الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد، فنحمد الله عز وجل أن وفق لهذا المجلس في دراسة كتاب الشرح والإبانة المشهور بـ الإبانة الصغرى لابن بطة العكبري رحمه الله تعالى.
وكان فضل الله ونعمته أن قد سبق دراسة عدة كتب في هذا المجلس:
- السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد
- عقيدة حرب الكرماني
- فضل علم السلف على علم الخلف
- فضل الإسلام للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب
- صفة صلاة النبي ﷺ للشيخ الألباني رحمه الله
ثم استكمالاً للمسيرة نقرأ كتاب الشرح والإبانة على أصول الديانة لابن بطة العكبري رحمه الله تعالى.
وموضوع الكتاب مسائل الاعتقاد الكبرى التي يُمَيَّز بها السني من البدعي.
كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في شرح العقيدة الأصبهانية أن المصنفين في العقائد المختصرة يعنون بما يتميز به السني من البدعي.
وهذا منهج الأنبياء في الدعوة، فإن الأنبياء لما خرجوا على الناس نظروا إلى موطن الخلل وأشاروا إليه ووضعوا إصبعهم على مكان الألم، ولم يشغلوا أنفسهم بالبحث عن أرضيات مشتركة.
﴿اعُبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
لوط أنكر على قومه اللواطة، وشعيب أنكر إنقاص المكيال والميزان، إبراهيم أنكر عبادة الأصنام، أنكر الشركين: شرك السماء وشرك الأرض، عبادة الأصنام وعبادة الكواكب.
وهؤلاء الأئمة كانت كلما اشتدت غربة الإسلام فظهرت البدع والضلالات، وظهر من يدعو إلى تحريف الدين، كان ينتدب الأئمة المخلصون الذين هم من الغرس الذي لا يزال الله يغرسه يستعملهم في طاعته، كما في حديث أبي عنبة الخولاني، وهم من العدول الذين ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين كما ورد في الحديث المرسل.
يجمعون عقائد أهل السنة من خلاصة ما وقفوا عليه من أدلة الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، يلخصونها بما يتيسر على كل مسلم أن ينظر فيه ويعتقده، كما فعل المصنف ها هنا، وكما فعل البربهاري في شرح السنة، وكما فعل المصنفون الأوائل كعبد الله بن أحمد والخَلَّال في السنة، واللالكائي والآجري صاحب الشريعة.
وقد أخبر النبي ﷺ أن اليهود قد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وأن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وأن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة.
سبعون فرقة هالكة من اليهود، وإحدى وسبعون فرقة هالكة من النصارى، واثنتان وسبعون فرقة هالكة من هذه الأمة، كلها هلكت لما ابتعدت عن الصراط المستقيم وهي باقية إلى يومنا هذا.
ثم فكيف إذا نظرنا في المجوس والصابئة والوثنيين والملاحدة؟ كل هؤلاء هلكى.
فالإنسان يحرص على ألا يلحق بسبيل الهالكين.
وكما قال بعض السلف: لا تعجب ممن هلك كيف هلك، بل اعجب ممن نجا كيف نجا.
إذا علمت هذا أورثك أمرين:
- الحرص على الفرار من مسالك الهلكى، والحرص على السير على هدى المتقين. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
من الأوائل الذين أرشد إليهم النبي ﷺ بقوله: الجماعة. - الثاني، يورثك فرحاً بنعمة الله عز وجل وبفضل الله وبرحمته، ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
يقول النبي ﷺ: "ما أنتم في الشرك إلا كالشعرة البيضاء في ظهر الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في ظهر الثور الأبيض".
هذا حال أهل الإسلام في أهل الشرك، وأهل السنة في أهل الإسلام كأهل الإسلام في أهل الشرك.
وما ذكر ذلك ابن القيم في مدارج السالكين، بل والقائمون بأمر الله عز وجل بين أهل السنة هم أيضاً في غربة بين أهل السنة.
فلهذا الاعتبار ولطلب النجاة والسلامة من العذاب الأليم، ومن مسالك الهالكين، وليفوز المرء بورود حوض النبي ﷺ وألا يقال فيه وألا يكون ممن يقول فيهم النبي ﷺ: "سحقاً سحقاً، بعداً بعداً" بعدما يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
يحرص على النظر ودراسة مثل هذه الكتب.
وكما صح عن مجاهد بن جبر رحمه الله أنه قال: "أفضل العبادة الرأي الحسن"، يعني الاعتقاد السليم.
النبي ﷺ سُئل: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله".
إيمان بالله، يعني اعتقاد سليم، هو هذا أفضل العمل.
وجبريل عليه السلام لما جاء إلى النبي ﷺ في الحديث المعروف حديث جبريل، ورآه جميع الصحابة على غير صورته، جاءهم بصورة أعرابي.
لما ذهب قال النبي ﷺ: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
عن ماذا سأل جبريل؟ هل سأل عن بر الوالدين؟ عن الصدق؟ عن الأمانة؟ عن العفة؟ ما سأل عن هذه الأمور، لأن عامتها معروفة ومحل اتفاق بين أهل الشرائع، والصحابة يعرفونها من أيام جاهليتهم.
وإنما سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة.
سأل عن الإسلام، فأجيب بأنه شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا جواب مجمل تفصيله في بقية السنة.
فكما أنك إذا أردت أن تصلي تحتاج إلى أن تعرف أركان الصلاة وشروطها وواجباتها ومستحباتها وتعرف ما يفسدها، وكذلك الصيام وفي الحج، وكذلك الأمر في شهادة لا إله إلا الله.
ثم إنه لما سأل عن الإيمان ﷺ، قال النبي ﷺ: "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره".
وكل ما تدرسه في باب الاعتقاد فيما يتعلق بباب الإيمان بالله، دراسة أسمائه وصفاته، داخل في عموم قوله الإيمان بالله.
وكلما تعمقت أكثر تبعاً للأحاديث والآثار كلما ازداد إيمانك وكان أصل إيمانك أمتن.
وكذلك ما يتعلق بالملائكة، وكذلك ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل واليوم الآخر.
واليوم الآخر تفاصيله عمت وموجودة في كتب الاعتقاد من ذكر الميزان والحوض والصراط.
ولهذا كان حديث جبريل مفزعاً لصحابة النبي ﷺ عند ورود المشكلات.
فلما عُرض على ابن عمر قول القدرية، مباشرة ذهب واحتج بهذا الحديث.
كل الكلام، عامة الكلام في حديث جبريل كان عن الغيبيات.
النبي ﷺ قال: "أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
والنبي ﷺ كما ذكر الإمام المجدد رحمه الله، أول ما جاء للعرب دعاهم إلى ماذا؟ دعاهم إلى ترك الأمر الذي كانوا يتعبدون به، الذي هو الشرك وعبادتهم للأصنام.
ما بدأ معهم الأمر بالأمور التي هم يدركون قبحها عقلاً أو فطرة، كأمر الخمر أو كأمر الزنا أو كأمر الربا، وإنما بدأ بالأمر الذي هم يعتقدون أنه قربة، نصحاً.
وهذا هو المنهج السليم في الدعوة.
أما أن يُبدأ بأمور الفضائل حتى يجتمع الناس ثم بعد أن يجتمع الناس نقول ندعوهم للتوحيد، فهذا منهج يعاكس لمنهج الأنبياء، وعامة من انتهجه لم يكن صادقاً، بل إنه لم يجتمع عليه الناس، لم يطق أن يقول كلمة تفرق الناس عنه.
وبدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، هذا لا يلتقي مع شهرة ساخنة أبداً.
ومصنف هذا الكتاب كان من كبار أئمة الحنابلة في عصره، هو ضعيف في الحديث على الراجح، غير أنه إمام كبير فقيه.
تحامل عليه الخطيب في التاريخ ونسبه، ودافع عنه ابن الجوزي، ليس هذا محل بحث ها هنا.
عامة ما ذكره هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.