شرح شذور الذهب لابن هشامصفحات 374-413
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النكرَة والمعرفة

صفحات 374-413
عن هذه الطبعة
عَلَم
جمال الدين ابن هشام
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
المحقق
عبد الغني الدقر
الناشر
الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تعليلية جَارة وَالْفِعْل بعْدهَا مَنْصُوبًا بِأَن محذوفة وَأَن تكون مَصْدَرِيَّة ناصبة وَقبلهَا لَام جر مقدرَة وَقَوْلِي مُطلقًا رَاجع الى لن وكي المصدرية فَإِن النصب لَا يتَخَلَّف عَنْهُمَا وَلما كَانَت كي تَنْقَسِم الى ناصبة وَهِي المصدرية وَغير ناصبة وَهِي التعليلية أخرتها عَن لن وَأما اذن فللنصب بهَا ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن تكون مصدرة فَلَا تعْمل شَيْئا فِي نَحْو قَوْلك أَنا

اذن أكرمك لِأَنَّهَا مُعْتَرضَة بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَلَيْسَت صَدرا قَالَ الشَّاعِر (لَئِن عَاد لي عبد الْعَزِيز بِمِثْلِهَا ... وأمكنني مِنْهَا اذن لَا أقيلها) فالرفع لعدم التصدر لَا لِأَنَّهَا فصلت عَن الْفِعْل لِأَن فصلها لَا مغتفر كَمَا يَأْتِي وَالثَّانِي أَن يكون الْفِعْل بعْدهَا مُسْتَقْبلا فَلَو حَدثَك شخص بِحَدِيث فَقلت لَهُ إِذن تصدق رفعت لِأَن نواصب الْفِعْل تَقْتَضِي الِاسْتِقْبَال وَأَنت تُرِيدُ الْحَال فتدافعا

وَالثَّالِث أَن يكون الْفِعْل اما مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا بالقسم أَو بِلَا النافية فَالْأول كَقَوْلِك إِذن أكرمك وَالثَّانِي نَحْو اذن وَالله أكرمك وَقَول الشَّاعِر (إِذن وَالله نرميهم بِحَرب ... تشيب الطِّفْل من قبل المشيب) وَالثَّالِث نَحْو إِذن لَا أفعل فَلَو فصل بِغَيْر ذَلِك لم يجز الْعَمَل كَقَوْلِك اذن يَا زيد أكرمك وَأما أَن فَشرط النصب بهَا أَمْرَانِ

أَحدهمَا أَن تكون مَصْدَرِيَّة لَا زَائِدَة وَلَا مفسرة الثَّانِي أَن لَا تكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَهِي التابعة علما أَو ظنا نزل مَنْزِلَته مِثَال مَا اجْتمع فِيهِ الشرطان قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي يَوْم الدّين﴾ ﴿وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم﴾ وَمِثَال مَا انْتَفَى عَنهُ الشَّرْط الأول قَوْلك كتبت اليه أَن يفعل اذا أردْت بِأَن معنى أَي فَهَذِهِ يرْتَفع الْفِعْل بعْدهَا لِأَنَّهَا تَفْسِير لِقَوْلِك كتبت فَلَا مَوضِع لَهَا وَلَا لما دخلت عَلَيْهِ وَلَا يجوز لَك أَن تنصب كَمَا لَا تنصب لَو صرحت بِأَيّ فَإِن قدرت مَعهَا الْجَار وَهُوَ الْبَاء فَهِيَ مَصْدَرِيَّة وَوَجَب عَلَيْك أَن تنصب بهَا وانما تكون أَن مفسرة بِثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا أَن يتَقَدَّم عَلَيْهَا جملَة وَالثَّانِي أَن تكون تِلْكَ الْجُمْلَة فِيهَا معنى القَوْل دون حُرُوفه وَالثَّالِث أَن لَا يدْخل عَلَيْهَا حرف جر لَا لفظا وَلَا تَقْديرا وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾ ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي﴾ ﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا﴾

أَي انْطَلَقت السنتهم بِهَذَا الْكَلَام بِخِلَاف نَحْو ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ فَإِن الْمُتَقَدّم عَلَيْهَا غير جملَة وَبِخِلَاف نَحْو ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله﴾ فَلَيْسَتْ أَن فِيهَا مفسرة لَقلت بل لأمرتني وَبِخِلَاف نَحْو كتبت اليه بِأَن افْعَل وَمِثَال مَا انْتَفَى عَنهُ الشَّرْط الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ ﴿أَفلا يرَوْنَ أَلا يرجع إِلَيْهِم قولا﴾ ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ فِيمَن قَرَأَ بِرَفْع ﴿تكون﴾ أَلا ترى أَنَّهَا فِي الْآيَتَيْنِ الْأَوليين وَقعت بعد فعل الْعلم أما فِي الْآيَة الأولى فَوَاضِح وَأما فِي الْآيَة الثَّانِيَة فَلِأَن مرادنا بِالْعلمِ لَيْسَ لفظ ع ل م بل مَا دلّ على التَّحْقِيق فَهِيَ فيهمَا مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا مَحْذُوف وَالْجُمْلَة بعْدهَا فِي مَوضِع رفع على الخبرية وَالتَّقْدِير علم أَنه سَيكون أَفلا يرَوْنَ أَنه لَا يرجع اليهم قولا

وَفِي الْآيَة الثَّالِثَة وَقعت بعد الظَّن لِأَن الحسبان ظن وَقد اخْتلف الْقُرَّاء فِيهَا فَمنهمْ من قَرَأَ بِالرَّفْع وَذَلِكَ على إِجْرَاء الظَّن مجْرى الْعلم فَتكون مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة وَاسْمهَا مَحْذُوف وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا وَالتَّقْدِير وَحَسبُوا أَنَّهَا لَا تكون فتْنَة وَمِنْهُم من قَرَأَ بِالنّصب على اجراء الظَّن على أَصله وَعدم تنزله منزلَة الْعلم وَهُوَ الْأَرْجَح فَلهَذَا أَجمعُوا على النصب فِي نَحْو ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة﴾ ﴿أم حسبتم أَن تتركوا﴾ ﴿أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا﴾ ﴿تظن أَن يفعل بهَا فاقرة﴾ وَيُؤَيّد الْقِرَاءَة الأولى أَيْضا قَوْله تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه﴾ ﴿أيحسب أَن لن يقدر عَلَيْهِ أحد﴾ ﴿أيحسب أَن لم يره أحد﴾ أَلا

ترى أَنَّهَا فِيهِنَّ مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة اذ لَا يدْخل الناصب على ناصب آخر وَلَا على جازم ثمَّ قلت وتضمر أَن بعد ثَلَاثَة من حُرُوف الْجَرّ وَهِي كي نَحْو ﴿كي لَا يكون دولة﴾ وَحَتَّى إِن كَانَ الْفِعْل مُسْتَقْبلا بِالنّظرِ الى مَا قبلهَا نَحْو ﴿حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ وَأسْلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة وَاللَّام تعليلية مَعَ الْمُضَارع الْمُجَرّد من لَا نَحْو ﴿ليغفر لَك الله﴾ بِخِلَاف ﴿لِئَلَّا يعلم﴾ أَو جحودية نَحْو مَا كنت أَو لم أكن لأَفْعَل وَبعد ثَلَاثَة من حُرُوف الْعَطف وَهِي أَو الَّتِي بِمَعْنى الى نَحْو لألزمنك أَو تفضيني حَقي أَو الا نَحْو لأقتلنه أَو يسلم وَفَاء السَّبَبِيَّة وواو الْمَعِيَّة مسبوقين بِنَفْي مَحْض أَو طلب بِغَيْر اسْم الْفِعْل نَحْو ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ ﴿وَيعلم الصابرين﴾ وَنَحْو ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي﴾ (وَلَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... ) وَبعد الْفَاء وَالْوَاو وأو وَثمّ إِن عطفن على اسْم خَالص نَحْو ﴿أَو يُرْسل رَسُولا﴾ و (للبس عباءة وتقر عَيْني ... ) وَلَك مَعَهُنَّ وَمَعَ لَام التَّعْلِيل اظهار أَن

وَأَقُول اخْتصّت أَن بانها تنصب الْمُضَارع ظَاهِرَة ومقدرة بِخِلَاف أخواتها الثَّلَاث فَإِنَّهَا لَا تنصبه الا ظَاهِرَة وانما تضمر فِي الْغَالِب بعد حرف جر أَو حرف عطف فَأَما حُرُوف الْجَرّ الَّتِي تضمر بعْدهَا فَثَلَاثَة حَتَّى وَاللَّام وكي التعليلية أما حَتَّى فنحو ﴿حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ ﴿حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ وَلَيْسَ النصب بحتى نَفسهَا خلافًا للكوفيين وَلَا يجوز اظهار أَن بعْدهَا فِي شعر وَلَا نثر وَيشْتَرط لإضمار أَن بعْدهَا أَن يكون الْفِعْل مُسْتَقْبلا بِالنّظرِ الى مَا قبلهَا سَوَاء كَانَ مُسْتَقْبلا بِالنّظرِ الى زمن التَّكَلُّم أَولا فَالْأول

كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أَلا ترى أَن رُجُوع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مُسْتَقْبل بِالنّظرِ الى مَا قبل حَتَّى وَهُوَ ملازمتهم للعكوف على عبَادَة الْعجل وَكَذَلِكَ قَوْلك أسلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة وَالثَّانِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ فِي قِرَاءَة من نصب ﴿يَقُول﴾ فَإِن قَول الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ مُسْتَقْبل بِالنّظرِ الى الزلزال لَا بِالنّظرِ الى زمن الْإِخْبَار فَإِن الله عز وَجل قصّ علينا ذَلِك بعد مَا وَقع وَلَو لم يكن الْفِعْل الَّذِي بعد حَتَّى مُسْتَقْبلا بِأحد الاعتبارين امْتنع اضمار أَن وَتعين الرّفْع وَذَلِكَ كَقَوْلِك سرت حَتَّى أدخلها اذا قلت ذَلِك وَأَنت فِي حَالَة الدُّخُول وَمن ذَلِك قَوْلهم شربت الْإِبِل حَتَّى يَجِيء الْبَعِير يجر بَطْنه وَمرض زيد حَتَّى لَا يرجونه فَإِن الْمَعْنى حَتَّى حَالَة الْبَعِير أَنه يَجِيء يجر بَطْنه وَحَتَّى حَالَة الْمَرِيض أَنهم لَا يرجونه وَمن الْوَاضِح فِيهِ أَنَّك تَقول سَأَلت عَن هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى لَا أحتاج الى السُّؤَال أَي حَتَّى حالتي الْآن أنني لَا أحتاج الى السُّؤَال عَنْهَا

وَأما اللَّام فلهَا أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا اللَّام التعليلية نَحْو ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس﴾ وَمِنْه ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ فان قلت لَيْسَ فتح مَكَّة عِلّة للمغفرة قلت هُوَ كَمَا ذكرت وَلكنه لم يَجْعَل عِلّة لَهَا وانما جعل عِلّة لِاجْتِمَاع الْأُمُور الْأَرْبَعَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي الْمَغْفِرَة وإتمام النِّعْمَة وَالْهِدَايَة الى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَحُصُول النَّصْر الْعَزِيز وَلَا شكّ فِي أَن اجتماعها لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حصل حِين فتح الله تَعَالَى مَكَّة عَلَيْهِ وانما مثلت بِهَذِهِ الْآيَة لِأَنَّهَا قد يخفي التَّعْلِيل فِيهَا على من لم يَتَأَمَّلهَا الثَّانِيَة لَام الْعَاقِبَة وَتسَمى أَيْضا لَام الصيرورة وَلَام الْمَآل وَهِي الَّتِي يكون مَا بعْدهَا نقيضا لمقْتَضى مَا قبلهَا نَحْو ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ فَإِن التقاطهم لَهُ انما كَانَ لرأفتهم عَلَيْهِ وَلما ألْقى الله تَعَالَى عَلَيْهِ من الْمحبَّة فَلَا يرَاهُ أحد إِلَّا أحبه فقصدوا أَن يصيروه قُرَّة عين لَهُم فآل بهم الْأَمر الى أَن صَار عدوا لَهُم وحزنا الثَّالِثَة اللَّام الزَّائِدَة وَهِي الْآتِيَة بعد فعل مُتَعَدٍّ نَحْو ﴿يُرِيد الله ليبين لكم﴾

﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ ﴿وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين﴾ فَهَذِهِ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة يجوز لَك إِظْهَار أَن بعدهن قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأمرت لِأَن أكون﴾ الرَّابِعَة لَام الْجُحُود وَهِي الْآتِيَة بعد كَون مَاض منفى كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب﴾ وَهَذِه يجب إِضْمَار أَن بعْدهَا وَأما كي فَفِي نَحْو جئْتُك كي تكرمني اذا قدرتها تعليلية بِمَنْزِلَة اللَّام وَالتَّقْدِير جئْتُك كي أَن تكرمني وَلَا يجوز التَّصْرِيح بِأَن بعْدهَا الا فِي الشّعْر خلافًا للكوفيين وَقد مضى ذَلِك

وَأما حُرُوف الْعَطف فَأَرْبَعَة وَهِي أَو وَالْوَاو وَالْفَاء وَثمّ وَهَذِه الْأَرْبَعَة مِنْهَا مَا لَا يجوز مَعَه الْإِظْهَار وَهُوَ أَو وَمِنْهَا مَا لَا يجب مَعَه الْإِضْمَار وَهُوَ ثمَّ وَمِنْهَا مَا تَارَة يجب مَعَه الْإِضْمَار وَتارَة يجوز مَعَه الْإِضْمَار والإظهار وَهُوَ الْفَاء وَالْوَاو وَهَذَا كُله يفهم مِمَّا ذكرت فِي الْمُقدمَة فَأَما أَو فينتصب الْمُضَارع بِأَن مضمرة بعْدهَا وجوبا اذا صَحَّ فِي موضعهَا الى أَو الا فَالْأول كَقَوْلِك لألزمنك أَو تقضيني حَقي وَقَوله (لأستسهلن الصعب أَو أدْرك المنى ... فَمَا انقادت الآمال إِلَّا لصابر)

وَالثَّانِي كَقَوْلِك لأقتلن الْكَافِر أَو يسلم وَقَوله (وَكنت اذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أَو تستقيما)

أَي الا أَن تستقيم فَلَا أكسر كعوبها وَلَا يجوز أَن يكون التَّقْدِير كسرت كعوبها الى أَن تستقيم لِأَن الْكسر لَا استقامة مَعَه وَأما الْفَاء وَالْوَاو فينتصب الْفِعْل الْمُضَارع بِأَن مضمرة بعدهمَا وجوبا بِشَرْطَيْنِ لَا بُد مِنْهُمَا أَحدهمَا أَن تكون الْفَاء للسَّبَبِيَّة وَالْوَاو للمعية فَلهَذَا رفع الْفِعْل فِي قَوْله

(ألم تسْأَل الرّبع القواء فينطق ... ) وَذَلِكَ لِأَن الْفَاء لَو كَانَت عاطفة لجزم مَا بعْدهَا وَلَو كَانَت للسَّبَبِيَّة انتصب مَا بعْدهَا فَلَمَّا ارْتَفع دلّ على أَنَّهَا للاستئناف وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ الْفَاء هُنَا عاطفة كَمَا سَيَأْتِي

الثَّانِي أَن يَكُونَا مسبوقين بِنَفْي أَو طلب فَلَا يجوز النصب فِي نَحْو زيد يأتينا فيحدثنا فَأَما قَوْله (سأترك منزلي لبني تَمِيم ... وَألْحق بالحجاز فأستريحا) فضرورة وَقيل الأَصْل فأستريحن بنُون التوكيد الْخَفِيفَة فأبدلت فِي الْوَقْف ألفا كَمَا تقف على ﴿لنسفعا﴾ بِالْألف وَهَذَا التَّخْرِيج هروب من ضَرُورَة الى ضَرُورَة فَإِن توكيد الْفِعْل فِي غير الطّلب وَالشّرط وَالْقسم ضَرُورَة

وَقَوْلنَا طلب يَشْمَل الْأَمر وَالنَّهْي وَالدُّعَاء وَالْعرض والتحضيض وَالتَّمَنِّي والاستفهام فَهَذِهِ سَبْعَة مَعَ النَّفْي صَارَت ثَمَانِيَة وَهَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي يعبر عَنْهَا بِمَسْأَلَة الْأَجْوِبَة الثَّمَانِية وَلكُل مِنْهَا نصيب من القَوْل يَخُصُّهُ فلنتكلم على ذَلِك بِمَا يكْشف اشكاله فَنَقُول أما النَّفْي فنحو قَوْلك مَا تَأتِينِي فأكرمك وَلَك فِي هَذَا أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن تقدر الْفَاء لمُجَرّد عطف لفظ الْفِعْل على لفظ مَا قبلهَا فَيكون شَرِيكه فِي اعرابه فَيجب هُنَا الرّفْع لِأَن الْفِعْل الَّذِي قبلهَا

مَرْفُوع والمعطوف شريك الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فكأنك قلت مَا تَأتِينِي فَمَا أكرمك فَهُوَ شَرِيكه فِي النَّفْي الدَّاخِل عَلَيْهِ وعَلى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ فالفاء هُنَا عاطفة كَمَا ذكرنَا وَالْفِعْل الَّذِي بعْدهَا دَاخل فِي سلك النَّفْي السَّابِق فَكَأَنَّهُ قيل لَا يُؤذن لَهُم فَلَا يَعْتَذِرُونَ الثَّانِي أَن تقدر الْفَاء لمُجَرّد السَّبَبِيَّة وَيقدر الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا مستأنفا وَمَعَ استئنافه يقدر مَبْنِيا على مُبْتَدأ مَحْذُوف فَيجب الرّفْع أَيْضا لخلو الْفِعْل عَن الناصب والجازم فَتَقول مَا تَأتِينِي فأكرمك بِمَعْنى فَأَنا أكرمك لكونك لم تأتني وَذَلِكَ اذا كنت كَارِهًا لإتيانه ويوضح هَذَا أَنَّك تَقول مَا زيد قاسيا فيعطف على عَبده أَي فَهُوَ لانْتِفَاء الْقَسْوَة عَنهُ يعْطف على عَبده وَالْفرق بَين هَذَا الْوَجْه وَالَّذِي قبله وَاضح لِأَن الْوَجْه الأول شَمل النَّفْي فِيهِ مَا قبل الْفَاء وَمَا بعْدهَا وَهَذَا الْوَجْه انصب النَّفْي فِيهِ الى مَا قبل الْفَاء خَاصَّة دون مَا بعْدهَا وَذَلِكَ لِأَنَّك لم تجْعَل الْفَاء لعطف الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا على الْمَنْفِيّ الَّذِي قبله فَيكون شَرِيكه فِي النَّفْي وانما أخلصتها للسَّبَبِيَّة وَيذكر النحويون هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلك مَا تَأْتِينَا فتحدثنا وَهَذَا

سَهْو اذ يَسْتَحِيل أَن يَنْتَفِي الْإِتْيَان وَيُوجد الحَدِيث وَالصَّوَاب مَا مثلت لَك بِهِ الثَّالِث أَن تقدر الْفَاء عاطفة لعطف مصدر الْفِعْل بعْدهَا على الْمصدر المؤول مِمَّا قبلهَا وتقدر النَّفْي منصبا على الْمَعْطُوف دون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَيجب حِينَئِذٍ النصب بِأَن مضمرة وجوبا وَالتَّقْدِير مَا يكون مِنْك اتيان فإكرام مني أَي مَا يكون مِنْك اتيان فيعقبه مني إكرام بل يكون مِنْك إتْيَان وَلَا يكون مني إكرام الرَّابِع أَن تقدر أَيْضا الْفَاء لعطف مصدر الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا على الْمصدر المؤول مِمَّا قبلهَا وَلَكِن تقدر النَّفْي منصبا على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَيَنْتَفِي الْمَعْطُوف لِأَنَّهُ مسبب عَنهُ وَقد انْتَفَى وَيكون معنى الْكَلَام مَا يكرن مِنْك إتْيَان فَكيف يكون مني إكرام وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ سائغان فِي مَا تَأْتِينَا فتحدثنا اذ يَصح أَن يُقَال مَا تَأْتِينَا مُحدثا بل تَأْتِينَا غير مُحدث وَأَن يُقَال مَا تَأْتِينَا فَكيف تحدثنا وتلخص أَن لنا فِي الرّفْع وَجْهَيْن وَفِي النصب وَجْهَيْن فان قلت هَل يجوز أَن يقْرَأ ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ بِالنّصب على أحد الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين للنصب

قلت نعم يجوز على الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ مَا تَأْتِينَا فَكيف تحدثنا أَي لَا يُؤذن لَهُم بالاعتذار فَكيف يَعْتَذِرُونَ وَيمْتَنع على الْوَجْه الأول وَهُوَ مَا تَأْتِينَا مُحدثا بل تَأْتِينَا غير مُحدث أَلا ترى أَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ لَا يُؤذن لَهُم فِي حَالَة اعتذارهم بل يُؤذن لَهُم فِي غير حَالَة اعتذارهم وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنى مرَادا فَإِن قلت فَإِذا كَانَ النصب فِي الْآيَة جَائِزا على الْوَجْه الَّذِي ذكرته فَمَا باله لم يقْرَأ بِهِ أحد من الْقُرَّاء الْمَشْهُورين قلت لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الْقِرَاءَة سنة متبعة وَلَيْسَ كل مَا تجوزه الْعَرَبيَّة تجوز الْقِرَاءَة بِهِ وَالثَّانِي أَن الرّفْع هُنَا بِثُبُوت النُّون فَيحصل بذلك تناسب رُؤُوس الْآي وَالنّصب بحذفها فيزول مَعَه التناسب وَمن مَجِيء النصب بعد النَّفْي قَول الله عز وَجل ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ وَالنّصب هُنَا على معنى قَوْلك مَا تَأْتِينَا فَكيف تحدثنا لَا على معنى قَوْلك مَا تَأْتِينَا مُحدثا بل غير مُحدث وَلَو قلت مَا تَأْتِينَا الا فتحدثنا أَو مَا تزَال تَأْتِينَا فتحدثنا وَجب

الرّفْع وَذَلِكَ لِأَن النَّفْي فِي الْمِثَال الأول قد انْتقض بإلا وَفِي الْمِثَال الثَّانِي هُوَ دَاخل على زَالَ وَزَالَ للنَّفْي وَنفي النَّفْي ايجاب وَأما الْأَمر فكقوله (يَا ناق سيري عنقًا فسيحا ... الى سُلَيْمَان فنستريحا) وَشَرطه أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن يكون بِصِيغَة الطّلب فَلَو قلت حَسبك حَدِيث فينام النَّاس بِالنّصب لم يجز خلافًا للكسائي وَالثَّانِي أَن لَا يكون بِلَفْظ اسْم الْفِعْل فَلَا يجوز أَن تَقول صه

فنكرمك بِالنّصب هَذَا قَول الْجُمْهُور وَخَالفهُم الْكسَائي فَأجَاز النصب مُطلقًا وَفصل ابْن جني وَابْن عُصْفُور فأجازاه اذا كَانَ اسْم الْفِعْل من لفظ الْفِعْل نَحْو نزال فنحدثك ومنعاه اذا لم يكن من لَفظه نَحْو صه فنكرمك وَمَا أَحْرَى هَذَا القَوْل بِأَن يكون صَوَابا وَأما النَّهْي فكقولك لَا تفعل شرا فأعاقبك وَقَول الله تَعَالَى ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بِعَذَاب﴾ ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي﴾ وَلَو نقضت النَّهْي بإلا قبل الْفَاء لم تنصب نَحْو لَا تضرب الا عمرا فيغضب فَيجب فِي يغْضب الرّفْع وَأما الدُّعَاء فكقولك اللَّهُمَّ تب عَليّ فأتوب وَقَول الله تَعَالَى ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَقَول الشَّاعِر

(رب وفقني فَلَا أعدل عَن ... سنَن الساعين فِي خير سنَن) وَشَرطه أَن يكون بِالْفِعْلِ فَلَو قلت سقيا لَك فيرويك الله لم يجز النصب وَأما الِاسْتِفْهَام فشرطه أَن لَا يكون بأداة تَلِيهَا جملَة اسمية خَبَرهَا جامد فَلَا يجوز النصب فِي نَحْو هَل أَخُوك زيد فَأكْرمه

وَلَا فرق بَين الِاسْتِفْهَام بالحرف نَحْو ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا﴾ والاستفهام بِالِاسْمِ نَحْو ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه﴾ يقْرَأ بِرَفْع ﴿يُضَاعف﴾ ونصبه وَفِي الحَدِيث حِكَايَة عَن الله تَعَالَى من يدعوني فأستجيب لَهُ وَمن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ والاستفهام بالظرف نَحْو أَيْن بَيْتك فأزورك وَمَتى تسير فأرافقك وَكَيف تكون فأصحبك فَإِن قلت فَمَا بَال الْفِعْل لم ينصب فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام فِي قَول الله عز وَجل ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة﴾ قلت لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الِاسْتِفْهَام هُنَا مَعْنَاهُ الْإِثْبَات وَالْمعْنَى قد رَأَيْت أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء وَالثَّانِي أَن إصباح الأَرْض مخضرة لَا يتسبب عَمَّا دخل عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَام وَهُوَ رُؤْيَة الْمَطَر وانما يتسبب ذَلِك عَن نزُول الْمَطَر نَفسه فَلَو كَانَت الْعبارَة أنزل الله من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة ثمَّ دخل الِاسْتِفْهَام صَحَّ النصب فَإِن قلت يرد هَذَا الْوَجْه قَوْله تَعَالَى ﴿أعجزت أَن أكون مثل هَذَا الْغُرَاب فأواري سوأة أخي﴾ فَإِن مواراة السوأة لَا يتسبب عَمَّا دخل عَلَيْهِ حرف الِاسْتِفْهَام لِأَن الْعَجز عَن الشَّيْء لَا يكون سَببا فِي حُصُوله

قلت لَيْسَ ﴿أواري﴾ مَنْصُوبًا فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام وانما ومنصوب بالْعَطْف على الْفِعْل الْمَنْصُوب وَهُوَ ﴿أكون﴾ فَإِن قلت فقد جعله الزَّمَخْشَرِيّ مَنْصُوبًا فِي جَوَاب الِاسْتِفْهَام قلت هُوَ غالظ فِي ذَلِك وَأما الْعرض فكقول بعض الْعَرَب أَلا تقع فِي المَاء فتسبح وكقولك أَلا تَأْتِينَا فتحدثنا وَقَول الشَّاعِر (يَا ابْن الْكِرَام أَلا تَدْنُو فتبصر مَا ... قد حدثوك فَمَا رَاء كمن سمعا)

وَأما التحضيض فكقولك هلا اتَّقَيْت الله تَعَالَى فَيغْفر لَك وهلا أسلمت فَتدخل الْجنَّة وَهُوَ وَالْعرض متقاربان يجمعهما التَّنْبِيه على الْفِعْل الا أَن فِي التحضيض زِيَادَة توكيد وحث وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب فَأَصدق﴾ فَمن بَاب النصب فِي جَوَاب الدُّعَاء وَلَكِن استعيرت فِيهِ عبارَة التحضيض أَو الْعرض للدُّعَاء وَأما التَّمَنِّي فكقوله تَعَالَى ﴿يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز فوزا عَظِيما﴾ وَقَول الشَّاعِر (أَلا رَسُول لنا مِنْهَا فيخبرنا ... )

فَهَذِهِ أَمْثِلَة النصب بعد فَاء السَّبَبِيَّة فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّمَانِية وَأما النصب بعد وَاو الْمَعِيَّة فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة فَسمع فِي خَمْسَة وقاسه النحويون فِي ثَلَاثَة فالخمسة المسموع فِيهَا أَحدهَا النَّفْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾

) وَالْمعْنَى وَالله أعلم انكم تجاهدون وَلَا تصبرون وتطعمون أَن تدْخلُوا الْجنَّة وانما يَنْبَغِي لكم الطمع فِي ذَلِك اذا اجْتمع مَعَ جهادكم الصَّبْر على مَا يُصِيبكُم فِيهِ فَيعلم الله حِينَئِذٍ ذَلِك وَاقعا مِنْكُم وَالْوَاو من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما﴾ وَاو الْحَال وَالتَّقْدِير بل أحسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وحالكم هَذِه الْحَالة وَالثَّانِي الْأَمر كَقَوْلِه (فَقلت ادعِي وأدعو ان أندى ... لصوت أَن يُنَادي داعيان)

وَالثَّالِث النهى كَقَوْل الشَّاعِر (يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره ... هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم) (ابدأ بِنَفْسِك فانهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم) (فهناك يسمع مَا تَقول ويشتفى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم) (لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عليلك اذا فعلت عَظِيم) وَتقول لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن فَإِذا أردْت بِالْوَاو عطف الْفِعْل على الْفِعْل جزمت الثَّانِي وَكَانَ شريك الأول فِي النَّهْي وكأنك قلت لَا تفعل هَذَا وَلَا هَذَا وَحِينَئِذٍ فيلتقي ساكنان الْبَاء وَاللَّام فتكسر الْبَاء على أصل التقاء الساكنين وَإِن أردْت عطف مصدر الْفِعْل على مصدر مُقَدّر مِمَّا قبله نصبت الْفِعْل بِأَن مضمرة وَكَانَ النَّهْي حِينَئِذٍ عَن الْجمع بَينهمَا وان أردْت الِاسْتِئْنَاف رفعت الثَّانِي

وَالرَّابِع التَّمَنِّي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَالْخَامِس الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِه وَهُوَ الحطيئة (ألم أك جاركم وَيكون بيني ... وَبَيْنكُم الْمَوَدَّة والإخاء)

وينتصب الْفِعْل الْمُضَارع بِأَن مضمرة جَوَازًا لَا وجوبا بعد أَرْبَعَة أحرف وَهِي الْفَاء وَثمّ وَالْوَاو وأو وَذَلِكَ اذا عطفن على اسْم صَرِيح مِثَال ذَلِك بعد أَو قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ﴾ يقْرَأ فِي السَّبع بِرَفْع يُرْسل ونصبه وَقَالَ أَبُو بكر بن مُجَاهِد المقريء رَحمَه الله قريء ﴿لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي﴾ بِنصب آوي وَلَا وَجه لَهُ ورد عَلَيْهِ ابْن جني فِي محتسبه وَغَيره وَقَالُوا وَجههَا كوجه قِرَاءَة أَكثر السَّبْعَة ﴿أَو يُرْسل رَسُولا﴾ بِالنّصب وَذَلِكَ لتقدم الِاسْم

الصَّرِيح وَهُوَ ﴿قُوَّة﴾ فَكَأَنَّهُ قيل لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو ايواء الى ركن شَدِيد وَمِثَال ذَلِك بعد الْوَاو قَول مَيْسُونُ بنت بَحْدَل (للبس عباءة وتقر عَيْني ... أحب الي من لبس الشفوف) الرِّوَايَة فِيهِ بِنصب تقر وَذَلِكَ بِأَن مضمرة على أَنه مَعْطُوف على اللّبْس فَكَأَنَّهُ قَالَ للبس عباءة وقرة عَيْني وَمِثَال ذَلِك بعد الْفَاء قَوْله (لَوْلَا توقع معتر فأرضيه ... مَا كنت أوثر إترابا على ترب)

وَمِثَال ذَلِك بعد ثمَّ قَول الشَّاعِر (اني وقتلي سليكا ثمَّ أعقله ... كالثور يضْرب لما عافت الْبَقر)

وَكَانَت الْعَرَب اذا رَأَتْ الْبَقر قد عافت وُرُود المَاء تعمد الى الثور فتضربه فَترد الْبَقر حِينَئِذٍ المَاء وَلَا تمْتَنع مِنْهُ فِرَارًا من الضَّرْب أَن يُصِيبهَا وانما امْتَنعُوا من ضربهَا لِضعْفِهَا عَن حمله بِخِلَاف الثور وَقَوْلِي اسْم صَرِيح احْتِرَاز من نَحْو مَا تَأْتِينَا فتحدثنا فَإِن الْعَطف فِيهِ وان كَانَ على اسْم مُتَقَدم فَإنَّا قد قدمنَا أَن التَّقْدِير مَا يكون مِنْك اتيان فَحَدِيث لَكِن ذَلِك الِاسْم لَيْسَ بِصَرِيح فإضمار أَن هُنَاكَ وَاجِب لَا جَائِز بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا هَذِه فَإِن إِضْمَار أَن جَائِز بل نَص ابْن مَالك فِي شرح الْعُمْدَة على أَن الْإِظْهَار أحسن من الْإِضْمَار

بَاب المجرورات

ثمَّ قلت بَاب المجرورات ثَلَاثَة أَحدهَا الْمَجْرُور بالحرف وَهُوَ من والى وَعَن وعَلى وَالْبَاء وَاللَّام وَفِي مُطلقًا وَالْكَاف وَحَتَّى وَالْوَاو للظَّاهِر مُطلقًا وَالتَّاء لله وَرب مُضَافا للكعبة أَو الْيَاء وكي لما الاستفهامية أَو أَن المضمرة وصلتها ومذ ومنذ لزمن غير مُسْتَقْبل وَلَا مُبْهَم وَرب لضمير غيبَة مُفْرد مُذَكّر يُمَيّز بمطابق للمعنى قَلِيلا ولمنكر مَوْصُوف كثيرا وَأَقُول لما أنهيت القَوْل فِي المرفوعات والمنصوبات شرعت فِي المجرورات وقسمتها الى ثَلَاثَة أَقسَام مجرور بالحرف ومجرور بِالْإِضَافَة ومجرور بمجاورة مجرور وبدأت بالمجرور بالحرف لِأَنَّهُ الأَصْل وانما لم أذكر الْمَجْرُور بالتبعية كَمَا فعل جمَاعَة لِأَن التّبعِيَّة لَيست عندنَا هِيَ العاملة وانما الْعَامِل عَامل الْمَتْبُوع وَذَلِكَ فِي غير الْبَدَل وعامل مَحْذُوف فِي بَاب الْبَدَل فَرجع الْجَرّ فِي بَاب التوابع الى الْجَرّ بِالْإِضَافَة وَقسمت الْحُرُوف الجارة الى سِتَّة أَقسَام

أَحدهَا مَا يجر الظَّاهِر والمضمر وبدأت بِهِ لِأَنَّهُ الأَصْل وَهُوَ سَبْعَة أحرف من والى وَعَن وعَلى وَالْبَاء وَاللَّام

وَفِي وَمن أَمْثِلَة ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿ومنك وَمن نوح﴾ ﴿إِلَى الله مرجعكم﴾ ﴿إِلَيْهِ مرجعكم﴾ ﴿طبقًا عَن طبق﴾ ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ ﴿وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون﴾ ﴿آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ ﴿آمنُوا بِهِ﴾ ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ ﴿كل لَهُ قانتون﴾

﴿وَفِي الأَرْض آيَات للموقنين﴾ ﴿وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس﴾ وَالثَّانِي مَا لَا يجر الا الظَّاهِر وَلَا يخْتَص بِظَاهِر معِين وَهُوَ ثَلَاثَة الْكَاف وَحَتَّى وَالْوَاو وَالثَّالِث مَا يجر لفظتين بعينهما وَهُوَ التَّاء فَإِنَّهَا لَا تجرا الا اسْم الله عز وَجل وَربا مُضَافا الى الْكَعْبَة أَو الى الْيَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿تالله تفتأ تذكر﴾ ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ وَقَالَت الْعَرَب ترب الْكَعْبَة وتربي لَأَفْعَلَنَّ الرَّابِع مَا يجر فَردا خَاصّا من الظَّوَاهِر ونوعا خَاصّا مِنْهَا وَهِي كي فَإِنَّهَا لَا تجر الا أَمريْن أَحدهمَا مَا الاستفهامية وَهِي الْفَرد

الْخَاص يُقَال لَك جئْتُك أمس فَتَقول فِي السُّؤَال عَن عِلّة الْمَجِيء لمه أَو كيمه فَكَمَا أَن لمه جَار ومجرور كَذَلِك كيمه وَالْأَصْل لما وكيما وَلَكِن مَا الاستفهامية مَتى دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ حذفت ألفها وجوبا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا﴾ ﴿عَم يتساءلون﴾ ﴿بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ وَحسن فِي الْوَقْف أَن تردف بهاء السكت كَمَا قَرَأَ البزي فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَغَيرهَا الثَّانِي أَن المضمرة وصلتها وَذَلِكَ هُوَ النَّوْع الْخَاص وَتقول جئْتُك كي تكرمني فَإِن قدرت كي تعليلية فالنصب بِأَن المضمرة وَأَن مَعَ هَذَا الْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر مجرور بكي وكأنك قلت جئْتُك للإكرام الْخَامِس مَا يجر نوعا خَاصّا من الظَّوَاهِر وَهُوَ مُنْذُ ومذ فَإِن مجرورهما لَا يكون الا اسْم زمَان وَلَا يكون ذَلِك الزَّمَان الا معينا لَا مُبْهما وَلَا يكون ذَلِك الْمعِين الا مَاضِيا أَو حَاضرا لَا مُسْتَقْبلا تَقول مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْم الْجُمُعَة ومذ يَوْم الْجُمُعَة ومنذ يَوْمنَا

ومذ يَوْمنَا وَلَا تَقول لَا أرَاهُ مُنْذُ غَد وَلَا مذ غَد وَكَذَا لَا تَقول مَا رَأَيْته مُنْذُ وَقت السَّادِس مَا يجر نوعا خَاصّا من الْمُضْمرَات ونوعا خَاصّا من المظهرات وَهُوَ رب فَإِنَّهَا ان جرت ضميرا فَلَا يكون الا ضمير غيبَة مُفردا مذكرا مرَادا بِهِ الْمُفْرد الْمُذكر وَغَيره وَيجب تَفْسِيره بنكرة بعد مُطَابقَة للمعنى المُرَاد مَنْصُوبَة على التَّمْيِيز نَحْو ربه رجلا لقِيت وربه رجلَيْنِ وربه رجَالًا وربه امْرَأَة وربه امْرَأتَيْنِ وربه نسَاء وكل ذَلِك قَلِيل وان جرت ظَاهرا فَلَا يكون الا نكرَة مَوْصُوفَة نَحْو رب رجل صَالح لقِيت وَذَلِكَ كثير

فصول الكتاب · 5 فصل · 602 صفحة
جارٍ التحميل