الْمصدر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- جمال الدين ابن هشام
- الكتاب
- شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
- المؤلف
- عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (المتوفى: 761هـ)
- المحقق
- عبد الغني الدقر
- الناشر
- الشركة المتحدة للتوزيع - سورياسنة النشر:
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَمِثَال إعماله فِي الْفَاعِل الْمُسْتَتر جَمِيع مَا ذكرنَا وَلَا يعْمل فِي مصدر لَا تَقول زيد أحسن النَّاس حسنا وَلَا فِي مفعول بِهِ لَا تَقول زيد أشْرب النَّاس عسلا وَإِنَّمَا تعديه بِاللَّامِ فَتَقول زيد أشْرب النَّاس للعسل وَلَا فِي فَاعل ملفوظ بِهِ لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل أحسن مِنْهُ أَبوهُ الا فِي لُغَة ضَعِيفَة حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ واتفقت الْعَرَب على جَوَاز ذَلِك فِي مسالة الْكحل وضابطها أَن يكون أفعل صفة لاسم جنس مَسْبُوق بِنَفْي وَالْفَاعِل مفضلا على نَفسه باعتبارين
وَذَلِكَ كَقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ عشر ذِي الْحجَّة وَقَول الْعَرَب مَا رَأَيْت رجلا أحسن فِي عينه الْكحل مِنْهُ فِي عين زيد وَبِهَذَا الْمِثَال لقبت الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الْكحل وَقَوله (مَا رَأَيْت امْرأ أحب إِلَيْهِ الْبَذْل مِنْهُ إِلَيْك يَا ابْن سِنَان ... ) وَلم يَقع هَذَا التَّرْكِيب فِي التَّنْزِيل
وَاعْلَم أَن مَرْفُوع أحب فِي الحَدِيث وَالْبَيْت نَائِب الْفَاعِل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ من فعل الْمَفْعُول لَا من فعل الْفَاعِل ومرفوع أحسن فِي الْمِثَال بِالْعَكْسِ لِأَن بناءه على الْعَكْس ثمَّ قلت وَإِذا كَانَ بأل طابق أَو مُجَردا أَو مُضَافا لنكرة أفرد وَذكر أَو لمعْرِفَة فالوجهان وَأَقُول استطردت فِي أَحْكَام اسْم التَّفْضِيل فَذكرت أَنه على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يجب فِيهِ أَن يكون طبق من هُوَ لَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالْألف وَاللَّام تَقول زيد الْأَفْضَل وَهِنْد الفضلى والزيدان الأفضلان والهندان الفضليان والزيدون الأفضلون والهندات الفضليات أَو الْفضل
الثَّانِي مَا يجب فِيهِ أَن لَا يُطَابق بل يكون مُفردا مذكرا على كل حَال وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الْمُجَرّد من أل وَالْإِضَافَة تَقول زيد أَو هِنْد أفضل من عَمْرو والزيدان أَو الهندان أفضل من عَمْرو والزيدون أَو الهندات أفضل من عَمْرو وَالثَّانِي الْمُضَاف إِلَى نكرَة تَقول زيد أفضل رجل والزيدان أفضل رجلَيْنِ والزيدون أفضل رجال وَهِنْد أفضل امْرَأَة والهندان أفضل امْرَأتَيْنِ والهندات أفضل نسْوَة وَتجب الْمُطَابقَة فِي تِلْكَ النكرَة كَمَا مثلنَا وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ فالتقدير أول فريق كَافِر وَلَوْلَا ذَلِك لقيل أول كَافِرين أَو التَّقْدِير وَلَا يكن كل مِنْكُم أول كَافِر مثل ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾ وَالثَّالِث مَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ وَهُوَ الْمُضَاف لمعْرِفَة تَقول زيد أفضل الْقَوْم والزيدان أفضل الْقَوْم والزيدون أفضل
الْقَوْم وَهِنْد أفضل النِّسَاء والهندان أفضل النِّسَاء والهندات أفضل النِّسَاء وَإِن شِئْت قلت الزيدان أفضلا الْقَوْم والزيدون أفضلوا الْقَوْم وَهِنْد فضلى النِّسَاء والهندان فضليا النِّسَاء والهندات فضليات النِّسَاء وَترك الْمُطَابقَة أولى قَالَ الله تَعَالَى ﴿ولتجدنهم أحرص النَّاس على حَيَاة﴾ وَلم يقل أحرصي النَّاس وَقَالَ الشَّاعِر (ومية أحسن الثقلَيْن جيدا ... وسالفة وَأَحْسَنهمْ قذالا)
وَلم يقل حسنى الثقلَيْن وَلَا حسناهم وَعَن ابْن السراج إِيجَاب ترك الْمُطَابقَة ورد بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿إِلَّا الَّذين هم أراذلنا﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا فِي كل قَرْيَة أكَابِر مجرميها﴾ ثمَّ قلت وَلَا يبْنى وَلَا ينقاس هُوَ وَلَا أَفعَال التَّعَجُّب وَهِي مَا أَفعلهُ وأفعل بِهِ وَفعل إِلَّا من فعل ثلاثي مُجَرّد لفظا وتقديرا تَامّ متفاوت الْمَعْنى غير منفي وَلَا مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَأَقُول لَا يبْنى أفعل التَّفْضِيل وَلَا مَا أَفعلهُ وأفعل بِهِ وَفعل فِي التَّعَجُّب من نَحْو جلف وكلب وحمار لِأَنَّهَا غير أَفعَال وَقَوْلهمْ مَا أجلفه وَمَا أحمره وَمَا أكلبه خطأ وَلَا من نَحْو دحرج
لِأَنَّهُ رباعي وَلَا من نَحْو انْطلق واستخرج لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ ثلاثيا لكنه مزِيد فِيهِ وَلَا من نَحْو هيف وغيد وحول وسود وحمر وَعمي وعرج لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت ثلاثية مُجَرّدَة فِي اللَّفْظ لَكِنَّهَا مزيدة فِي التَّقْدِير إِذْ أصل حول احول وعور اعور وغيد اغيد وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن عيناتها لم تقلب ألفا مَعَ تحركها وانفتاح مَا قبلهَا فلولا أَن مَا قبل عيناتها سَاكن فِي التَّقْدِير لوَجَبَ فِيهَا الْقلب الْمَذْكُور وَلَا من نَحْو كَانَ وظل وَبَات وَصَارَ لِأَنَّهَا غير تَامَّة وَلَا من نَحْو ضرب لِأَنَّهُ مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَلَا من نَحْو مَا قَامَ وَمَا عاج بالدواء لِأَنَّهُ منفي وَمَا سمع مُخَالفا لشَيْء مِمَّا ذكرنَا لم يقس عَلَيْهِ فَمن ذَلِك قَوْلهم هُوَ ألص من فلَان وأقمن مِنْهُ فبنوه من غير فعل بل
من قَوْلهم هُوَ لص وقمن بِكَذَا وَقَوْلهمْ مَا أتقاه من اتَّقى وَمَا أخصر هَذَا الْكَلَام من اختصر وهما ذَوا زِيَادَة وَالثَّانِي مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَفِي التَّنْزِيل ﴿ذَلِكُم أقسط عِنْد الله وأقوم للشَّهَادَة﴾ وهما من أقسط إِذا عدل وَمن أَقَامَ الشَّهَادَة وسيبويه يقيس ذَلِك اذا كَانَ الْمَزِيد فِيهِ أفعل وَفهم من قولي وَلَا ينقاس أَنه قد يبْنى من غير ذَلِك بِالسَّمَاعِ دون الْقيَاس كَمَا بَينته ثمَّ قلت بَاب وَإِذا تنَازع من الْفِعْل أَو شبهه عاملان فَأكْثر مَا تَأَخّر من مَعْمُول فَأكْثر فالبصري يخْتَار إِعْمَال المجاور فيضمر فِي غَيره مرفوعه ويحذف منصوبه إِن اسْتغنى عَنهُ وَإِلَّا أَخّرهُ والكوفي الأسبق فيضمر فِي غَيره مَا يَحْتَاجهُ وَأَقُول لما فرغت من ذكر العوامل أردفتها بحكمها فِي التَّنَازُع وَيُسمى هَذَا الْبَاب التَّنَازُع وَبَاب الإعمال وَالْحَاصِل أَنه يَتَأَتَّى تنَازع عاملين وَأكْثر فِي مَعْمُول وَاحِد وَأكْثر وَأَن ذَلِك جَائِز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون الْعَامِل من جنس الْفِعْل أَو
شبهه من الْأَسْمَاء فَلَا تنَازع بَين الْحُرُوف وَلَا بَين الْحَرْف وَغَيره وَالثَّانِي أَلا يكون الْمَعْمُول مُتَقَدما وَلَا متوسطا بل مُتَأَخِّرًا فَلَا تنَازع فِي نَحْو زيدا ضربت وأكرمت لتقدمه وَلَا فِي نَحْو ضربت زيدا وأكرمت لتوسطه وَجوز ذَلِك بَعضهم فيهمَا مِثَال تنَازع العاملين مَعْمُولا قَوْله تَعَالَى ﴿آتوني أفرغ عَلَيْهِ قطرا﴾ ف ﴿آتوني﴾ ﴿أفرغ﴾ عاملان طالبان ل قطرا وَمِثَال تنَازع العاملين أَكثر من مَعْمُول ضربت وأهنت زيدا يَوْم الْخَمِيس وَمِثَال تنَازع أَكثر من عاملين مَعْمُولا وَاحِدًا قَول الشَّاعِر
(أَرْجُو وأخشى وأدعوا الله مبتغيا ... عفوا وعافية فِي الرّوح والجسد) وَمِثَال تنَازع أَكثر من عاملين أَكثر من مَعْمُول وَاحِد قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فدبر ظرف وَثَلَاثًا مفعول مُطلق وهما مطلوبان لكل من العوامل الثَّلَاثَة وَمِثَال تنَازع الْفِعْلَيْنِ مَا مثلنَا وَمِثَال تنَازع الاسمين قَول الشَّاعِر (قضى كل ذِي دين فوفى غَرِيمه ... وَعزة ممطول معنى غريمها)
فِي أحد الْقَوْلَيْنِ وَمِثَال تنَازع الْفِعْل وَالِاسْم ﴿هاؤم اقرؤوا كِتَابيه﴾ وَاتفقَ الْفَرِيقَانِ على جَوَاز إِعْمَال أَي الْعَالمين شِئْت ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْمُخْتَار فَاخْتَارَ الْكُوفِيُّونَ إِعْمَال الأول لتقدمة والبصريون إِعْمَال الْمُتَأَخر لمجاورته الْمَعْمُول وَهُوَ الصَّوَاب فِي الْقيَاس وَالْأَكْثَر فِي السماع
فَإِذا أعمل الثَّانِي نظرت فَإِذا احْتَاجَ الأول لمرفوع أضمر على وفْق الظَّاهِر الْمُتَنَازع فِيهِ نَحْو قاما وَقعد أَخَوَاك وَقَامُوا وَقعد إخْوَتك وقمن وَقعد نسوتك وَهَذَا إِجْمَاع من الْبَصرِيين وَإِن احْتَاجَ لمنصوب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَصح الِاسْتِغْنَاء عَنهُ أَو لَا فان صَحَّ لاستغناء عَنهُ وَجب حذفه نَحْو ضربت وضربني زيد وَلَا يجوز أَن تضمره فَتَقول ضَربته وضربني زيد إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر قَالَ الشَّاعِر (إِذا كنت ترضيه ويرضيك صَاحب ... جهارا فَكُن فِي الْغَيْب أحفظ للود)
وان لم يَصح وَجب تَأْخِيره نَحْو رغبت وَرغب فِي الزيدان عَنْهُمَا وَإِذا أعمل الأول أضمر فِي الثَّانِي مَا يَحْتَاجهُ من مَرْفُوع ومنصوب ومجرور فَتَقول قَامَ وقعدا أَخَوَاك وَقَامَ وضربتهما أَخَوَاك وَقَامَ ومررت بهما أَخَوَاك وَلَا يجوز حذفه إِذا كَانَ مَرْفُوعا بِاتِّفَاق وَلَا إِذا كَانَ مَنْصُوبًا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر (بعكاظ يعشي الناظرين ... إِذا هم لمحوا شعاعه)
وَمن ثمَّ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿آتوني أفرغ عَلَيْهِ قطرا﴾ إِنَّه أعمل الثَّانِي لِأَنَّهُ لَو أعمل الأول لوَجَبَ أَن يُقَال آتوني أفرغه عَلَيْهِ قطرا وَكَذَا بَقِيَّة آي التَّنْزِيل الْوَارِدَة من هَذَا الْبَاب ثمَّ قلت بَاب إِذا شغل فعلا أَو وَصفا ضمير اسْم سَابق أَو ملابس لضميره عَن نَصبه وَجب نَصبه بِمَحْذُوف ممائل للمذكور إِن تَلا مَا يخْتَص بِالْفِعْلِ كَإِن الشّرطِيَّة وهلا وَمَتى وترجح إِن تَلا مَا الْفِعْل بِهِ أولى كالهمزة وَمَا النافية أَو عاطفا على فعلية غير مفصول بأما نَحْو ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ ﴿والأنعام خلقهَا لكم﴾ أَو
كَانَ المشغول طلبا وَوَجَب رَفعه بالإبتداء إِن تَلا مَا يخْتَص بِهِ كإذا الفجائية أَو تلاه مَا لَهُ الصَّدْر ك زيد هَل رَأَيْته وَهَذَا خَارج عَن أصل الْبَاب مثل ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ وَزيد مَا أحْسنه وترجح فِي نَحْو زيد ضَربته واستويا فِي نَحْو زيد قَامَ وعمرا أكرمته وَأَقُول هَذَا الْبَاب الْمُسَمّى بِبَاب الِاشْتِغَال وَحَقِيقَته أَن يتَقَدَّم اسْم ويتأخر عَنهُ عَامل هُوَ فعل أَو وصف وكل من الْفِعْل وَالْوَصْف الْمَذْكُورين مشتغل عَن نَصبه لَهُ بنصبه لضميره لفظا ك زيدا ضَربته أَو محلا ك زيدا مَرَرْت بِهِ أَو لما لَا بس ضَمِيره نَحْو زيدا ضربت غُلَامه أَو مَرَرْت بغلامه وَالِاسْم فِي هَذِه الْأَمْثِلَة وَنَحْوهَا أَصله أَن يجوز فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يرفع على الِابْتِدَاء فالجملة بعده فِي مَحل رفع على الخبرية وَالثَّانِي أَن ينصب بِفعل مَحْذُوف وجوبا يفسره الْفِعْل الْمَذْكُور فَلَا مَوضِع للجملة بعده لِأَنَّهَا مفسرة
وَفهم من قولي فعل أَو وصف أَن الْعَامِل إِن لم يكن أَحدهمَا لم تكن الْمَسْأَلَة من بَاب الِاشْتِغَال وَذَلِكَ نَحْو زيد إِنَّه فَاضل وَعَمْرو كَأَنَّهُ أَسد وَذَلِكَ لِأَن الْحَرْف لَا يعْمل فِيمَا قبله وَكَذَلِكَ نَحْو زيد دراكه وَعَمْرو عليكه لِأَن اسْم الْفِعْل لَا يعْمل فِيمَا قبله وَمَا لَا يعْمل لَا يُفَسر عَاملا من ثمَّ لم يجز النصب على الِاشْتِغَال فِي نَحْو ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ وقولك زيد مَا أحْسنه لِأَن ﴿فَعَلُوهُ﴾ صفة وَالصّفة لَا تعْمل فِي الْمَوْصُوف وَفعل التَّعَجُّب جامد فَهُوَ شَبيه بالحرف فَلَا يعْمل فِيمَا قبله لَا سِيمَا وَبَينهمَا مَا التعجبية وَلها الصَّدْر وَكَذَلِكَ زيد أَنا الضاربه لِأَن أل مَوْصُولَة فَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا مَعْمُول صلتها ثمَّ الِاسْم الَّذِي تقدم وَبعده فعل أَو وصف وكل مِنْهُمَا ناصب لضميره أَو لسببيه يَنْقَسِم خَمْسَة أَقسَام أَحدهَا مَا يتَرَجَّح نَصبه وَذَلِكَ فِي ثَلَاث مسَائِل إِحْدَاهَا أَن يكون الْفِعْل المشغول طلبا نَحْو زيدا اضربه وعمرا لَا تهنه
الثَّانِيَة أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ أَدَاة يغلب دُخُولهَا على الْفِعْل نَحْو ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ الثَّالِثَة أَن يقْتَرن الِاسْم بعاطف مَسْبُوق بجملة فعلية لم تبن على مُبْتَدأ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿خلق الْإِنْسَان من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين والأنعام خلقهَا لكم﴾ الثَّانِي مَا يتَرَجَّح رَفعه بِالِابْتِدَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ مَا يطْلب الْفِعْل وجوبا أَو رجحانا نَحْو زيد ضَربته وَذَلِكَ لِأَن النصب محوج الى التَّقْدِير وَلَا طَالب لَهُ وَالرَّفْع غَنِي عَنهُ فَكَانَ أولى لِأَن التَّقْدِير خلاف الأَصْل وَمن ثمَّ مَنعه بعض النَّحْوِيين وَيَردهُ أَنه قرئَ ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا﴾ ﴿سُورَة أنزلناها﴾ بِنصب ﴿جنَّات﴾ و ﴿سُورَة﴾ الثَّالِث مَا يجب نَصبه وَذَلِكَ فِيمَا تقدم عَلَيْهِ مَا يطْلب الْفِعْل على سَبِيل الْوُجُوب نَحْو إِن زيدا رَأَيْته فَأكْرمه الرَّابِع مَا يجب رَفعه وَذَلِكَ إِذا تقدم عَلَيْهِ مَا يخْتَص بالجمل الاسمية كإذا الفجائية نَحْو خرجت فَإِذا زيد يضْربهُ عَمْرو وإجازة
أَكثر النَّحْوِيين النصب بعْدهَا سَهْو أَو حَال بَين الِاسْم وَالْفِعْل شَيْء من أدوات التصدير نَحْو زيد هَل رَأَيْته وَعَمْرو مَا لَقيته الْخَامِس مَا يستوى فِيهِ الْأَمْرَانِ وَذَلِكَ إِذا وَقع الِاسْم بعد عاطف مَسْبُوق بجملة فعلية مَبْنِيَّة على مُبْتَدأ نَحْو زيد قَامَ وعمرا أكرمته وَذَلِكَ لِأَن الْجُمْلَة السَّابِقَة اسمية الصَّدْر فعلية الْعَجز فَإِن راعيت صدرها رفعت وَإِن راعيت عجزها نصبت فالمناسبة حَاصِلَة على كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلذَلِك جَازَ الْوَجْهَانِ على السوَاء وَقد جَاءَ التَّنْزِيل بِالنّصب قَالَ الله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ الْآيَات ﴿الرَّحْمَن﴾ مُبْتَدأ و ﴿علم الْقُرْآن﴾ جملَة فعلية وَالْمَجْمُوع جملَة اسمية ذَات وَجْهَيْن والجملتان بعد ذَلِك معطوفتان على الْخَبَر وجملتا ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ معترضتان ﴿وَالسَّمَاء رَفعهَا﴾ عطف على الْخَبَر أَيْضا وَهِي مَحل الاستشهاد بَاب التوابع
ثمَّ قلت بَاب يتبع مَا قبله فِي الْإِعْرَاب خَمْسَة أَحدهَا التوكيد
وَهُوَ تَابع يُقرر أَمر الْمَتْبُوع فِي النِّسْبَة أَو الشُّمُول فَالْأول نَحْو جَاءَنِي زيد نَفسه والزيدان أَو الهندان أَنفسهمَا والزيدون أنفسهم والهندات أَنْفسهنَّ وَالْعين كالنفس وَالثَّانِي نَحْو جَاءَ الزيدان كِلَاهُمَا والهندان كلتاهما واشتريت العَبْد كُله وَالْعَبِيد كلهم وَالْأمة كلهَا وَالْإِمَاء كُلهنَّ وَلَا تؤكد نكرَة مُطلقًا وتؤكد بِإِعَادَة اللَّفْظ أَو مرادفه نَحْو ﴿دكا دكا﴾ و ﴿فجاجا سبلا﴾ وَلَا يُعَاد ضمير مُتَّصِل وَلَا حرف غير جوابي إِلَّا مَعَ مَا اتَّصل بِهِ وَأَقُول إِذا استوفت العوامل معمولاتها فَلَا سَبِيل لَهَا إِلَى غَيرهَا إِلَّا بالتبعية والتوابع خَمْسَة نعت وتوكيد وَعطف بَيَان وَبدل وَعطف نسق وَقيل أَرْبَعَة فأدرج هَذَا الْقَائِل عطفي الْبَيَان والنسق تَحت قَوْله والعطف وَقَالَ آخر سِتَّة فَجعل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ بَابا وَحده والتأكيد الْمَعْنَوِيّ كَذَلِك وَمِثَال الْمُقَرّر لأمر الْمَتْبُوع فِي النِّسْبَة جَاءَ زيد نَفسه فَإِنَّهُ
لَوْلَا قَوْلك نَفسه لجوز السَّامع كَون الجائي خَبره أَو كِتَابه بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك﴾ أَي أمره وَمِثَال الْمُقَرّر لأَمره فِي الشُّمُول قَوْله عز وَجل ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾ إِذْ لَوْلَا التَّأْكِيد لجوز السَّامع كَون الساجد أَكْثَرهم وَيجب فِي الْمُؤَكّد كَونه معرفَة وشذ قَول عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مَا صَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شهرا كُله إِلَّا رَمَضَان وَقَول الشَّاعِر (لكنه شاقه أَن قيل ذَا رَجَب ... يَا لَيْت عدَّة حول كُله رَجَب)
وأنشده ابْن مَالك وَغَيره (يَا لَيْت عدَّة شهر ... ) وَهُوَ تَحْرِيف وَيجب فِي التَّأْكِيد كَونه مُضَافا الى ضمير عَائِد على الْمُؤَكّد مُطَابق
لَهُ كَمَا مثلنَا وَيسْتَثْنى من ذَلِك أجمع وَمَا تصرف مِنْهُ فَلَا يضفن لضمير تَقول اشْتريت العَبْد كُله أجمع وَالْأمة كلهَا جَمْعَاء وَالْعَبِيد كلهم أَجْمَعِينَ وَالْإِمَاء كُلهنَّ جمع وَيجب فِي النَّفس وَالْعين إِذا أكد بهما أَن يَكُونَا مفردين مَعَ الْمُفْرد نَحْو زيد نَفسه عينه وَجَاءَت هِنْد نَفسهَا عينهَا مجموعين مَعَ الْجمع نَحْو جَاءَ الزيدون أنفسهم أَعينهم والهندات أَنْفسهنَّ أعينهن وَأما إِذا أكد بهما الْمثنى ففيهما ثَلَاث لُغَات أفصحها الْجمع فَتَقول جَاءَ الزيدان أَنفسهمَا أعينهما ودونه الْإِفْرَاد وَدون الْإِفْرَاد التَّثْنِيَة وَهِي الْأَوْجه الْجَارِيَة فِي قَوْلك قطعت رُؤُوس الكبشين مَسْأَلَة قَالَ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ﴾
) فَائِدَة ذكر كل رفع وهم من يتَوَهَّم أَن الساجد الْبَعْض وَفَائِدَة ذكر ﴿أَجْمَعُونَ﴾ رفع وهم من يتَوَهَّم أَنهم لم يسجدوا فِي وَقت وَاحِد بل سجدوا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين وَالْأول صَحِيح وَالثَّانِي بَاطِل بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ لِأَن إغواء الشَّيْطَان لَهُم لَيْسَ فِي وَقت وَاحِد فَدلَّ على أَن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لَا تعرض فِيهِ لِاتِّحَاد بِالْوَقْتِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ كمعنى كل سَوَاء وَهُوَ قَول جُمْهُور النَّحْوِيين وَإِنَّمَا ذكر فِي الْآيَة تَأْكِيدًا على تَأْكِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فمهل الْكَافرين أمهلهم رويدا﴾
ثمَّ قلت الثَّانِي النَّعْت وَهُوَ تَابع مُشْتَقّ أَو مؤول بِهِ يُفِيد تَخْصِيص متبوعه أَو تَوْضِيحه أَو مدحه أَو ذمه أَو تأكيده أَو الترحم عَلَيْهِ ويتبعه فِي وَاحِد من أوجه الْإِعْرَاب وَمن التَّعْرِيف والتنكير وَلَا يكون أخص مِنْهُ فنحو بِالرجلِ صَاحبك بدل وَنَحْو بِالرجلِ الْفَاضِل وبزيد الْفَاضِل نعت وَأمره فِي الْإِفْرَاد والتذكير وأضدادهما كالفعل وَلَكِن يتَرَجَّح نَحْو جَاءَنِي رجل قعُود غلمانه على قَاعد وَأما قَاعِدُونَ فضعيف وَيجوز قطعه ان علم متبوعه بِدُونِهِ بِالرَّفْع أَو بِالنّصب وَأَقُول مِثَال الْمُشْتَقّ مَرَرْت بِرَجُل ضَارب أَو مَضْرُوب أَو
حسن الْوَجْه أَو خير من عَمْرو وَمِثَال المؤول بِهِ مَرَرْت بِرَجُل أَسد أَي شُجَاع وَمِثَال مَا يُفِيد تَخْصِيص الْمَتْبُوع قَوْله تَعَالَى
﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَمِثَال مَا يُفِيد مدحه ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَمِثَال مَا يُفِيد ذمه أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَمِثَال مَا يُفِيد الترحم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ أَنا عَبدك الْمِسْكِين وَمِثَال التوكيد ﴿نفخة وَاحِدَة﴾ و ﴿عشرَة كَامِلَة﴾ و ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ وَزعم قوم من أهل الْبَيَان أَن ﴿اثْنَيْنِ﴾ عطف بَيَان وَيحْتَاج شرح ذَلِك الى بسط طَوِيل وَقد لهج المعربون بِأَن النَّعْت يتبع منعوته فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَالتَّحْقِيق أَن الْأَمر على النّصْف فِي العددين وَأَنه انما يتبع فِي اثْنَيْنِ من خَمْسَة وهما وَاحِد من أوجه الْإِعْرَاب الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ الرّفْع وَالنّصب والجر
وَوَاحِد من التَّعْرِيف والتنكير فَلَا تنْعَت نكرَة بِمَعْرِِفَة وَلَا الْعَكْس لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل الْفَاضِل وَلَا بزيد فَاضل كَمَا أَنه لَا يتبع الْمَرْفُوع بمنصوب وَلَا مجرور وَلَا نَحْو ذَلِك وَيجب عِنْد جَمَاهِير النَّحْوِيين كَون الْمَوْصُوف إِمَّا أعرف من الصّفة أَو مُسَاوِيا لَهَا فَلَا يجوز أَن يكون دونهَا فَالْأول كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد الْفَاضِل فَإِن الْعلم أعرف من الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَالثَّانِي نَحْو مَرَرْت بِالرجلِ الْفَاضِل فَإِنَّهُمَا معرفان بِاللَّامِ وَالثَّالِث نَحْو مَرَرْت بِالرجلِ صَاحبك فصاحبك بدل عِنْدهم لَا نعت لِأَن الْمُضَاف للضمير فِي رُتْبَة الضَّمِير أَو رُتْبَة الْعلم وَكِلَاهُمَا أعرف من الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَأما الْإِفْرَاد وضداه وهما التَّثْنِيَة وَالْجمع والتذكير وضده وَهُوَ التَّأْنِيث فَإِن النَّعْت يعْطى من ذَلِك حكم الْفِعْل الَّذِي يحل مَحَله من ذَلِك الْكَلَام فَتَقول مَرَرْت بأمرأة حسن أَبوهَا بالتذكير كَمَا تَقول حسن أَبوهَا وَفِي التَّنْزِيل ﴿رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا﴾ وبرجل حَسَنَة أمه بالتأنيث كَمَا تَقول حسنت أمه
وَتقول بِرَجُل حسن أَبَوَاهُ وبرجل حسن آباؤه وَلَا تَقول حسنين وَلَا حسنين إِلَّا على لُغَة من قَالَ أكلوني البراغيث وعَلى ذَلِك فقس إِلَّا أَن الْعَرَب أجروا جمع التكسير مجْرى الْوَاحِد فأجازوا فصيحا مَرَرْت بِرَجُل قعُود غلمانه كَمَا تَقول قَاعد غلمانه وَقوم رجحوه على الْإِفْرَاد وَإِلَيْهِ أذهب وَأما جمع التَّصْحِيح فَإِنَّمَا يَقُوله من يَقُول أكلوني البراغيث واذا كَانَ المنعوت مَعْلُوما بِدُونِ النَّعْت نَحْو مَرَرْت بامرئ الْقَيْس الشَّاعِر جَازَ لَك فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الإتباع فيخفض وَالْقطع
بِالرَّفْع بإضمار هُوَ وَبِالنَّصبِ بإضمار فعل وَيجب أَن يكون ذَلِك الْفِعْل أخص أَو أَعنِي فِي صفة التَّوْضِيح وأمدح فِي صفة الْمَدْح وأذم فِي صفة الذَّم فَالْأول كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور وَالثَّانِي كَمَا فِي قَول بعض الْعَرَب الْحَمد لله أهل الْحَمد بِالنّصب وَالثَّالِث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب﴾ يقْرَأ فِي السَّبع ﴿حمالَة الْحَطب﴾ بِالنّصب بإضمار أَذمّ وبالرفع اما على الإتباع أَو بإضمار هِيَ ثمَّ قلت الثَّالِث عطف الْبَيَان وَهُوَ تَابع غير صفة يُوضح متبوعه أَو يخصصه نَحْو (أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر ... ) وَنَحْو ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ ويتبعه فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَيجوز إعرابه بدل كل ان لم يجب ذكره ك هِنْد قَامَ زيد أَخُوهَا وَلم يمْتَنع احلاله مَحل الأول نَحْو يَا زيد الْحَارِث
و (أَنا ابْن التارك الْبكْرِيّ بشر ... ) و (يَا نصر نصر نصرا ... ) وَيمْتَنع فِي نَحْو ﴿مقَام إِبْرَاهِيم﴾ وَفِي نَحْو يَا سعيد كرز وَقَرَأَ قالون عِيسَى وَأَقُول قولي تَابع جنس يَشْمَل التوابع كلهَا وَقَوْلِي غير صفة مخرج للصفة فَإِنَّهَا توَافق عطف الْبَيَان فِي افادة توضيح الْمَتْبُوع ان كَانَ معرفَة وتخصيصه ان كَانَ نكرَة فَلَا بُد من اخراجها والا دخلت فِي حد الْبَيَان وَقَوْلِي يُوضح متبوعه أَو يخصصه مخرج لما عدا عطف الْبَيَان وَمِثَال الموضح قَوْله (أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر ... مَا مَسهَا من نقب وَلَا دبر)
وَمِثَال الْعَطف الْمُخَصّص قَوْله تَعَالَى ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ فِيمَن نون الْكَفَّارَة وَرفع الطَّعَام وَحكم الْمَعْطُوف أَنه يتبع الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَهِي
وَاحِد من الرّفْع وَالنّصب والجر وَوَاحِد من التَّعْرِيف والتنكير وَوَاحِد من الْإِفْرَاد والتثنية وَالْجمع وَوَاحِد من التَّذْكِير والتأنيث وكل شَيْء جَازَ إعرابه عطف بَيَان جَازَ إعرابه بَدَلا أَعنِي بدل كل من كل إِلَّا إِذا كَانَ ذكره وَاجِبا ك هِنْد قَامَ زيد أَخُوهَا أَلا ترى أَن الْجُمْلَة الفعلية خبر عَن هِنْد وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا لَا بُد لَهَا من رابط يربطها بالمخبر عَنهُ والرابط هُنَا الضَّمِير فِي قَوْله أَخُوهَا الَّذِي هُوَ تَابع لزيد فَإِن أسقط لم يَصح الْكَلَام فَوَجَبَ أَن يعرب بَيَانا لَا بَدَلا لِأَن الْبَدَل على نِيَّة تكْرَار الْعَامِل فَكَأَنَّهُ من جملَة أُخْرَى فتخلو الْجُمْلَة الْمخبر بهَا عَن رابط وَإِلَّا إِذا امْتنع إحلاله مَحل الْمَتْبُوع وَلذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة مِنْهَا قَوْلك يَا زيد الْحَارِث فَهَذَا من بَاب الْبَيَان وَلَيْسَ من بَاب الْبَدَل لِأَن الْبَدَل فِي نِيَّة الْإِحْلَال مَحل الْمُبدل مِنْهُ اذ لَو قيل يَا الْحَارِث لم يجز لِأَن يَا وأل لَا يَجْتَمِعَانِ هُنَا وَمِنْهَا قَول الشَّاعِر (أَنا ابْن التارك الْبكْرِيّ بشر ... عَلَيْهِ الطير ترقبه وقوعا)
ف بشر عطف بَيَان على الْبكْرِيّ وَلَيْسَ بَدَلا لِامْتِنَاع أَنا ابْن التارك بشر اذ لَا يُضَاف مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام الى الْمُجَرّد مِنْهَا إِلَّا أَن كَانَ الْمُضَاف صفة مثناة أَو مَجْمُوعَة جمع الْمُذكر السَّالِم نَحْو الضاربا زيد والضاربو زيد وَلَا يجوز الضَّارِب زيد خلافًا للفراء وَمِنْهَا قَول الراجز وَهُوَ ذُو الرمة (اني وأسطار سطرن سطرا ... لقَائِل يَا نصر نصر نصرا)
لِأَن نصرا الثَّانِي مَرْفُوع وَالثَّالِث مَنْصُوب فَلَا يجوز فيهمَا أَن يَكُونَا بدلين لِأَنَّهُ لَا يجوز يَا نصر بِالرَّفْع وَلَا يَا نصرا بِالنّصب قَالُوا وانما نصر الأول عطف بَيَان على اللَّفْظ وَالثَّانِي عطف بَيَان على الْمحل وَاسْتشْكل ذَلِك ابْن الطراوة لِأَن الشَّيْء لَا يبين نَفسه قَالَ وانما هَذَا من بَاب التوكيد اللَّفْظِيّ وَتَابعه على ذَلِك المحمدان ابْنا مَالك ومعطي فَإِن قلت يَا سعيد كرز بِضَم كرز وَجب كَونه بَدَلا وَامْتنع كَونه بَيَانا لِأَن الْبَدَل فِي بَاب النداء حكمه حكم المنادى المستقل وكرز اذا نُودي ضم من غير تَنْوِين وَأما الْبَيَان الْمُفْرد التَّابِع لمبني فَيجوز رَفعه ونصبه وَيمْتَنع ضمه من غير تَنْوِين وَمثله فِي ذَلِك النَّعْت والتوكيد نَحْو يَا زيد الْفَاضِل والفاضل وَيَا تَمِيم أَجْمَعُونَ أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ يمْتَنع الْبَيَان فِي قَوْلك قَرَأَ قالون عِيسَى وَنَحْوه مِمَّا الأول
فِيهِ أوضح من الثَّانِي وانما قَالَ الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون﴾ انه بَيَان لِأَن فِرْعَوْن كَانَ قد ادّعى الربوبية فَلَو اقتصروا على قَوْلهم ﴿بِرَبّ الْعَالمين﴾ لم يكن ذَلِك صَرِيحًا فِي الْإِيمَان بالرب الْحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثمَّ قلت الرَّابِع الْبَدَل وَهُوَ التَّابِع الْمَقْصُود بالحكم بِلَا وَاسِطَة وَهُوَ إِمَّا بدل كل نَحْو ﴿صِرَاط الَّذين﴾ أَو بعض نَحْو ﴿من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ أَو اشْتِمَال نَحْو ﴿قتال فِيهِ﴾ أَو اضراب نَحْو مَا كتب لَهُ نصفهَا ثلثهَا ربعهَا أَو نِسْيَان أَو غلط ك جَاءَنِي زيد عَمْرو وَهَذَا زيد حمَار وَالْأَحْسَن عطف هَذِه الثَّلَاثَة ببل ويوافق متبوعه وَيُخَالِفهُ فِي الْإِظْهَار والتعريف وضديهما وَلَكِن لَا يُبدل ظَاهر من ضمير حَاضر إِلَّا بدل بعض أَو اشْتِمَال مُطلقًا أَو بدل كل ان أَفَادَ الْإِحَاطَة وَأَقُول الْبَدَل فِي اللُّغَة الْعِوَض وَفِي التَّنْزِيل ﴿عَسى رَبنَا أَن يبدلنا خيرا مِنْهَا﴾ وَفِي الِاصْطِلَاح مَا ذكر
وَالتَّابِع جنس يَشْمَل جَمِيع التوابع وَالْمَقْصُود بالحكم فصل مخرج للنعت وَالْبَيَان والتأكيد فَإِنَّهُنَّ متممات الْمَقْصُود بالحكم لَا مَقْصُودَة بالحكم ولنحو جَاءَ الْقَوْم لَا زيد فَإِن زيدا منفي عَنهُ الحكم فَلَا يَصح أَن يُقَال أَنه الْمَقْصُود بالحكم ولنحو عَمْرو فِي جَاءَ زيد وَعَمْرو أَو فعمرو أَو ثمَّ عَمْرو أَو الْقَوْم حَتَّى عَمْرو فَإِنَّهُ مَقْصُود بالحكم مَعَ الأول فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه الْمَقْصُود بالحكم وَبلا وَاسِطَة مخرج للمعطوف عطف النسق فِي نَحْو جَاءَ زيد بل عَمْرو فَإِنَّهُ وان كَانَ الْمَقْصُود بالحكم لكنه انما يتبع بِوَاسِطَة حرف الْعَطف وأقسامه سِتَّة بدل كل من كل وَبدل بعض من كل وَبدل اشْتِمَال وَبدل اضراب وَبدل نِسْيَان وَبدل غلط
فبدل الْكل نَحْو ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين﴾ فالصراط الثَّانِي هُوَ نفس الصِّرَاط الأول وَبدل الْبَعْض نَحْو ﴿وَللَّه على﴾ النَّاس ﴿حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ ف من فِي مَوضِع خفض على أَنَّهَا بدل من النَّاس والمستطيع بعض النَّاس لَا كلهم وَبدل الاشتمال نَحْو ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ ف ﴿قتال﴾ بدل من ﴿الشَّهْر﴾ وَلَيْسَ الْقِتَال نفس الشَّهْر وَلَا بعضه وَلكنه ملابس لَهُ لوُقُوعه فِيهِ وَبدل الإضراب كَقَوْلِه إِن الرجل ليُصَلِّي الصَّلَاة مَا كتب لَهُ نصفهَا ثلثهَا ربعهَا إل الْعشْر وضابطه أَن يكون الْبَدَل والمبدل مِنْهُ مقصودين قصدا صَحِيحا وَلَيْسَ بَينهمَا توَافق كَمَا فِي بدل الْكل وَلَا كُلية وجزئية كَمَا فِي بدل الْبَعْض وَلَا مُلَابسَة كَمَا فِي بدل الاشتمال
وَبدل النسْيَان كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد عَمْرو إِذا كنت إِنَّمَا قصدت زيدا أَولا ثمَّ تبين فَسَاد قصدك فَذكرت عمرا وَبدل الْغَلَط كَقَوْلِك هَذَا زيد حمَار وَالْأَصْل أَنَّك أردْت أَن تَقول هَذَا حمَار فسبقك لسَانك إِلَى زيد فَرفعت الْغَلَط بِقَوْلِك حمَار وَسَماهُ النحويون بدل الْغَلَط أَلا ترى أَن الْحمار بدل من زيد وَأَن زيدا إِنَّمَا ذكر غَلطا وَيصِح أَن يمثل لهَذِهِ الأبدال الثَّلَاثَة بِقَوْلِك جَاءَنِي زيد عَمْرو لِأَن الأول وَالثَّانِي إِن كَانَا مقصودين قصدا صَحِيحا فبدل إضراب وان كَانَ الْمَقْصُود انما هُوَ الثَّانِي فبدل غلط وان كَانَ الأول قصد أَولا ثمَّ تبين فَسَاد قَصده فبدل نِسْيَان
ثمَّ اعْلَم أَن الْبَدَل والمبدل مِنْهُ ينقسمان بِحَسب الْإِظْهَار والإضمار أَرْبَعَة أَقسَام وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يكونَانِ ظَاهِرين ومضمرين ومختلفين وَذَلِكَ على وَجْهَيْن فإبدال الظَّاهِر من الْمظهر نَحْو جَاءَنِي زيد أَخُوك وابدال الْمُضمر من الْمُضمر نَحْو ضَربته اياه فإياه بدل أَو توكيد وَأوجب ابْن مَالك الثَّانِي وَأسْقط هَذَا الْقسم من أَقسَام الْبَدَل وَلَو قلت ضَربته هُوَ كَانَ بالِاتِّفَاقِ توكيدا لَا بَدَلا وابدال الْمُضمر من نَحْو ضربت زيدا اياه وَأسْقط ابْن مَالك هَذَا الْقسم أَيْضا من بَاب الْبَدَل وَزعم أَنه لَيْسَ بمسموع قَالَ وَلَو سمع لأعرب توكيدا لَا بَدَلا وَفِيمَا ذكره نظر لِأَنَّهُ لَا يُؤَكد الْقوي بالضعيف وَقد قَالَت الْعَرَب زيد هُوَ الْفَاضِل وَجوز النحويون
فِي هُوَ أَن يكون بَدَلا وَأَن يكون مُبْتَدأ وَأَن يكون فصلا وإبدال الظَّاهِر من الْمُضمر فِيهِ تَفْصِيل وَذَلِكَ أَن الظَّاهِر ان كَانَ بَدَلا من ضمير غيبَة جَازَ مُطلقًا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ﴾ ف ﴿أَن أذكرهُ﴾ بدل من الْهَاء فِي ﴿أنسانيه﴾ بدل اشْتِمَال وَمثله ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ وَقَول الشَّاعِر (على حَالَة لَو أَن فِي الْقَوْم حَاتِم ... على جوده لضن بِالْمَاءِ حَاتِم) إِلَّا أَن هَذَا بدل كل من كل وَإِن كَانَ ضمير حَاضر فَإِن كَانَ الْبَدَل بَعْضًا أَو اشتمالا جَازَ نَحْو أعجبتني وَجهك وأعجبتني علمك وَقَوله (أوعدني بالسجن والأداهم ... رجْلي فرجلي شثنة المناسم)