الصافات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- التفسير الميسر
- المؤلف
- نخبة من أساتذة التفسير
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - السعودية
- الطبعة
- الثانية، مزيدة ومنقحة، 1430هـ - 2009 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
أحقًا أننا مخلَّدون منعَّمون، فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى في الدنيا، وما نحن بمعذَّبين بعد دخولنا الجنة؟ إنَّ ما نحن فيه من نعيم لهُوَ الظَّفَر العظيم.
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾
لمثل هذا النعيم الكامل، والخلود الدائم، والفوز العظيم، فليعمل العاملون في الدنيا; ليصيروا إليه في الآخرة.
﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾
أذلك الذي سبق وصفه مِن نعيم الجنة خير ضيافة وعطاء من الله، أم شجرة الزقوم الخبيثة الملعونة، طعام أهل النار؟
﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴾
إنا جعلناها فتنة افتتن بها الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي، وقالوا مستنكرين: إن صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر.
﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم، ثمرها قبيح المنظر كأنه رؤوس الشياطين، فإذا كانت كذلك فلا تَسْألْ بعد هذا عن طعمها، فإن المشركين لآكلون من تلك الشجرة فمالئون منها بطونهم.
ثم إنهم بعد الأكل منها لشاربون شرابًا خليطًا قبيحًا حارًّا، ثم إن مردَّهم بعد هذا العذاب إلى عذاب النار.
﴿ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾
إنهم وجدوا آباءهم على الشرك والضلال، فسارعوا إلى متابعتهم على ذلك.
﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
ولقد ضلَّ عن الحق قبل قومك -أيها الرسول- أكثر الأمم السابقة.
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾
ولقد أرسلنا في تلك الأمم مرسلين أنذروهم بالعذاب فكفروا.
﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾
فتأمَّل كيف كانت نهاية تلك الأمم التي أنذرت، فكفرت؟ فقد عُذِّبت، وصارت للناس عبرة.
﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾
إلا عباد الله الذين أخلصهم الله، وخصَّهم برحمته لإخلاصهم له.
﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾
ولقد نادانا نبينا نوح; لننصره على قومه، فلنعم المجيبون له نحن.
﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾
ونجيناه وأهله والمؤمنين معه مِن أذى المشركين، ومن الغرق بالطوفان العظيم.
﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾
وجعلنا ذرية نوح هم الباقين بعد غرق قومه.
﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾
وأبقينا له ذِكْرًا جميلا وثناءً حسنًا فيمن جاء بعده من الناس يذكرونه به.
﴿ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴾
أمان لنوح وسلامة له من أن يُذْكر بسوء في الآخِرين، بل تُثني عليه الأجيال من بعده.
﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
مثل جزاء نوح نجزي كلَّ مَن أحسن من العباد في طاعة الله.
﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾
إن نوحًا من عبادنا المصدقين المخلصين العاملين بأوامر الله.
﴿ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴾
ثم أغرقنا الآخرين المكذبين من قومه بالطوفان، فلم تبق منهم عين تَطْرِف.
﴿ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
وإنَّ من أشياع نوح على منهاجه وملَّته نبيَّ الله إبراهيم، حين جاء ربه بقلب بريء من كل اعتقاد باطل وخُلُق ذميم، حين قال لأبيه وقومه منكرًا عليهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟ أتريدون آلهة مختلَقَة تعبدونها، وتتركون عبادة الله المستحق للعبادة وحده؟ فما ظنكم برب العالمين أنه فاعل بكم إذا أشركتم به وعبدتم معه غيره؟
﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾
فنظر إبراهيم نظرة في النجوم -على عادة قومه في ذلك- متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم، فقال لهم: إني مريض.
وهذا تعريض منه.
فتركوه وراء ظهورهم.
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ﴾
فمال مسرعًا إلى أصنام قومه فقال مستهزئًا بها: ألا تأكلون هذا الطعام الذي يقدمه لكم سدنتكم؟ ما لكم لا تنطقون ولا تجيبون مَن يسألكم؟
﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾
فأقبل على آلهتهم يضربها ويكسِّرها بيده اليمني; ليثبت لقومه خطأ عبادتهم لها.
﴿ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾
فأقبلوا إليه يَعْدُون مسرعين غاضبين.
﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾
فلقيهم إبراهيم بثبات قائلا كيف تعبدون أصنامًا تنحتونها أنتم، وتصنعونها بأيديكم، وتتركون عبادة ربكم الذي خلقكم، وخلق عملكم؟
﴿ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴾
فلما قامت عليهم الحجة لجؤوا إلى القوة، وقالوا: ابنوا له بنيانًا واملؤوه حطبًا، ثم ألقوه فيه.
﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾
فأراد قوم إبراهيم به كيدًا لإهلاكه، فجعلناهم المقهورين المغلوبين، وردَّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردًا وسلامًا.
﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
وقال إبراهيم: إني مهاجر إلى ربي من بلد قومي إلى حيث أتمكن من عبادة ربي; فإنه سيدلني على الخير في ديني ودنياي.
رب أعطني ولدًا صالحًا.
﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾
فأجبنا له دعوته، وبشَّرناه بغلام حليم، أي: يكون حليمًا في كبره، وهو إسماعيل.
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
فلما كَبِر إسماعيل ومشى مع أبيه قال له أبوه: إني أرى في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟ (ورؤيا الأنبياء حق) فقال إسماعيل مُرْضيًا ربه، بارًّا بوالده، معينًا له على طاعة الله: أمض ما أمرك الله به مِن ذبحي، ستجدني -إن شاء الله- صابرًا طائعًا محتسبًا.
﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾
فلما استسلما لأمر الله وانقادا له، وألقى إبراهيم ابنه على جبينه -وهو جانب الجبهة- على الأرض؛ ليذبحه.
﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
ونادينا إبراهيم في تلك الحالة العصيبة: أن يا إبراهيم، قد فعلتَ ما أُمرت به وصَدَّقْتَ رؤياك، إنا كما جزيناك على تصديقك نجزي الذين أحسنوا مثلك، فنخلِّصهم من الشدائد في الدنيا والآخرة.
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾
إن الأمر بذبح ابنك هو الابتلاء الشاق الذي أبان عن صدق إيمانك.
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
واستنقذنا إسماعيل، فجعلنا بديلا عنه كبشًا عظيمًا.
﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ﴾
وأبقينا لإبراهيم ثناءً حسنًا في الأمم بعده.
﴿ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
تحيةٌ لإبراهيم من عند الله، ودعاءٌ له بالسلامة من كل آفة.
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
كما جزينا إبراهيم على طاعته لنا وامتثاله أمرنا، نجزي المحسنين من عبادنا.
﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾
إنه من عبادنا المؤمنين الذين أعطَوا العبودية حقها.
﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
وبشَّرنا إبراهيم بولده إسحاق نبيًّا من الصالحين; جزاء له على صبره ورضاه بأمر ربه، وطاعته له.
﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾
وأنزلنا عليهما البركة.
ومِن ذريتهما من هو مطيع لربه، محسن لنفسه، ومَن هو ظالم لها ظلمًا بيِّنًا بكفره ومعصيته.
﴿ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾
ولقد مننَّا على موسى وهارون بالنبوة والرسالة، ونجيناهما وقومهما من الغرق، وما كانوا فيه من عبودية ومَذلَّة.