شرح شذور الذهب لابن هشامصفحات 334-373
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النكرَة والمعرفة

صفحات 334-373
عن هذه الطبعة
عَلَم
جمال الدين ابن هشام
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
المحقق
عبد الغني الدقر
الناشر
الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فارتفعت الرَّأْس وَجِيء بدل الْهَاء وَالنُّون بنُون النسْوَة ثمَّ جِيءَ بذلك الْمُضَاف الَّذِي حول عَنهُ الْإِسْنَاد فضلَة وتمييزا وأفردت النَّفس بعد أَن كَانَت مَجْمُوعَة لِأَن التَّمْيِيز انما يطْلب فِيهِ بَيَان الْجِنْس وَذَلِكَ يتَأَدَّى بالمفرد الثَّانِي أَن يكون محولا عَن الْمَفْعُول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ قيل التَّقْدِير ﴿وفجرنا﴾ عُيُون الأَرْض وَكَذَا قيل فِي غرست الأَرْض شَجرا وَنَحْو ذَلِك الثَّالِث أَن يكون محولا عَن غَيرهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ أَصله مَالِي أَكثر فَحذف الْمُضَاف وَهُوَ المَال وأقيم الْمُضَاف اليه وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم مقَامه فارتفع وانفصل وَصَارَ أَنا أَكثر مِنْك ثمَّ جِيءَ بالمحذوف تمييزا وَمثله زيد أحسن وَجها وَعَمْرو أنقى عرضا وَشبه ذَلِك التَّقْدِير وَجه زيد أحسن وَعرض عَمْرو أنقى

الرَّابِع أَن يكون غير محول كَقَوْل الْعَرَب لله دره فَارِسًا وحسبك بِهِ ناصرا وَقَول الشَّاعِر (يَا جارتا مَا أَنْت جَاره ... ) يَا حرف نِدَاء جارتا منادى مُضَاف للياء وَأَصله يَا جارتي فقلبت الكسرة فَتْحة وَالْيَاء ألفا مَا مُبْتَدأ وَهُوَ اسْم اسْتِفْهَام أَنْت خَبره والمعني عظمت كَمَا يُقَال زيد وَمَا زيد أَي شَيْء عَظِيم وجارة تَمْيِيز وَقيل حَال وَقيل مَا نَافِيَة وَأَنت اسْمهَا وجارة خبر مَا الحجازية أَي لست جَارة بل أَنْت أشرف من الجارة وَالصَّوَاب الأول وَيدل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر

(يَا سيدا مَا أَنْت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذِّرَاع) وَمن لَا تدخل على الْحَال وانما تدخل على التَّمْيِيز

ثمَّ قلت التَّاسِع الْمُسْتَثْنى بليس أَو بِلَا يكون أَو بِمَا خلا أَو بِمَا عدا مُطلقًا أَو بإلا بعد كَلَام تَامّ مُوجب أَو غير مُوجب وَتقدم الْمُسْتَثْنى نَحْو ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... ) وَغير الْمُوجب إِن ترك فِيهِ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَلَا أثر فِيهِ لإلا وَيُسمى مفرغا نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيد وَإِن ذكر فَإِن كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا فإتباعه للمستثنى مِنْهُ أرجح نَحْو ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ أَو مُنْقَطِعًا فتميم تجيز اتِّبَاعه ان صَحَّ التفريغ والمستثنى بِغَيْر وَسوى مخفوض وبخلا وَعدا وحاشا مخفوض أَو مَنْصُوب وتعرب غير بِاتِّفَاق وَسوى على الْأَصَح إِعْرَاب الْمُسْتَثْنى بإلا وَأَقُول التَّاسِع من المنصوبات الْمُسْتَثْنى وانما يجب نَصبه فِي خمس مسَائِل احداها أَن تكون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ كَقَوْلِك قَامُوا لَيْسَ زيدا وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أنهر الدَّم وَذكر اسْم الله فَكُلُوا لَيْسَ

السن وَالظفر فَلَيْسَ هُنَا بِمَنْزِلَة إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاء والمستثنى بهَا وَاجِب النصب مُطلقًا باجماع الثَّانِيَة أَن تكون أَدَاة الِاسْتِثْنَاء لَا يكون كَقَوْلِك قَامُوا لَا يكون زيدا فَلَا يكون أَيْضا بِمَنْزِلَة إِلَّا فِي الْمَعْنى والمستثنى بهَا وَاجِب النصب مُطلقًا كَمَا هُوَ وَاجِب مَعَ لَيْسَ وَالْعلَّة فِي ذَلِك فيهمَا أَن الْمُسْتَثْنى بهما خبرهما وَسَيَأْتِي لنا أَن كَانَ وَلَيْسَ وأخواتهما يرفعن الِاسْم وينصبن الْخَبَر فَإِن قلت فَأَيْنَ اسْمهَا قلت مستتر فيهمَا وجوبا وَهُوَ عَائِد على الْبَعْض الْمَفْهُوم من الْكل السَّابِق وَكَأَنَّهُ قيل لَيْسَ بَعضهم زيدا وَلَا يكون بَعضهم زيدا وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِن كن نسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ﴾ أَي فَإِن كَانَت الْبَنَات وَذَلِكَ لِأَن الْأَوْلَاد قد تقدم ذكرهم وهم شاملون للذكور وَالْإِنَاث فَكَأَنَّهُ قيل أَولا يُوصِيكُم الله فِي بنيكم وبناتكم ثمَّ قيل فَإِن كن وَكَذَلِكَ هُنَا الثَّالِثَة أَن تكون الأداة مَا خلا كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم مَا خلا زيدا وَقَول لبيد بن ربيعَة العامري الصَّحَابِيّ

(أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل) الرَّابِعَة أَن تكون الأداة مَا عدا كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم مَا عدا زيدا وكقول الشَّاعِر (تمل الندامى مَا عداني فإنني ... بِكُل الَّذِي يهوى نديمي مولع)

فالياء فِي مَوضِع نصب بِدَلِيل لحاق نون الْوِقَايَة قبلهَا وَحكى الْجرْمِي والربعي والأخفش الْجَرّ بَعْدَمَا خلا وَمَا عدا وَهُوَ شَاذ فَلهَذَا لم أحفل بِذكرِهِ فِي الْمُقدمَة فَإِن قلت لم وَجب عِنْد الْجُمْهُور النصب بعد مَا خلا وَمَا عدا وَمَا وَجه الْجَرّ الَّذِي حَكَاهُ الْجرْمِي وَالرجلَانِ قلت أما وجوب النصب فَلِأَن مَا الدَّاخِلَة عَلَيْهِمَا مَصْدَرِيَّة وَمَا لَا تدخل الا على الْجُمْلَة الفعلية وَأما جَوَاز الْخَفْض فعلى تَقْدِير مَا زَائِدَة لَا مَصْدَرِيَّة وَفِي ذَلِك شذوذ فَإِن الْمَعْهُود فِي زِيَادَة مَا مَعَ حرف الْجَرّ أَن لَا تكون قبل الْجَار وَالْمَجْرُور بل بَينهمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ ﴿فبمَا نقضهم﴾ ﴿مِمَّا خطيئاتهم أغرقوا﴾

وَقَوْلِي مُطلقًا رَاجع الى الْمسَائِل الْأَرْبَع أَي سَوَاء تقدم الْإِيجَاب أَو النَّفْي أَو شبهه الْخَامِسَة أَن تكون الأداة إِلَّا وَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ احداهما أَن تكون بعد كَلَام تَامّ مُوجب ومرادي بالتام أَن يكون الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَذْكُورا وبالإيجاب أَن لَا يشْتَمل على نفي وَلَا نهي وَلَا اسْتِفْهَام وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ الثَّانِيَة أَن يكون الْمُسْتَثْنى مقدما على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَقَوْل الْكُمَيْت يمدح آل الْبَيْت رَضِي الله عَنْهُم (وَمَالِي إِلَّا آل أَحْمد شيعَة ... وَمَالِي إِلَّا مَذْهَب الْحق مَذْهَب)

وَلما انْتَهَيْت الى هُنَا استطردت فِي بَقِيَّة أَنْوَاع الْمُسْتَثْنى وان كَانَ بعض ذَلِك لَيْسَ من المنصوبات البته وَبَعضه مُتَرَدّد بَين بَاب المنصوبات وَغَيرهَا فَذكرت أَن الْكَلَام اذا كَانَ غير ايجاب وَهُوَ النَّفْي وَالنَّهْي والاستفهام فَإِن كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ محذوفا فَلَا عمل لإلأ وانما يكون الْعَمَل لما قبلهَا وَمن ثمَّ سموهُ اسْتثِْنَاء مفرغا لِأَن مَا قبلهَا قد تفرغ للْعَمَل فِيمَا بعْدهَا وَلم يشْغلهُ عَنهُ شَيْء تَقول مَا قَامَ الا زيد فَترفع زيدا على الفاعلية

وَمَا رَأَيْت الا زيدا فتنصبه على المفعولية وَمَا مَرَرْت الا بزيد فتخفضه بِالْبَاء كَمَا تفعل بِهن لَو لم تذكر إِلَّا وان كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَذْكُورا فإمَّا أَن يكون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلا وَهُوَ أَن يكون الْمُسْتَثْنى دَاخِلا فِي جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو مُنْقَطِعًا وَهُوَ أَن يكون غير دَاخل فَإِن كَانَ مُتَّصِلا جَازَ فِي الْمُسْتَثْنى وَجْهَان أَحدهمَا وَهُوَ الرَّاجِح أَن يعرب بإعراب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ على أَن يكون بَدَلا مِنْهُ بدل بعض من كل وَالثَّانِي النصب على أصل الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ عَرَبِيّ جيد مِثَال ذَلِك فِي النَّفْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم﴾ أَجمعت السَّبْعَة على رفع ﴿أنفسهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ قَرَأَ السَّبْعَة إِلَّا ابْن عَامر بِرَفْع قَلِيل على أَنه بدل من الْوَاو فِي ﴿فَعَلُوهُ﴾ كَأَنَّهُ قيل مَا فعله إِلَّا ﴿قَلِيل﴾ مِنْهُم وَقَرَأَ ابْن عَامر وَحده إِلَّا قَلِيلا بِالنّصب ومثاله فِي النَّهْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك﴾ قريء بِالرَّفْع وَالنّصب ومثاله فِي الِاسْتِفْهَام قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ أَجمعت السَّبْعَة على الْإِبْدَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يقنط وَلَو قرئَ ﴿الضَّالّين﴾ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء لم يمْتَنع وَلَكِن الْقِرَاءَة سنة متبعة

وان كَانَ مُنْقَطِعًا فالحجازيون يوجبون نَصبه وَهِي اللُّغَة الْعليا وَلِهَذَا أَجمعت السَّبْعَة على النصب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ وَلَو أبدل مِمَّا قبله لقرئ بِرَفْع ﴿إِلَّا اتِّبَاع﴾ و ﴿إِلَّا ابْتِغَاء﴾ لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي مَوضِع رفع اما على أَنه فَاعل بالجار وَالْمَجْرُور الْمُعْتَمد على النَّفْي واما على أَنه مُبْتَدأ تقدم خَبره عَلَيْهِ والتميميون يجيزون الْإِبْدَال ويختارون النصب قَالَ الشَّاعِر (وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)

فأبدل اليعافير والعيس من أنيس وَلَيْسَ من جنسه وَذكرت أَيْضا أَن الْمُسْتَثْنى بِغَيْر وَسوى مخفوض دَائِما لِأَنَّهُمَا ملازمان للاضافة لما بعدهمَا فَكل اسْم يَقع بعدهمَا فهما مضافان اليه فَلذَلِك يلْزمه الْخَفْض

وَأَن الْمُسْتَثْنى بخلا وَعدا وحاشا يجوز فِيهِ الْخَفْض وَالنّصب فالخفض على أَن يقدرن حُرُوف جر وَالنّصب على أَن يقدرُونَ أفعالا استتر فاعلهن والمستثنى مفعول هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَلم يجوز سِيبَوَيْهٍ فِي الْمُسْتَثْنى بعدا غير النصب لِأَنَّهُ يرى أَنَّهَا لَا تكون الا فعلا وَلَا فِي الْمُسْتَثْنى بحاشا غير الْجَرّ لِأَنَّهُ يرى أَنَّهَا لَا تكون الا حرفأ

ثمَّ قلت والبواقي خبر كَانَ وَأَخَوَاتهَا وَخبر كَاد وَأَخَوَاتهَا وَيجب كَونه مضارعا مُؤَخرا عَنْهَا رَافعا لضمير أسمائها مُجَردا من أَن بعد أَفعَال الشُّرُوع ومقرونا بهَا بعد حرى واخلولق وندر تجرد خبر عَسى وأوشك واقتران خبر كَاد وكرب وَرُبمَا رفع السببي بِخَبَر عَسى فَفِي قَوْله وماذا عَسى الْحجَّاج يبلغ جهده فِيمَن رفع جهده شذوذان وَخبر مَا حمل على لَيْسَ وَاسم ان وَأَخَوَاتهَا وَأَقُول الْعَاشِر من المنصوبات خبر كَانَ وَأَخَوَاتهَا نَحْو ﴿وَكَانَ رَبك قَدِيرًا﴾ ﴿فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا﴾

الْحَادِي عشر خبر كَاد وَأَخَوَاتهَا وَقد تقدم فِي بَاب المرفوعات أَن خبرهن لَا يكون الا فعلا مضارعا وَذكرت هُنَا أَنه يَنْقَسِم بِاعْتِبَار اقترانه بِأَن وتجرده مِنْهَا أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا مَا يجب اقترانه بهَا وَهُوَ حرى واخلوق تَقول حرى

زيد أَن يفعل واخلولقت السَّمَاء أَن تمطر وَلَا أعرف من ذكر حرى من النَّحْوِيين غير ابْن مَالك وتوهم أَبُو حَيَّان أَنه وهم فِيهَا وانما هِيَ حرى بِالتَّنْوِينِ اسْما لَا فعلا وَأَبُو حَيَّان هُوَ الواهم بل ذكرهَا أَصْحَاب كتب الْأَفْعَال من اللغويين كالسرقسطي وَابْن طريف وأنشدوا عَلَيْهَا شعرًا وَهُوَ قَول الْأَعْشَى (ان يقل هن من بني عبد شمس ... فحرى أَن يكون ذَاك وَكَانَا)

الْقسم الثَّانِي مَا الْغَالِب اقترانه بهَا وَهُوَ عَسى وأوشك مِثَال ذكر أَن قَول الله تَعَالَى ﴿عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ﴾ وَقَول الشَّاعِر (وَلَو سُئِلَ النَّاس التُّرَاب لأوشكوا ... اذا قيل هاتوا أَن يملوا فيمنعوا)

وَمِثَال تَركهَا قَول الشَّاعِر (عَسى فرج يَأْتِي بِهِ الله إِنَّه ... لَهُ كل يَوْم فِي خليقته أَمر)

وَقَول الآخر (يُوشك من فر من منيته ... فِي بعض غراته يُوَافِقهَا)

الْقسم الثَّالِث يتَرَجَّح تجرد خَبره من أَن وَهُوَ فعلان كَاد وكرب مِثَال التجرد مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَقَول الشَّاعِر (كرب الْقلب من جواه يذوب ... حِين قَالَ الوشاة هِنْد غضوب)

وَمِثَال الاقتران بهَا قَول الشَّاعِر (كَادَت النَّفس أَن تفيض عَلَيْهِ ... مذثوى حَشْو ريطة وبرود)

وَقَوله (سَقَاهَا ذَوُو الأحلام سجلا على الظما ... وَقد كربت أعناقها أَن تقطعا)

تقطع فعل مضارع وَأَصله تتقطع فَحذف احدى التَّاءَيْنِ وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ فِي خبر كرب الا التجرد الْقسم الرَّابِع مَا يمْتَنع اقتران خَبره بِأَن وَهُوَ أَفعَال الشُّرُوع طفق وَجعل وَأخذ وعلق وَأَنْشَأَ وهب وهلهل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وطفقا يخصفان﴾ وَقَالَ الشَّاعِر

(وَقد جعلت إِذا مَا قُمْت يثقلني ... ثوبي فأنهض نَهَضَ الشَّارِب السكر) وَقَالَ الشَّاعِر (فَأخذت أسأَل والرسوم تُجِيبنِي ... وَفِي الِاعْتِبَار إِجَابَة وسؤال) وَقَالَ الآخر (أَرَاك علقت تظلم من أجرنا ... )

وَقَالَ 135 - (أنشأت أعرب عَمَّا كَانَ مكنونا ... )

وَقَالَ (هببت ألوم الْقلب فِي طَاعَة الْهوى ... ) وَقَالَ (وطئنا ديار الْمُعْتَدِينَ فهلهلت ... نُفُوسهم قبل الإماتة تزهق) النَّوْع الثَّانِي عشر خبر مَا حمل على لَيْسَ وَهُوَ أَرْبَعَة أَحدهَا لات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَنَادوا ولات حِين مناص﴾ وَالثَّانِي مَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَالثَّالِث لَا كَقَوْل الشَّاعِر (تعز فَلَا شَيْء على الأَرْض بَاقِيا ... وَلَا وزر مِمَّا قضى الله واقيا)

وَالرَّابِع إِن النافية كَقَوْل الشَّاعِر (إِن هُوَ مستوليا على أحد ... إِلَّا على أَضْعَف المجانين) وَقد تقدم شرح شروطهن مُسْتَوفى فِي بَاب المرفوعات النَّوْع الثَّالِث عشر اسْم إِن وَأَخَوَاتهَا نَحْو إِن زيدا فَاضل وَلَعَلَّ عمرا قادم وليت بكرا حَاضر ثمَّ قلت وَإِن قرنت بِمَا المزيدة ألغيت وجوبا إِلَّا لَيْت فجوازا

وَأَقُول مِثَال ذَلِك ﴿إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد﴾ ﴿كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت﴾ وَقَول الشَّاعِر (أعد نظرا يَا عبد قيس لعلما ... أَضَاءَت لَك النَّار الْحمار المقيدا) وَجه الاستشهاد بهما أَنه لَوْلَا الغاؤهما لم يَصح دخولهما على الْجُمْلَة الفعلية ولكان دخولهما على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَاجِبا واحترزت بالمزيدة من الموصولة نَحْو ﴿أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال وبنين﴾ أَي أَن الَّذِي بِدَلِيل عود الضَّمِير من ﴿بِهِ﴾ اليها وَمن المصدرية نَحْو أعجبني أَنما قُمْت أَي قيامك وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر﴾ يحتملهما أَي

ان الَّذِي صنعوه أَو ان صنعهم وعَلى التَّأْويلَيْنِ جَمِيعًا فَإِن عاملة وَاسْمهَا فِي الْوَجْه الأول مَا دون صلتها وَفِي الْوَجْه الثَّانِي الِاسْم المنسبك من مَا وصلتها وَقَالَ النَّابِغَة (قَالَت أَلا ليتما هَذَا الْحمام لنا ... الى حمامتنا أَو نصفه فقد)

يرْوى بِنصب الْحمام وَرَفعه على الإعمال والإهمال وَذَلِكَ خَاص بليت أما الإهمال فلأنهم أَبقوا لَهَا الِاخْتِصَاص بِالْجُمْلَةِ الاسمية فَقَالُوا ليتما زيد قَائِم وَلم يَقُولُوا ليتما قَامَ زيد وَأما الإعمال فللحمل على أخواتها ثمَّ قلت ويخفف ذُو النُّون مِنْهَا فتلغى لَكِن وجوبا وَكَأن قَلِيلا وَإِن غَالِبا ويغلب مَعهَا مُهْملَة اللَّام وَكَون الْفِعْل التَّالِي لَهَا نَاسِخا وَيجب استتار اسْم إِن وَكَون خَبَرهَا جملَة وَكَون الْفِعْل بعْدهَا دعائيا أَو جَامِدا أَو مَفْصُولًا بتنفيس أَو شَرط أَو قد أولو ويغلب لكأن مَا وَجب لِأَن إِلَّا أَن الْفِعْل بعْدهَا دَائِما خبري مفصول بقد أَو لم خَاصَّة وَاسم لَا النافية للْجِنْس وَإِنَّمَا يظْهر نَصبه ان كَانَ مُضَافا أَو شبهه نَحْو لَا غُلَام سفر عندنَا وَلَا طالعا جبلا حَاضر وَأَقُول يجوز فِي إِن وَلَكِن وَكَأن أَن تخفف استثقالا للتضعيف فِيمَا كثر اسْتِعْمَاله وتخفيفها بِحَذْف نونها المحركة لِأَنَّهَا آخر ثمَّ ان كَانَ الْحَرْف المخفف إِن الْمَكْسُورَة جَازَ الإهمال والإعمال

وَالْأَكْثَر الإهمال نَحْو ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ فِيمَن خفف مِيم ﴿لما﴾ وَأما من شددها فَإِن نَافِيَة وَلما بِمَعْنى إِلَّا وَمن إِعْمَال المخفف قِرَاءَة بعض السَّبْعَة ﴿وَإِن كلا لما ليوفينهم﴾ وان كَانَ المخفف أَن الْمَفْتُوحَة وَجب بَقَاء عَملهَا وَوَجَب حذف اسْمهَا وَوَجَب كَون خَبَرهَا جملَة ثمَّ ان كَانَت اسمية فَلَا اشكال نَحْو ﴿أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وان كَانَت فعلية وَجب كَونهَا دعائية

سَوَاء كَانَ دُعَاء بِخَير نَحْو ﴿أَن بورك من فِي النَّار﴾ أَو بشر نَحْو ﴿وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا﴾ فِيمَن قَرَأَ من السبعه بِكَسْر الضَّاد وَفتح الْبَاء وَرفع اسْم الله أَو كَون الْفِعْل جَامِدا نَحْو ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ ﴿وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾ أَو مَفْصُولًا بِوَاحِد من أُمُور احدها النَّافِي وَلم يسمع إِلَّا فِي لن وَلم وَلَا نَحْو ﴿أيحسب أَن لن يقدر عَلَيْهِ أحد﴾ ﴿أيحسب أَن لم يره أحد﴾ ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ فِيمَن قَرَأَ بِرَفْع ﴿تكون﴾ وَالثَّانِي الشَّرْط نَحْو ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا﴾

) الْآيَة وَالثَّالِث قد نَحْو ﴿ونعلم أَن قد صدقتنا﴾ وَالرَّابِع لَو نَحْو ﴿أَن لَو نشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ وَالْخَامِس حرف التَّنْفِيس وَهُوَ السِّين نَحْو ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ وسوف كَقَوْلِه (وَاعْلَم فَعلم الْمَرْء يَنْفَعهُ ... أَن سَوف يَأْتِي كل مَا قدرا)

وان كَانَ الْحَرْف كَأَن فيغلب لَهَا مَا وَجب لِأَن لَكِن يجوز ثُبُوت اسْمهَا وافراد خَبَرهَا وَقد روى قَوْله (وَيَوْما توافينا بِوَجْه مقسم ... كَأَن ظَبْيَة تعطو الى وارق السّلم)

بِنصب الظبية على انه اسْم كَأَن وَالْجُمْلَة بعْدهَا صفة لَهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف وَالتَّقْدِير كَأَن ظَبْيَة عاطية هَذِه الْمَرْأَة على التَّشْبِيه المعكوس وَهُوَ أبلغ وبرفع الظبية على أَنَّهَا الْخَبَر وَالْجُمْلَة بعْدهَا صفة وَالِاسْم مَحْذُوف وَالتَّقْدِير كَأَنَّهَا ظَبْيَة وبجر الظبية على زِيَادَة أَن بَين الْكَاف ومجرورها وَالتَّقْدِير كظبية واذا حذف اسْمهَا وَكَانَ خَبَرهَا جملَة اسمية لم تحتج لفاصل نَحْو قَوْله

(وَوجه مشرق اللَّوْن ... كَأَن ثدياه حقان) أَو فعلية فصلت بقد نَحْو (لَا يهولنك اصطلاء لظى الْحَرْب ... فمحذورها كَأَن قد ألما)

أَو لم نَحْو ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ وان كَانَ الْحَرْف لَكِن وَجب الغاؤها نَحْو ﴿وَلَكِن الله قَتلهمْ﴾ فِيمَن قَرَأَ بتَخْفِيف النُّون وَعَن يُونُس والأحفش اجازة اعمالها وَلَيْسَ بمسموع وَلَا يَقْتَضِيهِ الْقيَاس لزوَال اختصاصها بالجمل الاسمية نَحْو ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾

النَّوْع الرَّابِع عشر اسْم لَا النافية للْجِنْس وَهُوَ ضَرْبَان مُعرب ومبني فالمعرب مَا كَانَ مُضَافا نَحْو لَا غُلَام سفر عندنَا أَو شَبِيها بالمضاف وَهُوَ مَا اتَّصل بِهِ شَيْء من تَمَامه اما مَرْفُوع بِهِ نَحْو لَا حسنا وَجهه مَذْمُوم أَو مَنْصُوب بِهِ نَحْو لَا مفيضا خَيره مَكْرُوه وَلَا طالعا جبلا حَاضر أَو مخفوض بخافض مُتَعَلق بِهِ نَحْو لَا خيرا من زيد عندنَا والمبني مَا عدا ذَلِك وَحكمه أَن يبْنى على مَا ينصب بِهِ لَو كَانَ معربا وَقد تقدم ذَلِك مشروحا فِي بَاب الْبناء ثمَّ قلت والمضارع بعد ناصب وَهُوَ لن أَو كي المصدرية مُطلقًا واذن ان صدرت وَكَانَ الْفِعْل مُسْتَقْبلا مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا بالقسم أَو بِلَا أَو بعد أَن المصدرية نَحْو ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي خطيئتي﴾ إِن لم تسبق بِعلم نَحْو ﴿علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى﴾ فَإِن سبقت بِظَنّ فَوَجْهَانِ نَحْو ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ وَأَقُول هَذَا النَّوْع المكمل للمنصوبات الْخَمْسَة عشر وَهُوَ الْفِعْل الْمُضَارع التَّالِي ناصبا والنواصب أَرْبَعَة لن وكي واذن وَأَن فَأَما لن فَإِنَّهَا حرف بِالْإِجْمَاع وَهِي بسيطة خلافًا للخليل فِي زَعمه

أَنَّهَا مركبة من لَا النافية وَأَن الناصبة وَلَيْسَت نونها مبدلة من ألف خلافًا للفراء فِي زَعمه أَن أَصْلهَا لَا وَهِي دَالَّة على نفي الْمُسْتَقْبل وعاملة النصب دَائِما بِخِلَاف غَيرهَا من الثَّلَاثَة فَلهَذَا قدمتها عَلَيْهَا فِي الذّكر قَالَ الله عز وَجل ﴿لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين﴾ ﴿فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض﴾ ﴿أيحسب أَن لن يقدر عَلَيْهِ أحد﴾ ﴿أيحسب الْإِنْسَان ألن نجمع عِظَامه﴾ وَأَن فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ مُخَفّفَة من الثقلية وَأَصلهَا أَنه وَلَيْسَت الناصبة لِأَن الناصب لَا يدْخل على الناصب وَأما كي فشرطها أَن تكون مَصْدَرِيَّة لَا تعليلية وَيتَعَيَّن ذَلِك فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج﴾ فَاللَّام جَارة دَالَّة على التَّعْلِيل وكي مَصْدَرِيَّة بِمَنْزِلَة أَن لَا تعليلية لِأَن الْجَار لَا يدْخل على الْجَار وَيمْتَنع أَن تكون مَصْدَرِيَّة فِي نَحْو جئْتُك كي أَن تكرمني

اذ لَا يدْخل الْحَرْف المصدري على مثله وَمثل هَذَا الِاسْتِعْمَال انما يجوز للشاعر كَقَوْلِه (فَقَالَت أكل النَّاس أَصبَحت مانحا ... لسَانك كَيْمَا أَن تغر وتخدعا) وَلَا يجوز فِي النثر خلافًا للكوفيين وَتقول جِئْت كي تكرمني فتحتمل كي أَن تكون

فصول الكتاب · 5 فصل · 602 صفحة
جارٍ التحميل