النكرَة والمعرفة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- عبد الغني الدقر
- الناشر
- الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَأما شَيْء فَلِأَنَّهُ كِنَايَة عَن الْمصدر وَهُوَ الْعَفو وَالتَّقْدِير وَالله أعلم فَأَي شخص من الْقَاتِل عُفيَ لَهُ عَفْو مَا من جِهَة أَخِيه وظرف الزَّمَان كَقَوْلِك صيم رَمَضَان وَأَصله صَامَ النَّاس رَمَضَان وظرف الْمَكَان كَقَوْلِك جلس أمامك وَالدَّلِيل على أَن الْأَمَام من الظروف المتصرفة الَّتِي يجوز رَفعهَا قَول الشَّاعِر (فغدت كلا الفرجين تحسب أَنه ... مولى المخافة خلفهَا وأمامها)
وَالْمَجْرُور كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا﴾ ف يُؤْخَذ فعل مضارع مَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله وَهُوَ خَال من ضمير مستتر فِيهِ وَمِنْهَا جَار ومجرور فِي مَوضِع رفع أَي لَا يكن أَخذ مِنْهَا وَلَو قدر مَا هُوَ الْمُتَبَادر من أَن فِي يُؤْخَذ ضميرا مستترا هُوَ الْقَائِم مقَام الْفَاعِل وَمِنْهَا فِي مَوضِع نصب لم يستقم لِأَن ذَلِك الضَّمِير عَائِد حِينَئِذٍ على كل عدل وكل عدل حدث والأحداث لَا تُؤْخَذ وانما تُؤْخَذ الذوات نعم ان قدر أَن لَا يُؤْخَذ بِمَعْنى لَا يقبل صَحَّ ذَلِك وَفهم من قولي فَإِن فقد فالمصدر الى آخِره أَنه لَا يجوز اقامة غير الْمَفْعُول بِهِ مَعَ وجود الْمَفْعُول بِهِ وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين الا الْأَخْفَش وَاسْتدلَّ المخالفون بِنَحْوِ قَول الشَّاعِر
(أتيح لي من العدى نذيرا ... بِهِ وقيت الشَّرّ مُسْتَطِيرا)
وبقراءة أبي جَعْفَر ﴿ليجزي قوما بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فأقيم فيهمَا الْجَار وَالْمَجْرُور وَترك الْمَفْعُول بِهِ مَنْصُوبًا ثمَّ قلت وَلَا يحذفان بل يستتران ويحذف عاملهما جَوَازًا نَحْو زيد لمن قَالَ من قَامَ أَو من ضرب ووجوبا نَحْو ﴿إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت وَإِذا الأَرْض مدت﴾
وَلَا يكونَانِ جملَة فنحو ﴿وَتبين لكم كَيفَ فعلنَا بهم﴾ على إِضْمَار التبين وَنَحْو ﴿وَإِذا قيل إِن وعد الله حق﴾ على الْإِسْنَاد الى اللَّفْظ وَيُؤَنث فعلهمَا لتأنيثهما وجوبا فِي نَحْو الشَّمْس طلعت وَقَامَت هِنْد أَو الهندان أَو الهندات وجوازا راجحا فِي نَحْو طلعت الشَّمْس وَمِنْه قَامَت الرِّجَال أَو النِّسَاء أَو الهنود وَحَضَرت القَاضِي امْرَأَة وَمثل قَامَت النِّسَاء نعمت الْمَرْأَة هِنْد ومرجوحا فِي نَحْو مَا قَامَ الا هِنْد وَقيل ضَرُورَة وَلَا تلْحقهُ عَلامَة تَثْنِيَة وَلَا جمع وشذ نَحْو أكلوني البراغيث وَأَقُول ذكرت هُنَا خَمْسَة أَحْكَام يشْتَرك فِيهَا الْفَاعِل والنائب عَنهُ الحكم الأول أَنَّهُمَا لَا يحذفان وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا عمدتان ومنزلان
من فعلهمَا منزلَة الْجُزْء فان ورد مَا ظَاهره أَنَّهُمَا فِيهِ محذوفان فَلَيْسَ مَحْمُولا على ذَلِك الظَّاهِر وانما هُوَ مَحْمُول على أَنَّهُمَا ضميران مستتران فَمن ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن ففاعل يشرب لَيْسَ ضميرا عَائِدًا الى مَا تقدم ذكره وَهُوَ الزَّانِي لِأَن ذَلِك خلاف الْمَقْصُود وَلَا الأَصْل وَلَا يشرب فَحذف الشَّارِب لِأَن الْفَاعِل عُمْدَة فَلَا يحذف وانما هُوَ ضمير مستتر فِي الْفِعْل عَائِد على الشَّارِب الَّذِي استلزمه يشرب فَإِن
يشرب يسْتَلْزم الشَّارِب وَحسن ذَلِك تقدم نَظِيره وَهُوَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وعَلى ذَلِك فقس وتلطف لكل مَوضِع بِمَا يُنَاسِبه وَعَن الْكسَائي اجازة حذف الْفَاعِل وَتَابعه على ذَلِك السُّهيْلي وَابْن مضاء الثَّانِي أَن عاملهما قد يحذف لقَرِينَة وَأَن حذفه على قسمَيْنِ جَائِز وواجب فالجائز كَقَوْلِك زيد جَوَابا لمن قَالَ لَك من قَامَ أَو من ضرب فزيد فِي جَوَاب الأول فَاعل فعل مَحْذُوف وَفِي جَوَاب الثَّانِي نَائِب عَن فَاعل فعل مَحْذُوف وان شِئْت صرحت بالفعلين فَقلت قَامَ زيد وَضرب عَمْرو وَالْوَاجِب ضابطه أَن يتَأَخَّر عَنهُ فعل مُفَسّر لَهُ وَقد اجْتمع المثالان فِي الْآيَة الْكَرِيمَة ف ﴿السَّمَاء﴾ فَاعل ﴿انشقت﴾ محذوفة كالسماء فِي
قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا انشقت السَّمَاء﴾ الا أَن الْفِعْل هُنَا مَذْكُور وَالْأَرْض نَائِب عَن فَاعل مدت محذوفة وكل من الْفِعْلَيْنِ يفسره الْفِعْل الْمَذْكُور فَلَا يجوز أَن يلتفظ بِهِ لِأَن الْمَذْكُور عوض عَن الْمَحْذُوف وهم لَا يجمعُونَ بَين الْعِوَض والمعوض عَنهُ الحكم الثَّالِث أَنَّهُمَا لَا يكونَانِ جملَة هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح وَزعم قوم أَن ذَلِك جَائِز وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿ثمَّ بدا لَهُم من بعد مَا رَأَوْا الْآيَات ليسجننه﴾ ﴿وَتبين لكم كَيفَ فعلنَا بهم﴾ ﴿وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾ فَجعلُوا جملَة ليسجننه فَاعِلا ل ﴿بدا﴾ وَجُمْلَة ﴿كَيفَ فعلنَا بهم﴾ فَاعِلا ل ﴿تبين﴾ وَجُمْلَة ﴿لَا تفسدوا فِي الأَرْض﴾ قَائِمَة مقَام فَاعل وَلَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك أما الْآيَة الأولى فالفاعل فِيهَا ضمير مستتر عَائِد إِمَّا على مصدر الْفِعْل وَالتَّقْدِير
ثمَّ بدا لَهُم بداء كَمَا تَقول بدالي رَأْي وَيُؤَيّد ذَلِك أَن اسناد بدا الى البداء قد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي قَول الشَّاعِر (لَعَلَّك والموعود حق لقاؤه ... بدا لَك فِي تِلْكَ القلوص بداء) وَإِمَّا على السجْن بِفَتْح السِّين الْمَفْهُوم من قَوْله تَعَالَى ﴿ليسجننه﴾ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْآيَة الثَّانِيَة أَي وَتبين هُوَ أَي التبين وَجُمْلَة الِاسْتِفْهَام مفسرة وَأما الْآيَة الثَّالِثَة فَلَيْسَ الإسنادفيها من الْإِسْنَاد الْمَعْنَوِيّ الَّذِي هُوَ مَحل الْخلاف وانما هُوَ من الْإِسْنَاد اللَّفْظِيّ اللَّفْظِيّ أَي وَإِذا قيل لَهُم هَذَا اللَّفْظ والإسناد اللفظى جَائِز فِي جَمِيع الْأَلْفَاظ كَقَوْل الْعَرَب زَعَمُوا مَطِيَّة الْكَذِب وَفِي الحَدِيث لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه كنز من كنوز الْجنَّة الحكم الرَّابِع أَن عاملهما يؤنث اذا كَانَا مؤنثين وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أَقسَام تَأْنِيث وَاجِب وتأنيث رَاجِح وتأنيث مَرْجُوح احداهما أَن يكون الْفَاعِل الْمُؤَنَّث ضميرا مُتَّصِلا وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين حَقِيقِيّ التَّأْنِيث ومجازيه فالحقيقي نَحْو هِنْد قَامَت فهند مُبْتَدأ وَقَامَ فعل مَاض وَالْفَاعِل ضمير مستتر فِي الْفِعْل وَالتَّقْدِير قَامَت هِيَ وَالتَّاء عَلامَة التَّأْنِيث وَهِي وَاجِبَة لما ذَكرْنَاهُ والمجازي نَحْو الشَّمْس طلعت وَإِعْرَابه ظَاهر وَلما مثلت بِهِ فِي الْمُقدمَة للتأنيث
الْوَاجِب علم أَن وجوب التَّأْنِيث مَعَ الْحَقِيقِيّ من بَاب أولى بِخِلَاف مَا لَو عكست فَأَما قَول الشَّاعِر 77 - (ان السماحة والمروءة ضمنا ... قبرا بمرو على الطَّرِيق الْوَاضِح) وَلم يقل ضمنتا فضرورة الثانيه أَن يكون الْفَاعِل اسمأ ظَاهرا مُتَّصِلا حَقِيقِيّ التَّأْنِيث مُفردا أَو تَثْنِيَة لَهُ أَو جمعا بِالْألف وَالتَّاء فالمفرد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَت﴾
امْرَأَة عمرَان) والمثنى كَقَوْلِك قَامَت الهندان وَالْجمع كَقَوْلِك قَامَت الهندات فَأَما قَوْله (تمنى ابنتاي أَن يعِيش أَبوهُمَا ... وَهل أَنا الا من ربيعَة أَو مُضر)
فضرورة إِن قدر الْفِعْل ماضيأ وَأما إِن قدر مضارعا وَأَصله تتمنى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى﴾ فَلَا ضَرُورَة وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات﴾ فَإِنَّمَا جَازَ لأجل الْفَصْل بالمفعول أَو لِأَن الْفَاعِل فِي الْحَقِيقَة أل الموصولة وَهِي اسْم جمع
فَكَأَنَّهُ قيل اللَّاتِي آمن اَوْ لِأَن الْفَاعِل اسْم جمع مَحْذُوف مَوْصُوف بالمؤمنات أَي النسْوَة الَّتِي آمن وَأما التَّأْنِيث الرَّاجِح فَفِي مَسْأَلَتَيْنِ أَيْضا إِحْدَاهَا ان يكون الْفَاعِل ظَاهرا مُتَّصِلا مجازي التَّأْنِيث كَقَوْلِك
طلعت الشَّمْس وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت﴾ ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة مَكْرهمْ﴾ ﴿وَجمع الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ وَالثَّانيَِة أَن يكون ظَاهرا حَقِيقِيّ التَّأْنِيث مُنْفَصِلا بِغَيْر الا كَقَوْلِك قَامَ الْيَوْم هِنْد وَقَامَت الْيَوْم هِنْد وَكَقَوْلِه (ان امْرأ غره مِنْكُن وَاحِدَة ... بعدِي وبعدك فِي الدُّنْيَا لمغرور)
والمبرد يخص ذَلِك بالشعر وَمن النَّوْع الأول أَعنِي الْمُؤَنَّث الظَّاهِر الْمجَازِي التَّأْنِيث أَن يكون الْفَاعِل جمع تكسير أَو اسْم جمع تَقول قَامَت الزيود وَقَامَ الزيود وَقَامَت النِّسَاء وَقَامَ النِّسَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿قَالَت الْأَعْرَاب﴾ ﴿وَقَالَ نسْوَة﴾ وَكَذَلِكَ اسْم الْجِنْس ك أَوْرَق الشّجر وأورقت الشّجر فالتأنيث فِي ذَلِك كُله على معنى الْجَمَاعَة والتذكير على معنى الْجمع وَلَيْسَ لَك أَن تَقول التَّأْنِيث فِي النِّسَاء والهنود حَقِيقِيّ لِأَن الْحَقِيقِيّ هُوَ الَّذِي لَهُ فرج والفرج لآحاد الْجمع لَا للْجمع وَأَنت انما أسندت الْفِعْل الى الْجمع لَا الى الْآحَاد وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا قَوْلهم نعمت الْمَرْأَة هِنْد وَنعم الْمَرْأَة هِنْد فالتأنيث على مُقْتَضى الظَّاهِر والتذكير على معنى الْجِنْس لِأَن المُرَاد بِالْمَرْأَةِ الْجِنْس لَا وَاحِدَة مُعينَة مدحوا الْجِنْس عُمُوما ثمَّ خصوا من أَرَادوا مدحه وَكَذَلِكَ بئس بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّم كَقَوْلِك بئس الْمَرْأَة حمالَة الْحَطب وبئست الْمَرْأَة هِنْد
وَأما التَّأْنِيث الْمَرْجُوح فَفِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وَهِي أَن يكون الْفَاعِل مَفْصُولًا بإلا كَقَوْلِك مَا قَامَ إِلَّا هِنْد فالتذكير هُنَا أرجح بِاعْتِبَار الْمَعْنى لِأَن التَّقْدِير مَا قَامَ أحد إِلَّا هِنْد فالفاعل فِي الْحَقِيقَة مُذَكّر وَيجوز التَّأْنِيث بِاعْتِبَار ظَاهر اللَّفْظ كَقَوْلِه (مَا بَرِئت من رِيبَة وذم ... فِي حربنا الا بَنَات الْعم) وَالدَّلِيل على جَوَازه فِي النثر قِرَاءَة بَعضهم ﴿إِن كَانَت إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ بِرَفْع ﴿صَيْحَة﴾ وَقِرَاءَة جمَاعَة السّلف ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا﴾
مساكنهم) بِبِنَاء الْفِعْل لما لم يسم فَاعله وبجعل حرف المضارعة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَزعم الْأَخْفَش أَن التَّأْنِيث لَا يجوز الا فِي الشّعْر وَهُوَ محجوج بِمَا ذكرنَا الحكم الْخَامِس ان عاملهما لَا تلْحقهُ عَلامَة تَثْنِيَة وَلَا جمع فِي الْأَمر الْغَالِب بل تَقول قَامَ أَخَوَاك وَقَامَ إخْوَتك وَقَامَ نسوتك كَمَا تَقول قَامَ أَخُوك وَمن الْعَرَب من يلْحق عَلَامَات دَالَّة على ذَلِك كَمَا يلْحق الْجَمِيع عَلامَة دَالَّة على التَّأْنِيث كَقَوْلِه (تولى قتال المارقين بِنَفسِهِ ... وَقد أسلماه مبعد وحميم)
وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ وَقَول بعض الْعَرَب أكلوني البراغيث وَقَول الشَّاعِر (نتج الرّبيع محاسنا ... ألقحنها غر السحائب)
وَقَول الآخر (رأين الغواني الشيب لَاحَ بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر)
وَقد حمل على هَذِه اللُّغَة آيَات من التَّنْزِيل الْعَظِيم مِنْهَا قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا﴾ والأجود تخريجها على غير ذَلِك وَأحسن الْوُجُوه فِيهَا إِعْرَاب ﴿الَّذين ظلمُوا﴾ مُبْتَدأ ﴿وأسروا النَّجْوَى﴾ خَبرا ثمَّ قلت الثَّالِث الْمُبْتَدَأ وَهُوَ الْمُجَرّد عَن العوامل اللفظية مخبرا عَنهُ أَو وَصفا رَافعا لمكتفى بِهِ فَالْأول ك زيد قَائِم
و ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ و ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ وَالثَّانِي شَرطه نفي أَو اسْتِفْهَام نَحْو أقائم الزيدان وَمَا مَضْرُوب الْعمرَان وَأَقُول الثَّالِث من المرفوعات الْمُبْتَدَأ وَهُوَ نَوْعَانِ مُبْتَدأ لَهُ خبر وَهُوَ الْغَالِب ومبتدأ لَيْسَ لَهُ خبر لَكِن لَهُ مَرْفُوع يُغني عَن الْخَبَر ويشترك النوعان فِي أَمريْن أَحدهمَا أَنَّهُمَا مجردان عَن العوامل اللفظية وَالثَّانِي أَن لَهما عَاملا معنويا وَهُوَ الِابْتِدَاء ونعني بِهِ كَونهمَا على هَذِه الصُّورَة من التجرد للإسناد ويفترقان فِي أَمريْن أَحدهمَا أَن الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَهُ خبر يكون اسْما صَرِيحًا نَحْو ﴿الله رَبنَا﴾ وَمُحَمّد نَبينَا ومؤولا بِالِاسْمِ نَحْو ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ أَي وَصِيَامكُمْ خير لكم وَمثله قَوْلهم تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ وَلذَلِك قلت الْمُجَرّد وَلم أقل الِاسْم الْمُجَرّد وَلَا يكون الْمُبْتَدَأ المستغني عَن الْخَبَر فِي تَأْوِيل الِاسْم الْبَتَّةَ بل وَلَا كل اسْم بل يكون اسْما هُوَ صفة نَحْو أقائم الزيدان وَمَا مَضْرُوب الْعمرَان
وَالثَّانِي أَن الْمُبْتَدَأ الَّذِي لَهُ خبر لَا يحْتَاج الى شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ والمبتدأ المستغني عَن الْخَبَر لَا بُد أَن يعْتَمد على نفي أَو اسْتِفْهَام كَمَا مثلنَا وَكَقَوْلِه (خليلي مَا واف بعهدي أَنْتُمَا ... اذا لم تَكُونَا لي على من أقاطع)
وَقَوله (أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا ... ان يظعنوا فعجيب عَيْش من قطنا)
وَقَوْلِي رَافعا لمكتفى بِهِ أَعم من أَن يكون ذَلِك الْمَرْفُوع اسْما ظَاهرا ك قوم سلمى فِي الْبَيْت الثَّانِي أَو ضميرا مُنْفَصِلا ك أَنْتُمَا فِي الْبَيْت الأول وَفِيه رد على الْكُوفِيّين والزمخشري وَابْن الْحَاجِب اذ أوجبوا أَن يكون الْمَرْفُوع ظَاهرا وأوجبوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أراغب أَنْت﴾ أَن يكون مَحْمُولا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَذَلِكَ لَا يُمكنهُم فِي الْبَيْت الأول اذ لَا يخبر عَن الْمثنى بالمفرد وأعم من أَن يكون ذَلِك الْمَرْفُوع فَاعِلا كَمَا فِي الْبَيْتَيْنِ أَو نَائِبا عَن الْفَاعِل كَمَا فِي قَوْلك امضروب الزيدان وَخرج عَن قولي مكتفى بِهِ نَحْو اقائم ابواه زيد فَلَيْسَ لَك ان تعرب اقائم مُبْتَدأ وابواه فَاعِلا اغنى عَن الْخَبَر لِأَنَّهُ لَا يتم بِهِ الْكَلَام بل زيد مُبْتَدأ مُؤخر وقائم خبر مقدم وابواه فَاعل بِهِ ثمَّ قلت وَلَا يبتدأ بنكرة إِلَّا إِن عَمت نَحْو مَا رجل فِي الدَّار أَو خصت نَحْو رجل صَالح جَاءَنِي وَعَلَيْهِمَا ﴿ولعَبْد مُؤمن خير﴾
وَأَقُول الأَصْل فِي الْمُبْتَدَأ أَن يكون معرفَة وَلَا يكون نكرَة إِلَّا فِي مَوَاضِع خَاصَّة تتبعها بعض الْمُتَأَخِّرين وأنهاها الى نَيف وَثَلَاثِينَ وَزعم بَعضهم أَنَّهَا ترجع الى الْخُصُوص والعموم فَمن أَمْثِلَة الْخُصُوص أَن تكون مَوْصُوفَة اما بِصفة مَذْكُورَة نَحْو ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة﴾ ﴿ولعَبْد مُؤمن خير من مُشْرك﴾ أَو بِصفة مقدرَة كَقَوْلِهِم السّمن منوان بدرهم فالسمن مُبْتَدأ أول ومنوان مُبْتَدأ ثَان وبدرهم خَبره والمبتدأ الثَّانِي وَخَبره خبر الْمُبْتَدَأ الأول والمسوغ للابتداء بمنوان أَنه مَوْصُوف بِصفة مقدرَة أَي منوان مِنْهُ وَمِنْهَا أَن تكون مصغرة نَحْو رجيل جَاءَنِي لِأَن التصغير وصف فِي الْمَعْنى بالصغر فكأنك قلت رجل صَغِير جَاءَنِي وَمِنْهَا أَن تكون مُضَافَة كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خمس صلوَات كتبهن الله على الْعباد
وَمِنْهَا أَن يتَعَلَّق بهَا مَعْمُول كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِمَعْرُوف صَدَقَة وَنهى عَن مُنكر صَدَقَة فَأمر وَنهي مبتدآن نكرتان وسوغ الِابْتِدَاء بهما من الْجَار وَالْمَجْرُور وكقولك أفضل مِنْك جَاءَنِي وَمن أَمْثِلَة الْعُمُوم أَن يكون الْمُبْتَدَأ نَفسه صِيغَة عُمُوم نَحْو ﴿كل لَهُ قانتون﴾ وَمن يقم أقِم مَعَه وَمن جَاءَك أجيء مَعَه أَو يَقع فِي سِيَاق النَّفْي نَحْو مَا رجل فِي الدَّار وعَلى هَذِه الْأَمْثِلَة قس مَا أشبههَا ثمَّ قلت الرَّابِع خَبره وَهُوَ مَا تحصل بِهِ الْفَائِدَة مَعَ مُبْتَدأ غير الْوَصْف الْمَذْكُور وَأَقُول الرَّابِع من المرفوعات خبر الْمُبْتَدَأ وَقَوْلِي مَعَ مُبْتَدأ
فصل أول مخرج لفاعل الْفِعْل وَقَوْلِي غير الْوَصْف الْمَذْكُور فصل ثَان مخرج لفاعل الْوَصْف فِي نَحْو أقائم الزيدان وَمَا قَائِم الزيدان وَالْمرَاد بِالْوَصْفِ الْمَذْكُور مَا تقدم ذكره فِي حد الْمُبْتَدَأ ثمَّ قلت وَلَا يكون زَمَانا والمبتدأ اسْم ذَات وَنَحْو اللَّيْلَة الْهلَال متأول وَأَقُول لما بيّنت فِي حد الْمُبْتَدَأ مَا لَا يكون مُبْتَدأ وَهُوَ النكرَة الَّتِي لَيست عَامَّة وَلَا خَاصَّة بيّنت بعد حد الْخَبَر مَالا يكون خَبرا فِي بعض الأحيان وَذَلِكَ اسْم الزَّمَان فَإِنَّهُ لَا يَقع خَبرا عَن أَسمَاء الذوات وَإِنَّمَا يخبر بِهِ عَن أَسمَاء الْأَحْدَاث تَقول الصَّوْم وَالسّفر غَدا وَلَا تَقول زيد الْيَوْم وَلَا عَمْرو غَدا فَأَما قَوْلهم اللَّيْلَة الْهلَال بِنصب اللَّيْلَة على أَنَّهَا ظرف مخبر بِهِ عَن الْهلَال مقدم عَلَيْهِ فمؤول وتأويله على أَن أَصله اللَّيْلَة رُؤْيَة الْهلَال والرؤية حدث لَا ذَات ثمَّ حذف الْمُضَاف وَهُوَ الرُّؤْيَة وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَمثله قَوْلهم فِي الْمثل الْيَوْم خمر وَغدا أَمر التَّقْدِير الْيَوْم شرب خمر وَغدا حُدُوث أَمر
ثمَّ قلت الْخَامِس اسْم كَانَ وَأَخَوَاتهَا وَهِي أَمْسَى وَأصْبح وأضحى وظل وَبَات وَصَارَ وَلَيْسَ مُطلقًا وتالية لنفي أَو شبهه زَالَ ماضي يزَال وبرح وفتيء وانفك وصلَة لما الوقتية دَامَ نَحْو ﴿مَا دمت حَيا﴾ وَأَقُول الْخَامِس من المرفوعات اسْم كَانَ وَأَخَوَاتهَا الاثنتي عشرَة الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُنَّ يدخلن على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فيرفعن الْمُبْتَدَأ وَيُسمى اسمهن حَقِيقَة وفاعلهن مجَازًا وينصبن الْخَبَر وَيُسمى خبرهن حَقِيقَة ومفعولهن مجَازًا
ثمَّ هن فِي ذَلِك على ثَلَاثَة أَقسَام مَا يعْمل هَذَا الْعَمَل بِلَا شَرط وَهِي ثَمَانِيَة كَانَ وَلَيْسَ وَمَا بَينهمَا وَمَا يشْتَرط أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ نفي أَو شبهه وَهُوَ النَّهْي وَالدُّعَاء وَهِي أَرْبَعَة زَالَ وبرح وفتيء وانفك نَحْو ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين﴾ ﴿لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين﴾ وَتقول لَا تزل ذَاكر الله وَلَا برح ربعك مأنوسا وَلَا زَالَ جنابك محروسا وَيشْتَرط فِي زَالَ شَرط آخر وَهُوَ أَن يكون ماضي يزَال فَإِن ماضي يَزُول فعل تَامّ قَاصِر بِمَعْنى الذّهاب والانتقال نَحْو ﴿إِن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾ وان الأولى فِي الْآيَة شَرْطِيَّة وَالثَّانيَِة نَافِيَة وماضي يزِيل فعل تَامّ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى ماز يُمَيّز يُقَال زَالَ زيد ضأنه من معز فلَان اي ميزه مِنْهُ وَمَا يشْتَرط ان يتَقَدَّم عَلَيْهِ مَا المصدرية النائبه عَن ظرف
الزَّمَان وَهُوَ دَامَ والى ذَلِك أَشرت بالتمثيل بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا﴾ أَي مُدَّة دوامي حَيا فَلَو قلت دَامَ زيد صَحِيحا كَانَ قَوْلك صَحِيحا حَالا لَا خَبرا وَكَذَلِكَ عجبت من مَا دَامَ زيد صَحِيحا لِأَن مَا هَذِه مَصْدَرِيَّة لَا ظرفية والمعني عجبت من دَوَامه صَحِيحا ثمَّ قلت وَيجب حذف كَانَ وَحدهَا بعد أما فِي نَحْو أما أَنْت ذَا نفر وَيجوز حذفهَا مَعَ اسْمهَا بعد ان وَلَو الشرطيتين وَحذف نون مضارعها المجزوم الا قبل سَاكن أَو مُضْمر مُتَّصِل وَأَقُول هَذِه ثَلَاث مسَائِل مهمة تتَعَلَّق بكان بِالنّظرِ الى الْحَذف أَحدهَا حذفهَا وجوبا دون اسْمهَا وخبرها وَذَلِكَ مشترط بِخَمْسَة أُمُور أَحدهَا أَن تقع صلَة لِأَن وَالثَّانِي أَن يدْخل على أَن حرف التَّعْلِيل الثَّالِث أَن تتقدم الْعلَّة على الْمَعْلُول الرَّابِع أَن يحذف الْجَار الْخَامِس أَن يُؤْتى بِمَا كَقَوْلِهِم أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت وأصل هَذَا الْكَلَام
انْطَلَقت لِأَن كنت مُنْطَلقًا أَي انْطَلَقت لأجل انطلاقك ثمَّ دخل هَذَا الْكَلَام تَغْيِير من وُجُوه أَحدهَا تَقْدِيم الْعلَّة وَهِي لِأَن كنت مُنْطَلقًا على الْمَعْلُول وَهِي انْطَلَقت وَفَائِدَة ذَلِك الدّلَالَة على الِاخْتِصَاص وَالثَّانِي حذف لَام الْعلَّة وَفَائِدَة ذَلِك الِاخْتِصَار وَالثَّالِث حذف كَانَ وَفَائِدَته أَيْضا الِاخْتِصَار وَالرَّابِع انْفِصَال الضَّمِير وَذَلِكَ لَازم عَن حذف كَانَ وَالْخَامِس وجوب زِيَادَة مَا وَذَلِكَ لإِرَادَة التعويض وَالسَّادِس إدغام النُّون فِي الْمِيم وَذَلِكَ لتقارب الحرفين مَعَ سُكُون الأول وكونهما فِي كَلِمَتَيْنِ وَمن شَوَاهِد هَذِه الْمَسْأَلَة قَول الْعَبَّاس بن مرداس رَضِي الله عَنهُ (أَبَا خراشة أما أَنْت ذَا نفر ... فَإِن قومِي لم تأكلهم الضبع)
أَبَا منادى بِتَقْدِير يَا أَبَا وخراشة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَأما أَنْت ذَا نفر أَصله لِأَن كنت ذَا نفر فَعمل فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ وَالَّذِي يتَعَلَّق بِهِ اللَّام مَحْذُوف أَي لِأَن كنت ذَا نفر افتخرت عَليّ وَالْمرَاد بالضبع السّنة المجدبة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حذف كَانَ مَعَ اسْمهَا وابقاء خَبَرهَا وَذَلِكَ جَائِز لَا وَاجِب وَشَرطه أَن يتقدمها ان أَو لَو الشرطيتان فَالْأول كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس مجزيون بأعمالهم إِن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر فتقديره ان كَانَ عَمَلهم خيرا فجزاؤهم خير وان كَانَ عَمَلهم شرا فجزاؤهم شَرّ وَهَذَا أرجح الْأَوْجه فِي مثل هَذَا التَّرْكِيب وَفِيه وُجُوه أخر
وَالثَّانِي كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التمس وَلَو خَاتمًا من حَدِيد أَي وَلَو كَانَ الَّذِي تلتمسه خَاتمًا من حَدِيد الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة حذف نون كَانَ وَذَلِكَ مَشْرُوط بِأُمُور أَحدهَا أَن تكون بِلَفْظ الْمُضَارع وَالثَّانِي أَن يكون الْمُضَارع مَجْزُومًا وَالثَّالِث أَن لَا يَقع بعد النُّون سَاكن وَالرَّابِع أَن لَا يَقع بعده ضمير مُتَّصِل وَذَلِكَ نَحْو ﴿وَلم يَك من الْمُشْركين﴾ ﴿وَلم أك بغيا﴾ وَلَا يجوز فِي قَوْلك كَانَ وَكن لانْتِفَاء الْمُضَارع وَلَا فِي نَحْو هُوَ يكون وَلنْ يكون لانْتِفَاء الْجَزْم وَلَا فِي نَحْو ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ لوُجُود السَّاكِن وَلَا فِي نَحْو قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان يكنه فَلَنْ تسلط عَلَيْهِ وان لَا يكنه فَلَا خير لَك فِي قَتله
مِنْهَا هُنَا سَبْعَة فكملت أَفعَال هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة عشر كَمَا أَن الْأَفْعَال فِي بَاب كَانَ كَذَلِك فَهَذِهِ الثَّلَاثَة عشر تعْمل عمل كَانَ فَترفع الْمُبْتَدَأ وتنصب الْخَبَر الا أَن خَبَرهَا لَا يكون الا فعلا مضارعا ثمَّ مِنْهُ مَا يقْتَرن بِأَن وَمِنْه مَا يتجرد عَنْهَا كَمَا يَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب المنصوبات وَلَوْلَا اخْتِصَاص خَبَرهَا بِأَحْكَام لَيست لَكَانَ وَأَخَوَاتهَا لم تنفرد بِبَاب على
حِدة قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ ﴿عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (وَقد جعلت اذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب السكر) (وَكنت أَمْشِي على رجلَيْنِ معتدلا ... فصرت أَمْشِي على أُخْرَى من الشّجر)
وَقَالَ الآخر (هببت ألوم الْقلب فِي طَاعَة الْهوى ... )
وَقَالَ الآخر (وطئنا ديار الْمُعْتَدِينَ فهلهلت ... نُفُوسهم قبل الإماتة تزهق)
وَهَذَانِ الفعلان أغرب أَفعَال الشُّرُوع وطفق أشهرها وَهِي الَّتِي وَقعت التَّنْزِيل وَذَلِكَ فِي موضِعين أَحدهمَا ﴿وطفقا يخصفان﴾ أَي شرعا يخيطان ورقة على أُخْرَى كَمَا تخصف النِّعَال ليستترا بهَا وَقَرَأَ أَبُو السمال الْعَدوي ﴿وطفقا﴾ بِالْفَتْح وَهِي لُغَة حَكَاهَا الْأَخْفَش وفيهَا ثَالِثَة طبق بباء مَكْسُورَة مَكَان الْفَاء وَالثَّانِي ﴿فَطَفِقَ مسحا﴾ أَي شرع يمسح بِالسَّيْفِ سوقها وأعناقها مسحا أَي يقطعهَا قطعا
ثمَّ قلت السَّابِع اسْم مَا حمل على لَيْسَ وَهِي أَرْبَعَة لات فِي لُغَة الْجمع وَلَا تعْمل إِلَّا فِي الْحِين بِكَثْرَة أَو السَّاعَة أَو الأوان بقلة وَلَا يجمع بَين جزءيها وَالْأَكْثَر كَون الْمَحْذُوف اسْمهَا نَحْو ﴿ولات حِين مناص﴾ وَمَا وَلَا النافيتان فِي لُغَة الْحجاز وَإِن النافية فِي لُغَة أهل الْعَالِيَة وَشرط إعمالهن نفي الْخَبَر وتأخيره وَأَن لَا يليهن معموله وَلَيْسَ ظرفا وَلَا مجرورا وتنكير معمولي لَا وَأَن لَا يقْتَرن اسْم مَا بإن الزَّائِدَة نَحْو ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ و (وَلَا وزر مِمَّا قضى الله واقيا ... ) وَإِن ذَلِك نافعك وَلَا ضارك وَأَقُول السَّابِع من المرفوعات اسْم مَا حمل فِي رفع الِاسْم وَنصب الْخَبَر على لَيْسَ وَهِي أحرف أَرْبَعَة نَافِيَة وَهِي مَا وَلَا ولات وَإِن فَأَما مَا فَإِنَّهَا تعْمل هَذَا الْعَمَل بأَرْبعَة شُرُوط أَحدهَا أَن يكون اسْمهَا مقدما وخبرها مُؤَخرا وَالثَّانِي أَن لَا يقْتَرن الِاسْم بإن الزَّائِدَة وَالثَّالِث أَن لَا يقْتَرن الْخَبَر بإلا وَالرَّابِع أَلا يَليهَا مَعْمُول الْخَبَر وَلَيْسَ ظرفا وَلَا جارا ومجرورا