شرح شذور الذهب لابن هشامصفحات 293-333
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النكرَة والمعرفة

صفحات 293-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
جمال الدين ابن هشام
الكتاب
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
المؤلف
عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
المحقق
عبد الغني الدقر
الناشر
الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَحدهَا التوكيد كَقَوْلِك ضربت ضربا وَقَول الله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ ﴿ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ ﴿صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ الثَّانِي بَيَان النَّوْع كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾ وكقولك جَلَست جُلُوس القَاضِي وَجَلَست جُلُوسًا حسنا وَرجع الْقَهْقَرَى الثَّالِث بَيَان الْعدَد كَقَوْلِك ضربت ضربتين أَو ضربات وَقَول الله تَعَالَى ﴿فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ وَقَوْلِي الفضلة احْتِرَاز من نَحْو قَوْلك رُكُوع زيد رُكُوع حسن أَو طَوِيل فَإِنَّهُ يُفِيد بَيَان النَّوْع وَلكنه لَيْسَ بفضلة وَقَوْلِي الْمُؤَكّد لعامله مخرج لنَحْو قَوْلك كرهت الْفُجُور الْفُجُور

فان الثَّانِي مصدر فضلَة مُفِيد للتوكيد وَلَكِن الْمُؤَكّد لَيْسَ الْعَامِل فِي الْمُؤَكّد

ثمَّ قلت الثَّالِث الْمَفْعُول لَهُ وَهُوَ الْمصدر الفضلة الْمُعَلل لحَدث شَاركهُ فِي الزَّمَان وَالْفَاعِل ك قُمْت اجلالا لَك وَيجوز فِيهِ أَن يجر بِحرف التَّعْلِيل وَيجب فِي مُعَلل فقد شرطا أَن يجر بِاللَّامِ أَو نائبها وَأَقُول الثَّالِث من المنصوبات الْمَفْعُول لَهُ وَيُسمى الْمَفْعُول لأَجله وَالْمَفْعُول من أَجله وَهُوَ مَا اجْتمع فِيهِ أَرْبَعَة أُمُور أَحدهَا أَن يكون مصدرا وَالثَّانِي أَن يكون مَذْكُورا للتَّعْلِيل وَالثَّالِث أَن يكون الْمُعَلل بِهِ حَدثا مشاركا لَهُ فِي الزَّمَان وَالرَّابِع أَن يكون مشاركا لَهُ فِي الْفَاعِل مِثَال ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت﴾ فالحذر مصدر مستوف لما ذكرنَا فَلذَلِك انتصب على الْمَفْعُول لَهُ وَالْمعْنَى لأجل حذر الْمَوْت وَمَتى دلّت الْكَلِمَة على التَّعْلِيل وفقد مِنْهَا شَرط من الشُّرُوط الْبَاقِيَة

فَلَيْسَتْ مَفْعُولا لَهُ وَيجب حِينَئِذٍ أَن تجر بِحرف التَّعْلِيل فمثال مَا فقد المصدرية قَوْلك جئْتُك للْمَاء وللعشب وَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَقَول امْرِئ الْقَيْس (وَلَو أَن مَا أسعى لأدنى معيشة ... كفاني وَلم أطلب قَلِيل من المَال)

وَمِثَال مَا فقد الِاتِّحَاد فِي الزَّمَان قَوْلك جئْتُك الْيَوْم للسَّفر غَدا وَقَول امْرِئ الْقَيْس أَيْضا (فَجئْت وَقد نضت لنوم ثِيَابهَا ... لَدَى السّتْر إِلَّا لبسة المتفضل)

فَإِن زمن النّوم مُتَأَخّر عَن زمن خلع الثَّوْب وَمِثَال مَا فقد الِاتِّحَاد فِي الْفَاعِل قَوْلك قُمْت لأمرك اياي وَقَول الشَّاعِر 110 - (وَإِنِّي لتعروني لذكراك هزة ... كَمَا انتفض العصفور بلله الْقطر)

فَإِن فَاعل تعروني هُوَ الهزة وفاعل الذكرى هُوَ الْمُتَكَلّم لِأَن التَّقْدِير لذكرى اياك ثمَّ قلت الرَّابِع الْمَفْعُول فِيهِ وَهُوَ مَا ذكر فضلَة لأجل أَمر وَقع فِيهِ من زمَان مُطلقًا أَو مَكَان مُبْهَم أَو مُفِيد مِقْدَارًا أَو مادته مَادَّة

عَامله ك صمت يَوْمًا أَو يَوْم الْخَمِيس وَجَلَست أمامك وسرت فرسخا وَجَلَست مجلسك والمكاني غَيْرهنَّ يجر بفي ك صليت فِي الْمَسْجِد وَنَحْو قَالَا خَيْمَتي أم معبد وَقَوْلهمْ دخلت الدَّار على التَّوَسُّع وَأَقُول الرَّابِع من المنصوبات الْخَمْسَة عشر الْمَفْعُول فِيهِ وَيُسمى الظّرْف وَهُوَ عبارَة عَمَّا ذكرت وَالْحَاصِل أَن الِاسْم قد لَا يكون ذكر لأجل أَمر وَقع فِيهِ وَلَا هُوَ زمَان وَلَا مَكَان وَذَلِكَ كزيدا فِي ضربت زيدا وَقد يكون إِنَّمَا ذكر لأجل أَمر وَقع فِيهِ وَلكنه لَيْسَ بِزَمَان وَلَا مَكَان نَحْو رغب المتقون أَن يَفْعَلُوا خيرا فَإِن الْمَعْنى فِي أَن يَفْعَلُوا وَعَلِيهِ فِي أحد التفسيرين قَوْله تَعَالَى ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ وَقد يكون الْعَكْس نَحْو ﴿إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا﴾ وَنَحْو ﴿لينذر يَوْم التلاق﴾ ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الآزفة﴾ وَنَحْو ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ فَهَذِهِ

الْأَنْوَاع لَا تسمى ظرفا فِي الِاصْطِلَاح بل كل مِنْهَا مفعول بِهِ وَقع الْفِعْل عَلَيْهِ لَا فِيهِ يظْهر ذَلِك بِأَدْنَى تَأمل للمعنى وَقد يكون مَذْكُورا لأجل أَمر وَقع فِيهِ وَهُوَ زمَان أَو مَكَان فَهُوَ حِينَئِذٍ مَنْصُوب على معنى فِي وَهَذَا النَّوْع خَاصَّة هُوَ الْمُسَمّى فِي الِاصْطِلَاح ظرفا وَذَلِكَ كَقَوْلِك صمت يَوْمًا أَو يَوْم الْخَمِيس وَجَلَست أمامك وأشرت بالتمثيل بيوما وَيَوْم الْخَمِيس الى أَن ظرف الزَّمَان يجوز أَن يكون مُبْهما وَأَن يكون مُخْتَصًّا وَفِي التَّنْزِيل ﴿سِيرُوا فِيهَا ليَالِي وأياما﴾ ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ ﴿وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا﴾ وَأما ظرف الْمَكَان فعلى ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا أَن يكون مُبْهما ونعني بِهِ مَا لَا يخْتَص بمَكَان بِعَيْنِه وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَسمَاء الْجِهَات السِّت وَهِي فَوق وَتَحْت وَيَمِين وشمال وأمام وَخلف قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ ﴿فناداها من تحتهَا﴾ فِي قِرَاءَة من فتح ﴿من﴾ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك﴾

وقريء / وَكَانَ أمامهم ملك / ﴿وَترى الشَّمْس إِذا طلعت تزاور عَن كهفهم ذَات الْيَمين وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال﴾ وَقَالَ الشَّاعِر (صددت الكأس عَنَّا أم عَمْرو ... وَكَانَ الكأس مجْراهَا اليمينا)

يجوز كَون مجْراهَا مُبْتَدأ وَالْيَمِين ظرف مخبر بِهِ أَي مجْراهَا فِي الْيَمين وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَيجوز كَون مجْراهَا بَدَلا من الكأس بدل اشْتِمَال فاليمين أَيْضا ظرف لِأَن الْمُعْتَمد فِي الْإِخْبَار عَنهُ انما هُوَ الْبَدَل لَا الِاسْم وَيجوز فِي وَجه ضَعِيف تَقْدِير الْيَمين خبر كَانَ لَا ظرفا وَذَلِكَ على اعْتِبَار الْمُبدل مِنْهُ دون الْبَدَل وَقَالَ الآخر (لقد علم الضَّيْف والمرملون ... اذا اغبر أفق وهبت شمالا)

النَّوْع الثَّانِي مَا لَيْسَ اسْم جِهَة وَلَكِن يُشبههُ فِي الْإِبْهَام كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو اطرحوه أَرضًا﴾ ﴿وَإِذا ألقوا مِنْهَا مَكَانا ضيقا﴾ وَالْقسم الثَّانِي أَن يكون دَالا على مساحة مَعْلُومَة من الأَرْض ك سرت فرسخا وميلا وبريدا وَأَكْثَرهم يَجْعَل هَذَا من الْمُبْهم وَحَقِيقَة القَوْل فِيهِ أَن فِيهِ ابهاما واختصاصا أما الْإِبْهَام فَمن جِهَة انه لَا يخْتَص ببقعة بِعَينهَا وَأما الِاخْتِصَاص فَمن جِهَة دلَالَته على كمية مُعينَة فعلى هَذَا يَصح فِيهِ الْقَوْلَانِ وَالْقسم الثَّالِث اسْم الْمَكَان الْمُشْتَقّ من الْمصدر وَلَكِن شَرط هَذَا ان يكون عَامله من مادته ك جَلَست مجْلِس زيد وَذَهَبت مَذْهَب عَمْرو ﴿وَأَنا كُنَّا نقعد مِنْهَا مقاعد للسمع﴾ وَلَا يجوز جَلَست مَذْهَب عَمْرو وَنَحْوه

وَمَا عدا هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة من أَسمَاء الْمَكَان لَا يجوز انتصابه على الظّرْف فَلَا تَقول صليت الْمَسْجِد وَلَا قُمْت السُّوق وَلَا جَلَست الطَّرِيق لِأَن هَذِه الْأَمْكِنَة خَاصَّة أَلا ترى أَنه لَيْسَ كل مَكَان يُسمى مَسْجِدا وَلَا سوقا وَلَا طَرِيقا وَإِنَّمَا حكمك فِي هَذِه الْأَمَاكِن وَنَحْوهَا أَن تصرح بِحرف الظَّرْفِيَّة وَهُوَ فِي وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ رجل من الْجِنّ سمعُوا بِمَكَّة صَوته وَلم يرَوا شخصه يذكر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر رَضِي الله عَنهُ حِين هَاجر (جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد) (هما نزلا بِالْبرِّ ثمَّ ترحلا ... فأفلح من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد) (فيا لقصي مَا روى الله عَنْكُم ... بِهِ من فعال لَا تجازى وسؤدد)

وَكَانَ حَقه أَن يَقُول قَالَا فِي خَيْمَتي أم معبد أَي قيلا فِيهَا ويروى حلا بدل قَالَا وَالتَّقْدِير أَيْضا حلا فِي خَيْمَتي وَلكنه اضْطر فأسقط فِي وأوصل الْفِعْل بِنَفسِهِ وَكَذَا عمِلُوا فِي قَوْلهم دخلت الدَّار وَالْمَسْجِد وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أَن التَّوَسُّع مَعَ دخلت مطرد لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه

ثمَّ قلت الْخَامِس الْمَفْعُول مَعَه وَهُوَ الِاسْم الفضلة التَّالِي وَاو المصاحبة مسبوقة بِفعل أَو مَا فِيهِ مَعْنَاهُ وحروفه ك سرت والنيل وَأَنا سَائِر والنيل وَأَقُول الْخَامِس من المنصوبات الْمَفْعُول مَعَه وانما جعل آخرهَا فِي الذّكر لأمرين أَحدهمَا أَنهم اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ قياسي أَو سَمَاعي وَغَيره من المفاعيل لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنه قياسي وَالثَّانِي أَن الْعَامِل انما يصل إِلَيْهِ بِوَاسِطَة حرف ملفوظ بِهِ وَهُوَ الْوَاو بِخِلَاف سَائِر المفعولات وَهُوَ عبارَة عَمَّا اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن يكون اسْما وَالثَّانِي أَن يكون وَاقعا بعد الْوَاو الدَّالَّة على المصاحبة وَالثَّالِث أَن تكون تِلْكَ الْوَاو مسبوقة بِفعل أَو مَا فِيهِ معنى الْفِعْل وحروفه وَذَلِكَ كَقَوْلِك سرت والنيل واستوى المَاء والخشبة وَجَاء الْبرد والطيالسة وكقول الله تَعَالَى ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ أَي

فَأَجْمعُوا أَمركُم مَعَ شركائكم ف ﴿شركاءكم﴾ مفعول مَعَه لاستيفائه الشُّرُوط الثَّلَاثَة وَلَا يجوز على ظَاهر اللَّفْظ أَن يكون مَعْطُوفًا على ﴿أَمركُم﴾ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شريك لَهُ فِي مَعْنَاهُ فَيكون التَّقْدِير أَجمعُوا أَمركُم وَأَجْمعُوا شركاءكم وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن أجمع انما يتَعَلَّق بالمعاني دون الذوات تَقول أَجمعت رَأْيِي وَلَا تَقول أَجمعت شركائي وانما قلت على ظَاهر اللَّفْظ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على حذف مُضَاف أَي وَأمر شركائكم وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لفعل ثلاثي مَحْذُوف أَي واجمعوا شركاءكم بوصل الْألف وَمن قَرَأَ ﴿فَأَجْمعُوا﴾ وصل الْألف صَحَّ الْعَطف على قِرَاءَته من غير اضمار لِأَنَّهُ من جمع وَهُوَ مُشْتَرك بَين الْمعَانِي والذوات تَقول جمعت أَمْرِي وجمعت شركائي قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَجمع كَيده ثمَّ أَتَى﴾ ﴿الَّذِي جمع مَالا وعدده﴾ وَيجوز هَذِه الْقِرَاءَة أَن يكون مَفْعُولا مَعَه وَلَكِن اذا أمكن الْعَطف فَهُوَ أولى لِأَنَّهُ الأَصْل وَلَيْسَ من الْمَفْعُول مَعَه قَول أبي الْأسود الدؤَلِي

(يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره ... هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم) (ابدأ بِنَفْسِك فانهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم) (فهناك يسمع مَا تَقول ويشتفى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم) (لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك اذا فعلت عَظِيم)

الشَّاهِد فِي قَوْله وَتَأْتِي مثله فَإِنَّهُ لَيْسَ مَفْعُولا مَعَه وان كَانَ بعد وَاو بِمَعْنى مَعَ أَي لَا تنه عَن خلق مَعَ اتيانك مثله لِأَنَّهُ لَيْسَ باسم وَلَا نَحْو قَوْلك بِعْتُك الدَّار بأثاثها وَالْعَبْد بثيابه وَقَول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَقد دخلُوا بالْكفْر وهم قد خَرجُوا بِهِ﴾ وقولك جَاءَ زيد مَعَ عَمْرو فَإِن هَذِه الْأَسْمَاء وَإِن كَانَت مصاحبة لما قبلهَا لَكِنَّهَا لَيست بعد الْوَاو وَلَا نَحْو قَوْلك مزجت عسلا وَمَاء وَقَول الشَّاعِر

(علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا ... حَتَّى غَدَتْ همالة عَيناهَا)

وَقَول الآخر 116 - (اذ مَا الغانيات برزن يَوْمًا ... وزججن الحواجب والعيونا)

لِأَن الْوَاو لَيست بِمَعْنى مَعَ فِيهِنَّ وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمِثَال الأول لعطف مُفْرد على مُفْرد واستفيدت الْمَعِيَّة من الْعَامِل وَهُوَ مزجت وَفِي المثالين الْأَخيرينِ لعطف جملَة على جملَة وَالتَّقْدِير وسيقيتها مَاء وكحلن العيونا فَحذف الْفِعْل وَالْفَاعِل وَبَقِي الْمَفْعُول وَلَا جَائِز أَن يكون الْوَاو فيهمَا لعطف مُفْرد لعدم تشارك مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا فِي الْعَامِل لِأَن علفت لَا يَصح تسليطه على المَاء وزججن لَا يَصح تسليطه على الْعُيُون وَلَا تكون للمصاحبة لانتفائها فِي قَوْله علفتها تبنا وَمَاء وَلعدم فائدتها فِي وزججن الحواجب والعيونا اذ من الْمَعْلُوم لكل أحد أَن الْعُيُون مصاحبة للحواجب وَلَا نَحْو كل رجل وضيعته لِأَنَّهُ وان كَانَ اسْما وَاقعا بعد الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى مَعَ لَكِنَّهَا غير مسبوقة بِفعل وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَلَا نَحْو هَذَا لَك وأباك وَنَحْوه على أَن يكون أَبَاك مَفْعُولا مَعَه مَنْصُوبًا بِمَا فِي هَا من معنى أنتبه أَو بِمَا فِي ذَا من معنى أُشير أَو بِمَا فِي لَك من معنى اسْتَقر لِأَن كلا من هَا وَذَا وَلَك فِيهِ معنى الْفِعْل دون حُرُوفه بِخِلَاف سرت والنيل وَأَنا سَائِر والنيل فَإِن الْعَامِل فِي الأول الْفِعْل وَفِي الثَّانِي الِاسْم الَّذِي

فِيهِ معنى الْفِعْل وحروفه قَالَ سِيبَوَيْهٍ رَحمَه الله وَأما نَحْو هَذَا لَك وأباك فقبيح لِأَنَّك لم تذكر فعلا وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَقَالُوا مُرَاده بالقبيح الْمُمْتَنع ثمَّ قلت السَّادِس الْمُشبه بالمفعول بِهِ نَحْو زيد حسن وَجهه وَسَيَأْتِي وَأَقُول السَّادِس من المنصوبات الْمُشبه بالمفعول بِهِ وَهُوَ الْمَنْصُوب بِالصّفةِ المشبهة باسم الْفَاعِل المتعدى الى وَاحِد وَذَلِكَ فِي نَحْو قَوْلك زيد حسن وَجهه بِنصب الْوَجْه وَالْأَصْل زيد حسن وَجهه بِالرَّفْع فزيد مُبْتَدأ وَحسن خبر وَوَجهه فَاعل بِحسن لِأَن الصّفة تعْمل عمل الْفِعْل وَأَنت لَو صرحت بِالْفِعْلِ فَقلت حسن بِضَم السِّين وَفتح النُّون لوَجَبَ رفع الْوَجْه بالفاعلية فَكَذَلِك حق الصّفة أَن يجب مَعهَا الرّفْع وَلَكنهُمْ قصدُوا الْمُبَالغَة مَعَ الصّفة فحولوا الْإِسْنَاد عَن الْوَجْه الى ضمير مستتر فِي الصّفة رَاجع الى زيد ليقتضي ذَلِك أَن الْحسن قد عَمه بجملته فَقيل زيد حسن أَي هُوَ ثمَّ نصب وَجهه وَلَيْسَ ذَلِك على المفعولية لِأَن الصّفة انما تتعدى فعلهَا وَحسن الَّذِي هُوَ الْفِعْل لَا يتَعَدَّى فَكَذَلِك صفته الَّتِي هِيَ فَرعه وَلَا على التَّمْيِيز لِأَنَّهُ معرفَة بِالْإِضَافَة الى الضَّمِير وَمذهب الْبَصرِيين وَهُوَ الْحق أَن التَّمْيِيز لَا يكون معرفَة واذا

بَطل هَذَانِ الْوَجْهَانِ تعين مَا قُلْنَا من أَنه مشبه بالمفعول بِهِ وَذَلِكَ أَنه شبه حسن بضارب فِي أَن كلا مِنْهُمَا صفة تثنى وَتجمع وتذكر وتؤنث وَهِي طالبة لما بعْدهَا بعد استيفائها فاعلها فنصب الْوَجْه على التَّشْبِيه بِعَمْرو فِي قَوْلك زيد ضَارب عمرا فَحسن مشبه بضارب وَوَجهه مشبه بعمرا وَسَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا الْبَاب بأبسط من هَذَا ان شَاءَ الله فِي مَوْضِعه ثمَّ قلت السَّابِع الْحَال وَهُوَ وصف فضلَة مسوق لبَيَان هَيْئَة صَاحبه أَو تأكيده أَو تَأْكِيد عَامله أَو مَضْمُون الْجُمْلَة قبله نَحْو ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ وَأَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبي وَيَأْتِي من الْفَاعِل وَمن الْمَفْعُول ومنهما مُطلقًا وَمن الْمُضَاف اليه ان كَانَ الْمُضَاف بعضه نَحْو ﴿لحم أَخِيه مَيتا﴾ أَو كبعضه نَحْو ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ أَو عَاملا فِيهَا نَحْو ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا﴾ وحقها أَن تكون نكرَة منتقلة مُشْتَقَّة وَأَن يكون صَاحبهَا معرفَة أَو خَاصّا أَو عَاما أَو مُؤَخرا وَقد يتخلفن وَأَقُول السَّابِع من المنصوبات الْحَال وَهُوَ يذكر وَيُؤَنث

وَهُوَ الْأَفْصَح يُقَال حَال حسن وَحَال حَسَنَة وَقد يؤنث لَفظهَا فَيُقَال حَالَة قَالَ الشَّاعِر (على حَالَة لَو أَن فِي الْقَوْم حاتما ... على جوده لضن بِالْمَاءِ حَاتِم)

وَحده فِي الِاصْطِلَاح مَا ذكرت فَقولِي وصف جنس يدْخل تَحْتَهُ الْحَال وَالْخَبَر وَالصّفة وَقَوْلِي فضلَة فصل مخرج للْخَبَر نَحْو زيد قَائِم وَقَوْلِي مسوق لبَيَان هَيْئَة مَا هُوَ لَهُ مخرج لأمرين أَحدهمَا نعت الفضلة من نَحْو رَأَيْت رجلا طَويلا ومررت بِرَجُل طَوِيل فَإِنَّهُ وان كَانَ وَصفا فضلَة لكنه لم يسق لبَيَان الْهَيْئَة وَلكنه سيق لبَيَان جنس المتعجب مِنْهُ وَجَاء بَيَان الْهَيْئَة ضمنا وَقَوْلِي أَو تأكيده الى آخِره تممت بِهِ ذكر أَنْوَاع الْحَال وَالْحَاصِل أَن الْحَال أَرْبَعَة أَقسَام مبينَة للهيئة وَهِي الَّتِي لَا يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا بِدُونِ ذكرهَا ومؤكدة لعاملها وَهِي الَّتِي لَو لم تذكر لأفاد عاملها مَعْنَاهَا ومؤكدة لصَاحِبهَا وَهِي الَّتِي يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا من صَرِيح لفظ صَاحبهَا ومؤكدة لمضمون الْجُمْلَة وَهِي الْآتِيَة بعد جملَة معقودة من اسْمَيْنِ معرفتين جامدين وَهِي دَالَّة على وصف ثَابت مُسْتَفَاد من تِلْكَ الْجُمْلَة فالمبينة للهيئة كَقَوْلِك جَاءَ زيد رَاكِبًا وَأَقْبل عبد الله فَرحا

وَقَول الله تَعَالَى ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ والمؤكدة لصَاحِبهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وقولك جَاءَ النَّاس قاطبة أَو كَافَّة أَو طرا وَهَذَا الْقسم أغفل التَّنْبِيه عَلَيْهِ جَمِيع النَّحْوِيين وَمثل ابْن مَالك بِالْآيَةِ للْحَال الْمُؤَكّدَة لعاملها وَهُوَ سَهْو والمؤكدة لعاملها كَقَوْلِك جَاءَ زيد آتِيَا وعاث عَمْرو مُفْسِدا وَقَول الله تَعَالَى ﴿وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين غير بعيد﴾ وَذَلِكَ لِأَن الإزلاف هُوَ التَّقْرِيب فَكل مزلف قريب وكل قريب غير بعيد وَقَوله تَعَالَى ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ ﴿ولى مُدبرا﴾ ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ فَإِنَّهُ يُقَال عثي بِالْكَسْرِ يعثي بِالْفَتْح اذا أفسد والمؤكدة لمضمون الْجُمْلَة كَقَوْلِك زيد أَبوك عطوفا وَقَول الشَّاعِر 320 - 11 ﴿أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسى ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار) وأشرت بِقَوْلِي قبله الى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال عطوفا زيد أَبوك وَلَا زيد عطوفا أَبوك ثمَّ بيّنت أَن الْحَال تَارَة يَأْتِي من الْفَاعِل وَذَلِكَ كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى {فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ فَإِن خَائفًا حَال من الضَّمِير

(أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسى ... وَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار) وأشرت بِقَوْلِي قبله الى أَنه لَا يجوز أَن يُقَال عطوفا زيد أَبوك وَلَا زيد عطوفا أَبوك ثمَّ بيّنت أَن الْحَال تَارَة يَأْتِي من الْفَاعِل وَذَلِكَ كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا﴾ فَإِن ﴿خَائفًا﴾ حَال من الضَّمِير

الْمُسْتَتر فِي خرج الْعَائِد على مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَتارَة يَأْتِي من الْمَفْعُول كَمَا كنت مثلت بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ فَإِن ﴿رَسُولا﴾ حَال من الْكَاف الَّتِي هِيَ مفعول أرسلنَا وَأَنه لَا يتَوَقَّف مَجِيء الْحَال من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول على شَرط والى أَنَّهَا تَجِيء من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَأَن ذَلِك يتَوَقَّف على وَاحِد من ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن يكون الْمُضَاف بَعْضًا من الْمُضَاف اليه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا﴾ فميتا حَال من الْأَخ وَهُوَ مخفوض بِإِضَافَة اللَّحْم إِلَيْهِ والمضاف بعضه وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا﴾ وَالثَّانِي ان يكون الْمُضَاف كبعض من الْمُضَاف إِلَيْهِ فِي صِحَة حذفه والاستغناء عَنهُ بالمضاف إِلَيْهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ ف ﴿حَنِيفا﴾ حَال من ابراهيم وَهُوَ مخفوض بِإِضَافَة الْملَّة إِلَيْهِ وَلَيْسَت الْملَّة بعضه وَلكنهَا كبعضه فِي صِحَة الْإِسْقَاط والاستغناء بِهِ

عَنْهَا أَلا ترى أَنه لَو قيل اتبعُوا إِبْرَاهِيم حَنِيفا صَحَّ كَمَا أَنه لَو قيل أَيُحِبُّ أحدكُم أَن يَأْكُل أَخَاهُ مَيتا وَنَزَعْنَا مَا فيهم من غل اخوانا كَانَ صَحِيحا الثَّالِث أَن يكون الْمُضَاف عَاملا فِي الْحَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا﴾ ف ﴿جَمِيعًا﴾ حَال من الْكَاف وَالْمِيم المخفوضة بِإِضَافَة الْمرجع والمرجع هُوَ الْعَامِل فِي الْحَال وَصَحَّ لَهُ أَن أَن يعْمل لِأَن الْمَعْنى عَلَيْهِ مَعَ أَنه مصدر فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْفِعْل أَلا ترى أَنه لَو قيل اليه ترجعون جَمِيعًا كَانَ الْعَامِل الْفِعْل الَّذِي الْمصدر بِمَعْنَاهُ ثمَّ بيّنت أَن للْحَال أحكاما أَرْبَعَة وَأَن تِلْكَ الْأَرْبَعَة رُبمَا تخلفت فَالْأول الِانْتِقَال ونعني بِهِ أَن لَا يكون وَصفا ثَابتا لَازِما وَذَلِكَ كَقَوْلِك جَاءَ زيد ضَاحِكا أَلا ترى أَن الضحك يزايل زيدا وَلَا يلازمه هَذَا هُوَ الأَصْل وَرُبمَا جَاءَت دَالَّة على وصف ثَابت كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنزل إِلَيْكُم الْكتاب مفصلا﴾ أَي مُبينًا وَقَول الْعَرَب خلق الله الزرافة يَديهَا أطول من رِجْلَيْهَا فالزرافة بِفَتْح الزَّاي

مفعول لخلق ويديها بدل مِنْهَا بدل بعض من كل وأطول حَال من الزرافة وَمن رِجْلَيْهَا مُتَعَلق بأطول الثَّانِي الِاشْتِقَاق وَهُوَ أَن تكون وَصفا مأخوذا من مصدر كَمَا قدمْنَاهُ من الْأَمْثِلَة وَرُبمَا جَاءَت اسْما جَامِدا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فانفروا ثبات﴾ ف ﴿ثبات﴾ حَال من الْوَاو فِي ﴿انفروا﴾ وَهُوَ جامد لكنه فِي تَأْوِيل الْمُشْتَقّ أَي مُتَفَرّقين بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿أَو انفروا جَمِيعًا﴾ وَقد اشْتَمَلت هَذِه الْآيَة على مَجِيء الْحَال جامدة وعَلى مجيئها مُشْتَقَّة الثَّالِث أَن تكون نكرَة كجميع مَا قدمْنَاهُ من الْأَمْثِلَة وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بِالْألف وَاللَّام كَقَوْلِهِم ادخُلُوا الأول فَالْأول

وأرسلها العراك وجاؤوا الْجَمَّاء الْغَفِير أَي جَمِيعًا وأل فِي ذَلِك كُله زَائِدَة وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بِالْإِضَافَة كَقَوْلِهِم اجْتهد وَحدك أَي مُنْفَردا وجاؤوا قضهم بقضيضهم أَي جَمِيعًا

وَقد تَأتي بِلَفْظ الْمُعَرّف بالعلمية كَقَوْلِهِم جَاءَت الْخَيل بداد أَي متبددة فَإِن بداد فِي الأَصْل علم على جنس التبدد كَمَا أَن فجار علم للفجرة الرَّابِع أَن لَا يكون صَاحبهَا نكرَة مَحْضَة كَمَا تقدم من الْأَمْثِلَة وَقد تَأتي كَذَلِك كَمَا روى سِيبَوَيْهٍ من قَوْلهم عَلَيْهِ مائَة بيضًا وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ عنترة الْعَبْسِي (فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حلوبة ... سُودًا كخافية الْغُرَاب الأسحم)

فحلوبة لتميز الْعدَد وسودا اما حَال من الْعدَد أَو من حلوبة أَو صفة وعَلى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ فَفِيهِ حمل على الْمَعْنى لِأَن حلوبة بِمَعْنى حلائب فَلهَذَا صَحَّ أَن يحمل عَلَيْهَا سُودًا وَالْوَجْه الأول أحسن وَفِي الحَدِيث صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا وَصلى وَرَاءه رجال قيَاما فجالسا حَال من الْمعرفَة وقياما حَال من النكرَة الْمَحْضَة وانما الْغَالِب اذا كَانَ صَاحب الْحَال نكرَة أَن تكون عَامَّة أَو خَاصَّة أَو مؤخرة عَن الْحَال فَالْأول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون﴾

فَإِن الْجُمْلَة الَّتِي بعد ﴿إِلَّا﴾ حَال من ﴿قَرْيَة﴾ وَهِي نكرَة عَامَّة لِأَنَّهَا فِي سِيَاق النَّفْي وَالثَّانِي نَحْو ﴿فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا﴾ ف ﴿أمرا﴾ اذا أعرب حَالا فَصَاحب الْحَال اما الْمُضَاف فالمسوغ أَنه عَام أَو خَاص أما الأول فَمن جِهَة أَنه أحد صِيغ الْعُمُوم أما الثَّانِي فَمن جِهَة الْإِضَافَة وَأما الْمُضَاف إِلَيْهِ فالمسوغ أَنه خَاص لوصفه بِحَكِيم وَقَرَأَ بعض السّلف ﴿وَلما جَاءَهُم كتاب من عِنْد الله مُصدق﴾ بِالنّصب فَجعله الزَّمَخْشَرِيّ حَالا من كتاب لوصفه بالظرف وَلَيْسَ مَا ذكر بِلَازِم لجَوَاز أَن يكون حَالا من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي الظّرْف وَالثَّالِث كَقَوْلِه (لمية موحشا طلل ... )

فَهَذِهِ الْمَوَاضِع وَنَحْوهَا مَجِيء الْحَال فِيهَا نكرَة قياسي كَمَا أَن الِابْتِدَاء بالنكرة فِي نظائرها قياسي وَقد مضى ذَلِك فِي بَاب الْمُبْتَدَأ فقس عَلَيْهِ هُنَا

ثمَّ قلت الثَّامِن التَّمْيِيز وَهُوَ اسْم نكرَة فضلَة يرفع ابهام اسْم أَو اجمال نِسْبَة فَالْأول بعد الْعدَد الْأَحَد عشر فَمَا فَوْقهَا إِلَى الْمِائَة وَكم الأستفهامية نَحْو كم عبدا ملكت وَبعد الْمَقَادِير ك رَطْل زيتا وك شبر أَرضًا وقفيز برا وشبههن من نَحْو ﴿مِثْقَال ذرة خيرا﴾ ونحى سمنا وَمثلهَا زبدا وَمَوْضِع رَاحَة سحابا وَبعد فَرعه نَحْو خَاتم حديدا وَالثَّانِي اما محول عَن الْفَاعِل نَحْو ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَو عَن الْمَفْعُول نَحْو ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ أَو عَن غَيرهمَا نَحْو ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ أَو غير محول نَحْو لله دره فَارِسًا وَأَقُول الثَّامِن من المنصوبات التَّمْيِيز وَهُوَ وَالتَّفْسِير والتبيين أَلْفَاظ مترادفة لُغَة وَاصْطِلَاحا وَهُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنى فصل الشَّيْء عَن غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون﴾ أَي انفصلوا من الْمُؤمنِينَ ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ أَي ينْفَصل بَعْضهَا من بعض وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاح مُخْتَصّ بِمَا اجْتمع فِيهِ ثَلَاثَة أُمُور وَهِي الْمَذْكُورَة فِي الْمُقدمَة

وَفهم مِمَّا ذكرته فِي حدي الْحَال والتمييز أَن التَّمْيِيز وان أشبه الْحَال فِي كَونه مَنْصُوبًا فضلَة مُبينًا لإبهام الا أَنه يُفَارِقهُ فِي أَمريْن أَحدهمَا أَن الْحَال انما يكون وَصفا إِمَّا بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ وَأما التَّمْيِيز فَإِنَّهُ يكون بالأسماء الجامدة كثيرا نَحْو عشرُون درهما ورطل زيتا وبالصفات المشتقة قَلِيلا كَقَوْلِهِم لله دره فَارِسًا وَللَّه دره رَاكِبًا الثَّانِي أَن الْحَال لبَيَان الهيآت والتمييز يكون تَارَة لبَيَان الذوات وَتارَة لبَيَان جِهَة النِّسْبَة وَقسمت كلا من هذَيْن النَّوْعَيْنِ أَرْبَعَة أَقسَام فَأَما أَقسَام التَّمْيِيز الْمُبين للذات فأحدها أَن يَقع بعد الْأَعْدَاد وَقسمت الْعدَد الى قسمَيْنِ صَرِيح وكناية فالصريح الْأَحَد عشر فَمَا فَوْقهَا الى الْمِائَة تَقول عِنْدِي أحد عشر عبدا وَتِسْعَة وَتسْعُونَ درهما وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا﴾ ﴿وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾

﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ ﴿ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا﴾ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ وَفِي الحَدِيث إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما وَأَرَدْت بِقَوْلِي الى الْمِائَة عدم دُخُول الْغَايَة فِي المغيا وَهُوَ أحد احتمالي حرف الْغَايَة وَالْكِنَايَة هِيَ كم الاستفهامية تَقول كم عبدا ملكت فكم مفعول مقدم وعبدا تَمْيِيز وَاجِب النصب والإفراد وَزعم الْكُوفِي أَنه يجوز جمعه فَتَقول كم عبيدا ملكت وَهَذَا لم يسمع وَلَا قِيَاس يَقْتَضِيهِ وَيجوز لَك جر تمييزكم الاستفهامية وَذَلِكَ مَشْرُوط بأمرين أَحدهمَا أَن يدْخل عَلَيْهَا حرف جر وَالثَّانِي أَن يكون تمييزها الى

جَانبهَا كَقَوْلِك بكم دِرْهَم اشْتريت وعَلى كم شيخ اشتغلت والجر حِينَئِذٍ عِنْد جُمْهُور النَّحْوِيين بِمن مضمرة وَالتَّقْدِير بكم من دِرْهَم وعَلى كم من شيخ وَزعم الزّجاج أَنه بِالْإِضَافَة الْقسم الثَّانِي أَن يَقع بعد الْمَقَادِير وقسمتها على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يدل على الْوَزْن كَقَوْلِك رَطْل زيتا ومنوان سمنا والمنوان تَثْنِيَة منا وَهُوَ لُغَة فِي الْمَنّ وَقيل فِي تثنيته منوان كَمَا يُقَال فِي تَثْنِيَة عَصا عصوان الثَّانِي مَا يدل على مساحة كَقَوْلِك شبر أَرضًا وجريب نخلا وَقَوْلهمْ مَا فِي السَّمَاء مَوضِع رَاحَة سحابا الثَّالِث مَا يدل على الْكَيْل كَقَوْلِهِم قفيز برا وَصَاع تَمرا الْقسم الثَّالِث أَن يَقع بعد شبه هَذِه الْأَشْيَاء وَذكرت لذَلِك أَرْبَعَة أَمْثِلَة أَحدهَا قَول الله تَعَالَى ﴿مِثْقَال ذرة خيرا﴾ فَهَذَا يعد شبه الْوَزْن وَلَيْسَ بِهِ حَقِيقَة لِأَن مِثْقَال الذّرة لَيْسَ اسْما لشَيْء يُوزن بِهِ فِي عرفنَا الثَّانِي قَوْلهم عِنْدِي نحى سمنا والنحى بِكَسْر النُّون واسكان الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء خَفِيفَة اسْم لوعاء السّمن وَهَذَا يعد شبه الْكَيْل وَلَيْسَ بِهِ حَقِيقَة لِأَن النحى لَيْسَ مِمَّا يُكَال بِهِ السّمن وَيعرف بِهِ مِقْدَاره

انما هُوَ اسْم لوعائه فَيكون صَغِيرا وكبيرا وَمثله قَوْلهم وطب لَبَنًا والوطب بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الطَّاء وبالباء الْمُوَحدَة اسْم لوعاء اللَّبن وَقَوْلهمْ سقاء مَاء وزق خمرًا وراقود خلا الثَّالِث مَا فِي السَّمَاء مَوضِع رَاحَة سحابا فسحابا وَاقع بعد مَوضِع رَاحَة وَهُوَ شَبيه بالمساحة وَالرَّابِع قَوْلهم على التمرة مثلهَا زبدا فزبدا وَاقع بعد مثل وَهِي شَبيهَة ان شِئْت بِالْوَزْنِ وان شِئْت بالمساحة وَالْقسم الرَّابِع أَن يَقع بعد مَا هُوَ متفرع مِنْهُ كَقَوْلِهِم هَذَا خَاتم حديدا وَذَلِكَ لِأَن الْحَدِيد هُوَ الأَصْل والخاتم مُشْتَقّ مِنْهُ فَهُوَ فَرعه وَكَذَلِكَ بَاب ساجا وجبة خَزًّا وَنَحْو ذَلِك وَأما أَقسَام التَّمْيِيز الْمُبين لجِهَة النِّسْبَة فَأَرْبَعَة أَحدهَا أَن يكون محولا عَن الْفَاعِل كَقَوْل الله عز وَجل ﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ أَصله واشتعل شيب الرَّأْس وَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا﴾ أَصله فَإِن طابت أَنْفسهنَّ لكم عَن شَيْء مِنْهُ فحول الْإِسْنَاد فيهمَا عَن الْمُضَاف وَهُوَ الشيب فِي الْآيَة الأولى والأنفس فِي الْآيَة الثَّانِيَة الى الْمُضَاف اليه وَهُوَ الرَّأْس وَضمير النسْوَة

فصول الكتاب · 5 فصل · 602 صفحة
جارٍ التحميل