شرح زروق على متن الرسالةصفحات 767-793
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب في البيوع وما شاكل البيوع

صفحات 767-793
عن هذه الطبعة
عَلَم
زروق
الكتاب
شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المعروف بـ زروق (المتوفى: 899هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء
2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قد صح قوله عليه السلام: " لا يبيع بعضكم على بيع بعض" وهو متفق عليه وهو من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال مالك في الموطأ إنما النهي إذا ركنا بأن يركن البائع للتسليم وجعل يشترط ووزن الذهب ويتبرأ من العيوب وشبه ذلك مما يعرف أنه أراد مبايعة السالم ذكر القيمة خرج للغالب فلا مفهوم له.
الباجي روى محمد الذمي كالمسلم وبيع المزايدة خارج عن ذلك لعدمالركون ولو بيع على ذلك فروى ابن حبيب يمضي لسحنون عن ابن القاسم يؤدب فاعله الباجي لعله فيمن تكرر ذلك منه روى ابن حبيب يعرضها على الأول بالثمن زادت أو نقصت وإن اتفق عليها ما زادت به غرمه الأول مع الثمن وإن نقصت لم يحطه والله أعلم.
(والبيع ينعقد بالكلام وإن لم يفترق المتبايعان).

أشار بهذا الحديث: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا" رواه جميع أهل الصحة حتى مالك ولم يقل به للعمل واتفاق الفقهاء السبعة على ذلك وقيل إلا ابن المسيب وقال ابن حبيب السيوري كالشافعي وغيره فانظر ذلك وبالله التوفيق.
تنبيه: هنا انتهى كلام الشيخ في البيوع فذكر أولا الصرف وما في معناه ثم الرد بالعيب وما يرجع إليه ثم الخيار وحكمه ثم القرض وما يتبعه ثم السلم وشروطه ثم البيع الفاسد ثم أشار لأركان البيع بآخر مسألة وجعلها كالتنبيه لأن كل ما ذكر من البيوع وما بعدها مشاكلة وهي عشرة بعد السبعة الإجارة والجعل والكراء وتضمين الصناع والشركة والقراض والمساقاة والمزارعة والجوائح والعرايا فتأمل ذلك تجده وبالله التوفيق.
(والإجارة: جائزة إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن).

(الإجارة) مأخوذة من الأجر والثواب وتطلق على الجعل والكراء بخلاف العكس فهي بهذا الوجه تمليك منفعة بعوض وبالوجه الأخص عرفها (ع) فقال الإجارة بيع منفعة ما أمكن نقله لغلة غير سفينة لا يحوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضها يتبعض بتبعيضها فخرج بما أمكن نقله كراء الدور والأرضين إذ إنما يسمى كراء واستثنيت السفينة لأنها مما ينقل وعقدها كراء الإجارة ونفى غير الحيوان العاقل ليدخل فيها العاقل لأن العقد على غير العاقل إنما يسمى كراء لا إجارة وسواء الدواب والرواحل وغيرها وتخرج المغارسة بكون العوض غير ناشئ عنها.
وقوله: (بعضه) يعني بعض العوض يتبعض بتبعيضها أي بتبعيض الإجارة فخرج الجعل إذ لا شيء فيه إلا بتمام العمل.
ابن المنذر الإجماع على جواز قال ابن يونس: وشذ الأصم فمنعها وهو مبتدع لا يعتبر وأجل الإجارة نوعان وجود فراغها وعملها في زمن مقدر شرط وكل جائز ثم إن جمع بينهما في الشرط كان يقول على أن تعملها اليوم وهو على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون الأجل أوسع من العمل.
الثاني: أن يكون لا يسع العمل.
الثالث: أن يكون الزمان مقدار العمل فيجوز في الأول لا في الثاني اتفاقا فيهما واختلف في الثالث بالجواز والمنع وفي المشهور منهما قولان عياض والإجارة معاوضة صحيحة يجري فيها ما يجري في جميع البيوع من الحلال والحرام وتبعه ابن الحاجب في ذلك وبحث فيه ابن عبد السلام فانظره.
(ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه ولا شيء له إلا بتمام العمل).
(الجعل) نوع من الإارة بفارقها في اللزوم وضرب الأجل ومنع النقد فيه وكونه لا شيء له إلا بتماغم العمل (ع): الجعل: عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض ناشئ عن محله بل لا يجب عوضه إلا بتمامه لا بعضه ببعضه قال بعضهم والقياس منع الجعل لما فيه من الغرر كما قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وأجازه أهل المذهب بحديث السلم إذ جاعلوهم على قطيع من الغنم كما في الصحيح ولأن شرع من قبلنا شرع لنا فيما لم يرد فيه شيء وقد قال منادي يوسف عليه السلام ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: 72] وفي المقدمات من شرط صحة الجعالة أن يكون الجعل معلوما ولا ينقد فيه ولا يكون منفعة فيه للجاعل إلا بتمام العمل ولا يضرب للعمل المجعول فيه أجل فإن ضرب فيه أجلا ولم يشترط أن يترك متى شاء لم يجز.
واختلف إذا اشترط أجلا فعن ابن القاسم قال مالك في مثل هذا أنه جائز وهو جل قوله الذي يعتمد عليه ابن يونس يريد إذا كان له أن يترك متى شاء انتهى وإنما لا يضرب في الجعل أجل لأنه لو انتهى قبل تمام الأجل ذهب عناؤه باطلا إذ لا يستحق إلا بتمام العمل ولو علق بتمام الأجل فقط خرج عن كونه جعلا ويلزم بالمشروع من جهة الجاعل على المشهور ابن عبد السلام فهو يشبه القراض في المشهور أيضا ورد الآبق يلزم به أن يكون ربه قد جعل فيه جعلا وسواء جاء به من عين له أو غيره وله نفقة العبد في مدة الإتيان به ولو جاء بضالة ابتداء فله أجر مثله إن كانت عادته الأجرة عن الآبق.
وكان سيده ممن لا يتولى ذلك بنفسه، ولربه أن يتركه ولا يدفع أجرا ولو وجده

دون عمل لم يجز عليه أخذ بشارة ولا غيرها لوجوب ذلك عليه وكذا إن دل على مكانه ويرد ما أخذه وفي الإرشاد يجوز في الحصاد والجداد ونفض الزيتون بجزء منه معين ولو كان بنصف ما يخرج منه لم يجز ونص عليه في المدونة في سماع أشهب لا بأس به وتأوله ابن رشد وفي المدونة لا خير في أن يدفع الرجل دابته لمن يحتطب عليها بالنصف ابن المواز يري ثمن نصف الحطب ولو أراد نصفه عينه أو نقلة بنقلة جاز.
ولو قال القط أو احصد فما حصدت أو لقطت فلك نصفه لم يجز لأنه مجهول والله أعلم.
ويشترط في الجعل على حفر البئر ثلاثة اختبار الأرض في لينها وقساوتها ونص عليه في المدونة واستواء الجاعل والمجعول في العلم بها والجهل قال في العتبية فلو كان أحدهما عالما بها فقط منع وكونها في غير أرض المجاعل لئلا ينتفع بما فعل عند العجز أو الفسخ.
وشرط بيع الثوب ثلاثة كونه بغير أجل وتسمية الثمن أو تفويضه وتسمية المعطي على بيعه دون تحديد ابن يونس عن ابن المواز الجائز في الجعل في بيع الثوب عند مالك وأصحابه أن يقول له بعه بكذا ولك كذا أو يقول بعه بما رأيت ولك كذا.
فلو قاله الجاعل للمنادي لا تبع إلا بإذن ولم يسم ثمنا فهو جعل فاسد والأقرب أنه يريد إلى إجارة مثله قال بعض القروين لأنه خرج عن حكم الجعل والله أعلم.
(والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة).
يعني أنه استأجر على بيع شيء بعينه إلى أجل فإن عمل في ذلك ما شرط عليه أو مقتضى العرف فانقضى الأجل ولم يبع فله أجره كاملا بخلاف الجعل فإنه لا شيء له إلا بتمام العمل ابن يونس يريد أن لا ينتفع الجاعل بما عمل له المجعول فيكون له بقدر ما انتفع من عمله ولو باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة أو في أقل منه فله بحسب ما عمل المتيوى ويجوز استئجار الدلال شرها على بيع سلع فإن كان معينة فلا يجوز النقد فيها بشرط ومتى باعها فله بحسابه فإن تم الأجل قبل بيعها استحق أجره وإن كانت غير معينة جاز النقد فيها وعليه أن يبيع له طول الأمد على ما جرت به العادة.

وقد قسم ابن القاسم الجعل إلى أقسام ثلاثة فانظر ذلك وفي المدونة كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة وليس كل ما جازت فيه الإجارة يجوز فيه الجعل وقد بحث (ع) بما يطول ذكره فانظره.
(والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم).
(ع) الكراء عقد على منافع غير آدمي أو ما بيان به وينقل فيدخل بغير آدمي كراء الرواحل والدواب وبما يبان به وينقل غير الدور والأرضين لأن غير ذلك إجارة إلا السفينة وهذا كله تحفظ عن الإصطلاح وإلا فالكل إجارة وأركانها كالبيع عاقد ومعقود فيه ومعقود به ومعقود عليه وشرط الكل كما في البيع إلا الأجير فله شروط تخصه هي أن يكون متقوما غير متضمن استيفاء عين قصدا ولا واجب ولا محرم ولا ممتنع تسليمه فخرج ما ليس له قيمة باستئجار الأشجار لتجفيف الثياب وفيه قولان: ابن عبد السلام: والأقرب الجواز لتأثير الأشجار بذلك ونقص منفعة كثيرة منها وخرج بغير متضمن استيفاء عين قصدا كراء الشجرة لثمرها والشاة لصوفها ونتاجها وذكر القصد لما كان تبعا فإنه يجوز كلبن الظهر وثمرة الشجرة في الدار المكتراة أو لم يبلغ قيمة الثمرة الثلث فانظر ذلك وبكونه غير واجب يخرج الاستجئار على ما تعين من العبادة كصلاة وصوم ونحوه، وتجوز على ما لم يتعين كالأذان والقيام بالمسجد وعلى الإمامة إذا انضم إليها أحدهما وإلا فلا وبه العمل.
وجوزها ابن عبد الحكم مطلقا خلافا لابن حبيب وروى الجواز في الفرض لا في النفل وفي قيام رمضان روايتان فإن كانت أجرة الإمام من الأحباس أو من بيت المال كره خاصة وقيل يجوز كذا في الشامل وجعله غيره طريقة والله أعلم والذي يمنع تسليمه كنس المسجد من الحائض مثلا والدار لمن يتخذها خمارة أو كنيسة والأرض الغرقة التي لا يرتفع الماء عنها إلا نادرا ولا إليها إلا كذلك والله أعلم.
(ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي وكذلك الأجير يموت والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء).

ذكر مسائل ثلاثة وأعطى لها حكما واحد: هو انفساخها في كلها وما ذلك إلا لإتفاقها ي شرطها وكونها بعينها وقاعدة الباب أن هلاك ما يستوفي منه المنفعة كالدار والأجير ونحو ذلك تنفسخ به الإجارة بخلاف ما تستوفي به فإنها لا تنفسخ بهلاكه إلا حبيين وفرسين صبي الرضاع وصبي التعليم وفرس الرياضة وفرس النزوان وخالف سحنون في الصبيين وزاد ابن الحاجب المستأجر على قلع ضرس فسكنت أو على

القصاص من غريم فعفى عنه وزاد المازري من أجر على حصد وزرع أو بناء دار فمنع مانع من ذلك زاد غيرهما الحائط والخياط يستأجران على عمل ذلك اللباس لا للتجارة وليس عنده غيرها.
زاد الباجي مداواة العليل مدة فيموت قبل المدة فهي إذا عشرة أو نحوها تنفسخ مما يستوفى به وقد ضبطوه بأن كل ما يتعذر خلفه ينسخ كراؤه وإن كا ما يستوفى به وستأتي زيادة بعد إن شاء الله وقوله: (الدار تنهدم) يريد كلها أو معظمها أو ما فيه مضرة كبير منها وتسقط الوجيبة بخروجه للإصلاح فلا يلزمه الرجوع بخلاف ما إذا بقي ساكنا حتى أصلحت ولو سكن الصحيح منها وقد انهدم الأكثر فأجرى ابن رشد في لزوم الكراء قولين لابن القاسم لزوم الكراء وهو الجاري على المدونة وعدمهه وهو الجاري على ما في سماع عيسى فإن اتفقا على الإصلاح أو رضي بسكناها منهدمة بجميع الكراء فلا فسخ اتفاقا وبما ينوب الباني على أحد القولين والله أعلم.
(ولا بأس بتعليم المعلم القرآن على الحذاق ومشارطة الطبيب على البرء).
(الحذاق) –بكسر الحاء والدال المهملة- عياض يحذقهم القرآن يعلمهم ويحفظهم إياه الجواهر حذق الصبي القرآن والعمل بحذق حذقا وحذاقا أمهر فيه وحذق بالكسر لغة فيه ويقال لليوم الذي يختم فيه القرآن هذا يوم حذاقة وفي الموازية قال مالك لم يبلغني عن أحد كراهية تعليم القرآن والكتاب بأجر المتيطي: وتنقسم الإجارة فيه إلى قسمين مشاهرة ومساناة لا يشترط فيها حفظ جزء معلوم أو على جزء معلوم منه أو جميعه ولا يذكر فإن استأجره لمدة وشرط عليها فيا حفظ جزء من القرآن ولا يدري هل يمكن ذلك منه أم لا فسدت الإجارة، وإن كان الغالب أنه يحفظ ذلك فيه أجيز ومنع.
فإن مضى الأجل ولم يتعلم فيه الجزء الذي شرط فيه كان له الأقل من أجرة المثل والمسمى وروى الجلاب أنه لا يجوز في التعليم إلا مشاهرة أو مساناة ابن عبد السلام ولا ب من اختبار حال المتعلم إذا كانت الإجارة على تعليمه جزءا من القرآن

أو سورة وكذلك إن كانت الإجارة على تعليمه جزءا معلوما من الصناعة لسرعة تعليم الحاذق وبطء البليد والله أعلم.
وأما مشارطة الطبيب فقال ابن عبادة هي وتعليم الصبي على الأيام إجارة وعلى الحذاق والبرء جعل عبد الوهاب يجري ذلك عند أصحابنا مجرى الجعل والإجارة وأجازوه للضرروة ابن يونس ولا يكون الدواء إلا من عند العليل ولو كان من عند الطبيب كان غررا لأنه إن مهر حتى برأ أخذ حقه وإلا ذهب عناؤه باطلا وإن برأ دخله جعل وبيع وقاله ابن القاسم وابن وهب في العتبية ولو دخل على أنه إن لم يبرأ أخذ ثمن أدويته لم يجز لأنه شرطان في شرط ولو دخل على الإجارة لم يجز اشتراط النقد لأنه قدر يبرأ قبل الأجل فيأخذ بحسابه فيدور الباقي بين السلف والإجارة ونص عليه اللخمي فانظره.
(ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن ولا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها).
يعني لأن كلا مما ذكر مما يستوفى به لا منه ولا يتعذر مماثله وظاهر ما هنا أن غنم الرعاية يأتي بمثلها إن لم يشترط خلفها عليه وحمله أبو عمران وهو قول سحنون وابن حبيب والأخوين، فأما ابن القاسم فقال لا بد من شرط خلف المعينة وإلا فسد العقد ولا يأتي بمثلها إن هلكت.
وفي المدونة إن لم تكن بأعيانها كان لها الخلف وإن لم يشترط وإن كانت بأعيانها فلا يجوز حتى يشترط ابن عبد السلام قول سحنون ومن معه أجري على الأصول والله أعلم.
(ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتر وإمكانه غيره).
المضمون المرسل في الذمة ومقابله المعين وقد قال ابن القاسم كراء الدواب على قسمين مضمون بذمة أو دابة بعينها وقد مضى عمر رضي الله عنه أن الدابة المعينة إذا هلكت انفسخ الكراء ولا يأتي بغيرها إلا أن يشترط البلاغ وهو المضمون وقاله علي كرم الله وجه ابن يونس كراء الدابة المعينة كسائر السلعة المعينة وكراء المضمون كشراء السلعة

المضمونة فانظره ابن المواز إن وقع على الإطلاق حمل على المضمون حتى يتبين خلافه وانظر بقية مسائله إن شئت وقوله (وليكتروا مكانه) يعني أولياء الميت لأن ما يستوفى به لا يتعين وللمكتري أن يكري لكن يتعين اتحاد الأصل والفروع في وصفه من الثقل والخفة ونحوها فلا يجوز أكثر بخلاف دونه والله أعلم.
(ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه).
(الماعون) ما يستعان به في الأمور من الأثاث الجوهري الماعون اسم جامع لأثاث البيت كالقدر والفأس ونحوهما وأصل المذهب أن من ملك منفعة بعوض فالقول قوله في تلف الذات كانت مما يغاب عليه كالجفنة أو مما لا يغاب عليه كالحيوان هذا هو المعروف قال في المدونة ومن استأجر فسطاطا أو بساطا أو غرائر أو آنية إلى مكة ذابها راجعا جاز فإن ادعى حين رجع ضياع هذه الأشياء في البداءة صدق في الضياع ولزمه الكراء كله إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع وذكر عن الغير سقوط الكراء مطلقا إلا ما قال أنه انتفع به وروى أشهب كقوله مالك وابن القاسم في الدمياطية تضمينه بالقصعة ولابن رشد وسحنون هنا كلام فانظره.
(والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر).
يعني لأن ترك الأجر لا يخرجهم عن حكم الاستصناع (ع) المنتصب لبيع صنعته بمحله اللخمي المنتصب من أقام نفسه لعمل صنعته التي استعمل فيها كان بداره أو بسوقها وغير المنتصب من لم يقم نفسه ولا منها معاشه.
قال في المدونة وقد قضى الخلفاء رضي الله عنهم بتضمين الصناع وهذا العامة الباجي ضمان الصناع مما أجمع عليه عامة علماء المدينة وقال القاضي أجمع عليه الصحابة ابن رشد وللشافعي قول بعدم الضمان وإن عمل بأجر وهذا كله إذا لم تقم بينة بأن هلاكه من غيره ففي المدونة إذا احترق الخبز في الفرن فلا ضمان على الفران لأن النار تغلبه فليست كغيرها إلا أن يغر من نفسه ويفرط والله أعلم.
(ولا ضمان على صاحب الحمام ولا ضمان على صاحب السفينة ولا كراء له إلا على البلاغ).

أصل الباب عدم تضمين من أخذ بالأمانة وتضمين أمره على ذلك فجاء ما جاء به الصناع ويبقى غيرهم على الأصل اللخمي واختلف في تضمين صاحب الحمام ما ذهب من الثياب قال مالك في المدونة ولا ضمان عليه وفي الموازية يضمن إلا أن يأتي بحارس فيسقط ضمانه ويعود الخلاف في الحارس وللموازية كالمدونة لا ضمان عليه وقال ابن حبيب يضمن وفي المدونة إذا غرقت السفينة بفعل النواتية فإن فعلوا ما يجوز لهم فعله من السير والعمل فيها لم يضمنوا وإن قعدوا فأخرقوا في أمر أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس والحمولة والمشهور قول مالك لاشيء لهم إلا بالبلاغ وقال ابن نافع له بحساب ما سار وقال يحيى بن عمر وأصبغ إن كانت المسافة لجية كما بين أفريقية والأندلس أو صقلية فكما قال مالك وإن كانت على خلاف ذلك كما بين مصر والإسكندرية فكما قال ابن نافع والقولان في الدابة بالمتاع تتلف في الطريق كذلك والله أعلم.
(ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدا متقاربا).

ولا بأس بالشركة فيه إباحة شركة الأبدان والشركة ثلاثة أنواع هذا منها وشرط كلها النصح والأمانة قال عليه السلام ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما رواه أبو داود صححه الحاكم ولكل أحكام تذكر بعد إن شاء اله عياض الشركة عقد يلزم بالعقد كسائر العقود والمعواضات وهو رخصة في بابه الذي يختص به هذا مذهب ابن القاسم ومذهب غيره أنه لا يلزم إلا بالخلط.
وذكر الشيخ لهذه الشركة شرطين هما أن يعملا عملا واحدا أو متقاربا في محل واحد وفهم من كلامه شرط تقاربهما في الحذق بالعمل والقدرة عليه زاد غره الآله بينهما بقدر الشركة بملك أو كراء أو غيره ويتساويان في العمل ويتقاربان والربح على نسبة ذلك واتحاد مكانها فهي إذا خمسة والله أعلم.
(وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستوفيا في الربح).
الاشتراك لغة الاختلاط وعرفا قال (ع) الشركة الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر فقط والأخصية بيع مالك كل بعضه ببعض كل الآخر بموجب صحة قصد تصرفهما في الجميع قال فتدخل الأولى شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر وهما في الثانية على العكس انظر بقيته.
عياض: الشركة ثلاثة أضرب شركة أموال وشركة أبدان وشركة ذمم وكل ضرب منها ثلاثة أقسام فشركة الأموال شركة مفاوضة وهي الاختلاط فيكل شيء من أموال التجارة وهي الجائزة عندنا باتفاق ومنعها الشافعي ثم قال بعد كلام.
الثاني: شركة العنان وهي الشركة في شيء مخصوص للتجارة قال في تفسير ابن مزين على السواء واتفق على جوازها ولم يعرف لمالك اسمها ولا تخصيصها بالجواز

واستعمال هذا اللفظ ببلدهم ويقال عنهم بكسر العين من عنان الدابة وبالفتح من عن الأمر.
الثالثة: شركة مضاربة وهي القراض من الضرب في الأرض بالمال في السفر به.
وأما شركة الأبدان فهي أيضا ثلاثة أضرب شركة بغير آله ولا رأس مال كالحمل على الرءوس التعليم والخياطة والبناء فمن شرط جوازها ثلاث صفات التقارب في القدرة والمعرفة بذلك العمل وأن يكون عملا واحدا وأن يكونا فيه مجتمعين ثم تأمل ما في العتبية من جواز الافتراق بتقاربهما والتعاون في الموضعين فردها إلى المدونة ثم قال الثالث أن يكون عملهما يحتاج إلى آله كالكمد والنجر والنسج والصيد بالجوارح والعمل على الدواب فيحتاج لشرطين زائدين على الثلاثة المتقدمة الاشتراك في ملك الآلة والقسمة على رءوس أموالهما.
أما شركة الذمم فعلى ثلاثة أضرب شركة في شراء شيء بعينه فهذه تجوز اتفاقا أو اختلافا ويتبع كل واحد منهما بقدر نصيبه الثانية اشتراكهما في معين على أن يحمل كل واحد منهما لصاحبه فإن كانا معتدلين فيهما جازت الشركة والبيع وإن كانا مختلفين لم تجز الثالثة: أن يشتركا على غير معين فهذا لا يجوز لأنه من باب تحمل عني وأحمل عنك وأسلفني وأسلفك انتهى ما تعلق به الغرض من كلام عياض وربما أسقطت بعض فروعه لطوله وإلا فهو بلفظه والله أعلم.
تنبيه: تجوز الشركة بالعرضين اتفقا أواختلفا ورأس مالها ما قوما به وبالعينين بشرط اتحادهما لا ذهب من ناحية وفضة من الآخر لأنها شركة وصرف قاله في المدونة وأجازه سحنون ونحوه في كتاب ابن المواز ولو كان نوعاهما من كل جانب متماثلا جاز ذلك واتحاد الضربين شرط ولا عبرة باختلاف السكك واختلف في الشركة بالطعامين وفي جواز غيبة أحد المالين قولان لابن القاسم مع مالك وسحنون وخلط المال حقيقة أو حكما شرط وبالله التوفيق.
(والقراض جائز بالدنانيروالدراهم وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة ولا يجوز بالعروض ويكون إن نزل أجيرا في بيعها وعلى قراض مثله في الثمن).

القراض رخصه شرعية مباركة لقوله عليه السلام: " ثلاثة فيهن البركة البيع إلى أجل والمقارضة خلط الشعير بالبر للبيت لا للبيع".
رواه ابن ماجه عن صهيب رضي الله عنهما.
وحقيقة القراض تنمية العامل المال بالتجارة على جزء من الربح يتفقان عليه قاله في الإرشاد ونحوه قال ابن الحاجب إجارة على التجر في المال بجزء من ربحه ورده (ع) ثم رسمه هو بقوله القراض تمكين مالم لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ إجارة وفي مختصر الشيخ خليل القراض توكيل على تجر في نقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما فخرج بقوله: (على تجر) ما عدا الشركة وخرجت الشركة بقوله: (في نقد) لأنها لا تختص به بل تجوز بالعروض بخلافه وخرج (بجزء من المال) بعدد منه وبـ (المضروب) النقار والتبر والحلي في الكل خلاف كالفلوس وبقوله مسلم اشتراط يده معه أو جعل أمين عليه إذ يفسد بذلك وخرج بالربح غيره مطلقا منه أو من غيره والعمل بالجزء والقدر شرط يفسد بعقده ثم هو من العقود الجائزة فلا يجب إلا بالشروع في العمل كشغل المال الظعن به والله أعلم.
عياض لا خلاف في جواز القراض بين المسلمين وأنه رخصة مستثناة من الإجارة المجهولة ومن السلف بمنفعة قال ولا خلاف فيه الدنانير والدراهم وغير جائز بالعروض لأنه فسخ دين في دين وسواء كانت العروض ما كانت واختلف في الشروط التي بها يصح فعندنا أن شروطه عشرة تقدير رأس المال للعامل وكونه معلوما وكونه غير مضمون على العامل وكونه مما يتبايع به أهل تلك البلدة من العين مسكوكا كان أو غير مسكوك ومعرفة الجزء الذي تقارضا عليه من ربحه وكونه مشاعا لا مقدرا بعد ذلك تقديرا وأن لا يختص أحدهما بشيء معين سواه إلا ما يضطر إليه العامل من نفقة ومؤنة في السفر وله اختصاص العامل بالعمل وأن لا يضيق عمله بالتحجير أو بتخصيص يضر بالعامل وأن لا يضربا له أجلا انتهى.
والنقار بكسر النون معناه الفجرات ونحوها قال في المدونة وقد ذكر بعض

أصحابنا أن مالكا سهل في القراض بنقار الذهب والفضة فسألت مالكا عن ذلك فقال: لا يجوز وقد تقدم منع القراض بالعروض وذكر الشيخ أنه إن نزل أي وقع القراض بالعروض أنه يكون أجيرا في بيعها ومقارضها في ثمنها فيعطى أجرة البيع من رأس المال ويعتبر القراض من يوم قبض الثمن وإشغال وكأنه وكيل في الوجهين ويعتبر المثل في الجانبين وإنما هذا إذا فات بالعمل وإلا فسخ فقط وما ذكر الشيخ هو المشهور ومذهب المدونة والله أعلم.
(وللعامل كسوته وطعمه إذا سافر في المال الذي له بال وإنما يكتسى في السفر البعيد).
قال في المدونة وإذا كان العامل مقيما في أهله فلا كسوة له من المال ولا نفقة قال الشيخ إلا أن يشغله البيع فيتغذى بالأفلس ولا ينفق منه لتجهزه لسفره حتى يظعن فإذا شخص كانت نفقته في المال في طعامه وشرابه وفيما يصلحه بالمعروف من غير سرف ذاهبا وراجعا إن كان المال يحمل ذلك ابن الفاكهاني قيل وأقله خمسون دينارا عينا قال غيره وهو في الموازية وفي مختصر ما ليس في المختصر ينفق منه إذا كان يسيرا وإن كان سبعين دينارا وقال بعض الشيوخ إذا كان السفر بعيدا والمال كثيرا فالنفقة والكسوة وإن كان السفر قريبا والمال قليلا فله النفقة دون الكسوة على ما في سماع عيسى وظاهر الواضحة لا نفقة ولا كسوة والله أعلم.
(ولا يتقسمان الربح حتى ينض رأس المال).
لأنهما إن اقتسما الربح قبل النضوض حصل في المال وضيعة جبراها مما اقتسماه فلم يكن لقسمتهما فائدة قال ابن المواز أخبرني أصحاب مالك أنه قال لا يجوز أن يتفاصلا حتى يحضر جميع المال ثم يقبض رأس ماله ثم يقتسمان الربح وفي الباب مسائل يطول جلبها فانظرها إن شئت وبالله التوفيق.
(والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الأجزاء والعمل كله على المساقي).
المساقاة مأخوذة من السقي لأنه معظم ما يعمل فيها (ع) المساقاة عقد على عمل مؤنة النبات بقدر ما من غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل فيدخل قول المدونة لا

بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقة البعل عياض هي سنة على حيالها مستثناة من المخابرة وكراء الأرض بما يخرج منها ومن بيع الثمرة والإجارة بها قبل طيبها وقبل وجودها ومن الإجارة المجهولة والغرر.
والأصل في ذلك معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ولداعيته إلى ذلك وهو أصل منقول بأحكام تختص به قال وتنعقد باللفظ كسائر الإجارات والمعاوضات كما قال الكتاب ولا نتعقد إلا بلفظ المساقاة خصوصا على مذهب ابن القاسم فلو قال استأجرتك على عمل حائطي وسقيه بنصف ثمرته أو ربعها لم يجز حتى يسمياها مساقاة.
قال: وشروط وجوبها وصحتها وجوازها ثمانية: أولها: أنها لا تصح إلا في أصل يثمر أو ما في معناه من ذوات الأزهار والأوراق التي ينتفع بها كالورد والآس.
الثاني: أن يكون قبل طيب الثمرة وجواز بيعها.
الثالث: أن تكون مدة معلومة ما لم تطل جدا.
الرابع: أن تكون بلفظ المساقاة كما تقدم.
الخامس: أن تكون بجزء مشاع مقدر.
السادس: أن يكون العمل كله على العامل.
السابع: أن لا يشترط واحد منهما من الثمرة ولا من غيرها شيئا معينا خالصا لنفسه.
الثامن: أن لا يشترط على العامل عملا خارجا عن منفعة الثمرة أو يبقى بعد جذاذها مما له بال وقدر انتهى.
وقد جعل ابن نافع غير الأصول الثابتة مثلها في المساقاة وقيده مالك بالضرورة فقول الشيخ: (في الأصول): يريد وما في معناها وحكمها وقوله من الأجزاء يريد وكذلك عمل الثمر كله على المساقي قاله في المدونة وقوله (والعمل كله على المساقي) يعني أنه إنما يأخذ على عمله فلا حجة له في رده على غيره ولا يجوز اشتراط شيء منه عليه.
(ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من سد الحظيرة وإصلاح الضفيرة وهي مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها والتذكير على العامل وتنقية مناقع الشجر وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل).
المشترط في المساقاة ثلاثة أقسام: قسم يقتضيه الحكم وهو ما تفتقر إليه الثمرة من سقي أو آلة أو فاعلية ونفقة العبيد والدواب ونحو ذلك فهذا لا يحتاج فيه إلى شرط.
وقسم يلزم بالشرط وهو ما لا بال له كسد الحظيرة وإصلاح الضفيرة ولا يلزم بلا شرط.

وقسم لا يجوز اشتراطه وهو ما كان خارجا عن عمل المساقاة أو كان يبقى بعد فراغها وله بال كإنشاء حائظ ونحوه وكلام الشيخ وقوله (سد) يروى بالمهملة والمعجمة والحظيرة.
قال يحيى بن يحيى ما يحظر بزرب فهو حظيرة الباجي: ومعنى سد الحظيرة أن يسترخى رباطه فيشترط على العامل سده والضفيرة عيدان تشد وتنسج ثم تضفر وتطين يجتمع فيه الماء كالصهريج.
وقوله: (التذكير على العامل) يحتمل أن يريد تعليق الذكار وهو عمل مجرد وشراؤه والإتيان به مع ذلك وحكى اللخمي اختلافا عن مالك وتأول عليه بعضهم كون العمل على العامل والذكار على رب الحائط والله أعلم.
ومنقع الماء مجتمعه في أصول الشجر قال الجوهري و (الغرب) الدلو العظيمة و (المسقط) بكسر القاف موضع السقوط وهو مما جاء على غير قياس لأن مضارعه يسقط بالضم والله أعلم.
(ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب وما مات منها فعلى ربه خلفه، ونفقة الدواب والأجراء على العامل وعليه زريعة البياض اليسير ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل وهو أحله وإن كان البياض كثرا لم يجز أن يدخله في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل).
يعني إذا كان في الحائط دواب ورقيق حال العقد لم يجز لربه إخراجهم عند عقد المساقاة ولا بعد ذلك لأن العامل إنما دخل عليهم ولو لم يكونوا لم يلزمه الإتيان هم وإن مات منهم شيء فعلى ربه خلفه لنقص العدد الذي دخل عليه العامل وقال في المدونة ونفقة الدواب على العامل كانوا لربه أو له وكذا نفقة الأجراء وكسوتهم إن كانت مشترطة كانت على العامل وإن كانت وجيبة كانت على رب الحائط إن دخل عليهم وكل هذا على المشهور وفي مختصر ما ليس في المختصر نفقة الرقيق على رب الحائط والله أعلم.
و (الزريعة بتخفيف الراء وتشديدها لحن وهي ما يستنبت منه الشيء والبياض ما لا شجر فيه من الأرض وما ذكر في ذلك هو المشهور وقوله وهو أحله قال ابن عبد

السلام ليسلما من كراء الأرض بما يخرج منها وفي الباب أحكام وفروع فانظرها إن شئت وبالله التوفيق.
(والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعا والريح بينهما كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر أن العمل بينهما وأكتريا الأرض أو كانت بينهما أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض والبذر من عند أحدهما وعلى الآخر العمل جازا إذا تقاربت قيمة ذلك).
هذا فصل المزارعة وفي كونها عقدا لازما بالعقد أو لا تلزم إلا بالأبدان ثلاثة لسحنون مع عبد الملك وابن كنانة وابن القاسم في كتاب ابن سحنون وقال ابن كنانة في المبسوط لا تلزم إلا بالشروع ابن رشد وبه الفتيا بقرطبة وهو قياس رواية علي في لزوم الجعل وثالثها لابن القاسم في سماع أصبغ لا تلزم إلا بالأبدان ابن حارث واتفقوا على لزومها بالعمل.
عياض وجوهها ثلاثةك إن اشتركا في الأرض والزريعة والعمل جاز اتفاقا وإن اختص أحدهما بالأرض من عنده والآخر بالبذر والأرض لها قيمة اشتركا في غيرها تساويا أو تفاوتا لم تجز وتفسد اتفاقا لاشتمالها على كراء الأرض بما يخرج منها لا على قول الداودي والأصيلي ويحيى بن يحيى في إجازة كراء الأرض بالجزء وهو خلاف مذهب مالك وأصحابه وما عدا هذين الوجهين يختلف فيه انتهى.
وحاصله إذا كانت الأرض سالمة من كرائها بما تنتب لئلا يقابلها أو جزء منها الزريعة أو جزء منها فإن ذلك جائز بأي وجه كان إذا تساويا في الربح بأن لا يأخذ كل واحد على نسبة ماله ولا يشترط الشركة في الآلة والبقر قاله مالك في رواية ابن القاسم وهو المشهور قال ابن غالب في رواية لا يجوز إلا مع الاشتراك في الآلة وقد تضمن كلام الشيخ صورا أربعة أولها الزريعة منهما جميعا والربح بينهما والأرض لإحداهما والعمل في مقابلتها.
الثانية: بحالها والعمل بينهما والأرض كانت ملكا أو مكتراة أو غير ذلك.
الثالثة: أن يكون البذر في مقابلة الأرض أو جزء منها كانت لمن جعلها أو اكتراها والعمل عليها أو على واحد منهما.

الرابعة: أن يكون كل شيء منهما والزريعة من عند واحد وعلى الآخر العمل والأرض مكتراة بينهما فكل هذه الصور عنده جائزة إلا الثالثة فتأمل ذلك.
وقد سئل ابن رشد عن رجلين اشتركا في الزرع على أن جعل أحدهما الأرض والزرع والبقر.
والثاني: العمل ويكون الربع للعامل بيده والثلاثة الأرباع لصاحبه هل يجوز ذلك أم لا فأجاب لا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعقداها بلفظ الشركة.
الثاني: أن يعقداها بلفظ الإجارة الثالث: أن لا يسميا في عقدها شركة ولا إجارة فإن عقداها بلفظ الشركة جازت وإن عقداها بلفظ الإجارة لم تجز وإن لم يسميا شركة ولا إجارة وإنما قال أدفع إليك أرضي وبقري وبذري وتتولى أنت العمل ويكون لك ربع الزرع أوخمسه أو جزء من أجزائه يسميانه فحمله ابن القاسم على الإجارة فلم يجزه وإليه ذهب ابن حبيب وحمله سحنون على الشركة فأجازه ثم قال هذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وقد كان أدركنا من الشيوخ لا يحصلونها، هذا التحصيل ويذهبون إلى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل وليس ذلك عندي بصحيح انتهى.
قال ابن عبد السلام وهذه هي مسألة الخماس في بلادنا ورده (ع) بما يطول ومرجعه لتحيق مناظرها فانظره.
(ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة قبل أن تروى).
مفهوم كلامه أن المأمونة يجوز فيها كالتي رويت ابن رشد لا يفرق ابن القاسم في الأرضين بين العقد لعام ولا أعوام ولوكانت غير مأمونة وهي في جواز النقد قسمان فالمأمونة كأرض النيل والمطر المأمون والسقي بالأنهار والعيون الثابة والآبار المعينة النقد فيها لأعوام كثيرة جائزة وغير المأمونة لا يجوز فيها النقد إلا بعد ريها وإمكان حرها كانت من أرض النيل أو المطر أو العير أو الآبار وهي في وجوبه قسمان فارض النيل يجب فيها إذا رويت لأنها لا تفتقر للسقي فبريها يكون المكتري قابضا لما اكترى.
وأرض السقي والمطر لا يجب فيها حتى يتم الزرع ويستغنى عن الماء ووافقه ابن

الماجشون في أرض النيل وفي أرض السقي لغير مأمون وخالفه في أرض السقي المأمون فانظر بقية كلامه فقد طال علي وتفاصيل الباب كثيرة.
(ومن ابتاع ثمرة في رءوس الشجر فأجيج ببرد أو جراد أو جليد أو غيره فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن وما نقص عن الثلث فمن المبتاع).
(الجائحة) ما ينزل بالثمر من المتلفات في زمن انتظار استيفاء طيبها وهي ثلاثة أنواع أمر سماوي لا سبب لأحد فيه ولا قدرة على دفعه كالجليد والبرد وهي الحجارة من السماء والثلج العطش ونحوه وهذا لا خلاف في الرجوع بما نقص على الوجه الذي ذكر والمشهور قول ابن القاسم أن المعتبر ثلث المكيلة لأن الضرر متعلق بعينها وقال أشهب ثلث القيمة لأنها المقصودة منها قيل والخلاف إنما هو في ثمرة لا يحبس أولها على آخرها فانظره.
الثاني: أمر أرضى مقدور على دفعه ومنه السارق عند ابن القاسم وهو خلاف قوله في المدونة لو أن سارقا سرقها لكانت جائحة وقيده بعض الأندلسين بالفتنة أو حيث لا يستطاع وصرح الإخوان بأن ما كان من آدمي فليس بجائحة.
الثالث: ما كان من الأمور الأرضية التي لا يقدر على دفعها فاختلف فيه كالدود والفأر والجيش وهذا مختلف فيه ففي المدونة الجيش جائحة ومقتضى قول الأخوين ليس بجائحة فانظر ذلك وقوله: (وما نقص عن الثلث): يريد ولو قال فلا شيء فيه لا في المكيلة ولا في القيمة والله أعلم.
(ولا جاحئة في الزرع ولا فيما اشترى بعد أن يبس من الثمار وتوضع جائحة البقول وإن قلت وقيل لا يوضع إلا قدر الثلث).
المشتري من النبات ثلاثة البل والمشهور لا حد فيه بل توضع جائحته قلت أوكثرت لأن الغالب جاحته العطش والحكم أن يوضع بجائحته ما قل وجل وقل عبد الوهاب هو كالثمار يعتبر فيه الثلث ورواه علي بن زياد وفي مختصر الشيخ ثالث بالسقوط مطلقا والزرع لا جائحة فيه لأنه لا يباع إلا بعد يبسه.

ابن القاسم: كل ما لا يباع إلا بعد يبسه من قمح أو شعير أو غيرهما فلا جائحة

فيه الثالث: الثمار وهي على ثلاثة أقسام ما بيع منها بعد يبسه واستيفاء طيبه كله فلا جائحة فيه كالزرع اتفاقا وما بيع منها في ابتداء طيبة وبقي لتلاحقه وانتهائه ففيه اتفاقا وما بيع بعد تمام صلاحه وبقى لحفظ رونقه نضارته وخيفة تغيره كالعنب وقصب السكر فاختلف في جائحته كما إذا بقى لنفاق سوقه وفي الكيل روايتان والله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح" وهو عمدة الباب والله الموفق للصواب.
(ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها منه إذا أزهت بخرصها ثمرا يعطيه ذلك عند الجداد إن كان فيها خمسة أوسق فأقل ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين أو العرض).
العرية بتشديد الياء اشتقاها من عروت الرجل أعروه إذا طلبت معروفة ومنه قوله تعالى: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ أي طالب المعروف عبد الوهاب هي هبة الرجل نخلة أو نخلات من حائطه الباجي وهذا الحد على مذهب أشهب وابن حبيب فأما على مذهب ابن القاسم فيه إعطاؤها على وجه يخصها وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق وفي خمسة أوسق متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية لزيد بن ثابت رضي الله عنه عند مسلم بخرصها كيلا يأكلها أهلها رطبا عياض والعربة رخصة مستثناة من أربعة أصول ممنوعة محرمة من المزابنة ومن بيع طعام بمثله دون تحقق تماثل ومن بيع الطعام بالطعام إلى أجل ومن الرجوع في الهبة هذا جملة كلامه بمعناه.
قال: وشراء العرية بخرصها يجوز بعشرة شروط الأول أن يكون معريها هو مشتريها الثاني: أن تكون قد طابت يعني أزهت أي يبدوا صلاحها.
الثالث: أن لا تكون إلا بثمر.
الرابع: أن لا تكون إلا بخرصها.
الخامس: أن لا تباع إلا بنوعها.

السادس: أن لا تكون إلا بالجداد هذه الستة متفق عليها.
السابع: أن لا تكون إلا باسم العرية.
الثامن: أن تكون خمسة أوسق فما دونها.
التاسع: أن يكون المشتري جملة ما أعري.
العاشر: أن تكون العرية مما يبس ويدخر وهذه الأربعة مختلف فيها اختلاف مشهورا.
انتهى وبتمامه تم الباب وهو من آكد الأبواب وأهما على المتدين فقد قال عليه الصلاة والسلام لما سئل أي: الكسب أطيب؟ " عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور".
رواه الترمذي من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه وصححه الحاكم والله الموفق للعمل عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فصول الكتاب · 90 فصل · 1192 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زروق على متن الرسالة · 1192 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات
باب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامة
باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم
باب جامع في الصلاة
باب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن العارية والوديعة واللقطة والغصب
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهاداتباب في الفراض
باب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائب
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلكباب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الدياناتباب ما يجب منه الوضوء والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب في أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب في الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيينباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربةباب في الجهادباب في الأيمان والنذورباب في النكاح والطلاق الرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاعباب في العدة والنفقة والاسبتراءباب في البيوع وما شاكل البيوعباب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاءباب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصبباب في أحكام الدماء والحدودباب في الأقضية والشهاداتباب في الفرائضباب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله عز وجل والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالملوكباب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي ويغير ذلك
جارٍ التحميل