باب في أحكام الدماء والحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- زروق
- الكتاب
- شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المعروف بـ زروق (المتوفى: 899هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عنه- وعلى العبد والحر سواء في ذلك، وقاله ابن عبد الحكم وقال أشهب لا يرجم العبيد ويضرب كل واحد خمسين ووجد رجل معه صبي في كساء بحيث لم يشكوا في المنكر فأمر مالك أمير المدينة بسجنه فسجنه سنة ثم ضربه أربعمائة سوط فانفتح منها ومات ولم يحفل به وكان أبوه في مدة سجنه يقول اتق الله يا مالك فوالله ما خلقت النار باطلاق فيقول من الباطل ما فعله والدك فاعرف ذلك.
فرع:
ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه من سورة ﴿قد أفلح﴾ [المؤمنون: 1] في قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظن (5) إلا على أزواجهم﴾ [المؤمنون: 5 - 6] الآية.
أن مذهب مالك والشافعي تحريم الاستمناء قال وأحمد على جلالة قدره يقول بإباحته وأنه كالفصادة ثم قال: وليس هذا من الخلاف الذي يجوز العمل به وليت شعري لو كان فيه نص صريح بالجواز كان ذو همة يرضاه لنفسه قلت والذي في كتاب الحنابلة يعزر فاعله إلا أن يكون له عذر واضح والله أعلم
(وعلى القاذف الحر الحد ثمانون وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزنا والكافر يحد في القزف ثمانين).
حد القذف ثابت بالقرآن بقوله تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: 4] الآية.
(ع) القذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنا أو قطع نسب والأخص بإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حرا عفيفا مسلما بالغا أو صغيرة تطيق الوطء لزنا أو قطع نسب مسلم فيخرج قاذف نفسه.
عياض: يجب حد القاذف بعشرة شروط ستة في المقذوف وأربعة في القاذف؛ فالمقذوف أن يكون عاقلا مسلما حرا بالغا حد التكليف على خلاف في هذا بريئا من الفاحشة التي رمي بها مع آلتها وهو ما يمكن الزنا به في القاذف أن يكون بالغا عاقلا قد صرح بالقذف بالفاحشة أو عرض بها بها تعريضا بينا يمكن لصحة جسمه إقامة الحد عليه بالسوط والله أعلم.
وإنما يشترط حد القذف للعبد قياسا على زناه لقوله تعالى {فعليهن نصف ما على
المحصنات من العذاب} [النساء: 25] وحد الكافر في القذف بكمال الحد لأنه أدنى فيستوفى منه لا له إذا ليس من أهل الحق والله أعلم.
(ولا حد على قاذف عبد أو كافر ويحد قاذف الصبية إن كان مثلها يوطأ ولا يحد قاذف الصبي ولا حد على من لا يبلغ في قذف ولا وطء).
يعني: لأن موجب الحد قوة حرمة العرض والكافر لا حرمة لعرضه والعبد كذلك لعدم تأثيره بالمعرة غالبا عبد الوهاب إنما يحد قاذف الصبية للحقو المعرة والنقص بها بخلاف الصبي أبو محمد صالح بل يحد إذا قذفه بأن مفعول لأن المعرة فيه موجودة بل هي أقوى وقد تقدم أنه لا حد على من لم يحتلم فانظره.
(ومن نفى رجلا من نسبه فعليه الحد وفي التعريض الحد ومن قال لرجل يا لوطي حد).
فأما نفي الرجل من نسبه بأن يقول له لست ابن فلان ولا فلانة أو لست من القبيلة الفلانية وهو منها اللخمي: لو قال رجل يا ابن اليهودي أو ابن النصاراني قال ابن القاسم يحد وقال أشهب لا يحد.
(ع): وربما جريا على القول بالتكفير بنفي الصفات وعدمه وكذا قول يا ابن الأعمى ويا ابن الأقطع ويا بن الأعور وليس في آبائه الباجي: ومن قال لا أصل لك ولا فصل ففي العتبية والموازية لا يحد، وقال أصبغ: يحد وثالثها إن كان من العرب حد له، وفي زاهي ابن شعبان لو قيل لعربي أنا خير منك حد له وجعله بعض المتأخرين موقف نظر فانظره ولو كان الأب عبدا والأم والولد حرين حد لقطع نسب الولد ولقذف الأم ولو كان الأبو الابن رين حد لقطع النسب فقط والله أعلم.
وأما الترعيض فهو ما يفهم نفي نسب أو ثبوت فاحشة ابن رشد كقوله أما أنا فلست بزان وفي الموازية إذا قال لرجل ما أنا بزان أو أخبرت أنك بزان حد.
وفي الموطأ تقييده بالمشاتمة ابن الماجشون من قال لامرأته في مشاتمته أني لعفيف حد ولو قاله لرجل فكذلك إلا أن يدعي أنه عفيف في الكسب والمطعم فيحلف ولا يحد وفروع الباب كثيرة فانظرها ولما كان حد القذف لأجل تنقص العرض كان قوله يا لوطي كقوله يا زاني والله سبحانه والله أعلم.
(ومن قذف جماعة فحد واحد يلزمه لمن قام به ثم منهم لا شيء عليه ومن كرر شرب الخمر أو الزنا فحد واحد في ذلك كله وكذلك من قذف جماعة).
أما من قذف جماعة فلا يلزمه إلا حد واحد فهو قول مالك سواء قاموا في مجلس واحد أو في مجالس وقال المغيرة وابن دينار: إن قاموا قيمة رجل واحد فكذلك وإلا فلكل واحد حد.
وثالثها: إن قذفهم بكلمة فحدوا حدا وإن افترق فبقدره حكاه ابن شعبان ولو قال لجماعة أحدكم زان وابن زانية لم يحد لعدم التعيين الشيخ ومن قال لرجل يا قران قال محمد يحد إن قامت به المرأة لأنه عند الناس زوج الفاعلة وقال ابن القاسم وقال يحيى بن عمر لا يحد ويضرب عشرين سوطا.
فرع:
ومن قذف بالزنا وهو يعلم أنه فعله فمذهب المدونة له القيام بالحد نفيا عن عرضه وقال ابن الحكم لا يحل له القيام وفي سماع أبي زيد ابن القاسم إن كان المقذوف يعلم أنه رآه وهو يعلم ذلك منه لم يحل له أن يقوم به والله أعلم.
وقوله: وكذلك من قذف جماعة قيل تكرار وتحصيل أحدهما في المفترقين والآخر في المجتمعين والله أعلم.
(ومن لزمته حدود وقتل فالقتل يجزئ عن ذلك إلا في القذف فليحد قبل أن يقتل).
يعني: أن الحدود تتداخل بل تندرج في الأقوى منها وهو القتل وظاهر كلامه ولو كان القتل قودا ولم أقف عليه وإنما لا يندرج حد القذف في القتل لأنه لدفع المعرة التي لا تندفع شرعا إلا بإيقاعه غالبا وحكى ابن حارث في اندراج حد القذف في حد الزنا قولين لعبد الملك وابن القاسم مع أشهب وفي المدونة: من قذف قوما فلم يحد حتى حد في شرب الخمر فقد سقكت عنه كل فرية كانت قبلة ابن رشد لأنهما من جنس واحد وفروع الباب واسعة فانظرها.
(ومن شرب خمرا أو نبيذا مسكرا حد ثمانين سكر أو لم يسكر ولا سجن عليه).
يعني: إذا ثبت عليه الشرب بشهادة أو اعتراف أو بثبوت الرائحة قال أبو عمر وجوب الحد بالرائحة هو قول عمر وعثمان وابن مسعود ومالك وجمهور أهل الحجاز وصفة الشهادة مختلف فيها وفي الموطأ استشار عمر في الخمر فقال علي رضي الله عنه
أرى أن يجلد ثمانين لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى.
وفي رواية فقال عمر أعوذ بالله من معضلة لا يحضرها علي ثم استقر على ذلك وفي المدونة: لا يحد السكران حتى يصحو زاد في سماع أبي زيد ولو خاف أنه يأتي بشفيع يبطل حده اللخمي وكذلك في الزنا والفرية ولو أخطأ الإمام فحده طافحا لم يجزئه وإن كان نشوانا أجزأه إذا كان يجد ألم الضرب وقال ابن حبيب ليس على المحدود في الخمر سواه من حلاق ولا سجن ولا طواف إلا المدمن المعتاد المشهور بالفسق فلا بأس أن يطاف به ويشهر واستحب مالك أن يلزم السجن ولا حد على مكره ولا غالط ولا ذي غصة لم يجد مساغا إلا بالخمر وقد تقدم ما في التداوي به في الضحايا فانظره وسيذكر في الجامع إن شاء الله.
(ويجرد المحدود ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب ويجلدان قاعدين).
أما تجريد الرجل فزيادة في زجره وعقوبته وعدم كشف المرأة لأن جسدها عورة وفي العتبية: يجرد الرجل للضرب ويترك للمرأة ما يستر جسدها ولا يقيها الضرب زاد في المدونة: أن بعض الأئمة أقعد المرأة في قفة فبلغ ذلك مالك فأعجبه ابن عبد الحكم أحب إلي أن يضرب المحدود بين يدي القاضي لئلا يتعدى عليها فيها.
وفي المدونة: صفة الضرب في الزنا والشرب والفرية والتعزيز ضرب واحد بين ضربين ليس بالمبرح ولا بالخفيف ولم يحد مالك ضرب الضارب ويده مضمونة إلى جنبه ولم يجز الضرب في الحدود بقضيب ولا شراك ولا درة ولكن السوط وإنما كانت درة عمر للأدب فإذا وقعت الحدود ضرب بالسوط وللباجي عن محمد لا يتولى ضرب الحد قوي ولا خفيف ولا ضعيف ولكن سوط من الرجال قال مالك: وكنت أسمع أنه يختار له العدل ويضرب في الظهر والكتفين دون سائر الأعضاء والله أعلم.
(ولا تحد الحامل حتى تضع ولا مريض مثقل حتى يبرأ).
أما أن الحامل لا تحد حال حملها فلأن الضرر يلحق ما في بطنها بالموت في الرحم فتكون عقوبتين في حد واحد لنفسين إحداهما جانية والأخرى بريئة أو بالزجر في الضرب فيكون إهلاك أحد النفسين بغير حق أو تضرب من لا فعل له بذلك فلابد من تأخيرها إلى الموضع قالوا فإن شهد على المرأة بالزنا منذ أربعين يوما أخرت إلى تمام
ثلاثة أشهر فإن ظهر حمل أخر لوضعه وإن لم يظهر حدت حينئذ وإن لم تض له أربعون عجل حدها كان ضربا أو رجما إذا لم يقع تخليق في بطنها وأما المريض ففي المدونة وكذا المريض إن خيف عليه من إقامة الحد أخر.
وقد قال مالك: إن خيف على السارق أن يقطع في البرد أخر ابن القاسم: والذي يضرب المحدود في البرد مثله يؤخر إذا خيف عليه والحر كالبر في ذلك اللخمي: إن كان ضعيف الجسم فخيف عليه الموت سقط الحد وسجن وإن قصاصا رجع إلى الدية في كونها في ماله أو على العاقلة قولان.
(ولا يقتل واطئ البهيمة وليعاقب).
هذا الذي ذكر في المشهور خلافا لما في كتاب ابن شعبان من أنه يحد حكاه عنه اللخمي وكذلك خالف المشهور أيضا فيمن وطئ امرأة ميتة وفي رضاع المدونة يحد من وطئ ميتة وقال ابن شعبان لا يحد الأبهري وما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من وطئ بهيمة فاقتلوه واقتولها معه" فغير ثابت، قال الطرطوشي: لا يختلف مذهب مالك أن البهيمة لا تقتل وإن كانت مما يؤكل أكلت أظن أني رأيت في الترمذي أنه حديث لم يعمل به أحد من أهل العلم ومن قال به علله بوجه لا يظهر في النظر والله أعلم.
(ومن سرق ربع دينار ذهبا أو ما قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو وزن ثلاثة دراهم فضة قطع إذا سرق من حرز).
(السرقة): أخذ مكلف حر لا يعقل لصغره مالا محترما لغيره نصابا أخرجه من حرزه بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه قاله (ع): ثم فيخرج أخذ الأسير مال حربي وما اجتمع بتعدد إخراج وقصد الأب مال ولده والمضطر في المجاعة انتهى.
وأورد عليه ان من مال الذمي المحترم الخمر للذمي ولا قطع فيه مع لزوم القيمة في إتلافها عليه والنصاب الذي يقطع فيه ربع دينار من الذهب الخالص أو ثلاثة دراهم من فضة خالصة أو ما قيمته ثلاثة دراهم قال ابن رشد: ولا تقوم إلا بالدراهم كان البلد تجري فيه الدنانير أو الدراهم أو لا يجري فيه أحدهما وإنما التعامل بالعروض لأنه
عليه الصلاة والسلام: " إنما قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم".
والمجن – بكسر الميم وفتح الجيم والنون- الترس للأبهري تقوم بأغلب النقدين اللخمي القياس الرجوع إلى نصاب الذهب وكون المعتبر في القيمة يوم السرقة هو المذهب لأنه وقت تعلقها بالذمة وقوله: (أو وزن ثلاثة دراهم) يعني: أنه إذا سرق وزن ثلاثة دراهم من فضة غير مطبوعة وقال ابن عبد الحكم: المعتبر في ذلك ما يساوي ربع دينار يعتبر في كل مقوم منفعته المباحة وفي الموازية أيقوم البازي على ما هو عليه من التعليم وقال أشهب يقوم على أنه غير معلم والله أعلم.
وظاهر كلام ابن رشد أن المقوم الواحد إذا كان من عند الحاكم كاف وظاهر كلام غيره لا يكفي فانظره ذلك.
(والحرز): ما يعود صونا للمال استقل بحفظه أو بحافظ غيره كالحانوت والدار والجيب والكم ونحوه فانظره.
(ولا قطع في الخلسة).
عياض: المختلس الخاطف والاختلاس أخذ المال بحضرة صاحبه أو القائم عليه أو الناس ظاهرا غفلة وفر به بسرعة وفي الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس على منتهب ولا خائن ولا مختلس قطع" قال: حديث حسن صحيح عياض أخذ أموال الناس بغير حلها ورضى أربابها حرام وهي على ضروب عشرة: حرابة وغيلة وغصب وقهر وخيانة وسرقة واختلاس وخديعة وتعد وجحد واسم الغصب ينطلق على ذلك في اللغة ولكل واحد من هذه الضروب في الشرع حكم على حياله.
فالحرابة: كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة.
والغيلة: كل ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة إهلاكه كإلقائه في مهواة أو سقيه سما وحكمه حكم الحرابة والغصب في عرف الشرع: ما أخذه ذو القدرة والسلطان بسلطانه ممن لا قدرة له على دفعه.
والقهر: نحو منه إلا أن يكون من أهل القوة في الجسم للضعيف أو من الجماعة للواحد حكمه حكم الغصب واسمه ينطلق عليه لغة وشراعا وعلى ذلك يحمل ما في
كتاب محمد إذا كان ي داخل المصر وأما إذا كان خارجه فحكمه حكم الحرابة وعليه يحمل ما في المدونة إذا كان بغير سلاح وقول ابن القاسم لا قطع على كابر إلا أن يؤخذ بحكم الحرابة والخيانة كل ما كان لآخذه عليه أمانة أو يد أو للتصرف فيه إذن والسرقة كل ما أخذ على وجه الخفاء والتستر والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه أو القائم عليه أو الناس ظاهرا على غفلة وفر به آخذه بغفلة وسرعة.
والخديعة: كل ما أخذ بحيلة خدع بها صاحبه كالمشبه بصاحب الحق والوديعة فيأخذها ممن هي عنده والمرائي لزي الصلاح أو الفقه وليس منهم ليأكل بذلك ما لا يحل أو ممن أبيح له ذلك أو الذي يسقي السكران حتى ينام أو يغفل غفلة فيأخذ ماله أو شبه شعوذة ونحو ذلك.
وفي المدونة في ساقي السكران أنها محاربة وظاهر كتاب محمد أنها إنما تكون حرابة إذا سقاه ما يموت منه والجحد إنكار ما تقرر في الذمة الجاحد على وجه القهر أو أمانته من مال وهونوع من الخيانة والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبة وليس على وجه القهر والاختلاس وهو نحو الغصب لأن بينهما فرقا في الصورة وفي بعض وجوه أحكامها ولهذها لوجوه في الشرع حكمان ضمان ما أخذ لربه وحدود الله عز وجل في أخذ ذلك فانظره ذلك وبالله التوفيق.
(ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف ثم إن سرق فيده ثم إن سرق فرجله ثم إن سرق جلد وسجن).
قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: 38] فعم الرجل والمرأة والعبد والذمي والمعاهد وأول ما تقطع اليمنى وتحسم بالنار لئلاتضرر بها أو يسري إلى النفس وقطع رجله اليسرى في الثانية قال عبد الوهاب لا خلاف فيه وإنما الخلاف في الثالثة والرابعة.
قال مالك: إن سرق ثالثة قطعت يده اليسرى أو رابعة فرجله اليمنى وبه قال الشافعي: ولأبي حنيفة ولا يقطع في السرقة إلا رجل واحدة وقول عبد الوهاب لا خلاف معارض بنقل ابن العربي عن عطاء لا تقطع إلا اليمنى فقط والله أعلم.
وما ذكر من جلده وسجنه بعد الرابعة هو المشهور وقال أبو مصعب يقتل وفيه
حديث أخرجه أبو داود والنسائي والله أعلم.
(ومن أقر بالسرقة قطع وإن رجع أقيل وغرم السرقة إن كانت معه وإلا اتبع بها).
(السرقة): إنما تثبت ببنية أو إقرار ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أتى بسارق اعترف اعترافا ولم يوجد عنده شيء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أخالك سرقت" قال بلى: قال: " فاذهبوا به فاقطعوا" فقطعوه ثم جاءوا به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قل استغفر
الله وأتوب إليه" فقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اغفر له وتب عليه" رواه النسائي وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فوقله:" ما خالك سرقت" تعريض له بالرجوع.
أبو عمر: وقد اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على قبول المقر بالزنى والسرقة والشرب إذا لم يدع المسروق منه ما أقر السارق به وقال ابن أبي ليلى وعمر والبتى لا يقبل رجوعهم في شيء من ذلك (ع): ولعله مما لم يذكر له وجها ابن يونس قال مالك: من أقر على أنه سرق لرجل مائة درهم ثم نزع لم يقطع ويغرم المائة لربها وقيل لا يقال إلا لعذر بين والأول أولى.
(ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز وكذلك الكفن من القبر).
يعني أن شرط القطع في السرقة خروجها من الحرز ابن حارث اتفقوا في السارق يؤخذ في الحرز قبل أن يخرج المتاع أنه لا يقطع وسمع ابن القاسم إن دخل سارق دار رجل فاتزر بإزار فأخذ في البيت ففر منه والإزار ع ليه وقد علم أهل البيت أو لم يعلموا لأقطع عليه.
ابن رشد لأنه لم يخرج به إلا مختلسا وفي المدونة لو قربه أحدهما لباب الحرز أو النقب فتناوله الآخر قطع الخارج إذ هو الذي أخرجه.
وقال أشهب في الموازية: يقطعان ولو أخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجا فقد شك فيها مالك فقال مرة ويقطع مرة لا يقطع ولو كانت السرقة طعاما فأكله في الحرز لم يقطع بخلاف الدرة يبتلعها ثم يخرج بها وفي الكل اختلاف.
وفي الجلاب: أن أخرج النباش الكفن من القبر قطع وإلا فلا وفي الباب مسائل يطول ذكرها فانظرها.
(ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع ولا يقطع المختلس).
يعني: لأن سرقته من موضع أذن له فيه خيانة إلا أن يسرق من صندوق فيه ونحوه مما حرز عنه وفي المدونة من أذنت له في دخول بيتك أو دعوته إلى طعامك فسرقك فهذه خيانة وفي سرقة قناديل المسجد ثالثها إن كان المسجد يغلق عليه والثلاثة لابن القاسم وفي حصره ثالثها إن تسور عليه ليلا ورابعها: إن خيط عليها أو بعضها.
إلى بعض وخامسها: إن كان عليها غلق وفي المدونة: قطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها الذي حجر عليها لا ما هو في بيت سكناها وفروع الباب كثيرة فانظرها وقد مر الكلام في المختلس وبالله التوفيق.
(وإقرار العبد فيما يلزمه من بدنه في حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له).
يعني: لأن إقراراه في الأول مضر به وجناية على نفسه لا يتهم فيه وقال أشهب: لا يصح إقراره لتعلق حق السيد بعينه ويحلف السيد على نفيه وقوله في رقبته يعني: فيما يجب أخذه فيه فإنه يتهم يجب انتقاله إلى من أقر له لأن العبد فيما جنى فلا يقبل والله أعلم.
(ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجمار في النخل ولا في الغنم الراعية حتى تسرق من مراحها وكذلك الثمر من الأندر).
أما (الثمر المعلق والجمار): ففي الحديث لا قطع فيه قال علماؤنا إلا أن يكون الشجر في داره ونحوها فإنه في حرز فإن يقطع سارقها وقال ابن المواز (ع) وعليه لو كان الحائط بحارس قطع سارقه وما ذكر في الغنم واضح لأن مراحها حرزها إذ يقصد به الحفظ بخلاف مراعها وفي الحديث في الثمر المعلق حتى يؤويه صاحب الجرين يعني الأندر والله أعلم.
(ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا واختلف في ذلك في القذف).
الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " إذا بلغت الحدود الإمام فلعنة الله على الشافع والمشفع".
وقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين شفع في المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده " أتشفع في حد من حدود الله؟ والذي نفسي بيده! لوسرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها".
الحديث وقد أعاذها الله من ذلك فليست بأصالة ولكن خرج للمبالغة وإنما اختلف في القذف بناء على أنه حق الله فلا يشفع أو حق لمخلوق فيمكن رفعه والله أعلم.
(ومن سرق من الكم قطع ومن سرق من الهري أو بيت المال أو المغنم فليقطع وقيل إن سرق فوق حقه بثلاث دراهم قطع).
الهري موضع خزن زرع الزكاة أو نحوها مما للمسلمين على يد السلطان وظاهره ولو كان المسروق منه زكاة الفطر بعد وضعها في المسجد واختلف في ذلك بالخلاف الذي في حصر المسجد والمشهور أنه حرز كبيت المال الذي هو حاصل مال المسلمين وموضع خزنة فيقطع في ذلك كله لأنه موضع لحفظه.
وأما المعتم ففي المدونة قيل له يعني لابن القاسم أليس له في المغنم حصة قال قال مالك وكم تلك الحصة قال الشيوخ: وإنما اختصرها أبو سعيد سؤالا وجوابا لإشكالها إذ يفهم منها أن المسروق لو كان قدر حصة السارق من الغنم لم يقطع وهو القول الثاني الذي حكاه الشيخ بقوله: وقيل إن سرق فوق حقه بثلاثة دراهم وعليه فهل يعتبر مقدار حقه من المسروق أو من كل الغنيمة احتمالان فأما الكم فإنه حرز لما فيه إذا وضع لحفظه وكذلك الجيب وفيه تفصيل.
وقد نص عبد الوهاب: على أنه حرز وكذا غيره وفي تعاليق أبي عمران: أن سرق من كم رجل في دعوة أو صنيع فلا قطع عليه قال ابن الفاكهاني: فالكم ههنا ليس بحرز ونظر فيه بعض من قرب زمانه فتأمله.
(ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع به في عمده).
اختلف المذهب في السارق إذا قطع وقد فات ما أخذ هل يتبع أم لا فقال أبو حنيفة لا يتبع وما أخذ هو دية يده وقال الشافعي يتبع مطلقا لأن هذا حرز للمال قد
تعلق بالذمة وقال مالك يتبع في ملائه لا عدمه وقد اعترض بعض من يتهم بالزندقة قطع اليد بربع دينار في السرقة مع أنها في الديات بخمسمائة دينار فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من النار
فأجابه بعض الشيوخ على ذلك جوابا شافيا حسنا إذ قال ما نصه:
عز الأمانة أغلاها وأوضعها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
وذكر لنا الشيخ الصالح الأصولي المعتمد المدرس أبو زيد عبد الرحمن الجزولي رحمه الله أن قائل البيتين الأولين هو أبو العلاء المعري.
وأن المجيب هو القاضي عبد الوهاب بن نصر صاحب التلقين وغيره والله أعلم.
ثم على مشهور الشيخ الصالح الأصولي المعتمد المدرس أبو زيد عبد الرحمن الجزولي رحمه الله أن قائل البيتين الأولين هو أبو العلاء المعري.
وأن المجيب هو القاضي عبد الوهاب بن نصر صاحب التلقين وغيره والله أعلم.
ثم على مشهور المذهب وأنه يقوم السرقة في ملائه إذ كان قد استهلكها على ذلك إذا اتصل ملاؤه من حين سرقته إلى حين القطع فيه وهو المشهور أو إلى حين القيام عليه وهو قول أشهب وحكى عبد الوهاب عن بعض شيوخه أن غرمه استحسان لأن القياس عدم تغريمه كمذهب الحنفي قائلا لا يجمع عليه القطع والغرم بل المالك مخير فيهما وأيهما اختار سقط الآخر وقال ابن شعبان كالشافعية يغرم على كل حال لأن القطع حق لله والمال حق الآدمي فلا يندرج أحدهما في الآخر والله أعلم.
(ويتبع في عدمه بقيمة ما لا قطع فيه من السرقة.
يعني: سواء فات أو كان حاضرا موجودا أو ما لا قطع فيه أما أن يكون مما لا يحل تملكه وبيعه كالخمر والخنزير إذا سرقه من ذمي فباعه أو شربه أو أكله فقد حكى الشيخ: رواية محمد عدم قطعه في الميت والخمر والخنزير إن سرقة من مسلم أو ذمي إلا أن الذمي يتبعه به في ملائه وعدمه مع وجيع الألم والأدب والله أعلم.
وكذا إن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المتخذ للضرع أو للزرع أو للصيد لا قطع فيه على المشهور ويلزم غرمه في الملاء والعدم هذا مذهب ابن القاسم وقال أشهب: يقطع وكذا لا يقطع سارق لحم الأضحية والزيت التي ماتت فيه فأرة ونحوها على المشهور ويغرم بكل حال وقال أصبغ: يقطع بناء على أنه لا يستدام ملكه وأنه يستقر ملكه عليه بوجه ما.
وقد تقدم عدم قطعه فيما ليس في حرز كالثمر المعلق والزرع قبل أيوائه محل حفظه ونحو ذلك وكذا لا يقطع إن قصر المسروق عن النصاب الذي هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ثلاثة دراهم وسواء كان جميع المسروق نصابا أخرجه مرات كل مرة أقل من نصاب أو كان المجموع أقل من نصاب فأنه لا يقطع في ذلك ويغرم على كل حال ومسائل الباب كثيرة واسعة فانظرها وبالله التوفيق.
خاتمة:
اختلف هل الحدود كفارات أو زواجر وصحح كثير من العلماء الأول لقوله صلى الله عليه وسلم " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهي كفارة".
الحديث رواه البخاري وغيره من حديث عبادة بن الصمات رضي الله عنه وقال بعض أئمة الشافعية عقوبة الذنب أبلغ في كفارته من غفرانه فانظره والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.