النكرَة والمعرفة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- عبد الغني الدقر
- الناشر
- الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثمَّ قلت وَيجوز حذفهَا مَعَه فَيجب بَقَاء عَملهَا وَذَلِكَ بعد الْوَاو كثير وَالْفَاء وبل قَلِيل وَحذف اللَّام قبل كي وخافض أَن وَأَن مُطلقًا وَأَقُول لما ذكرت أَن رب تدخل على الْمُنكر بيّنت أَنه يجوز حذفهَا مَعَه وأشرت بِهَذَا التَّقْيِيد الى أَنَّهَا لَا يجوز حذفهَا اذا دخلت على ضمير الْغَيْبَة ثمَّ بيّنت أَنَّهَا اذا حذفت وَجب بَقَاء عَملهَا وَأَن هَذَا الحكم أَعنِي حذفهَا وَبَقَاء عَملهَا على نَوْعَيْنِ كثير وَقَلِيل فالكثير بعد الْوَاو كَقَوْلِه (وبلد مغبرة أرجاؤه ... كَأَن لون أرضه سماؤه)
وَقَوله (وليل كموج الْبَحْر أرْخى سدوله ... عَليّ بأنواع الهموم ليبتلي) وَقَوله (ودوية مثل السَّمَاء اعتسفتها ... وَقد صبغ اللَّيْل الْحَصَى بسواد)
والقليل بعد الْفَاء وبل مِثَال ذَلِك بعد الْفَاء قَول امْرِئ الْقَيْس (فمثلك حُبْلَى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عَن ذِي تمائم محول)
وَفِي رِوَايَة من روى بجر مثل ومرضع وَأما من رَوَاهُ بنصبهما فمثلك مفعول لطرقت وحبلى بدل مِنْهُ ومثاله بعد بل قَوْله (بل بلد ملْء الفجاج قتمه ... )
ثمَّ بيّنت أَن حذف حرف الْجَرّ لَا يخْتَص بِرَبّ بل يجوز فِي حرف آخر فِي مَوضِع خَاص وَفِي جَمِيع الْحُرُوف فِي موضِعين خاصين أما الأول فَفِي لَام التَّعْلِيل فَإِنَّهَا اذا جرت كي المصدرية وصلتها جَازَ لَك حذفهَا قِيَاسا مطردا وَلِهَذَا تسمع النَّحْوِيين يجيزون فِي نَحْو جِئْت كي تكرمني أَن تكون كي تعليلية وَأَن مضمرة بعْدهَا وَأَن تكون كي مَصْدَرِيَّة وَاللَّام مقدرَة قبلهَا وَأما الثَّانِي فَإِذا كَانَ الْمَجْرُور أَن وصلتها أَو أَن وصلتها فَالْأول كَقَوْلِك عجبت أَنَّك فَاضل أَي من أَنَّك وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي﴾ ﴿صعدا وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا﴾ أَي بِأَن لَهُم جنَّات وَلِأَن الْمَسَاجِد لله وَالثَّانِي كَقَوْلِك عجبت أَن قَامَ زيد أَي من أَن قَامَ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما﴾ أَي فِي أَن يطوف بهما ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه﴾
) أَي لِأَن تؤمنوا وَقيل فِي ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ ان الأَصْل لِئَلَّا تضلوا فحذفت اللَّام الجارة وَلَا النافية وَقيل الأَصْل كَرَاهَة أَن تضلوا فَحذف الْمُضَاف وَهَذَا أسهل وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ أَي فِي أَن تنكحوهن على خلاف فِي ذَلِك بَين أهل التَّفْسِير ثمَّ قلت الثَّانِي الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة ك غُلَام زيد ويجرد الْمُضَاف من تَنْوِين أَو نون تشبهه مُطلقًا وَمن التَّعْرِيف الا فِيمَا مر واذا كَانَ الْمُضَاف صفة والمضاف اليه مَعْمُولا لَهَا سميت لفظية وَغير مَحْضَة وَلم تفد تعريفا وَلَا تَخْصِيصًا ك ضَارب زيد ومعطي الدِّينَار وَحسن الْوَجْه والا فمعنوية ومحضة تفيدهما الا اذا كَانَ الْمُضَاف شَدِيد الْإِبْهَام كَغَيْر وَمثل وخدن أَو مَوْضِعه مُسْتَحقّا للنكرة ك جَاءَ زيد وَحده وَكم نَاقَة وفصيلها لَك وَلَا أَبَا لَهُ فَلَا يتعرف وتقدر بِمَعْنى فِي نَحْو ﴿بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ وَعُثْمَان شَهِيد الدَّار وَبِمَعْنى من فِي نَحْو خَاتم حَدِيد وَيجوز فِيهِ النصب فِي الثَّانِي واتباعه للْأولِ وَبِمَعْنى اللَّام فِي الْبَاقِي
وَأَقُول الثَّانِي من أَنْوَاع المجرورات الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة وَالْإِضَافَة فِي اللُّغَة الْإِسْنَاد قَالَ امْرُؤ الْقَيْس (فَلَمَّا دخلناه أضفنا ظُهُورنَا ... الى كل حارى جَدِيد مشطب) أَي لما دَخَلنَا هَذَا الْبَيْت أسندنا ظُهُورنَا الى كل رَحل مَنْسُوب الى الْحيرَة مخطط فِيهِ طرائق وَفِي الِاصْطِلَاح اسناد اسْم الى غَيره على تَنْزِيل الثَّانِي من الأول منزلَة تنوينه أَو مَا يقوم مقَام تنوينه وَلِهَذَا وَجب تَجْرِيد الْمُضَاف من التَّنْوِين فِي نَحْو غُلَام زيد وَمن النُّون فِي نَحْو غلامي زيد وضاربي عَمْرو قَالَ الله تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ ﴿إِنَّا مرسلو النَّاقة﴾ ﴿إِنَّا مهلكو أهل هَذِه الْقرْيَة﴾ وَذَلِكَ لِأَن نون الْمثنى
وَالْمَجْمُوع على حَده قَائِمَة مقَام تَنْوِين الْمُفْرد والى هَذَا أَشرت بِقَوْلِي ويجرد الْمُضَاف من تَنْوِين أَو نون تشبهه واحترزت بِقَوْلِي تشبه من نون الْمُفْرد وَجمع التكسير كشيطان وشياطين تَقول شَيْطَان الْإِنْس شَرّ من شياطين الْجِنّ فَتثبت النُّون فيهمَا وَلَا يجوز غير ذَلِك وَقَوْلِي مُطلقًا أَشرت بِهِ الى أَنَّهَا قَاعِدَة عَامَّة لَا يسْتَثْنى مِنْهَا شَيْء بِخِلَاف الْقَاعِدَة الَّتِي بعْدهَا وكما أَن الْإِضَافَة تستدعي وجوب حذف التَّنْوِين وَالنُّون المشبهة لَهُ كَذَلِك تستدعي وجوب تَجْرِيد الْمُضَاف من التَّعْرِيف سَوَاء كَانَ التَّعْرِيف بعلامة لفظية أم بِأَمْر معنوي فَلَا تَقول الْغُلَام زيد وَلَا زيد عَمْرو مَعَ بَقَاء زيد على تَعْرِيف العلمية بل يجب أَن تجرد الْغُلَام من أل وَأَن تعتقد فِي زيد الشُّيُوع والتنكير وَحِينَئِذٍ يجوز لَك اضافتهما وَهَذِه هِيَ الْقَاعِدَة الَّتِي تقدّمت الْإِشَارَة اليها آنِفا
وَالَّذِي يسْتَثْنى مِنْهَا مَسْأَلَة الضَّارِب الرجل والضارب رَأس الرجل والضاربا زيد والضاربو زيد وَقد تقدم شرحهن فِي فصل الْمحلى بأل فأغنى ذَلِك عَن إِعَادَته فَلذَلِك قلت الا فِيمَا اسْتثْنى أَي الا فِيمَا تقدم لي اسْتِثْنَاؤُهُ ثمَّ بيّنت بعد ذَلِك أَن الْإِضَافَة قسمَيْنِ مَحْضَة وَغير مَحْضَة وَأَن غير الْمَحْضَة عبارَة عَمَّا اجْتمع فِيهَا أَمْرَانِ أَمر فِي الْمُضَاف وَهُوَ كَونه صفة وَأمر فِي الْمُضَاف اليه وَهُوَ كَونه مَعْمُولا لتِلْك الصّفة وَذَلِكَ يَقع فِي ثَلَاثَة أَبْوَاب اسْم الْفَاعِل ك ضَارب زيد وَاسم الْمَفْعُول ك معطي الدِّينَار وَالصّفة المشبهة ك حسن الْوَجْه وَهَذِه الْإِضَافَة لَا يَسْتَفِيد بهَا الْمُضَاف تعريفا وَلَا تَخْصِيصًا أما أَنه لَا يَسْتَفِيد تعريفا فبالإجماع وَيدل عَلَيْهِ أَنَّك تصف بِهِ النكرَة فَتَقول مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيد وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ ان لم تعرب ﴿مُمْطِرنَا﴾ خَبرا ثَانِيًا وَلَا خَبرا لمبتدأ مَحْذُوف وَأما أَنه لَا يَسْتَفِيد تَخْصِيصًا فَهُوَ الصَّحِيح وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يستفيده بِنَاء على أَن ضَارب زيد أخص من ضَارب وَالْجَوَاب أَن ضَارب زيد لَيْسَ فرعا عَن ضَارب حَتَّى تكون الْإِضَافَة قد
أفادته التَّخْصِيص وَإِنَّمَا هُوَ فرع عَن ضَارب زيدا بِالتَّنْوِينِ وَالنّصب فالتخصيص حَاصِل بالمعمول أضفت أم لم تضف وانما سميت هَذِه الْإِضَافَة غير مَحْضَة لِأَنَّهَا فِي نِيَّة الِانْفِصَال اذ الأَصْل ضَارب زيدا كَمَا بَينا وانما سميت لفظية لِأَنَّهَا أفادت أمرا لفظيا وَهُوَ التَّخْفِيف فَإِن ضَارب زيد أخف من ضَارب زيدا وَأَن الْإِضَافَة الْمَحْضَة عبارَة عَمَّا انْتَفَى مِنْهَا الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَان أَو أَحدهمَا مِثَال ذَلِك غُلَام زيد فَإِن الْأَمريْنِ فيهمَا منتفيان وَضرب زيد فَإِن الْمُضَاف اليه وان كَانَ مَعْمُولا للمضاف لَكِن الْمُضَاف غير صفة وضارب زيد أمس فَإِن الْمُضَاف وان كَانَ صفة لَكِن الْمُضَاف اليه لَيْسَ مَعْمُولا لَهَا لِأَن اسْم الْفَاعِل لَا يعْمل اذا كَانَ بِمَعْنى الْمَاضِي فَهَذِهِ الْأَمْثِلَة الثَّلَاثَة وَمَا أشبههَا تسمى الْإِضَافَة فِيهَا مَحْضَة أَي خَالِصَة من شَائِبَة الِانْفِصَال ومعنوية لِأَنَّهَا أفادت أمرا معنويا وَهُوَ تَعْرِيف الْمُضَاف ان كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ معرفَة نَحْو غُلَام زيد وتخصيصه ان كَانَ نكرَة نَحْو غُلَام امْرَأَة اللَّهُمَّ الا فِي مَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يتعرف وَلَكِن يتخصص احداهما أَن يكون الْمُضَاف شَدِيد الْإِبْهَام وَذَلِكَ كَغَيْر وَمثل وَشبه وخدن بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الدَّال (المهلة) بِمَعْنى صَاحب وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تصف بهَا النكرات فَتَقول مَرَرْت بِرَجُل غَيْرك
وبرجل مثلك وبرجل شبهك وبرجل خدنك قَالَ الله تَعَالَى ﴿رَبنَا أخرجنَا نعمل صَالحا غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ الثَّانِيَة أَن يكون الْمُضَاف فِي مَوضِع مُسْتَحقّ للنكرة كَأَن يَقع حَالا أَو تمييزا أَو اسْما للا النافية للْجِنْس فالحال كَقَوْلِهِم جَاءَ زيد وَحده والتمييز كَقَوْلِهِم كم نَاقَة وفصيلها فكم مُبْتَدأ وَهِي استفهامية وناقة مَنْصُوب على التَّمْيِيز وفصيلها عاطف ومعطوف والمعطوف على التَّمْيِيز تَمْيِيز وَاسم لَا كَقَوْلِك لَا أَبَا لزيد وَلَا غلامي لعَمْرو فَإِن الصَّحِيح أَنه من بَاب الْمُضَاف وَاللَّام مقحمة بِدَلِيل سُقُوطهَا فِي قَول الشَّاعِر (أبالموت الَّذِي لَا بُد أَنِّي ... ملاق لَا أَبَاك تخوفيني)
فَهَذِهِ الْأَنْوَاع كلهَا نكرات وَهِي فِي الْمَعْنى بِمَنْزِلَة قَوْلك جَاءَ زيد مُنْفَردا وَكم نَاقَة وفصيلا لَهَا وَلَا أَبَا لَك ثمَّ بيّنت أَن الْإِضَافَة المعنوية على ثَلَاثَة أَقسَام مقدرَة بفي ومقدرة بِمن ومقدرة بِاللَّامِ فالمقدرة بفي ضابطها أَن يكون الْمُضَاف اليه ظرفا للمضاف نَحْو قَول الله تَعَالَى ﴿بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ ﴿تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ وَنَحْو قَوْلك عُثْمَان شَهِيد الدَّار وَالْحُسَيْن شَهِيد كربلاء
وَمَالك عَالم الْمَدِينَة وَأكْثر النَّحْوِيين لم يثبت مَجِيء الْإِضَافَة بِمَعْنى فِي والمقدرة بِمن ضابطها أَن يكون الْمُضَاف اليه كلا للمضاف وصالحا للاخبار بِهِ عَنهُ نَحْو قَوْلك هَذَا خَاتم حَدِيد أَلا ترى أَن الْحَدِيد كل والخاتم جُزْء مِنْهُ وَأَنه يجوز أَن يُقَال الْخَاتم حَدِيد فيخبر بالحديد عَن الْخَاتم وَبِمَعْنى اللَّام فِيمَا عدا ذَلِك نَحْو يَد زيد وَغُلَام عَمْرو وثوب بكر
ثمَّ قلت الثَّالِث الْمَجْرُور للمجاورة وَهُوَ شَاذ نَحْو هَذَا جُحر ضَب خرب وَقَوله (يَا صَاح بلغ ذَوي الزَّوْجَات كلهم ... )
وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ على الْأَصَح وَأَقُول الثَّالِث من أَنْوَاع المجرورات مَا جر لمجاورة الْمَجْرُور وَذَلِكَ فِي بَابي النَّعْت والتأكيد قيل وَبَاب عطف النسق فاما النَّعْت فَفِي قَوْلهم هَذَا جُحر ضَب خرب روى بخفض خرب لمجاورته للنصب وانما كَانَ حَقه الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لِلْمَرْفُوعِ وَهُوَ الْجُحر وعَلى الرّفْع أَكثر الْعَرَب وَأما التوكيد فَفِي نَحْو قَوْله (يَا صَاح بلغ ذَوي الزَّوْجَات كلهم ... أَن لَيْسَ وصل اذ انْحَلَّت عرى الذَّنب)
فكلهم توكيد لِذَوي لَا لِلزَّوْجَاتِ والا لقَالَ كُلهنَّ وَذَوي مَنْصُوب على المفعولية وَكَانَ حق كلهم النصب وَلكنه خفض لمجاورة المخفوض وَأما الْمَعْطُوف فكقوله تَعَالَى ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فِي قِرَاءَة من جر الأرجل لمجاورته للمخفوض وَهُوَ الرؤوس وانما كَانَ حَقه النصب كَمَا هُوَ فِي قراء جمَاعَة آخَرين وَهُوَ (مَنْصُوب) بالْعَطْف على الْوُجُوه وَالْأَيْدِي وَهَذَا قَول جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَالْفُقَهَاء
وَخَالفهُم فِي ذَلِك الْمُحَقِّقُونَ وَرَأَوا أَن الْخَفْض على الْجوَار لَا يحسن فِي الْمَعْطُوف لِأَن حرف الْعَطف حاجز بَين الاسمين ومبطل للمجاورة نعم لَا يمْتَنع فِي الْقيَاس الْخَفْض على الْجوَار فِي عطف الْبَيَان لِأَنَّهُ كالنعت والتوكيد فِي مجاورة الْمَتْبُوع وَيَنْبَغِي امْتِنَاعه فِي الْبَدَل لِأَنَّهُ فِي التَّقْدِير من جملَة اخرى فَهُوَ محجوز تَقْديرا وَرَأى هَؤُلَاءِ أَن الْخَفْض فِي الْآيَة انما هُوَ بالْعَطْف على لفظ الرؤوس فَقيل الأرجل مغسولة لَا ممسوحة فَأَجَابُوا على ذَلِك بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الْمسْح هُنَا الْغسْل قَالَ أَبُو عَليّ حكى لنا من لَا يتهم أَن أَبَا زيد قَالَ الْمسْح خَفِيف الْغسْل يُقَال مسحت للصَّلَاة وخصت الرّجلَانِ من بَين سَائِر المغسولات باسم الْمسْح ليقتصد فِي صب المَاء عَلَيْهِمَا اذ كَانَتَا مَظَنَّة للإسراف وَالثَّانِي أَن المُرَاد هُنَا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَجعل ذَلِك مسحا للرجل مجَازًا وانما حَقِيقَته أَنه مسح للخف الَّذِي على الرجل وَالسّنة بيّنت ذَلِك ويرجح ذَلِك القَوْل ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن الْحمل على الْمُجَاورَة حمل على شَاذ فَيَنْبَغِي صون الْقُرْآن عَنهُ الثَّانِي أَنه اذا حمل على ذَلِك كَانَ الْعَطف فِي الْحَقِيقَة على الْوُجُوه وَالْأَيْدِي فَيلْزم الْفَصْل بَين المتعاطفين بجملة أَجْنَبِيَّة وَهُوَ ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ واذا حمل على الْعَطف على الرؤوس لم يلْزم الْفَصْل بالأجنبي وَالْأَصْل أَن لَا يفصل بَين المتعاطفين بمفرد فضلا عَن الْجُمْلَة الثَّالِث أَن الْعَطف على هَذَا التَّقْدِير حمل على المجاور
وعَلى التَّقْدِير الأول حمل على غير المجاور وَالْحمل على المجاور أولى فَإِن قلت يدل للتوجيه الأول قِرَاءَة النصب قلت لَا نسلم أَنَّهَا عطف على الْوُجُوه وَالْأَيْدِي بل على الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا قَالَ (يسلكن فِي نجد وغورا غائرا ... )
بَاب المجزومات
ثمَّ قلت بَاب المجزومات الْأَفْعَال المضارعة الدَّاخِل عَلَيْهَا جازم وَهُوَ ضَرْبَان جازم لفعل وَهُوَ لم وَلما وَلَام الْأَمر وَلَا فِي النَّهْي وجازم لفعلين وَهُوَ أدوات الشَّرْط إِن واذ مَا لمُجَرّد التَّعْلِيق وهما حرفان وَمن للعاقل وَمَا وَمهما لغيره وَمَتى وأيان للزمان وَأَيْنَ وأنى وحيثما للمكان وَأي بِحَسب مَا تُضَاف اليه وَيُسمى أَولهمَا شرطا وَلَا يكون ماضي الْمَعْنى وَلَا إنْشَاء وَلَا جَامِدا وَلَا مَقْرُونا بتنفيس وَلَا قد وَلَا ناف غير لَا وَلم وَثَانِيهمَا جَوَابا وَجَزَاء وَأَقُول لما أنهيت القَوْل فِي المجرورات شرعت فِي المجزومات وَبِهَذَا الْبَاب تتمّ أَنْوَاع المعربات وبينت أَن المجزومات هِيَ الْأَفْعَال المضارعة الدَّاخِل عَلَيْهَا أَدَاة من هَذِه الأدوات الْخَمْسَة عشر وَأَن هَذِه الأدوات ضَرْبَان مَا يجْزم فعلا وَاحِدًا وَهُوَ أَرْبَعَة لم نَحْو ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَلما نَحْو ﴿لما يقْض مَا أمره﴾
﴿بل لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾ ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ وَلَا الْأَمر نَحْو ﴿لينفق ذُو سَعَة من سعته﴾ وَلَا فِي النَّهْي نَحْو ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وَقد يستعاران للدُّعَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ليَقْضِ علينا رَبك﴾ ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا﴾ وَمَا يجْزم فعلين وَهُوَ الإحدى عشرَة الْبَاقِيَة وَقد قسمتهَا الى
سِتَّة أَقسَام أَحدهَا مَا وضع للدلالة على مُجَرّد تَعْلِيق الْجَواب على الشَّرْط وَهُوَ إِن وَإِذ مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن تعودوا نعد﴾ وَتقول إِذْ مَا تقم أقِم وهما حرفان أما ان فبالإجماع وَأما إِذْ مَا فَعِنْدَ سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور وَذهب الْمبرد وَابْن السراج والفارسي الى أَنَّهَا اسْم وَفهم من تخصيصي هذَيْن بالحرفية أَن مَا عداهما من الأدوات أَسمَاء وَذَلِكَ بِالْإِجْمَاع فِي غير مهما وعَلى الْأَصَح فِيهَا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿مهما تأتنا بِهِ من آيَة﴾ فَعَاد الضَّمِير الْمَجْرُور عَلَيْهَا وَلَا يعود الضَّمِير الا على اسْم الثَّانِي مَا وضع للدلالة على من يعقل ثمَّ ضمن معنى الشَّرْط وَهُوَ من نَحْو ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ الثَّالِث مَا وضع للدلالة على مَا لَا يعقل ثمَّ ضمن معنى الشَّرْط وَهُوَ مَا وَمهما نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله﴾ ﴿مهما تأتنا بِهِ من آيَة﴾ الْآيَة
الرَّابِع مَا وضع للدلالة على الزَّمَان ثمَّ ضمن معنى الشَّرْط وَهُوَ مَتى وأيان كَقَوْل الشَّاعِر (وَلست بحلال التلاع مَخَافَة ... وَلَكِن مَتى يسترفد الْقَوْم أرفد)
وَقَول الآخر (أَيَّانَ نؤمنك تأمن غَيرنَا واذا ... لم تدْرك الْأَمْن منا لم تزل حذرا) الْخَامِس مَا وضع للدلالة على الْمَكَان ثمَّ ضمن معنى الشَّرْط وَهُوَ ثَلَاثَة أَيْن وأنى وحيثما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾
وَقَول الشَّاعِر (خليلي أَنى تأتياني تأتيا ... أَخا غير مَا يرضيكما لَا يحاول) وَقَوله (حَيْثُمَا تستقم يقدر لَك الله نجاحا فِي غابر الْأَزْمَان ... )
السَّادِس مَا هُوَ مُتَرَدّد بَين الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة وَهِي أَي فَإِنَّهَا بِحَسب مَا تُضَاف اليه فَهِيَ فِي قَوْلك أَيهمْ يقم أقِم مَعَه من بَاب من وَفِي قَوْلك أَي الدَّوَابّ تركب أركب من بَاب مَا وَفِي قَوْلك أَي يَوْم تصم أَصمّ من بَاب مَتى وَفِي قَوْلك أَي مَكَان تجْلِس أَجْلِس من بَاب أَيْن
ثمَّ بيّنت أَن الْفِعْل الأول يُسمى شرطا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلامَة على وجود الْفِعْل الثَّانِي والعلامة تسمى شرطا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فقد جَاءَ أشراطها﴾ أَي علاماتها والأشراط فِي الْآيَة جمع شَرط بِفتْحَتَيْنِ لَا جمع شَرط بِسُكُون الرَّاء لِأَن فعلا لَا يجمع على أَفعَال قِيَاسا الا فِي معتل الْوسط كأثواب وأبيات ثمَّ يبنت أَن فعل الشَّرْط يشْتَرط فِيهِ سِتَّة أُمُور أَحدهَا أَن لَا يكون ماضي الْمَعْنى فَلَا يجوز ان قَامَ زيد أمس أقِم مَعَه وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ فَالْمَعْنى ان يتَبَيَّن أَنِّي كنت قلته كَقَوْلِه
(اذا مَا انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ) فَهَذَا فِي الْجَواب نَظِير الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يكون طلبا فَلَا يجوز إِن قُم وَلَا ان ليقمْ أَو ان لَا يقم الثَّالِث أَن لَا يكون جَامِدا فَلَا يجوز إِن عَسى وَلَا إِن لَيْسَ الرَّابِع أَن لَا يكون مَقْرُونا بتنفيس فَلَا يجوز ان سَوف يقم
الْخَامِس أَن لَا يكون مَقْرُونا بقد فَلَا يجوز ان قد قَامَ زيد وَلَا ان قد يقم السَّادِس أَن لَا يكون مَقْرُونا بِحرف نفي فَلَا يجوز ان لما يقم وَلَا ان لن يقم وَيسْتَثْنى من ذَلِك لم وَلَا فَيجوز اقترانه بهما نَحْو ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَنَحْو ﴿إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض﴾ ثمَّ بيّنت أَن الْفِعْل الثَّانِي يُسمى جَوَابا وَجَزَاء تَشْبِيها لَهُ بِجَوَاب السُّؤَال وبجزاء الْأَعْمَال وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقع بعد وُقُوع الأول كَمَا يَقع الْجَواب بعد السُّؤَال وكما يَقع الْجَزَاء بعد الْفِعْل الْمجَازِي عَلَيْهِ ثمَّ قلت وَقد يكون وَاحِدًا من هَذِه فيقترن بِالْفَاءِ نَحْو ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت﴾ الْآيَة ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا﴾ أَو جملَة اسمية فيقترن بهَا أَو بإذا الفجائية نَحْو ﴿فَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وَنَحْو ﴿إِذا هم يقنطون﴾ وَأَقُول قد يَأْتِي جَوَاب الشَّرْط وَاحِدًا من هَذِه الْأُمُور السِّتَّة الَّتِي ذكرت أَنَّهَا لَا تكون شرطا فَيجب أَن يقْتَرن بِالْفَاءِ
مِثَال ماضي الْمَعْنى ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت وَهُوَ من الْكَاذِبين وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين﴾ وَمِثَال الطّلب قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا﴾ فِيمَن قَرَأَ ﴿فَلَا يخَاف بخسا﴾ بِالْجَزْمِ على أَن لَا ناهية وَأما من قَرَأَ ﴿فَلَا يخَاف﴾ بِالرَّفْع فَلَا نَافِيَة وَلَا النافية تقترن بِفعل الشَّرْط كَمَا بَينا فَكَانَ مُقْتَضى الظَّاهِر أَن لَا تدخل الْفَاء وَلَكِن هَذَا الْفِعْل مَبْنِيّ على مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير فَهُوَ لَا يخَاف فالجملة اسمية وَسَيَأْتِي أَن الْجُمْلَة الاسمية تحْتَاج الى الْفَاء أَو اذا وَكَذَا يجب هَذَا التَّقْدِير فِي نَحْو ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ﴾ أَي فَهُوَ ينْتَقم الله مِنْهُ وَلَوْلَا ذَلِك التَّقْدِير لوَجَبَ الْجَزْم وَترك الْفَاء وَمِثَال الجامد قَوْله تَعَالَى ﴿إِن ترن أَنا أقل مِنْك مَالا وَولدا فَعَسَى رَبِّي أَن يؤتين خيرا من جنتك﴾
﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ ﴿وَمن يكن الشَّيْطَان لَهُ قرينا﴾ وَمِثَال المقرون بالتنفيس قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله﴾ ﴿وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ وَمِثَال المقرون بقد قَوْله تَعَالَى ﴿إِن يسرق فقد سرق أَخ لَهُ من قبل﴾ وَمِثَال المقرون بناف غير لَا وَلم ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا من خير فَلَنْ يكفروه﴾ ﴿وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا﴾ وَقد يكون الْجَواب جملَة إسمية فَيجب اقترانه بِأحد أَمريْن اما بِالْفَاءِ أَو اذا الفجائية فَالْأول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن يمسسك بِخَير فَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ وَالثَّانِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾
) ثمَّ قلت وَيجوز حذف مَا علم من شَرط بعد وَإِلَّا نَحْو افْعَل هَذَا والا عاقبتك أَو شَرطه مَاض نَحْو ﴿فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض﴾ أَو جملَة شَرط وأداته ان تقدمها طلب وَلَو باسمية أَو باسم فعل أَو بِمَا لَفظه الْخَبَر نَحْو ﴿تَعَالَوْا أتل﴾ وَنَحْو أَيْن بَيْتك أزرك وحسبك الحَدِيث ينم النَّاس وَقَالَ مَكَانك تحمدي أَو تستريحي ... ) وَشرط ذَلِك بعد النَّهْي كَون الْجَواب محبوبا نَحْو لَا تكفر تدخل الْجنَّة وَأَقُول مسَائِل الْحَذف الْوَاقِع فِي بَاب الشَّرْط وَالْجَزَاء ثَلَاثَة الْمَسْأَلَة الأولى حذف الْجَواب وَشَرطه أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن يكون مَعْلُوما وَالثَّانِي أَن يكون فعل الشَّرْط مَاضِيا تَقول أَنْت ظَالِم إِن فعلت لوُجُود الْأَمريْنِ وَيمْتَنع ان تقم وان تقعد وَنَحْوهمَا حَيْثُ لَا دَلِيل لانْتِفَاء الْأَمريْنِ وَنَحْو ان قُمْت حَيْثُ لَا دَلِيل لانْتِفَاء الْأَمر الأول وَنَحْو أَنْت ظَالِم ان تفعل لانْتِفَاء الْأَمريْنِ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة﴾ تَقْدِيره فافعل والحذف فِي هَذِه الْآيَة فِي غَايَة من الْحسن لِأَنَّهُ قد انْضَمَّ لوُجُود الشَّرْطَيْنِ طول الْكَلَام وَهُوَ مِمَّا يحسن مَعَه الْحَذف الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة حذف فعل الشَّرْط وَحده وَشَرطه أَيْضا أَمْرَانِ دلَالَة الدَّلِيل عَلَيْهِ وَكَون الشَّرْط وَاقعا بعد والا كَقَوْلِك تب والا عاقبتك أَي وَإِلَّا تتب عاقبتك وَقَول الشَّاعِر (فَطلقهَا فلست لَهَا بكفء ... وَإِلَّا يعل مفرقك الحسام) أَي وَإِلَّا تطلقها يعل
وَقد لَا يكون بعد وَإِلَّا فَيكون شاذا إِلَّا فِي نَحْو ان خيرا فَخير فَقِيَاس كَمَا مر فِي بَابه على أَن ذَلِك لم يحذف فِيهِ جملَة الشَّرْط بجملتها بل بَعْضهَا وَكَذَلِكَ نَحْو ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ فليستا مِمَّا نَحن فِيهِ وَأكْثر مَا يكون ذَلِك مَعَ اقتران الأداة بِلَا النافية كَمَا مثلت الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة حذف أَدَاة الشَّرْط وَفعل الشَّرْط وَشَرطه أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِمَا طلب بِلَفْظ الشَّرْط وَمَعْنَاهُ أَو بِمَعْنَاهُ فَقَط فَالْأول نَحْو ائْتِنِي أكرمك تَقْدِيره ائْتِنِي فَإِن تأتني أكرمك فأكرمك مجزوم فِي جَوَاب شَرط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ فعل الطّلب الْمَذْكُور هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الصَّحِيح وَالثَّانِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قل تَعَالَوْا أتل﴾
مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم) أَي تَعَالَوْا فَإِن تَأْتُوا أتل وَلَا يجوز أَن يقدر فان تتعالوا لِأَن تعال فعل جامد لَا مضارع لَهُ وَلَا ماضي حَتَّى توهم بَعضهم أَنه اسْم فعل وَلَا فرق بَين كَون الطّلب بِالْفِعْلِ كَمَا مثلنَا وَكَونه باسم الْفِعْل كَقَوْل عَمْرو بن الإطنابة وَغلط أَبُو عُبَيْدَة فنسبه الى قطري بن الْفُجَاءَة (أَبَت لي عفتي وأبى بلائي ... واخذى الْحَمد بِالثّمن الربيح) (وامساكي على الْمَكْرُوه نَفسِي ... وضربي هَامة البطل المشيح) (وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت ... مَكَانك تحمدي أَو تستريحي) (لأدفع عَن مآثر صالحات ... وأحمى بعد عَن عرض صَحِيح)
فَجزم تحمدي بعد قَوْله مَكَانك وَهُوَ اسْم فعل بِمَعْنى اثبتي وَشرط الْحَذف بعد النَّهْي كَون الْجَواب أمرا محبوبا كدخول الْجنَّة والسلامة فِي قَوْلك لَا تكفر تدخل الْجنَّة وَلَا تدن من الْأسد تسلم فَلَو كَانَ أمرا مَكْرُوها كدخول النَّار وَأكل السَّبع فِي قَوْلك لَا تكفر تدخل النَّار وَلَا تدن من الْأسد يَأْكُلك تعين الرّفْع خلافًا للكسائي وَلَا دَلِيل لَهُ فِي قِرَاءَة بَعضهم ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ لجَوَاز أَن يكون ذَلِك مَوْصُولا بنية الْوَقْف وَسَهل ذَلِك أَن فِيهِ تحصيلا
لتناسب الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة مَعَه وَلَا يحسن أَن يقدر بَدَلا مِمَّا قبله كَمَا زعم بَعضهم لاخْتِلَاف معنييهما وَعدم دلَالَة الأول على الثَّانِي ثمَّ قلت وَيجب الِاسْتِغْنَاء عَن جَوَاب الشَّرْط بدليله مُتَقَدما لفظا نَحْو هُوَ ظَالِم ان فعل أَو نِيَّة نَحْو ان قُمْت أقوم وَمن ثمَّ امْتنع فِي النثر ان تقم أقوم وبجواب مَا تقدم من شَرط مُطلقًا أَو قسم الا إِن سبقه ذُو خبر فَيجوز تَرْجِيح الشَّرْط الْمُؤخر وَأَقُول حذف الْجَواب على ثَلَاثَة أوجه مُمْتَنع وَهُوَ مَا انْتَفَى مِنْهُ الشرطان الْمَذْكُورَان أَو أَحدهمَا وَجَائِز وَهُوَ مَا وجدا فِيهِ وَلم يكن الدَّلِيل الَّذِي دلّ عَلَيْهِ جملَة مَذْكُورَة فِي ذَلِك الْكَلَام مُتَقَدّمَة الذّكر لفظا أَو تَقْديرا وواجب وَهُوَ مَا كَانَ دَلِيله الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة
فالمتقدمة لفظا كَقَوْلِهِم أَنْت ظَالِم ان فعلت والمتقدمة تَقْديرا لَهما صُورَتَانِ احداهما قَوْلك ان قَامَ زيد أقوم وَقَول الشَّاعِر (وان أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مَسْأَلَة ... يَقُول لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم)
فان الْمُضَارع الْمَرْفُوع الْمُؤخر على نيه التَّقْدِيم على أَدَاة الشَّرْط فِي مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْأَصْل أقوم ان قَامَ وَيَقُول ان أَتَاهُ خَلِيل والمبرد يرى أَنه هُوَ الْجَواب وَأَن الْفَاء مقدرَة
وَالثَّانيَِة أَن يتَقَدَّم على الشَّرْط قسم نَحْو وَالله ان جَاءَنِي لأكرمنه فان قَوْلك لأكرمنه جَوَاب الْقسم فَهُوَ فِي نِيَّة التَّقْدِيم الى جَانِبه وَحذف جَوَاب الشَّرْط لدلالته عَلَيْهِ ويدلك على أَن الْمَذْكُور جَوَاب الْقسم توكيد الْفِعْل فِي نَحْو الْمِثَال وَنَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِن نصروهم ليولن الأدبار﴾ وَرَفعه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾ ثمَّ أَشرت الى أَنه كَمَا وَجب الِاسْتِغْنَاء بِجَوَاب الْقسم الْمُتَقَدّم يجب الْعَكْس فِي نَحْو ان تقم وَالله أقِم وَأَنه اذا تقدم عَلَيْهِمَا شَيْء يطْلب الْخَبَر وَجَبت مُرَاعَاة الشَّرْط تقدم أَو تَأَخّر نَحْو زيد وَالله ان يقم أقِم ثمَّ قلت وَجزم مَا بعد فَاء أَو وَاو من فعل تال للشّرط أَو الْجَواب قوي ونصبه ضَعِيف وَرفع تالي الْجَواب جَائِز وَأَقُول ختمت بَاب الجوازم بمسألتين أولاهما يجوز فِيهَا ثَلَاثَة أوجه وَالثَّانيَِة يجوز فِيهَا وَجْهَان وكلتاهما يكون الْفِعْل فيهمَا وَاقعا بعد الْفَاء أَو الْوَاو فَأَما مَسْأَلَة الثَّلَاثَة الْأَوْجه فضابطها أَن يَقع الْفِعْل بعد الشَّرْط
وَالْجَزَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء﴾ الْآيَة قريء ﴿فَيغْفر﴾ بِالْجَزْمِ على الْعَطف و ﴿فَيغْفر﴾ بِالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف وفيغفر بِالنّصب بإضمار أَن وَهُوَ ضَعِيف وَهِي عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَأما مَسْأَلَة الْوَجْهَيْنِ فضابطها أَن يَقع الْفِعْل بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء كَقَوْلِك ان تأتني وتمش الى أكرمك فَالْوَجْه الْجَزْم وَيجوز النصب كَقَوْلِه (وَمن يقترب منا ويخضع نؤوه ... وَلَا يخْش ظلما مَا أَقَامَ وَلَا هضما)