الْمصدر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- عبد الغني الدقر
- الناشر
- الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثمَّ قلت بَاب الْأَسْمَاء الَّتِي تعْمل عمل الْفِعْل وَهِي عشرَة أَحدهَا الْمصدر وَهُوَ اسْم الْحَدث الْجَارِي على الْفِعْل كضرب وإكرام وَشَرطه أَن لَا يصغر وَلَا يحد بِالتَّاءِ نَحْو ضربتين أَو ضربات وَلَا يتبع قبل الْعَمَل وَأَن يخلفه فعل مَعَ أَن أَو مَا وَعَمله منونا أَقيس نَحْو ﴿أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما﴾ ومضافا للْفَاعِل أَكثر نَحْو ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس﴾ ومقرونا بأل ومضافا لمفعول ذكر فَاعله ضَعِيف وَأَقُول لما أنهيت حكم الْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإعمال أردفته بِمَا يعْمل عمل الْفِعْل من الْأَسْمَاء وبدأت مِنْهَا بِالْمَصْدَرِ لِأَن الْفِعْل مُشْتَقّ مِنْهُ على الصَّحِيح
واحترزت بِقَوْلِي الْجَارِي على الْفِعْل من اسْم الْمصدر فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ اسْما دَالا على الْحَدث لكنه لَا يجرى على الْفِعْل وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك أَعْطَيْت عَطاء فان الَّذِي يجْرِي على أَعْطَيْت إِنَّمَا هُوَ إِعْطَاء لِأَنَّهُ مستوف لحروفة وَكَذَا اغْتَسَلت غسلا بِخِلَاف اغْتسل اغتسالا وَسَيَأْتِي شرح اسْم الْمصدر بعد وأشرت بتمثيلي بِضَرْب وإكرام إِلَى مثالي مصدر الثلاثي وَغَيره وَمِثَال مَا يخلفه فعل مَعَ أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس﴾ أَي وَلَوْلَا أَن يدْفع الله النَّاس أَو أَن دفع الله النَّاس وَمِثَال مَا يخلفه فعل مَعَ مَا قَوْله تَعَالَى ﴿تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم﴾ أَي كَمَا تخافون أَنفسكُم وَمِثَال مَا لَا يخلفه فعل مَعَ أحد هذَيْن الحرفين قَوْلهم مَرَرْت بِهِ فَإِذا لَهُ صَوت صَوت حمَار إِذْ لَيْسَ الْمَعْنى على قَوْلك فَإِذا لَهُ أَن صَوت أَو أَن يصوت أَو مَا يصوت لِأَنَّك لم ترد بِالْمَصْدَرِ الْحُدُوث فَيكون فِي تَأْوِيل الْفِعْل وَإِنَّمَا أردْت أَنَّك مَرَرْت بِهِ وَهُوَ فِي حَالَة تصويت وَلِهَذَا قدرُوا للصوت الثَّانِي ناصبا وَلم يجْعَلُوا صَوتا الأول عَاملا فِيهِ
وَإِنَّمَا كَانَ عمل الْمنون أَقيس لِأَنَّهُ يشبه الْفِعْل بِكَوْنِهِ نكرَة وَإِنَّمَا كَانَ إِعْمَال الْمُضَاف للْفَاعِل أَكثر لِأَن نِسْبَة الْحَدث لمن أوجده أظهر من نسبته لمن أوقع عَلَيْهِ وَلِأَن الَّذِي يظْهر حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ عمله فِي الفضلة وَنَظِيره أَن لات لما كَانَت ضَعِيفَة عَن الْعَمَل لم يظهروا عَملهَا غَالِبا إِلَّا فِي منصوبها وَإِنَّمَا كَانَ إِعْمَال الْمُضَاف للْمَفْعُول الَّذِي ذكر فَاعله ضَعِيفا لِأَن الَّذِي يظْهر حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ عمله فِي الْعُمْدَة وَلَقَد غلا بَعضهم فَزعم فِي الْمُضَاف للْمَفْعُول ثمَّ يذكر فَاعله بعد ذَلِك أَنه مُخْتَصّ بالشعر كَقَوْل الشَّاعِر (أفنى تلادي وَمَا جمعت من نشب ... قرع القواقيز أَفْوَاه الأباريق)
فِيمَن روى الأفواه بِالرَّفْع وَيرد على هَذَا الْقَائِل أَنه روى أَيْضا بِالنّصب فَلَا ضَرُورَة فِي الْبَيْت وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فان قلت فَهَلا استدللت عَلَيْهِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة آيَة الْحَج
قلت الصَّوَاب أَنَّهَا لَيست من ذَلِك فِي شَيْء بل الْمَوْصُول فِي مَوضِع جر بدل بعض من النَّاس أَو فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ على أَن من مَوْصُولَة ضمنت معنى الشَّرْط أَو شَرْطِيَّة وَحذف الْخَبَر أَو الْجَواب أَي من اسْتَطَاعَ فليحج وَيُؤَيّد الأبتداء ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين﴾ وَأما الْحمل على الفاعلية فمفسد للمعنى إِذْ التَّقْدِير إِذْ ذَاك وَللَّه على النَّاس أَن يحجّ المستطيع فعلى هَذَا إِذا لم يحجّ المستطيع يَأْثَم النَّاس كلهم وَلَو أضيف للْمَفْعُول ثمَّ لم يذكر الْفَاعِل لم يمْتَنع ذَلِك فِي الْكَلَام عِنْد أحد نَحْو ﴿لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء الْخَيْر﴾ أَي من دُعَائِهِ الْخَيْر وَمِثَال إِعْمَال ذِي الْألف وَاللَّام قَول الشَّاعِر يصف شخصا بِضعْف الرَّأْي والجبن
(ضَعِيف النكاية أعداءه ... يخال الْفِرَار يراخى الْأَجَل) ثمَّ قلت الثَّانِي اسْم الْفَاعِل وَهُوَ مَا اشتق من فعل لمن قَامَ بِهِ على معنى الْحُدُوث كضارب ومكرم فَإِن صغر أَو وصف لم يعْمل وَإِلَّا فَإِن كَانَ صلَة لأل عمل مُطلقًا وَإِلَّا عمل إِن كَانَ حَالا أَو اسْتِقْبَالًا وَاعْتمد وَلَو تَقْديرا على نفي أَو اسْتِفْهَام أَو مخبر عَنهُ أَو مَوْصُوف
وَأَقُول قولي مَا اشتق من فعل فِيهِ تجوز وَحقه مَا اشتق من مصدر فعل وَقَوْلِي لمن قَامَ بِهِ مخرج للْفِعْل بأنواعه فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشتق لتعيين زمن الْحَدث لَا للدلالة على من قَامَ بِهِ ولاسم الْمَفْعُول فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشتق من الْفِعْل لمن وَقع عَلَيْهِ ولأسماء الزَّمَان وَالْمَكَان الْمَأْخُوذَة من الْفِعْل فَإِنَّهَا إِنَّمَا اشْتقت لما وَقع فِيهَا لَا لمن قَامَت بِهِ وَذَلِكَ نَحْو المضرب بِكَسْر الرَّاء اسْما لزمان الضَّرْب أَو مَكَانَهُ وَقَوْلِي على معنى الْحُدُوث مخرج للصفة الْمُشبه ولاسم التَّفْضِيل كظريف وَأفضل فَإِنَّهُمَا اشتقا لمن قَامَ بِهِ الْفِعْل لَكِن على معنى الثُّبُوت لَا على معنى الْحُدُوث وأشرت بتمثيلي بضارب ومكرم إِلَى أَنه إِن كَانَ من فعل ثلاثي جَاءَ على زنة فَاعل وَإِن كَانَ من غَيره جَاءَ بِلَفْظ الْمُضَارع بِشَرْط تَبْدِيل حرف المضارعة بميم مَضْمُومَة وَكسر مَا قبل آخِره مُطلقًا ثمَّ يَنْقَسِم اسْم الْفَاعِل إِلَى مقرون بأل الموصولة وَمُجَرَّد عَنْهَا فالمقرون بهَا يعْمل عمل فعله مُطلقًا أَعنِي مَاضِيا كَانَ أَو حَاضرا
أَو مُسْتَقْبلا تَقول هَذَا الضَّارِب زيدا أمس أَو الْآن أَو غَدا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (القاتلين الْملك الحلاحل ... خير معد حسبا ونائلا) فأعمل القاتلين مَعَ كَونه بِمَعْنى الْمَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد بِالْملكِ الحلاحل أَبَاهُ وَفِيه دَلِيل أَيْضا على إعماله مجموعا
والمجرد عَنْهَا إِنَّمَا يعْمل بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا ان يكون للْحَال أَو الِاسْتِقْبَال لَا للماضي خلافًا للكسائي وَهِشَام وَابْن مضاء استدلوا بقوله تَعَالَى ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ وتأولها غَيرهمَا الثَّانِي أَن يكون مُعْتَمدًا على وَاحِد من أَرْبَعَة وَهِي الأول النَّفْي كَقَوْلِه (مَا رَاع الخلان ذمَّة ناكث ... بل من وَفِي يجد الْخَلِيل خَلِيلًا)
الثَّانِي الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِه (اناو رجالك قتل امريء ... من الْعِزّ فِي حبك اعتاض ذلا)
الثَّالِث اسْم مخبر عَنهُ باسم الْفَاعِل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الله بَالغ أمره﴾ الرَّابِع اسْم مَوْصُوف باسم الْفَاعِل كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيدا وَقَوْلِي وَلَو تَقْديرا اشارة الى مثل قَوْله (كناطح صَخْرَة يَوْمًا ليوهنها ... فَلم يَضرهَا وأوهى قرنه الوعل)
وَقَوله (لَيْت شعري مُقيم الْعذر قومِي ... لي أم هم فِي الْحبّ لي عاذلونا)
وقولك ضَارِبًا عمرا جَوَابا لمن قَالَ كَيفَ رَأَيْت زيدا أَلا ترى أَن هَذِه عملت لاعتمادها على مُقَدّر اذ الأَصْل كوعل ناطح وليت شعري أمقيم ورأيته ضَارِبًا ثمَّ قلت الثَّالِث الْمِثَال وَهُوَ مَا حول للْمُبَالَغَة من فَاعل الى فعال أَو مفعال أَو فعول بِكَثْرَة أَو فعيل أَو فعل بقلة وَأَقُول الثَّالِث من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل أَمْثِلَة الْمُبَالغَة وَهِي عبارَة عَن الأوزان الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة محولة عَن صِيغَة فَاعل لقصد افادة الْمُبَالغَة والتكثير
وَحكمهَا حكم اسْم الْفَاعِل فتنقسم الى مَا يَقع صلَة لأل فتعمل مُطلقًا والى مُجَرّد عَنْهَا فتعمل بالشرطين الْمَذْكُورين وَمِثَال إِعْمَال فعال قَوْلهم أما الْعَسَل فَأَنا شراب وَقَول الشَّاعِر (أَخا الْحَرْب لباسا اليها جلالها ... وَلَيْسَ بولاج الْخَوَالِف أعقلا)
وَمِثَال اعمال مفعال قَوْلهم انه لمنحار بوائكها أَي سمانها وَمِثَال اعمال فعول قَول أبي طَالب (ضروب بنصل السَّيْف سوق سمانها ... )
واعمال هَذِه الثَّلَاثَة كثير فَلهَذَا اتّفق عَلَيْهِ جَمِيع الْبَصرِيين وَمِثَال إِعْمَال فعيل قَول بَعضهم ان الله سميع دُعَاء من دَعَاهُ
وَمِثَال اعمال فعل قَول زيد الْخَيل رَضِي الله عَنهُ (أَتَانِي أَنهم مزقون عرضي ... )
واعمالهما قَلِيل فَلهَذَا خَالف سِيبَوَيْهٍ فيهمَا قوم من الْبَصرِيين وَوَافَقَهُ مِنْهُم آخَرُونَ وَوَافَقَهُ بَعضهم فِي فعل لِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل وَخَالفهُ فِي فعيل لِأَنَّهُ على وزن الصّفة المشبهة كظريف وَذَلِكَ لَا ينصب الْمَفْعُول وَأما الْكُوفِيُّونَ فَلَا يجيزون اعمال شَيْء من الْخَمْسَة وَمَتى وجدوا شَيْئا مِنْهَا قد وَقع بعده مَنْصُوب أضمروا لَهُ فعلا وَهُوَ تعسف ثمَّ قلت الرَّابِع اسْم الْمَفْعُول وَهُوَ مَا اشتق من فعل لمن وَقع عَلَيْهِ كمضروب ومكرم وَأَقُول الرَّابِع من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل اسْم الْمَفْعُول وَفِي قولي فِي حَده مَا شتق من فعل من الْمجَاز مَا تقدم شَرحه فِي حد اسْم الْفَاعِل
وَقَوْلِي لمن وَقع عَلَيْهِ مخرج للأفعال الثَّلَاثَة ولاسم الْفَاعِل ولاسمي الزَّمَان وَالْمَكَان وَقد تبين شرح ذَلِك مِمَّا تقدم ومثلت بمضروب ومكرم لأنبه على أَن صيغته من الثلاثي على زنة مفعول كمضروب ومقتول ومكسور ومأسور وَمن غَيره بِلَفْظ مضارعه بِشَرْط مِيم مَضْمُومَة مَكَان حرف المضارعة وَفتح مَا قبل آخِره كمخرج ومستخرج ثمَّ قلت وشرطهما كاسم الْفَاعِل وَأَقُول أَي شَرط إِعْمَال الْمِثَال وإعمال اسْم الْمَفْعُول كَشَرط إِعْمَال اسْم الْفَاعِل على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي الْوَاقِع صلَة لأل والمجرد مِنْهَا وَقد مضى ذَلِك ثمَّ قلت الْخَامِس الصّفة المشبهة وَهِي كل صفة صَحَّ تَحْويل إسنادها إِلَى ضمير موصوفها وتختص بِالْحَال وبالمعمول السببي الْمُؤخر وترفعه فَاعِلا أَو بَدَلا أَو تنصبه مشبها أَو تمييزا أَو تجره بِالْإِضَافَة إِلَّا إِن كَانَت بأل وَهُوَ عَار مِنْهَا
وَأَقُول الْخَامِس من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل الصّفة المشبهة وَهِي عبارَة عَمَّا ذكرت وَمِثَال ذَلِك قَوْلك زيد حسن وَجهه بِالنّصب أَو بِالْجَرِّ وَالْأَصْل وَجهه بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل فِي الْمَعْنى إِذْ الْحسن فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ للْوَجْه وَلَكِنَّك أردْت الْمُبَالغَة فحولت الْإِسْنَاد الى ضمير زيد فَجعلت زيدا نَفسه حسنا وأخرت الْوَجْه فضلَة ونصبته على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ لِأَن الْعَامِل وَهُوَ حسن طَالب لَهُ من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ معموله الْأَصْلِيّ وَلَا يَصح أَن ترفعه على الفاعلية وَالْحَالة هَذِه لاستيفائه فَاعله وَهُوَ الضَّمِير فَأشبه الْمَفْعُول فِي قَوْلك زيد ضَارب عمرا لِأَن ضَارِبًا طَالب لَهُ وَلَا يَصح أَن ترفعه على الفاعلية فنصب لذَلِك فالصفة مشبة باسم الْفَاعِل الْمُتَعَدِّي لوَاحِد ومنصوبها يشبه مفعول اسْم الْفَاعِل وَقد تقدّمت الْإِشَارَة الى هَذَا التَّقْدِير ثمَّ لَك بعد ذَلِك أَن تخفضه بِالْإِضَافَة وَتَكون الصّفة حِينَئِذٍ مشبهة أَيْضا لِأَن الْخَفْض ناشيء على الْأَصَح عَن النصب لَا عَن الرّفْع لِئَلَّا يلْزم اضافة الشَّيْء الى نَفسه اذ الصّفة أبدا عين مرفوعها وَغير منصوبها فافهمه وتفارق هَذِه الصّفة اسْم الْفَاعِل من وُجُوه
أَحدهَا أَنَّهَا لَا تكون الا للْحَال وأعني بِهِ الْمَاضِي المستمر الى زمن الْحَال وَاسم الْفَاعِل يكون للماضي وللحال وللاستقبال وَالثَّانِي أَن معمولها لَا يكون الا سببيا وأعني بِهِ مَا هُوَ مُتَّصِل بضمير الْمَوْصُوف لفظا أَو تَقْديرا وَاسم الْفَاعِل يكون معموله سببيا تَقول فِي الصّفة المشبهة زيد حسن وَجهه وَزيد حسن الْوَجْه أَي الْوَجْه مِنْهُ أَو وَجهه فَهُوَ اما على نِيَابَة أل مناب الضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو على حذف الضَّمِير من غير نِيَابَة عَنهُ وَلَا تَقول زيد حسن عمرا كَمَا تَقول زيد ضَارب عمرا الثَّالِث أَن معمولها لَا يكون الا مُؤَخرا عَنْهَا تَقول زيد حسن وَجهه وَلَا تَقول زيد وَجهه حسن ومعمول اسْم الْفَاعِل يكون مُؤَخرا عَنهُ ومقدما عَلَيْهِ تَقول زيد غُلَامه ضَارب الرَّابِع أَنه يجوز فِي مرفوعها النصب والجر وَلَا يجوز فِي مَرْفُوع اسْم الْفَاعِل الا الرّفْع
ثمَّ بيّنت أَن الْخَفْض لَهُ وَجه وَاحِد وَهُوَ الْإِضَافَة وَأَن الرّفْع لَهُ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون فَاعِلا وَالثَّانِي أَن يكون بَدَلا من ضمير مستتر فِي الصّفة وَأَن النصب فِيهِ تَفْصِيل وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُوب ان كَانَ نكرَة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون انتصابه على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ وَالثَّانِي أَن يكون تمييزا وان كَانَ معرفَة امْتنع كَونه مشبها بالمفعول بِهِ لِأَن التَّمْيِيز لَا يكون الا نكرَة ثمَّ بيّنت أَن جَوَاز الرّفْع وَالنّصب مُطلق وَأَن جَوَاز الْخَفْض مُقَيّد بألا تكون الصّفة بأل والمعمول مُجَرّد مِنْهُ وَمن الْإِضَافَة لتاليها وتضمن ذَلِك امْتنَاع الْجَرّ فِي زيد الْحسن وَجهه وَالْحسن وَجه أَبِيه وَالْحسن وَجها وَالْحسن وَجه أَب ثمَّ قلت السَّادِس اسْم الْفِعْل نَحْو بله زيدا بِمَعْنى دَعه وعليكه وَبِه بِمَعْنى الزمه والصق ودونكه بِمَعْنى خُذْهُ ورويده وتيده بِمَعْنى أمهله وهيهات وشتان بِمَعْنى بعد وافترق وأوه وأف بِمَعْنى أتوجع وأتضجر وَلَا يُضَاف وَلَا يتَأَخَّر عَن معموله وَلَا ينصب فِي جَوَابه وَمَا نون مِنْهُ فنكرة
وَأَقُول السَّادِس من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل اسْم الْفِعْل وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع مَا سمي بِهِ الْأَمر وَهُوَ الْغَالِب فَلهَذَا بدأت بِهِ ومثلته بِخَمْسَة أَمْثِلَة وَهِي بله بِمَعْنى دع كَقَوْل الشَّاعِر فِي صفة السيوف (تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكف كَأَنَّهَا لم تخلق)
أَي دع الأكف وَذَلِكَ فِي رِوَايَة من نصب الأكف أما من خفضها فبله مصدر بِمَنْزِلَة قَوْلك ترك الأكف وَأما من رَفعهَا وَهُوَ شَاذ فَهِيَ اسْم اسْتِفْهَام بِمَنْزِلَة كَيفَ وَمَا بعْدهَا مُبْتَدأ وَهِي خَبره وعليكه بِمَعْنى الزمه وَقَوله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ أَي الزموا شَأْن أَنفسكُم وَيُقَال أَيْضا عَلَيْك بِهِ فَقيل الْبَاء زَائِدَة وَقيل اسْم لَا لصق دون الزم
ودونكه بِمَعْنى خُذْهُ كَقَوْل صبية لأمها (دونكها يَا أم لَا أطيقها ... ) ورويده وتيده بِمَعْنى أمهله
وَمَا سمى بِهِ الْمَاضِي وَهُوَ أَكثر مِمَّا سمى بِهِ الْمُضَارع فَلهَذَا قدم عَلَيْهِ ومثلت لَهُ بمثالين هَيْهَات بِمَعْنى بعد وشتان بِمَعْنى افترق قَالَ (فهيهات هَيْهَات العقيق وَمن بِهِ ... وهيهات خل بالعقيق نواصله)
وَقَالَ (شتان هَذَا والغناق وَالنَّوْم ... وَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم)
وَلَك زِيَادَة مَا قبل فَاعل شتان كَقَوْلِه (شتان مَا يومي على كورها ... وَيَوْم حَيَّان أخى جَابر) وَلَا يجوز عِنْد الْأَصْمَعِي شتان مَا بَين زيد وَعَمْرو وَجوزهُ غَيره محتجا بقوله
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى ... )
وَأما قَول بعض الْمُحدثين (جازيتموني بالوصال قطيعة ... شتان بَين صنيعكم وصنيعي) فَلم تستعمله الْعَرَب وَقد يخرج على إِضْمَار مَا مَوْصُولَة ببين وَذَلِكَ على قَول الْكُوفِيّين ان الْمَوْصُول يجوز حذفه
وَمَا سمى بِهِ الْمُضَارع نَحْو أوه بِمَعْنى أتوجع وأف بِمَعْنى أتضجر وَبَعْضهمْ أسقط هَذَا الْقسم وَفسّر هذَيْن بتوجعت وتضجرت وَمن أَحْكَام اسْم الْفِعْل أَنه لَا يُضَاف كَمَا أَن مُسَمَّاهُ وَهُوَ الْفِعْل كَذَلِك وَمن ثمَّ قَالُوا إِذا قلت بله زيد ورويد زيد بالخفض كَانَا مصدرين والفتحة فيهمَا فَتْحة اعراب واذا قلت بله زيدا ورويد زيدا كَانَا اسْمِي فعلين وَمَعْلُوم أَن الفتحة فيهمَا حِينَئِذٍ فَتْحة بِنَاء لعدم التَّنْوِين وَمِنْهَا أَن معمولها لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا لَا تَقول زيدا عَلَيْك وَخَالف فِي ذَلِك الْكسَائي تمسكا بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ وَقَول الراجز (يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا ... )
وَمِنْهَا أَن الْمُضَارع لَا ينصب فِي جَوَاب الطلبي مِنْهُ لَا تَقول صه فأحدثك بِالنّصب خلافًا للكسائي أَيْضا نعم يجْزم فِي جَوَابه كَقَوْلِه
(مَكَانك تحمدي أَو تستريحي ... ) وَمِنْهَا أَن مَا نون مِنْهَا نكرَة وَمَا لم ينون معرفَة فَإِذا قلت
صه فَمَعْنَاه اسْكُتْ سكُوتًا وَإِذا قلت صه فَمَعْنَاه اسْكُتْ السُّكُوت الْمعِين ثمَّ قلت السَّابِع وَالثَّامِن الظّرْف وَالْمَجْرُور المعتمدان وعملهما عمل اسْتَقر وَأَقُول إِذا اعْتمد الظّرْف وَالْمَجْرُور على مَا ذكرت فِي بَاب اسْم الْفَاعِل وَهُوَ النَّفْي والاستفهام وَالِاسْم الْمخبر عَنهُ وَالِاسْم الْمَوْصُوف وَالِاسْم الْمَوْصُول عملا عمل فعل الِاسْتِقْرَار فرفعا الْفَاعِل الْمُضمر أَو الظَّاهِر تَقول مَا عنْدك مَال وَمَا فِي الدَّار زيد وَالْأَصْل مَا اسْتَقر عنْدك مَال وَمَا اسْتَقر فِي الدَّار زيد فَحذف الْفِعْل وأنيب الظّرْف وَالْمَجْرُور عَنهُ وَصَارَ الْعَمَل لَهما عِنْد الْمُحَقِّقين وَقيل إِنَّمَا الْعَمَل للمحذوف وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَيجوز لَك أَن تجعلهما خَبرا مقدما وَمَا بعدهمَا مُبْتَدأ مُؤَخرا وَالْأول أولى لسلامته من مجَاز التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَهَكَذَا الْعَمَل فِي بَقِيَّة مَا يعتمدان عَلَيْهِ نَحْو ﴿أَفِي الله شكّ﴾
وقولك زيد عنْدك أَبوهُ وَجَاء الَّذِي فِي الدَّار أَخُوهُ ومررت بِرَجُل فِيهِ فضل فَإِن قلت فَفِي أَي مَسْأَلَة يعْتَمد الْوَصْف على الْمَوْصُول حَتَّى يُحَال عَلَيْهِ الظّرْف وَالْمَجْرُور قلت إِذا وَقع بعد أل فَإِنَّهَا مَوْصُولَة وَالْوَصْف صلَة وَلِهَذَا حسن عطف الْفِعْل عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله﴾ ثمَّ قلت التَّاسِع اسْم الْمصدر وَالْمرَاد بِهِ اسْم الْجِنْس الْمَنْقُول عَن مَوْضُوعه إِلَى إِفَادَة الْحَدث كَالْكَلَامِ وَالثَّوَاب وانما يعمله الْكُوفِي والبغدادي وَأما نَحْو مصابك الْكَافِر حسن فَجَائِز اجماعا لِأَنَّهُ مصدر وَعَكسه نَحْو فجار وَحَمَّاد وَأَقُول التَّاسِع اسْم الْمصدر وَهُوَ يُطلق على ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا مَا يعْمل اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا بُدِئَ بميم زَائِدَة لغير المفاعلة كالمضرب والمقتل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مصدر فِي الْحَقِيقَة وَيُسمى الْمصدر الميمي وانما سموهُ أَحْيَانًا اسْم مصدر تجوزا وَمن اعماله قَول الشَّاعِر
(أظلوم ان مصابكم رجلا ... أهْدى السَّلَام تَحِيَّة ظلم) الْهمزَة للنداء وظلوم اسْم امْرَأَة منادى ومصابكم اسْم ان وَهُوَ مصدر بِمَعْنى اصابتكم وَيُسمى اسْم مصدر مجَازًا ورجلا مفعول بِالْمَصْدَرِ وَأهْدى السَّلَام جملَة فِي مَوضِع نصب على أَنَّهَا صفة لرجلا وتحية مصدر لأهدى السَّلَام من بَاب قعدت جُلُوسًا وظلم خير ان وَلِهَذَا الْبَيْت حِكَايَة شهيرة عِنْد أهل الْأَدَب
وَالثَّانِي مَا لَا يعْمل اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَحْدَاث علما ك سُبْحَانَ علما للتسبيح وفجار وَحَمَّاد علمين للفجرة والمحمدة وَالثَّالِث مَا اخْتلف فِي اعماله وَهُوَ مَا كَانَ اسْما لغير الْحَدث فَاسْتعْمل لَهُ ك الْكَلَام فَإِنَّهُ فِي الأَصْل اسْم للملفوظ بِهِ من الْكَلِمَات ثمَّ نقل الى معنى التكليم وَالثَّوَاب فانه فِي الأَصْل اسْم لما يُثَاب بِهِ الْعمَّال ثمَّ نقل الى معنى الإثابة وَهَذَا النَّوْع ذهب الْكُوفِيُّونَ والبغداديون الى جَوَاز اعماله تمسكا بِمَا ورد من نَحْو قَوْله (أكفرا بعد رد الْمَوْت عني ... وَبعد عطائك الْمِائَة الرتاعا)
وَقَوله (لِأَن ثَوَاب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فِيهَا يخلد)
وَقَوله (قَالُوا كلامك هندا وَهِي مصغية ... يشفك قلت صَحِيح ذَاك لَو كَانَا) وَمنع ذَلِك البصريون فأضمروا لهَذِهِ المنصوبات أفعالا تعْمل فِيهَا ثمَّ قلت الْعَاشِر اسْم التَّفْضِيل كأفضل وَأعلم وَيعْمل فِي تَمْيِيز وظرف وَحَال وفاعل مستتر مُطلقًا وَلَا يعْمل فِي مصدر ومفعول بِهِ أَو لَهُ أَو مَعَه وَلَا فِي مَرْفُوع ملفوظ بِهِ فِي الْأَصَح إِلَّا فِي مَسْأَلَة الْكحل
وَأَقُول إِنَّمَا أخرت هَذَا عَن الظّرْف وَالْمَجْرُور وَإِن كَانَ مأخوذا من لفظ الْفِعْل لِأَن عمله فِي الْمَرْفُوع الظَّاهِر لَيْسَ مطردا كَمَا ترَاهُ الْآن وأشرت بالتمثيل بِأَفْضَل وَأعلم الى أَنه يبْنى من الْقَاصِر والمتعدي وَمِثَال إعماله فِي التَّمْيِيز ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا وأعز نَفرا﴾ ﴿هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ وَمِثَال إعماله فِي الْحَال زيد أحسن النَّاس مُتَبَسِّمًا وَهَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا وَمِثَال إعماله فِي الظّرْف قَول الشَّاعِر (فَإنَّا وجدنَا الْعرض أحْوج سَاعَة ... إِلَى الصون من ريط يمَان مسهم)