الْإِعْرَاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- عبد الغني الدقر
- الناشر
- الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثمَّ قلت بَاب الْإِعْرَاب أثر ظَاهر أَو مُقَدّر يجلبه الْعَامِل فِي آخر الِاسْم المتمكن وَالْفِعْل الْمُضَارع
وَأَقُول للإعراب مَعْنيانِ لغَوِيّ وصناعي فَمَعْنَاه اللّغَوِيّ الْإِبَانَة يُقَال أعرب الرجل عَمَّا فِي نَفسه إِذا أبان عَنهُ وَفِي الحَدِيث الْبكر تستأمر وإذنها صماتها والأيم
تعرب عَن نَفسهَا أَي تبين رِضَاهَا بِصَرِيح النُّطْق وَمَعْنَاهُ الاصطلاحي مَا ذكرت مِثَال الْآثَار الظَّاهِرَة الضمة والفتحة والكسرة فِي قَوْلك جَاءَ زيد وَرَأَيْت زيدا ومررت بزيد أَلا ترى أَنَّهَا آثَار ظَاهِرَة فِي آخر زيد جلبتها العوامل الدَّاخِلَة عَلَيْهِ وَهِي جَاءَ وَرَأى وَالْبَاء وَمِثَال الْآثَار الْمقدرَة مَا تعتقده منويا فِي آخر نَحْو الْفَتى من قَوْلك جَاءَ الْفَتى وَرَأَيْت الْفَتى ومررت بالفتى فَإنَّك تقدر فِي آخِره فِي الْمِثَال الأول ضمة وَفِي الثَّانِي فَتْحة وَفِي الثَّالِث كسرة وَتلك الحركات الْمقدرَة إِعْرَاب كَمَا أَن الحركات الظَّاهِرَة فِي آخر زيد إِعْرَاب
ثمَّ قلت وأنواعه رفع وَنصب فِي اسْم وَفعل ك زيد يقوم وَإِن زيدا لن يقوم وجر فِي اسْم ك بزيد وَجزم فِي فعل ك لم يقم وَالْأَصْل كَون الرّفْع بالضمة وَالنّصب بالفتحة والجر بالكسرة والجزم بِالسُّكُونِ وَأَقُول أَنْوَاع الْإِعْرَاب أَرْبَعَة رفع وَنصب وجر وَجزم وَعَن بَعضهم أَن الْجَزْم لَيْسَ بإعراب وَلَيْسَ بِشَيْء وَهَذِه الْأَرْبَعَة تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام 1 - مَا هُوَ مُشْتَرك بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَهُوَ الرّفْع وَالنّصب مِثَال دُخُول الرّفْع فيهمَا زيد يقوم ف زيد مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وعلامة رَفعه الضمة وَيقوم مَرْفُوع لِأَنَّهُ فعل مضارع خَال عَن ناصب وجازم وعلامة رَفعه أَيْضا الضمة وَمِثَال دُخُول النصب فيهمَا إِن زيدا لن يقوم ف زيدا اسْم مَنْصُوب بإن وعلامة نَصبه الفتحة وَيقوم فعل مضارع مَنْصُوب بلن وعلامة نَصبه أَيْضا الفتحة وَمَا هُوَ خَاص بِالِاسْمِ وَهُوَ الْجَرّ نَحْو بزيد ف زيد مجرور بِالْبَاء وعلامة جَرّه الكسرة
وَمَا هُوَ خَاص بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْجَزْم نَحْو لم يقم ف يقم فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الْحَرَكَة وَالْأَصْل فِي هَذِه الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة أَن يدل على رَفعهَا بالضمة وعَلى نصبها بالفتحة وعَلى جرها بالكسرة وعَلى جزمها بِالسُّكُونِ وَهُوَ حذف الْحَرَكَة وَقد بيّنت ذَلِك كُله فِي الْأَمْثِلَة الْمَذْكُورَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾
ثمَّ قلت وَخرج عَن ذَلِك الأَصْل سَبْعَة أَبْوَاب أَحدهَا مَا لَا ينْصَرف فَإِنَّهُ يجر بالفتحة نَحْو بِأَفْضَل مِنْهُ إِلَّا إِن أضيف أَو دَخلته أل نَحْو بأفضلكم وبالأفضل
وَأَقُول الأَصْل فِي عَلَامَات الْإِعْرَاب مَا ذَكرْنَاهُ وَقد خرج عَن ذَلِك سَبْعَة أَبْوَاب الْبَاب الأول بَاب مَا لَا ينْصَرف وَحكمه أَنه يُوَافق مَا ينْصَرف فِي أَمريْن وهما أَنه يرفع بالضمة وَينصب بالفتحة وَيُخَالِفهُ فِي أَمريْن وهما أَنه لَا ينون وَأَنه يجر بالفتحة نَحْو جَاءَنِي أفضل مِنْهُ ومررت بِأَفْضَل مِنْهُ وَرَأَيْت أفضل مِنْهُ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا﴾ ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل﴾ ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ وَيسْتَثْنى من قَوْلنَا مَا لَا ينْصَرف مَسْأَلَتَانِ يجر فيهمَا بالكسرة على الأَصْل إِحْدَاهمَا أَن يُضَاف وَالثَّانيَِة أَن تصحبه الْألف وَاللَّام تَقول مَرَرْت بِأَفْضَل الْقَوْم وبالأفضل وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾
وَسَيَأْتِي بحث الْمَمْنُوع من الصّرْف مُسْتَوفى فِي آخر الْكتاب ثمَّ قلت الثَّانِي مَا جمع بِأَلف وتاء مزيدتين ك هندات فَإِنَّهُ ينصب بالكسرة نَحْو ﴿خلق الله السَّمَاوَات﴾ ﴿فانفروا ثبات﴾ بِخِلَاف نَحْو ﴿وكنتم أَمْوَاتًا﴾ وَرَأَيْت قُضَاة وَألْحق بِهِ أولات
وَأَقُول الْبَاب الثَّانِي مِمَّا خرج عَن الأَصْل مَا جمع بِأَلف وتاء مزيدتين سَوَاء كَانَ جمعا لمؤنث نَحْو هندات وزينبات أَو جمعا لمذكر نَحْو إصطبلات وحمامات وَسَوَاء كَانَ سالما كَمَا مثلنَا أَو ذَا تغير ك سَجدَات بِفَتْح الْجِيم وغرفات بِضَم الرَّاء وَفتحهَا وسدرات بِكَسْر الدَّال وَفتحهَا فَهَذِهِ كلهَا ترفع بالضمة وتجر بالكسرة على الأَصْل وتنصب بالكسرة على خلاف الأَصْل تَقول جَاءَت الهندات ومررت بالهندات وَرَأَيْت الهندات و ﴿خلق الله السَّمَاوَات﴾ خلق فعل مَاض وَالله فَاعل وَالسَّمَوَات مفعول بِهِ وَالْمَفْعُول مَنْصُوب وعلامة النصب الكسرة نِيَابَة عَن الفتحة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ ﴿كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم﴾ ﴿إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾
ونظائر ذَلِك كَثِيرَة وَألْحق بِهَذَا الْجمع أولات فينصب بالكسرة نِيَابَة عَن الفتحة وَإِن لم يكن جمعا وَإِنَّمَا هُوَ اسْم جمع لِأَنَّهُ لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه حمل على جمع الْمُؤَنَّث كَمَا حمل أولو على جمع الْمُذكر كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن كن أولات حمل﴾ كن كَانَ وَاسْمهَا وَأولَات خَبَرهَا وعلامة نَصبه الكسرة ثمَّ قلت الثَّالِث ذُو بِمَعْنى صَاحب وَمَا أضيف لغير الْيَاء
من أَب وَأَخ وحم وَهن وفم بِغَيْر مِيم فَإِنَّهَا تعرب بِالْوَاو وَالْألف وَالْيَاء وَأَقُول الْبَاب الثَّالِث مِمَّا خرج عَن الأَصْل الْأَسْمَاء السِّتَّة المعتلة المضافة إِلَى غير يَاء الْمُتَكَلّم فَإِنَّهَا ترفع بِالْوَاو نِيَابَة عَن الضمة وتنصب بِالْألف نِيَابَة عَن الفتحة وتخفض بِالْيَاءِ نِيَابَة عَن الكسرة وَشرط الأول مِنْهَا وَهُوَ ذُو أَن يكون بِمَعْنى صَاحب تَقول جَاءَنِي ذُو مَال وَرَأَيْت ذَا مَال ومررت بِذِي مَال قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَن كَانَ ذَا مَال﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَى ظلّ ذِي ثَلَاث شعب﴾ فَوَقع ذُو فِي الأول خَبرا لإن فَرفع بِالْوَاو وَفِي الثَّانِي خَبرا لَكَانَ فنصب بِالْألف وَفِي الثَّالِث صفة لظل فجر بِالْيَاءِ لِأَن الصّفة تتبع الْمَوْصُوف وَإِذا لم يكن ذُو بِمَعْنى صَاحب كَانَ بِمَعْنى الَّذِي وَكَانَ مَبْنِيا على سُكُون الْوَاو تَقول جَاءَنِي ذُو قَامَ وَرَأَيْت ذُو قَامَ ومررت بذو قَامَ وَهِي لُغَة طييء على أَن مِنْهُم من يجريها مجْرى
الَّتِي بِمَعْنى صَاحب فيعربها بِالْوَاو وَالْألف وَالْيَاء فَيَقُول جَاءَنِي ذُو قَامَ وَرَأَيْت ذَا قَامَ ومررت بِذِي قَامَ إِلَّا أَن ذَلِك شَاذ وَالْمَشْهُور مَا قدمْنَاهُ وَسمع من كَلَامهم لَا وَذُو فِي السَّمَاء عَرْشه فذو مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي وَمَا بعْدهَا صلَة فَلَو كَانَت معربة لجرت بواو الْقسم والخمسة الْبَاقِيَة شَرطهَا أَن تكون مُضَافَة إِلَى غير يَاء الْمُتَكَلّم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأبونا شيخ كَبِير﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ارْجعُوا إِلَى أبيكم﴾ فَوَقع
الْأَب فِي الْآيَة الأولى مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَفِي الْآيَة الثَّانِيَة مَنْصُوبًا بإن وَفِي الْآيَة الثَّالِثَة مخفوضا بإلى وَهُوَ فِي جَمِيع ذَلِك مُضَاف إِلَى غير الْيَاء فَلهَذَا أعرب بِالْوَاو وَالْألف وَالْيَاء وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْبَاقِي وَلَو أضيفت هَذِه الْأَسْمَاء إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم كسرت أواخرها لمناسبة الْيَاء وَكَانَ إعرابها بحركات مقدرَة قبل الْيَاء تَقول هَذَا أبي وَرَأَيْت أبي ومررت بِأبي فتقدر حركات الْإِعْرَاب قبل يَاء الْمُتَكَلّم كَمَا تفعل ذَلِك فِي نَحْو غلامي
ثمَّ قلت والأفصح فِي الهن النَّقْص وَأَقُول الهن يُخَالف الْأَب وَالْأَخ والحم من جِهَة أَنَّهَا إِذا أفردت
نقصت أواخرها وَصَارَت على حرفين وَإِذا أضيفت تمت فَصَارَت على ثَلَاثَة أحرف تَقول هَذَا أَب بِحَذْف اللَّام وَأَصله أَبُو فَإِذا أضفته قلت هَذَا أَبوك وَكَذَا الْبَاقِي وَأما الهن فَإِذا اسْتعْمل مُفردا نقص وَإِذا أضيف بَقِي فِي اللُّغَة الفصحى على نَقصه تَقول هَذَا هن وَهَذَا هنك فَيكون فِي الْإِفْرَاد وَالْإِضَافَة على حد سَوَاء وَمن الْعَرَب من يَسْتَعْمِلهُ تَاما فِي حَالَة الْإِضَافَة فَيَقُول هَذَا هنوك وَرَأَيْت هُنَاكَ ومررت بهنيك وَهِي لُغَة قَليلَة ولقلتها لم يطلع عَلَيْهَا الْفراء وَلَا أَبُو الْقَاسِم الزجاحي فادعيا ان الْأَسْمَاء المعربة بالحروف خَمْسَة لَا سِتَّة وَاعْلَم أَن لُغَة النَّقْص مَعَ كَونهَا أَكثر اسْتِعْمَالا هِيَ أفْصح قِيَاسا وَذَلِكَ لِأَن مَا كَانَ نَاقِصا فِي الْإِفْرَاد فحقه أَن يبْقى على نَقصه فِي الإضافه وَذَلِكَ نَحْو يَد أَصْلهَا يَدي فحذفوا لامها فِي الْإِفْرَاد وَهِي الْيَاء وَجعلُوا الْإِعْرَاب على مَا قبلهَا فَقَالُوا هَذِه يَد ثمَّ لما أضافوها أبقوها محذوفة اللَّام قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَئِن بسطت إِلَيّ يدك لتقتلني﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا﴾ ثمَّ قلت الرَّابِع الْمثنى كالزيدان والهندان فَإِنَّهُ يرفع بِالْألف ويجر وَينصب بِالْيَاءِ المفتوح مَا قبلهَا المكسور مَا بعْدهَا
وَأَقُول الْبَاب الرَّابِع مِمَّا خرج عَن الأَصْل الْمثنى وَهُوَ كل اسْم دَال على اثْنَيْنِ وَكَانَ اختصارا للمتعاطفين وَذَلِكَ نَحْو الزيدان والهندان إِذْ كل مِنْهُمَا دَال على اثْنَيْنِ وَالْأَصْل فيهمَا زيد وَزيد وَهِنْد وَهِنْد كَمَا قَالَ الْحجَّاج إِنَّا لله مُحَمَّد وَمُحَمّد فِي يَوْم وَلَكنهُمْ عدلوا عَن ذَلِك كَرَاهِيَة مِنْهُم للتطويل والتكرار
وَحكم هَذَا الْبَاب أَن يرفع بِالْألف نِيَابَة عَن الضمة وَأَن يجر وَينصب بِالْيَاءِ المفتوح مَا قبلهَا المكسور مَا بعْدهَا نِيَابَة عَن الكسرة والفتحة نَحْو جَاءَ الزيدان وَرَأَيْت الزيدين ومررت بالزيدين وَكَذَلِكَ تَقول فِي الهندان وَإِنَّمَا مثلت بالزيدان والهندان ليعلم أَن تَثْنِيَة الْمُذكر والمؤنث فِي الحكم سَوَاء بِخِلَاف جَمعهمَا السَّالِم وَمن شَوَاهِد الرّفْع قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رجلَانِ من الَّذين يخَافُونَ أنعم الله عَلَيْهِمَا﴾
وَمن شَوَاهِد الْجَرّ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا نزل هَذَا الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم﴾ ﴿فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين﴾
) وَمِثَال النصب قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا أرنا الَّذين أضلانا﴾ وَقد اجْتمع النصب بِالْيَاءِ وَالرَّفْع بِالْألف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾
وَألْحق بِهِ اثْنَتَانِ وثنتان مُطلقًا وكلا وكلتا مضافين إِلَى مُضْمر ألحق بالمثنى خَمْسَة أَلْفَاظ وَهِي اثْنَان للمذكرين وَاثْنَتَانِ للمؤنثتين فِي لُغَة الْحجاز وثنتان لَهما فِي لُغَة تَمِيم وَهَذِه الثَّلَاثَة تجْرِي مجْرى الْمثنى فِي إعرابه دَائِما من غير شَرط وَإِنَّمَا لم نسمها مثناة لِأَنَّهَا لَيست اختصارا للمتعاطفين إِذْ لَا مُفْرد لَهَا لَا يُقَال اثن وَلَا اثنة وَلَا ثنت وَمن شَوَاهِد رَفعهَا بِالْألف قَوْله تَعَالَى ﴿فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ ف ﴿اثْنَتَا﴾ فَاعل فانفجرت وَقَوله تَعَالَى ﴿شَهَادَة بَيْنكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت حِين الْوَصِيَّة اثْنَان﴾
) ف ﴿اثْنَان﴾ مَرْفُوع إِمَّا على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ شَهَادَة وَذَلِكَ على أَن الأَصْل شَهَادَة بَيْنكُم شَهَادَة اثْنَيْنِ فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه فارتفع ارتفاعه وَإِنَّمَا قَدرنَا هَذَا الْمُضَاف لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا بُد أَن يكون عين الْخَبَر نَحْو زيد أَخُوك أَو مشبها بِهِ نَحْو زيد أَسد وَالشَّهَادَة لَيست نفس الِاثْنَيْنِ وَلَا مشبهة بهما وَإِمَّا على أَنه فَاعل بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الشَّهَادَة وَالتَّقْدِير وَمِمَّا فرض عَلَيْكُم أَن يشْهد بَيْنكُم اثْنَان وَمن شَوَاهِد النصب قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ أرسلنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ﴾ ﴿قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ف ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول بِهِ واثنتين مفعول مُطلق أَي إماتتين وَكَذَلِكَ ﴿وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ وَمِنْه أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ ف ﴿اثْنَي﴾ مفعول بعثنَا وعلامة نَصبه الْيَاء
والكلمتان الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة كلا وكلتا وَشرط إجرائهما مجْرى الْمثنى إضافتهما إِلَى الْمُضمر تَقول جَاءَنِي كِلَاهُمَا وَرَأَيْت كليهمَا ومررت بكليهما وَكَذَا فِي كلتا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر﴾ أَحدهمَا ﴿أَو﴾ كِلَاهُمَا ف أَحدهمَا فَاعل وَكِلَاهُمَا مَعْطُوف عَلَيْهِ وَالْألف عَلامَة لرفعه لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الضَّمِير وَيقْرَأ إِمَّا يبلغان بِالْألف فالألف فَاعل وَأَحَدهمَا فَاعل بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره إِن يبلغهُ أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا وَفَائِدَة إِعَادَة ذَلِك التوكيد وَقيل إِن أَحدهمَا بدل من الْألف أَو فَاعل يبلغان على أَن الْألف عَلامَة وليسا بِشَيْء فَتَأمل ذَلِك
فَإِن أضيفا إِلَى الظَّاهِر كَانَا بِالْألف على كل حَال وَكَانَ إعرابهما حِينَئِذٍ بحركات مقدرَة فِي تِلْكَ الْألف قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا﴾ أَي كل وَاحِدَة من الجنتين أَعْطَتْ ثَمَرَتهَا وَلم تنقص مِنْهُ شَيْئا ف ﴿كلتا﴾ مُبْتَدأ ﴿آتت أكلهَا﴾ فعل مَاض وَالتَّاء عَلامَة التَّأْنِيث وفاعله مستتر ومفعول ومضاف إِلَيْهِ وَالْجُمْلَة خبر وعلامة الرّفْع فِي ﴿كلتا﴾ ضمة مقدرَة على الْألف فَإِنَّهُ مُضَاف للظَّاهِر ثمَّ قلت الْخَامِس جمع الْمُذكر السَّالِم كالزيدون والمسلمون فَإِنَّهُ يرفع بِالْوَاو ويجر وَينصب بِالْيَاءِ المكسور مَا قبلهَا المفتوح مَا بعْدهَا
وَأَقُول الْبَاب الْخَامِس مِمَّا خرج عَن الأَصْل جمع الْمُذكر السَّالِم واحترزت بالمذكر عَن الْمُؤَنَّث كهندات وزينبات وبالسالم عَن المكسر كغلمان وزيود وَحكم هَذَا الْجمع أَنه يرفع بِالْوَاو نِيَابَة عَن الضمة ويجر وَينصب بِالْيَاءِ المكسور مَا قبلهَا المفتوح مَا بعْدهَا نِيَابَة عَن الكسرة والفتحة
تَقول جَاءَ الزيدون والمسلمون ومررت بالزيدين وَالْمُسْلِمين وَرَأَيْت الزيدين وَالْمُسْلِمين وَإِنَّمَا مثلت بالمثالين ليعلم أَن هَذَا الْجمع يكون فِي أَعْلَام الْعُقَلَاء وصفاتهم
ثمَّ قلت وَألْحق بِهِ أولو وعالمون وأرضون وسنون وَعِشْرُونَ وبابهما وأهلون وعليون وَنَحْوه وَأَقُول ألحق بِجمع الْمُذكر السَّالِم أَلْفَاظ مِنْهَا أولو وَلَيْسَ
بِجمع وَإِنَّمَا هُوَ اسْم جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَإِنَّمَا لَهُ وَاحِد من مَعْنَاهُ وَهُوَ ذُو وَمن شواهده قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لأولي الْأَلْبَاب﴾ فَهَذَا مِثَال الْمَجْرُور وذانك مِثَالا الْمَرْفُوع والمنصوب
وَمِنْهَا عالمون وَعِشْرُونَ وبابه إِلَى التسعين فَإِنَّهَا أَسمَاء جموع أَيْضا لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَمِنْهَا أرضون وَهُوَ بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ جمع تكسير لمؤنث لَا يعقل لِأَن مفرده أَرض سَاكن الرَّاء وَالْأَرْض مُؤَنّثَة بِدَلِيل ﴿وأخرجت الأَرْض أثقالها﴾ وَهِي مِمَّا لَا يعقل قطعا وَإِنَّمَا حق هَذَا الْإِعْرَاب أَي الَّذِي يجمع بِالْوَاو وَالنُّون أَن يكون فِي جمع تَصْحِيح لمذكر عَاقل تَقول هَذِه أرضون وَرَأَيْت أَرضين ومررت بأرضين وَفِي الحَدِيث من غضب قيد شبر من أَرض طوقه من سبع أَرضين يَوْم الْقِيَامَة وَرُبمَا سكنت الرَّاء فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه (لقد ضجت الأرضون إِذْ قَامَ من بني ... هداد خطيب فَوق أَعْوَاد مِنْبَر)
وَمِنْهَا سنُون وَهُوَ كأرضون لِأَنَّهُ جمع سنة وَسنة مَفْتُوح الأول وسنون مكسور الأول وَسنة مؤنث غير عَاقل وَأَصله سنو أَو سنة بِدَلِيل قَوْلهم فِي جمعه بِالْألف وَالتَّاء سنوات وسنهات وَقَوْلهمْ فِي اشتقاق الْفِعْل مِنْهُ سانهت وأصل سانيت سانوت فقلبوا الْوَاو يَاء حِين تجاوزت متطرفة ثَلَاثَة أحرف وَمن شَوَاهِد سِنِين قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاث مائَة سِنِين﴾
وَلم تقع فِي الْقُرْآن مَرْفُوعَة ومثالها قَول الْقَائِل (ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام)
وأشرت بِقَوْلِي وبابه إِلَى أَن كل مَا كَانَ كسنين فِي كَونه جمعا لثلاثي حذفت لامه وَعوض عَنْهَا هَاء التَّأْنِيث فَإِنَّهُ يعرب هَذَا الْإِعْرَاب وَذَلِكَ كقلة وقلين وَعزة وعزين وعضة وعضين قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال عزين﴾ أَي فرقا شَتَّى لِأَن كل فرقة تعتزى إِلَى غير من تعتزى إِلَيْهِ الْفرْقَة الْأُخْرَى وانتصابها على أَنَّهَا صفة لمهطعين بِمَعْنى مُسْرِعين وانتصاب مهطعين على الْحَال وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ فعضين مفعول ثَان لجعل مَنْصُوب بِالْيَاءِ وَهِي جمع عضة وَاخْتلف فِيهَا فَقيل أَصْلهَا عُضْو من قَوْلهم عضيته تعضية إِذا فرقته قَالَ رؤبة
(وَلَيْسَ دين الله بالمعضى ... ) يَعْنِي بالمفرق أَي جعلُوا الْقُرْآن أَعْضَاء فَقَالَ بَعضهم سحر وَقَالَ بَعضهم كهَانَة وَقَالَ بَعضهم أساطير الْأَوَّلين وَقيل أَصْلهَا عضهه من العضه وَهُوَ الْكَذِب والبهتان وَفِي الحَدِيث لَا يعضه بَعْضكُم بَعْضًا ثمَّ قلت السَّادِس يفْعَلَانِ وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين فَإِنَّهَا ترفع بِثُبُوت النُّون وتنصب وتجزم بحذفها وَأما نَحْو ﴿أتحاجوني﴾ فالمحذوف نون الْوِقَايَة وَأما إِلَّا أَن يعفون فالواو
أصل وَالْفِعْل مَبْنِيّ بِخِلَاف وَأَن تعفوا أقرب للتقوى وَأَقُول الْبَاب السَّادِس مِمَّا خرج عَن الأَصْل الْأَمْثِلَة الْخَمْسَة وَهِي كل فعل مضارع اتَّصل بِهِ ألف اثْنَيْنِ أَو وَاو جمَاعَة أَو يَاء مُخَاطبَة وَحكمهَا أَن ترفع بِثُبُوت النُّون نِيَابَة عَن الضمة وتنصب وتجزم بحذفها نِيَابَة عَن الفتحة والسكون مِثَال الرّفْع قَوْله تَعَالَى ﴿فيهمَا عينان تجريان﴾ ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ ﴿وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ فالمضارع فِي ذَلِك كُله مَرْفُوع لخلوه عَن الناصب والجازم وعلامة رَفعه ثُبُوت النُّون وَمِثَال الْجَزْم وَالنّصب قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا﴾ ف ﴿لم تَفعلُوا﴾ جازم ومجزوم ﴿وَلنْ تَفعلُوا﴾ ناصب ومنصوب وعلامة الْجَزْم وَالنّصب فيهمَا
حذف النُّون ثمَّ قلت السَّابِع الْفِعْل المعتل الآخر كيغزو ويخشى ويرمى
فَإِنَّهُ يجْزم بحذفه وَنَحْو ﴿إِنَّه من يتق ويصبر﴾ مؤول وَأَقُول هَذَا خَاتِمَة الْأَبْوَاب السَّبْعَة الَّتِي خرجت عَن الْقيَاس وَهُوَ الْفِعْل الْمُضَارع الَّذِي آخِره حرف عِلّة وَهُوَ الْوَاو وَالْألف وَالْيَاء فَإِنَّهُ يجْزم بِحَذْف الْحَرْف الْأَخير نِيَابَة عَن حذف الْحَرَكَة تَقول لم يغز وَلم يخْش وَلم يرم قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَليدع نَادِيه﴾ اللَّام لَام الْأَمر ويدع فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف الْوَاو و ﴿نَادِيه﴾ مفعول ومضاف إِلَيْهِ وَظَهَرت الفتحة على المنقوص لخفتها وَالتَّقْدِير فَليدع أهل نَادِيه أَي أهل مَجْلِسه وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلم يخْش إِلَّا الله﴾ ﴿وَلم يُؤْت سَعَة من المَال﴾ فهذان مثالان لحذف الْألف وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لما يقْض مَا أمره﴾ ﴿لما﴾ حرف جزم لنفي الْمُضَارع وَقَلبه ماضيأ كَمَا أَن لم كَذَلِك
وَالْمعْنَى أَن الْإِنْسَان لم يقْض بعد مَا أمره الله تَعَالَى بِهِ حَتَّى يخرج من جَمِيع أوامره وَهَذَا مِثَال حذف الْيَاء وَالله أعلم ثمَّ قلت فصل تقدر الحركات كلهَا فِي نَحْو غلامي وَنَحْو الْفَتى وَيُسمى مَقْصُورا والضمة والكسرة فِي نَحْو القَاضِي
وَيُسمى منقوصا والضمة والفتحة فِي نَحْو يخْشَى والضمة فِي نَحْو يَدْعُو ويرمى وَأَقُول الَّذِي تقدر فِيهِ الحركات ثَلَاثَة أَنْوَاع مَا تقدر فِيهِ الحركات الثَّلَاث وَمَا تقدر فِيهِ حركتان وَمَا تقدر فِيهِ وَاحِدَة فَأَما الَّذِي تقدر فِيهِ الثَّلَاث فنوعان أَحدهمَا مَا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَلَيْسَ مثنى وَلَا جمع مُذَكّر سالما وَلَا منقوصا وَلَا مَقْصُورا وَذَلِكَ نَحْو غلامي وغلماني ومسلماتي فَهَذِهِ الْأَمْثِلَة وَنَحْوهَا تعرب بحركات مقدرَة على مَا قبل الْيَاء وَالَّذِي منع من ظُهُورهَا أَنهم التزموا أَن يَأْتُوا قبل الْيَاء بحركة تجانسها وَهِي الكسرة فاستحال حِينَئِذٍ الْمَجِيء بحركات الْإِعْرَاب قبل الْيَاء إِذْ الْمحل الْوَاحِد لَا يقبل حركتين فِي الْآن الْوَاحِد فَتَقول جَاءَ غلامي فَتكون عَلامَة رَفعه ضمة مقدرَة على مَا قبل الْيَاء وَرَأَيْت غلامي فَتكون عَلامَة نَصبه فَتْحة مقدرَة على مَا قبل الْيَاء ومررت بغلامي فَتكون عَلامَة جَرّه كسرة مقدرَة على مَا قبل الْيَاء لَا هَذِه الكسرة الْمَوْجُودَة كَمَا زعم ابْن مَالك فَإِنَّهَا كسرة الْمُنَاسبَة وَهِي مُسْتَحقَّة قبل التَّرْكِيب وَإِنَّمَا دخل عَامل الْجَرّ بعد استقرارها واحترزت بِقَوْلِي وَلَيْسَ مثنى وَلَا جمع مُذَكّر سالما من نَحْو غلاماي
وَغُلَامِي ومسلمي فَإِن الْيَاء تثبت فيهمَا جرا ونصبا مدغمة فِي يَاء الْمُتَكَلّم وَالْألف تثبت فِي الْمثنى رفعا وَلَيْسَ شَيْء من الْحَرْف المدغم وَلَا من الْألف قَابلا للتحريك وَقَوْلِي وَلَا منقوصا لِأَن يَاء المنقوص تُدْغَم فِي يَاء الْمُتَكَلّم فَتكون كالمثنى وَالْمَجْمُوع جرا ونصبا وَقَوْلِي وَلَا مَقْصُورا لِأَن الْمَقْصُور تثبت أَلفه قبل الْيَاء وَالْألف لَا تقبل الْحَرَكَة فَهُوَ كالمثنى رفعا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا بشرى هَذَا غُلَام﴾ نوديت الْبُشْرَى مُضَافَة إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وَفِي الْألف فَتْحة مقدرَة لِأَنَّهُ منادى مُضَاف وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ يَا بشرى بِغَيْر إِضَافَة فالمقدر فِي الْألف إِمَّا ضمة كَمَا فِي قَوْلك يَا فَتى لمُعين وَإِمَّا فَتْحة على أَنه نِدَاء شَائِع مثل ﴿يَا حسرة على الْعباد﴾ إِلَّا أَنه لم ينون لكَونه لَا ينْصَرف لأجل ألف التَّأْنِيث وَالنَّوْع الثَّانِي الْمَقْصُور وَهُوَ الِاسْم المعرب الَّذِي فِي آخِره ألف لَازِمَة ك الْفَتى والعصا تَقول جَاءَ الْفَتى وَرَأَيْت الْفَتى ومررت بالفتى فَتكون الْألف سَاكِنة على كل حَال
وتقدر فِيهَا الحركات الثَّلَاث لتعذر تحركها