ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: آكُلُ طَعَامَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، وَلَا آكُلُ طَعَامَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ.
كثير من الناس يقيسون أهل الشرك على أهل الابتداع في أمور المعاملة، وهذا فيه نظر، لأن المبتدع... لأن العلة من مقاطعة المبتدع البعد عن الوقيعة فيه.
والمبتدع داؤه أسرى، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وغيره، فذكر عن بعض شراح الحديث قال: استُشكل هذا، كيف يهجر المسلم والكافر لا يهجر؟ فقال: لأن الكافر لا يرجى منه فائدة في الغالب، وأما المبتدع فيرجى من ذلك.
وداؤه أسرى وأسرع.
٢٠٣ - وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ عِنْدِي يَدًا؛ فَيُحِبَّهُ قَلْبِي
وهذا ثابت عن الفضيل.
٢٠٤ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ: إِذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ رَجُلٍ أَنَّهُ مُبْغِضٌ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ؛ رَجَوْتُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، وَإِنْ قَلَّ عَمَلُهُ.
لأن هذا عمل جليل من أوثق عرى الإيمان.
٢٠٥ - وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم؟ فَقَالَ: مَا أُرَاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
قذف عائشة كفر مستقل لوحده بالإجماع، واختلفوا هل يلحق بها بقية أمهات المؤمنين والصحيح نعم.
٢٠٦ - وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: الَّذِي يَشْتُمُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ - أَوْ قَالَ: نَصِيبٌ - فِي الْإِسْلَامِ.
وقال أيضا من الفيء.
٢٠٧ - وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: مَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ صَامَ، وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
يقول من شتم، لا نتكلم عن من كفر.
٢٠٨ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، وَأَبَاحَ دَمَهُ.
٢٠٩ - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: لَا حَظَّ لِلرَّافِضِيِّ فِي الْفَيْءِ، وَالْغَنِيمَةِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحشر: ١٠].
٢١٠ - وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: كُنْتُ مَعَ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ [بْنِ عُبَيْدٍ]، وَابْنِ عَوْنٍ، فَمَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفَ، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَازَ، فَمَا ذَكَرُوهُ.
هؤلاء أعيان أصحاب الحسن البصري.
قمة الاحتقار والإهانة.
كيف احتقروه؟ مرّ وسلّم ولم يذكروه.
نهائياً، نهائياً.
عمرو بن عبيد، العابد! عمرو بن عبيد مع أنه يعني كفروه، هو له عبارات كفرية.
يعني كان يسمع واصل بن عطاء يخطب، فيقول: "هذا لا يستطيعه نبي مرسل ولا ملك مقرب." وذكروا أنه كان إذا صلى ببيته يلتفت وإذا صلى بالمسجد يكون كالخشبة، مع أن يعني كان رجل يظهر العبادة والزهد.
وكان المنصور يحبه ويمدحه، ومع ذلك هذا مقامه عند هؤلاء الأخيار.
٢١١ - وَقَالَ الْفُضَيْلُ [بْنُ عِيَاضٍ]: يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ.
٢١٢ - وَقَالَ زَائِدَةُ: قُلْتُ لِمَنْصُورٍ: يَا أَبَا عَتَّابٍ، الْيَوْمَ الَّذِي يَصُومُ فِيهِ أَحَدُنَا، يَنْتَقِصُ فِيهِ الَّذِينَ يَنْتَقِصُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
زائدة بن قدامة، كان لا يحدث إلا ثقة، وكان البخاري معجب بصنيعه.
٢١٣ - وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَيْسَ لِأَصْحَابِ الْبِدَعِ غَيْبَةٌ.
الحسن يقول ليس للفاجر حرمة، الفاسق المعلن.
وكذلك المبتدع، لأنه سمع النبي ﷺ قال: "ما بال فلان وفلان لا يعرفون من ديننا شيئاً". "بئس أخو العشيرة".
فكيف بأمر الدين الذي هو يعني أعظم؟
٢١٤ - وَقَالَ عُطَاءٌ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ فِي تَوْبَةٍ.
٢١٥ - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: عَاشَرْتُ النَّاسَ، وَكَلَّمْتُ أَهْلَ الْكَلَامِ؛ فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَوْسَخَ وَسَخًا، وَلَا أَقْذَرَ قَذَرًا، وَلَا أَضْعَفَ حُجَّةً، وَلَا أَحْمَقَ مِنَ الرَّافِضَةِ.
يا سلام يا سلام! وهذا صحيح عن أبو عبيد القاسم بن سلام صاحب اللغة.
٢١٦ - وَذُكِرَتِ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، فَقَالَ: أَمَا الرَّافِضَةُ: فَإِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الْبُهْتَانَ حُجَّةً.
وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ: فَعَلَى دِينِ الْمُلُوكِ.
وَأَمَّا الزَّيْدِيَّةُ: فَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي وَضَعَ لَهُمْ رَأْيَهُمْ امْرَأَةٌ.
وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ: فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَى ضَيْعَتِي، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَرْجِعُ إِلَّا وَهُمْ قَدْ رَجَعُوا عَنْ رَأْيِهِمْ.
هذا من أتباع التابعين.
لأنهم أصحاب رأي ورأي يتبدل.
۲۱۷ - وقال طلحَةُ بنُ مُصرِّف: لولا أني على وضوء لأخبرتكم بما تقول الرافضة.
وَقَالَ مُغِيرَةُ: خَرَجَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ مِنَ الْكُوفَةِ حَتَّى نَزَلُوا قِرْقِيسِيَاءَ، وَقَالُوا: لَا نُقِيمُ بِبَلْدَةٍ يُشْتَمُ فِيهَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
وهؤلاء صحابة، ومغيرة لم يسمعهم.
هذا الأثر ذكره القرطبي في تفسيره لقول الله عز وجل: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة"، أن هجرة الأرض التي فيها بدعة واجبة، وهذا ما فعله الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا أيضا ما نص عليه الإمام مالك، أن الأرض التي فيها بدعة يهاجر منها.
وكما ذكر ذلك أيضا الخرقي، أنه ترك بغداد لما ظهر فيها سب الصحابة.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه جلد رجلا في حد، ثم في اليوم الآخر جاءه رجل فجلده في هذا.
فقال له رجل: يا أبا سليمان، إنها الفتنة.
بالأمس تجلد رجلا في حد، واليوم تجلد رجلا في حد.
قال: ليست هذه الفتنة، إن الفتنة أن يكون الرجل في أرض يعصى فيها الله، فيريد أن يذهب إلى أرض يطاع فيها الله، فلا يجد.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ: بَاعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيُّ دَارَهُ، وَقَالَ: لَا أُقِيمُ بِالْكُوفَةِ؛ بَلْدَةً يُشْتَمُ فِيهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
أحمد بن عبد الله بن يونس، وهذا شيخ الإسلام في الكوفة.
ذهب إلى حماد بن زيد وهو كوفي، فقال له: حدثني بفضائل عثمان.
قال: كوفي تسأل عن فضائل عثمان؟ لا أحدثك إلا وأنا وأنت جالس وأنا قائم.
باع محمد بن عبد العزيز التيمي داره وقال: لا أقيم بالكوفة، بلدة يشتم فيها أصحاب رسول الله ﷺ. والكوفة اشتهر فيها هذا.
وَقَالَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ: أَدْرَكْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: اذْكُرُوا مَحَاسِنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَأْتَلِفَ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَلَا تَذْكُرُوا مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ؛ فَتُحَرِّشُوا النَّاسَ عَلَيْهِمْ.
وهذا على هذا يعني إجماع أهل السنة.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَا يَغِلُّ قَلْبُ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا كَانَ قَلْبُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَغَلَّ.
هذا نص عظيم.
يعني الذي يبغض الصحابة إنما يبغض الدين الذي نقلوه.
هذا هو الأصل.
فالصحابة هم الذين نقلوا لك الدين، فإذا أبغضتهم فأنت تبغض الدين الذي نقلوه.
هم نقلوا لك القرآن، نقلوا لك السنة، فإذا أبغضت أحدهم فأنت تبغض الدين، وليس تبغض الشخص.
وَقَالَ سُفْيَانُ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، قَالَ: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَظَرْتُ فِي الْأَهْوَاءِ، وَكَلَّمْتُ أَهْلَهَا، فَلَمْ أَرَ قَوْمًا أَقَلَّ عَقْلاً مِنَ الْخَشَبِيَّةِ.
الخشبية فرقة من فرق الرافضة، يرون أنه لا يجاهد حتى يرجع علي أو يرجع المهدي، فاتخذوا سيوفا من خشب يدافعون بها عن أنفسهم، يعني سيوفا من الخشب ولا يتخذون الحديد حتى يقوم القائم.
٢٢٤ - وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ الشِّيعَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا يَرْجِعُ؟! فَقَالَ: كَذِبُوا، لَوْ عَلِمْنَا ذَلِكَ مَا تَزَوَّجَ نِسَاؤُهُ، وَلَا قَسَمْنَا مَالَهُ.
وهذا حجة، وردت عن الحسن.
ووردت عن ابن عباس أيضاً.
٢٢٥ - وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ فَقَدْ عَابَهُمَا، وَعَابَ مَنْ فَضَّلَ عَلَيْهِمَا.
يعني فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
سفيان، عبارته هكذا: "فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار" قال: "وأخاف أن لا يرفع له عمل." مع هذا، مع التفضيل، مو يشتم، مو يفسق، مو يكفر.
لحظة، فقط يفضل علياً على أبي بكر وعمر.
علي قال: "لأجلدنهم حد المفتري"، "لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري." وهذا كلام كان شيعياً، كان يفضل علياً على الشيخين، ولكن ذهب إلى البصرة عند ابن عون وجماعة اللي هم أذلوا عمرو بن عبيد، فهناك تأثر من أيوب وغيرهم، وهناك تعلم السنة، ورحل إلى المدينة ولقي مالكاً، وعاهده أن يترك النبيذ.
مع أن سفيان كان يرى النبيذ علامة على السنة، فكان يرى شرب النبيذ علامة على السنة، وكان يقول: "إني أشرب النبيذ ولا أشتهيه، لكي يراني العامة..." راح للمدينة ووجد مالكاً هناك، مالك ناظره في النبيذ، وفارق مالكاً على النبيذ.
٢٢٦ - وَقَالَ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا جَابِرُ، بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا بِالْعِرَاقِ يَتَوَلَّوْنَا، يَنْتَاوِلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَا، وَيَزْعُمُونَ أَنِّي أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ!! فَأَبْلِغْهُمْ أَنِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ وَلِيْتُ لَتَقَرَّبْتُ بِدِمَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ ﷺ، إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَغَافِلُونَ عَنْهُمَا بِقِلَّةِ حَرَاءٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رافضي كذاب.
٢٢٧ - وَقَالَ جَابِرٌ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا أَكْذَبَكُمْ وَأَجْرَأَكُمْ عَلَى اللَّهِ عز وجل! نَحْنُ مِنْ صَالِحِي قَوْمِنَا، وَبِحَسَبِنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِنَا.
يعني الظاهر أنهم رفعوه فوق منزلته.
سبحان الله.
٢٢٨ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ الضَّبِّيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا أَحَدٌ يَنْبَغِي أَنْ نَشْهَدَ عَلَيْهِ بِشِرْكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرَّافِضَةُ، أَشْهَدُ أَنَّهُمْ لَمُشْرِكُونَ؛ وَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ مُشْرِكِينَ؛ وَلَوْ سَأَلْتَهُمْ: أَذَنْبٌ النَّبِيُّ ﷺ؟ لَقَالُوا: نَعَمْ.
وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
وَلَوْ قُلْتَ لَهُمْ: أَذَنَبَ عَلِيٌّ؟ لَقَالُوا: لَا؛ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ كَفَرَ.
وهذا أيضاً ضعيف.
من يقول بعصمة علي، اليوم صاروا يقولون بعصمة النبي قبل البعثة عقيدة أهل السنة أن الأنبياء معصمون من الكبائر دون الصغائر، غير أنهم لا يصرون على الصغائر.
النبي ﷺ يقول: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله." والله يقول ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ [طه: 121]. وقال السلف: خطيئة داود كانت النظر.
فهذا إجماع سلفي أن الأنبياء تقع منهم الصغائر، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك حكمة، أن التوبة منزلة عالية، وهذه المنزلة العالية ما كان الله عز وجل يخلي أنبيائه منها، فيجعلهم يقعون في ذنب ثم بعد ذلك يتوبون فتكون منزلتهم أعلى.
فتقع منهم الصغائر ولكن لا يقرون عليها.
المعتزلة وابن حزم إلى أن الأنبياء قبل النبوة لا يمكن أن يكونوا مشركين، ولو كانوا على ملة قوم لكان ذاك نقصاً فيهم.
والصواب في هذا لا.
الله عز وجل ذكر عن قوم شعيب أنه قالوا له: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: 88].
فالظاهر أنهم كانوا على ملة قومهم، إلا نبينا ﷺ، فهو لم يكن على ملة قومه، وما قرب شيئاً للأصنام.
ومن قال إن النبي ﷺ كان على دين قومه قبل الإسلام، فهذا قول سوء.
الإمام أحمد قال: هذا قول سوء.
الأشاعرة يقولون الأنبياء معصومون من الصغائر.
وكذلك ابن حزم.
الرافضة ما مذهبهم؟ يرون أن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر والنسيان قبل النبوة وبعد النبوة.
فلهم مذهب في العصمة غالٍ جداً.
على أن متقدميهم كانوا يعدون من أقوال الغلاة أن الأنبياء ما يسهون ولا ينسون.
لكن الآن هذا يقول به عامة الرافضة، أن النبي ما يسهو ولا ينسى.
٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ مِنَ الرَّافِضَةِ: وَاَللَّهِ إِنْ قَتَلَكَ لَقُرْبَةٌ لَوْلَا حَقُّ الْجِوَارِ.
٢٣٠ - وَقَالَ جَابِرُ بْنُ رِفَاعَةَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ رضي الله عنه عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؟ فَقَالَ: لَا أَنَالَنِي اللَّهُ شَفَاعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنْ لَمْ أَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِحُبِّهِمَا، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا.
٢٣١ - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَقَالَ: أَبْرَأُ مِنْ كُلٍّ مَنْ ذَكَرَهُمَا إِلَّا بِخَيْرٍ.
قُلْتُ: لَعَلَّكَ تَقُولُ ذَاكَ تَقِيَّةً؟ فَقَالَ: أَنَا إِذًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنْ لَمْ أَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ ﷺ بِحُبِّهِمَا؛ وَلَكِنْ قَوْمًا يَتَأَكَّلُونَ بِنَا النَّاسَ.
الحسن بن صابح مذكور من أئمة الزيدية.
٢٣٢ - وَقَالَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنَ حَسَنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؟ فَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَلَا صَلَّى عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمَا، وَنَحْنُ غدا بَرَاءٌ مِمَّنْ جَعَلَنَا طُعْمَةً.
٢٣٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: مَنْ فَضَّلَنَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فقد برئ مِنْ سُنَّةِ جَدِّنَا ﷺ، وَنَحْنُ خُصَمَاؤُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ ﷺ.
٢٣٤ - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «سَيَأْتِي قَوْمٌ لَهُمْ نَبَزٌ يُقَالُ لَهُمُ: الرَّافِضَةُ، فَإِنْ لَقِيْتَهُمْ فَاقْتُلْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ».
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْعَلَامَةُ فِيهِمْ؟ قَالَ: «يُقَرِّظُونَكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ، وَيَطْعَنُونَ عَلَى السَّلَفِ».
طبعا هذا ضعيف لكن علي رضي الله عنه حرق الذين غلوا فيه.
ثم إنه قَالَ: «يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ مُطْرٍ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ».
٢٣٥ - وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، شَرُّهَا: فِرْقَةٌ تَنْتَحِلُ حُبَّنَا، وَتُخَالِفُ أَمْرَنَا.
٢٣٦ - وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ.
وهذا أثر صحيح.
٢٣٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِذَا رَأَيْتَ رَجُلاً يَذْكُرُ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
هذا صحيح.
٢٣٨ - وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «يَخْرُجُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ: الرَّافِضَةُ؛ بَرَاءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ».
٢٣٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاضِيُّ بْنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤَدِّبُ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شخاخيل -، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنَّانُ بْنُ سَدِيرٍ، عَنْ سَدِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنَوْفٍ الْبِكَالِيِّ - وَهُوَ مَعَهُ على السَّطْحِ -: يَا نَوْفُ، تَدْرِي مَنْ شِيعَتِي؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ.
قَالَ: شِيعَتِي: الدُّبَّلُ الشِّفَاهِ، الْخُمَّصُ الْبُطُونِ، تُعْرَفُ الرَّهْبَانِيَةُ وَالرُّبَّانِيَةُ فِي وُجُوهِهِمْ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، أُسُدٌ بِالنَّهَارِ، إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ انْتَزَرُوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَارْتَدَوْا عَلَى أَطْرَافِهِمْ، يَخُورُونَ كَمَا تَخُورُ الثِّيرَانُ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.شِيعَتِي: الَّذِينَ إِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا، وَإِذَا خُطِبُوا لَمْ يُزَوَّجُوا، وَإِذَا مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا، وَإِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا.
شِيعَتِي: الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ يَتَوَاسَوْنَ، وَفِي اللَّهِ يَتَبَاذَلُونَ: دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ، وَفِلْسٌَ فِلْسٌ، وَثَوْبٌ ثَوْبٌ، وَإِلَّا فَلَا.
شِيعَتِي: مَنْ لَمْ يَهِرَّ هَرِيرَ الْكَلْبِ، وَلَمْ يَطْمَعْ طَمَعَ الْغُرَابِ، لَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَإِنْ مَاتَ جُوعًا، إِنْ رَأَى مُؤْمِنًا أَكْرَمَهُ، وَإِنْ رَأَى فَاسِقًا هَجَرَهُ.
هَؤُلَاءِ وَاللَّهِ يَا نَوْفُ شِيعَتِي؛ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، إِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمُ الْبُلْدَانُ لَمْ تَخْتَلِفْ قُلُوبُهُمْ.
أَمَّا اللَّيْلَ: فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، يَفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يَجْأَرُونَ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
وَأَمَّا النَّهَارَ: فَحُلَمَاءُ، عُلَمَاءُ، نُجَبَاءُ، كِرَامٌ، أَبْرَارٌ، أَتْقِيَاءُ.
يَا نَوْفُ، شِيعَتِي: الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَالْمَاءَ طِيباَ، وَالْقُرْآنَ شِعَارًا، وَالدُّعَاءَ دِثَارًا، قَرَضُوا الدُّنْيَا قَرْضًا، عَلَى مِنْهَاجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام.
هذه هذه لا تكاد تكون صفة الصحابة.
هو أورده هذا طبعاً مع أن سنده ضعيف، لكن هو أورد هذا من باب الرد على الرافضة، لأن الرافضة في العادة أصحاب فجور وأكاذيب.