شرح زروق على متن الرسالةصفحات 72-89
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات

صفحات 72-89
عن هذه الطبعة
عَلَم
زروق
الكتاب
شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المعروف بـ زروق (المتوفى: 899هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته).
ذكر في هذه الجملة أن النار مخلوقة وأنها أعدت للكافرين والملحدين على سبيل التخليد وأنهم محجوبون عن رؤيته ظاهره مطلقاً وقيل أنهم يرونه تعالى في عرصات القيامة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 30] وهو معارض لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15] فتؤول الأول بأنه وقوف معنوي والحجب المعن عن الرؤية وبيان ذلك أن رؤية الملك كرامة فلا تكون إلا لأهل ولايته والحجب من لوازم الطرد والإبعاد وأجيب بأن الرؤية على وجه القمر والعذاب أشد من الحجب وقد تقدم الكلام في أن الجنة والنار مخلوقتان لأهل السعادة والشقاوة معدتان وأن الخلود هو البقاء الذي لا آخر له قالوا وإنما خلد كل لاعتقاده لأنه لو كان باقياً أبداً ما ترك ما هو عليه من دينه.
والكفر في اللغة التغطية ومنه سمى الحراث كافراً لأنه يغطي الزرع بالأرض وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: 20] وهو شرعاً تغطية الحق بالباطل والإلحاد الحيدة عن الحق في الآيات بإنكارها وتبديلها وإخراجها عن مقصودها وأصله من اللحد وهو الحيدة في الدفن عن سواء القبر إلى جانبه والآيات الدالة الموصلة إلى العلم.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40] هذا تهديد بل نص في أن من ألحد في آياته يلقى في النار وأن غير الملحد يأتي آمنا يوم القيامة والتحقيق أن الجنة محل رؤيته تعالى وكرامته للمؤمنين وأن النار محل الإهانة فلا رؤية فيها وعرصات القيامة موقف المطالبة ولا كرامة معها مع احتمالها المبالغة في العقوبة بظهور القهر وقيام الحجة ولا نص في ذلك من الشارع.
فالصواب الوقف وما في حديث الساق مشكل جداً وللعلماء فيه كلام فانظره وبالله التوفيق.
(وأن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها).
قيل يعني يجيء أمره وسلطانه وقيل المجيء في حقه تعالى صفة يجب إثباتها لنص القرآن ويجب إخراجها عن الظاهر المحال كالنزول والاستواء والساق والقدم والجنب والعين ونحو ذلك إلا أن تعرض شبهة فيؤخذ بما يقتضي التتريه من تأويلها وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وقد تقدم القول في الاستواء وأن مذهب السلف فيه التفويض بعد نفي المحال ومذهب غيرهم التأويل.
قال بعض المشايخ ولئن كان التأويل أعلم فالتفويض أسلم ويسعنا ما وسع سلفنا إذ كانوا في مثل ذلك يقولون أمروها كما جاءت ولا خلاف في وجوب نفي المحال وإنما التفويض في تعيين المحل قال علماء السلف ولا يضرنا الجهل بتعيين ذلك كما لا يضرنا الجهل بألوان الأنبياء وأنسابهم مع القيام بتعظيمهم واحترامهم وليس ثم ألحن من ذي الحجة بحجته ففوض تسلم والملك الملائكة وهم عباد الله المكرمون بطاعته لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وجمهور أهل المال على أنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة شأنهم الخير والعلم والقدر على الأعمال الشاقة لا يوصفون بالأنوثة إجماعاً ولا بالذكور على التحقيق.
ومعنى (صفا صفا) صفوفاً صفوفاً أي صفوفاً بعد صفوف قال بعضهم يكونون ثمانين صفاً محدقين بالخلائق بحيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فانظر ذلك في الأحاديث وتأمله فإن فيه موعظة واعتباراً وقد اختلف في إطلاق ما ورد في القرآن من المشكل في غيره كالمجيء ونحوه فأكثر المتكلمين على عدم جواز الإطلاق وأجازه القلانسي في جماعة من المحدثين والفقهاء وحكى المقترح فيما جرى اصطلاحا عند قوم لا يتوهمون كالحضرة والوصول ونحوه عند الصوفية قولين وأجمعوا على منع ما لا أصل له في كتاب ولا سنة ولا جرى به اصطلاح إن كان إيهامه يبعد عن الأذهان فانظر ذلك.
قال الشيخ ناصر الدين: في يوم القيامة مراتب لها ألفاظ منها البعث وهو الإخراج من القبور والحشر الذي هو الجمع والعرض ومعناهما واحد قال ويظهر أن معنى العرض إحضار المعروض وتمييزه عن غيره وهو مغاير لمعنى الجمع والحشر ثم

السؤال وهو ما علمت ولم عملت قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6] الآية، وانظر بقية كلامه وحاصلة أن العرض أولا ثم الحساب ثم الوزن ثم العقاب والثواب وفي البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حوسب عذب فقالت عائشة رضي الله عنها أو ليس يقول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: 8]، فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك الحديث.
(وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون).
يعني أن أعمال العباد توزن بميزان له كفتان ولسان قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] والموازين جمع ميزان وظاهر هذا أن الميزان متعدد وهل بحسب كل أمة أو بحسب كل شخص شخص أو الميزان متحد والمتعدد الموزونات ثلاثة أقوال الصحيح منها الآخر إذ لم يدل قاطع على خلافه ولا راجح من الأدلة عليه وأنكرت المعتزلة أن يكون ميزاناً حسياً وقالوا هو شيء يعرف به مقادير الأعمال كما تعرف الأوقات بميزان الشمس ونحوه وقالوا: إن الأعمال معان فلا يمكن وزنها وأجيب بأن الموزون الصحائف والثقل والخفة بحسب ما فيها من المعاني والنقص والرجحان معنى يرد على معنى وذلك غير مستحيل.
وظاهر النصوص يقتضيه فلا وجه للعدول عنه وقوله ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني على الوجه المعروف في الثقل والخفة لأن الأشياء لا تصرف على ما يعرف ولا تتأول على خلاف ما يعرف إذ كان المعروف ممكنا من غير معارض ولا دافع خلافاً لمن يقول أنه مخالف لميزان الدنيا بارتفاع كفة الثقل إلى فوق والصواب في هذا كله الوقف بعد إثبات الميزان والله أعلم والفلاح البقاء في النعيم الأبدي لأن الفلاح لغة البقاء لقول الشاعر: لكل ضيق من الأمور سعة ... والمساء والصبح لا فلاح معه أي لا بقاء معه ويقال لمن تخلص من البلاء نجا فإذا حصل مع ذلك في النعيم فقد فاز فإن تم أمره فقد سعد فإن دام نعيمه فقد أفلح قال الله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ

وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185] الآية فتأمل ذلك وقد اختصر الشيخ على أحد قسمي أهل الوزن وهم السعداء لأنه يدل على الآخر وهو من خفت موازينه واختلف في وزن أعمال الكفار لتعارض الأدلة فيهم إذ قال تعالى: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: 105] وقال ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 103] ولا خلود إلا لكافر ولا تظهر الخفة إلا مع الوزن.
فتؤول بأن إقامة الوزن نفعه وقيل رجحانه بمقابله أو ظهور أثره فيما يوزن وقيل غير ذلك وحكى الغزالي كفتي الميزان في العظم كأطباق السموات توضع الحسنات في كفة النور على هيئة حسنة وتوضع السيئات في كفة الظلمة على خلاف ذلك قال والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لتمام العدل انتهى بالمعنى المحاذي للفظه.
(ويؤتون صحائفهم بأعمالهم).
يؤتون يعطون وصحائفهم كتبهم المكتوبة فيها أعمالهم قبل الوزن ثم توزن صحائف الحسنات وصحائف السيئات ويحتمل أن تكون بعد الوزن هل المكتوبة عليهم في الدنيا أو يكتبونها في القبر أو يكتبها العبد في قبره كان كاتباً أو ليس بمكاتب كل ذلك محتمل جائز ولم يرد به قاطع فالصواب الوقف بعد الإيمان بإيتاء الصحف.
(فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيراً).
يعني كما جاء القرآن بذلك ومعنى أوتي أعطي وكتابه مكتوبه الذي فيه أعماله واليمين معلومة وظاهر الأمر أن الكتاب مدفوع إليهم من أيدي الملائكة وقيل تهب ريح من تحت العرش فتلقي لكل إنسان كتابه فيأخذه المؤمن بيمينه ويأخذه الكافر بشماله ثم يجعل يده خلف ظهره ويكلف بأن يقرأه في هذه الحالة زيادة في عذابه والعياذ بالله والحساب اليسير هو السهل اللين ولا خلاف إن المؤمن المطيع يؤتي كتابه بيمينه والكافر بشماله وفي العاصي قولان والأكثر أنه كالمطيع قال في رسالة التنبيه لأبي الحجاج الضرير رحمه الله.
والمذنب الفاسق ذو الإيمان ... من آخذي الكتاب بالإيمان وقيل إن حكمه موقوف ولم يرد في أمره توقيف ومعنى ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾

[النساء: 10] أي يحرقون بنار سعرت يحطم بعضها بعضاً والسعير اسم لجملة النار وقيل السعير طبقة من نار وليس في المسألة قاطع يرجع إليه غير ذكر الأسماء التي هي جهنم ولظى والحطمة والسعير والجحيم والهاوية والدرك الأسفل فقيل طبقاتها وقيل اسم لجملتها وليس في ذلك توقيف ولا خلاف أن لها سبعة أبواب لكل باب منهم أي من الكافرين جزء مقسوم لأنه نص القرآن ويذكر أن أبواب الجنة ثمانية.
وأنكر ابن العربي قصر أبوابها على هذا العدد وأن تكون الجنات كذلك بل ما صح وهو جنتان آنيتهما وما فيهما من ذهب وجنتان آنيتهما وما فيهما من فضة الحديث.
(وإن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم).
الصراط لغة الطريق وشرعاً في باب الاعتقاد جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف رواه مسلم وأنكره المعتزلة وقوفاً مع معقول الشاهد واستبعاد لما ورد نصاً من الشارع من جوازه عقلاً ولما سئل صلى الله عليه وسلم كيف يمشي الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه».
وقال القرافي لم يصح أنه أحد من السيف وأرق من الشعر قائلاً والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى إلى آخره (خ) قلت في قوله (لا يصح فيه أنه أرق من الشعرة وأحد من السيف) نظر لكونه في صحيح مسلم قلت لكنه أعلى بالإرسال وقد خرج الحاكم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه إنما الصراط مثل حد الموسى والأحاديث كثيرة في ذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام «ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد أحداً إلا نفسه عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الصحف حتى يعلم أيأخذ كتابه بيمينه أو بشماله وعند الصراط حتى يجاوزه».
وفي البخاري «يجوز المؤمنون الصراط فيحبسون على قنطرة بني الجنة والنار» الحديث فكان شيخنا أبو عبد الله القوري رحمه الله يقول الصراط في البخاري صراطان صراط عام وصراط خاص فتأمل ذلك وقوله (يجوزه العباد بقدر أعمالهم) ظاهره العموم في الكافر والمؤمن ولا خلاف في المؤمن وإنما الخلاف في الكافر ومعنى فناجون متفاوتون

يعني فيهم في النجاة من السقوط في النار متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، فمنهم من يجوزه كالبرق ومنهم من يجوزه كالريح المرسلة ومنهم كالخيل السابقة ومنهم من يجري جريا ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يمشي مرة ويكبو أخرى فهؤلاء أقسام الناجين وقسيمهم الهالكون ولا تقسيم فيهم.
وقد يفهم ذلك وأنهم على حسب جرمهم وهم المرادون بقوله أوبقتهم فيها أعمالهم أي حصلتهم فيها أعمالهم فلا مخلص لهم منها إلى الأبد إن كانوا كافرين وإلى مدة نفوذ الوعيد إن كانوا مؤمنين والله أعلم.
(والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه أبداً ويزاد عنه من بدل وغير).
هذا معطوف على قوله (والإيمان بالقدر) كما أن ذلك معطوف على قوله (من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان والإيمان بالحوض حوض محمد صلى الله عليه وسلم) لدلالة الأحاديث عليه وقد ورد في الصحيح «أن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً» وفي الحديث أيضاً «عرضه مسيرة شهر عليه كيزان» وفي رواية «أباريق على عدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان من الجنة» وفي رواية «من الكوثر» قيل وذلك دليل أن الحوض بعد الصراط والخلاف في ذلك شهير لا يحتاج إلى تقرير والحاصل أن ليس في المسألة قاطع يرجع إليه فالواجب اعتقاد ثبوت الحوض والصراط والله أعلم بالمتقدم.
كما قال شيخ شيوخنا الشيخ أبو عبد الله محمد العكرمي رحمه الله في عقيدته إذ قال عند ذكر الحوض والصراط مقدماً يكون أو يتأخر وجزم الغزالي بتأخر الحوض والله أعلم بالأمر وقوله (لا يظمأ) هو بفتح أوله والهمزة آخره والظاء المشالة (لا يعطش من شرب منه) يعني بعد شربه ولو شربة واحدة كذلك ورد في الخبر.
ومعنى (يذاد) بذال معجمة أولاً ثم مهملة بينهما ألف يطرد عنه فلا يشرب منه.
من بدل وغير يعني بالكفر والابتداع لا بالعصيان المجرد لأنه ليس بتبديل ولا تغيير وإن كان مخالفاً للمطلوب.
وأصل المسالة قوله صلى الله عليه وسلم «ليذادن عن حوضي أقوام كما يذاد البعير» وقوله صلى الله عليه وسلم

«ليردن على الحوض أقوام فأعرفهم فأقول ألا هلموا فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا» الحديث، واختلف أهل لكل نبي حوض أو لا حوض إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لكل نبي إلا صالح فإنه قد استعجل حوضه آية لقومه ثلاثة أقوال والأخير رواه الترمذي في حديث ضعيف والذي يتعين من ذلك أن حوض محمد صلى الله عليه وسلم ثابت وحوض غيره محتمل فيقطع بالأول ويفوض غيره إلى الله سبحانه.
(وإن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون فيها النقص وفيها الزيادة).
يعني فالقول الذي هو الشهادتان ترجمة ما في القلب من التصديق والإذعان المعبر عنه هنا بالإخلاص لإفراد الوجه فيه إلى الله ورسوله والعمل شرط كمال فقط كما سيأتي ثم الإيمان حقيقة في العقد مجاز في القول والفعل وقد اختلف في القول هل هو شرط فلا إيمان لمن لم يأت به مطلقاً أو شطر فيعتبر ما لم يحصل مانع كاخترام المنية بعد العزم عليه أو عذر كالإكراه على تركه مع تحقق الإيمان بقلبه وهذا هو الصحيح أو لا واحد منهما فيكفي مجرد الاعتقاد ما لم يكن المانع كبراً أو عناداً فلا يختلف في كفره أما النطق وحده فلا يكفي بإجماع أهل السنة خلافاً للنجارية والكرامية وهو باطل ولو سقط العمل مع ثبوت التصديق والإقرار فمذهب أهل الحق أنه مؤمن ويسمى فاسقاً خلافاً للمعتزلة إذ جعلوا الفسق مرتبة بين الكفر والإيمان.
وقد مر الكلام عليه.
ثم زيادة الإيمان ونقصانه مختلف فيه على ثلاثة أقوال ثالثها يزيد ولا ينقص وكلها منقولة عن مالك وفي شامل إمام الحرمين كل من أطلق الإيمان على فعل الطاعة زاد ونقص وكان مالك يقول يزيد ولا يقول بنقص ثم لما سأله ابن نافع عند موته قال قد أبرمتمونا وإذا تدبرت هذا الأمر فما شيء يزيد إلا وهو ينقص قال ابن رشد وهو الصحيح، قلت وهو مذهب البخاري وقد انتصر له بظواهر القرآن والسنة كقوله تعالى: ﴿الكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المدثر: 31] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17] إلى غير ذلك.
وقال بعضهم الإيمان مثل السراج له آنية هي القول وزيت هو العمل وفتيلة مع نارها ونورها هو الاعتقاد وما يتبعه من أنواره وآثاره فالقول لا يزيد ولا ينقص والعمل

يزيد وينقص والفتيلة يزيد نورها بحسب حسن الزيت وكثرته المناسبة ولا ينقص أصلها لأنه لو نقصت جمرتها طفئت وهذا هو المناسب لكلام الشيخ إذ جعل النقص بالعمل وبه الزيادة لا أن غير العمل يلحقه نقص في ذاته قال الإمام أبو حامد رحمه الله وما روي عن السلف من أن الإيمان يزيد وينقص ليس معناه أن حقيقته تزيد وتنقص ولكن معناه أن ثمرته تزيد وفيض نوره على ماهيته قال الفهري يمكن أن تكون زيادته بكثرة المتعلقات وقال النووي بكثرة الأدلة قلت: لأن ذلك يقتضي تمكنه في القلب وانشراحه حتى يخالط بشاشة القلوب فلا يمكن الرجوع عنه ولا يحتاج إلى برهان عليه فتأمل ذلك وبالله التوفيق.
(ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة).
قول الإيمان هو الشهادتان سواء قلت هو شطر أو شرط لتوقف صحته عليه وقد وقع ما يدل على تغاير الإيمان والإسلام وترادفهما فقال المحققون الذي يظهر من جهة الشرع واستعمال اللغة أن الإيمان حقيقة في العقد مجاز في العمل والإسلام عكسه وهما في الشرع واحد لتوقف كل واحد منهما في صحته على الآخر والمراد بالعمل إقامة الشرائع والحدود فالعمل شرط كمال للإيمان لا شرط صحته بإجماع أهل السنة إلا ما وقع لهم من الخلاف في تكفير تارك الصلاة وباقي القواعد على أن بعض العلماء قال التكفير بذلك من حيث إنه علامة على خبث الباطن لا من حيث ذاته فانظره وقوله (ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة) يعني أن النية شرط كمال الأعمال يعني كانت مما تجب فيه أو لا تجب.
فالنية كسائر الأعمال تقلب أعيانها إلى الحسن وتزيدها في الثواب، قال الإمام أبو حامد رحمه الله وإنما الشأن في النية فإنها معدن غرور الجهال ومزلة أقدام الرجال، وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه النية عدم غير المنوي عند التلبس به والكلام في ذلك طويل وقد أفرده جماعة بالتأليف وأكمله مدخل ابن الحاج فلينظره من أراد ذلك والسنة المراد بها طريقة محمد صلى الله عليه وسلم التي كان عليها من قول أو فعل أو تقرير وتقابلها البدعة وهي إحداث أمر في الدين مشبه أنه منه وليس به على مذهب من يرى أن

العوائد لا تدخلها البدع وعلى كل حال فما وافق السنة كمال في أي باب كان والخير كله في الاتباع ويرحم الله مالكاً حيث كان كثيراً ما ينشد هذا البيت وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] وقال الحسن رضي الله عنه عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة انتهى.
وتحقيق البدعة والسنة والنظر فيهما من أهم المهم لكثرة البدع واتساعها وبالله التوفيق.
(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة).
يعني ممن يصلي إليها وهل بالفعل فيخرج تارك الصلاة أو باللزوم فلا يخرج وهما على القولين في تكفيره بتركها والتكفير لأكثر مذهب المحدثين مع أقل الفقهاء وعدمه لأكثر الفقهاء مع أقل المحدثين ولم يقع الأهل السنة تكفير بعمل سوى ما ذكر وأما تقدم أنه معتبر بدلالته على الكفر لا بنفسه والخلاف في باقي القواعد أضعف من الخلاف في الصلاة وفي الحديث ثلاثة من كمال الإيمان فذكر منها الكف عمن قال لا إله إلا الله أن لا نكفره بذنبه ولا نخرجه من الإسلام بعمل الحديث ذكره أبو نعيم وغيره فانظره واختلف في أهل الأهواء الذين يؤول قولهم إلى كفر كالقدرية والجبرية والمرجئة فقال سحنون بتكفيرهم وحكاه عن أكثر الأصحاب.
وقال مالك حين سئل أكفارهم من الكفر هربوا وحكى عياض الاتفاق على تكفير القائلين بالقدر وقيل هم كفار دون سائر الفرق وقيل كل الفرق كفار إلا الجبرية لقربهم من الحق وقيل من كفرنا كفرناه وهو مذهب الأستاذ، وقال الشيخ أبو بكر بن فورك الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلام خير من الغلط بإخراج مسلم واحد بشبهة كفر وكفر الغزالي الفلاسفة بإنكار حشر الأجساد وقدم العالم ونفي العلم بالجزئيات فانظر ذلك.
(وإن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين).
الشهداء جمع شهيد وهو من قتل في سبيل الله أي في الجهاد لإعلاء كلمة الله

قيل سمي بذلك لأن الملائكة تشهد له عند موته وقيل لأن دمه يشهد له يوم القيامة إذ يأتي وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك الحديث وما ذكره الشيخ هنا هو نص القرآن والتحقيق أنه حياة غير متعلقة وكونهم يرزقون هو على ما يفهم من الأكل والشرب ونحوه غير متعقل الكيف.
وقد أشار القرآن لعدم التعقل بقوله: ﴿وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154] وقد قال الحسن أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم غدوا وعشيا فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على آل فرعون، وقال مجاهد يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها وجمهور العلماء على أنهم فيها وما ورد أنهم في حواصل طير خضر أو في قيعان تحت العرش ونحو ذلك قيل اختلافه باختلاف مراتبهم وقيل باختلاف أحوالهم وما في الأحاديث من إطلاق اسم الشهيد على المبطون والمطعون والغرق وصاحب الهدم ونحو ذلك هو من حيث الثواب والكرامة لا أنهم مثل شهيد المعترك والله أعلم.
وقوله: (وأرواح أهل السعادة) إلى آخره يعني: أن الأرواح لا تغنى من مسلم ولا من كافر فهي باقية إلى الأبد، هذه منعمة بما يعرض عليها مما أعد الله لها وهذه أيضاً كذلك معذبة قال الله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواًّ وَعَشِياًّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: 46] ولقوله عليه الصلاة والسلام «ما منكم من أحد إلا ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله» الحديث.
وقد تكلم الناس في حقيقة الروح فأطالوا وقصروا بسطوا واختصروا حتى لقد قال ابن رشد في كتابه «المرقبة العليا في تفسير الرؤيا» أخبرنا شيخنا القرافي عن شيخه ابن دقيق العيد أنه رأى كتاباً للحكماء في حقيقة الروح والنفس وفيه ثمانية أقوال، قال وكثرة المقالات تؤذن بكثرة الجهالات واختلف العلماء في جواز الخوض في ذلك فمنعه المحققون وأجازه منهم ولم يقف له أحد على حقيقة والأقرب أنه جسم لطيف شفاف نوراني سار في الأجسام سريان النار في الوقيد والله أعلم.
وفي جمع

الجوامع حقيقة لم يتكلم فيها محمد صلى الله عليه وسلم فنمسك عنها.
(وإن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسالون ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).
فتنة القبر بالسؤال عن الإيمان والتوحيد ونعيمه وعذابه للمستحق ثابت في الأحاديث الصحيحة فلا وجه لإنكاره خلافاً المتأخري المعتزلة ويسأل الصبيان كغيرهم وفي الترمذي «فتانا القبر منكر ونكير» زاد في حيلة أبي نعيم وناكور وحكى الغزالي أن لأهل الطاعة مبشراً وبشيراً ومنكراً ونكير للعصاة وقال أبو عمر فتنة القبر للمؤمن وعذابه للكافر والمنافق قال ودلت الأحاديث الصحيحة أن الكافر لا يسال في قبره وفي البخاري وغيره من أحاديث أسماء رضي الله عنها.
وأما المنافق والمرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته وهذا يدل أن المسئول من وسم بالإسلام وإن كان كافراً فكلامه إذا إنما هو في الكافر المبرز بكفره والله أعلم، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيسأل الشهيد؟ فقال: «كفى ببارقة السيوف شا» أي شاهداً ولكنه أتى به على الترخيم رواه مسلم.
قال علماؤنا ولا سؤال إلا بعد حياة فقال إمام الحرمين المرضى عندنا أن السؤال يقع على أجزاء من القلب أو غيره يحييها الله تعالى، وقال الحليمي يحيا بجملته وهو مقتضى ما جاء في حديث البراء بن عازب من إعادة الروح إلى الجسد وكل جائز والله أعلم وكل ميت محله قبره فيسأل فيه.
وقال الفهري على وقوع السؤال للصبيان لا بد من تكميل قلوبهم.
وقوله (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) يعني بالشهادة عند الموت وفي الآخرة عند السؤال من الملكين لأن القبر أول منزلة من منازل الآخرة والسؤال من الله عند المواجهة رزقنا الله ذلك في كل موقف بمنه وكرمه.
(وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك علم ربهم).
ي1/عني لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 10، 11]


الآية ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18] فيكتبون حسن العمل وسيئه قيل ومباحه ثم يترك وما يؤخذ به من خواطره يعلم ذلك ريح يخرج من فيه وظاهر النصوص أن الكافر يكتب عليه الزيادة في الحجة وفي الحديث «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» قيل كاتبان بالليل وآخران بالنهار وهل يتجددان في كل يوم أم لا وأين يكونان إذا مات الإنسان قيل ومحلهما العانقان وقيل عند الشفتين والصواب في هذا كله الوقف لعدم القاطع عند المحققين والله أعلم.
وقوله: (ولا يسقط شيء من ذلك عن علم) ربهم يعين أن الكتب إنما هو لإظهار حكمته وإثبات رحمته وإلا فعلمه محيط بما كان من خلقه لا لتذكره ولا توثق إذ إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال وإنما ينبه من يمكن منه الإهمال وكل ذلك عليه تعالى محال.
(وإن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه).
ملك الموت هو عزرائيل أحد أكابر الملائكة عليهم السلام وقد تقدم الكلام على حقيقة الملك وأنه مخلوق من نور وأعطي التشكل على ما يريد من الصور ليسوا بإناث ولا يقال فيهم ذكور ولا لهم آباء ولا أبناء ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولا يصح منهم الجهل بالله ولا بصفة من صفاته ولا حكم من أحكامه.
قال ابن العربي وقد أحياهم الله حياة واحدة ويميتهم ميتة واحدة ثم يحييهم بعد هذا فلهم حياتان وموته واحدة ومن عداهم لهم حياتان وموتتان وللآدمي أربعة حياة الميثاق وحياة التكليف وحياة القبر وحياة الحشر وقال الأشعري الموت صفة وجودية كالحياة لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: 2] قال ولا يعرى جوهر عنها، وقال الإسفرائيني الموت بعد الحياة وتأول الخلق بالتقدير، وهو خلاف الظاهر، وقوله (الأرواح) يعني جميعها من آدمي وغيره لقوله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] الآية وقد يعارض هذا بقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:42] فيجاب بأن هذه إضافة حقيقية لمحققها وذلك إضافة فعل إلى مكتسب ومعنى بإذن ربه بأمره وحكمه.
(وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

يعني لقوله عليه السلام: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قيل ثم كذلك إلى آخر الدهر لقوله عليه السلام: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه».
وقيل لا لقوله: «ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته» الحديث والقرن لغة الجيل من الناس قاله الجوهري وقيل هو عبارة عن جماعة من الناس مجتمعه في صفة واحدة أو مكان واحد أو زمان واحد وهو أخصه.
واختلف في حده فقيل مائة وعشرون سنة وقيل مائة وهو المتعارف ورجح بظواهر وأحاديث وقيل ثمانون وسبعون وستون وأربعون وثلاثون وعشرة وقيل منها إلى مائة وعشرين والمقصود أن أفضل القرون قرن الصحابة وهو من اجتمع بمحمد صلى الله عليه وسلم مؤمناً به قال أبو زرعة الرازي مات عليه السلام عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً كلهم رآه أو روى عنه ذكره ابن الأثير وابن القطان وغيرهما والقرن الثاني هم التابعون أعني الذين رأوهم وتابعوا التابعين بعدهم وسيأتي تمام الكلام في ذلك آخر الكتاب إن شاء الله فانظره.
(وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الهادون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان علي رضي الله عنهم أجمعين).
الرواية هنا وأفضل أصحابه وفي رواية الصحابة الخلفاء وهم القائمون بأمر الأمة بعد موته عليه السلام وأولهم أبو بكر عبد الله بن عثمان أبو قحافة بويع له يوم وفاته صلى الله عليه وسلم بإجماع الصحابة وإن توقف بعضهم للتروي في النظر فقد لحق بهم في وقته فتم الإجماع على تقديمه وكذلك على تقديم عمر بعده رضي الله عنهما قال أبو منصور السمعاني أجمع أهل السنة على أفضلية أبو بكر على كل الصحابة قال ولا يعتد بخلاف الروافض وغيرهم ثم لا خلاف أن ليس بعد أبي بكر إلا عمر في الفضل والتحقيق أن الخلفاء

الأربع في الفضل على مراتبهم في الخلافة.
قال ابن رشد وهو المعمول به من قول مالك وفي المدونة أنه سئل من خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر ثم عمر ثم قال أو في ذلك شك قيل فعلي وعثمان قال ما أدركت أحداً يعتد به يفضل أحدهما على صاحبه ويرى الكف عن ذلك وعنه أدركت أهل العلم ببلدنا لا يفضلون أحداً من الصحابة على أحد ويقولون الكل فضلاء وعليه رواية العطف بالواو الجميع هنا فهي إذا ثلاثة أقوال كلها لمالك، وقال أبو بكر الباقلاني هم في الفضل سواء لأن فضلهم خارج عن الحصر والترجيح لا يكون إلا بالطعن والطعن ممنوع.
قال والمسألة اجتهادية فمن فضل باجتهاده من غير طعن فلا عتب عليه والخطأ لا يوجب الإثم لأنه ليس في أمر يلزم العمل به ولا هو من فرائض الدين والواجب إنما هو اعتقاد فضل الصحابة على جميع الأمم ثم العشرة أفضلهم ثم الأربعة وأهل بدر غيرهم دونهم فانظر ذلك وربما عبر بعضهم بقوله أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر واعترض بعيسى فقيل الصواب أن يقال أفضل الناس بعد الأنبياء أبو بكر لأنه أفضل الأمة التي هي أفضل الأمم وعيسى عليه السلام وإن كان نزوله على حكم الأمة فدرجة النبوة في الفضل لا ترتفع عنه والله أعلم.
(وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب).
يعني أنه يجب تعظيم الصحابة وتوقيرهم والكف عن القدح فيهم لأن الله تعالى قد عظمهم فقال عز من قائل: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] الآية وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» الحديث.
وقال أبو القاسم الحكيم اليهود والنصارى أحسن حالاً من الروافض وإن كانوا

مسلمين لأنه لو قيل ليهودي من أفضل الناس قال موسى فإذا قيل من أفضل الناس بعده قال نقباؤه ولو قيل للنصراني من أفضل الناس قال عيسى فإذا قيل له من بعده في الفضل قال حواريوه ولو قيل لرافضي من أفضل الناس قال محمد صلى الله عليه وسلم فإذا قيل له من شر الناس بعد موته قال أصحابه فقبح الله رأيهم فيما أنوا من ذلك فالواجب ذكرهم بكل جميل والإمساك عن كل ما يؤدي لخلافه وما وقع بين علي ومعاوية فعن اجتهاد ولكل أجر بما وقع منه ومذهب أهل السنة أن الصحابة كلهم عدول وكل ما في ذلك من الخلافة للمعتزلة.
وقد قال بعضهم إن الصحابة عيون ودواء العين لا تمس ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسئل ميمون بن مهران عن أهل صفين فقال تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا تخضب بها ألسنتنا وكذا قال عمر بن عبد العزيز في شأن يزيد قال صاحب الأنوار وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تكفير يزيد ولا لعنه فإنه من جملة المؤمنين وأنه في المشيئة حتى قال الإمام حجة الإسلام يعني الغزالي وعلى الواعظ وغيره الكف عن رواية مقتل الحسين وما جرى بين الصحابة من التخاصم فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم.
وسئل الحسن عن حرب علي ومعاوية فقال شغلني عنه ذكر الهاوية وقد كفر قوم يزيد بمقالات رويت عنه وهو كذلك إن صحت والأمر في الحجاج مثله وقد جزم جماعة من العلماء بكفر الحجاج منهم القاضي أبو بكر بن العربي فسألت شيخنا أبا عبد الله القوري رحمه الله عن ذلك فقال لأنه كان يفضل الملك على النبوة وهذا إن صح لم يختلف في كفره والمقطوع به في شأنه وشأن يزيد أنهما ظالمان سخط الله عليهما أقرب من رحمته لهما ويعلق كفرهما على صحة ما نقل عنهما من الأقوال والأفعال الدالة عليه والله أعلم.
ومعنى شجر: اشتبه واختلط وظاهر كلام الشيخ التناقض إذ أمر بالإمساك أولاً ثم بحسن التأويل آخراً وأجيب بأن الأول حكم العوام والثاني حكم الطلبة ومن في معناهم والظاهر أن الإمساك هو الأصل فإن وقع الكلام فالحمل على الوجه الأحسن هو المطلوب والله أعلم.
(والطاعة لائمة المسلمين ولاة أمورهم وعلمائهم).
يعني من واجب أمور الديانات طاعة الأمراء فيما ليس بمعصية ولا يؤدي إلى

معصية من خروج ولا خلاف فقد قال عمر رضي الله عنه لسويد بن غفلة يا سويد بن غفلة لعلك لا تلقاني بعد اليوم عليك بالسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً مجدعاً إن شتمك فاصبر وإن ضربك فاصبر وإن أخذ مالك فاصبر وإن راودك عن دينك فقل طاعة مني دمي دون ديني ولا تخرج أبداً من طاعته انتهى.
وقد قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] الآية وقد علم أن العلماء ورثة الأنبياء فوجب الرجوع إليهم وامتثال أمرهم إن كانوا ممن يصح الاقتداء بهم وهو كونهم من أهل العدالة مع علمهم والله أعلم.
(وأتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم).
السلف الصالح الصحابة ومن تبع طريقتهم من سلف الأمة والصالح من صلحت أقواله وأفعاله وأحواله فلم يمكن وجه الرد عليه ولا معنى للطعن فيه فيجب اتباع طريقتهم واقتفاؤهم يعني موافقتهم في علمهم حتى كأنه يمشي خلف قفاهم من غير حيدة ولا خروج عن هديهم القويم وسبيلهم المستقيم وآثارهم ما دل على أمرهم وشأنهم وإنما يستغفر لهم لما لهم من الحق فيما قاموا به من أمر الشريعة إذ أصلوا وحصلوا وفصلوا وجمعوا ووصلوا ونصحوا الأمة بما فعلوا فما من الأمة واحد إلا ولهم عليه منة في دينه بل وفي دنياه بحسب ما وصل إليه من ذلك والله أعلم وسيأتي في هذا مزيد آخر الكتاب إن شاء الله.
(وترك المراء والجدال في الدين).
يعني من واجب أمور الديانات ترك المراء والمراء قوة الجدال والجدال المنازعة وقد جاء النهي عنه في أمر الدين لأنه لا يزيد إلا شراً إلا أن تلجئ الضرورة إليه مع الاقتدار على النصرة أو لتذكر العلم بحسن الخلق وقد قسم العلماء الجدال إلى أقسام الشريعة وحمل القاضي عبد الوهاب كلام الشيخ على ترك الكلام مع أهل الأهواء ومنازعتهم لأنه في الغالب ضرر ولا نفع فيه إلا للنادر في النادر والنادر لا حكم له وقد جاء في الحديث «من ترك المرء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة» فانظر ذلك.
(وترك كل ما أحدثه المحدثون إلخ).
يعني في أمر الدين لقوله عليه السلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» قال علماؤنا فالبدعة إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس به وهذا على قول من يرى أن البدع لا تدخل في العادات وإلا فقوله في الدين زيادة والأول أصح وقد قسم عز الدين بن عبد السلام البدع إلى أقسام الشريعة اعتباراً بمطلق الأحاديث.
وقال المحققون: إنما تدور بين محرم ومكروه لقوله عليه السلام: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولا يصح أن يكون المباح ونحوه ضلالة ثم البدع ثلاثة أنواع بدع صريحة وهي التي ترفع ما كان مشروعاً أو تزاحمه وبدع إضافية وهي ما أضيف إلى ثابت شرعاً بإدخال كيفية ليست منه وبدع خلافية وهي التي تتجاذبها الأصول فيتبع كل إمام أصله فيها وتفصيل ذلك يطول وقد ألف الناس في ذلك طويلاً وعريضاً فممن ألف الطرطوشي وما أوعب ابن الحاجب في مدخله والشيخ أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الحوادث والبدع وابن فرحون وغيره من المتأخرين.
وقد فتح الله في ذلك بتأليف فيه مائة فصل دار جله على أمر الصوفية لكثرة البدع من المدعين في طريقهم المبني على الكتاب والسنة أولاً تحريف الظالمين والله بصير بما يعملون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
خاتمة: قد جمعت هذه العقيدة نحواً من مائة مسألة من مسائل الاعتقاد وأتى بها الشيخ مسلمة من غير برهان اكتفاء بالمعاني على الاصطلاح ولأن إيمان المقلد عنده صحيح وهو مذهب جماعة من الأئمة وادعى بعضهم الإجماع عليه وبعضهم الإجماع على عكسه وعلى صحة أئمة المذاهب الأربع الثوري والأوزاعي وكافة أهل الظاهر وكثير من المتكلمين خلافاً لأكثرهم والمعتزلة إن لم يكن مع احتمال شك أو وهم وإلا فليس بصحيح لأن التقليد أخذ قول الغير بغير حجة فإن كان مع الجزم ففيه الخلاف وإلا فباطل واختلف مع الصحة في تأثيره بترك النظر مع القدرة عليه.
وقال شيخنا أبو عبد الله السنوسي رحمه الله هو كمال وإن لم يكن واجباً إجماعاً فلا ينبغي تركه بغير عذر وتقدم التنبيه عليه أول الكتاب وإن مأخذ العقائد وجريها على ترتيب سورة الأنعام فلذلك كان أولها خلق السموات والأرض وآخرها عقد

الإمامة وفضل الصحابة لقوله تعالى في خاتمتها: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165] وهذا جملة الأمر ومداره وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فصول الكتاب · 90 فصل · 1192 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زروق على متن الرسالة · 1192 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات
باب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامة
باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم
باب جامع في الصلاة
باب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن العارية والوديعة واللقطة والغصب
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهاداتباب في الفراض
باب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائب
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلكباب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الدياناتباب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب في الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذورباب في النكاح والطلاق الرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاعباب في العدة والنفقة والاسبتراءباب في البيوع وما شاكل البيوعباب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصبباب في أحكام الدماء والحدودباب في الأقضية والشهاداتباب في الفرائضباب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي ويغير ذلك
جارٍ التحميل