شرح زروق على متن الرسالةصفحات 1016-1042
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائب

صفحات 1016-1042
عن هذه الطبعة
عَلَم
زروق
الكتاب
شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المعروف بـ زروق (المتوفى: 899هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وبالزبيب جميعا وفي رواية عطاء نهى عليه السلام أن ينتبذ البسر والتمر والرطب جميعا فإن يسرع الغليان فيؤدي ذلك إلى الشدة المحرمة وكذا الانتباذ في الدباء أي في القرعة اليابسة.
و (المزفت): هو الذي عليه زفت من الأواني وحديثه متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه وفد عبد القيس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشربة؟ فنهاهم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير وربما قال المزفت الحديث.
والحنتم هو المزجج من أواني الفخار والنقير خشبة ينقرونها ثم ينبذون فيها والمقير هو الذي عليه القار وهو المزفت وقد اختلف العلماء في هذا الحديث والذي قبله هل حكمه باق وهو مذهب مالك وجعله أصلا في سد الذرائع وقال غيره هو منسوخ بقوله عليه السلام: " انتبذوا وكل مسكر حرام" وأظنه مذهب الشافعي والله أعلم.
ثم في حمل النهي على التحريم أو على الكراهة قولان وفي كون النهي عن الخليطين تعبدا أو لعلة قولان لابن رشد وظاهر المذهب التعبد وكراهة النضوج للمرأة من الخليطين روايتا ابن رشد ولا خلاف في كراهته من حيث إنه طعم وفي جواز خلط التمر والزبيب للخل وكراهته قولان لرواية أشهب ورواية ابن عبد الحكم ونقل ابن زرقون عن اللخمي عن بعض شيوخه منع خلط الشاربين للمريض.
وحكى ابن يونس عن بعض إجازته ولابن حبيب عن مالك النهي عن الخليطين وإن كانا من جنس واحد كزبيب وعنب إلا الفقاع أصبغ تستخف تحليته بالعسل الباجي وهذا يجب منعه لأن كل واحد منهما نبيذ منفرد واختلف قول مالك في العسل يطرح فيه عجين أو حريرة فروى ابن القاسم في العتبية لا بأس به وهو أحب إلي.
وفي المبسوط عن مالك منع شراب الفقاع وأجازه ابن وهب وهو المشهور وقاله أشهب وسحنون وقال ابن القاسم في العتبية لا بأس بالعسل باللبن لأنه خلط مشوبين فلم يره كالانتباذ كشراب الورد وشراب النيلوفر وغيرهما.
وفي المدونة لا يعجبني أن ينتبذ البسر المذنب والتمر جميعا والمذنب هو الذي قد أرطب بعضه.
(ونهى عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقوله تعالى: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: 8]).
أما النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال فأكله حرام وهذا زيادة من أبي هريرة على حسب فهمه لا يلزمه اتباعها عبد الوهاب الني عندنا عن أكل كل ذي ناب محمول على الكراهة وفي الجواهر السباع كلها مكروهة من غير تمييز ولا تفصيل في رواية العراقيين وظاهر الكتاب يعني المدونة موافق لها وأما الموطأ فظاهره أنه حرام وقال ابن حبيب لم يختلف المدنيون في تحريم السباع العادية الأسد والفهد والكلب فأما غير العادية كالذئب والثعلب والضبع والهر والوحش والإنسي يكره أكلها من غير تحريم.
وروى عبد الرحمن بن دينار عنا بن كنانة أن كل ما يفترس ويأكل اللحم فلا يؤكل وما كان مما سوى ذلك مما يعيش بنبات الأرض ونحوه فلم يرد فيه نهي قال وأما الإنسي من ذوات الحافر فالخيل مكروهة دون كراهة السباع وقيل محرمة وحكى ابن بشير قولا بالإباحة والحمير مغلظة الكراه وقيل محرمة.
والمشهور في الكل التحريم قال الشيخ لقوله تعالى: ﴿لتركبوها وزينة﴾ يعني أن الله عز وجل لما ذكر الأنعام قال: ﴿لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ [النحل: 5] ولما ذكر هؤلاء لم يذكر غير الركوب والزينة فدل أنه لا يجوز فيها إلا ذلك.
وقد أمر صلى الله عليه وسلم عام خيبر أبا طلحة أن ينادي في الناس: إن الله ورسوله ينهياكنم عن الحوم الحمر الأهلية فإنها رجس متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه وفي حديث جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ورخص في الخيل وأخذ به الشافعي ولا خلاف في جواز أكل حمار الوحش ولو دجن كان له حكم الإنسي على المشهور خلافا لعبد الملك والله أعلم.
(ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية).
يعني فإنها تؤكل بما يؤكل به الوحش ما دامت متوحشة على المشهور.
ابن شاس: الذكاة توجب طهارة ما ذكي مطلقا سواء قلنا يؤكل أو لا يؤكل إلا الخنزير فتطهر كل أجزائه من لحم أو عظم أو جلد وقال ابن حبيب: لا يطهر بها بل هو ميتة واستشكل ما في المدونة من طهارة جلد السباع بالذكاة دون جلد الحمار وتوقف.

مالك في الكيمخت وهو جلد الفرس وأجيب بأن ذلك سد للذريعة من أكلها لأنه سهل التناول وفيها لا يصلى على جلد حمار وإن زكي وذكر بعض العلماء أن تحريم لحم الحمار لأنه يرث قلة الفهم والملة مبنية على الفهم والبغل من نسبته والخيل يورث الكبر وهو بعيد والله أعلم.
(ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها).
يعني أن الطير كلها مباح بلا كراهة هذا هو مشهور المذهب حتى في الخطاف على المشهور وقيل يكره لقلة نفعه مع أنه يتحرم بالبيوت وروى ابن أبي أويس لا يؤكل كل ذي مخلبمن الطير وقال به الشافعي ولم يقل به مالك اعتمادا على حديث أبي هريرة رضي الله عنه إذ لم يذكر ذا المخلب ولهذه المسألة وجه في الأصول وحاصل ما في المسألة الجواز والتحريم والكراهة والمشهور الأول والله أعلم.
(ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كان مشركين فليقل لهما قولا لينا ولعاشرهما بالمعروف ولا يطعمها في معصية كما قال الله تعالى وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).

جملة ما ذكر في هذه الجملة راجع للنصيحة لخاصة المسلمين وعامتهم وقد قال صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة" قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين ولخاصتهم".
رواه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه فمن

النصيحة لخاصة المسلمين بر الوالدين وصلة الرحم وتعظيم حرمات المسلمين والموالاة لهم وقد قال تعالى في حق الوالدين: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: 23 - 24] الآية.
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة عندهم بآبائهم لكفرهم أن يستوصوا بهم خيرا وقال صلى الله عليه وسلم: " رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين".
أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وصححه الحاكم وقوله: " ولا يطعهما في معصية" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي﴾ [لقمان: 15] فأمر بمحاسنة الأبوين ومصابحتهما بالمعروف واتباع أهل الإنابة وصدق الإجابة وقد قال علماؤنا إذا لم يجد سبيلا إلى علم ما يجب عليه إلا بالسفر عنهما لزمه ولا عبرة برضاهما ولا عدمه في ذلك وقوله كما قال سبحانه يحتمل أن يعود لأصل المسألة فيكون إشارة لقوله تعالى: ﴿وقضى ربك﴾ الآية ويحتمل أن يعود لعدم طاعتهما بمعصية فيكون إشارة لقوله تعالى: ﴿وإن جاهداك﴾ الآية فتأمل ذلك.
وقال ابن عطية رحمه الله في تحريم ما يجب على الولد لأمه وأبيه ما معناه لا يعصيهما في مباح ولا يطيعهما في معصية ويترك لهما المندوبات والمستحبات وانظر بقية كلامه وفي الصحيح: " لا يجزئ والد عن ولده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" قال ابن العربي فيخلصه من أسر الرق كما خلصه من أسر الصغر وقيل غير ذلك ولا خلاف أنهما على السواء في تحريم العقوق ووجوب البر غير أن الأم أرجح في الإبرار المندوب لضعفها ورقتها وشدة ما لقيت من الحمل والتربية فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك" وقد توكل بعض الناس لأمه على أبيه فقيل له في ذلك فقال: سترت وجه أمي وقمت بحق ضعفها وصنت أبي عمن يتوكل عليه من الجهال ولعل الله أن يصلح بينهما كذا ذكره في القبس وبالله التوفيق.

وأشار بالاستغفار لأبويه المؤمنين إلى أن الكافرين لا يستغفر لهما لقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: 113] الآية وقد روى عبد الوهاب أن رجلا قال يا رسول الله إن لي أبوين هلكا فهل بقي علي من برهما شيء قال: " نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وانقاذ عهودهما وصلة رحمهما" زاد ابن العربي" وإكرام صديقهما" يعني: لقوله عليه السلام: " إن من أبر البر إكرام الرجل أهل ود أبيه" ومعنى الاستغفار الدعاء بالمغفرة ولا خلاف أن الدعاء يصل الميت كالصدقة واختلف في القراءة وقد قال بعض متأخري الشافعية تضافرت مرائي الصالحين على وصولها وأخذ انتفاع الميت بالذكر من حديث الجريدتين إذ قال عليه السلام: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" قال ابن الحاج في المدخل ومن أراد وصول قراءته بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء بأن يقول اللهم أوصل ثواب ما أقرؤه إلى فلان وكذا الشيخ الصالح الفقيه (ع) يصلي على أمه قال بعض شيوخنا وهذا يدل على أنه كان مجتهدا فيما يخصه لنفسه والكلام في المسألة طويل عريض فانظره.
(وموالاة المؤمنين) الألفة معهم وإعانتهم على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم (والنصيحة لهم) الإرشاد والتحذير مما يضر أو يكاد وأصل النصيحة في اللغة: الخلوص والصفاء فمصافاة المؤمنين والخلوص لهم من واجبات الدين ولا يصح له ذلك إلا بأن يقيمهم مقام نفسه في كل ما يجب أن يعاملهم به بل يعاملهم بما يجب أن يعاملوه به أو أوفي وذلك لا ينشأ إلا بمباشرة الإيمان حقيقة قلبه فيكون معهم كالنفس الواحدة وسيأتي معنى الحديث بعد إن شاء الله.
وقوله: (كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيه تقصير في السياق لأن (روي) من صيغة التمريض والصواب الجزم فقال لأن الحديث متفق عليه وبالله التوفيق وأما صلة الرحم فواجبة إجماعا قال القرافي: في كل قرابة قريبة تنشر الحرمة بحيث لو كان أحدهما ذكر والأخرى أنثى حرم كل منهما على الآخر كالعم والخال والأخ وابن الأخ والأخت وابن الأخت وما سوى ذلك فهي مستحب وفي الحديث " من أراد أن يبسط له في

رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه" وفي الصحيح" الرحم شجنة وصل الله من وصلها وقطع الله من قطعها" وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " لا يدخل الجنة قاطع رحم" متفق عليه وفي الخير" صحبة يوم صحبة وصحبة شهر قربة وصحبة سنة رحم ماسة وصل الله من وصلها وقطع الله من قطعها" فاعرف ذلك.
(ومن حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية).
يعني: أن هذه الخمس لا يجوز للمسلم تركها في حق أخيه المسلم لغير ضرورة فأما السلام فهو للتأمين أو الإبرار وستأتي أحكامه إن شاء الله وأما عيادة المريض فلجبر قلبه واختبار حاله للقيام بما يقدر عليه من شأنه ولها أحكام تخصها أهما ثلاث أن يعتبر ما يؤمر بإعادته شرعا أن يأتي بوجه العيادة فلا يطون على المريض ولا أهل البيت ولا يخل بحقه في تأنيسه ونحوه ولا يأتي في وقت يكون له أو لهم شغل.
وأما التشميت فيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما حفظه في السر فبأن لا يسيء الظن به ولا يتعدى على أمانته ولا غيرها من مال أو حرمة أو عرض أو غير ذلك وفي الحديث " من رد عن عرض أخيه في الغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة".
(ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليلال والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي أن يترك كلامه بعد السلام).
خرج الشيخان ومسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" ورواه أيضا في الموطأ وحديث أنس رضي الله عنه وقوله: (ولا ينبغي له) يعني: لا يصلح للمسلم عليه أن يترك كلام المسلم بعد سلامه عليه يريد إذا لم يكن هجره واجبا ولا ضرر لاحق به.
الباجي: إنما يخرج السلام من الهجران إذا كان متماديا على إذايته والسبب الذي هجره لأجله وأما إذا أقلع عن ذلك بالكلية فلا يخرج من العهدة حتى تجوز شهادته عليه

بأن يعود معه إلى ما كان عليه قبل ذلك قال وهذا معنى قول مالك رضي الله عنه.
(والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه).
أما هجران المبتدع فمن باب النصيحة لله ولرسوله ويتأكد الأمر فيه إذا كانت بدعته في الأصول أو في الفروع المهمة بالابتداع الصريح وما يقرب منه لا سيما إن كان داعية لمذهبه.
وقد يرى بعض العلماء الهجران فيما هو دون ذلك هجر أحمد بن حنبل ذا النون المصري لما تكلم في الخواطر قائلا أحدث في الدين علما لم يكن فيه وهجرانه المحاسبي لما ألف كتابا في الرد على أهل الأهواء قائلا هذا يسر لهم الحجة وكان له أسوة في سلف الأمة إذ لم يتكلموا في ذلك، ولم يزل هاجرا له سنتين حتى مات رحمه الله عليهما وقد مر الكلام في البدعة وحكمها في العقيدة.
والتحقيق أنها إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس به لقوله عليه السلام:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ومفهومه أن الإحداث إذا كان في العوائد والأسباب المجردة عن أمر الدين لا يكون بدعة على هذا جرى المحققون وأن العوائد لا تدخلها البدع وإلا أد لتجريح الأمة كلها وهو مذهب لايصح.
وقد قال عليه السلام: " كل بدعة ضلالة" وهذا لا يقتضي أن يكون منها حسن أبدا وإنما هي محرمة أو مكروهة وقد حقق ذلك الشيخ أو إسحاق الشاطبي في كتابه في الحوادث والبدعة وأجاب عن تقسيم عز الدين إياها إلى أحكام الشريعة الخمسة فإنه اعتبر مطلق الإحداث وهو الجواب عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه.
وقد أشعبنا الكلام في كتاب لنا في البدع احتوى على مائة فصل واختلف في مراد الشيخ هنا فقيل البدعة المحرمة وقيل المكروهة قلت ولا يختلف في الصريحة وهي التي تقابل ما ثبت شرعا فترفعه أو تغيره والله أعلم.

وأما الجواهر بالكبائر فالهجران له واجب لما يلحقه من الإثم بالسكوت عليها والموالاة عليها والإعانة عليها واجتراء الجاهل على استباحتها إذ يقول الجاهل فلان عامل بكذا وسيدي فلان عارف بما هو عليه فإما أن ذلك مباح أو أنه لا خير فيه كصاحبه ووقاية العرض والدين واجبة إجماعا والكبيرة تقوم أنها كل ذنب يؤذن بعدم اكتراث صاحبه بالدين ورقة الديانة على المختار وتعديدها يطول وفيها اختلاف كثير فانظره في العقيدة وأصول الفقه وبالله التوفيق.
وقوله: (لا يصل إلى عقوبته) يعني: بالوجه الشرعي من الأدب ونحوه والظاهر لمن قدر على ذلك يلزمه وليس ذلك إلا لمن بسطت يداه في الأرض أو كان بمحل لا يلحقه به غيره من الأمراء ولا يلحقهم منه غير وإلا فالله أولى بالعذر وهل يبلغ بالعقوبة الحد ويتجاوزه إن رآه زجرا وهو المشهور أو لا يتجاوز عشرة أسواط لحديث: " لا يتجاوز عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" وقال ابن أشهب في جماعة من العلماء والله أعلم.
وقوله: (ولا غيبة في هذين) إلى آخره: تعرض فيه لمبيحات الغيبة فذكر منها ما يوجب الهجران وهو المجاهرة بالكبائر وقد قال صلى الله عليه وسلم: " من ألقى جلباب الحياء عن وجه فلا غيبة فيه".
والابتداع في الدين لأنه رآه دينا قيما مع ما فيه من تحذير المسلمين لئلا يغتروا به قالوا وكذلك علماء السوء وظلمة الجور يجوز ذكر حالهم لا غيره مما يستترون به قالوا يجوز أيضا في التظلم والاستفتاء بقدر الحاجة وكذا في التعريف الذي لا يمكن المعرفة إلا به أو تكون الشهرة جارية به كالأعمش والأعرج والأعور وذي اليدين وذي الشمالين ومن يلقب جملة ونحوه فإن هذا كله جائز وإن كره صاحبه.
وأما ما يوجب مخالطة كالنكاح والبيع إلى أجل أو الشركة ونحوها فالمشهورة فيه تبيح القدر المتعلق بما شوور فقد شاورت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أبي الجهم ومعاوية وأسامة بن زيد فقال عليه السلام: "أما أبو الجهم فضراب وأما معاوية فصعلوك أنكحي أسامة" وقالت هند بنت الحارث يا رسول الله إن أبا سفيان رجل

شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال: " خذي ما يكفيك وولدك" ولم ينهها عما ذكرت من شحه لأنها جاءت مستفتية شاكية متظلمة فأخذ منه العلماء جواز ذلك بقدره.
وقال عليه السلام: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ولا خلاف في جواز ذكر ما يقع به التجريح في الشهادة والرواية حتى كان بعض العلماء يقول: تعال نغتاب في الله ساعة بذكر من يقبل حديثه ممن يرد وبم يرد وذكر بعض العلماء جوا غيبة المغتاب لأنه غياب لئلا يغتر به.
قلت: والنمام آكد أمرا منه.
وقد حصر القاضي ابن حجر الشافعي رحمه الله أسباب إباحة الغيبة وجمعها وأظنها خمسة عشر في بيت واحد لا أستحضره آلان وقاعدة كل ما يبيح من ذلك أن لا يباح منه إلا القدر المتعلق به وذكر القرافي الخلاف في ذكر حال رجل اطلع عليه رجلان بينهما هل يكون ذلك غيبة أم لا فانظر ذلك وبالل التوفيق.
(ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك).
سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ولما نزل قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرضعن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199] قال عليه السلام: " أمرني ربي أن أصل من قطعني وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني" وقال عليه السلام: " من ظلم فغفر وظلم فاستغفر وأعطى فشكر وابتلي فصبر" ثم سكت قالوا: ماذا له يا رسول الله؟ قال: " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون".
قال أبو العباس المرسي رضي الله عنه ونفع به: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا انتهى وهذا باب واسع نقله كثير خيره فانظره.

(وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وقوله عليه السلام: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله للذي اختصر له في الوصية: " لا تغضب" وقوله: " المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه").
هذه الأحاديث الأربعة عليها مدار التقوى والاستقامة في الدين فأما الأول فخرجه مسلم بزيادة: " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
وحاصله الحض على الصمت عما لا يعني وعدم السكوت فيما يعني وقد قال الشيخ الأستاذ القشيري والصمت سلامة وهو الأصل والسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في وقته أشرف الخلال قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول من سكت على الحق فهو شيطان أخرس انتهى.
قال علماؤنا: وإذا اتسوى الكلام والصمت في المنفعة فالصمت أولى وما ترجح منها فحكم الوقت له وقد قال مالك رحمه الله تعالى من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وأما حديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فرواه مالك في الموطأ مرسلا وصله الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال حديث حسن وما لا يعنيه هو ما لا تدعو الضرورة والحاجة إليه وهو الفضول أيضا ويعم الأقوال والأفعال والعوارض القلبية.
وأما الحديث الثالث فخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أوصنين قال: " لا تغضب" فكرر مرارا: لا تغضب، وأما الحديث الرابع ففي المتفق عليه: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" وقد تقدم بعض الكلام عليه وهذه الأربع أحاديث قيل مار الدين عليها وقيل غيرها.
ويحكى أن أبا داود السجستاني صاحب السنن كتب إلى أهل مكة كتبت بأناملي هاتين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة ألف حديث الصحيح منها أربعة

آلاف تجزئ عنها أربعة أحاديث حديث: " الأعمال بالنيات" وحديث: " الحلال بين والحرام بين" وحديث: " ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" وحديث: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقد جمعها الفقيه أبو الحسن طاهر بن سفور بنظم فقال: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه وجمع النواوي من الأحاديث التي قيل إنها أصل الدين نحوا من ثلاثين فاعرف ذلك وبالله التوفيق.
(ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضاره الفهم لذلك).
أما سماع الباطل فلا خلاف في تحريمه وهو كل ما لا يفيد أمرا دينيا ولا دنيويا ضروريا ولا حاجيا ولا تكميليا يرجع إلى المعروف كالترهات والأباطيل والأضحوكات التي تحتها محرم وكذب يتوهم أنه حق وصدق والموضوعات الصناعية وما لا فائدة فيه نعم وكل ما لا يجوز النطق به لا يجوز سماعه وما يمنع من اللسان يمنع منه اليدان من كسبه والأذن من سمعه.
وأهل الحق إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه والمستمع شريك القائل أن أصغى إليه اختيار وقد قال عليه السلام " ويل للذي يحلف ويكذب ليضحك الناس ويل له ثم ويل له" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه ويرحم الله القائل: تحر من الطرق أوسطها ... وعد من الجانب المشتبه وسمعك صن عن كلام القبيـ ... ـح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيـ ... ـح شريك لقائله فانتبه وأما صوت المرأة فإن قصد التلذذ به منع وإلا فلا وكذا كل ما يستلذ بصوته في

الجملة وأما سماع الملاهي والغناء فممنوع أيضا إذا تضمن صرفا عن الحق أو صوتا من الباطل لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ [لقمان: 6] الآية وقد اختلف في سماع المتصوفة إذا كان بشروطه الثلاثة التي هي سلامة الوقت من المعارض الشرعي كاجتماع من لا ترضى حاله ولا يحل الاجتماع معه من النساء والصبيان وجهال الطريق وكون المسموع مما يقع به تنبيه أو إرشاد وزيادة يقين أو علم أو اختبار حال أو استراحة من الجد والجهد وليس فيه ذكر شيء ينكر لا من طريق اللفظ ولا من طريق المعنى وكونه خليا عن الآلة والكلف والحق أنه لا نص فيه بمنع ولا غيره وحكى القشيري عن مالك إجازته وأخذه عياض من كراهة الأجرة عليه في المدونة وذكر ابن ليون في الإنالة أنا أبا مصعب سأل مالكا فقال لا أدري إلا أن أهل بلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه.
وحكي أن صالح بن أحمد بن حنبل أخبر عن أبيه أنه كان يتسمع من رواء الحائط لجيران كان عندهم سماع وحكى بعضهم عن الشافعي إجازة الطار والشبابة وأنكره المزني وقال فيه: حاشا الإمام الشافعي النبيه ... أن يتبع غير معاني نبيه أو يتخذ طارا أو شبابة ... لناسك في دينه يقتديه إلى آخر الأبيات وقد ذكر ذلك ابن الحاج في مدخله ومما وصف ابن البناء السرقسطي رحمه الله في سماع القوم قال ما نصه: ولم يكن فيه مواسنون ... ولا طنابير ومسمعون وليس كان أيضا فيه طار ... ولا مزاهر لها نقار الشمع والفرش والتكالف ... أقسم ما كانت يمين حالف وليس للقائل ما يقول ... في الصوت إذ سمعه الرسول وقد اشار بقوله إذا سمعه الرسول لحديث أنجشة وعامر بن الأكوع وابن رواحة وارتجاز الصحابة يوم الخندق وغير ذلك مما لا يمكن إنكاره لصحته وحكى السهروردي في آداب المريدين أن السماع من رخص التصوف وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله ليس من التصوف بالأصالة ولا بالعرض وإنما أدخل فيه من الفلسفة.

وأكثر من يعتد به من مشايخ المتأخرين على منعه لفساد الزمان حتى قال الحاتمي السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم ولا يتقدي بشيخ يعمل السماع ولا يقول به.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه سألت أستاذي عن السماع فأجابني بقوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون﴾ [الصافات: 69 - 70] وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه من كان من فقراء هذا الزمان أكولا لأموال الظلمة مؤثرا للسماع ففيه نزغه يهودية قال الله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ [المائدة: 42] قالقول يذكر الحب وما هو مبحب ويذكر العشق وما هو بعاشق.
والآخر سماع لقوله فتأمل ذلك ولأصحاب الحقائق في أصل المساع اختلاف كالفقاء وهو شبهة في الأحكام والحقائق فلا حاجة به إلا لذي حال غالب بشرطه وحظ الفقيه والعامي من هذه الجملة مجانبته مطلقا وكذا المتصوف إلا لوج واضح وحالة غالبة والتسليم أصل كل خير وبالله التوفيق وأما سماع القرآن بالحون المرجعة كترجيع الغناء فمن أقبح ما يسمع وأبشع ما يسمع لا سيما إذا كان يؤدي لتغيير نظم القرآن أو تضييع حروفه وإبدال بعضها أو إسقاطه أو يكون على هيئة تنفي الخشوع أو تدعو لنقيصة فإن ذلك كله ممنوع قال ابن رشد فالجواجب أن ينزه القرآن عن ذلك ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع القلب ويزيد في الإيمان ويشوق فيما عند الله وقد اختلف في معنى قوله عليه السلام: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" فيل من لم يحسن صوته به وقيل: من لم يستغن به عن الغناء وقيل: من لم يستغن به عن الناس وقيل غير ذلك، وما يروى عن حديث معاوية أنه عليه السلام رجع يوم فتح مكة وهو يقرأ سورة الفتح حمل على قراءته بطريق الأداء من المد ونحوه.
وقال أبو موسى رضي الله عنه لما قال عليه السلام: " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" وبالجملة فتحسين الصوت بالقرآن مطلوب والخوج إلى حد يشبه الغناء مذموم وما يؤدي إلى الخشوع من غير إخلال مندوب إليه ثم قوله عليه السلام: " ليس منا" أي ليس على طريقتنا

وسنتنا والله أعلم.
وسيأتي الكلام على التفهم إن شاء الله تعالى وقد ألف النواوي في آداب حملة القرآن تأليفا حسنا ذكر فيه مما يتعلق بالتلاوة وجوها حسنة وذكر الغزالي في آداب التلاوة من الإحياء ما لا مزيد عليه ونحوه لأبي طالب المكي في كتابه فلينظر ذلك وبالله التوفيق.
(ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فقلبه).
يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على من له قدرة بإمارة أو قضاء ونحوه وقد يخص ذلك ويعم وقد قال عليه السلام: " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم البلاء من عنده" قال ابن رشد ويجب على كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون عارفا بالمعروف والمنكر لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح منه أمر ولا نهي.
والثاني: أن يأمن أن يؤدي إنكاره إلى منكر أعظم كنهيه عن شرب الخمر فيؤدي إلى قتل النفس لأنه إن لم يأمن على نفسه لم يصح له أمر ولا نهي.
الثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره مؤثر نافع وإلا لم يجب عليه ولكن يستحب له برفق لقوله تعالى ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: 44] فالأولان شرط في الجواز والثالث شرط في الوجوب انتهى.
وقوله على كل من بسطت يده في الأرض قال عبد الوهاب لأنه إذا لم تبسط يده لم يقدر على ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال وكذلك إذا خاف الهلاك أو شديد الأذى لم يكن عليه ذلك لقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195] وإهلاك نفسه منكر وكان بعض شيوخنا يقول ليكن أمرك بالمعروف معروفا ونهيك عن المنكر لا يؤدي إلى منكر واختلف في الإنكار هل إنما يجب في المجمع عليه أو حتى في المتفق عليه في مذهب الفاعل قولان وهل يجب تعليم الجاهل قبل سؤاله أو إنما يجب

تنبيهه ثم إن سأل علم وإلا ترك.
والأول اختيار الطرطوشي والآخر: هو المعنى لأنه عليه السلام قال للأعرابي: " إنك لم تصل" ولم يعلمه حتى قال لا أحسن غير هذا فعلمني يا رسول الله" الحديث وفي الحديث " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " الحديث ومن وجوه الإنكار باللسان أن يوقل اللهم هذا منكر فلا أقدر على تغييره وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك" قتل هذا زمان ذلك فلا يجوز لأحد اليوم أن يعترض للأمور العامة بل يقتصر بالإنكار على عياله وخاصته بقدر ما يقتضيه العرف وينكر في العموم ما لا يتوهم فيه بأمر يغير قلوب الأمراء فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن لا يذل نفسه" قيل لابن عباس رضي الله عنه فما معنى ذلك قال يتعرض للسلطان وليس له منه النصف ثم إن كان قادرا على ذلك لم يتمكن منه إلا بفساد النظام وذلك محرم إجماعا وبالله التوفيق.
(وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من أعماله البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر) إرادة وجه الله بالعمل الصالح فرض لقوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5] الآية والإخلاص في الجملة تفريد المعبود بالعبادة هذا أصله الذي ينفي به الرياء الذي هو رؤية الخلق في معالمة الحق وكمال الإخلاص واجب فالرياء حرام وما ذكره الشيخ من أنه الشرك الأصغر هو لفظ حديث رواه أحمد بسند حسن عن محمود بن لبيد رضي الله عنه.
وقد قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه العمل لأجل الناس رياء وترك العمل لأجل الناس شرك والإخلاص يعافيك الله منهما ويروي العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء وكل صحيح.

وقد قال بعض المشايخ: صحح عملك بالإخلاص وصحح إخلاصك بالتبري من الحول والقوة في حكم ابن عطاء الله الأعمال صور قائمة وأوواحها وجود سر الإخلاص فيها وكان بعض المتصوفة ممن قرب زمانه ببلادنا يقول كثيرا يا مرائي قلب من ترائي بيد من تعصيه يعني إنك بالرياء عاص لله طالبا بريائك قلب من ترائي له وقلبه بيدا لله فأنت تعمل في أمر لا يعود عليك إلا شر منه في دنياك وآخرتك لغير فائدة بل قد قال الجنيد رحمه الله من أشار إلى الحق وتعلق بالخلق أحوجه الله إليهم ونزع الرحمة من قلوبهم عليه.
وفي الصحيح: " يقول الله تعالى: (أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه) " الحديث.
قال ابن عطاء الله في الحكم: كا لا يحب العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل علي انتهى وبابه واسع وبالله التوفيق.
(والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه).

التوبة الرجوع على ما لا يرضى الله تعالى إلى ما يرضيه قصدا لما عنده وإرادة لوجهه وعرفها الغزالي بأنها ترك اختيار الذنب ثم لا خلاف في وجوبها على الفور فمن أخرها عن وقوع الذنب لزمته التوبة من تأخير التوبة كما لزمته التوبة من فعل الذنب وقوله (من كل ذنب): يشمل الصغيرة والكبيرة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [المؤمنون: 31] وقال الإمام أبو حامد الغزالي في تعريف التوبة النصوح إنها ترك اختيار ذنب سبق مثله عنه منزلة لا صورة تعظيما لله وحذرا من سخطه ثم فسر ذلك وبينه ثم بيان فانظر المنهاج.
وشروط التوبة التي لا تصح إلا بها ثلاثة: الندم على ما فات والإقلاع في الحال والنية أن لا يعود وسواء كانت عامة أو من ذنب من المقام على غيره.
وقوله (من غير إصرار): زائد لأن التوبة لا تصح إلا برفع الإصرار وتفسيره الإصرار بالمقام على الذنب مع نية العود إليه هو المعول عليه وقيل اعتقاد العود إليه فقط ذكرهما القرافي في قواعده واختلف في مسائل منها إذا تمت الشروط هل يقطع بقبولها أم لا قولان للأشعري والقاضي وتجديد التوبة عند ذكر الدين قولان للقاضي وإمام الحرمين.
(ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود).
فأما رد المظالم ففرض ليس بشرط وكذا اجتناب المحارم ومثلها تعميم القصد فهي ثلاثة فروض تاركها عاص ولا تنتقض التوبة بتركها وأما النية أن لا يعود فركن من أركانها لا تصح بدون والمظالم خمسة مالية وبدنية وعرضية ودينية وحرمية فأما

المالية فلا خلاف في وجوب ردها إن أمكن قال ابن العربي: فإن مات صاحب الحق انتقل الحق لورثته فإن أدى برئ وبقي حق المطل يعني إن كان غنيا.
واختلف إذا لم يؤد في الدنيا حتى اجتمع مع الوارث والأصلي في الآخرة لمن يكن الحق هل للورثة أو للموروث قولان واخلتف فيمن لم يجد ما يؤدي به حتى مات هل يسقط عنه أو يطالب به في الآخرة وحكى بعض شيوخنا عن أبي عمران أنه قال بيت المال آخر وارث والحق ينتقل للوارث أباد فمآله إلى أنه حق لله وهذا ما أخذه بوجه صحيح أو باطل وقد عزم على الخروج من عهدته واختلف في التحليل من الظلامات وغيرها فمنع ابن المسيب وأجازه غيره وثالثها لمالك يطلب التحليل من الديون ونحوها لا من الظلمات حكاها ابن رشد آخر البيان والمشهور جواز التحليل من العرض.
وقال الحسن يكفي الاستغفار يعني للمغتاب وفي منهاج العابدين تمكين نفسه من القود والقصاص في النفس وظاهر الأحايث بخلافه وإليه مال ابن رشد وقال ينبغي أن يعتق ويحمل نفسه على الجهاد ونحوه ليكون كفارة له وقال في الدينية كأن يكفره أو يبدعه أو يفسقه أنه يكذب نفسه عند من قال ذلك ويستحل منه يريد إن أمن من شر أعظم وإلا فالله أولى بالعذر واختلف في الزنا هل هو حق الله أو حق الآدمي وثالثها: الفرج المملوك لمالكه كالزوجة والسرية وما عداه حق لله ولا يمكن الاستحلال منه لخوف الفتنة قال الإمام أبو حامد إن أمكن وجب قلت ومع إمكانه يتضمن معصية هي قذف المرأة والرجل وتريض صاحب الحق بما يكون له من الرفث وكل معصية وقبيح فانظر ذلك.
(وليتسغفر الله ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعامل بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير وكل ما ضيع من فرائضه فليعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه).
أما الاستغفار فحيقته طلب الستر على الذنوب وعدم المؤاخذة بها وهو شأن التائبين وقد ورد فيه فضل كثير منه قوله صلى الله عليه وسلم " من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" الحديث.
ثم

الاستغفار أي طلب المغفرة إن كان مقرونا بالتوبة فهو كمال الاستغفار وإن لم يكن مقرونا بها ولكنه مع الندم والانكسار فهو استغفار حقيقة وإن لم يكن معه واحد منهما فهو استغفار الكذابين وهو الذي قالت رابعة العدوية رضي الله عنها أنه يحتاج إلى استغفار كثير والله أعلم.
وأم الرجاء والخوف وتذكار النعمة فبواعث على العمل وثمرات اليقين ثم كل راج طالب وكل خائف هارب وكل ذاكر للنعمة شاكر إلا كل من عمر الله قلبه فهي إذا بواعث على العمل وأفضل الأعمال الفرائض بل هي التي لا يصح قبول شيء قبلها لأن رب الدين لا يقبل الهدية ولا يجوز عتق من أحاط الدين بماله.
وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: " ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضته عليهم ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه".
الحديث فأما الاستدارك الفائت ففي الواجب واجب وفي المدونة مندوب ومتى لم يحصر ما عليه من صلاة أو زكاة أو غيرهما فإن التحري يكفيه ويحتاط لدينه بلا وسوسة وهو العمل على الشك بلا علامة مما يفعله كثير من التائبين من صلاة العمر مع كونهم لم يتركوها أو انوا يفعلونها مرة ومرة لايصلح كذا سمعته من شيخنا أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي كبير تلمسان علما وديانته ينقله عنا لقرافي في مجلسه وكنت أستحسنه قبل ذلك ففرحت به وما روي عن مالك من أن تارك الصلاة عمدا لا يقضيها أنكره عياض وأنكر مالك ما قيل: إن النوافل سد مسد الفرائض وهو في جامع العتبية فانظره وبالله التوفيق.
ص: (وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يدع ذلك على ما كان عليه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله).
يعني أن العبد يتعين عليه أن يقف بباب الله على كل حال من أحواله ولا يستبعد صلاحه مع قبيح ما هو عليه منتصف به من قبائح المعاصي والشهوات ونحوها ومن أحسن ما يذكر هنا قول ابن عطاء الله رحمه الله: من استغرب أن ينقذه الله من شهوته وأن يخرجه

من وجود غفلته فقد استعجز قدرة إلهه وكان الله على كل شيء مقتدرا انتهى.
وكلام الشيخ هنا واضح وهو لكل مؤمن صالحا كان أو طالحا نفعنا الله به آمين.
(والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة واستعن بذكر الموت والفركة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنوبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك).
يعني أن من فكر في قبيح المعصية آثر تركها ومن فكر في حسن الطاعة آثر فعلها ومن فكر في عظمة الله آثر رضاه إلى غير ذلك ومقدمات ذلك كأعيانه وقد أتى الشيخ في هذا الفصل بجوامع التصوف وفي حكم ابن عطاء الله الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا أضاءت له انتهى فتأمله وبالله التوفيق.
خاتمة: أول هذا الباب فقه وتعليم وأوسطه إرشاد وتنبيه وآخره وعظ وتذكير قالوا وما وضع الشيخ أولا غير العقيدة وهذا الباب فما بعده حتى بين له السائل أنه يريد جملا من أصول الفقه وفنون فأجابه لذلك وجعل هذه الخاتمة وقال وضعتها لينتفع بها من لا اعتناء له بالعلم وقد انتفع بذلك كثي من أهل الخير إذ أعلموا بما يلزمهم وعلموه من ينتفع به فانتفع وللشيخ أبي محمد صالح في ذلك حكاية ذكرها أصحاب التقييد وغيرهم وربك الفتاح العليم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما.

فصول الكتاب · 90 فصل · 1192 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زروق على متن الرسالة · 1192 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات
باب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامة
باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم
باب جامع في الصلاة
باب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن العارية والوديعة واللقطة والغصب
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهاداتباب في الفراض
باب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائب
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلكباب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الدياناتباب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب في الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذورباب في النكاح والطلاق الرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاعباب في العدة والنفقة والاسبتراءباب في البيوع وما شاكل البيوعباب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصبباب في أحكام الدماء والحدودباب في الأقضية والشهاداتباب في الفرائضباب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي ويغير ذلك
جارٍ التحميل